عوائد الايام في بيان قواعد الاحكام ومهمات مسائل الحلال والحرام

عوائد الايام في بيان قواعد الاحكام ومهمات مسائل الحلال والحرام0%

عوائد الايام في بيان قواعد الاحكام ومهمات مسائل الحلال والحرام مؤلف:
تصنيف: فقه استدلالي
الصفحات: 303

عوائد الايام في بيان قواعد الاحكام ومهمات مسائل الحلال والحرام

مؤلف: المولى أحمد النراقي
تصنيف:

الصفحات: 303
المشاهدات: 15468
تحميل: 5502

توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 303 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 15468 / تحميل: 5502
الحجم الحجم الحجم
عوائد الايام في بيان قواعد الاحكام ومهمات مسائل الحلال والحرام

عوائد الايام في بيان قواعد الاحكام ومهمات مسائل الحلال والحرام

مؤلف:
العربية

معه اناء يغرف به ويداه قذرتان قال يضع يداه ويتوضأ ثم يغتسل هذا مما قال الله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج الثامن صحيحة البزنطى قال سئلته عن الرجل ياتى السوق فيشترى جبة فراء لا يدرى اذكية هى ام غير ذكية ايصلى فيها قال نعم ليس عليكم المسألة ان ابا جعفرعليه‌السلام كان يقول ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم وان الدين اوسع من ذلك التاسع رواية المعلى بن خنيس عن ابى عبدالله انه قال انا والله لا ندخلكم الا فيما يسعكم العاشر رواية حمزة بن الطيار عن ابى عبداللهعليه‌السلام والحديث طويل وفيها بعد ذكر قضاء الصلوة اذا نام عنها والصيام للمريض بعد الصحة قال وكذلك اذا نظرت في جميع الاشياء لم تجد احدا في ضيق إلى ان قال وما امروا الا بدون سعتهم وكل شئ امر الناس به فهم يسعون له وكل شئ لا يسعون له فهو موضوع عنهم الحادى عشر صحيحة هشام بن سالم عن ابى عبدالله (ع) قال الله اكرم من ان يكلف لناس ما لا يطيقون الثانى عشر رواية حمزة ابن حمران عن ابى عبدالله وفيها قلت اصلحك الله انى اقول ان الله تبارك وتعالى لم يكلف العباد ما لا يستطيعون ولم يكلفهم الا ما يطيقون إلى ان قال قال هذا دين الله الذى انا عليه وابائى الثالث عشر ما رواه في قرب الاسناد باسناده إلى الصادق عن ابيه عن آبائه عليهم السلام قال لا غلظ على مسلم في شئ الرابع عشر المروى في الكافى وتوحيد الصدوق والخصال وغيرها بطرق متعددة مع قليل تفاوت في الالفاظ انه قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فع عن امتى تسعة الخطأ والنسيان وما اكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا عليه الخامس عشر ما رواه في العقايد عن الصادق (ع) انه قال والله ما كلف العباد الا دون ما يطيقون الحديث والروايات بهذا المضمون كثيرة جدا وكذلك الروايات التى استشهد بها الامام بنفى الحرج السادس عشر ما رواه العياشى في تفسيره عن احدهماعليهما‌السلام في آخر البقرة قال لما دعوا جيبوا ويشير به إلى قوله ربنا ولا تحمل علينا اصرا الخ السابع عشر ما رواه على ابن ابراهيم في تفسيره عن الصادقعليه‌السلام في تفسير قوله سبحانه ربنا لا تؤاخذنا الاية ان هذه الاية مشافهة الله لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله لما اسرى به إلى السماء قال النبىصلى‌الله‌عليه‌وآله انتهيت إلى درة المنتهى إلى ان قال فنادانى ربى تبارك وتعالى آمن الرسول بما انزل اليه من ربه فقلت انا مجيبه عنى وعن امتى والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى ان قال فقلت ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا فقال الله لا اؤاخذك فقلت ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا فقال الله لا احملك فقلت ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به إلى ان قال فقال الله تبارك وتعالى اعطيتك ذلك لك ولامتك فقال الصادقعليه‌السلام ما وفد إلى الله تبارك وتعالى احد اكرم من رسول الله حين سئل لامته هذه الخصال وروى العياشى ما في معناه في حديث بدون قوله فقال الصادقعليه‌السلام إلى اخر الحديث الثامن عشر ما رواه الطبرسى في الاحتجاج عن الكاظم (ع) عن آبائه عن امير المؤمنين عليهم السلام في حديث يذكر فيه مناقب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال انه اسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى مسيرة شهر وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين الف عام في اقل من ثلث ليلة حتى انتهى إلى ساق العرش إلى ان قال قال سبحانه لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر فقال النبىصلى‌الله‌عليه‌وآله لما سمع ذلك اما اذا فعلت ذلك بى وبامتى فزدنى قال سل قال ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا قال الله عزو جل لست أؤاخذ امتك بالنسيان او الخطاء لكرامتك علي وكانت الامة السالفة اذا نسوا ما ذكروا به فتحت عليهم ابواب العذاب وقد رفعت ذلك عن امتك وكانت الامم السالفة اذا اخطاؤا اخذوا بالخطاء

٦١

وعوقبوا عليه وقد رفعت ذلك عن امتك لكرامتك علي فقال النبىصلى‌الله‌عليه‌وآله اللهم اذا اعطيتنى ذلك فزدنى فقال الله تعالى سل قال ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا يعنى بالاصر الشدائد التى كانت على من كان قبلنا فاجابه الله إلى ذلك فقال تبارك اسمه قد رفعت عن امتك الاصار التى كانت على الامم السالفة كنت لا اقبل صلوتهم الا في بقاع من الارض معلومة اخترتها لهم وان بعدت وقد جعلت الارض كلها لامتك مسجدا وطهورا فهذه من الآصار التى كانت على الامم قبلك فرفعتها عن امتك وكانت الامم السالفة اذا اصابهم اذى من نجاسة قرضوه من اجسادهم وقد جعلت الماء لامتك طهورا فهذه من الآصار التى كانت عليهم فرفعتها عن امتك وكانت الامم السالفة تحمل قرابينها على اعناقها إلى البيت المقدس فمن قبلت ذلك منه ارسلت اليه نارا فاكلته فرجع مسرورا ومن م اقبل ذلك منه رجع مبتورا وقد جعلت قربان امتك في بطون فقرائها ومساكينها فمن قبلت ذلك منه اضعفت له اضعافا مضاعفة ومن لم اقبل ذلك منه رفعت منه عقوبات الدنيا وقد رفعت ذلك عن امتك وهى من الآصار التى كانت على الامم السالفة قبلك وكانت الامم السالفة صلواتها مفروضة عليها في ظلم الليل وانصاف النهار وهى من الشدائد التى كانت عليهم فرفعتها عن امتك وفرضت عليهم صلواتهم في اطراف الليل و النهار وفى اوقات نشاطهم وكانت الامم السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلوة في خمسين وقتا وهى من الآصار التى كانت عليهم فرفعتها عن امتك وجعلتها خمسا في خمسة اوقات وهى احدى وخمسون ركعة وجعلت لهم اجر خمسين صلوة وكانت الامم السالفة حسنتهم بحسنة وسيئة بسيئة وهى من الاصار التى كانت عليهم فرفعتها عن امتك وجعلت الحسنة بعشر والسيئة بواحدة وكانت الامم السالفة اذا نوى احدهم حسنة ثم لم يعملها لم يكتب له وان عملها كتبت له حسنة وان امتك اذا هم احدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة وان عملها كتبت له عشرا وهى من الاصار التى كانت عليهم فرفعتها عن امتك وكانت الامم السالفة اذا هم احدهم بسيئة ثم لم يعملها لم يكتب له وان عملها كتبت له سيئة وان امتك اذا هم احدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له حسنة وهذه من الاصار التى كانت عليهم فرفعت ذلك عن امتك وكانت الامم السالفة اذا اذنبوا كتبت ذنوبهم على ابوابهم وجعلت توبتهم من الذنوب ان حرمت عليهم بعد التوبة احب الطعام اليهم وقد رفعت ذلك عن امتك وجعلت ذنوبهم فيما بينى وبينهم وجعلت عليهم ستورا كثيفة وقبلت توبتهم بلا عقوبة ولا اعاقبهم بان احرم عليهم احب الطعام اليهم وكانت الامم السالفة يتوب احدهم من الذنب الواحد مائة سنة او ثمانين سنة او خمسين سنة ثم لا اقبل توبته دون ان اعاقبه في الدنيا بعقوبة وهى من الاصار التىكانت عليهم فرفعتها عن امتك وان الرجل من امتك ليذنب عشرين سنة او ثلثين سنة او اربعين سنة او مائة ثم يتوب ويندم طرفة عين فاغفر له ذلك كله فقال النبىصلى‌الله‌عليه‌وآله اللهم اذا اعطيتنى ذلك كله فزدنى قال سل قال ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنابه قال تبارك اسمه قد فعلت ذلك بك وبامتك وقد رفعت عنهم عظيم بلايا الامم وذلك حكمى في جميع الامم ان لا اكلف خلقا فوق طاقتهم الحديث إلى غير ذلك من الاخبار ويؤكد ذلك المعنى

٦٢

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعثت بالحنيفية السهلة السمحة

(البحث الثانى)

قد ورد في تلك الايات والاخبار والفاظ الطاقة والسعة و الضيق والاستطاعة والاصر والحرج والعسر فالطاقة هى بمعنى القدرة والقوة قال الجوهرى وهو في طوقى اى في وسعى وطوقنى الله اداء حقك اى قوانى وفى القاموس طوقنى الله اداء حقه قوانى عليه وفى النهاية لابن الاثير وددت انى طوقت ذلك اى ليته جعل داخلا في طاقتى وقدرتى وقال ايضا كل امرو مجاهد بطوقه اى اقصى غايته وهو اسم لمقدار ما يمكن ان يفعل بمشقة منه وفى مجمع البحرين وقد اطقت الشئ اطاقة قدرت عليه ومنه ان امتك لا تطيق اى لا يقدر عليه و السعة تطلق على معنيين احدهما الجدة والطاقة والثانى خلاف الضيق قال الجوهرى الوسع والسعة الجدة والطاقة وقال ايضا والتوسيع خلاف التضييق وفى القاموس وما اسع ذلك ما اطيقه والواسع ضد الضيق كالوسيع وفى المجمع السعة بالتحريك الجدة والطاقة والسعة عدم الضيق والتوسيع خلاف الضيق ومن ذلك علم معنى الضيق ايضا وفسر بالمشقة ايضا في قولهم وضاق بالامر ذرعا اى شق عليه والاستطاعة ايضا بمعنى الطاقة والقدرة ففى الصحاح الاستطاعة الاطاقة وفى النهاية الاثيرية الاستطاعة القدرة على الشئ وفى المجمع من استطاع اليه سبيلا اى قدر على ذلك ولن تستطيع معى صبرا اى لن تقدر على ما افعل واما الاصر ففى الصحاح اصره حبسه واصرت الشئ اصرا كسرته إلى ان قال والاصر العهد والاصر لذنب والثقل في القاموس الاصر الكسر والعطف والحبس وبالكسر العهد والذنب وفى النهاية الاصر الاثم والعقوبة واصله من الضيق والحبس من اصره ياصره اذا حبسه وضيقه وفى مجمع البحرين ولا تحمل علينا اصرا اى ذنبا يشق علينا وقيل عهدا يعجز عن القيام به وقيل اصل الاصر الذنب الضيق والحبس يقال اصره ياصره اذا ضيق عليه وحبسه ويقال للثقل اصرا وفسره في حديث الاحتجاج الشدائد كما مر والحرج الضيق في الصحاح مكان حرج اى ضيق وفسره بالاثم ايضا وقريب منه في لقاموس وفى النهاية الحرج في الاصل الضيق ويقع على الاثم والحرام وقيل الحرج اضيق الضيق وفى المجمع ما جعل عليكم في الدين من حرج اى ما ضيق بان يكلفكم ما لا طاقة لكم به وما تعجزون عليه وفى كلام الشيخ على ابن ابراهيم الحرج الذى لا مدخل له والضيق ما يكون له مدخل وقد فسر في الاحاديث المتقدمة بالضيق ايضا والعسر واضح المعنى وهو نقيض اليسر

قال في النهاية العسر ضد اليسر وهو الضيق والشدة والصعوبة وفى المجمع عسر اى صعب شديد واعسر الرجل اضاق ثم إنه ظهر مما ذكر ان الاستطاعة والطاقة بمعنى واحد هو القدرة والسعة ايضا اما راجعة اليهما او إلى عدم الضيق وان الحرج ايضا هو الضيق والعسر يحتمل ان يكون مع الضيق بمعنى واحد بان يكون معنى العسر ما فيه صعوبة شديدة واصلة حد الضيق او يكون معنى الضيق ما فيه صعوبة مطلقا وان يكون اعم منه بان يصدق على كل صعب وشديد ولا يصدق الضيق الا على ما كان في غاية الصعوبة والشدة والظاهر من العرف هو الاخير فان اهل العرف يطلقون العسر على كل شديد صعب ولا يطلقون الضيق عليه ولم يثبت من اللغة خلاف ذلك ايضا واما الاصر فهو ايضا كما عرفت لا يخرج عن العسر والضيق بل اما بمعنى الاول او الثانى او بمعنى بعض مراتب احدهما وكيف كان فاللازم مما ذكر ان الثابت من الايات والاخبار انتفاء التكليف بامور ثلثة مالا يطاق وما فيه الضيق وما فيه العسر واما ما في الخامس عشر من نفى التكليف بقدر الطاقة ايضا بل لابد وان يكون ادون منه فهو ليس نفى امر وراء الضيق والعسر لصدقهما على ما يساوى القدرة والطاقة مع ان الرواية في نفسها عيفة غير صالحة

٦٣

لاثبات اصل بدون مساعدة غيرها اياها وكذا الرواية الثالثة عشر

(البحث الثالث)

اعلم ان مراتب التكاليف المتصورة عقلا اربعة ما دون العسر ويطلق عليه السعة والسهولة واليسر والعسر الغير البالغ حد الضيق والضيق الغير البالغ حد ما لا يطاق وهو الحرج وما لا يطاق وقد يطلق الحرج على ما يعم ذلك ايضا واما ما يستفاد من كلام الشيخ الحر في الفصول المهمة من ان جميع التكاليف فيه العسر بل الحرج فليس كذلك لان المرجع في تحقق مصاديق تلك الالفاظ انما هو العرف فالعسر هو ما يعد في العرف شاقا صعبا ويقال انه يشق تحمله او يصعب على فاعله ومما لا ك فيه ولا شبهة تعتريه انه اذا كان لمولى عبد هيأله معاشه ويرزقه ويحس اليه اذا امره باشتراء يسير من اللحم والخبز لعيال المولى كل يوم من السوق لا يقال انه صعب عليه او حمله امرا عسرا او شاقا بل وكذا لو ضم معه كنس بيته وسقى دابته وعلفها بل ولو ضم مع الجميع بسط فراشه وطيه واغلاق بابه وفتحه ونحو ذلك بل لابد في تحقق العسر من كون الخدمة مما تشق عرفا ويصعب عليه تحمله وامثال ذلك في التكاليف الشرعية خارجة عن حد الاحصاء فان رد السلام تكليف مع عدم كونه صعبا بل وكذا الوضوء وركعات من الصلوة سيما مع عدم مزاحمته لشغل مهم وعدم كونه في برد شديد وكذا الصوم سيما في الايام الباردة القصيرة ومما يدل على ذلك قوله سبحانه فمن كان منكم مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فان التعليل دل على ان الصوم مع المرض وفى السفر عسر وانه في ايام اخر خالية عن المرض والسفر يسر ثم ان المرتبة الثانية وهو العسر كما اشرنا اليه اعم مطلقا من الضيق فان كل ضيق عسر ولا عكس فان من حمل عبده بشرب دواء كريه في يوم مثلا يقال انه يعسر عليه ولا يقال انه في ضيق او ضيق عليه مولاه كذا ان يكون منتهى طاقته حمل مائة رطل اذا امر بحمل تسعين مثلا ونقله إلى فرسخ يقال انه يعسر عليه ولكن لا يقال انه في الضيق نعم لو امن بحمله ونقله كل يوم يقال انه ضيق عليه وكذا يصح ان يقال ان التوضأ بالماء البارد في اليوم الشديد البرد مما يعسر ولكن لا يقال ان المكلف في ضيق من ذلك والنسبة بين هذه المرتبة والمرتبة الرابعة بالتباين اذ لا يطلق العسر الاعلى ما يمكن فعله فما لا يمكن لا يقال انه يعسر والمرتبة الثالثة اعم مطلقا من الرابعة اذ كل ما لا يقدر عليه ضيق ولا عكس م انه لا كلام لنا في هذا المقام في المرتبتين الاولى والاخيرة فان الاولى مما لا ريب في جواز التكليف بها وتحققه ولا شئ هنا يعارض جوازه كما ان التكليف بالاخيرة منتف عندنا عقلا وشرعا بل انتفائه يعم الشرايع كلها وليس انتفائه من باب الاصل حتى يجوز الخروج عنه بدليل بل تحققه مطلقا غير جايز وانما الكلام في المرتبتين الثانية والثالثة

(البحث الرابع)

قد عرفت انه تكاثر الايات واستفاضة الاخبار على نفى العسر والحرج اعنى الضيق في الدين والتكاليف ومقتضى تلك الظواهر انتفائهما راسا ولولا غير هذه الظواهر لم يكن هناك كلام وبحث بل كان اللازم العمل بعموماتها ويرجع في تعيين معنى العسر والضيق إلى العرف فيحكم بانتفاء كل ما يعد في العرف عسرا وضيقا ولكن هناك مران اوجبا الاشكال في المقام (احدهما) ان نفيهما بعنوان العموم كيف يجتمع مع ما يشاهد من التكاليف الشاقة والاحكام الصعبة التى لا يشك العرف في كونها عسرا وصعبا بل حرجا وضيقا كالتكليف بالصيام في الايام الحارة الطويلة وبالحج والجهاد ومقارعة السيف والسنان والامر بالقرار في مقابلة الشجعان والنهى عن الفرار من الميدان وعدم المبالات بلوم

٦٤

اللوام في اجراء الاحكام والتوضأ بالمياء الباردة في ليالى الشتاء سيما في الاسفار واشد منها الجهاد الاكبر مع احزاب الشيطان والمهاجرة عن الاوطان لتحصيل ما وجب من مسائل الحلال والحرام وترك الرسوم والعادات المتداولة بين الانام المخالفة لما يرضى به الملك العلام إلى غير ذلك وثانيهما انا نرى الشارع ولم يرض لنا في بعض التكاليف بادنى مشقة كما يشاهد في ابواب التيمم وغيره ويلاحظ في الاخبار الواردة عن الائمة لتى ذكرنا بعضها من تفهم لبعض المشاق الجزئية مستدلين بنفى العسر والحرج وكذا في كلام الفقهاء ونرى مع ذلك عدم سقوط التكليف في كثير منها باكثر واشد من ذلك ولم اعثر على من تعرض لذلك المقابل اجمالا او تفصيلا الا طايفة من المتاخرين فانه فد يوجد في كلماتهم تعرض ما لهذا المضمار فمنها ما ذكره شيخنا الحر في كتابه المسمى بفصول المهمة قال بعد نقل طائفة من الاخبار النافية للحرج

اقول نفى الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا تكليف ما لا يطاق والا لزم رفع جميع التكاليف انتهى.

وذلك مبنى على تحقق العسر والحرج في جميع التكاليف وقد عرفت فساده واجمال نفى لحرج يقتضى رفع اليد عنه في ابواب الفقه وهو خلاف سيرة الفقهاء وطريقتهم بل الكل يتمسكون به في موارد كثيرة كما لا يخفى على المتتبع ومنها ما ذكره بعض مادة مشايخنا طاب ثراه في فوايده قالقدس‌سره بعد بيان نفى الحرج واما ما ورد في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة كالحج والجهاد والزكوة بالنسبة إلى بعض الناس والدية على العاقلة ونحوها فليس شئ منها من الحرج فان العادة قاضية بوقوع مثلها والناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكليف ومن دون عوض كالمحارب للحمية او بعوض يسير كما اذا اعطى على ذلك اجرة فانا نرى ان كثيرا يفعلون ذلك بشئ يسير وبالجملة فما جرت العادة بالاتيان بمثله والمسامحة وان كان عظيما في نفسه كبذل النفس والمال فليس ذلك من الحرج في شئ نعم تعذيب النفس وتحريم المباحات والمنع عن جميع المشتبهات او نوع منها على لدوام حرج وضيق ومثله منتف في الشرع انتهى.

اقول هذا من طرف النقيض من الاول وكما كان الاول افراطا فهذا تفريط فانه لوسلم انتفاء الحرج في بين التكاليف حيث انه يعتبر فيه عسر ودواء كما يشير اليه قوله على الدوام فلا شك في وجود امور تشق على الناس وتعسر عليهم والعسر ايضا منفى كما عرفت بل فيها ما يعد ضيقا عرفا وهو المراد من الحرج كما عرفت فان رفع الاخلاق المذمومة المجاهدة مع النفس سيما بالنسبة إلى بعض الاشخاص مما لا يخلو هى ضيق وحرج ومن لاحظ كلمات الفقهاء بل الاخبار المستدل فيها بنفى الحرج يرى انهم نفوا امور النفى الحرج هى اسهل بكثير من كثير من التكاليف الثابتة واما ما ذكره من ارتكاب الناس لمثلها من دون عوض او بعوض يسير فهو غير مسلم في مثل الحج والخمس والجهاد والصيام في الايام الحارة ونحوها واما المحاربة للحمية هى لا تدل على عدم عسرها وصعوبتها بل قد يرتكب للحمية امور واضحة المشقة ظاهرة لشدة وجريان العادة بالاتيان بامثال ذلك انما هو ليس مجانا او بعوض يسير كما لا يخفى ومنها ما ذكره بعض الفضلاء المعاصرين وقد ذكره في عائدة نفى الضرر قال سلمه الله تعالى بعد ذكر الاشكالين والذى يقتضيه النظر بعد القطع بان التكاليف الشاقة والمضار الكثيرة واردة في الشريعة ان المراد بنفى لعسر والحرج والضرر نفى ما هو زايد على ما هو لازم لطبايع التكليفات الثابتة بالنسبة إلى طاقة اوساط الناس المبرئين عن المرض والقدر الذى هو معيار التكاليف بل هى منفية من الاصل الا فيما يثبت وبقدر ما ثبت والحاصل انا نقول ان المراد ان الله سبحانه لا يريد بعباده العسر والحرج والضرر الا من جهة التكاليف التابتة بحسب احوال متعارف الاوساط وهم الاغلبون فالباقى منفى

٦٥

سواء لم يثبت اصله اصلا او ثبت ولكن على نهج لا يستلزم هذه الزيادة ثم ان ذلك النفى اما من جهة تنصيص الشارع كما في كثير من ابواب الفقه من العبادات وغيرها كالقصر في السفر والخوف في الصلوة والافطار في للصوم ونحو ذلك واما من جهة التعميم كجواز العمل بالاجتهاد لغير المقصر في الجزئيات كالوقت والقبلة ونحوهما او الكليات كالاحكام الشرعية للعلماء انتهى.

اقول قد مر في العائدة المذكورة مايظهر به جلية الحال في هذا المقال والحاصل ان المستفاد مما ذكره ان قاعدة نفى العسر والحرج من باب اصل البرائة دون الدليل او تكون مقيدا بغير التكاليف الثابتة ويكون موضع العسر والحرج المنفيين ما هو زايد عن اصل طبايع التكاليف ويكون قاعدة نفى العسر والحرج من قبيل كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى ونحوه فكل تكليف ثبت بالخصوص او العموم او التقييد او الاطلاق يكون خارجا عنه فكلما كان عليه دليل عام او خاص لا يعارضه قاعدة نفى (الحرج) الضرر وهذا مناف لطريقة الفقهاء في استدلالاتهم بقاعدة نفى العسر والحرج بل منهم من صرح ان قاعدة نفى الحرج ليس من باب الاصل الذى جاز الخروج عنها بدليل كساير العمومات بل لا يعارضها دليل اصلا كما ياتى نعم لو كان مراده ان بعد ملاحظة عمومات التكاليف وخصوصاتها وملاحظة التعارض بينها وبين ادلة نفى العسر والحرج واعمال القواعد الترجيحية واخراج ما ثبت ترجيحه من التكاليف الصعبة العسرة يقيد ادلة نفيهما بغير هذه المخرجات لكان صحيحا كما سنذكره ومنها ان العسر والحرج في الامور انما يختلف باختلاف العوارض الخارجية فقد يكون عسر او حرجا يصير باعتبار امر خارجى سهلا سعة و من الامور الموجبة لسهولة كل عسير وسعة كل ضيق مقابلته بالعوض الكثير والاجر الجزيل ولا شك ان كل ما كلف به الله سبحانه يقابله ما لا يحصى من الاجر من جاء بالحسنة فله عشر امثالها وعلى هذا فلا يكون شئ من التكاليف عسر او حرجا وما لم يرضى الله سبحانه فيه بادنى مثقة يكون من الامور التى لا يقابلها اجر ولا يستحق فاعلها عوض وثواب وما كلف به من الامور الشاقة ظاهرا فقد ارتفعت مشقتها بما وعد لها من الاجر الجميل والثواب الجزيل ولا يخفى ان اللازم من ذلك ايضا سابقه عدم معاوضة قاعدة نفى العسر والحرج بشئ من الادلة بل عدم ترتب فائدة في التمسك بها اذ كل ما ثبت فيه التكليف عموما او خصوصا فلا يكون القاعدة فيه جارية وكذا كلما كان التكليف به مشكوكا فيه وما لم يكن كذلك فالتكليف فيه منفى من غير حاجة إلى امر اخر هذا مضافا إلى ان انتفاء العسر والحرج من كل فعل باعتبار مقابلته بالعوض الكثير في حيز المنع فانه لا شك ان انفس لاعواض هو الحيوة ولا ريب ان من توقفت حيوته على قطع عضو منه كالرجل او اليد التى عرضتها الشقاقلوس؟ يعد قطع عضوه عسرا وصعبا والتحقيق ان الامور الصعبة على قسمين قسم يرد صعوبته ومشقته على القلب والخاطر من غير صعوبة فيه على البدن والجسم كالتضرر المالى مثلا وهذا يرتفع صعوبته اذا قابله امر اخر اهم في القلب منه وقسم يرد صعوبته على البدن كحمل الشئ لثقيل وقطع العضو وامثال ذلك وهذا لا يرتفع صعوبته وان قابله من الاجر ما قابله نعم لما كان للقلب ايضا صعوبة في تحمل الصعاب البدنية فاذا قابله الاهم منه يسهل تحمل الصعوبة معه اى يرتفع صعوبته القلبية فلا يخرج من العسر والحرج هذا ما عثرت عليه مما ذكروه في هذا المقام والتحقيق انه لا حاجة إلى ارتكاب امثال هذه التاويلات والتوجيهات بل الامر في قاعدة نفى العسر والحرج كما ي سائر العمومات المخصصة الواردة في الكتاب الكريم والاخبار الواردة في الشرع القويم فان ادلة نفى العسر والحرج يدلان على انتفائهما كلية لانهما لفظان مطلقان واقعان موقع انتفى فيفيدان العموم وقد ورد في الشرع التكليف ببعض الامور الشاقة

٦٦

والتكاليف الصعبة ايضا ولا يلزم من وروده اشكال في المقام كما لا يرد بعد قوله سبحانه واحل لكم ما وراء ذلكم اشكال في تحريم كثير مما ورائه ولا بعد قوله قل لا اجد فيما اوحى الي محرما الخ تحريم اشياء كثيرة بل يخصص بادلة تحريم غيره موم ذلك فكذا ههنا فان تخصيص العمومات بمخصصات كثيرة ليس بعزيز بل هو امر في ادلة الاحكام شايع وعليه استمرت طريقة الفقهاء فغاية الامر كون ادلة نفى العسر والحرج عمومات يجيب العمل بها فيما لم يظهر لها مخصص وبعد ظهوره يعمل بقاعدة التخصيص فلا يرد شئ من الاشكالين ولعل لذلك لم يعرض الاكثر لذكر اشكال في ذلك اذ لا اشكال في تخصيص العمومات بالمخصصات ولا يلزم هناك تخصيص الاكثر ايضا فان الامور العسرة الصعبة غير متناهية والتكاليف الواردة في الشريعة محصورة متناهية ومع ذلك اكثرها مما ليس فيه صعوبة ولا مشقة كما بيناه واما عدم رضاء الله سبحانه بادنى مشقة في بعض الامور ورضاه بما هو اصعب منه كثيرا في بعض فلا يعلم ان عدم رضاه بالاول لكونه صعبا وعسرا بل لعله لامر اخر ولو علم انه لذلك فلا منافات بين عدم رضاه بمشقة ورضاه بمشقة اخرى لمصلحة خفية عنا واما احتجاج الائمة الاطياب لنفى التكليف في بعض الامور بانتفاء العسر والحرج فهو كاحتجاجهم لحلية بعض الاشياء بقوله سبحانه قل لا اجد فيما اوحى إلى الخ ومرجعه إلى الاحتجاج بعموم نفيه سبحانه الحرج وعدم وجود ما يخصص ذلك ومن هذا يرتفع الاشكال من بعض الاحاديث الذى نفى الامام فيه الحكم محتجا بكونه حرجا مع وجود ما هو اشق منه في الاحكام فان غرضهعليه‌السلام ليس انه منفى لكونه حرجا ولا يمكن تحقق الحرج في لحكم بل المراد انه حرج فيكون داخلا تحت عموم قوله سبحانه ما جعل عليكم في الدين من حرج فلا يحكم بخلافه الا ان يوجد له مخصص ولا مخصص ان لا لحكم واكثر تلك الاحتجاجات عنهم انما وقع في مقام الرد على العامة العمياء ومن ذلك يظهر ايضا الوجه في احتجاج الفقهاء بانتفاء بعض الاحكام الجزئية بنفى العسر والحرج ولا يلتفتون اليه في احكام اخر اصعب عنه (عنده) واشد

(البحث الخامس)

اذ عرفت ما ذكرنا لك في المقام فاعلم ان وظيفتك في الاحكام بالنسبة إلى ادلة نفى العسر والحرج مثل وظيفتك في ساير العمومات فتعين او لا معنى العسر والحرج وتحكم بانتفائهما في الاحكام عموما الا ما ظهر له مخصص ونتفحص عن مخصصات ادلة نفى الحرج والعسر فان ظهر معارض اخص منها مطلقا تخصصها به وان كان اخص من وجه او مساويا لها فتعمل فيهما بالقواعد الترجيحية ومع انتفاء الترجيح ترجع إلى ما هو المرجع عند الياس عن التراجيح ثم وظيفتك في تعيين معنى العسر والحرج ما هو وظيفتك في تعيين معانى ساير الالفاظ فبعد ما عرفت في اللغة والعرف ومن التفاسير الواردة في الاحاديث ان العسر هو الصعب الشاق والحرج هو الضيق فترجع في تعيينهما إلى العرف والعادة فكلما يعد في العادة شاقا وصعبا او ضيقا يكون عسرا او حرجا وما لم يحصل لك فيه القطع بدخوله تحتهما تعمل فيه بمقتضى الاصل لا لمسالة عدم كونه عسرا او حرجا اذ لا اصل بل اصالة عدم خروجه عن تحت العام التكليفى الذى يدل على ورود التكليف عليه ويلزم في تعيين معناهما لاحظة الاوقات والحالات فانه قد يكون شئ مشقة في وقت او حال بل بالنسبة إلى شخص دون اخر واللازم فيه ان يعد في العرف مشقة وعسرا ان كان الفعل صعبا على فاعله عند اكثر الناس وان لم يكن صعبا على الاكثر من جهة اختلاف حال فاعله مع حال الاكثر ولا يكفى كونه صعبا عليه عنده او عند شخص اذ بمجرد ذلك لا يتحقق العسر العرفى بل اللازم كونه صعبا عليه عند عامة الناس ثم اذا تحققت المشقة والعسرية في فعل عرفا يلزم الحكم بدخوله تحت عمومات نفى العسر والحرج سواء ان من ادنى

٦٧

مراتب العسر والحرج او اعليها او المتوسط بينهما والحاصل ان بمجرد صدق العسر عادة يحكم بذلك فلا يرد ما قد يستشكل من عدم انضباط قدر الحرج المنفى ثم يرجع إلى دليل التكليف فان لم يعارضها منه شئ اصلا يحكم بانتفائه قطعا وان عارضها وكان اخص منها تخص به وان كان بينهما عموم من وجه او تساوى يرجع إلى القواعد وقد يرجح جانب التكليف باجماع ونحوه ولكن اللازم الاقتصاد على القدر الذى ثبت فيه الاجماع فانه قد يثبت بالاجماع التكليف في شئ مع مرتبة من المشقة ولا يثبت الاجماع في مرتبة فوقها فعليك بالاجتهاد التام ومما ذكرنا يظهر سر ما يرى في لمات الفقهاء من انهم قد يستدلون بانتفاء حكم فيه ادنى مشقة بانتفاء العسر والحرج ولا يستدلون فيما هو اشد من ذلك بكثير به

(البحث السادس)

قد ظهر مما ذكرنا ان قاعدة نفى العسر والحرج من قبيل ساير العمومات يجوز تخصيصا بالمخصصات وانها اصل لا يخرج عنه الا مع دليل وقد ذكرنا ان بعضهم قال انه ليس كذلك وهو بعض سادة مشايخنا طاب ثراه قالقدس‌سره وليس المراد ان الاصل نفى الحرج وان الخروج عنه جايز كما في ساير العمومات الواردة في الشريعة اما على تقدير اختصاص رفع الحرج بهذه الشريعة فظاهر والا لزم ان تكون مساوية لغيرها في الاشتمال على الحرج والضرر الفرق بالقلة والكثرة تعسف شديد واما على العموم فلاجماع المسلمين على ان الحرج منفى في هذا الدين ولان التكليف بما يفضى إلى الحرج مخالف لما عليه اصحابنا من وجوب اللطف على الله فان الغالب ان صعوبة التكليف المفضية إلى حد الحرج تبعد عن الطاعة وتقرب عن المعصية بكثرة المخالفة ولان الله تعالى ارحم بعباده وارء‌ف من ان يكلفهم ما لا يتحملونه من الامور الشاقة وقد قال الله سبحانه ولا يكلف الله نفسا الا وسعها انتهى.

اقول بل التحقيق ما ذكرنا من كون نفى الحرج والعسر اصلا يخرج عنه بدليل ولا يلزم منه مساواة هذه الشريعة لغيرها في الاشتمال على الحرج لان الحرج له مراتب كثيرة منها ما بقرب إلى العجز وعدم الطاقة فيمكن من يكون المنفى وجوده في هذه لشريعة بعض مراتبه كما نذكره في البحث السابع فان قلت على ما ذكرت يجوز وتخصيص هذه المرتبة ايضا من تلك العمومات قلت نعم ولكن الجواز غير الوقوع والفرق انما هو في الوقوع وعدمه لا في الجواز وعدمه واما ما ذكره من اجماع المسلمين على نفى الحرج في هذا الدين فالمسلم منه ما كان تكليفا بما لا يطاق او ما يقرب منه ويوجب ضيقا شديدا في غاية الشدة واما ما دونه فلا كيف وقد عرفت تصريح بعضهم بكون جميع التكاليف الواقعة حرجا وبعضهم بوقوع التكاليف الشديدة في الدين وما اجمع عليه المسلمون وهو ورود نفى الحرج في الشرع على سبيل العموم لا انه لا مخصص له واما ما ذكره من مخالفته لما يجب على الله سبحانه من اللطف فبعد اغماض النظر عن مطالبته معنى اللطف والمراد منه وانه هل هو ما كان لطفا عندنا او في الواقع وان لم ندرك وجه لطفه او نظن عدم كونه لطفا وعن ان الواجب عليه هل هو اللطف في الجملة او كل لطف نقول انه قد يترتب على امر صعب وضيق سهولة وسعة كثيرة دائمية اعلى وارفع من هذا الصعب ومقتضى اللطف حينئذ التكليف بالصعب الادنى للوصول إلى السعة الاعلى كما ان الاب الرؤوف يضيق على ولده بحبسه في المكتب ومنعه عن الاغذية المرغوبة له لراحته عند الكبر بل يحجمه ويقطع اعضاء‌ه لدفع الامراض واما ايجاب ذلك كثرة المخالفة فهو غير مناف لللطف فانه نقص من جانب المكلف ولو اوجب ذلك عدم التكليف لزم ان يكون مقتضى

٦٨

اللطف عدم التكليف لايجابه المخالفة ولا فرق فيها بين الكثرة والقلة مع انا نرى كثرة المخالفة بحيث تجاوزت عن الحد ولم يوجبها الاصل التكليف واما قوله سبحانه لا يكلف الله نفسا الا وسعها فالمراد بالوسع الطاقة كما عرفت مع انه لو اريد منه مقابل الضيق فهو ايضا كواحد من العمومات الصالحة للتخصيص

(البحث السابع)

قال السيد السند المذكور قدس الله نفسه الزكية بعد ما ذكر انتفاء التكليف بما فوق الطاقة في جميع الاديان وثبوته بالسعة في الجميع اما التكليف بعد والطاقة والمراد به ما فوق السعة ما لم يصل إلى الامتناع العقلى او العادى فلم يقع لتكليف به في شرعنا لقوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج وقوله تعالى يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله دين محمد حنيف وقوله بعثت بالحنيفية السهلة السمحة وقد وقع في (الشرايع؟) السابقة لقوله تعالى ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا وقوله سبحانه والاغلال التى كانت عليهم وما ورد في الاخبار في بيان التكليفات الشاقة التى كانت على بنى اسرائيل وهل كان التكليف بالقياس اليهم حرجا واصرا اوهى بالنسبة الينا كذلك والظاهر الاول وحديث المعراج وقول موسى (ع) لنبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله امتك لا تطيق ذلك يؤيد الثانى وما في لسير من بيان بسطة الاولين في الاعمار والاجسام وشدتهم وطاقتهم على تحمل شدائد الامور يعاضده وعلى هذا فالحرج منفى في جميع الملل وانما يختلف الحال بحسب اختلاف اهلها فما هو حرج بالقياس الينا لم يكن حرجا حيث شرع ولكن الامتنان ينفى الحرج في هذا الدين كما هو الظاهر من الاية ورفع الاغلال والاصار يمنع ذلك انتهى.

قولهقدس‌سره اما التكليف ما فوق السعة ما لم يصل إلى الامتناع العقلى فلم يقع التكليف به في شرعنا ان اراد بعض مراتبه وهو ما كان في غاية الشدة وله استمرار ودوام فله وجه وان اراد مطلقا عم (فهو فبم) وبما استدل به عمومات للتخصيص قابلة قوله وقد وقعت ي الشرايع السابقة وهو كذلك والفرق بين ساير الشرايع وبين شرعنا على القول بوقوع بعض مراتبه في شرعنا ايضا اما باعتبار المراتب او باعتبار بعض الاصار الخاصة فالمراد بقوله تعالى لا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا اى اصرا حملته او حملت مثله عليهم لا مطلق الاصر وكذا في اغلال اى خصوص الاغلال التى كانت عليهم او ما يشابههما

٦٩

(البحث الثامن)

يمكن اختلاف العسر والحرج بالنسبة إلى الاعصار والامصار كما يمكن اختلافهما بالنسبة إلى الاشخاص والاحوال فكما انه يكون شئ عسرا او حرجا بالنسبة إلى شخص دون اخر كالقوى والضعيف او بالنسبة إلى حال دون حال كالشاب والهرم او الصحيح والمريض كذا قد يكون شئ عسرا او حرجا في زمان دون زمان اوبلد دون اخر باعتبار التعارف والتداول وحصول الملامة وعدمه

(البحث التاسع)

اعلم ان المستفاد من ادلة نفى العسر والمشقة انهما موجبان للتخفيف وذلك يستعمل في موردين احدهما انهما يوجبان لحكما بالتخفيف من الله سبحانه وبعدم كون ما فيه المشقة تكليفا لنا لعموم ادلة نفيها وهذا يكون في كل مورد لم يتحقق دليل معارض لتلك العمومات واما ما تحقق فيه الدليل المعارض فيحكم فيه بمقتضى التعارض وان شئت قلت انهما يوجبان التخفيف من الله سبحانه وتعالى شانه يعنى ان العسر والمشقة يوجبان في الواقع ان يخفف الله سبحانه الحكم بحيث ينتفى عنه المشقة كما هو المستفاد من قوله سبحانه لا يريد بكم العسر وقوله تعالى شانه وما جعل عليكم في الدين من حرج ومن رافة الله

٧٠

سبحانه بالنسبة إلى عباده ومن عدم الاحتياج له حتى يحمل عباده المشقة بل كل ما يكلفهم فانما هو لمصلحتهم ولازم ذلك ان يكون التخفيف في كل مورد لم يستعقب المشقة مرتبة عظيمة يسهل معها تحمل تلك المشقة واما اذا كان كذلك فمقتضى اللطف والرأفة التحميل ولهذا خصصت العمومات ووقعت التكاليف الشاقة في الشريعة الشريفة المقدسة وثانيهما انهما اوجبا وقوع التخفيفات الثابتة من الشريعة المطهرة وانتفائها سبب للرخص الواردة في الملة الشريفة والذى يفيد للفقيه في الفروع وظيفة التكلم فيه هو ايجاب نفى العسر والمشقة للتخفيف بالاستعمال الاول واما الثانى فلا يترتب عليه للفقيه ثير فائدة اذ بعد ثبوت الحكم من الله جل شانه لا جدوى كثيرا في درك انه للتخفيف ورفع المشقة وقد ذكر شيخنا الشهيد قدس الله سره في قواعده كثيرا من جزئيات قاعدة نفى المشقة وايجابه لليسر ولكنه انما ذكرها على الاستعمال الثانى اعنى انه ذكر احكاما كثيرة ثابتة من الشرع مناسبة لا يكون شرعيتها للتخفيف والرحمة وذكر ان بناء تلك الاحكام وشرعها انما هو للتخفيف والرخصة وهذه وان لم يكن في ذكرها كثير فايدة الا التكلم في فروعاتها التى هى من شان الكتب الفقهية ولكنا نذكر مخلص ما ذكره تبركا بكلامه (قدس‌سره ) وتكثيرا للفائدة قال طاب ثراه ما ملخصه المشقة موجبة لليسر وهذه لقاعدة يعود اليها جميع رخص الشرع كاكل الميتة في المخمصة ومخالفة الحق للتقية عند الخوف على النفس او البضع او المال او القريب او بعض المؤمنين بل يجوز اظهار كلمة الكفر عند التقية ومن القاعدة شرعية التيمم عند خوف التلف من استعمال الماء او الشين او تلف حيوانه او ماله ومنها ابدال القيام عند التعذر في الفريضة ومطلقا في النافلة وصلوة الاحتياط غالبا ومنها قصر الصلوة والصوم ومنها المسح على الراس والرجلين باقل مسماه ومن ثم ابيح الفطر جميع الليل بعد ان كان حراما بعد النوم ومن الرخص ما يختص كرخص السفر والمرض والاكراه التقية ومنها ما يعم كالقعود في النافلة واباحة الميتة عند المخمصة يعم عندنا في السفر والحضر ومن رخص السفر ترك الجمعة وسقوط القسم بين الزوجات لو تركهن بمعنى عدم القضاء بعد عوده وسقوط القضاء للمتخلفات لو استصحب بعضهن ومن الرخص اباحة كثير من محظورات الاحرام مع الفدية واباحة الفطر للحامل والموضع والشيخ والشيخة وذى العطاش والتداوى بالنجاسات المحرمات عند الاضطرار وشرب الخمر لاساغة اللقمة واباحة الفطر عند الاكراه عليه مع عدم القضاء ولو اكراه على الكلام في الصلاة فوجهان ومنه الاستنابة في الحج للمعضوب والمريض المايوس من برئه وخائف العدو والجمع بين الصلوتين في السفر والمرض والمطر والموحل والاعذار بغير كراهية ومنه اباحة نظر المخطوبة المجيبة واباحة اكل مال الغير مع بذل القيمة مع الامكان و لا معها مع عدمه عند الاشراف على الهلاك ومنه العفو عما لا يتم الصلوة فيه منفردا مع نجاسته وعن دم القروح والجروح الذى لا يرقى ثم التخفيف قد يكون لا إلى بدل كقصر الصلوة وترك الجمعة وصلوة المريض وقد يكون إلى بدل كفدية الصائم وبعض الناسكين في بعض المناسك والرخصة قد تجب كتناول الميتة عند خوف الهلاك وقصر الصلوة الصيام او يستحب كنظر المخطوبة وقد تباح كالقصر في الاماكن الاربعة والمشقة الموجبة للتخفيف هى ما ينفك عنه العبادة غالبا اما ما لا ينفك عنه فلا كمشقة الوضوء والغسل في البرودات واقامة الصلوة في الظهرات والصوم في شدة الحر وطول النهار وسفر الحج ومباشرة الجهاد اذ مبنى التكليف على المشقة ومنه المشاق التى تكون على جهة العقوبة على الجرم

٧١

وان ادت إلى تلف النفس كالقصاص والحدود بالنسبة إلى المحل والفاعل وان كان قريبا يعظم المه باستيفاء ذلك من قريب والضابط في المشقة ما قدره الشرع وقد اباح الشرع حلق المحرم للقمل كما في قضية كعب ابن عجره واقره النبىصلى‌الله‌عليه‌وآله عمروا على التييم لخوف البرد فليقاربها المشاق في باقى محظورات الاحرام باقى مسوغات التيمم و ليس مضبوطا ذلك بالعجز الكلى بل بما فيه تضيق على النفس ومن ثم قصرت الصلوة وابيح الفطر في السفر ولا كثير مشقة فيه ولاعجز غالبا فحينئذ بحوز الجلوس في الصلوة مع مشقة القيام وان امكن تحمله على عسر شديد وكذا باقى مراتبه ويقع التخفيف في العقود كما يقع في العبادات ومراتب الغرر فيها ثلث احديها ما يسهل اجتنابه كبيع الملاقيح وهذا لا تخفيف فيه وثانيها ما يعسر اجتنابه وان امكن تحمله بمشقة كبيع البيض في قشره وبيع الجدار وفيه الاس وهذا عفى عنه تخفيفا وثالثها ما بتوسط بينهما كبيع الجوز واللوز في القشر الاعلى والاعيان الغايبة بالوصف ومنه الاكتفاء بظاهر الصبرة المتماثلة ومن التخفيف شرعية خيار المجلس ومنه شرعية المزارعة والمساقاة والقراض وان كان معاملة على معدوم ومنه اجارة الاعيان فان المنافع معدومة حال العقد ومنه جواز تزويج المراة من غير نظر ووصف دفعا للمشقة اللاحقة للاقارب ومن ذلك شرعية الطلاق والخلع دفعا لمشقة المقام على الشقاق وسوء الاخلاق وشرعية الرجعة في العدة غالبا ليتروى ولم تشرع في زيادة على المرتين دفعا للمشقة عن الزوجات ومنه شرعية الكفارة في الظهار الحنث و منه التخفيف عن الرقيق بسقوط كثير من العبادات ومنه شرعية الدية بدلا عن القصاص مع التراضى كما قال الله تعالى ذلك تخفيف من ربكم ورحمة انتهى.

ما اردنا نقله من كلامه ملخصا وهو كما ترى في التخفيفات الثابتة من الشرع وبعد ثبوتها منه لا فايدة كثيرة في بيان كونها تخفيفا اولا.

(عائدة) قد اشتهر بين الاصحاب ان الاحكام تابعة للاسماء قيل معناه انه ينتفى الحكم من جهة الاسم بانتفاء الاسم وليس المراد انتفاء الحكم بانتفائه مطلقا ولو بدليل اخر فان التخصيص بالذكر لا يقتضى التخصيص بالحكم الا بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة ولازم ذلك امكان اثبات الحكم بعد زوال الاسم بالاستصحاب قال فكما لو كان دليل لتسوية الحالين في الحكم آية او رواية او اجماعا كان حجة ولم يمكن منافيا لتبعية الحكم للاسم فكذا اذا كان استصحابا فانه دليل شرعى يجب الحكم بمقتضاه وهو التسوية بين الحالين في الحكم فان قلت لو كان الاستصحاب حجة مع زوال الاسم كان الحكم ثابتا مع التسمية وبدونها فاى فائدة في التبعية التى ذكروها قلت فائدة التبعية تظهر في الحالة السابقة على مورد النص كالحصرم بالنسبة إلى العنب وفى الحالة اللاحقة مع تبدل الحقيقة وبالجملة لا يشترط في الاستصحاب بقاء الاسم لعموم المقتضى وانتفاء ما يصلح دليلا للاشتراط ولذا ترى الفقهاء يستصحبون كم الحنطة بعد صيرورتها دقيقا والدقيق بعد صيرورته عجينا والعجين بعد صيرورته خبزا وهكذا حكم القطن بعد ان يصير غزلا والغزل بعد ان يصير ثوبا وكذا حكم الطين بعد صيرورته لبنا بل اللبن بعد صيرورته خزفا واجرا والاسم في ذلك كله ليس باقيا قطعا وايضا لو تنجس العنب ثم صار زبيبا فانه يبقى على نجاسته ولا يطهر بزوال التسمية وارتفاع وصف العنبية وليس الا لاستصحاب حكم النجاسة وعدم اشتراط بقاء الاسم في حجية الاستصحاب

اقول ما ذكره في مرادهم من تبعية الحكم للاسماء صحيح فانه ليس المراد منه انه يدل على انتفاء الحكم بانتفاء الاسم حتى يكون معارضا

٧٢

لدليل اخر دل على ثبوته حال انتفاء الاسم ايضا بل المراد ان الحكم الثابت بواسطة هذا الاسم ومن جهة هذا الاسم ينتفى بانتفائه وذلك لا ينافى ثبوته بدليل اخر اصلا واما ما ذكره من امكان اثبات الحكم بعد زوال الاسم بالاستصحاب فليس بصحيح لان من شرايط الاستصحاب الجمع عليها عدم تغيير موضوع الحكم فاذا كان الشارع جعل موضوع الحكم شيئا مسمى باسم فاذا انتفى الاسم ينتفى الموضوع فكيف يمكن الاستصحاب لذا تريهم لا يستصحبون نجاسة الكلب بعد صيرورته ملحا او العذرة دودا او ترابا او النطفة حيوانا والسر ان من شرط جريان الاستصحاب عدم كون الحكم مقيدا بشئ غير متحقق في الحالة اللاحقة فاذا علق الشارع حكما على اسم يكون مقيدا به فكيف يمكن استصحابه بعد انتفائه ويستفاد ذلك من موثقة عبيد ابن زراره عن الصادقعليه‌السلام في الرجل اع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا فقال اذا تحول عن اسم الخمر فلا باس به فان قلت تعليق الشارع الحكم على الاسم ليس من جهة الاسم نفسه بل من جهة الحقيقة التى يدل الاسم عليها ولازم ذلك انتفاء الحكم بانتفاء الحقيقة لا بانتفاء الاسم وعلى هذا فاذا انتفت الحقيقة مع الاسم ايضا لا يستصحب كما في مثال الكلب و العذرة وان لم ينتف الحقيقة يستصحب كما في مثال الحنطة والقطن قلنا لا نفهم المراد من انتفاء الحقيقة فان اريد انتفاء الاثار والخواص التى لها كما قيل في دفع اشكال استصحاب نجاسة الحنطة التى صارت دقيقا وعدم استصحابها اذا صارت رمادا فيلزم عدم استصحاب اللبن اذا تبدل بالجبن او الاقط او الماست وعدم استصحاب النجاسة العرضية الحاصلة للعصير لوقوع النجاسة فيه اذا صار دبسا وعدم استصحاب نجاسة الحصرم اذا صار عنبا لتبدل لحقيقة بهذا المعنى مع ان الكل متفقون على صحة الاستصحاب في هذه المواضع وكذا ان اريد تبدل الحقيقة العرفية فان حقيقة الحصرم غير حقيقة العنب عرفا وحقيقة اللبن غير حقيقة الاقط عرفا وان اريد بانتفاء الحقيقة انتفاء التسمية فهو قد تحقق في الجميع وان اريد امر اخر فليبينه حتى ننظر فيه فما ذكره من ان فائدة التبعية انما تظهر في الحالة اللاحقة بعد تبدل الحقيقة لا يتحقق له قدر مضبوط مطرد من هذا يظهر ما في قوله لا يشترط في الاستصحاب بقاء الاسم ولذا تريهم يستصحبون حكم الحنطة فانه لو لم يكن شرطا لم لا يستصحبون حكم العذرة فان اجاب بعدم تبدل الحقيقة في الاول وتبدلها في الثانى قلت فلم يستصحب نجاسة اللبن للجبن والحصرم للعنب والتحقيق ان تعليق الشارع الحكم على الاسماء في نص او دليل اخر يدل على اختصاص الحكم الثابت منه بالمسمى بهذا الاسم بمعنى انه المحكوم عليه بهذا الدليل فقط لا بمعنى دلالته على انتفائه من غير المسمى فلا يعارض ما يدل على ثبوته بعد انتفاء التسمية ايضا و لكن الاستصحاب لا يدل على ثبوته بعد انتفائها مطلقا يعنى لا يجرى الاستصحاب لان تعليق الشارع الحكم على اسم يجعله مقيدا به فيتغير الموضوع بعد انتفاء الاسم ولذا لا يستصحب نجاسة الكلب والعذرة بعد صيرورتهما ملحا وترابا واما استصحاب نجاسة الحنطة والقطن والحصرم فلانه لم يعلق الشارع الحكم على اسم الحنطة والقطن اصلا وليس هنا حكم معلق على ذلك بل يثبت امر عام احد افراده ذلك وليس موضوع النجاسة الثابتة من الشرع الحنطة من حيث هى حنطة ولذا لو قال لا تدخل البيت مادام فيه حنطة يجوز دخوله اذا تبدلت بالخبز و

٧٣

لذا لو نذر احد ان يصوم مادام في بيته القطن لا يستصحب وجوبه بعد صيرورته غزلا وهكذا والحاصل ن في مثال الحنطة وامثالها لم يعلق حكم شرعى على اسم الحنطة وهو السر في عدم الاستصحاب الا عدم تبدل الحقيقة ولا عدم اشتراط الاستصحاب ببقاء الاسم ومما ذكرنا يظهر سر ما ذكره جماعة وهو الحق الموافق للتحقيق من التفرقة بين الاعيان النجسة وبين المتنجسة في صحة استصحاب النجاسة بعد الاستحالة في الثانية وعدمها في الاولى وهؤلاء في فسحة من الاستشكال في وجه الفرق بين الحنطة النجسة اذا صارت دقيقا وبينها اذا صارت رمادا وبين اللبن النجس اذا صار أقطا وبينه اذا شربه حيوان ما كون اللحم وصار بولا له او لحما فانهم يقولون بصحة الاستصحاب في جميع تلك المواضع ويحكمون بالنجاسة الا ما دل دليل اخر من اجماع او نحوه على الطهارة لعدم كون الحكم الشرعى فيها معلقا على الاسم ولعدم صحة الاستصحاب في كل ما كان الحكم معلقا على الاسم وكالكلب اذا صار ملحا ونحوه فيكون بالطهارة الا ما دل دليل اخر على النجاسة واما من لم يتفطن بذلك ولم يفرق بين النجس والمتنجس في ذلك المقام فقد وقع في حيص وبيص فتراه يحكم بطهارة الخشب بصيرورته فحما وبطهارة الحنطة بصيرورتها رمادا ولا يحكم بها بصيرورتها خبزا ويعتذر بتبدل الحقيقة في الاول دون الثانى ويقول ان المراد بتبدل الحقيقة تبدل الاثار والخواص ويلزمه الحكم بطهارة الحصرم اذا صار عنبا او اللبن اذا صار اقطا مع انه لا يقول به ولو قال بعدم تبدل الحقيقة هنا قلنا لا نفهم الحقيقة المتحدة في الحصرم والعنب وفى اللبن والماست والمختلفة في الخشب واللحم.

(عائدة) اعلم ان من الامور الموجودة في الخارج ما يمكن ان يكون المقتضى لوجوده في زمان او حال مقتضيا بعينه لعدمه في الزمان الثانى او الحالة الثانية من غير حاجة إلى مقتض اخر ومنها ما ليس كذلك قطعا بل اذا وجد يحتاج عدمه وزواله إلى علة واردة عليه مزيلة اياه وان شئت قلت من الامور ما لا يكفى وجوده في زمان او حال لوجوده في زمان اخر او حالة اخرى لولا المانع والرافع بل يحتاج وجوده ثانيا إلى مقتض ثانوى ومنها ما يكفى وجوده اولا لوجوده ثانيا لولا المانع فالاول كالاذن والتوكيل ونحوهما فانه يمكن ان يكون المقتضى لوجوده في زمان اوحال مقيدا بذلك الحال او الزمان مشروطا به فينتفى بانقضاء الحالة او الزمان ولا يكفى وجوده في الاول لوجوده في الثانى ولو لم يحدث مانع ورافع ومزيل له ايضا بل يمكن ان يوجد اولا محدودا والثانى كالسواد والعلم والجهل واليبوسة والرطوبة والجلوس وامثال ذلك فانها لا يمكن ان يوجد اولا محدودا بان يتحقق سواد محدود إلى زمان او حال او علم كذا ويرتفع بعد انقضاء الزمان او الحال ولو لم يطرء عليه مزيل او رافع او يتحقق الجلوس الكذائى واما قول الآمر اجلس ساعة فهو مقتض لتحقق وجوب الجلوس المحدود دون نفس الجلوس والوجوب من قبيل الاول وكذا الحال في الامور الشرعية والوضعية فان منها ما لا يقتضى وجوده في زمان بقائه في اخر لولا المزيل ومنها ما يقتضيه فلا يرتفع الا برافع فالاول كالوجوب والتحريم ونحوهما والثانى كالطهارة والنجاسة والحدث والملكية والرقية وامثالها فان وجوب شئ في زمان او حال او حرمته لا يقتضى بقاء الوجوب او الحرمة في زمان اخر او حال اخر وان لم

٧٤

يطرء مزيل ورافع بل يمكن ان يكون المتحقق اولا هو الوجوب المقيد بخلاف الطهارة وامثالها فان وجودها في زمان كان في ايجاب بقائها في زمان بعده لولا ورود الرافع عليها ولا يمكن ان يتحقق اولا محدودا بحد لا اقول انها مثل العلم والسواد ونحوهما اى لا يجوز ان يكون كذلك ولا يحتمل وقوعها محدودا عقلا بل نقول انه وان جاز ذلك في تلك الامور الشرعية عقلا ولكن حصل بالتتبع والاستقراء في ادلة الاحكام واخبار سادات الانام وكلمات العلماء الاعلام ومن ملاحظة طريقتهم وسيرتهم ان هذه الامور كذلك مطلقا فانا نعلم الاجماع على ان الحدث اذا تحقق في زمان يكون باقيا بعده ما لم يحدث علة رافعة له وحدوثه في الزمان الاول مقتض لبقائه في الثانى لولا حدوث الرافع وكذا النجاسة والملكية ونحوهما وهذا العلم حاصل من تتبع الادلة والفتاوى واستقراء جزئيات الموارد ثم انه يظهر الفرق بين هذين القسمين في الاستصحباب فان ماكان من الثانى يمكن استصحابه مطلقا وبعد وجوده لا يعارضه استصحاب حال عقل بخلاف ما كان من الاول فانه اما يعلم ان المقتضى لوجوده في الاول اقتضاه مقيدا بوقت او حال نحو انت ماذون ساعة او يجب عليك كذا مرة او بالدوام نحو انت ماذون دائما او يجب عليك ابدا او اقتضاه مطلقا نحو انت ماذون او يجب عليك كذا ففى الاول لا يمكن الاستصحاب وفى الثانى يمكن وان حصل الشك لمعارض ولا يعارضه استصحاب حال عقل وفى الثالث يمكن الاستصحاب وله المعارض ايضا ويلزم ذلك انه لو لم يعلم حال المقتضى وان اقتضائه باى نحو من الانحاء الثلثة يرجع إلى ان الاصل في وجود شئ في زمان او حال وجوده بشرط الوصف حتى لا يصح استصحابه او مادام الوصف حتى يصح وتحقيقه في الاصول واما ما كان من القسم الثانى فلا يتصور فيه هذه الاقسام بل يستصحب دائما إلى ان يقطع بوجود المزيل والرافع له من غير معارضة استصحاب حال عقل له ايضا.

(عائدة) قد اشتهر بينهم ان الاستصحاب لا يعارض دليلا اصلا لا خاصا ولا عاما ولا مطلقا ولا مقيدا ولا منطوقا ولا مفهوما وقيل استصحاب الحكم المخالف للاصل في شئ دليل شرعى رافع للحكم الاصلى ومختص للعمومات وتحقيق المقام ان العمومات المعارضة لاستصحاب على ثلثة اقسام احدها العمومات الدالة على المزيلية والرافعية نحو ما يراه ماء المطر فقد طهر وما اشرقت الشمس عليه فقد طهر فانه معارض لاستصحاب النجاسة ولا شك ولا خلاف في عدم معارضة الاستصحاب لها و زواله بها وفى انه يترك الاستصحاب بها ويخصص عمومات عدم نقض اليقين بالشك بهذه العمومات ويقدم عليها اجماعا بل لو قلنا بان المعارض للعمومات الاستصحابات الجزئية الخاصة دون عمومات عدم نقض اليقين بالشك يقدم العمومات مع عمومها على الاستصحاب مع خصوصه بالاجماع لان الاستصحاب وان كان خاصا ولكن بازاء هذا العموم في كل مورد استصحاب خاص معارض له فلو قدم الجميع لغى العموم بالمرة والخاص في مثل ذلك ليس مقدما على العام بالاطلاق بل المرجع إلى المرجحات الخارجية كما اذا قال احد كل ما في البيت لعمرو فانه يخصص بقوله هذا الشئ مما في البيت لزيد اما لو قيل هذا لزيد وهذا لبكر وهذا لخالد إلى

٧٥

اخر ما في البيت لا يخصص العام الاول بكل خاص لاستلزامه لغويته بل يرجع إلى المرجحات وثانيها لعمومات المقيدة بحال عدم ونحوه مثل كل ماء طاهر حتى تعلم انه قذر وكل شئ حلال حتى تعلم انه حرام ونحو ذلك في معارضة النجاسة او الحرمة الاستصحاب ولا خلاف ايضا في عدم معارضتها للاستصحاب وتقدم الاستصحاب عليها لان الحكم فيها بالطهارة او الحلية مقيدة بعدم العلم والمفروض انه قد حصل العلم وخرج عن الموضوع فلا يشمله العمومات والحاصل ان المستفاد منها الطهارة في وقت ما هو قبل حصول العلم فلا يفيد اذا حصل العلم وان انقضى هذا مع ان بالاستصحاب علمت القذارة وثالثها العمومات المطلقة نحو الماء طاهر او كل شئ طاهر ونحو ذلك فقيل بتقديم الاستصحاب عليها معللا بان الاستصحاب خاص والخاص وان كان استصحابا مقدم على العام وان كان حديثا او كتابا قال فان قيل مرجع الاستصحاب إلى ماورد في النصوص من عدم جواز نقض اليقين بالشك فهذا عام لا خاص قلنا الاستصحاب في كل شئ ليس الا بقاء الحكم الثابت له وهذا المعنى خاص بذلك الشئ ولا يتعداه إلى غيره وعدم نقض اليقين بالشك وان كان عاما الا انه وارد في طريق الاستصحاب وليس نفس الاستصحاب المستدل به والعبرة في العموم والخصوص بنفس الادلة (بادلة الادلة) والا يلزم ان ا يوجد في الادلة الشرعية دليل خاص اصلا اذ كل دليل فهو ينتهى إلى ادلة عامة هى دليل حجيته وليس عموم قولهم لا ينقض اليقين بالشك بالقياس إلى افراد الاستصحاب وجزئياته الا كعموم قوله تعالى ان جاء‌كم فاسق بنبإ بالقياس إلى احاد الاخبار المروية فكما ان ذلك لا ينافى كون الخبر خاصا اذا اختص مورده بشئ معين فكذا هذا ولذا ترى الفقهاء يستدلون باستصحاب النجاسة والحرمة في مقابلة الاصول والعمومات الدالة على طهارة الاشياء و حليتها وكذا باستصحاب شغل الذمة في مقابلة ما دل على برائة الذمة من الاصل والعمومات انتهى.

اقول مراده ان النجاسة الاستصحاب في مورد خاص مدلول لعدم نقض هذا اليقين بالشك لانه يوجب النجاسة ويدل عليها ودليل عدم النقض ادلة حجية الاستصحاب فان عدم النقض بنفسه لا يثبت النجاسة ما لم يثبت حجيته من الشارع فافراد عدم نقض اليقين بمنزلة افراد الاخبار وما يثبت منها هو الحكم المستصحب بمنزلة مدلول الاخبار ولا ينقض اليقين بالشك الذى معناه حجية عدم نقض اليقين بمنزلة آية النبأ التى مفادها كل خبر عدل حجة فما ذكره من ان اخبار الاستصحاب دليل حجية مطلق الاستصحاب الذى يندرج في تحته الاستصحابات الجزئية صحيح ولكن ا ذكره من ان العبرة في العموم والخصوص بنفس الادلة لا بادلة الادلة غير صحيح لان التعارض بين الشيئين عبادة عن التنافى بين مدلوليهما اما بين خصوص المدلولين اوبين عموم احدهما وخصوص الاخر او بين عمومهما سواء كان احدهما دليلا لشئ معارض مع الاخر ام لا ونحن نرى ان قول الشارع لا ينقض اليقين بالشك معناه عدم جواز نقض شئ من افراد اليقين الذى منها نجاسة الماء مثلا بالشك ولازمه الحكم بنجاسته وعموم هذا مناف بالبديهة لعموم كل ماء طاهر لعدم جواز العمل بالعمومين قطعا فيتعارضان ولابد فيهما من الرجوع إلى قواعد التعارض وكون الاول دليل حجية الاستصحابات الخاصة لا يوجب رفع التعارض او اغماض النظر عن تعارضهما

٧٦

فان قلت هذا كذلك ولكن يكون استصحاب نجاسة هذا لفرد؟ من الماء الذى هو مدلول ادلة الاستصحاب خص من قوله كل ماء طاهر وهو موجب لتخصيصه فيختص كل ماء طاهر بغير ذلك الماء فلا يكون معارضا لدليل هذا الاستصحاب ايضا قلنا صلاحية تخصيص هذا الاستصحاب الخاص لذلك العموم انما هى بعد ثبوت حجيته والا فلا شك انه لا يوجب تخصيصا وحجية فرع شمول دليل حجية الاستصحاب له وشموله له بعد علاج التعارض بين هذا الدليل وبين عموم كل ماء طاهر وترجيح ذلك وهو لم يتحقق بعد فلا يعلم الشمول فلا يصلح للتخصيص فان اخبار عدم نقض اليقين مع هذا العموم في مرتبة واحدة من الحجية ثابتة حجيتهما؟ بطريق واحد فلابد من رفع التنافى بينهما حتى يعلم ما ندرج تحت كل منهما ولا يرد مثل ذلك في دليل حجية الاخبار لان المعارض للخبر الخاص ان كان خبرا اخر فنسبتهما إلى دليل حجية الاخبار واحدة وكل منهما يقتضى تخصيص الدليل بالاخر وهو موجب لطرحهما معا وهذا بعينه حكم تعارضهما بالعموم والخصوص مطلقا او من وجه وان كان المعارض له شئ اخر كاجماع منقول او شهرة فكما يعارض ذلك الشئ دليل حجية الخبر كذلك يعارض ذلك الخبر دليل حجية هذا الشئ وبعد علاج تعارضهما بنفسيهما وكذا اذا كان تعارضهما يكون الحاصل بعينه ما يحصل من علاج تعارض الخبرين بلا تفاوت وهذا هو السر في عدم التفاتهم إلى تعارض معارضات الخبر مع ادلة حجيته بخلاف تعارض العمومات مع ادلة الاستصحاب هذا كله على فرض تسليم منافاة الاستصحاب مع قوله كل ماء طاهر والا فالظاهر عدم المنافاة ايضا لان مقتضى الاستصحاب الخاص وكذا مقتضى ادلة حجية عدم نقض اليقين بمجرد الشك فمعناه ان في كل مورد كانت نجاسته يقينية وشككت في بقائها فلا ينقض اليقين بمجرد هذا الشك وحكمه بطهارة كل ماء مشكوك الطهارة ليس مستند إلى الشك بل إلى امر قطعى هو يعلمه وكذا حكمنا لانه مستند إلى هذا القول من الامام (ع) لا إلى الشك فان قلت لازم ذلك طرح الاستصحاب في امثال ذلك المقام اما على عدم التعارض فظ واما عليه فلان تعارض العمومات مع ادلة الاستصحاب بالعموم من وجه ولازمه طرحهما والرجوع إلى الاصل ومقتضاه انه اذا تنجس التراب مثلا لا يستصحب نجاسته لعموم جعلت لى الارض مسجدا وترابها طهورا واذا تنجس بول ما يؤكل لحمه لم يستصحب نجاسته لعمومات طهارة بول ما يؤكل لحمه ونحو ذلك مع انه ليس كذلك قلنا نعم كان كذلك لو لم يكن مرجح للاستصحاب وما ذكرنا في العائدة السابقة من القطع بان النجاسة متى حصلت في شئ لا يحكم بانتفائها الا مع حصول العلم بطرق المطهرة مرجح لاستصحاب النجاسة وكذا في كل امر كان من قبيل النجاسة واما ما لم يكن كك فلا نمنع؟ ترجيح الاستصحاب فيه فلو قال صم وقلت بان الامر لطلب المهية المطلقة فمقتضاه استصحاب وجوبه بعد صوم يوم ايضا ولو ورد لا يجب صوم تعارض ذلك ع الاستصحاب المذكور ولا نقول بتقديم الاستصحاب ثم لا يتوهم مما ذكرنا انه يجب الحكم بنجاسة الاعيان النجسة ذاتا بعد الاستحالة ايضا لعدم ورود ما علم كونه مطهرا لان النجاسة كما يرتفع بورود المطهرة كذا يرتفع بانتفاء موضوعها عن الخارج وها هنا كذلك.

(عائدة) من القواعد المشهورة بين كثير من الفقهاء حمل افعال المسلمين واقوالهم على الصحة والصدق وتحقيق المقام من المهمات ولا بد اولا من بيان المأخذ فيها واعلم اولا انه لا

٧٧

شك في وجوب حمل فعل المسلم في الجملة وقوله كذلك على الصحة والصدق بمعنى ان الامر في بعض الموارد الكلية كذلك وقد وردت الاخبار في جملة من المواضع بذلك (و) منها ما انعقد عليه الاجماع ايضا كما قالوا في قبول قول ذى اليد في الطهارة والنجاسة والتذكية ونحو ذلك وكما في قاعدة كل ذى عمل مؤتمن في عمله وكما في قبول واية الثقة الخالية عن المعارض في الاحكام وقبول الشهادة في الجملة في مواردهما وقبول اقرار العقلاء على انفسهم و تصديق المراة فيما يثعلق بنفسها والبناء فيما يوجد في اسواق المسلمين من اللحوم والجلود على المذكى والاشياء الموجودة في ايديهم على الطهارة وامثال ذلك وهى كثيرة جداولا كلام لنا في تلك الجزئيات في ذلك المقام فانها امور جزئية يتكلم في كل منها في موضعه من الفقه استدلالا وردا ولا يجب ان يكون بناء تلك الجزئيات على هذه القاعدة الكلية في حمل افعالهم واقوالهم على الصحة والصدق كما ياتى وانما المقصود هنا النظر في انه هل يثبت تلك القاعدة على سبيل الكلية حتى تكون اصلا ومرجعا في جميع تلك الجزئيات ولا يخرج عنه الا بدليل فكذلك موضع لم يكن فيه رادع عن الاصل يتبع فيه هذه القاعدة ام لا حتى يحتاج في كل مورد جزئى إلى دليل اخر وعلى هذا فلا يصح لنا التمسك في اثبات هذه القاعدة بالاخبار والادلة المختصة بتلك الموارد الجزئية بل لابد من الدليل العام فلاجل ذلك لا يذكر في مقام الاستدلال الادلة التى لها جهة اختصاص بمورد خاص نعم في مقام التمسك بالاستقراء يظهر الفايدة لهذه الادلة الخاصة وياتى الكلام فيها (اذا) عرفت ذلك فنقول ان المتمسكين بهذه القاعدة يستندون فيها إلى الاجماع والكتاب والسنة اما الاجماع فلانا نرى العلماء على ذلك متفقين في كل الاعصار والامصار وهذه قاعدة مسلمة مشهورة بينهم يبنون عليها كثيرا من الاحكام واما الكتاب فقوله عز شانه واجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم واما الاخبار فكثيرة دا من الصحاح وغيرها المنجبرة بالعمل منها المرسلة عن الحسين ابن المختار عن ابى عبداللهعليه‌السلام قال قال امير المؤمنين (ع) في كلام له ضع امر اخيك على احسنه حتى ياتيك ما يقلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من اخيك سوء وانت تجد لها في الخير محملا ومنها رواية معلى ابن خنيس عن ابى عبداللهعليه‌السلام قال قلت له ما حق المسلم على المسلم قال له سبع حقوق واجبات ما منهن حق الا وعليه واجب ان ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن لله فيه من نصيب إلى ان قال السابع ان يبر قسمه ويجيب دعوته ويعود مريضه ويشهد جنازته ومنها رواية اليمانى عن ابى بدالله (ع) قال حق المسلم على المسلم ان لا يشبع ويجوع إلى ان قال فاذا اتهمه انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء ومنها رواية ابى المأمون الحارثى قال قلت لابى عبدالله (ع) ما حق المؤمن على المؤمن قال من حق المؤمن على المؤمن المودة له إلى ان قال وان لا يكذبه إلى ان قال واذا اتهمه انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء ومنها رواية اخرى لليمانى عن ابى عبداللهعليه‌السلام قال اذا اتهم المؤمن اخاه انماث الايمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء ومنها المرسلة ن عمر بن يزيد قال سمعت ابا عبداللهعليه‌السلام يقول من اتهم اخاه فلا حرمة بينهما ومن عامل اخاه بمثل ما عامل به الناس فهو برئ مما ينتحل ومنها رواية ابى حمزة قال سمعت ابا عبداللهعليه‌السلام يقول إلى ان قال ولا يقبل الله تعالى من مؤمن عملا وهو

٧٨

مضمر على اخيه المؤمن من سوء ومنها ما ورد من قولهم المؤمن وحده حجة إلى غير ذلك من الاخبار التى لعله يذكر بعضها في طى ما ياتى ومما يمكن ان يستدل به على القاعدة المذكورة ايضا الاستقراء فان تتبع احكام جزئيات الافعال من عبادات الناس ومعاملاتهم واعمالهم واقوالهم وطهاراتهم ومناكحاتهم ومواريثهم وشهاداتهم يعطى ان الحمل على الصدق والصحة قاعدة كلية من الشارع ثابتة واللازم في تحقيق المقام ان ينظر فيما يتحصل من تلك الاخبار وساير الاخبار الواردة في تلك المضمار مما يوافق تلك الاخبار او يعارضها ومن الاية والاجماع والاستقراء حتى يتضح حق المقال فها هنا مقامان

(المقام الاول) فيما يتحصل من الاخبار فنقول المتحصل من الاخبار المتقدمة مما يتعلق بالمقام امور سبعة:

(الاول) وجوب وضع امر اخيك على احسنه حتى ياتيك منه ما يغلبك اى ما يمنعك عن حمل فعله على الاحسن ومعنى غلبته ان يكون بحيث لا يمكنك معه الحمل على الاحسن ومرجعه إلى ان يعلم غير الاحسن وفى شمول ما يغلبك لما يرجح خلاف الاحسن ان يوجب الظن به وان لم يبلغ حد العلم احتمال قوى

(والثانى) وجوب قبول قسم المسلم

(والثالث) وجوب عدم اتهام المسلم والمؤمن

(والرابع) ان المؤمن وحده حجة يجب العمل بمقتضى اقواله

(الخامس) وجوب عدم اضمار السوء على الاخ ولازمه على تجويز الكذب عليه فيما يخبر عنه وعدم تجويز الفساد والبطلان عليه فيما يفعله

(والسادس) وجوب عدم ظن السوء بكلمة تكلم بها اخوك

(والسابع) عدم تكذيب المؤمن والمراد بعدم اضمار السوء عدم العمل بمقتضاه والا فقد يخرج الاضمار عن تحت الاختيار وكذلك الاتهام وعدم ظن السوء ثم الاخيران لا يفيدان شيئا في المقام لان عدم ظن السوء وعدم التكذيب اعم من ظن الخير بل الحمل عليه ومن التصديق فبقيت خمسة اخرى وفيها مع اغماض النظر عن ضعف جميع الاخبار الدالة عليها او بعضها وعدم ثبوت جابر لها من العمل والشهرة كما ياتى ان بعد حمل الاخ فيها على الاخ في الاسلام او الايمان وحمل الايمان على مطلق (التشيع؟) وان دلت الاخبار الدالة عليها على لزوم حمل فعل المسلم او المؤمن مطلقا كما هو موضوع تلك القاعدة على الصحة والصدق الاان بازاء تلك الاخبار اخبارا اخر موجبة للتقييد في الموضوع وانه ليس باقيا على اطلاقه فلا يجب حمل فعل كل مسلم او مؤمن او قوله على الصحة والصدق كموثقة سماعة عن ابى عبدالله (ع) قال قال من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم كان ممن حرمت غيبته وكملت مروته وظهر عدله ووجبت اخوته قال صاحب الوافى يستفاد من هذا الحديث من جهة المفهوم ان من لم يكن بهذه الصفات لم يجب اخوته ولا اداء حقوق الاخوة معه ويؤيده حديث الاختيار بصدق الحديث واداء الامانة وعليه العمل ويندفع الحرج ويسهل المخرج كصحيحة ابن ابى يعفور قال قلت لابى عبداللهعليه‌السلام بم تعرف عدالة الرجل من المسلمين حتى يقبل شهادته لهم وعليهم إلى ان قال والدال على ذلك كله ان يكون ساتر الجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش وراء ذلك من عثراته وعيوبه ويجب عليهم تزكيته واظهار عدالته في

٧٩

الناس ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس اذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين وان لا يتخلف من جماعتهم في مصلاهم الا من علة دلت بمفهوم الغاية الذى هو اقوى المفاهيم على ان الرجل من المسلمين اذا لم يكن ساترا لجميع عيوبه ولم يكن منه التعاهد للصلوات الخمس وحفظ مواقيتهن وحضور جماعة المسلمين لا يحرم تفتيش اموره وعيوبه وعثراته في افعاله واقواله وظاهر ان ذلك مناف لحمل افعاله واقواله على الصحة والصدق ورواية الثمالى عن سيد العابدين على بن الحسينعليهما‌السلام والحديث طويل يذكر فيه تفاصيل الحقوق فيها وحق الناصح ان تلين له جناحك وتصغى اليه بسمعك فان اتى بالصواب حمدت الله تعالى وان لم يوافق رحمته ولم تتهمه و علمت انه اخطأ ولم يؤاخذه بذلك الا ان يكون مستحقا للتهمة فلا تعبأ بشئ من امره على حال دلت على عدم الاعتماد في حال من الحالات بشئ من امور من كان مستحقا للتهمة وظاهر ان المراد بالمستحق للتهمة ليس من علمت منه خلاف الحق لانه لا يكون اتهاما بل الظاهر من المستحق للتهمة ان يكون المظنون في حقه ذلك بل المستفاد من الاخبار المستفيضة بل المتواترة معنى ان كل فاسق مستحق للتهمة وجعل في الاخبار محلا للتهمة ايضا

ففى المرسلة عن ابى حمزة عن ابى عبداللهعليه‌السلام قال قال ابى على ابن الحسينعليهما‌السلام يابنى انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا حادثهم و لا ترافقهم في طريق ثم انه (ع) عد الخمسة الكذاب والفاسق والبخيل والاحمق وقاطع الرحم ولا شك ان النهى عن مصاحبة هؤلاء ومحادثتهم ومرافقتهم ليس الا لكونهم مستحقين للتهمة وفى مرسلة الكندى عن ابى عبداللهعليه‌السلام قال كان امير المؤمنين اذا صعد المنبر قال ينبغى للمسلم ان يجتنب مؤاخاة ثلثة الماجن الفاجر والاحمق والكذاب فاما الماجن الفاجر فيزين لك فعله ويحب انك مثله ولا يعينك على امر دينك ومعادك ومقاربته جفاء وقوة ومدخله ومخرجه عار عليك الحديث بل المستفاد من ذلك الخبر ونحوه ان المواخاة مع الفاجر منهى عنه و مع ذلك فكيف يجب اداء حقوق الاخوة التى منها ما ذكره بقوله وضع امر اخيك وبالنسبة اليه؟ بل في الاخبار نفى الاخوة بين البر والفاجر ففى مرسلة ابراهيم بن ابى البلاء كما ليس بين الذئب والكبش خلة كذلك ليس بين البار الفاجر خلة وفى موثقة ميسر عن ابى عبداللهعليه‌السلام لا ينبغى للمسلم ان يؤاخى الفاجر ولا الاحمق ولا الكذاب وفى رواية عبدالاعلى عن ابى عبدالله (ع) لا ينبغى للمرء المسلم ان يؤاخى الفاجر واما الاخبار الدلة على ان المؤمنين اخوة هى بنو اب وام كما في رواية المفضل بن عمر ورواية ابى حمزة او ان المؤمن اخ المؤمن كما في موثقة بصير وصحيحة على بن عقبة او ان المسلم اخ المسلم كما في صحيحة الفضل بن يسار ورواية الحارث ابن مغيرة وغير ذلك فلابد من تخصيصها بتلك لاخبار ولو لم يخصص بها فليخصص وجوب اداء حقوق الاخوة وعدم الاتهام بمن مر في الاحاديث المتقدمة مع ان في المراد من المسلم المؤمن في هذه الاحاديث ايضا كلا ما كيف وفى رواية على ابن جعفر قال سمعت ابا الحسن (ع) يقول ليس كل من قال بولايتنا مؤمنا ولكن جعلا انسا للمؤمنين وفى رواية جابر عن ابى جعفرعليه‌السلام قال قال لى يا جابر ايكتفى من انتحل التشيع ان يقول بحبنا اهل البيت فوالله ما شيعتنا الا من اتقى الله واطاعه وما كانوا يعرفون يا جابر الا بالتواضع والتخشع والامانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلوة والبر بالوالدين والتعهد للجيران من الفقراء واهل المسكنة

٨٠