الإمام علي (عليه السلام) في آراء الخلفاء

الإمام علي (عليه السلام) في آراء الخلفاء0%

الإمام علي (عليه السلام) في آراء الخلفاء مؤلف:
تصنيف: أمير المؤمنين عليه السلام
الصفحات: 203

الإمام علي (عليه السلام) في آراء الخلفاء

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: مهدي فقيه إيماني
تصنيف: الصفحات: 203
المشاهدات: 52472
تحميل: 2216

توضيحات:

الإمام علي (عليه السلام) في آراء الخلفاء
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 203 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 52472 / تحميل: 2216
الحجم الحجم الحجم
الإمام علي (عليه السلام) في آراء الخلفاء

الإمام علي (عليه السلام) في آراء الخلفاء

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الإمام عليعليه‌السلام

في آراء الخلفاء

مهدي فقيه إيماني

ترجمة: الشيخ يحيى كمالي البحراني

مؤسسة المعارف الإسلامية

١

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة

٢

الإمام عليعليه‌السلام في آراء الخلفاء

تأليف مهدي فقيه إيماني:

ترجمه يحيى كمالي

قم: مؤسسة المعارف الإسلامية، ١٤٢٠ ق - ١٣٧٨.

٢٢٤ ص - ( بنياد معارف إسلامي: ٩٣ )

٩ - ٥٠ - ٦٢٨٩ - ٩٦٤: ISBN

فهرستنويسى بر أساس اطلاعات فيپا.

عنوان أصلي: إمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام از ديدگاه خلفا - عربي.

كتابنامه به صورت زير نويس.

١- علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، إمام أَوّل، ٣٢ قبل از هجرت - ٤٠ ق - خلفا - ٢ - خلفاى راشيدن.

ألف.كمالي بحراني يحيى، ١٣٤٢ - مترجم.

ب. بنياد معارف إسلامي ج عنوان.٨٠٤٣ ألف ٧ ف / ٣٥ / BP ٣٧ ٩٥١ / ٢٩٧ ١٣٧٨ ع ت / ألف ٧٩٤ ف كتابخانه ملي إيران ع ت / ألف ٧٩٤ ف ٦٩٩٧ - ٧٨ م

هوية الكتاب: اسم الكتاب: الإمام عليعليه‌السلام في آراء الخلفاء.

تأليف: مهدي الفقيه إيماني.

ترجمة: يحيى كمالي البحراني.

نشر: مؤسسة المعارف الإسلامية.

الطبعة: الأولى ١٤٢٠ ه‍. ق. المطبعة: پاسدار إسلام.

العدد: ٢٠٠٠ نسخة.

شابك ٩ - ٥٠ - ٦٢٨٩ - ٩٦٤ ISBN ٩ - ٥٠ - ٦٢٨٩ - ٩٦٤

٣

بسم الله الرحمن الرحيم

٤

٥

مقدمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

لا شك أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام شخصية فذة نادرة، وحياته مليئة بما يعجب الإنسان ويستوقفه، ومن غريب خصائصه اعتراف أعدائه بفضله، مع إصرارهم على استمرار العداء له.

وقد قيل في حقه: إنّ محبيه أَخفوا فضائله خوفاً، ومبغضيه أَخفوها بغضاً، ومع ذلك فقد ملأت الخافقينِ، وليس السبب الوحيد فيه بعض النوافذ التي افتتحت في طول تاريخ السلطنة الغاشمة؛ بل إنّ السبب الأهم، هو علو شأن الإمام، وكمال عظمته ورِفعته في سماء المجد والكرامة، وتنمّره في ذات الله، والتفاته حول الحق، والتفاف الحق حوله يدور حيثما دار - كما قال الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله - والحق يعلو ولا يُعلى عليه، وللحق دولة وللباطل جولة، فالشمس لا تبقى مغيّبة تحت الغيوم وإن كانت كثيفةً سوداء، فلابدّ لليل أن ينجلي، ولابدّ للحق أن يبدو للتاريخ رغم كل المحاولات البغيضة الحاقدة، والإمام نور الله في الأرض، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.

وهذا هو الأمر الذي اضطر مناوئيه ومنافسيه أن يعترفوا بفضله القاهر ومقامه المنيع، فالإنسان مهما كان مستسلماً لأهوائه، غامراً في طغيانه، ووقوفه بوجه الحق الناصع، فإنّ له مواقف يضطر فيها إلى العودة إلى فطرته، والرجوع إلى رشده، والخضوع أمام الحق، وهذا هو الذي اضطر بعض المشركين المتعصبين الغالينَ في عدائهم للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وللكتاب العزيز، الذي أذلّ كبرياءهم، وأرغم أنوفهم، إلى الاعتراف بأنّ أعلاه لمُغدق وأسفله لمُورق، وأنّه يعلو ولا يعلى عليه، وهذا هو شأن كل حق يحاول الإنسان الطاغي أمام ربّه وآيات ربّه أن ينكره ويستكبره بوجهه، والكتاب الذي بين يديك محاولة لاستخراج اعترافات المناوئين والمنافسين

٦

للإمامعليه‌السلام ، وكذلك اعترافات مَن تبعوا ذلك الخط، واستمروا في السلطة الجابرة والجائرة باسم الخلافة، ولا شك أنّ ما لم يسجّله التاريخ من اعترافات الخلفاء بهذا الشأن أكثر بكثير، ولكنّه غيض من فيض.

عملنا في الكتاب:

١ - كان المعتمد عند المؤلّف استخراج الأحاديث من المخطوطات والكتب المطبوعة قديماً، وهذا ممّا يصعب على القارئ مراجعتها أو عدم توفّرها لديه، فقمنا باستخراجها من المصادر نفسها، ومن طبعاتها الحديثة المتناولة بين الأيدي.

٢ - تكثير المصادر قدر المستطاع.

٣ - رأينا في بعض الموارد أنّ المؤلّف قد اكتفى بذكر قسم من الحديث ممّا هو بيت القصيد فيه، ولمّا كان الحديث بكامله يتضمن مناقب وفضائل أخرى لأمير المؤمنين الإمام عليعليه‌السلام ، أوردناه كاملاً تتميماً للفائدة وتكميلاً للحجّة.

٤ - أثبتنا تعليقات موجزة على بعض المواضيع والأحاديث، التي رأينا فيها الحاجة إلى التوضيح والتفسير، ورمزنا إلى ذلك بكلمة المعرب.

ومؤسسة المعارف الإسلامية إذ تشكر الجهود التي بذلها سماحة العلاّمة الحجة الشيخ محمد مهدي الفقيه إيماني الأصفهاني ( حفظه الله تعالى )، وفضيلة الشيخ الفاضل يحيى الكمالي البحراني حيث أرجعه إلى العربية، وكذلك تشكر الفاضلينِ محمود البدري وفارس حسّون كريم؛ لجهودهما المشكورة في مراجعة وإخراج هذا الكتاب، تبتهل إلى الله تعالى أن يوفّق الجميع للاستمرار على خط الولاء لأهل البيتعليهم‌السلام ، وخدمة الدين الحنيف على ضوء مذهب الإمام وأهل بيته، والإشادة بفضائلهم ومكارمهم، إنّه قريب مجيب.

وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ هذا المشروع قد أُنجز بمساهمة مباركة، من ثُلث المرحوم الحاج عباس غلوم شرف، وعقيلته غفر الله لهما وتغمّدهما برحمته الواسعة.

٧

المقدمة

قال أبو بكر: أيّها الناس، عليكم بعلي بن أبي طالب، فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: ( علي خير مَن طلعت عليه الشمس وغربت بعدي ).

قال عمر بن الخطاب: والله لولا سيف علي لَما قدم عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الأمّة، ذو سابقتها وذو شرفها.

قال عثمان بن عفان: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: ( النظر إلى علي عبادة ).

قال معاوية بن أبي سفيان: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب.

ما أقول - أنا الضعيف - فيمَن أنزل الله تعالى فيه( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (١) .

تلاحظ في هذه الآية الكريمة أنّ الله عزّ وجل جعل نفسه، وكذا الذي عنده علم الكتاب - يعنى الإمام عليعليه‌السلام العالم بأسرار القرآن وعلومه - شاهدَينِ على نبوة

____________________

(١) الرعد: ٣٤.

٨

رسوله الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

وصرّح تعالى عزه بأنّه وعلياًعليه‌السلام شاهدان، على صدق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في دعوته ورسالته.

وما أقول فيمَن قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ الله جعل لأخي علي فضائل لا تُحصى كثرةً، فمَن ذكر فضيلةً من فضائله مقرّاً بها غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومَن كتب فضيلةً من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم، ومَن استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع، ومَن نظر إلى كتاب من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر، ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : النظر إلى أخي علي عبادة، وذِكره عبادة، ولا يقبل الله إيمان عبد إلاّ بولايته والبراءة من أعدائه )(٢) .

وعندما نلقي نظرةً على ما ورد من الدلائل الباهرة، والبراهين الواضحة الغنية، في القرآن والسنة، والتاريخ والمصادر السنية والشيعية، وكذا في كتب الخوارج، التي تضمنت موضوع الإمامة والخلافة بشكل عام، وإمامة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام وولايته بشكل خاص، بكونه الخليفة والوصي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم نرَ في شيء منها أي إيهام أو إجمال، حتى يتذرع به المنحرفون عن عليعليه‌السلام ، ويجعلونه وسيلةً وتبريراً لانحرافهم عنه وعدائهم له ومناوئتهم إيّاهعليه‌السلام .

____________________

(١) شواهد التنزيل ١: ٤٠٠ - ٤٠٥ ح ٤٢٢ - ٤٢٧ وقد أخرج الحديث من سبعة طرق، النور المشتعل ( من كتاب ما نزل من القرآن في علي ): ١٢٥، المناقب لابن المغازلي: ٣١٣ ح ٣٥٨، الجامع لأحكام القرآن ٩: ٣٣٦، ينابيع المودة: ١٠٢، تفسير الكشف والبيان ١: ٢٥٨ النسخة الخطية، توضيح الدلائل لشهاب الدين: ١٦٣ ( انظر ملحقات إحقاق الحق ٢٠: ٧٧ )، المناقب المرتضوية للكشفي: ٤٩، روضة الأحباب: وقائع سَنة ٩، مفتاح النجاة: ٤٠ النسخة الخطية، أرجح المطالب: ٨٦ أخره عن الثعلبي وابن المغازلي.

(٢) المناقب للخوارزمي: ٣٢ ح ٢، كفاية الطالب للكنجي: ٢٥٢ باب ٦٢، فرائد السمطين ١: ١٩، أرجح المطالب: ١١، وجميعهم نقلوا عن المناقب لحسن بن أحمد العطّار الهمداني شيخ القرطبي، المتوفى ٥٦٩ ه-.

٩

وهكذا حينما ننصت إلى قوله تعالى:( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (١) نشاهد أنّ الله عزّ وجل يحذّر نبيه الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويخبره بأنّ الهادي هو الله عزّ وجل.وإذا استمعنا إلى مقالة الإمام عليعليه‌السلام الذي قال: ( لو ضربتُ خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بجماتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني، وذلك أنّه قضي فانقضى على لسان النبي الأمّيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: يا علي، لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق )(٢) ؛ لعلمنا بأنّ تغيير باطن المنحرفين عن أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، وتبديل أعدائه إلى شيعة له، ومخالفيه إلى موافقين له، يبدو من المحالات، ولعرفنا أنّ جميع الطرق والسبل والذرائع، حتى الكتب التي أُلّفت خصّيصاً بهذا الموضوع لعاجزة عن هدايتهم، ولكنّا اعتماداً على المَثل المشهور ( الفضل ما شهدت به الأعداء )، وانطلاقاً من مبدأ ( أَلزموهم بما التزم به الخصم )، وإتماماً للحجّة على الخصم المخالف من شتى الجهات العقائدية والعملية، اضطررنا إلى تأليف هذا الكتاب، والذي يتضمن في ثناياه روايات وأحاديث خلفاء أهل السنة، تروي لنا اعترافاتهم بأفضلية الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، واختصاصه بالفضائل والمناقب التي امتاز بها.

وكلنا أمل في أن يصبح هذا الكتاب باباً مفتوحاً أمام المثقّفين الواعين، الذين وضعوا عن أنفسهم إصر العصبية الجلفاء والتبعية العمياء لأسلافهم المقتدين بالخلفاء المختلقَين، ومن ثمَّ يتداركوا مسئوليتهم الحقيقية، ووظيفتهم المصيرية في المجالات العقائدية والعملية، ويعلموا أخيراً أنّ عاقبة التعصّب واتخاذ موقف الحياد في العمل بالوظائف الدينية، لم تكن إلاّ الهزيمة والقهقراء الديني والموت الجاهلي، ومن بعده الانزلاق في نار جهنم.

____________________

(١) القصص: ٥٦.

(٢) نهج البلاغة: الحكمة رقم ٤٥.

١٠

تحذير من الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله بظهور خلفاء مختلقَين قال تعالى:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) (١) .

تشير هاتان الآيتان إلى ظهور أئمة عديدين، منهم مَن يقود فئةً يأتون يوم القيامة وصحائف أعمالهم بأيمانهم، ومنهم مَن يسوق طائفةً من الناس يحشرون يوم الدين عُمياً وضالين، كما كانوا في حياتهم الدنيوية منحرفين وعَمِين، ولا ريب أنّ هذه الطائفة يحشرون وكتبهم بشمالهم.

وفي قوله تعالى:( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ ) (٢) حيث يأمر الله عزّ وجل بجهاد ومحاربة قادة الكفر، الذين لا عهد لهم ولا أيمان.

وفي قوله تعالى:( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (٣) .يحذّرنا الله ويبيّن فيها بأنّ الإمامة والخلافة منصب إلهي ومقام ربوبي، جعله لنبيه إبراهيم الخليلعليه‌السلام ، وحظره على الظالمين المعتدين.

وقال عزّ من قائل:( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ ) (٤) ترشدنا هذه الآية أيضاً إلى ظهور أئمة وخلفاء جائرين، يجرّون العباد

____________________

(١) الإسراء: ٧١ - ٧٢.

(٢) التوبة: ١٢.

(٣) البقرة: ١٢٤.

(٤) القصص: ٤١.

١١

إلى النار ولا ينصرونهم، وهم في الآخرة مصيرهم إلى جهنم(١) .

هذه آيات تحذّر من ظهور خلفاء مختلقين، وثمّة أيضاً أحاديث نبوية مروية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تنبأ فيها ذلك:

١ - منها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّه سيكون عليكم أمراء يغشاهم غواشٍ من الناس، فمَن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فأنا بريء منه، وهو بريء مني )(٢) .

٢ - ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّه سيكون بعدي أئمة فَسَقة يصلّون الصلاةَ لغير وقتها )(٣) .

٣ - ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ بعدي أئمةً إن أطعتموهم أكفروكم، وإن عصيتموهم

____________________

(١) وفي بيان الخلفاء الداعين إلى النار، نذكر ما أشار إليه السيد شرف الدين في كتابه النص والاجتهاد ص ٣٣١، ممّا أخرجه البخاري في صحيحه الجزء الرابع ص ٢٥، كتاب الجهاد والسير، باب مسح الغبار عن الناس في السبيل، وفي الجزء الأوّل ص ١٢٢، كتاب الصلاة باب التعاون في بناء المساجد، وأخرج غيره نحو ثلاثين مصدراً تاريخياً وحديثياً من أهل السنة.بإسنادهم عن عثمان بن عفان ومعاوية وابن العاص وآخرون، يتجاوز عددهم اثنان وعشرون صحابياً، إنّهم رووا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ( ويحَ عمّار، تقتله الفئة الباغية، عمّار يدعوهم إلى الله تعالى ( إلى الجنة ) ويدعوه إلى النار ).وناهيك من هذا الحديث - أنّه عندما استشهد عمّار بسيف البغي وأيدي جلاوزة معاوية - أن يكون معاوية مصداقاً بارزاً للدعاة إلى النار، كما أنّ عمّار خير مصداق لمّن يدعو إلى الجنة وهو من أهلها.

(٢) مسند أبي يعلى ٢: ٤٠٤ ح ١١٨٧ وص ٤٦٥ ح ١٢٨٦، مسند أحمد بن حنبل ٣: ٢٤ و٩٢، وج ٣: ٤٠٥ ح ١٠٨٠٨، وص ٥١٨ ح ١١٤٦٣، من الطبعة الحديثة، مجمع الزوائد ٥: ٢٤٦ باب فيمَن يصدّق الأمراء بكذبهم.

(٣) مسند أبي يعلى ٧: ٢٩٣ ح ٤٣٢٣، المعجم الكبير ٣: ١٦٠ ح ١٦٣٣، وج ٩: ٣٤٥ ح ٩٤٩٥ بسند ثان، وفيه: يميتون الصلاة، مجمع الزوائد ١: ٣٢٥ باب فيمَن يؤخّر الصلاة عن الوقت، أخرجه عن الطبراني وأبي يعلى، التاريخ الكبير ٣: ٢٣٥ ترجمة رقم ٧٩٨، وج ٦: ١٥٣ ترجمة رقم ٢٠٠٣.

١٢

قتلوكم، أئمة الكفر ورؤوس الضلالة )(١) .

٤ - ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( سيكون أمراء بعدي يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون)(٢) .

٥ - ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أَلا إنّه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمَن صدّقهم بكذبهم، ومالاهم على ظلمهم، فليس مني ولا أنا منه، ومَن لم يصدّقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه )(٣) .

٦ - ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( اسمعوا، هل سمعتم، أنّه سيكون بعدي أمراء، فمَن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، وليس بوارد عليّ الحوض، ومَن لم يدخل عليهم ولم يصدّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض ؟ )(٤) .

٧ - ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن تقدّم على قوم من المسلمين، وهو يرى أنّ فيهم مَن هو أفضل منه، فقد خان الله ورسوله والمسلمين )(٥) .

٨ - ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله لكعب بن عجرة: ( أعاذك الله يا كعب من إمارة السفهاء ).

____________________

(١) مجمع الزوائد ٥: ٢٣٨ باب في أئمة الظلم والجور وأئمة الضلالة، مسند أبي يعلى ١٣: ٤٣٦ ح ٧٤٤٠ م ٢، كنز العمال ١١: ١١٨ ح ٣٠٨٤٩ أخرجه عن الطبراني.

(٢) مسند أحمد ١: ٤٥٦، وج ٢: ٤١ ح ٤٣٥٠ ( الحديثة ).

(٣) مسند أحمد ٤: ٢٦٧، وج ٥: ٣٣٣ ح ١٧٨٨٩ ( الحديثة )، المعجم الكبير ٣: ١٨٦ ح ٣٠١٩، وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد باختلاف في لفظه ٥: ٣٦٢ ترجمة محمد بن صالح أبي جعفر الصائغ رقم ٢٨٨٦، مجمع الزوائد ٥: ٢٤٨ باب فيمَن يصدّق الأمراء بكذبهم

(٤) راجع: تاريخ بغداد ٢: ١٠٧ ترجمة محمد بن بنان الخلال رقم ٥٠٠، وج ٥: ٣٦٢ ترجمة محمد بن صالح أبي جعفر الصائغ رقم ٢٨٨٦، المعجم الكبير ١٩: ١٥٦ ح ٣٤٥.

(٥) التمهيد للباقلاني: ١٩٠.

١٣

قال: وما إمارة السفهاء، يا رسول الله ؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أمراء يكونون بعدي، لا يهدون بهديي، ولا يستنّون بسُنتي، فمَن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون عليّ حوضي، ومَن لم يصدّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم، ويردون علي حوضي )(١) .

وملخّص القول: أنّ هذه الآيات والروايات التي قرأتها، تخبرنا عن ظهور أئمة فَسَقة، وأمراء كذّابين وحُكّام دجّالين، يحكمون بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهم سادة الكفر وقادة الضلالة والانحراف، وإنّهم خَوَنة خانوا الله ورسوله والمؤمنين، يسوقون أولياءهم وأتباعهم نحو الكفر، ويقتلون مخالفيهم على مخالفتهم لهم، وهم يتخذون الصلاة وأحكام الدين لعباً، فمَن والاهم على ذلك وصدّقهم وأعانهم في ذلك، فلا يمتّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بشيء، وإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بريء منهم، وهم في يوم القيامة مزحزَحون عن الحوض.وأمّا الذين يضادّون الخلفاء المزوّرين، والأمراء المختلقين، الذين تبرأ منهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكذا الذين يمتنعون عن تأييد هؤلاء ويأبون تصديقهم، فهؤلاء لا ريب أنّهم يكونون على دين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتؤول عاقبتهم إلى الخير، ويردون حوض الكوثر في يوم الدين، ولا يخفى عليك أنّ طائفةً كبيرةً من الأمراء، الذين تصدوا إمارة المسلمين بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يتحلّوا بالمواصفات والمعايير الدينية والعلمية، التي يجب تواجدها في إمام المسلمين وزعيمهم وخليفتهم؛ حتى تكون إطاعتهم واتّباعهم واجبةً وضرورة

____________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٤: ٤٢٢، كتاب الفتن والملاحم، باب الترهيب عن إمارة السفهاء، المعجم الكبير ١٩: ١٥٩ - ١٦٠ ح ٣٥٤ - ٣٥٦ و ٣٥٨ رواه مختصراً.

١٤

من ضروريات الدين، ومن جانب آخر فإنّه لم تنطبق عليهم الأحاديث المروية في صحاح القوم ومسانيدهم، التي تبيّن وتقصر عدد الأئمة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على أنّهم اثنا عشر إماماً(١) ؛ ولذلك ترى أنّ طائفةً كبيرةً من المسلمين أعلنوا برأتهم من أولئك

____________________

(١) حديث الأئمة من قريش وإنّ عددهم كعدّة نقباء بني إسرائيل، وإنّهم اثنا عشر خليفةً وأميراً، حديث متواتر رواه عدّة من الصحابة، وأخرجه الكثير من أرباب الصحاح والسُنن والمسانيد والتواريخ، خاصةً الصحيحان اللذان هما أصح الكتب عند أهل السُنة بعد القرآن، وهذا الحديث حيث إنّه ثابت الصدور والصحة لقي من العناية أعلاها، وأجمع الحفّاظ على تواتره، واهتم العلماء سُنةً وشيعةً بتخريجه وتحريره، إلاّ أنّه أصبح معضلةً ومأساةً لعلماء السُنة سلفاً وخلفاً؛ ولذلك ترى الاضطراب واضح في تفسيرهم للحديث، وحالة الحيرة والتذبذب بيّنة فيهم؛ لعدم توفيقهم لبيان المعنى المراد من الحديث، والأئمة القرشيين الاثني عشر المعنيين في كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتى أنّ بعض مَن لم يحط علماً بالأخبار والأحاديث نفى صدوره عن النبي، وتخرّص بأنّ هذا الحديث من موضوعات الشيعة.

ولكي تستلهم علماً بالخبر، وتحط بالحديث فهماً، نذكر لك المصادر المعتبرة عند القوم، ومن ثمَّ نشير إلى الاضطرابات التي حصلت عندهم في تفسير هذه الأحاديث، وتعريفهم للخلفاء المعنيين.

وقبل كل ذلك نشير إلى بعض نصوص هذه الأحاديث: قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يكون بعدي اثنا عشر أميراً ..كلهم من قريش ).وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، ويكون عليكم اثنا عشر خليفةً كلهم من قريش ).وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر أميراً من قريش، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها ).وغير ذلك من النصوص.

وأمّا الذين أخرجوا هذه الأحاديث فكثيرون، نشير إلى أسماء أهمهم فقط: البخاري في صحيحه ٩: ١٠١ كتاب الأحكام باب الاستخلاف.مسلم في صحيحه ٣: ١٤٥٢ كتاب الإمارة باب (١) باب الناس تبع لقريشح ١٨٢١ - ١٨٢٢ وفيه ٨ أحاديث.

الترمذي في سننه ٤: ٤٣٤ باب ( ٤٦ ) ح ٢٢٢٣. أبو داود في سُننه ٤: ١٠٦ ح ٤٢٧٩ - ٤٢٨٠.أحمد بن حنبل في مسنده ٥: ٩٠ عن جابر بن سمرة ضمن ٣٣ حديث.أبو نعيم في حلية الأولياء ٤: ٣٣٣.

١٥

____________________

( * ) الطيالسي في مسنده: ١٠٥ ح ٧٦٧.السيوطي في تاريخ الخلفاء: ١٠ - ١١. وفحوى هذه النصوص يدل على أنّ هؤلاء الأئمة والخلفاء يأتون على التوالي، وأنّهم باقون ما بقيت الدنيا، وببقائهم استقرت الدنيا ولولاهم لماجت بأهلها ولقد حار علماء السُنة، واضطربت أقوالهم في بيان وتفسير معنى هذه الأحاديث، التي أخرجها أئمة الحديث والحفّاظ، حتى أنّك لو سألت أحدهم عن أسماء هؤلاء الاثني عشر المعنيين لرأيت العجاب، وسمعت الصعاب؛ لِما تسمع وترى في كلامه ممّا يضحك الثكلى.

قال الحافظ أبو العباس القرطبي: وقد اختُلف فيهم على ثلاثة أقوال:

أحدها : إنّهم خلفاء العدل كالخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز، ولا بدّ من ظهور مَن يتنزّل منزلتهم في إظهار الحق والعدل حتى يكمل ذلك العدد - ١٢ - وهو أَولى الأقوال.

ثانيها : إشارةً إلى مدة ولاية بني أميّة، وعدّد القائل ملوكهم فقال: أَوّلهم يزيد بن معاوية، ثمّ أتبعه معاوية بن يزيد، وقال: ولم يذكر ابن الزبير؛ لأنّه صحابي، ولا مروان؛ لأنّه غاصب لابن الزبير، ثمّ عبد الملك، ثمّ الوليد، ثمّ سليمان، ثمّ عمر بن عبد العزيز، ثمّ يزيد بن عبد الملك، ثمّ هشام بن عبد الملك، ثمّ الوليد بن يزيد، ثمّ يزيد بن الوليد، ثمّ إبراهيم، ثمّ مروان بن محمد، فهؤلاء اثنا عشر، ثمّ خرجت الخلافة منهم إلى بني العباس.

ثالثها : إنّ هذا خبر عن اثني عشر خليفةً من قريش، يجتمعون في زمان واحد في آفاق مختلفة كما وقع، فقد كان بالأندلس منهم - في عصر واحد بعد أربعمِئة وثلاثين - ستة كلهم يدّعيها ويلقّب بها، ومعهم صاحب مصر وخليفة بغداد، ثمّ قال القرطبي: والأَوّل أَولاها؛ لبُعده عن الاعتراض.( المفهم لِما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤: ٨ و ٩ شرح ح ١٣٩٨ ).

وقال أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في عون المعبود شرح سُنن أبي داود: وأمّا الخلفاء الاثنا عشر فقد قال جماعة منهم أبو حاتم بن حبان وغيره: إنّ آخرهم عمر بن عبد العزيز، فذكر الخلفاء الأربعة، ثمّ معاوية، ثمّ يزيد ابنه، ثمّ معاوية بن يزيد، ثمّ مروان بن الحكم، ثمّ عبد الملك بن مروان ابنه، ثمّ الوليد بن عبد الملك، ثمّ سليمان بن عبد الملك، ثمّ عمر بن عبد العزيز.وقال أيضاً: فالتحقيق في هذه المسالة أن يعتبروا بمعاوية وعبد الملك وبنيه الأربعة، وعمر بن عبد العزيز والوليد بن يزيد بن عبد الملك بعد الخلفاء الأربعة الراشدين.وقال: قد مضى منهم الخلفاء الأربعة ولابدّ من تمام هذا العدد قبل الساعة.( عون

١٦

____________________

المعبود ١١: ٣٦٢ - ٣٦٦، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٥: ٣٦ ح ٦٦٥٧ ).

وقال مفسّر القوم ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى:( وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) ( المائدة: ١٢ ) بعد إيراد حديث جابر بن سمرة من رواية الشيخين: ومعنى الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفةً صالحاً، يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وُجد منهم أربعة على نسق واحد، وهم الخلفاء الأربعة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند بعض الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أنّ منهم المهدي المبشّر به في الأحاديث الواردة بذكره.

ثمّ قال: وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر، الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض؛ لجهلهم وقلة عقلهم.( تفسير ابن كثير ٢: ٣٤ ).

وقال السيوطي: فقد وُجد من الاثني عشر خليفةً، الخلفاء الأربعة، والحسن ومعاوية، وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، ويُحتمل أن يضم إليهم المهتدي من العباسيين؛ لأنّه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أميّة، وكذلك الظاهر لِما أُوتي من العدل، وبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهدي؛ لأنّه من آل بيت محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ( تاريخ الخلفاء: ١٢ ).أقول: أين الثاني عشر يا جلال الدين، لابدّ أنّك لو كنت حياً في القرن الثاني عشر، لعيّنت الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنّه المنتظر الثاني عشر حتى يتم العدد.

وهناك علماء وحفّاظ قاموا بتوجيه هذه الأحاديث وتبريرها، وحاولوا تفسير وتطبيق الأحاديث لمعتقداتهم، وليس العكس كما هو الصحيح والمفروض، في الأخذ بما يوافق القرآن والسنة الصحيحة وترك ما خالفهما، وهذا ابن حجر تذرّع إلى أصل اجتماع الأمّة، واختلق حسب ذاك الأصل أئمةً، وجعلهم خلفاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .فقال: المراد بالاجتماع انقياد بيعته، والذي وقع أنّ الناس اجتمعوا على أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ علي، إلى أن وقع أمر الحكمينِ في صفين، فسمّى معاوية يومئذ بالخلافة، ثمّ اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسنعليه‌السلام ، ثمّ اجتمعوا على وَلده يزيد، ولم ينتظم للحسين أمر، بل لقبل ذلك، ثمّ لمّا مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثمّ اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثمّ سليمان، ثمّ يزيد، ثمّ هشام، وتخلّل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز.فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر الوليد بن يزيد عبد الملك.

١٧

____________________

وقال في موضع آخر: فالأَولى أن يُحمل قوله: يكون بعدي اثنا عشر خليفةً على حقيقة البعدية، فإنّ جميع مَن ولي الخلافة من الصدّيق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفساً، منهم اثنان لا تصح ولايتهما ولم تطل مدتهما، وهما: معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، والباقون اثنا عشر نفساً على الولاء.( فتح الباري ١٣: ١٨٢ وص ١٣ ).

أقول: لو تأمل الإنسان المنصف البصير إلى أقوال علماء السُنة في تفسير هذا الحديث، وتحديد المعنيين الاثني عشر المشار إليهم في الحديث، سواء الأقوال التي تطرّقنا إليها، أَم التي لم نشر إليها، لعرف الحيرة والاضطراب، وكذا التغريب والتشريق والتزلزل عندهم، بحيث إنّهم لم يتحدوا ولم يتفقوا على رأي واحد، ولا يخفى ما في هذه الأقوال من الضعف والإيراد، وإنّ التطرّق إلى كل ذلك يخرجنا عن الإيجاز المطلوب؛ ولذلك ندعو القارئ اللبيب إلى مراجعة ما كُتب في هذا الموضوع، ولكن أهم تلك النقاط المأخوذة على علماء الجمهور:

١ - إنّنا لو جمعنا بين الأقوال المذكورة التي ذُكرت فيها أسماء الخلفاء لرأيناها تزيد عن الاثني عشر.

٢ - تلاحظ أنّ بعض علماء السُنة يختلق خلفاء حسب هواه ورأيه، فينفي صحة خلافة أحدهم والآخرون يثبتونها، كما مرّ عليك في أمر خليفتهم مروان بن الحكم حيث عدّه بعضهم من الخلفاء، ونفاه البعض؛ لكونه غاصباً، فلو كان هكذا فأمر الخلفاء الذين جاءوا بعده واضح.

٣ - قيّد بعضهم شرط العدالة في الخليفة، فلو راجع القرّاء تاريخ حياة الخلفاء المذكورين، لعُرف أنّ أكثر هؤلاء الخلفاء يخرجون عن دائرة العدالة والخلافة، حتى لم يبقَ منهم إلا القليل الواحد أو الاثنين.

٤ - وآخر ما نورده من ملاحظاتنا أنّ التفسير الواقعي والمعنى الصحيح لحديث الأئمة الاثني عشر، هو معتقد الشيعة التي تذهب إلى إمامة اثني عشر خليفةً كلهم من قريش، ومن بطن هاشم، ومن العترة الطاهرة، من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما أشار إلى ذلك ابن كثير ثمّ اتهم الشيعة - كعادته - بالجهل فقال: وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر، الأئمة الذين يعتقدون فيهم الاثنا عشرية من الروافض؛ لجهلهم وقلة عقلهم ( تفسير ابن كثير ٢: ٣٤ ).

وهذه الأحاديث لمّا كانت إحدى أدلة أحقية الشيعة لإثبات صحة مذهبهم، استشكل بعض علماء السُنة في الحديث كالشيخ ولي الله المحدّث في كتابه قوة العينين في تفضيل الشيخين حيث قال: وقد استُشكل في حديث ( لا يزال ) ووجه الإشكال، إنّ هذا الحديث ناظر إلى مذهب الاثني عشرية الذين اثبتوا اثني عشر إماماً ( عون المعبود ١١: ٣٦٤).

١٨

____________________

وقال أبو الطيب شمس الحق: قلت: زعمت الشيعة - خصوصاً الإمامية منهم - أنّ الإمام الحق بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله علي، ثمّ ابنه الحسن، ثمّ أخوه الحسين، ثمّ ابنه علي زين العابدين، ثمّ ابنه محمد الباقر، ثمّ ابنه جعفر الصادق، ثمّ ابنه موسى الكاظم، ثمّ ابنه علي الرضا، ثمّ ابنه محمد التقي، ثمّ ابنه علي النقي، ثمّ ابنه الحسن العسكري، ثمّ ابنه محمد القائمعليه‌السلام ( عون المعبود ١١: ٢٦٧ ).وبقي أن ألفت أنظار القرّاء الكرام، أنّ دأب ابن كثير وأشباهه من المتعصبين والمتطرفين، هو الافتراء والاتهام وإلصاق الأكاذيب على مخالفيهم، خاصةً الشيعة الإمامية الاثني عشرية.

والجدير بالذكر أنّ الشيعة يعتقدون بإمامة اثني عشر إماماً وخليفةً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كلهم من قريش، ومن البيت الهاشمي، ومن عترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتظهر أحقية هذا المعتقد لو جمعنا هذا الحديث إلى أحاديث أخرى، مثل حديث الثقلين والكساء، وآية التطهير والمباهلة، وغيرها من النصوص الدالة، على إمامة أهل البيتعليهم‌السلام .روى الحافظ القندوزي عن جابر بن سمرة قال: كنت مع أبي عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فسمعته يقول: ( بعدي اثنا عشر خليفةً، ثمّ أخفى صوته.فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته ؟ قال: قال: كلهم من بني هاشم ).( ينابيع المودة: ٤٤٥ ).

ويؤيّد هذا الحديث قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام : ( إنّ الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم ).( نهج البلاغة: خطبة ١٤٤ صبحي الصالح ).

وإنّي لأعجب من بعض الرواة والحفّاظ الراوين لهذه الأخبار، لمّا شاهدوا فيها ما يخالف هواهم ويباين مسلكهم حرّفوها أو تغافلوها؛ ولذلك تراهم يقولون: خفي عليّ، أو نسيت، أو لم أفهم، أو أخفى صوته، أو عبارات أخرى ممّا تدل على تعتيم الحقائق وتحريف الوقائع.

والدليل الآخر على اختصاص هذا الحديث بأئمة أهل البيتعليهم‌السلام دون غيرهم، هو أنّ بعض الأحاديث يشير أنّ الخلافة ممتدة إلى قيام الساعة، فإذا راجعنا حديث الثقلين الذي يومئ إلى عدم افتراق الكتاب والعترة إلى قيام يوم الدين، وإنّهما الوديعتان اللتان جعلهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في أمّته، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ).ومن جهة أخرى، فلو سلّمنا بأنّ أحاديث العامة التي تروي بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أكّد على اتّباع

١٩

____________________

سُنة الخلفاء من بعده صحيحة وسليمة عن النقد والأخذ، وهذه الأحاديث التي نقلناها لك تؤكّد بأنّ خلفاءه هم اثنا عشر بالعدد، وفي طائفة أخرى أفصح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قائلاً: ( من بني هاشم، أو عترتي ) فهل يبقى حينئذ شك أو ريب في موالاة واتّباع الأئمة من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والانقياد لهم، أو في عدم تبعية غيرهم؛ لأنّهم ليسوا من بني هاشم ولا من العترة ؟ وقد قلنا آنفاً: إنّ التفسير المجسّد في الواقع الخارجي لهذه الروايات الناطقة بالوصف - من بني هاشم - وبالعدد - اثنا عشر - لا يتأتى إلاّ في أئمة أهل البيت الاثني عشر، الذين تقتدي بهم الشيعة في فقهها وتفسيرها وعقائدها وأحكامها، كما أشار إلى ذلك الحافظ القندوزي الحنفي روايةً عن عباية بن ربعي، عن جابر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أنا سيد النبيين، وعلي سيد الوصيين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر: أَوّلهم علي، وآخرهم القائم المهدي ).وأضاف الحافظ قائلاً: قال بعض المحقّقين: إنّ الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله اثني عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان، عُلم أنّ مراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته؛ إذ لا يمكن أن يُحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه؛ لقلتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمله على الملوك الأموية؛ فإنّ سلطانهم ملك وليس بخلافة كما في بعض الروايات، ولزيادتهم على اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ( كلهم من بني هاشم ) في رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوته في هذا القول يرجّح هذه الرواية، ولا يمكن حمله على الملوك العباسيين؛ لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلة رعايتهم الآية( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ( الشورى: ٢٣ ) وحديث الكساء، فلابدّ من أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترتهعليهم‌السلام ؛ لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجلّهم، وأورعهم، وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند الله، وكانت علومهم من آبائهم عن جدهمصلى‌الله‌عليه‌وآله وبالوراثة اللدنية، كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق وأهل الكشف والتوفيق.ويؤيّد هذا المعنى - أي أنّ مراد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته، ويشهد به ويرجّحه - حديث الثقلين والأحاديث الكثيرة المذكورة في هذا الكتاب وغيره، وأمّا قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( كلهم تجتمع عليه الأمّة ) في رواية جابر بن سمرة فمرادهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الأمّة تجتمع على الإقرار بإمامة كلهم وقت ظهور قائمهم ( ينابيع المودة: ٤٤٦ ).

٢٠