الإسلام والفن

الإسلام والفن0%

الإسلام والفن مؤلف:
الناشر: بناية كليوباترا ـ شارع دكّاش ـ حارة حريك
تصنيف: مكتبة اللغة والأدب
الصفحات: 191

الإسلام والفن

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الدكتور محمود البستاني
الناشر: بناية كليوباترا ـ شارع دكّاش ـ حارة حريك
تصنيف: الصفحات: 191
المشاهدات: 12645
تحميل: 19389

توضيحات:

الإسلام والفن
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 191 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 12645 / تحميل: 19389
الحجم الحجم الحجم
الإسلام والفن

الإسلام والفن

مؤلف:
الناشر: بناية كليوباترا ـ شارع دكّاش ـ حارة حريك
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

( الثانوي ) فهو الذي يمارس ( دوراً ) محدَّداً وتنتهي مهمته. والوظيفة الفنية للأبطال الثانويين هي: إلقاء الضوء على الشخصية الرئيسة، أو التجسيد لفكرة محدّدة يستهدفها القاص، أو إلقاء الإنارة على ( الهدف العام ) من القصة.

شخصية يوسف تجسّد ظاهرة الصبر على الشدائد، والاختبار، واجتياز ذلك أو التعثر فيه في بعض المواقف، وملافاة ذلك، وتمكينها من المُلك لهدف إصلاحي، هو: إنقاذ الجمهور من المجاعة.

أمَّا الأبطال الثانويون، فقد لعب كلٌ منهم دوراً مهماً في القصة.

شخصية ( يعقوب ) مثلاً، أبرزت واحداً من ( الدوافع )، هو: الأُبوة أو ( البنوة )، كما أبرزت مفهوم ( التفاضل ) بين الأبناء وانعكاس ذلك على سلوك الشخصية. وتتمثَّل عاطفة الأُبوة في تحذيره يوسف من قصّ الحلم على إخوته، وفي إيصاء إخوته على المحافظة عليه من الذئب، وفي إيصائهم بالدخول من أبواب متفرقة، وفي عاطفته حيال إلخ الأصغر عند ذهاب الإخوة لجلب الطعام... وتتضخّم هذه العاطفة بنحو تنعكس على استجابة يعقوب حيال يوسف بحيث ابيضّت عيناه من الحزن.

أمثلة هذه العاطفة وتضخُّمها، لها أهميتها الكبيرة في ميدان التربية وعلم النفس وانعكاساتها في السلوك. كما أنّ ( التفاضل) بين الأبناء له انعكاساته على الأطفال والراشدين، فيما جسّدت القصة كلّ هذه المفهومات بطريقة فنّية ممّتعة كل الإمتاع. هذا إلى أنّ كلاً من ( الصبر ) و( التوكل ) على الله في دفع الشدائد، كان إفرازاً واضحاً لشخصية يعقوب، بحيث ترتّب على ذلك عودة يوسف وارتداد الأب بصيراً.

أمَّا إخوة يوسف، فقد جسّدوا مفهوم ( الغيرة ) الناجمة من التفاضل، أو مفهوم ( الحسد ) الناجم منه، بحيث ترتّب على ذلك أن يصوغوا مؤامرة ضخمة حيال يوسف على النحو المأساوي الذي سردته القصة. بَيْد أنَّ مفهوم ( التفاضل ) المذكور لا يترك انعكاساته التي لا سبيل إلى تعديلها، بل نستخلص من القصة أنّ ( التفاضل ) له جانبه السلبي في صياغة السلوك، ولكن ليس على النحو الذي لا سبيل إلى تعديله: حيث تاب الإخوة وأدركوا خطأ سلوكهم وعدّلوا سلوكهم في نهاية المطاف.

أمَّا امرأة العزيز، فقد جسّدت أحد الدوافع الملحّة عند الآدميين وبخاصة الأُنثى، ونعني به ( الدافع الجنسي )، لكن القصة أبرزت في الآن ذاته إمكانية السيطرة عليه والاستعانة بالله في ذلك. يقابله: عدم السيطرة في حالة انعدام الوعي العبادي لدى ( الشخصية ) - وهو ما طبع شخصية امرأة العزيز - فضلاً عن استتلائه التورُّط في صياغة ( جرائم ) ضخمة في حالة الإحباط، وبخاصة لدى ( الأنثى ) التي تتحوّل إلى ( أفعى ) بمجرد غضبها على الرجل: حيث لم تتورّع من اتهام يوسف وسجنه. ولكن يظل السلوك قابلاً للتعديل، وهذا ما تحقّق فعلاً من

١٢١

خلال توبتها وإقرارها بنظافة يوسف.

( نسوة المدينة ) بدورهن جسّدن مفهوم ( الغيرة ) من النساء، حيث انطلقن من دافع ( الحسد ) و( الغيرة ) في تشهيرهنّ بامرأة العزيز، وليس بدافع من الفضيلة. ولذلك سرعان ما قطّعن أيديهن عند مرور يوسف عليهن... وهذا كلُّه فيما يتصل بتجسيد الأفكار المطروحة في السورة.

أمَّا من حيث إلقاء الضوء على شخصية يوسف، وتأثير الأبطال الثانويين في مسار الأحداث، فأمر لا يحتاج إلى توضيح أنّ لكل من الشخصيات المذكورة مساهمتها: فصاحبا السجن كشفا عن المقدرة العلمية عند يوسف في تفسيره للأحلام، وإخوته كشفوا عن عنصر التسامح لديه، وامرأة العزيز كشفت عن نظافته... وهكذا.

إذن الأبطال الثانويّون لعبوا أدواراً ضخمة في القصة، من حيث تجسيدها لمختلف الأفكار والمفهومات المتصلة بتركيبة الإنسان وسلوكه، من جنس وحسدٍ، وغيرة وتسامح ونقاء، وتعديل سلوك، وتوكّل على الله، وصبر على الشدائد... إلخ.

عنصر الحوار في القصة:

الحوار - كما نعرف جميعاً - هو: حديث البطل مع غيره، وحديثه مع نفسه. ومن البيّن أنّ هذا العنصر يجسّم حيوية القصة بأعلى درجاتها ؛ مادام ( الكلام ) مع الغير أو مع النفس هو المفصِح عن دوافع الشخصية ورغباتها، عن صراعها وهدوئها، بل إنّ ( الكلام ) قد يحسم مصير الفرد أو الجمهور أو الأُمة.

وبالرغم من أنّ ( السرد ) الذي يعني ( قص ) الأحداث والمواقف ونقلها إلى الآخرين، بمقدوره أن يكشف عن أعماق الشخصية، إلاَّ أنَّه لا تتوفّر فيه إمكانات الحوار ؛ لجملة من الأسباب، منها: أنّ ترك الشخص يتحدّث بنفسه يظل أشدّ حيوية من نقل كلامه. كما أنّ ما لديه من ( أفكار ) لا يستطيع المُلاحِظ تعرّفها ما لم يعلِن الشخص ذلك بنفسه، فضلاً عن أنّ بعض ( الأسرار ) لا يمكن التحدّث عنها حتى بلسان البطل، بل يظل متحدّثاً بها مع نفسه، وهذا ما يتطلّبه أحد شكلَي الحوار، ونعني ( الحوار الداخلي).

كما أنّ هناك ( حالات ) خاصة يستدعيها ( التداعي الذهني )، الذي ينتقل من خلالها الذهنُ من موضوعٍ لآخر تربطه به علاقات ( التشابه )، أو علاقات لا شعورية يتداعى الذهن إليها دون أن ينتبه الشخص إلى مغزى ذلك. ولذلك نجد أنّ القصة الحديثة تلجأ في كثير من نماذجها إلى ترك البطل ( يُداعي ) بذهنه إلى موضوعات لا علاقة ظاهرية بينها، فيما يستثمر القاص هذه الخصيصة لطرح مختلف ( الأفكار ) التي يستهدفها.

المهم، أنّ ( القصة القرآنية ) تعتمد عنصر ( الحوار ) بأشكاله المتنوّعة التي يستدعيها هذا الموقف أو ذاك: مع ملاحظة أنّ الفارق بين القصة الأرضية وقصص القرآن يتحدّد - بوضوح -

١٢٢

من حيث معرفة ( المبدع ) بما في الصدور وامتناع ذلك عند القاص البشري ؛ الأمر الذي يجعل لعنصر ( السرد ) في كشفه عن الأعماق نفس ( الفاعلية ) الموجودة في ( الحوار). بَيْد أنّ القصة القرآنية - على الرغم من ذلك - تدع البطل يتحدّث مع غيره، أو مع نفسه: بغية توفير عنصر ( الإقناع ) من جانب، وتحقيق المتعة الفنية التي يتطلّبها شكل القصة من جانب آخر.

وسلفاً، ينبغي أن نوضح بأنّ ( الحوار ) القرآني يتخذ - كما قلنا - أشكالاً متنوّعة، بعضها متوفرٌ في القصة الأرضية وبعضها الآخر غير متوفر فيها. فهناك الحوار الخارجي متمثّلاً في محادثة الشخص مع آخر أو مع مجموعة، وهناك الحوار الجمعي المبهم، وهنالك الحوار المحدّد. فضلاً عن ( حوار ) خاص مع ( الله )، وحوار مع ( النفس )، ومجرد ( تفكير ) يأخذ سمة الحوار، وفضلاً عن ( الحوار ) مع الأجناس غير البشرية... إلخ.

المهم أنّ ( الموقف ) هو الذي يحدّد نمط ( الحوار ) الذي تستخدمه القصة القرآنية. ونبدأ بالحديث عن:

الحوار الداخلي:

قلنا إنّ هناك حالات تتطلّب من البطل أن يتحدّث فيها مع نفسه، وهذا الحديث قد يكون مجرد ( تفكير )، أو حديثاً بالفعل، لكنّه موجّه إلى الداخل، ولكلٍ منهما - كما هو واضح - متطلّباته النفسية. ولنأخذ نموذجاً على ذلك:

قصة الأبرار:

هذه القصة التي تنقلها سورة ( الدهر ) تتحدّث عن ( بيئة الجنة )، وهي تمثّل نموذجاً لقصص البيئة التي سنتحدث عنها لاحقاً، لكن يعنينا منها هذا الحوار المسبوق بالسرد:( إِنّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى‏ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً * إِنّا نَخَافُ مِن رَبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللّهُ شَرّ ذلِكَ الْيَوْمِ... ) .

القصة تتحدّث عن ( الجنّة ) وموقع ( الأبرار ) فيها، وبطريقة فنية في التعامل مع الزمن تنتقل من بيئة ( الجنة ) إلى بيئة (الدنيا )، فتنقل عن الأبطال بأنّهم كانوا يوفون بالنذر ويخافون الحساب ويطعمون الطعام لوجه الله. ثمَّ تقطع القصة عنصر (السرد ) وتدع الأبطال بأنفسهم يتحدّثون عن حقيقة سلوكهم الذي استحقوا عليه الموقع المذكور من الجنة، وهاهم الأبطال (يفكرون ) بهذا النحو:

( إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً * إِنّا نَخَافُ مِن رَبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ) .

إنّ هؤلاء الأبطال عندما قدّموا طعامهم إلى الفقراء لم يقولوا لهم: إنّما نطعمكم

١٢٣

لوجه الله... إلخ، كما أنّهم لم يتحدّثوا بذلك فيما بينهم، بل لم يصوغوا ذلك ( كلاماً خفياً ) مع أنفسهم، بل كان ذلك مجرد ( تفكير ) يحيونه داخل أنفسهم، أي أنَّه كان ( نواياً ) لا أكثر، بحيث يُشبه تقديمك مساعدةً لأحد الأشخاص وأنت منفعلٌ بحالته الاقتصادية، دون أن ينطق لسانك بكلمة، ودون أن توجّه كلاماً خفياً إلى أعماقك. إنَّه يشبه الحقيقة التي يقرّرها بعض علماء النفس من أنّ ( التفكير ) هو ( كلام غير منطوق )، أي أنّك عندما تفكّر في شيءٍ ما، إنّما ( تتكلّم ) دون أن تستخدم أجهزة النطق... ويمكننا أن نطلق عليه اسم ( الحوار التفكيري ) أو ( الحوار الذهني). وأهمية مثل هذا الحوار في القصة المذكورة تتمثَّل في لفتها الانتباه إلى ضرورة أن يتم العمل لوجه الله. ولكي تجسّد القصة هذا الهدف ؛ اتجهت إلى إبراز ذلك من خلال ( التفكير بالشيء )، أي: بنوايا الشخصية التي لا مناص من إبرازها في ( حروفٍ مكتوبة ) ؛ لكي يتعرّفها القارئ ويفيد منها في تعديل سلوكه.

إنّ النمط المتقدم من ( الحوار الداخلي ) يشكّل مجرد ( نوايا ) في ذهن البطل، وهناك نمط من ( الحوار الداخلي ) يجسّد (كلاماً موجهاً إلى داخل النفس )، وهذا ما يمكن ملاحظته في قصة ( صاحب الجنتين )، الذي قال بعد أن أُبيدت مزرعته:( وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّي أَحَداً ) ، حيث قلب أكفّه وخاطب نفسه قائلاً:( يَا لَيْتَنِي... ) . ومثله الكلام الذي وجهه ( هابيل ) إلى نفسه عندما أراد أن يواري أخاه:( قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ... ) .

ففي هذين النموذجين ( كلام ) خفيّ يوجِّهه الشخص إلى نفسه، ولم يكن مجرد ( تفكير ) أو ( نوايا ) أو عمليات ذهنية أخرى.

الحوار المزدوج:

هناك نمط من الحوار الحيّ يتمثّل في: التحاور مع الله، ومع الآخرين، في مسارٍ واحد من العرض القصصي. وأهمية هذا الحوار تتمثَّل في وقوفنا على طريقة البطل في أداء وظيفته التي أوكلتها السماء إليه، بحيث يفيد القارئ منها في طريقة تعامله مع الآخرين عبر أداء مهمَّته العبادية. وأوضح مثل لذلك هو:

قصة نوح:

في سورة نوح تبدأ القصة بهذا السرد أولاً:

( إِنّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى‏ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .

بعد هذا السرد يبدأ ( الحوار):

( قَالَ يَاقَوْمِ إِنّي لَكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوْ

١٢٤

اللّهَ وَاتّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ... ) .

فهذا الحوار ( خارجيٌ ) يوجّه نوحٌ من خلاله الكلامَ إلى قومه.

لكنَّه بعد ذلك يتّجه نوح بكلامه إلى الله ( تعالى ):

( قَالَ رَبّ إِنّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً * وَإِنّي كُلّمَا... ) ،( ثمَّ إِنّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا... ) ،( وَقَالُوا لاَ تَذَرُنّ آلِهَتَكُمْ ) ،( وَقَالَ نُوحٌ رّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ... ) .

فالمُلاحَظ هنا أنَّ نوحاً ينقل إلى الله كلامه مع قومه، والنص القرآني ينقل لنا كلام نوحٍ مع الله. فنوح هنا ( قاص ) ينقل للسماء قصصه مع قومه، والنص القرآني بدوره ( قاص ) يعرض لنا قصص نوحٍ للسماء... وهكذا.

إذن، نحن حيال هيكل من ( الحوار ) له تفرّده وحيويته الفنية، حينما يدعنا - نحن القرَّاء - نقف على طريقة نوح في أداء الرسالة وبلسانِه نفسه: حيث يتحدّث مباشرة عن ذلك: مع الله، لا أنّ النص هو الذي ينقل ( الكلام).

الحوار الجمعي، والداخلي:

هناك نمط من الحوار الذي تطبعه سمة ( الجماعة ) التي تتحدّث فيما بينها، دون أن يصاحبه ( ردّ )، أي: أنَّه مجرد ( حديث )، يتعاون المجموع في نقله داخل التجمّع، لا أنَّه حديث مع الآخرين، وردّ عليه، بل هو حوار أُحادي الجانب: كما لو كان هناك مجلس يتحدَّث فيه جماعة عن قضية معينة... وهذا النمط من الحوار له جماليته الفائقة أيضاً ؛ من حيث كونه يجسّد حيويّة المجلس الذي يتحاور القوم فيه، أي أنَّه ينقل لنا صورة واقعية عن كلام قوم، وكأن القارئ حاضرٌ داخل مجلسهم يستمع إلى وقائع هذا المجلس. وأوضح نموذج لهذا النمط في الحوار الحي هو:

قصة الجن:

في سورة الجن، تواجهنا قصة تعتمد ( الحوار ) الخالص شكلاً قصصياً لها، دون أن يتخلّلها أي سرد عدا نهاية القصة، وهذا واحدٌ من أنماط البناء القصصي الذي يجسّد الشكل الثالث منه، أي القصة التي تعتمد الحوار وحده، مقابل ما تعتمد السرد لوحده، وما تعتمد كلاً منهما.

المهم أنّ القصة تبدأ بهذا النحو:

( إِنّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجباً... ) ،( وَأَنّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً * وَأَنّهُمْ ظَنّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَن يَبْعَثَ اللّهُ أَحَداً * وَأَنّا لَمَسْنَا السّماءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً * وَأَنّا لاَ نَدْرِي أَشَرّ أُرِيدَ بِمِن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبّهُمْ رَشَداً... ) .

إنّ هذا النمط من ( الحوار ) يبدو وكأنَّ البطل هو نفسه ( قاص )، يسرد لنا ( بضمير المتكلم ) تفاصيل العمليات الفكرية التي يحياها. وأهمية مثل هذا الحوار - كما قلنا - أنَّها تضعنا وجهاً لوجه

١٢٥

أمام وقائع المجلس الذي اجتمع فيه القوم، أو أمام قاص يسرد لنا قصته من خلال الحوار الداخلي.

لقد كشف هذا الحوار عن ( أحداث ) و( مواقف ) واجهها أبطال الجن فيما يتصل برسالة الإسلام، بما صاحَبها من تغيير في سنن الكون، ومنها: عدم السماح بهذا العنصر ( الجان ) من الصعود إلى السماء والاستماع إلى الملائكة ومشاهدة الشهب، بعد أن كانت لهم حرية التنقّل قبل ذلك.

ولا يخفى على القارئ أهمية مثل هذا الحوار الذي كشف عن وقائع خطيرة في الظاهرة الكونية، واستخلاصه أهمية الرسالة الإسلامية في هذا الصدد، ليس من خلال تقريرٍ عملي، بل من خلال لغة فنّية يحدِّثنا أبطال الجن بأنفسهم عن الوقائع المذكورة.

القارئ مدعوّ للمرة الجديدة أن يتابع حيوية مثل هذا الحوار الجماعي، وأهميته في نقل الحقائق الخطيرة من خلال لغة مُمتعة يحياها القارئ وكأنَّه واحد من الحاضرين.

الحوار المسرحي:

هناك نمط من ( الحوار ) القصصي المتميّز بكونه ( أُحادي الجانب ) أيضاً، لكنَّه لا يتحدَّد في ( مجلس ) خاص يضم الأبطال، بل يتم في ساحات متعددة، كل ساحة منها تضم أبطالاً يتحاورون فيما بينهم، أو يحاضر فيها أحد الأبطال أمام الجمهور. وأهمية هذا الحوار تتمثَّل أيضاً في كونها تدع القارئ وكأنَّه ( مُشاهد ) يقف على تحرُّكات الأبطال، ويستمع إلى مقرّراتهم وخطاباتهم أمام الجمهور. وأوضح نموذج لهذا الحوار هو:

قصة مؤمن آل فرعون:

في هذه القصة التي سبق التلميح إليها، يتدخّل بطل آل فرعون لإنقاذ موسىعليه‌السلام بعد أن اقترح فرعون قتله، ويتقدّم بنصائحه إلى القوم لحملهم على الإيمان بالله... لقد بدأت القصة بهذا النحو:

( قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ اللّهُ... يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا ) ،( قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى... ) ،( وَقَالَ الّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ... ) ،( وَقَالَ فِرْعَونُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً... ) ،( وَقَالَ الّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتّبِعُونِ... ) .

فالملاحظ هنا أنّ القصة عرضت لنا مؤمن آل فرعون: وقد تكلّم مرتين، وعرضت لنا فرعون: وقد تكلّم مرتين أيضاً... إلاَّ أنّ كلام كلٍ منهما غير موجّهٍ إلى الآخر، بل إلى الجمهور، حيث لا نجد في بعض الفقرات ( علاقة ) بين كلامي كلٍ منهما. ويمكننا أن نتصور الموقف على هذا النحو: هناك قاعة أعدّت لعقد اجتماع يحضره فرعون وهامان وكبار الموظَّفين، وربَّما جماعة من

١٢٦

الجمهور أيضاً. مؤمن آل فرعون يحضر بدوره هذا الاجتماع بصفته أحد كبار موظَّفي الدولة. فرعون يفتتح الاجتماع مقترحاً على الحاضرين قتل موسىعليه‌السلام . ويتدخّل هنا مؤمن آل فرعون مدلياً برأيه في هذا الصدد مشيراً إليهم بعدم قتله. لكنَّ فرعون يقاطعه مبيّناً أنّ الصواب هو قتل موسى.

وهنا يعود المؤمن إلى الكلام ثانية، ولكنّه يوجّه كلامه إلى الحاضرين، مذكّراً إيّاهم بحوادث القرون الغابرة.. ويكفّ عن الكلام. ويعود فرعون من جديد متحدّثاً مع الحاضرين - لا مع البطل - وكأنَّه يريد التعريض بشخصية المؤمن وتخطئته، أو السخرية منه، ونقل الحديث إلى وجهة أخرى، فيخاطب وزيره هامان قائلاً:( ابْنِ لِي صَرْحاً... ) . لكن المؤمن - وهو يدرك سخف الحديث الذي شغل به فرعونُ أذهان الحاضرين - يقاطع كلامه قائلاً للقوم:( اتَّبِعُونِ... ) ، ثمَّ يستمر في كلامه... ثمَّ ينفض الاجتماع بعد أن يختم المؤمن كلامه بالحديث عن اليوم الآخر ويذكِّرهم بأنَّهم سوف يندمون على ذلك.

إنَّ القارئ - من خلال الحوار المتقدِّم - يقف، مثلما قلنا، وكأنَّه ( مشاهِد ) على ( مسرح ) الأحداث، يتعرّف وجوه الأبطال وجمهورهم ومحاوراتهم وتعاملهم مع الأبطال الآخرين ومع الجمهور.

ومثلما قلنا فإنَّ هذا النمط من ( الحوار المسرحي ) له فاعليّته الكبيرة في إمتاع القارئ وشدّه إلى مشاهدة مسرح الأحداث مباشرة، كاشفاً بنفسه عقلية فرعون وحاشيته بما يواكبها من سخف وسخرية، مقابل ما يلحظه عند ( مؤمن آل فرعون ) من جدّية وتحرّق ومحبّة للقوم عبر نصائحه وتحذيره.

الحوار الغيبي:

نقصد ( بالحوار الغيبي): التحاور مع ( الله ) تعالى. وهو يأخذ نمطين من الرسم: أحدهما: بين الله والعبد من خلال ( الطلب والإجابة )، والآخر: ( انفرادي ). وهو على نمطين أيضاً: فقد يكون ( أمراً ) من الله، أو يكون ( دعاءً ) من العبد. ولكل من الأنماط الثلاثة أهميتها الفنية في القصة.

من النمط الأول الحوار التالي بين الله وموسى ( في سورة طه ):

قصة موسى:

( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى‏ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشّ بِهَا عَلَى‏ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى‏ * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى‏ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيّةٌ تَسْعَى‏ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى‏ * وَاضْمُمْ يَدَكَ إلى‏ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرى‏ * اذْهَبْ إلى‏ فِرْعَوْنَ إنَّه طَغَى *

١٢٧

قَالَ رَبّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي... ) .

طبيعياً كان من الممكن أن تتحدَّث القصة عن موسىعليه‌السلام على نحو السرد، كأنّ تقول: لقد أوحينا إلى موسى بالذهاب إلى فرعون، ومعه آيتا العصا واليد... إلخ. بَيْد أنّ ( الحوار ) هنا ينطوي على وظائف فنية في غاية الخطورة: ليس من حيث الإمتاع الجمالي فحسب، بل من حيث إبراز طريقة التعامل بين الله والعبد من جانب، وإبراز مختلف الاستجابات البشرية التي لا يمكن أن نتعرّف دقائقها إِلاَّ من خلال ملاحظتنا لتصرفات البطل نفسه.

فمثلاً، بالرغم من أنَّ موسىعليه‌السلام يتحدّث مع الله، إِلاَّ أنّ ( الخوف ) من الحيّة سيطر عليه. ترى هل تُريد القصة أن تقول لنا: إنّ الخوف من ( الأخطار الطبيعية ) أمرٌ في الصميم من تركيبة الآدميين ؟ من الموكَّد أنَّ ( الخوف ) كذلك، ولكن هل يعني ذلك أيضاً أنّ الانفعال المذكور يبقى محتفظاً بفاعليته حتى لو تعامل صاحبه من الله ؟ قد يكون ذلك أيضاً صحيحاً ما دامت رواسب التجربة الطبيعية كامنة في الإنسان.

بَيْد أنَّه من الممكن أيضاً أن نستخلص من أنَّ مثل هذه التجربة الانفعالية في الخوف، ستكون مركز انطلاق لإزالة الخوف في وقائع لاحقة... ولكن حتى الوقائع اللاحقة أثبتت أنَّ موسىعليه‌السلام قد خامره ( الخوف )، ولكن ليس من مخاطر طبيعية، بل من سيطرة كيد العدو، وهذا ما فسّرته النصوص الواردة عن أهل البيتعليهم‌السلام من أنَّه لم يخف إلاَّ من أجل ما قلنا:( لا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ) . هذا النمط من ( الخوف ) - أيضاً - كشفه ( الحوار ) بنحو أوضح مشاعر موسى.

وبالرغم من أنّ موسى لم يعلن عن خوفه ب- ( كلام )، وأنَّ ( السرد ) هو الذي أوضح ذلك، بَيْد أنَّ ( الكلام ) الموجّه من ( الله ) إلى موسى هو الذي تكفّل بتوضيح العملية المذكورة، وهو نمط لا يُقرر ( الخوف ) من خلال مجرد ( السرد )، بل من خلال طرف آخر من ( الحوار ) هو الله تعالى، بحيث نستكشف من توجيه الكلام إليه انفعاله المذكور... وهذا نمط آخر من وظائف الحوار الكاشف عن أعماق الشخصية من خلال طرف مُحاور آخر.

وأيَّاً كان فإنَّ هدفنا من تقديم هذا النمط من الحوار، أن نوضح مستوياته المختلفة في الكشف عن أعماق الشخصية، فضلاً عن أنَّ أمثلة ( الخوف ) المتقدم تظل - في تصورنا - منطلقاً لتجارب لاحقة تتكرّر أيضاً، حيث نلحظ في قسم آخر من القصة ذاتها ما يلي:( وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولاَءِ عَلَى‏ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَى ) ، فهذا التعجّل بدوره نمطٌ من ( الخوف)، ولكن من الله: من حيث تعطُّشه لرضى الله.

إذن ثلاثة أنماط من ( الخوف ) كشفها ( الحوار ) الحيّ في هذه القصة الطويلة الممتعة ذات الفصول المتعددة: بعضها يتصل بمخاطر طبيعية، والآخر بكيد العدو، والثالث بالخوف

١٢٨

من الله... إلاَّ أنَّها جميعاً ( عُوتِبَ ) عليها موسىعليه‌السلام ، وهذه الأنماط من التّعرف على ظاهرة ( الخوف ) ليست أمراً سهلاً، بقدر ما تتطلّب تركيزاً من القارئ لمعرفة ما إذا كانت أمثلة الخوف المتقدّم أمراً طبيعياً لا غبار عليه: كل ما في الأمر أن القضية تتطلّب ( تدخلاً ) من الله في دفع البطل إلى الأمام. وهذا مِن نحو مَن يحرص على رضى الله ويتألّم من مشاهدته لمفارقات الآدميين، بَيْد أنّ الله يقول له: لا تهلك نفسك أسىً على الظالمين، بمعنى أنَّ الشخصية صدرت عن سلوك طبيعي، وأنَّ الله يوجّهه إلى ممارسة تحرك آخر، لا أنَّ السلوك ( خطأ ) في طبيعته... والفارق كبير بين التصوّرين.

على أيَّة حال، إنَّ ( الحوار ) تكفّل بإبراز أمثلة هذه الاستجابات التي لحظناها عند موسى، وإمكان إفادتنا من التعرّف عليها في صياغة سلوكنا العبادي. والأَهم من ذلك أنَّ ( الحوار ) مع ( الله ) - وليس الحوار بين الآدميين أنفسهم - هو الذي تكفّل بتحديد الظواهر التي وقفنا عليها، بصفة أنَّ التحاور مع ( الله ) يحسم الأمور، ويقطع على القارئ أي تشكيكٍ في استكناه حقائق الأمور.

وأمَّا القسم الآخر من ( الحوار )، بنمطيه: الانفرادي الذي يوجِّهه الله إلى العبد، أو العبد في توجِّهه نحو الله... هذا القسم من الحوار تتطلّبه مواقف معينة لا حاجة فيها إلى ( تبادل ) الكلام بقدر ما يتطلّب الموقف إجابة الطلب أو توجيه الأمر، وهذا مثل قصة ذي النون في طلبه من الله تخليصه من الغم:( فَنَادَى‏ فِي الظّلُمَاتِ أَن لاّ إِلهَ إِلّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ) ، حيث اكتفى النص ب- ( السرد )، وهو ( استجبنا )، بدلاً من مخاطبة ذي النون... وهذا فيما يتصل بتوجه العبد إلى الله.

أمَّا فيما يتَّصل بالأمر من الله إلى العبد، فمثاله قصة إبراهيم مع ولده في قضية الذبح، حيث وجّه الله ( الكلام ) إلى إبراهيم:( وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدّقْتَ الرّؤْيَا... ) حيث تمت الحكاية دون أن تتطلّب ( جواباً ) من إبراهيم.

وواضح أنَّ ذا النون طلب من الله تخليصه من الغم، فيما لا حاجة إلى توجيه الرد عليه بقدر ما يتحقق الأمر في(الاستجابة) ؛ ولذلك تكفّل السرد بهذا الأمر( فَاسْتَجَبْنَا ) ، كما أنَّ إبراهيمعليه‌السلام عندما طلب منه الله أن يكفّ عن الذبح، امتثل الأمر دون أن تكون ثمَّة حاجة إلى الكلام.

إذن: في ( الحوار الغيبي ) بأشكاله الثلاثة، لحظنا المسوّغات الفنية لصياغتها بذلك النحو الذي يتميّز عن أشكال الحوار الأخرى التي وقفنا عليها سابقاً.

وهناك شكل ( حواري ) يتصل بهذا الجانب، وهو:

الحوار الملائكي:

وهذا يتم بين طرف ملائكي وطرف آدمي، مثل: محاورة الملائكة لزكريَّا:

( فَنَادَتْهُ

١٢٩

الْمَلاَئِكَةُ... أَنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى‏ مُصَدّقاً ) ، ومثل محاورتهم مع مريم:( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى‏ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) .

وواضح أنَّ ( المَلَك ) مجرد ( رسول ) بين الله والشخصية، بَيْد أنَّ ( الجواب ) يجيء مع ( الله ) وليس مع الملك ؛ ولذلك هتف زكرياعليه‌السلام :( رَبّ أَنّى‏ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ ) ، وهتفت مريمعليه‌السلام :( رَبّ أَنّى‏ يَكُونُ لِي وَلَدٌ... ) .

وقد يتم حوار مباشر مع رسل السماء، مثل محاورتهم مع إبراهيم حيال تبشيره بولدٍ، ومهمّتهم بالنسبة لقوم لوط:( إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَماً قَالَ إِنّا مِنكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لاَ تَوْجَلْ إِنّا نُبَشّرُكَ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ ) ، ومحاورتهم للوطعليه‌السلام :( قَالَ إِنّكُمْ قَومٌ مّنكَرُونَ * قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ) .

وهناك حوار مع عضويّة أخرى، مثل: الطائر والنمل فيما يتصل بقصة سليمان كما نعرف ذلك جميعاً.

وأخيراً هناك:

الحوار المألوف:

ونعني به: الحوار الخارجي بين الأبطال، فيما لا حاجة إلى الوقوف عنده مادام الغالب من النصوص قائماً على الشكل المذكور، حيث وقفنا على نماذج منه في قصص طالوت وإبراهيم وموسى وغيرها، لحظنا من خلالها - وسائر أشكال الحوار أيضاً - مساهمة الحوار في تطوير الأحداث وإنارة الأبطال، بما يصاحبه من حيوية وإمتاع تجعلان القارئ على تشوّقٍ أشدّ في تلقيّه للنص ؛ من حيث وقوفه مباشرةً على تحركّهم في القصة.

قصص البيئة:

نقصد بقصص ( البيئة ) ذلك النمط من القصص التي يطغى فيها عنصر ( البيئة ) بالقياس إلى عناصر الأبطال والحوادث والمواقف. وأهمية هذا الفرز بين العنصر الغالب على القصة ؛ تتمثّل في إسهام كل عنصر في تحقيق ( استجابة ) محدّدة لدى القارئ، بحيث تسحب على ذهنه انطباعاً مركَّزاً يفيد منه في تعديل السلوك.

وعنصر ( البيئة ) يجيء حيناً في رسم التجارب الدنيوية، وحيناً آخر ينتقل إلى الحياة الآخرة: القبر، الموقف، النار، الجنة... ومثاله من البيئة الدنيوية قصة صاحب الجنَّتين التي وقفنا عليها، وقصة أصحاب المزرعة التي أُبيدت غداة حلفَ أصحابها على أن يقطعوا أثمارها دون أن يصلوا ذلك بمشيئة الله ( وردت الأقصوصة في سورة القلم ).

وواضح أنّ هاتين

١٣٠

الأقصوصتين تحومان على ( بيئة جغرافية). وهناك قصص تحوم على بيئات أخرى، مثل: قصص داود وسليمان وذي القرنين في رسمها لبيئات ( صناعية ) تتصل بالحديد والتماثيل والسد ونحوها.

المهمّ أنّ رسم أمثلة هذه البيئات، فضلاً عن إمتاعها الجمالي المتصل بالدافع إلى الاستطلاع، تظل ذات هدف فكري يصل بين ( نِعَم ) الله والشكر عليها، وضرورة استثمارها في العمل العبادي. أمّا رسم ( البيئات الأُخروية )، فإنّ استثمار دلالاتها يظل في الصميم من اهتمامات القارئ ؛ التي سيفيد منها في تعديل سلوكه ومتابعة ( الأحسن من العمل ).

ويحسن بنا أن نختم هذا الحقل المتصل بالعنصر القصصي القرآني، بنموذج من قصص ( البيئة ) المتمثِّلة في ( الجنَّة )، وهي قصة ( الجنان الأربع ) التي وردت في سورة ( الرحمان).

في هذه القصة سردٌ يصف أربع جنّات على نحو مزدوج، أي: جنتين لبطل، وجنّتين لآخر.

تقول القصة:

( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنّتَانِ... ذَوَاتَا أَفْنَانٍ... فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ... فِيهِمَا مِن كُلّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ... مُتّكِئِينَ عَلَى‏ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنّتَيْنِ دَانٍ... فِيهِنّ قَاصِرَاتُ الطّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانّ... كَأَنّهُنّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ... هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلّا الْإِحْسَانُ ) .

وتقول القصة عن الجنتين الأخريين:

( وَمِن دُونِهِمَا جَنّتَانِ... مُدْهَامّتَانِ... فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضّاخَتَانِ... فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ... فِيهِنّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ... حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ... لَمْ يَطْمِثْهُنّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانّ... مُتّكِئِينَ عَلَى‏ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ ) .

السؤال هو: هل أنّ كلاً من الجنتين رُسِمَ بطبقة واحدة من الأبطال، أم رُسِمَ لطبقتين: عليا ودنيا ؟ الذي نميل إِليه هو أنّ كلاً منهما مرسومٌ على نحو التفاضل.

وأهمية هذا السؤال والإجابة عليه له انعكاساته على أهمية الوظيفة العبادية للإنسان، وانسحابها على ( الموقع ) الذي يحتلّه ( مؤمنون ) من طبقة عليا، و( مؤمنون ) أقل درجة من الأُولى.

إنّ ( الهيكل الفنيّ ) للقصة يساعدنا على فهم ( الهيكل الفكري ) لها:

لقد قالت القصة عن الجنتين الأوليين:( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنّتَانِ ) ، هذه البداية القصصية تؤشر إلى أنَّ ( الخوف) - الذي يعني: عدم الوقوع في المعصية - هو الذي يسم أبطال الجنتين المذكورين، في حين لم ترد السمة المتقدمة في رسم الجنتين الأدنى منهما.

كما أنّ نهاية الرسم الذي طبع هاتين الجنتين، وسَمَ أبطالهما ( بالإحسان ) ومجازاته بمثله:( هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلّا الْإِحْسَانُ ) .

١٣١

والإحسان - كما نعرف - لا يأْخُذْ دلالته اللغوية إِلاَّ مع افتراض أعلى درجات التقوى... وهذا فيما يتصل بداية القصة ونهايتها.

أمَّا فيما يتصل بالرسم البيئي لكل من ( الموقعين )، فإنَّ ( الفارق ) بينهما سيّوضح تماماً بأنَّ ( الموقع ) الأول للطبقة العليا، و( الموقع ) الآخر للأدنى منها.

إنَّ العناصر المشتركة في الموقعين هي: الزرع، الماء، الفاكهة، الفرش، الحور.

فيما يتصل بالزرع يُلاحَظ أنَّ الموقع الأول:( ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ) والآخر( مُدْهَامَّتَانِ ) طبيعي. إنَّ مرأى الأغصان وهي متدلّية بالقياس إلى مرأى الشجر وهو مكثّف، أو ذو خضرة شديدة، أشدّ إمتاعاً من كثافة الزرع. مضافاً إلى أنَّ الأغصان تقترن بمشاهد الثمر، وبتفريعاته التي قد تغطيّ مساحة كبيرة من الموقع، ( تعوّض ) عن الكثافة النوعية أو الكمية التي يتميّز بهما الموقع الأدنى... هذا فيما يتصل بعنصر ( الزرع ).

وأمَّا ما يتصل بعنصر الماء، فالموقع الأول فيه( عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ) والأخر( عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ) ، وقد يبدو لأول وهلة أنَّ العين النضَّاخة - أي الفوّارة - أشدّ إمتاعاً من العين الجارية. بَيْد أنَّ التأمّل الدقيق يدلنا على الضد من ذلك، فالعين الفائرة تأخذ شكلاً ( رتيباً ) من حيث حركة المياه صعوداً ونزولاً، في حين تتّجه العين الجارية إلى تفريعات مختلفة في حركتها، هذا فضلاً عن الظواهر ( النفعية ) التي تصاحب العيون الجارية من حيث تيسير التناول منه: شرباً أو غسلاً أو ركوباً.

العنصر الثالث من البيئة القصصية هو: الفاكهة. فالموقع الأول فيه:( مِن كُلّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ) ، والآخر فيه( فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ ) . إنَّ النخل والرمان - كما تقول النصوص المفسِّرة - يشكّلان بالنسبة إلى عصر نزول النص أفضل الفواكه، بمعنى أنَّ القصة تريد أن تقول لنا: إنّ في الموقع الأدنى جميع الفواكه بما فيها أفضلهما: النخل والرمان. لكنّنا حين نتّجه إلى (الموقع العلوي ) نجد أنّه ينطوي على ذلك أيضاً، ولكنْ بإضافة أخرى هي: ( زوجية ) الفواكه، مثل العنب الرطب واليابس لا النوع الواحد منهما.

العنصر الرابع هو: الفرش. ففي الموقع ( العلوي ) نجد الأبطال:( مُتّكِئِينَ عَلَى‏ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنّتَيْنِ دَانٍ ) ، في حين نجد أبطال الموقع ( الأدنى ):( مُتّكِئِينَ عَلَى‏ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ ) . إنّ ( الترف ) الذي يصاحب جلسة الأبطال العلويّين يظل من التنوّع إلى الدرجة التي جُعِلت فرشهم ذات ( بطانة ) و( ظهارة ) من نمط خاص. فالبطانة من ( استبرق )، حرير، ديباج.... أمّا ( الظهارة )، فقد سكت النصُ عنها، لسبب ( فنيّ ) هو: ترك القارئ يستخلص بنفسه نوع الظهائر التي أُزينت بها الفُرش.

مضافاً لذلك: ثَمَّة سمة ( فنّية ) أخرى يستخلصها القارئ عن مدى الترف الذي ينعم به الأبطال، من حيث النعومة والرقة والإمتاع حين تستند ظهورهم على كُتلة من الديباج: من حيث بطانته. أمَّا متكأ الأدنين

١٣٢

درجة منهم، فهو: ( الرفرف ) الذي قد يكون قماشاً أو شيئاً آخر موسوم بطابع ( الاخضرار )، و( العبقري ) الذي قد يكون بدوره فراشاً خَلعت القصةُ عليه طابع ( الحُسن)... والفارق بينهما ( أي الموقعين ) من الوضوح بمكان كبير.

والملاحظ ( من الزاوية الفنية في رسم البيئتين ) أنَّ الأوصاف التي خُلعت على الفرش لدى الأبطال الأدنين، هو: ( المتعة الخارجية ). حيث إنَّ الرفرف ( خضر الألوان ) والعبقري ( حسان ) الأشكال، أي أنّ المشاهد يلحظ أشكالاً حسنة وألواناً خضراء، وليس حيال بطائنها من وسائد وأقمشة كونها حريراً أو شيئاً آخر مثلاً. ومن الواضح ( فنّياً ) أنَّ رسم الفرش من داخله يكشف عن مظهره الخارجي، فحين يكون الداخل من ( استبرق ) فإنّ ( خارجُه ) سيكون مصحوباً بترف أشدّ. أمّا حين يكتفي النص برسم ( المظهر الخارجي )، فإنَّ ذلك لا يكشف بالضرورة عن تماثله للمظهر الداخلي.

هنا نلفت الانتباه إلى خصيصة فنية جديدة في رسم هذا العنصر: ( الفرش )، فالملاحظ أنّ القصة القرآنية - من حيث ( عمارتها ) - جعلت لكل عنصر من عناصر الجنة مكاناً خاصاً به دون أن تُداخِل بينها، في حين نلحظ أنَّ ( إضافة ) جديدة رسمها القصة لأبطال الموقع العلوي، وهو:( جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ) ، فهذه السمة كان من المفروض ( فنِّياً ) أن ترسم مع العنصر الأول ( الزرع )، فلماذا رسمته في مكان يتصل بالفرش ؟ الجواب - من الزاوية الفنية - هو: أنَّ القصة في صدد رسم امتياز جديد للأبطال العلويين، من حيث جلوسهم ومستوياته المترفة التي تصل بين جلوسهم وتناولهم للفاكهة.

إنَّ هؤلاء الأبطال، تظل ثمار الجنة على مقربة من أفواههم( مُتّكِئِينَ عَلَى‏ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنّتَيْنِ دَانٍ ) ، في حين أنّ أبطال الدرجة الأدنى منهم لا يطبعهم مثل هذا ( الترف )، الذي تساوق فيه امتياز فُرُشهم مع طريقة تناولهم للفاكهة، بحيث لا يكلّفون أنفسهم أدنى حركة ( من فرشهم المذكورة ) لتناول الطعام، بل تتدلّى الفواكه عليهم وهم على وسائدهم...

إذن [ وحتى الآن من سير البحث ]، أدركنا المبنى الهندسي الفائق في ( تقطيع ) القصة لشريحة تتصل بعنصر ( الزرع )، ونقلها إلى عنصر يتصل ب- ( الفرش).

العنصر الأخير من البيئة التي رسمت كلاً من موقعي الأبطال: الأعلى والأدنى درجة، يتصل ب- ( الحُور )، فيما ورد رسم يتصل بكونهن مثل ( الياقوت والمرجان ) للأبطال العلويين، فيما لم يرد ذلك في الرسم المتصل بالأبطال الأدنى درجة.

إنَّ أهمية السرد القصصي لموقعَي الجنّة اللذين وقفنا عندهما، ليس هو مجرد الهيكل القصصي الذي لحظنا عمارته الفنية وطريقة التوزيع الهندسي لعناصرهما البيئية، بل يتجاوزه إلى ذلك التلاحم العضوي بين ( موقعَي ) الجنة، وإفادتنا - نحن القرَّاء - من الهيكل القصصي المذكور في تعديلنا لظواهر السلوك. فأدنى تأمّل لموقعَي الجنة، وملاحظة مستويات ( الترف ) التي رسمتها القصة، يُداعي بأذهاننا إلى الموازنة بين ( الإشباع ) في الحياة

١٣٣

الآخرة في أعلى درجاته التي لا يمكن تحديدها، بما يتطلّبه - مقابل ذلك - من ( التنازل عن الإشباع ) في الحياة الدنيا... الإشباع هناك ( في الجنة ) يتناسب طردياً مع ( التنازل ) عنه هنا ( في الدنيا )، وهو أمرٌ حدَّدته البداية القصصية حينما استهلّت العرض الفني لبيئة الآخرة بهذا النحو:( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنّتَانِ ) ، فيما قلنا: أنَّ ( الخوف ) يعني: عدم الوقوع في المعصية، وهو أمرٌ يتطلّب ( التنازل ) عن ( الذات ) بمختلف حاجاتها النفسية والحيوية.

٣ - العنصر الصوري

( الصورة ) تُعدّ أبرز العناصر التي تشكِّل مفهوم ( الفن ) وتفصله عن لغة ( العلم )، على نحو ما تحدَّثنا مفصَّلاً في الحقل الأول من هذا الكتاب، حيث أوضحنا بأنّ وظيفتها تتمثّل في إحداث علاقة جديدة بين الأشياء ؛ لتعميق الدلالة الفكرية التي يُستهدَف توصيلَها إلى المتلقِّي.

إنَّ ما ينبغي تأكيده هنا أنّ نجاح الصورة يتوقّف على توفّر عنصرين فيها، هما: الأُلفة والطرافة. ويُقصد بالأُلفة أن تكون الصورة في أطرافها أو أحدها من الظواهر التي نخبرها في الحياة اليومية، مثل ( الجراد المنتشر ) في الصورة القرآنية القائلة عن انبعاث البشر في اليوم الآخر:( يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ) ، فانتشار الجراد من الظواهر التي نخبرها حسِّياً ولا نحتاج إلى أعمال الفكر في تشخيصها.

وأما المقصود من ( الطرافة )، أن تجيء الصورة في تركيبتها العامة ذات جِدَّة لا أن تكون ( مبتذلة ) في الاستخدام. فالجراد المنتشر بالرغم من كونه ( مألوفاً ) في خبراتنا اليومية ( وهو أحد طرفي الصورة )، فإن المركب النهائي لهذا الطرف - وهو انتشار الجراد - وللطرف الآخر - وهو انبعاث الأجساد - يتميّز بكونه ( طريفاً )، لا ابتذال فيه من حيث الاستخدام الفني له.

والأمر نفسه في صور من نحو:( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ) ،( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ) ،( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ) ،( كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) ،( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ) ،( عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ... فالنخل والخشب واللؤلؤ واللحم والأقفال والأنعام تظل من الظواهر التي نألفها جميعاً، كما أنها - في الآن ذاته - تكتسب طابع( الطرافة أو الجِدَّة ) في المركبّ النهائي لها.

المهم أن النص القرآني يتميّز بهاتين السمتين في تركيب الصورة بالنحو الذي أشرنا إليه.

والآن إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الصورة الفنية تقوم على عنصرين أو طرفين، ينتج من تفاعلهما مركبّ جديد، وكون ذلك يحكمه طابعا الألفة والطرافة ؛ حينئذٍ تثار أمامنا ( أداة )

١٣٤

التفاعل أو الأداة التي تقوم بعملية ربط بين طرفي الصورة، وهي أداة سبق التحدّث عنها في الحقل الأول من هذا الكتاب، حيث أشرنا إلى أن ما يُطلق عليه اسم ( التشبيه ) في المصطلح البلاغي، يُعدّ التجسيد الواضح لمثل هذه الأداة، كما أشرنا إلى أن الأداة المذكورة قد تُحذف في صور بلاغية أخرى مثل: الاستعارة والرمز ونحوهما... بَيْد أن المهم هو: أن نشطر الصورة إلى نمطين في الاستخدام القرآني لها: أحدهما ما يعتمد ( أداة ) المقارنة أو التفاعل بين طرفي الصورة، والآخر لا يعتمد ذلك. والمهم أيضاً أن تقرّر بأن السياق أو الموقف هو الذي يحدّد مشروعية أحد نمطي الاستخدام(١) .

في تصوّرنا أن التعبير عن العمليات النفسية يتطلّب حذف ( الأداة )، في حين يتطلّب التعبير عمّا هو حسّي أو حركي: وجود الأداة.

إننا نواجه عشرات الصور القرآنية ذات البعد النفسي، من نحو:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ) ،( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ) ، فالموقف من جانبٍ، وكونه مصحوباً بعملية نفسية من جانبٍ آخر، يفرض أمثلة هذه الصور التي حذفت فيها أداة المقارنة. إن نَضْرَة الوجه أو نعومته انعكاسٌ لفرح الأعماق حالة تسلّمه درجة الفوز برضا الله تعالى.. كما أن صوراً من نحو:( إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ) ، ونحو:( يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) .. كان من الممكن - مثلاً - أن تصاغ الصورة الأولى بهذا النحو: ( يوماً كالوجه العابس ) بدلاً من حذف أداة المقارنة، لكن بما أن هول الموقف يحفر في عصب المُشاهد آثاراً بالغة الشدة ؛ حينئذٍ فإن انعكاسها في ( عبوس الوجه )، يظل مرتبطاً بتجربته النفسية ذاتها، دون الحاجة إلى تذكيره بها من خلال المقارنة بوجه عابس. فالعبوس وحده كافٍ بتذكره بالشدة النفسية التي يخبرها بسهولة.

وهذا على العكس - مثلاً - من الصورة المقترنة بأداة من نحو:( أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً ) ، فهذه الاستجابة تتصل بهول الموقف الأخروي أيضاً، إلاّ أن النص مادام مستهدفاً لفت النظر إلى ( العمل ) الذي يصدر عن الكافر، وليس ( الخبرة النفسية ) التي يصدر عنها، حينئذٍ فإن التوسل بأداة التشبيه تفرض مشروعيتها لكي يتبيّن بوضوح أن عمل الكافر يشبه ( في نتائجه التي يتسلّمها أخروياً ) تطلع الظمآن إلى ماء يتناوله ولكنَّه يجده سراباً. لذلك في المرحلة التالية لهذا التشبيه، تجيء الاستجابة المؤلمة التي يحياها الكافر، مطبوعةً بسمة العملية النفسية التي نحتاج إلى رصدها من خلال الأداة، وهذا من نحو:( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) ، ومثل عبوس اليوم الآخر.

____________________

(١) أنظر: ص ٢٠ من هذا الكتاب.

١٣٥

هنا، بعد أن لحظنا نمط الاستخدام القرآني للصورة من حيث أطرافها وأدواتها تتّجه إلى مستويات تركيبها، وهو تركيب ينشطر أساساً إلى نمطين رئيسين، هما: الصورة المفردة والصورة المكثفة.

الصورة المفردة : تستقل بذاتها على نحو منفرد، مثل:( يَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ ) ،( شَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ) ،( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ... إلخ، حيث تصاغ بنحوٍ إفرادي، دون أن تنضم أليها صور أخرى، وهو ما يطبع:

الصورة المكثفة : حيث تتألّف من صور متعدِّدة، تشكّل بمجموعها صورة كلية، مثل:( كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ... ) ، فهناك مجموعة من الصور ( المفردة ) تتساند فيما بينها لتؤلّف صورة موحّدة كبيرة تنتظمها جميعاً.

المهم أن الاستخدام القرآني لهذين النمطين يفرضهما ( السياق ) الفني أيضاً. فالنص القرآني حينما يستهدف لفت النظر إلى ظاهرة سريعة في سياق ظواهر أخرى، يقتنص حينئذٍ صورة مفردة مثل:( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ، فصورة ( الأقفال ) - وهي مفردة - فرضها سياق سريع هو تدبّر القرآن.

إلاّ أن النص القرآني حينما يعتزم لفت النظر إلى الظاهرة الكونية بعامة، وما ينبغي أن يواكبها من إمعان الفكر وما يترتّب على ذلك من ( الإيمان ) مثلاً، عندئذٍ فإن عدم التدبّر للظاهرة الكونية في مستوياتها المشار إليها، تطلب صياغة صور متعددة تتناسب مع تعدّد المستويات المذكورة ؛ لذلك نجد على سبيل المثال أن النص القرآني يتقدّم بحشد من الصور المتتابعة ذات الطابع ( المركب ) في حديثه عن سلوك الكافرين، مثل:( ظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ) فالصور هنا تتابع لتؤلِّف صورة موحّدة ذات طابع كلي، يتناسب مع سلوك الكافر وهو يحيا التيه والخبط والانغلاق الفكري، حيث عقّب النص على السلوك المشار إليه:( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) .

طبيعياً أنَّ سحب النور عن الشخص لابد أن يقتاده إلى أن يحيا الظلام بكل مستوياته، بحيث لا يصدر عن عمل إلاّ ويكتنفه الضلال والخبط والتيه، وهو أمرٌ يتطلّب صياغة صورة شاملة تضم تحت أجنحتها صوراً جزئية متنوّعة تتناسب مع تنوّع الظلمات التي يحياها الكافر.

وأيّاً كان فإن النمط الآخر من الصورة - أي المركبة - تأخذ أشكالاً متنوّعة من التركيب تتحدّد وفق السياق الفني الذي يتطلّب ذلك.

[ أنماط الصور القرآنية: ]

ونقف عند كل نمط منها:

١٣٦

الصورة المفردة المفصَّلة:

وهي صياغة مفردة، لكنَّها تتضمّن سمتين فصاعداً، مثل:( يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ) ، فقد تضمّنت هذه الصورة المفردة سمتين، هما: الجراد أولاً، وكون ذلك منتشراً ثانياً. وأهمية هذا النمط من الصورة تتمثّل في رصد أكبر عدد من عناصر الاشتراك بين طرفي الصورة: ( الخروج من الأجداث )، و( انتشار الجراد ).

فهذه الصورة تتضمّن جملة من العناصر المشتركة بين الانبعاث والجراد: فهناك - أولاً - عنصر ( الانبعاث )، حيث (يخرج) كل طرف منهما من موقع. وهناك - ثانياً - عملية الانتشار، حيث يبدأ كل طرف ( بالتحرّك ) من الموقع المذكور. وهناك - ثالثاً - عنصر ( العشوائية )، حيث تطبع حركتهما مرحلة غير محدودة الاتجاه. وهناك - رابعاً - عنصر ( التراكم )، حيث إن سقوط الجراد لا يأخذ موقعه المنتظَم في الحركة. وهناك - خامساً - عنصر ( الفزع ) الذي يرافق العملية. وهناك - سادساً - ( مجهولية ) المصير الذي ينتظر المرحلة... إلخ.

إن تعدُّد عناصر الاشتراك بين طرفي الصورة يفسِّر لنا ضرورة تعدّد سماتها ضمن صورة مفردة: لأن عملية الخروج من الأجداث تتم بنحو فجائي سريع، لا يتطلّب إلاّ صياغة صورة ( مفردة )، لكن بما أن الانبعاث السريع يقترن بجملة من المظاهر ؛ حينئذٍ فإن تعدّد السمات - تبعاً لتعدد المظاهر - يفسّر لنا كون هذه الصورة المفردة تقترن بأكثر من سمة.

الصورة المكثّفة:

وهي الصورة المركبة من صور جزئية تتكثّف في عَرضٍ واحد من الرصد للظاهرة، مثل صورة:( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ ) ، فالصيِّب والظلمات والرعد والبرق صورٌ جزئية تتلاقى في عرض واحد، تشكِّل صورة الشاملة للتيه الذي يحياه المنحرفون، حيث جاءت الصورة في سياق الحديث عن المنافقين، وكونهم صُمَّاً بُكْمَاً عُمْيَاً، وهي سمات تتلاقى فيما بينها لدى سلوك المنحرفين، فيما تفسّر لنا سر ( التكثيف ) الذي يطبع هذا النمط من التركيب الصوري.

الصورة البيانية:

يتميّز هذا النمط من التركيب الصوري بكشف الدلالات التي صيغت الصورة من أجلها، بحيث تتكفّل الصورة بتوضيح منحنيات الظاهرة المشار إليها، من خلال قيام الصور الجزئية بعملية الكشف، مثل الصورة التي تزاوج بين قساوة اليهود والحجارة:( فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا... ) فالصور الجزئية من نحو تفجير الأنهار وتشقُّق الماء والخوف من الله تعالى.. تقوم بمهمة فنية هي: تبيين وتوضيح حجم القساوة التي تفوق حتى الحجر، طالما نجد من الحجر ما يتفجّر منه النهر، وما يَشَّقَّقُ منه الماء، وما يخاف من الله تعالى.

١٣٧

أما المسوّغ الفني لهذا النمط من تركيب الصور، فيتمثَّل في كون الظاهرة المبحوث فيها ذات بُعد نفسي، من المتعذّر على القارئ أن يتمثَّل ويعي ويخبر مستوياتها إلاّ من خلال الصور التوضيحية، فالقساوة قد تكون ذات حجم عادي وقد تكون ذات حجم كبير، إلاّ أن الشخصية اليهودية ما دامت متميّزة طوال التأريخ بسمة عدوانية، لا تضارعها عدوانية الأفراد أو المجتمعات الأخرى، بخاصة أن سورة البقرة قد توفّرت على قصص مختلف أنماط السلوك العدواني لدى اليهود، من نحو نبذهم للعهود وقتلهم الأنبياء وكفرانهم بنِعَم الله تعالى، وتمرُّداتهم المتكررة، فيما يشكّل مثل هذا السلوك حجماً متميّزاً من قساوة القلب لا تضارعه قساوة أخرى، ومن ثَمَّ يتطلّب إبراز مثل هذا الظاهرة صوراً بيانية توضّح وتحدِّد مستويات القساوة المشار إليها.

الصورة التفريعية:

يتميّز هذا النمط من التركيب الصوري، بكون الصور الجزئية منتسِبة إلى صورة رئيسية تتفرّع عنها صور جزئية، تأخذ طابع التفريع: كل صورة تتفرّع عن سابقتها أيضاً، وهذا من نحو( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ... ) ، ونحو:( كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ... ) ، ونحو:( كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ... ) .

فالصورة الأُولى تتضمّن صوراً جزئية رئيسة، هي: ( الزرع )، ثم يتفرّع عنها صورة جزئية هي ( الشطأ )، ثم شدّه، ثم تقويته، ثم استواؤه. كما أن الصورة الثانية تتضمّن صورة جزئية رئيسة، هي: ( الحَبَّة )، ثم تتفرّع عنها صورة ( السنابل السَّبع )، ثم تتفرّع عن السنابل السبع صورة ( مئة حبة ) في كل سنبلة.. إلخ.

والأمر نفسه بالنسبة إلى الصورة الثالثة: حيث تتضمّن صورة جزئية رئيسة هي ( المشكاة)، وتتفرّع عنها صورة ( المصباح ) في داخلها، ثم تتفرّع عن المصباح صورة ( الزجاجة ) التي تكتنفه... إلخ.

أما المسوغ الفنّي للصور التفريعية، فتتمثّل في طبيعة الظاهرة المبحوث عنها، حيث تتميّز هذه الظاهرة - وهي: الإنفاق مثلاً - بكونها قائمة أساساً على ( النماء ) الذي يترتّب على الإنفاق، فالمنفِق تتنامى أمواله على نحو تنامي الزرع، وحينئذٍ فإن عملية ( تفريع ) الصور بعضها عن الآخر تتجانس مع ( تفريع ) الزرع كما هو واضح.

والأمر نفسه بالنسبة إلى المؤمنين أو أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حيث كانوا في بداية أمرهم ضعفاء قليلين، ثم من خلال تضامنهم وتشددّهم على الكفار أصبحوا أقوياء( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) ، تماماً كما هو طابع الزرع الذي يبدأ ضعيفاً ثم يأخذ في النمو والاستواء

١٣٨

والقوة في نهاية المطاف.

وأما صورة ( المشكاة )، فتكتسب نفس الطابع ( التفريعي )، لكن من خلال تصوّر آخر، هو: أن الصورة تتحدّث عن ( النور )( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.. ) ، حيث يترتّب على التعامل مع ( النور ) معطيات مختلفة يتفرّع أحدها عن الآخر: فالإيمان يقود إلى الطاعة، والطاعة تقود إلى المعطيات دنيوياً، وهذه تقود إلى المعطيات أخروياً... وهكذا ( ومنها معطيات الله تعالى ). إن المشكاة والمصباح والزجاجة وسائل لتمرير النور وإشاعته: حيث يتدفّق النور من المصباح، ثم ينفد من الزجاجة، ثم ينتشر من خلال المشكاة في الخارج. فإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن ( النور ) هو مطلق الخير، حينئذ فإن كل معطي يقود إلى معطي آخر أو ينفذ إلى معطي آخر، وهكذا.

إذاً: الصورة التفريعية تأخذ مسوّغاتها فنياً وفق الطبيعة التي تنطوي عليها الظاهرة المبحوث عنها بالنحو الذي لحظناه.

الصورة المتداخلة:

هذا النمط من التركيب الصوري يتميّز بطابع خاص له إثارته ودهشته الفنية الملحوظة، حيث يعتمد التركيب الصوري على تركيب مثله في صياغة الصورة، بحيث تصبح الصورة ( ازدواجية ) في تركيبها، وهذا من نحو قوله:( لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالْأَذَى‏ كَالّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى‏ شَيْ‏ءٍ ) .

فالطرف الآخر من الصورة التي تتركَّب من ظاهرتين، هما: الصدقة المشفوعة بالمَن، ثم الإنفاق على نحو الرياء: هذا الطرف الأخير ( أي المشبَّه به في المثال المتقدِّم ) يعتمد بدوره على طرف آخر ( أي مشبَّه به آخر ) في تركيب الصورة، وهو: ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ... )، بحيث يكون الطرف الآخر ( ازدواجي ) التركيب. فالمألوف في تركيب أية صورة أن يكون موضع المقارنة نفسه موضع مقارنة أخرى أيضاً، فهذا من الدهشة الفنية بمكان، وهو ما نلحظه في الصورة المركبة المشار إليها.. فالآية المذكورة تقول: لا تبطل الإنفاق بالمَن كما يبطل المرائي إنفاقه بالرياء، ثم تقول: إن المن والرياء يشبه الحجر الأملس الذي يعلوه التراب، فيصيبه المطر فيجعله صلداً قد أزيح التراب عنه، حيث لا يمكن إعادة التراب إليه بعد الإزاحة...

هذا يعني أن ( التشبيه ) قد اعتمد على ( تشبيه ) مثله في صياغة الظاهرة، وهو أمر - كما قلنا - ملِفت للنظر بما ينطوي عليه هذا التركيب من دهشة وطرافة وإثارة فنية بالغة الدلالة.

والمسوِّغ الفني لهذا النمط من التركيب عائدٌ إلى طبيعة السياق الذي ترد الصورة من

١٣٩

خلاله، فالصورة وردت في سياق مقطع كبير خُصِّص للحديث عن الإنفاق ومستوياته عِبر آيات تحوم على هذا الجانب، مركزِّة على أن يكون الإنفاق في سبيل الله فحسب، دون أن تشوبه أيَّة رائحة من الذات، حتى إنها قرّرت بأنَّ عدم الإنفاق مصحوباً بالكلام الحسن، أفضل من الإنفاق مصحوباً بالمَن والأذى.

حينئذٍ فإن مثل هذا الموقف يستدعي الركون ليس إلى تركيب صوري يقارن بين المَن والرياء فحسب، بل إلى تركيب يزاوج بين المَن والرياء من جانب وبين عملية الحجر الذي أصابه وابل من جانب آخر، حيث تتأدَّى جملة من الوظائف الفنية من خلال من هذا التركيب، منها: أن الرياء - وهو أشدّ الممارسات مفارقة وبطلاناً للعمل - حينما يُقارن بالإنفاق المصحوب بالمَن، إنما يعمّق من قناعة المتلقِّي بخطورة هذه المفارقة ؛ بصفة أن المقارنة أو تشبيه الشيء بآخر إنما يتم من خلال كون الشيء الآخر أكثر مفارقة - أو مماثلاً - له.

ولذلك ما أن أتمّ التركيبُ الأول هذه الصياغة المفصِحة عن خطورة الإنفاق المصحوب بالمَن، حتى أردفها بصياغة صورة تضع كلاًّ منهما - أي الإنفاق المصحوب بالمَن، والرياء - في عرض أو صعيد مماثل، حينما قارنت بينهما وبين الحجر الأملس الذي يعلوه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً..

إذاً أمكننا أن ندرك أهمية الصورة الازدواجية أو المتداخلة، من حيث المسوّغ الفنّي لها، وتميّزها عن التراكيب الصورية الأخرى التي تقدَّم الحديث عنها.

الصورة التمثيلية:

ويقصد بها: الصورة المركَّبة القائمة على حكاية ذات طابع قصصي واقعي أو مفترض، لا تتجاوز نطاق البطل الواحد أو الحادثة المفردة العابرة.. وهذا من نحو الصورة التالية التي تفترض حادثة وبطلاً بهذا النحو:( أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مِن نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الّثمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرّيّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ... ) .

هذه الصورة وردت في سياق الحديث عن الإنفاق.. وبدلاً من أن تتصدّر الطرف الآخر أداة تشبيه أو تمثيل: بدلاً من ذلك جاءت ( الحكاية ) مباشرة تشكّل الطرف المشار إليه. الحكاية من الوضوح بمكان.. إنها ( تفترض ) وجود بطل يمتلك مزرعة من نخيل وأعناب.. ذات أنهار جارية.. ذات ثمرات من جميع الأنواع.. وأصاب البطلَ الكِبَرُ.. وهو ذو ذرية ضعفاء.. فجأةً يكتسح المزرعَة إعصارٌ فيه نار، فتحترق المزرعة.

من البيّن أن هذه الحادثة التمثيلية يَسِمُها طابع ( الحكاية ) أو الأُقصوصة، بما ينتظمها من بطل رئيس ( صاحب المزرعة )، وأبطال ثانويُّون ( الذرية)... وبما ينتظمها من وجود ( حادثة ) الإعصار، وبيئة ( المزرعة )... وبما تواكبها من أداة الصياغة القصصية، مثل

١٤٠