رسالة المحقق الكركي الجزء ٢

رسالة المحقق الكركي0%

رسالة المحقق الكركي مؤلف:
تصنيف: فقه استدلالي
الصفحات: 271

رسالة المحقق الكركي

مؤلف: الشيخ علي بن الحسين الكركي
تصنيف:

الصفحات: 271
المشاهدات: 14217
تحميل: 2177


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 271 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 14217 / تحميل: 2177
الحجم الحجم الحجم
رسالة المحقق الكركي

رسالة المحقق الكركي الجزء 2

مؤلف:
العربية

رسالة المحقق الكركي الجزء الثاني

تأليف

الشيخ علي بن الحسين الكركي

المتوفى سنة ٩٤٠ هـ

المجموعة الثانية

١

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى

قريبة إنشاء الله تعالى.

٢

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

الحمد لله، والصلاة على محمد وآله.

لما كانت العدالة تستلزم ثبوت التقوى والمروء‌ة، والتقوى انما تتحقق باجتناب الكبائرو عدم الاصرار على الصغائر، لزم معرفة الكبائر على المكلفين.وقد اختلف فقهاء الاسلام فيها، والاصح في المذهب الحق أن الكبيرة: هي الذنب الذي توعد الشرع بخصوصه، وبذلك وردت الاخبار عن الائمة الاطهار صلوات الله عليهم.

قال شيخنا الشهيد في قواعده: وقد ضبط ذلك بعضهم فقال: هي الشرك بالله والقتل بغير حق، واللواط، والزنا، والفرار، من الزحف، والسحر، والربا، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والغيبة بغير حق، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وشرب الخمر، واستحلال الكعبة، والسرقة، ونكث الصفقة، والتعرب بعد الهجرة، والياس من روح الله، والامن من مكر الله، وعقوق الوالدين.

قال: وكل هذا ورد في الحديث منصوصا " عليه بأنه كبيرة

____________________

١ - انظر: كنز العمال ٢: ١١٠، وسائل الشيعة ١١: ٢٥٢.، وورد يضا "

٢ - انظر: كنز العمال ٢: ١١٠ حديث ١ ٢٦٧، ٢٦٨٤ (*)

٣

النميمة، وترك السنة، ومنع ابن السبيل فضل الماء، وعدم التنزه من البول، والتسبب إلى شتم الوالدين، والاضرار في الوصية(١) .فأما الغيبة فهي ذكر الغير بما يكرهه، روي انهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: " الغيبة أن تذكر في المرء ما يكره أن يسمع " قيل: يارسول الله وان كان حقا "؟ قال: " وان قلت باطلا فذلك البهتان "(٢) .ولاريب أن الغيبة غير مقصورة على القول باللسان، والقول باللسان غير مقصور على الصريح، فان الاشارة باليد والرأس والعين وما جرى مجراها اذا أفادت عيب الغير وتنقصه عدت من الغيبة.وكذا حكاية حركاته ومشيته: وماجرى هذا المجرى.وكذا التعريض به مثل: أنا لااحضر مجلس الحكام، أنا لا آكل مال الايتام، مشيرا بذلك إلى أن زيدا مثلا يفعل هذا.

ومثل ذلك أن يقول: الحمد لله الذي نزهنا عن كذا، مريدا مثل ذلك فهو غيبة، وان كانت صورته صورة الشكر.ومن ذلك قول القائل عن غيره: لوفعل كذا لكان خيرا، ولولم يفعل كذا لكان حسنا.

ومنه تنقص مستحق الغيبة لينبه به على عيوب شخص آخر غير مستحق لها.وكذا لو ذم نفسه بطرائق غير محمودة فيه، أوليس متصفا " بها، لينبه على عورات غيره.

وضابط الغيبة المحرمة: مايكون الغرض منها التفكه بعرض الغير، وليس

____________________

١ - القواعد والفوائد ١: ٢٢٤ قاعدة ٦٨.

٢ - سنن أبى داود، كتاب الادب باب في الغيبة حديث ٢٨٧٤.

(*)

٤

مقصودا به غرض صحيح، فلذلك استثنى العلماء مواضع ستة، والحق بعضهم بها سابعا:

الاول: أن يكون المقول فيه مستحقا " لذلك، لاحرمة له لتظاهره بالمحرم كالفاسق متظاهر بفسقه، مثل شارب الخمر المتظاهر به، والظالم المنتهك بظلمه، فيجوز ذكره بذلك الذي هو فيه لا بغيره، لماروي من أنه: " لاغيبة لفاسق "(١) ومنع بعض الناس من هذا القسم، وأوجب التعزير غيبة الفاسق أيضا ".وظن بعض العامة في حديث: " لاغيبة لفاسق " بأنه لا أصل له.وربما حمل على ارادة النهي به وان كانت صورته صورة الخبر.والقول بالجواز أوجه خصوصا " من يتبجح بفسقه، وربما أمكن جعل الطعن عليه واللعن له من جملة القرب.

الثاني: شكاية المتظلم، فلا تعد غيبة، وقد وقع ذلك بحضرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مثل قول المرأة عن زوجها: هو رجل شحيح(٢) .

الثالث: نصيحة المستشير في نكاح، أو معاملة، أو مجاورة، أو غيرها.لما روي أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لفاطمة بنت قيس حين استشارته في خطابها: " أما فلان فرجل صعلوك لامال له، وأما فلان فلايضع العصا عن عائثقه "(٣) ولانه مما

____________________

١ - أمالى الصدوق: ٣٤ وفيه: " اذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة "، وفي كنز العمال ٣: ٥٩٥ حديث ١ ٨٠٧ " ليس للفاسق غيبة ".

٢ - روي أن هندا قالت للنبىصلى‌الله‌عليه‌وآله : ان أبا سفيان رجل شحيح لا يعطينى ما يكفينى أنا وولدى، أفآخذ من غير علمه؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف ".

انظر: صحيح البخارى ٣: ٢٨٩، ٤: ٢٤١، سنن ابن ماجة ٢: ٧٦٩ حديث ٢٢٩٣، احياء علوم الدين ٣: ١٥٢.

٣ - انظر سنن ابن ماجة كتاب النكاح(١٠) باب لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حديث ١٨٦٩، صحيح مسلم كتاب الطلاق(٦) باب المطلقة ثلاثا لا نفقة بها حديث ٣٦، ٤٧، ٤٨.

والمقصود ن (فلان) الاول هو معاوية بن ابى سفيان، ومن (فلان) الثانى هو ابوالجهم.

(*).

٥

تعم به البلوى.ويجب الاقتصار على موضع الحاجة، ولو اقتضت المصلحة التحذير والنصيحة ابتداء‌ا ولم يستدع الغير بالاشارة فلا فرق بينه وبين وبين الاول، وربما يجب ذلك اذا كان الضرر متوقعا.

الرابع: الجرح والتعديل للشاهد والراوي، ولذلك وضع العلماء كتب الرجال، قسموهم إلى ثقات والمجروحين، وذكروا أسباب الجرح في كثير من المواضع.ويجب رعاية الاخلاص في ذلك، بأن يقصد به حفظ أموال المسلمين، وصيانة الفروج، وضبط السنة المطهرة وحمايتها عن الكذب.ولايكون الباعث على ذلك العداوة والتعصب.ويجب الاقتصار على مايحصل به الغرض من القدح فيه بما يمنع من قبول الشهادة والرواية منه مازاد على ذلك.

الخامس: ذكر المبتدعة وتصانيفهم الفاسدة وآرائهم المضلة، وليقتصر على ما يحصل به المطلوب في ذلك شرعا، ومن كان منهم عدوا لاهل البيتعليهم‌السلام ، فلا حرج في ذكر معايبهم وقبائحهم، والقدوح في انسابهم واعراضهم بما هو صحيح مطابق للواقع تصريحا وتعريضا، كما وقع من أميرالمؤمنينعليه‌السلام ، وما صدر من أبى محمد الحسن صلوات الله عليه في مجلس معاوية لعنه الله في ذكره لمعايبه ومعايب عمرو بن العاص والوليد بن المغيرة وأمثالهم عليهم اجمعين من اللعن ما لا يحصى إلى يوم الدين.ولا حرج في تكرار ذلك والاكثار منه في المجالس لتنفير الناس منهم، وتطهير قلوب الخلق من الاعتقاد فيهم، والموالاة لهم بحيث يبرؤن منهم.وكذا لعنهم والطعن فيهم على مرور الاوقات مع مجانبة الكذب.

٦

ومن تأمل كلام سيدنا أميرالمؤمنين صلوات الله عليه في نهج البلاغة وجده مشحونا بذلك.وأما ما يصدر عن أهل الحق وعلماء الدين في المسائل الباطلة والاراء الفاسدة فيجوز ذكره والقدح في صحته وبيان دلائل بطلانه، ولو استدعى المقام التشنيع على قائله والخشونة في رده لعظم النفوس من الاعتقاد له جاز.ويجب في ذلك تخليص النية عما عدا قصد وجه الله تعالى، واظهار الحق، وصيانتها عن مخالطة سبب العداوة والحسد.ولو كان ثم مقالة متروكة وقد انقرض القائل بها ولا قائل بها الان، ولا يتوقع ذهاب أحد اليها، ولا حصول مفسدة بسببها، فان ترك التعرض إلى ذكر قائلها أولى وأحرى، فان الستر بستر الله تعالى من الامور المطلوبة شرعا.

السادس: القذف بما يوجب الحد والتعزير من الشهود اللذين يثبت بشهادتهم أحد الامرين، وكذا القذف من الزوج الموجب للعان.كل ذلك في مجلس الحاكم، لما في ذلك من فائدة دفع هذا النوع من المفاسد، ولوقوع ذلك في مجلس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأما السابع: فقد قيل انه اذا علم اثنان من شخص معصية بشاهدة ونحوها فتذاكراها فيما بينهما جاز، لان ذلك لايؤثر عند كل منهما شيئا زائدا على ما هو معلوم لهما، ولا زيادة هتك لعرضه.والاولى التنزه عن ذلك، لانهما مأموران بالستر، وربما وقع ذلك بعد عروض النسيان لاحدهما، أوكان سببا لاشتهاره.

فائدة: ينبغي أن يعتبر في الغيبة كون المذكور غيبة محصورا، فلو ذكر أهل بلدة كثير أهلها محصورين بتعداد، أو غير محصورين كبني تميم بمكروه يعد ذلك غيبة شرعا لانتفاء تشخص من تعلقت به، وانتفاء هتك العرض بذلك من حيث عدم انضباطهم

٧

بحيث يلزم تعلق القول بأحد منهم على اليقين، ولذلك لا تقبل الشهادة على غير المحصور بنجاسة ونحوها من الادميين وغيرهم، كالثياب والجلود ونحوها.ولو كانت الشهادة على النفي لم تسمع، لعدم ضبطه فلا يتعين أحد الافراد لتعلق الشهادة به.والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا.

٨

(٨) رسالة في التقية

٩

الحمد لله كما ينبغي، والصلاة على محمد وآله.

اعلم أن التقية جائزه وربما وجبت، والمراد بها: اظهار موافقة أهل الخلاف في ما يدينون به خوفا.

والاصل فيه قبل الاجماع ما اشتهر من أقوال أهل البيتعليهم‌السلام وأفعالهم.وقد قيل في قوله تعالى: " ان اكرمكم عند الله اتقاكم "(١) ان معناه: عملكم بالتقية.

وعن الصادقعليه‌السلام : " التقية دينى ودين آبائي "(٢) ، وناهيك بقول أميرالمؤمنينعليه‌السلام : " أما السب فسبوني، فانه لي زكاة ولكم نجاة "(٣) اذا تقرر ذلك فاعلم أن التقية قد تكون في العبادات، وقد تكون في غيرها من المعاملات، وربما كان متعلقها مأذونا فيه بخصوصه كغسل الرجلين في الوضوء، والكتف في الصلاة.وقد لا يكون مأذونا فيه بخصوصه بل جواز التقية فيه مستفاد

____________________

١ - الحجرات: ١٣ (*)

٢ - الكافى ٢: ١٧٤ حديث ١٢ باب التقية.

٣ - الكافى ٢: ١٧٣ حديث ١٠ باب

١٠

من العمومات السالفة ونحوها.فما ورد فيه نص بخصوصه اذا فعل على الوجه المأذون فيه كان صحيحا مجزيا سواء كان للمكلف مندوحة عن فعله كذلك أم لم يكن، التفاتا إلى أن الشارع أقام ذلك الفعل مقام المأمور به حين التقية، فكان الاتيان به امتثالا فيقضى الاجزاء.وعلى هذا فلا تجب الاعادة ولو تمكن منها على غير وجه التقية قبل خروج الوقت، ولا اعلم في ذلك خلافا بين الاصحاب.ومالم يرد فيه نص بخصوصه كفعل الصلاة إلى غير القبلة، وبالوضوء بالنبيذ ومع الاخلال بالموالاة بحيث يجف البلل كما يراه بعض العامة، ونكاح الحليلة مع تخلل الفاصل بين الايجاب والقبول، فان المكلف يجب عليه اذا اقتضت الضرورة موافقة أهل الخلاف فيه اظهار الموافقة لهم، كما في المقارنة بالنية لاول الحجر في الطواف مع محاذاة أول جزء من مقاديم بدنه له.

ومع التعذر: فان كان له مندوحة عن ذلك الفعل لم يجب الاتيان به، والا أتى به مجزيا.

ثم ان أمكن الاعادة في الوقت بعد الاتيان به لوفق التقية وجب.ولو خرج الوقت نظر في دليل يدل على وجوب القضاء، فان حصل الظفر به أوجبناه، والا فلا، لان القضاء انما يجب بأمر جديد، هذا في العبادات.

وأما في المعاملات فلا يحل له باطنا وطء المنكوحة للتقية على خلاف مذهب أهل الحق، ولا التصرف في المال المأخوذ من المضمون عنه لو اقتضت التقية أخذه، ولا تزوج الخامسة لو طلق الرابعة على مقتضى مذهب أهل الخلاف دون المذهب الحق، و (في) الباب وجود نص بخصوصه في فعل مخصوص فحيث وجد ثبت الحكم الاول، وحيث انتفى انتفى.وربما قيل بعدم الفرق بين المقامين في كون المأتي به شرعا مجزيا على كل تقدير، وهو مردود.

١١

لنا ان الشارع كلف بالعبادة على وجه مخصوص ورتب الاثر في المقالة لوقوعها على وجه مخصوص، فلا يثبت الاجزاء والصحة بمعنى ترتب الاثر من دونهما وهو ظاهر.والاذن في التقية من جهة الاطلاق لا يقتضي أزيد من اظهار الموافقة، أما كون المأتي به هو المكلف به أو المعاملة المعتبرة عند أهل البيتعليهم‌السلام فأمر زائد على ذلك، لا يدل عليه الاذن في التقية من جهة الاطلاق باحدى الدلالات ثم نقول: يلزم القائل بعدم الفرق بين المقامين صحة الصلاة إلى غير القبلة، سواء كان إلى محض اليمين والشمال أو إلى دبر القبلة للتقية.وفي جلد الكلب كذلك، ومع الاخلال بالموالاة كما سبق، وجواز وطء الحليلة بنكاحهم، وتزوج الخامسة بايقاع الطلاق عندهم لضرورة التقية، وأخذ المال من المضمون لاجلها والتصرف فيه.ويلزمه أيضا عدم وجوب الاعادة وان بقي الوقت في العبادة لكون المأني به عنده شرعيا مجزيا.ويلزمه أيضا عدم اشتراط المندوحة في المقام الثاني كالاول.وجميع اللوازم باطلة.وقد نازع في التستر بجلد الكلب وادعى أن المكلف اذا لم يتمكن من نزعه لاجل التقية وضاق الوقت وصلى فيه تكون الصلاة صحيحة مجزية، واحتج عليه مع التقية بأن الستر ليس شرطا في الصلاة مطلقا بل في الجملة، وبالاجماع على الصحة والاجزاء في ذلك.

والجواب: ان الستر في الثوب المعين في موضعه شرط في الصلاة بالاجماع، للامر الدال على الوجوب في قوله تعالى: " خذوا زينتكم "(١) ، وغيره مما هو كثير، وقد جوز الشارع الصلاة بغير ساتر وفي الثوب المتنجس، وفي الحرير للرجل في مواضع مخصوصة، فلذلك لم يكن الستر شرطا مطلقا.نعم لا يجوز

____________________

١ - الاعراف: ٣١.

(*)

١٢

تعدي هذه المواضع ونحوها، مما هو مستفاد من النصوص، لان العام اذا خصص كان حجة في ما بقي، وكذا المطلق اذا قيد.وأما دعوى الاجماع فتوقف على اثباته باستقراء فتاوى الفقهاء في هذه المسألة، وكونها على وفق ما يدعيه، وأنى له بذلك.

وربما يقال: انه يحتج بعبارة شيخنا في المقنعة المشهورة في الصلاة المعروفة بالالفية وهي: وكذا باقي الشروط فيصح القضاء في فاقدها، لا فاقد الطهارة.

وجوابه: ان هذه العبارة لو كانت حجة يعول عليها لم تدل على مطلوبه، لان جلد الكلب من موانع الصلاة، والعبارة انما تدل على الجواز من دون الشرط، ولا دلالة لها على المانع بوجه من الوجوه.

وقدورد في مرسل ابن أبي عمير عن الصادقعليه‌السلام : " لا تصل في شئ من جلد الميتة، ولا بشسع ".وقد تقرر في الاصول أن النهي في العباده يدل على الفساد، وهو دال على المراد في محل النزاع، كاف لمن كان له ملاحظة الانصاف.

١٣

(٩) رسالة في ملاقى الشبهة المحصورة

١٤

١٥

الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين.

هذا تحقيق لمسألة شرعية اتفق خفاؤها، فطلب من لا يسع مخالفته إلى هذا الضعيف املاء شئ في كشفها، فكتبت هذه الاسطر مستعينا بالله ومتوكلا عليه.

وتحرير المسألة: ان الشئ اذا تنجس بعضه وكان محصورا كالثوب والقطعة من الارض، واشتبه لايعلم موضع النجاسة أي جزء هو من أجزائه، فلا ريب أن المجموع قد تكافأ فيه - باعتبار كل جزء من أجزائه - احتمال طهارته ونجاسته، واعتدل هذان الاحتمالان، بحيث لم يبق لشئ من تلك الاجزاء رجحان أحد الاحتمالين على الاخر، وذلك ناقل عن حكم الطهارة الذي كان قبل ذلك لامحاله سواء كان حكم الطهارة مستندا إلى الاصل أو غيره.وحينئذ فكلما يشترط فيه الطهارة لا يجوز الاكتفاء بأحدهما فيه، فلو لبس أحد الثوبين وصلى لم يجزئه، لفوات الشرط.وكذا لو جعل مسجده جزء‌ا من تلك الارض المشتبهة، لمثل ما قلناه.لكن لو لاقى أحدهما شئ معلوم الطهارة فما

١٦

الذي يكون حكمه شرعا من طهارة وغيرها؟ الذي يقتضيه ظاهر المذهب، ويدل عليه الدليل بقاؤه على طهارته من غير أن يتغير حكمه الذي كان عليه قبل الملاقاة.ولا نعرف للاصحاب كلاما صريحا في ذلك الا ما ذكره العلامة في النهاية، فانه استشكل الحكم في ذلك(١) .وفي المنتهى ذكر شيئا في باب الانية المشتبهة(٢) ، قد يتخيل انه مما نحن فيه وسنذكر تحقيقه في ما بعد انشاء الله تعالى.

يدل على ما ذكرناه وجوه:

الاول: التمسك بأصالة البراء‌ة المقتضي لعدم ثبوت التكليف لوجوب اجتنابه لعدم الدليل الناقل عن حكم الاصل، فيجب التمسك به إلى أن يثبت ما ينافيه.

الثاني: استصحاب الحال الذي كان قبل الملاقاة، فان الاصل بقاؤه إلى أن يتحقق ما ينافيه، واستصحاب الحال حجة كما تقرر في الاصول، ومن ادعى منافيا من الكتاب والسنة أو الاجماع فعليه البيان.

الثالث: انتفاء المقتضي لوجوب الاجتناب، فينتفي الحكم.

أما الاولى، فلان المقتضي لوجوب الاجتناب في محل النزاع: اما الحكم بنجاسته، أو اشتباهه بالنجس.

والاول منتف قطعا، لان النجاسة حكم شرعي مناطها ظاهر الحال، لا ما في نفس الامر.وحيث لم تتحقق ملاقاته للجنس لم يتحقق الرافع لطهارته المقطوع بها قبل ذلك، فتحقق انتفاء الحكم بالنجاسة.وأما اشتباهه بالنجس، فلان الاشتباه به عبارة عن وقوع اللبس في تعيين الشئ المقطوع بنجاسته من الشيئين أو الاشياء، لانتفاء العلم بعينه منهما، وتطرق الاحتمال إلى كون كل واحد منهما هو النجس كما يتطرق إلى الاخر، ومعلوم

____________________

١ - نهاية الاحكام ١: ٩ ٢٤.

٢ - منتهى المطلب: ١: ٢٠.

(*)

١٧

انتفاء هذا المعنى عن محل النزاع.واذا انتفى كل من الامرين اللذين انحصر المقتضي لوجوب الاجتناب فيهما وجب الحكم بانتفاء وجوب الاجتناب، والا لم يكن المقتضي مقتضيا، هذا خلف.

الرابع: ان عدم بقاء المنازع على طهارته لو ثبت فانما يكون ثبوته لاحتمال ملاقاته للنجس، للاتفاق على انتفاء غيره مما يكون صالحا للعلة.وأما احتمال ملاقلاته للنجس فانه بمجرده لايزيل حكم الاصل الموضوع به، فان الشك الطارئ لا يزيل اليقين السابق قطعا.وعند التحقيق فليس هناك ما يتخيل منافاته الامجرد احتمال ملاقاته النجس المنفي بأصالة العدم، وبأن احتمال ملاقاته النجس معارض باحتمال كون الملاقي هو الطاهر فيتكافآن ويرجع إلى أصل الطهارة المعلوم قبل ذلك، كما هو مقرر في باب الترجيح في الاصول.

الخامس: ان من صور النزاع مالو كان الملاقي لاحد الشيئين ماء معلوم الطهارة، وعلى القول بارتفاع الحكم بطهارته يجب الحكم بالتيمم مع وجوده والتالي باطل، لقوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا "(١) شرط لجواز التيمم فقد الماء، الا ما أخرجه الدليل، فيبقى محل النزاع داخلا، لعدم الدليل الدال على اخراجه المقتضي للتخصيص من كتاب أو سنة أو اجماع.فان المخصص للكتاب منحصر في الامور المذكورة، ومن ادعى مخصصا وجب عليه البيان.وأما بيان الملازمة فظاهر، لان شرط جواز الوضوء والغسل كون الماء محكوما بطهارته شرعا، وعلى ما يدعيه الخصم من ارتفاع الطهارة ينتفي الشرط.

واذا كان الحكم في الماء مع الملاقاة المذكورة الطهارة، فكذا غيره، لعدم الفاضل.وفي معنى الاية المذكورة جميع العمومات والاطلاقات الواردة في السنة بالامر

____________________

١ - المائدة: ٦.

(*)

١٨

بالطهارة وازالة النجاسة مطلقا، فتكون كلها بعمومها أو باطلاقها دليلا على ما ذهبنا اليه.والعام والمطلق من الدلائل التي لا راد لها الا أن يتحقق ما يخص العام أو يقيد المطلق.ومعلوم انتفاؤه في محل النزاع، الا ما يخطر في الاوهام على خواطر من لم ترض نفسه بمعرفة طرق الاستدلال الفقهية، فتراه يخبط خبط عشواء في الليلة الظلماء، لا يتميز عنده غث ما في يدين من سمينه.اذا عرفت ذلك فأفصى ما يمكن أن يحتج به من ينازع في هذا الباب أمران:

الاول: ان المحل الملاقي لاحد الشيئين المقطوع بنجاسة أحدهما من غير تعيين لا يبقى على طهارته، لملاقاته ما ألحقه الشارع بالنجس في حكمه، واذا انتفى الحكم بالطهارة ثبت اما التنجيس أو المساواة للنجس في حكمه، وهو المدعى.

الثاني: ان كلا من الشيئين المشتبهين ثبت له الحكم بالاشتباه قطعا، فوجب اجتنابه لذلك، ومتى ثبت ذلك لزم في الملاقي له مثله وحقية المقدم ظاهرة بيان الملازمة: ان ملاقاة أحد الشيئين للاخر برطوبة تقتضي المساواة في الحكم بزوال الطهارة وثبوت النجاسة والاشتباه، وتحقق المساواة في موضع النزاع يقتضي زوال الحكم بالطهارة، وهو المدعى.على أن العلامة في المنتهى قال ما صورته: الرابع: لو استعمل الانائين وأحدهما نجس مشتبه، وصلى لم تصح صلاته ولم يرتفع حدثه، سواء قدم الطهارتين، أو صلى بكل واحدة صلاة، لانه ما يجب اجتنابه فكان كالنجس.وكذا لو استعمل أحدهما وصلى به لم تصح صلاته، ووجب عليه غسل ما أصابه المشتبه بماء متيقن الطهارة كالنجس، وهو أحد وجهي الحنابلة، وفي الاخر لايجب غسله، لان المحل طاهر بيقين فلا يزول بشك النجاسة(١)

____________________

١ - انظر: المغنى ١: ٨١، الشرح الكبير ١: ٨١.

(*).

١٩

والجواب: لا فرق في المنع بين تيقن النجاسة وشكها هنا، بخلاف غيره(١) .هذا آخر كلامه.

والجواب عن الامر الاول: ان المشتبه بالنجس ليس ملحقا بالنجس في نجاسته قطعا، ولا في القطع بتنجيس الملاقي له أيضا، لانتفاء العلم بنجاسته، فان نجاسته بعينه أمر محتمل، وان كان نجاسة أحدهما مقطوعا بها، وانما المتحقق حاقه له فيه هو وجوب اجتنابة في الامر المشروط باطهارة، لتكافؤ الطهارة والنجاسة فيه.والحاصل أن نقول في الجواب: ان اريد أن المشتبه بالنجس قد ألحقه الشارع به في جميع أحكامه فهو باطل.وان اريد الحاقه به في تنجيس ما يلاقيه، أو في وجوب اجتناب ما يلاقيه فهو ممنوع، ولا يلزم من ثبوت المنع ثبوته في ما يلاقيه.

والجواب عن الثاني: انا لا نسلم أن ملاقاة أحد الشيئين للاخر برطوبة تقتضي المساواة بينهما في الحكم مطلقا، وانما يثبت التساوي بينهما اذا كان المحل الملاقي معلوم النجاسة فيتساويان فيها.

أما وصف الاشتباه فقد عرفت انه انما يثبت اذا كان احتمال النجاسة مكافئا " لاحتمال الطهارة وناقلا عن حكم الاصل، وذلك انما يكون اذا قطع بنجاسة أحدهما ولم يتعين.وهذا المعنى معلوم الانتفاء عن محل النزاع، فانه انما وقع الشك في كون الملاقي له هو الطاهر فيبقى على اصله، أو النجس فيخرج عنه إلى النجاسة استسلاف يقين الطهارة الحاصل قبل تدافع الاحتمالين، ومع تقدم اليقين المذكور يتعقل حصول الشك.

وجملة القول في الامرين: المستدل يرجع إلى أن المشتبه بالنجس اذا لاقاه جسم آخر برطوبة أفاده حكم الاشتباه، وهذا مجرد دعوى لا دليل عليه، والمنع متوجه اليه ما بلغ وجه.

____________________

١ - منتهى المطلب ١: ٣٠.

(*)

٢٠