تاريخ الاجتهاد ومناهجه

تاريخ الاجتهاد ومناهجه0%

تاريخ الاجتهاد ومناهجه مؤلف:
تصنيف: رسائل وأطاريح جامعية
الصفحات: 249

تاريخ الاجتهاد ومناهجه

مؤلف: علي الزبيدي
تصنيف:

الصفحات: 249
المشاهدات: 56795
تحميل: 6920


توضيحات:

تاريخ الاجتهاد ومناهجه المقدمة
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 249 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 56795 / تحميل: 6920
الحجم الحجم الحجم
تاريخ الاجتهاد ومناهجه

تاريخ الاجتهاد ومناهجه

مؤلف:
العربية

المقدِّمة

أهميَّة البحث

هدف البحث

سابقة البحث

منهجيَّة البحث في هذه الرسالة

١

أهمِّيَّة البحث

تنقسم دراسة العلوم إلى قسمين، أو بتعبير آخر يُنظر في دراسة العلوم مِن جنبتين:

الأُولى: داخلية، وهي الخوض في مسائل نفس العلم وموضوعه وتعريفه.

والثانية: خارجية، وهي أنْ يُنظر إلى العلم مِن حيث ولادته ونشوئه ومراحل تطوُّره التي يمرُّ بها إلى تكامله، وما يقف في طريق تطوُّره مِن عثرات، وما يصاب به مِن نكسات على طول الفترة الزمنية التي يمرُّ بها، وهذا ما يُدعى تاريخ العلم.

وقد حازت دراسة تاريخ العلوم اهتمام الباحثين والمحقِّقين في العصور الأخيرة، فانصبَّت جهودهم على دراسة تاريخ مختلف العلوم، واستعراض سَيرها التكاملي, فأصبح لكلِّ علم تاريخ خاص به يستعرض مسيرته عِبر الزمن.

ولهذه الخطوة قيمتها وأهمِّيتها، حيث إنّ الباحث والمحقِّق حينما يواكب المراحل التكاملية للعلـوم، يجد أنَّ دراسة تاريخ كلِّ علم لا تنفكُّ عن البحث العلمي في موضوعه ومسائله.

ويمكن تصوير أهمَّية البحث في تاريخ العلم بالنقاط التالية:

١ ـ مدخليَّة دراسة تاريخ العلم في فهْم نفس العلم ونظريَّاته.

إنَّ دراسة تاريخ العلم تُساهم مساهمة جدِّية في فهم نظريات العلم، مِن خلال فهْم الظروف التي أسهمت في تكوُّن النتائج النهائية لهذه النظرية أو تلك، مثلاً إذا درَسنا نظرية حُجِّيّة الخبر الواحد، وأحطنا بكلِّ جوانبها، وفي ضمنها الجانب التاريخي لهذه المسألة، فإنَّنا ضمن هذا الإطار لابدَّ

٢

لنا أنْ نمرَّ ـ تدريجيّاً ـ بآراء العلماء ونكتشف تلك الأفكار التي انطلق منها العلماء، وانبثقت منها المدارس المتنوِّعة.

وبهذا نستطيع أنْ نشكِّل تصوُّراً واضحاً عن هذه النظرية أو تلك، وذلك بمؤازرة دراسة تاريخهـا، بغضِّ النظر عن الإيمان بالنظرية أو عدمه.

٢ ـ كشْف اللبس والغموض والتداخل بين المصطلحات.

يقع اللبس في بعض الأحيان بين المصطلحات، فيتصوَّر الباحث أنَّ دلالة واحدة لمصطلح معيَّن في عصرين أو أكثر، بينما الأمر خلاف ذلك التصوُّر، وهذا اللبس والاشتباه يرجع ـ أحياناً ـ إلى عدم الاطِّلاع على السير التاريخي للمسألة، فالاطِّلاع والبحث في تاريخ العلم هو الذي يكشف السياق الذي استُخدم فيه المصطلح خلال العصر السابق ـ مثلاً ـ وسنعرف أنَّ استخدامه في العصر اللاحق يختلف، فتكون النتيجة أنَّ مؤدَّى المصطلح في العصرين ليس واحداً.

ومثاله: موضوعنا في هذه الرسالة، وهو مصطلح الاجتهاد الذي نستعرض سيره التاريخي مِن حيث اللفظ والمعنى الذي يدلُّ عليه المصطلح، فقد كان يعنـي الرأي مقابل مرجعية النصِّ إلى زمن المحقِّق الحلِّي، وكان محارَباً مِن قِبل مدرسة أهل البيت (عليه السلام)، ولكنْ تطوَّر هذا المصطلح، وأصبح يدلُّ على استخراج الأحكام مِن أدلّة الشرع.

ولكشف الالتباس هذا ـ وحلِّ النزاعات اللفظية الموجودة في العلوم ـ أثرٌ كبير في عملية الوقوف على الأسباب والعوامل، التي أدَّت إلى نشوء كثير مِن الظواهر، كما هو في بروز ظاهرة الإخباريَّة في المدرسة الإمامية، حيث يعدُّ الالتباس الحاصل في مصطلح الاجتهاد مِن الأسباب، التي أدَّت إلى رفض طائفة مِن الإمامية لعملية الاجتهاد برُمَّتها؛ لأنّ مصطلح الاجتهاد يعنـي الرأي والقياس.

٣ ـ التعرُّف على مدى وطبيعة الترابط بين العلوم.

يمكن أنْ يكتشف الباحث في تاريخ العلوم مدى تأثير بعض العلوم على الأُخرى، أو مدى تأثير بعض النظريات في علم معيَّن على العلم الآخر، وبالتالي يقف على الأسباب التي يمكن أنْ تُرشده إلى الكثير مِن الايجابيات والسلبيات في هذه العلاقة.

مثلاً، بملاحظة العلاقة بين بعض مباحث علم الأُصول ووضعية علم الرجال، يمكن أنْ نكتشف تأثير نظرية (انجبار ضعف السند بعمل الأصحاب، ووَهن الخبر الصحيح بإعراضهم) على ضمور علم الرجال لمراحل طويلة، فعندما وقف السيد الخوئي (رحمه الله) في مباحثه الأُصولية موقفاً، يرى فيه أنَّ السيرة العقلائية التي أمضاها الشارع منصبَّة على الخبر الذي يأتـي به الثقة، وليس على الخبر الموثوق، وإنْ

٣

لم يأتِ به الثقة، ثمَّ إنّه وقف موقفاً متحفِّظاً إزاء قاعدة (انجبار السند بعمل الأصحاب، ووهْن الخبر بإعراضهم وإنْ كان صحيحاً)، تطلَّب ذلك الموقف الخوض في مباحث علم الرجال؛ لضيق مساحة الأخبار المعتمَدة في دائرة الثقات، ففتح الباب بهذا الموقف للاهتمام الواسع بعلم الرجال، وكان الأثر واضحاً، حيث صدرت عنه موسوعة مُعجم رجال الحديث، ويمكن أنْ نَعْزي الجمود الحاصل في علم الرجال، خلال فترة طويلة سبقت هذا العَلَم إلى أسباب، منها الاعتماد على نظرية انجبار السند بعمل الأصحاب.

٤ ـ التعرُّف على العوامل المؤدِّية للنجاح أو الإخفاق في مرحلةٍ ما مِن مراحل العلم التاريخية، تنفع في توظيف عوامل النجاح والحذر مِن عوامل الإخفاق.

دراسة التاريخ بشكل عام تفرز هذه الفائدة العظيمة، ودراسة تاريخ العلوم بشكل خاص لا تتخلَّف عن هذه القاعدة، فبدراسة تاريخ الاجتهاد يمكننا ـ مثلاً ـ الوقوف على الأسباب التي أدَّت إلى حالة الجمود والركود في حركة الاجتهاد والإبداع الفقهي بعد زمن الشيخ الطوسي، أو الأسباب التي أدَّت إلى ظهور الحركة الإخبارية في مدرسة الفقه الإمامي، وأنَّها كانت ردَّة فعل مِن قِبل الإخباري ـ وهو المتديِّن المخلص ـ على ظاهرة تأليه العقل في عملية الاستنباط، والتي تؤدِّي إلى ضياع التراث الثرِّ مِن أخبار أهل البيت (عليهم السلام).

والوقوف على هذه الأسباب يثري الخبرة، ويضيف إليها نصيباً مِن تجارب الآخرين.

والفقه الإسلامي كعلمٍ مِن العلوم لا يتخلّف عن هذه القاعدة، فكلُّ ما ذُكر مِن نقاط عامَّة تنطبق عليه، والأمثلة التي سيقت تقرِّب وجهة نظرنا.

هدف البحث

يهدف بحثي هذا ـ مِن وراء متابعة وعرض سيَر عملية الاجتهاد، مِن حين ظهورها إلى عصرنا الحاضر، وإلقاء نظرة على الآراء المختلفة في مسائل مثَّلت محلَّ خلاف بين المسلمين، أمثال جواز اجتهاد النبي (صلّى الله عليه وآله) واجتهاد الصحابة، ثمَّ تتبُّع ما وقع مِن تطوُّر وتكامل مرَّت به عملية الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية لدى المدرسة السنَّية، ومدرسة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ـ إلى تهيئة مادة تاريخية لعملية الاجتهاد، ينتفع منها الباحث في الوقوف على كثير مِن الأسباب لحوادث ما زال تأثيرها على هذا العلم حتَّى يومنا الحاضر، كانسداد باب الاجتهاد عند المذاهب الأربعة، وانفتاحه عند

٤

مدرسة أهل البيت (عليه السلام)، وظهور الحركة الإخبارية في مرحلة مِن مراحل تكامل هذه العملية، ثمّ الوقوف على حقيقة اللبس الحاصل في فهْم مدلول لفظ الاجتهاد، وتمييزه عن ما كان يُشير إليه في المراحل السابقة.

سابقة البحث

الكتُب التي كتبت عن تاريخ الفقه الإسلامي ليست بقليلة، وللمدرسة السُنِّية في هذه البحوث والكتابات حصَّة كبيرة، وكلُّها تتناول ما هو أعمُّ مِن تاريخ الاجتهاد، وهو تاريخ الفقه مطلقاً بما في ذلك التشريع، ثمَّ تنتهي هذه البحوث إلى عصر النهضة العلمية، وهو عصرنا الحاضر، وتُشير إشارة عابرة لمذهب الشيعة الإمامية وبأسطر قليلة ومِن ناحية اعتقادية، وبعض المبادئ الفقهية التي هي محلُّ خلاف مع سائر مذاهب المسلمين، وفي أغلب الأحيان ينطلق كُتَّاب هذه البحوث مِن خلفيات خاطئة، يكون الباعث لها التعصُّب المذهبـي والتحامل على المذهب الإمامي , فيرسمون صورة مشوَّشة عن المسلمين الشيعة، وفي بعض الأحيان يكون الجهل وعدم الاطِّلاع على مذهب الإمامية سبباً في ترديد عبارات قديمة اتُّهم بها المذهب.

وعلى كلِّ حال، إنَّ ما كُتب مِن بحوث في كتُب السُنَّة لا يفي بالغرض، ولا يبلُّ غليل صادٍ يبحث عن الحقيقة العلمية، وليس لاجتهاد المسلمين الإمامية أثر فيها، مع ملاحظة التراث الوافر لهذه المدرسة، وبقاء باب الاجتهاد مفتوحاً فيها، بينما أُوصد هذا الباب في المدارس الأُخرى لأسباب يأتي ذكرها.

والبحوث هي:

١.تاريخ الفقه الإسلامي ـ بدران أبو العينين بدران.

٢.تاريخ الفقه الإسلامي ـ محمّد علي السايس.

٣.تاريخ الفقه الإسلامي ـ أحمد الحصري.

٤. تاريخ الفقه الإسلامي ـ عبد المجيد الذبيانـي.

٥. تاريخ التشريع الإسلامي ـ منَّاع القطّان.

٦. تاريخ الفقه الإسلامي ـ د. عمر سليمان الأشقر.

٧. المدخل للفقه الإسلامي ـ أحمد فراج حسين.

٥

٨. الفقه الإسلامي تطوُّره -أصوله- قواعده الكلية ـ د. أحمد يوسف.

٩. تاريخ التشريع الإسلامي ـ علي محمّد معوّض وعادل أحمد عبد الموجود.

١٠. دراسة تاريخية للفقه وأصوله والاتجاهات التي ظهرت فيهما ـ د. مصطفى سعيد الخن.

وأغلب مَن كتب اعتمد تقسيم المباحث إلى: الحاجة إلى التشريع ـ نشأة التشريع ـ عصر النبوَّة ـ عصر الخلفاء ـ دَور النُضج وظهور المذاهب ـ دَور الجمود والتقليد ـ دَور النهضة الفقهية.

ولم يخرج عن هذا المنهج ممَّن كتبوا إلاَّ النادر وبأُمور يسيرة.

وكتب بعض الباحثين الإمامية عن هذا الموضوع، فأجادوا ودقَّق بعض الباحثين، وأشبعوا الموضوع مِن بعض جوانبه.

أهمُّ ما كُتب مِن قِبل الباحثين الإمامية:

١. مقدّمة على فقه الشيعة باللغة الفارسية ـ السيد حسين المدرسي الطباطبائي.

٢. تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره، المحقِّق الشيخ جعفر السبحانـي، وقد كتبه في مقدِّمة كتابه موسوعة طبقات الفقهاء، ثمَّ أفرد تاريخ الفقه الإمامي بكتاب خاص.

٣. مراحل تطوُّر الاجتهاد عند الشيعة الإمامية، بحث للسيد منذر الحكيم نشر على صفحات مجلَّة فقه أهل البيت، الأعداد ١٣-١٧.

٤. حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية، الشيخ عدنان فرحان.

٥. مقدِّمة كتاب رياض المسائل، الشيخ محمّد مهدي الآصفي.

٦. تاريخ الفقه الجعفري، هاشم معروف الحسنـى.

٧. مقدِّمة موسوعة الفقه الإسلامي، الصادرة عن مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، بقلم آية الله السيد محمود الهاشمي.

٨. الفقه تطوُّره ومراحله، محمود الشهابـي.

٩. مقدِّمة جامع المقاصد، السيد جواد الشهرستانـي.

١٠. تاريخ التشريع الإسلامي، د. عبد الهادي الفضلي.

١١. تاريخ الفقه والفقهاء، د. أبو القاسم كَرجي (بالفارسية).

٦

١٢. أدوار الاجتهاد، الشيخ إبراهيم الجناتـي (بالفارسية)

وقد استفدنا التلفيق مِن بين ما كُتب، ودوَّنا ما اعتقدنا أنَّه نافع، ونستمدُّ مِن الله التوفيق.

منهجية البحث في هذه الرسالة

قسَّمتُ بحثي هذا إلى أربعة فصول، تناولت في بداية هذا البحث في الفصل الأول الذي يحمل عنوان (كلِّيات البحث) بيان المعنى اللغوي، ثمَّ الاصطلاحي للألفاظ الداخلة في تركيب العنوان الرئيس للبحث، وكذا الألفاظ الأُخرى التي استُعملت في مطاوي البحث وهي:

الاجتهاد، المنهج، الفقه، الانفتاح والانسداد.

ثمَّ أخذت بتقصِّي المناهج المتَّبعة في دراسة تاريخ الاجتهاد، وانتقاء واحدٍ مِن هذه المناهج لاتِّباعه في هذه الرسالة.

وفي الفصل الثاني، والذي يحمل عنوان (الاجتهاد في العصر الأول للإسلام)، وبعد ذِكر النصوص التي ورد فيها مصطلح الاجتهاد، درستُ الاجتهاد في عصر النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، ونقلتُ أدلَّة القائلين بجواز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وتطرَّقت أيضاً في نفس الفصل لاجتهاد الصحابة في حياته (صلَّى الله عليه وآله).

ثمَّ سلَّطت الضوء على الاجتهاد بعد رحيل الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، ونقلتُ نماذج مِن اجتهاد الصحابة، أو ما بُرِّر لهم بأنَّه اجتهاد بالرغم مِن وجود النصِّ المخالف.

واقتضى الأمر أنْ نمرَّ على المراحل التي مرَّ بها مصطلح الاجتهاد منذ صدر الإسلام إلى عصرنا الحاضر، فتتبَّعت معانـي هذه اللفظة، وبيَّنتُ ماهيَّة الالتباس الذي حصل في هذه اللفظة، وما تحمله مِن دلالة قديماً وحديثاً، ثمّ بيّنت الفرق بين الدلالتين.

وأنهيت هذا الفصل ببيان نماذج مِن قيام أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، بإرساء قواعد الاجتهاد بين أصحابهم، وبذر روح الاجتهاد عندهم، وبيّنا نماذج ممَّا يمكن أنْ نعتبره فتاوى مِن أصحاب الأئمة (عليهم السلام).

واحتوى الفصل الثالث مِن البحث أدوار الاجتهاد، التي مرَّت بها المدرسة السنِّيّة منذ نشوء الاجتهاد فيها، إلى زمن سدِّ باب الاجتهاد، وانحصار المذاهب بالأربعة المعروفة: الحنفي , والشافعي،

٧

والمالكي , والحنبلي , وتناولتُ في كلِّ دور أهمَّ ملامحه ونبذة عن كلِّ مذهب، ثمَّ انتقلتُ إلى ذكر الأسباب التي أدَّت إلى سدِّ باب الاجتهاد وحصره بالأربعة.

وكان الفصل الرابع مخصَّصاً لذكر الأدوار والأطوار التي مرَّ بها الاجتهاد لدى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فقسَّمتها إلى ستَّة أدوار تمثِّل الحركة التكاملية للاجتهاد منذ ولادته إلى وقتنا هذا، وبيَّنا في كلِّ دَور التحديد الزمنـي وأهمَّ الملامح، ثمَّ ذكرنا الفقهاء وآثارهم الفقهيَّة.

والأدوار هي:

الدور الأول: دور التأسيس.

الدور الثاني: دور الانطلاق.

الدور الثالث: دور الاستقلال.

الدور الرابع: دور التطرُّف إفراطاً وتفريطاً.

الدور الخامس: دور التصحيح والاعتدال.

الدور السادس: دور الكمال والنضج.

واحتوى الفصل الخامس الموسوم بمناهج الاجتهاد على:

مناهج أئمة المذاهب الأربعة، والأدوات التي كانت تستعمل في مذاهبهم لاستنباط الحكم الشرعـي، وأولوية بعض الأدلَّة في الاستعمال على الأُخرى.

ثمّ بيّنت مناهج الاجتهاد وتطوّرها في المدرسة الفقهيّة لأتباع أهل البيت (عليهم السلام)، حسب المراحل الستِّ المذكورة سابقاً.

٨

الفصل الأوّل:

كلِّيات البحث

١. معنى الاجتهاد لُغةً واصطلاحاً

٢. معنى المنهج لغةً واصطلاحاً

٣. معنى الفقه لغةً واصطلاحاً

٤. معنى الانفتاح والانسداد لغةً واصطلاحاً

٥. المناهج المتّبعة في دراسة تاريخ الفقه

٩

١. معنى الاجتهاد لغةً واصطلاحاً

قبل الدخول في مباحث هذه الرسالة، كان لزاماً علينا أنْ نعرف معنى الاجتهاد الذي نتابع مسيرته ونستعرض مراحله، وما هو معنى الاجتهاد في عرف اللغة وأهل الاصطلاح.

معنى الاجتهاد في اللغة

النهاية في غريب الحديث:

جَهَدَ:... وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسْع والطاقة مِن قول أو فعل.

يقال: جَهَدَ الرجل في الشيء: أي جدَّ فيه وبالغ.

وجاهد في الحرب مُجاهَدة وجهاداً.

وفي حديث معاذ: أجتهد رأيي.

الاجتهاد: بذل الوسْع في طلب الأمر، وهو افتعال مِن الجهد: الطاقة...

وقد تكرر لفظ الجَهْد والجُهد في الحديث كثيراً، وهو بالضم: الوسْع والطاقة، وبالفتح المشقَّة.

وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسْع والطاقة: فأمّا في المشقّة والغاية فالفتح لا غير... (١) .

____________________

(١) النهاية في غريب الحديث والأثر: ٣١٩.

١٠

وقال الطريحي:

قوله: ( ... وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ... ) (١) قُرِئ بفتح الجيم وضَمَّها: أي وسعهم وطاقتهـم، والمفتوح المشقّة.

وجَهدَه الأمر: أي بلغ منه المشقّة.

والاجتهاد: المبالغة في الجهد...

والمجتهد: اسم فاعل منه، وهو العالم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلَّتها التفصيليّة بالقوَّة القريبة مِن الفعل...

ومجهود الرجل: ما بلغه وسْعه، ومنه الدعاء (... قد ـ وعزَّتك ـ بلغ مجهودي...) (٢)

والمجهود: الذي وقع في تعب ومشقَّة (٣) .

وفي المصباح المنير:

الجُهْد بالضم في الحجاز، وبالفتح في غيرهم:

الوسْع والطاقة، وقيل المضموم الطاقة والمفتوح المشقّة.

والجَهْد: ـ بالفتح لا غير ـ النهاية والغاية، وهو مصدر مِن (جَهَدَ) في الأمر (جَهْدَاً)، مِن باب نفع إذا طلب حتَّى بلغ غايته في الطلب، و(جَهَدَه) الأمر والمرض (جهداً) أيضاً إذا بلغ منه المشقّة، ومنه (جَهْدُ البلاء)، ويقال: جهدت فلاناً (جَهْداً) إذا بلغت مشقّته، و(جَهَدْتُ) الدابة، و(أجهدتها): حملت عليها في السَير فوق طاقتها (٤) .

قال الراغب الأصفهاني في مفردات غريب القرآن:

الجَهْدُ والجُهْد: الطاقة والمشقّة، وقيل الجَهْدُ (بالفتح): المشقّة والجُهْد: الوسْع...

____________________

(١) التوبة:٧٩.

(٢) مصباح المتهجّد: ٢٤٠.

(٣) مجمع البحرين ١: ٤١٨ – ٤١٩.

(٤) المصباح المنير: ١١٢.

١١

والاجتهاد: أخذ النفْس ببذل الطاقة وتحمّل المشقّة، يقال: جهدت رأيي وأجهدته: تعَّبته بالفكر (١) .

وفي أساس البلاغة للزمخشري:

جَهَدَ نفسه، ورجل مجهود، وجاء مجهوداً قد لفظ لجامه، وأصابه جَهْدٌ: مشقّة (٢) .

وأمَّا ابن منظور صاحب لسان العرب فقال:

الجَهْدُ والجُهْد: الطاقة، تقول: اجْهَد جَهْدَك؛ وقيل: الجَهْد: المشقّة والجُهد الطاقة... والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسْع والمجهود.

وفي حديث معاذ: اجْتَهِد رأيي، الاجتهاد: بذْل الوسْع في طلب الأمر، وهو انتقال مِن الجهد: الطاقة (٣) .

وعرّفه الجوهري في الصحاح:

الجَهْدُ والجْهُد: الطاقة، وقُرِئ: ( ... وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ... ) (٤) ، وجُهْدَهم.

قال الفرّاء: الجُهْدُ بالضم الطاقة. والجَهْدُ بالفتح مِن قولك اجْهَدْ جَهْدَك في هذا الأمر، أي ابلغ غايتك، ولا يقال: اجْهَدْ جُهْدَك.

والجَهْد: المشقّة. يقال: جهد دابّته وأجهدها إذا حمل عليها في السَير فوق طاقتها، وجَهَدَ الرجل في كذا: أي جدَّ فيه وبالغ...

والاجتهادُ التجاهُدُ: بذل الوُسعِ والمجهود.. (٥) .

____________________

(١) مفردات غريب القرآن: ١٠١.

(٢) أساس البلاغة:١٠٦.

(٣) لسان العرب ٣:١٣٣.

(٤) التوبة: ٧٩.

(٥) الصحاح ٢: ٤٦٠- ٤٦١.

١٢

والمتحصّل مِن مجموع هذه التعريفات:

الاجتهاد مأخوذ مِن الجُهد- بالضم - وهو لغة: الطاقة، أو أنّه مِن الجَهد – بالفتح- ومعناه المشقّـة، ويأتي بمعنى الطاقة أيضاً، وعليه فالاجتهاد: بمعنـى بذل الوسع والطاقة، سواء أخذناه مِن الجَهد ـ بالفتح ـ أو الجُهد – بالضم-؛ وذلك لأنّ بذْل الطاقة لا يخلو عن مشقّة وهما أمران متلازمان (١) .

معنى الاجتهاد في الاصطلاح

أ.عند غير الإماميّة:

قال الغزالي في تعريف الاجتهاد: (هو عبارة عن بذْل المجهود واستفراغ الوسْع في فعل مِن الأفعال.

ولا يُستعمل إلاَّ في ما فيه كُلفة وجهد... لكنْ صار اللفظ في عُرف العلماء مخصوصاً ببذل المجتهد وُسْعه في طلب العلم بأحكام الشريعة...) (٢) .

وذكر ابن الحاجب في مختصر المنتهى تعريف الاجتهاد بأنّه: (استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنٍّ بحُكمٍ شرعي) (٣) .

وقال الزركشي: (الاجتهاد في الاصطلاح: بذل الوسْع في نَيل حُكمٍ شرعي عملي بطريق الاستنباط) (٤) .

وعرّفه الشوكاني: (هو بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملـي بطريق الاستنباط... وإذا عرفت هذا، فالمجتهد هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظنٍّ بحكمٍ شرعي) (٥) .

____________________

(١) التنقيح ١: ٨.

(٢) المستصفى ٢: ١٠١.

(٣) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمَي الأصول والجدل ٢:٢٨٩.

(٤) البحر المحيط في أصول الفقه ٦: ١٩٧.

(٥) إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول ٢: ٢٠٥-٢٠٦.

١٣

ب.عند الإماميّة:

قال العلاَّمة الحلِّي (قُدِّس سِرُّه): (الاجتهاد: هو استفراغ الوسْع في النظر فيما هو مِن المسائل الظنِّيّة الشرعية، على وجه لا زيادة فيه، ولا يصحُّ في حقِّ النبي (صلَّى الله عليه وآله)؛ لقولـه تعالى: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ) (١) .

ولأنَّ الاجتهاد إنّما يفيد الظن، وهو عليه السلام قادر على تلقّيه مِن الوحي.

ولأنَّه كان يتوقّف في كثير من الأحكام حتَّى يرد الوحي، ولو ساغ له الاجتهاد لصار إليه.

ولأنَّه لو جاز لـه لجاز لجبرئيل (عليه السلام)، وذلك يسدُّ باب الجزم، بأنَّ الشرع الذي جاء به محمّد (عليه السلام) من الله تعالى.

ولأنَّ الاجتهاد قد يُخطئ وقد يُصيب، فلا يجوز تعبّده به؛ لأنّه يرفع الثقة بقولـه.

وكذلك لا يجوز لأحد مِن الأئمة: الاجتهاد عندنا، لأنَّهم معصومون، وإنَّما أخذوا الأحكام بتعليم الرسول (عليه السلام)، أو بإلهام مِن الله تعالى.

وأمّا العلماء فيجوز لـهم الاجتهاد، باستنباط الأحكام مِن العمومات، في القرآن والسنَّة، وبترجيح الأدلّة المُتعارضة.

أمَّا بأخذ الحُكم مِن القياس والاستحسان فلا) (٢) .

وعرَّف الاجتهاد صاحب المعالم: (هو استفراغ الفقيه وسْعه في تحصيل الظنّ بحكمٍ شرعي) (٣) .

وقال الشيخ البهائي: (الاجتهاد: ملَكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي مِن الأصل فعلاً أو قوَّة قريبة) (٤) .

____________________

(١) النجم: ٣.

(٢) مبادئ الوصول إلى علم الأصول ٢٤٠ - ٢٤١.

(٣) معالم الدين وملاذ المجتهدين:٣٨١.

(٤) زبدة الأصول: ١٥٩.

١٤

وقال السيد الخوئي (رحمه الله):

... فالصحيح أنْ يعرّف الاجتهاد بتحصيل الحجَّة على الحكم الشرعي (١) .

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الاجتهاد له مفهوم عام، وهو ما ذكر في التعريفات الآنفة.

وله مفهوم خاص يساوي القياس أو الرأي عند القائلين بهما.

المعنى الخاص للاجتهاد:

فقد عرّفه عبد الوهاب خلاّف ب‍ـ: (بذل الجهد للتوصّل إلى الحكم في واقعة لا نصَّ فيها، بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها؛ للاستنباط بها فيما لا نصّ فيه) (٢) .

ويذهب الشافعي إلى المرادفة بينه وبين القياس، حيث يقول ـ إنّهما ـ: (اسمان لمعنى واحد) (٣) .

وفي رأي أبي بكر الرازي، أنّ الاجتهاد يقع على ثلاثة معان: (أحدها القياس الشرعي؛ لأنّ العلّة لمَّا لم تكن موجبة للحكم؛ لجواز وجودها خالية عنه لم يوجب ذلك العلم بالمطلوب، فذلك كان طريقه الاجتهاد).

(والثاني ما يغلب في الظنّ مِن غير علَّة، كالاجتهاد في الوقت والقبلة والتقويم).

(والثالث الاستدلال بالأُصول) (٤) .

يقول السيد محمّد تقـي الحكيم (قُدِّس سِرُّه) في أصول الفقه المقارن ـ بعد ذكر المعانـي التي ذكرها الرازي ـ:

والذي يتّصل مِن هذه الثلاثة بالاجتهاد بمفهومه الخاص لدى الأُصوليين هو المعنى الأول - أعني القياس-.

أمّا الثاني فهو أجنبي عن وظائف المجتهدين؛ لأنّ الاجتهاد في تشخيص صغريات الموضوعات الشرعية ليس مِن وظائف المجتهدين بداهة، والمعنى الأخير هو الاجتهاد بمفهومه العام (٥) .

____________________

(١) شرح العروة الوثقى ١:٢٢.

(٢) مصادر التشريع: ٧.

(٣) الرسالة: ٤٧٧.

(٤) إرشاد الفحول: ٢٥٠.

(٥) الأصول العامة للفقه المقارن: ٥٤٦.

١٥

إذَنْ لمصطلح الاجتهاد معنيان:

١. اجتهاد الرأي , بمعنى أنّ الفقيه عندما لا يجد نصَّاً مِن الكتاب والسنَّة يرجع إلى اجتهاده الشخصي، مِن قياس أو استحسان، أو مصالح مرسلة أو ترجيحات عقلية، ولو كانت ظنّية.

وهذا هو مصطلح الاجتهاد في فقه الجمهور.

٢. استخراج الأحكام مِن أدلّة الشرع، وهذا هو مصطلح الاجتهاد في فقه الإمامية (١) .

ومِن جرّاء الخلط بين المعنيين واجهت لفظة الاجتهاد رفضاً عنيفاً في الأوساط الشيعيّة؛ لِما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) مِن نهي عن القياس واستخدام الرأي في استنباط الأحكام الشرعية.

وسيأتي التفصيل ـ بعون الله ـ في موضوع تطوّر مصطلح الاجتهاد.

٢. معنى المنهج لغةً واصطلاحاً

معنى المنهج في اللغة

قال ابن السكّيت الأهوازي (رحمه الله):

(طريق نهج: واسع واضح، وطرق نهجة. ونهج الأمر وأنهج - لغتان - أي: وضح. ومنهج الطريق: وضحه. والمنهاج: الطريق الواضح. قال:

وأنْ أفوز بنور أستضيء به * أمضـي على سنّة منه ومنهاج (٢)

طريق نهج بإسكان الهاء أي واضح، والجمع نهوج) (٣) .

وقال الحربي في غريب الحديث:

(أخبرني أبو نصر، عن الأصمعي: النهج: الطريق الواضح البيِّن) (٤) .

____________________

(١) مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي: ١٩.

(٢) كتاب العين ٣:٣٩٢.

(٣) الكنز اللغوي:٢٣.

(٤) غريب الحديث ٢: ٥٠٣.

١٦

وذكر الجوهري في صحاحه:

(النهج: الطريق الواضح، وكذلك المنهج والمنهاج، وأنهج الطريق، أي استبان وصار نهجاً واضحاً بيِّناً، قال يزيد بن الخذاق العبدي:

ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت * سُبل المسالك والهدى تعدي

أي تعيَّن وتقوَّى. ونهجت الطريق، إذا أبنته وأوضحته.

يقال: اعمل على ما نهجته لك.

ونهجت الطريق أيضاً، إذا سلكته.

وفلان يستنهج سبيل فلان، أي يسلك مسلكه) (١) .

وقال ابن الأثير في النهاية:

(وفي حديث العباس): لم يمت رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) حتَّى ترككم على طريق ناهجة (أي واضحة بيِّنة).

وقد نهج الأمر وأنهج، إذا وضح.

والنهج: الطريق المستقيم) (٢) .

وقال ابن منظور الأفريقي:

طريق نهج: بيِّن واضح، وهو النهج، قال أبو كبير:

فأجزته بأفل تحسب أثره نهجاً * أبان بذي فريغ مخرف

والجمع نهجات ونهج ونهوج، قال أبو ذؤيب:

به رجمات بينهن مخارم * نهوج، كلبّات الهجائن، فيح

____________________

(١) الصحاح ١: ٣٤٦.

(٢) النهاية في غريب الحديث ٥: ١٣٤.

١٧

وطُرق نهجة، وسبيل منهج: كنهج. ومنهج الطريق: وضحه.

والمنهاج: كالمنهج. وفي التنزيل: ( ... لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً... ) (١) . وأنهج الطريق: وضُح واستبان وصار نهجاً واضحاً بيِّناً، قال يزيد بن الخذاق العبدى:

ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت * سُبل المكارم والهدى تعدي

أي تعيَّن وتقوَّى.

والمنهاج: الطريق الواضح. واستنهج الطريق: صار نهجاً.

وفي حديث العباس: لم يمت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) حتى ترككم على طريق ناهجة. أي واضحة بيِّنة.

ونهجت الطريق: أبنْته وأوضحته، يقال: اعمل على ما نهجته لك.

ونهجت الطريق: سلكته.

وفلان يستنهج سبيل فلان أي يسلك مسلكه.

والنهج: الطريق المستقيم.

ونهج الأمر وأنهج، لغتان، إذا وضح) (٢) .

وبيَّن الشيخ الطريحي (رحمه الله) في مجمع البحرين:

(ن ه ج قوله تعالى: ( ... شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً... ) (٣) المنهاج بالكسر: الطريق الواضح.

وأنهج الطريق: إذا استبان وصار نهجاً واضحاً بيِّناً.

و(نهج الأمر) بفتحتين وأنهج: وضُح، يستعملان لازمين ومتعدِّيين.

وطريق ناهجة: واضحة. والنهج كفلس: الطريق الواضح (٤) .

____________________

(١) المائدة:٤٨.

(٢) لسان العرب٢: ٣٨٣.

(٣) المائدة ٤٨.

(٤) مجمع البحرين ٤: ٣٧٩.

١٨

وذكر الزبيدي في تاج العروس:

(وأنهج) الأمر والطريق وأنهج (أوضح)، قال يزيد بن الخذاق العبدي:

ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت * سبل المكارم والهدى تعدي

أي تعيَّن وتقوَّى...

ونهج الأمر (كمنع وضح وأوضح) يقال: اعمل على ما نهجته لك، نهج وأنهج لغتان (و) نهج (الطريق سلكه واستنهج الطريق صار نهجاً) واضحاً بيِّناً (كأنهج) الطريق إذا وضح واستبان، وتقدّم إنشاد قول يزيد بن الخذاق العبدي، (وفلان) استنهج (طريق فلان) إذا (سلك مسلكه).

وممَّا يُستدرك عليه: طريق ناهجة أي واضحة بيِّنة جاء ذلك في حديث العباس... (١) .

فهو ـ إذن ـ في اللغة العربية الطريق الواضح.

وأضاف إليه المعجم اللغوي العربي الحديث معنى آخر، هو:(الخطّة المرسومة).

ولعلّه أفاد هذا مِن التعريف العلمي له، أو مِن الترجمة العربية لكلمة Method الإنجليزية بسبب اشتهارها في الحوار العلمي العربي, وهي تعني الطريقة، والمنهج، والنظام (٢) .

وأمّا في الاصطلاح العلمي فالمنهج والمنهاج هو:

١. البرنامج الذي يُحدِّد لنا السبيل للوصول إلى الحقيقة (٣) .

٢. الطريق المؤدِّي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم (٤) .

٣. وسيلة مُحدّدة توصل إلى غاية معيَّنة (٥) .

٤. طائفة مِن القواعد العامة المصوغة مِن أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم (٦) .

____________________

(١) تاج العروس ٢: ١٠٩-١١٠.

(٢) أصول البحث: ٤٩.

(٣) مناهج البحث العلمي: ٦.

(٤) المصدر السابق.

(٥) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مادة منهج.

(٦) مناهج البحث:٧٦.

١٩

٥. خطوات منظّمة يتّخذها الباحث لمعالجة مسألة أو أكثر، يتتبَّعها للوصول إلى نتيجة (١) .

٦. الطريق المؤدِّي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة مِن القواعد العامة تُهَيمن على سير العقل وتُحدِّد عملياته، حتَّى يصل إلى نتيجة معلومة (٢) .

٧. مجموعة مِن القواعد العامة، يعتمدها الباحث في تنظيم ما لديه مِن أفكار أو معلومات مِن أجل أنْ توصله إلى النتيجة المطلوبة (٣) .

٣. معنى الفقه لغةً واصطلاحاً

الفقه في اللغة:

قال الخليل بن أحمد الفراهيدي:

فقه: الفقه: العلم في الدِين.

يقال: فقه الرجل يفقه فقهاً فهو فقيه.

وفقه يفقه فقْهاً إذا فهِم.

وأفقهته: بيَّنت له. والتفقه: تعلّم الفقه (٤) .

وذكر الحربي:

والفقه: التفهّم في الدين والنظر فيه، والتفطّن فيما غمض منه.

فقه يفقه فقهاً وهو فقيه.

و أفقهته: بيّنت له (٥) .

____________________

(١) الصحاح في اللغة والعلوم، مادة نهج.

(٢) مناهج البحث العلمي:٥.

(٣) أصول البحث:٥١.

(٤) كتاب العين ٣: ٣٧٠.

(٥) غريب الحديث ٢: ٧٣٦.

٢٠