• البداية
  • السابق
  • 189 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 47873 / تحميل: 2179
الحجم الحجم الحجم
الإمام علي (عليه السلام) في آراء الخلفاء

الإمام علي (عليه السلام) في آراء الخلفاء

مؤلف:
العربية

الإمام علي (عليه السلام)

في آراء الخلفاء

مهدي فقيه إيماني

١

الإمام علي (عليه السلام) في آراء الخلفاء

تأليف

الشيخ مهدي فقيه إيماني

٢

تأليف العلاّمة

الشيخ مهدي فقيه إيماني

٣

٤

لا شك أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) شخصية فذة نادرة ، وحياته مليئة بما يعجب الإنسان ويستوقفه ، ومن غريب خصائصه اعتراف أعدائه بفضله ، مع إصرارهم على استمرار العداء له

وقد قيل في حقه : إنّ محبيه أَخفوا فضائله خوفاً ، ومبغضيه أَخفوها بغضاً ، ومع ذلك فقد ملأت الخافقينِ ، وليس السبب الوحيد فيه بعض النوافذ التي افتتحت في طول تاريخ السلطنة الغاشمة ؛ بل إنّ السبب الأهم ، هو علو شأن الإمام ، وكمال عظمته ورِفعته في سماء المجد والكرامة ، وتنمّره في ذات الله ، والتفاته حول الحق ، والتفاف الحق حوله يدور حيثما دار كما قال الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) والحق يعلو ولا يُعلى عليه ، وللحق دولة وللباطل جولة ، فالشمس لا تبقى مغيّبة تحت الغيوم وإن كانت كثيفةً سوداء ، فلابدّ لليل أن ينجلي ، ولابدّ للحق أن يبدو للتاريخ رغم كل المحاولات البغيضة الحاقدة ، والإمام نور الله في الأرض ، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.

وهذا هو الأمر الذي اضطر مناوئيه ومنافسيه أن يعترفوا بفضله القاهر ومقامه المنيع ، فالإنسان مهما كان مستسلماً لأهوائه ، غامراً في طغيانه ، ووقوفه بوجه الحق الناصع ، فإنّ له مواقف يضطر فيها إلى العودة إلى فطرته ، والرجوع إلى رشده ، والخضوع أمام الحق ، وهذا هو الذي اضطر بعض المشركين المتعصبين الغالينَ في عدائهم للرسول ( صلى الله عليه وآله ) وللكتاب العزيز ، الذي أذلّ كبرياءهم ، وأرغم أنوفهم ، إلى الاعتراف بأنّ أعلاه لمُغدق وأسفله لمُورق ، وأنّه يعلو ولا يعلى عليه ، وهذا هو شأن كل حق يحاول الإنسان الطاغي أمام ربّه وآيات ربّه أن ينكره ويستكبره بوجهه ، والكتاب الذي بين يديك محاولة لاستخراج اعترافات المناوئين والمنافسين

٥

للإمام ( عليه السلام ) ، وكذلك اعترافات مَن تبعوا ذلك الخط ، واستمروا في السلطة الجابرة والجائرة باسم الخلافة ، ولا شك أنّ ما لم يسجّله التاريخ من اعترافات الخلفاء بهذا الشأن أكثر بكثير ، ولكنّه غيض من فيض

١ - كان المعتمد عند المؤلّف استخراج الأحاديث من المخطوطات والكتب المطبوعة قديماً ، وهذا ممّا يصعب على القارئ مراجعتها أو عدم توفّرها لديه ، فقمنا باستخراجها من المصادر نفسها ، ومن طبعاتها الحديثة المتناولة بين الأيدي

٢ - تكثير المصادر قدر المستطاع

٣ - رأينا في بعض الموارد أنّ المؤلّف قد اكتفى بذكر قسم من الحديث ممّا هو بيت القصيد فيه ، ولمّا كان الحديث بكامله يتضمن مناقب وفضائل أخرى لأمير المؤمنين الإمام علي ( عليه السلام ) ، أوردناه كاملاً تتميماً للفائدة وتكميلاً للحجّة

٤ - أثبتنا تعليقات موجزة على بعض المواضيع والأحاديث ، التي رأينا فيها الحاجة إلى التوضيح والتفسير ، ورمزنا إلى ذلك بكلمة المعرب

ومؤسسة المعارف الإسلامية إذ تشكر الجهود التي بذلها سماحة العلاّمة الحجة الشيخ محمد مهدي الفقيه إيماني الأصفهاني ( حفظه الله تعالى ) ، وفضيلة الشيخ الفاضل يحيى الكمالي البحراني حيث أرجعه إلى العربية ، وكذلك تشكر الفاضلينِ محمود البدري وفارس حسّون كريم ؛ لجهودهما المشكورة في مراجعة وإخراج هذا الكتاب ، تبتهل إلى الله تعالى أن يوفّق الجميع للاستمرار على خط الولاء لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وخدمة الدين الحنيف على ضوء مذهب الإمام وأهل بيته ، والإشادة بفضائلهم ومكارمهم ، إنّه قريب مجيب

وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ هذا المشروع قد أُنجز بمساهمة مباركة ، من ثُلث المرحوم الحاج عباس غلوم شرف ، وعقيلته غفر الله لهما وتغمّدهما برحمته الواسعة

٦

قال أبو بكر : أيّها الناس ، عليكم بعلي بن أبي طالب ، فإنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : ( علي خير مَن طلعت عليه الشمس وغربت بعدي )

قال عمر بن الخطاب : والله لولا سيف علي لَما قدم عمود الإسلام ، وهو بعد أقضى الأمّة ، ذو سابقتها وذو شرفها

قال عثمان بن عفان : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : ( النظر إلى علي عبادة )

قال معاوية بن أبي سفيان : ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب

ما أقول - أنا الضعيف - فيمَن أنزل الله تعالى فيه ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (١)

تلاحظ في هذه الآية الكريمة أنّ الله عزّ وجل جعل نفسه ، وكذا الذي عنده علم الكتاب يعنى الإمام علي ( عليه السلام ) العالم بأسرار القرآن وعلومه شاهدَينِ على نبوة

______________________

( ١ ) الرعد : ٣٤.

٧

رسوله الكريم ( صلى الله عليه وآله ) (١) .

وصرّح تعالى عزه بأنّه وعلياً ( عليه السلام ) شاهدان ، على صدق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في دعوته ورسالته

وما أقول فيمَن قال فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( إنّ الله جعل لأخي علي فضائل لا تُحصى كثرةً ، فمَن ذكر فضيلةً من فضائله مقرّاً بها غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ومَن كتب فضيلةً من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم ، ومَن استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع ، ومَن نظر إلى كتاب من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر ، ثمّ قال ( صلى الله عليه واله ) : النظر إلى أخي علي عبادة ، وذِكره عبادة ، ولا يقبل الله إيمان عبد إلاّ بولايته والبراءة من أعدائه ) (٢) .

وعندما نلقي نظرةً على ما ورد من الدلائل الباهرة ، والبراهين الواضحة الغنية ، في القرآن والسنة ، والتاريخ والمصادر السنية والشيعية ، وكذا في كتب الخوارج ، التي تضمنت موضوع الإمامة والخلافة بشكل عام ، وإمامة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وولايته بشكل خاص ، بكونه الخليفة والوصي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم نرَ في شيء منها أي إيهام أو إجمال ، حتى يتذرع به المنحرفون عن علي ( عليه السلام ) ، ويجعلونه وسيلةً وتبريراً لانحرافهم عنه وعدائهم له ومناوئتهم إيّاه ( عليه السلام )

______________________

( ١ ) شواهد التنزيل ١ : ٤٠٠ ٤٠٥ ح ٤٢٢ ٤٢٧ وقد أخرج الحديث من سبعة طرق ، النور المشتعل ( من كتاب ما نزل من القرآن في علي ) : ١٢٥ ، المناقب لابن المغازلي : ٣١٣ ح ٣٥٨ ، الجامع لأحكام القرآن ٩ : ٣٣٦ ، ينابيع المودة : ١٠٢ ، تفسير الكشف والبيان ١ : ٢٥٨ النسخة الخطية ، توضيح الدلائل لشهاب الدين : ١٦٣ ( انظر ملحقات إحقاق الحق ٢٠ : ٧٧ ) ، المناقب المرتضوية للكشفي: ٤٩ ، روضة الأحباب : وقائع سَنة ٩ ، مفتاح النجاة : ٤٠ النسخة الخطية ، أرجح المطالب : ٨٦ أخره عن الثعلبي وابن المغازلي

( ٢ ) المناقب للخوارزمي : ٣٢ ح ٢ ، كفاية الطالب للكنجي : ٢٥٢ باب ٦٢ ، فرائد السمطين ١ : ١٩، أرجح المطالب : ١١ ، وجميعهم نقلوا عن المناقب لحسن بن أحمد العطّار الهمداني شيخ القرطبي ، المتوفى ٥٦٩ ه ‍.

٨

وهكذا حينما ننصت إلى قوله تعالى : ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (١) نشاهد أنّ الله عزّ وجل يحذّر نبيه الكريم ( صلى الله عليه وآله ) ، ويخبره بأنّ الهادي هو الله عزّ وجل

وإذا استمعنا إلى مقالة الإمام علي ( عليه السلام ) الذي قال : ( لو ضربتُ خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا بجماتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني ، وذلك أنّه قضي فانقضى على لسان النبي الأمّي ( صلى الله عليه وآله ) أنّه قال : يا علي ، لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق ) (٢) ؛ لعلمنا بأنّ تغيير باطن المنحرفين عن أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، وتبديل أعدائه إلى شيعة له ، ومخالفيه إلى موافقين له ، يبدو من المحالات ، ولعرفنا أنّ جميع الطرق والسبل والذرائع ، حتى الكتب التي أُلّفت خصّيصاً بهذا الموضوع لعاجزة عن هدايتهم ، ولكنّا اعتماداً على المَثل المشهور ( الفضل ما شهدت به الأعداء ) ، وانطلاقاً من مبدأ ( أَلزموهم بما التزم به الخصم ) ، وإتماماً للحجّة على الخصم المخالف من شتى الجهات العقائدية والعملية ، اضطررنا إلى تأليف هذا الكتاب ، والذي يتضمن في ثناياه روايات وأحاديث خلفاء أهل السنة ، تروي لنا اعترافاتهم بأفضلية الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، واختصاصه بالفضائل والمناقب التي امتاز بها

وكلنا أمل في أن يصبح هذا الكتاب باباً مفتوحاً أمام المثقّفين الواعين ، الذين وضعوا عن أنفسهم إصر العصبية الجلفاء والتبعية العمياء لأسلافهم المقتدين بالخلفاء المختلقَين ، ومن ثمَّ يتداركوا مسئوليتهم الحقيقية ، ووظيفتهم المصيرية في المجالات العقائدية والعملية ، ويعلموا أخيراً أنّ عاقبة التعصّب واتخاذ موقف الحياد في العمل بالوظائف الدينية ، لم تكن إلاّ الهزيمة والقهقراء الديني والموت الجاهلي ، ومن بعده الانزلاق في نار جهنم

______________________

( ١ ) القصص : ٥٦.

( ٢ ) نهج البلاغة : الحكمة رقم ٤٥

٩

تحذير من الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) بظهور خلفاء مختلقَين قال تعالى : ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) (١)

تشير هاتان الآيتان إلى ظهور أئمة عديدين ، منهم مَن يقود فئةً يأتون يوم القيامة وصحائف أعمالهم بأيمانهم ، ومنهم مَن يسوق طائفةً من الناس يحشرون يوم الدين عُمياً وضالين ، كما كانوا في حياتهم الدنيوية منحرفين وعَمِين ، ولا ريب أنّ هذه الطائفة يحشرون وكتبهم بشمالهم

وفي قوله تعالى : ( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ ) (٢) حيث يأمر الله عزّ وجل بجهاد ومحاربة قادة الكفر ، الذين لا عهد لهم ولا أيمان

وفي قوله تعالى : ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (٣) . يحذّرنا الله ويبيّن فيها بأنّ الإمامة والخلافة منصب إلهي ومقام ربوبي ، جعله لنبيه إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) ، وحظره على الظالمين المعتدين

وقال عزّ من قائل : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ ) (٤) ترشدنا هذه الآية أيضاً إلى ظهور أئمة وخلفاء جائرين ، يجرّون العباد

______________________

( ١ ) الإسراء : ٧١ - ٧٢.

( ٢ ) التوبة : ١٢.

( ٣ ) البقرة : ١٢٤.

( ٤ ) القصص : ٤١.

١٠

إلى النار ولا ينصرونهم ، وهم في الآخرة مصيرهم إلى جهنم (١) .

هذه آيات تحذّر من ظهور خلفاء مختلقين ، وثمّة أيضاً أحاديث نبوية مروية عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) تنبأ فيها ذلك :

١ - منها قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( إنّه سيكون عليكم أمراء يغشاهم غواشٍ من الناس ، فمَن صدّقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم فأنا بريء منه ، وهو بريء مني ) (٢)

٢ - ومنها قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( إنّه سيكون بعدي أئمة فَسَقة يصلّون الصلاةَ لغير وقتها ) (٣) .

٣ - ومنها قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( إنّ بعدي أئمةً إن أطعتموهم أكفروكم ، وإن عصيتموهم

______________________

( ١ ) وفي بيان الخلفاء الداعين إلى النار ، نذكر ما أشار إليه السيد شرف الدين في كتابه النص والاجتهاد ص ٣٣١ ، ممّا أخرجه البخاري في صحيحه الجزء الرابع ص ٢٥ ، كتاب الجهاد والسير ، باب مسح الغبار عن الناس في السبيل ، وفي الجزء الأوّل ص ١٢٢ ، كتاب الصلاة باب التعاون في بناء المساجد ، وأخرج غيره نحو ثلاثين مصدراً تاريخياً وحديثياً من أهل السنة بإسنادهم عن عثمان بن عفان ومعاوية وابن العاص وآخرون ، يتجاوز عددهم اثنان وعشرون صحابياً ، إنّهم رووا عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنّه قال : ( ويحَ عمّار ، تقتله الفئة الباغية ، عمّار يدعوهم إلى الله تعالى ( إلى الجنة ) ويدعوه إلى النار ) وناهيك من هذا الحديث أنّه عندما استشهد عمّار بسيف البغي وأيدي جلاوزة معاوية أن يكون معاوية مصداقاً بارزاً للدعاة إلى النار ، كما أنّ عمّار خير مصداق لمّن يدعو إلى الجنة وهو من أهلها

( ٢ ) مسند أبي يعلى ٢ : ٤٠٤ ح ١١٨٧ وص ٤٦٥ ح ١٢٨٦، مسند أحمد بن حنبل ٣ : ٢٤ و٩٢ ، وج ٣ : ٤٠٥ ح ١٠٨٠٨ ، وص ٥١٨ ح ١١٤٦٣ ، من الطبعة الحديثة ، مجمع الزوائد ٥ : ٢٤٦ باب فيمَن يصدّق الأمراء بكذبهم ..

( ٣ ) مسند أبي يعلى ٧ : ٢٩٣ ح ٤٣٢٣ ، المعجم الكبير ٣ : ١٦٠ ح ١٦٣٣ ، وج ٩ : ٣٤٥ ح ٩٤٩٥ بسند ثان ، وفيه : يميتون الصلاة ، مجمع الزوائد ١ : ٣٢٥ باب فيمَن يؤخّر الصلاة عن الوقت ، أخرجه عن الطبراني وأبي يعلى ، التاريخ الكبير ٣ : ٢٣٥ ترجمة رقم ٧٩٨ ، وج ٦ : ١٥٣ ترجمة رقم ٢٠٠٣.

١١

قتلوكم ، أئمة الكفر ورؤوس الضلالة ) (١) .

٤ - ومنها قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( سيكون أمراء بعدي يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ) (٢) .

٥ - ومنها قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( أَلا إنّه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون ، فمَن صدّقهم بكذبهم ، ومالاهم على ظلمهم ، فليس مني ولا أنا منه ، ومَن لم يصدّقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم ، فهو مني وأنا منه ) (٣) .

٦ - ومنها قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( اسمعوا ، هل سمعتم ، أنّه سيكون بعدي أمراء ، فمَن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم ، فليس مني ولست منه ، وليس بوارد عليّ الحوض ، ومَن لم يدخل عليهم ولم يصدّقهم بكذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم ، فهو مني وأنا منه ، وسيرد علي الحوض ؟ ) (٤)

٧ - ومنها قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( مَن تقدّم على قوم من المسلمين ، وهو يرى أنّ فيهم مَن هو أفضل منه ، فقد خان الله ورسوله والمسلمين ) (٥)

٨ - ومنها قوله ( صلى الله عليه وآله ) لكعب بن عجرة : ( أعاذك الله يا كعب من إمارة السفهاء )

______________________

( ١ ) مجمع الزوائد ٥ : ٢٣٨ باب في أئمة الظلم والجور وأئمة الضلالة ، مسند أبي يعلى ١٣ : ٤٣٦ ح ٧٤٤٠ م ٢ ، كنز العمال ١١ : ١١٨ ح ٣٠٨٤٩ أخرجه عن الطبراني

( ٢ ) مسند أحمد ١ : ٤٥٦ ، وج ٢ : ٤١ ح ٤٣٥٠ ( الحديثة )

( ٣ ) مسند أحمد ٤ : ٢٦٧ ، وج ٥ : ٣٣٣ ح ١٧٨٨٩ ( الحديثة ) ، المعجم الكبير ٣ : ١٨٦ ح ٣٠١٩ ، وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد باختلاف في لفظه ٥ : ٣٦٢ ترجمة محمد بن صالح أبي جعفر الصائغ رقم ٢٨٨٦ ، مجمع الزوائد ٥ : ٢٤٨ باب فيمَن يصدّق الأمراء بكذبهم ..

( ٤ ) راجع : تاريخ بغداد ٢ : ١٠٧ ترجمة محمد بن بنان الخلال رقم ٥٠٠ ، وج ٥ : ٣٦٢ ترجمة محمد بن صالح أبي جعفر الصائغ رقم ٢٨٨٦، المعجم الكبير ١٩ : ١٥٦ ح ٣٤٥

( ٥ ) التمهيد للباقلاني : ١٩٠

١٢

قال : وما إمارة السفهاء ، يا رسول الله ؟ قال ( صلى الله عليه واله ) : ( أمراء يكونون بعدي ، لا يهدون بهديي ، ولا يستنّون بسُنتي ، فمَن صدّقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم ، فأولئك ليسوا مني ولست منهم ، ولا يردون عليّ حوضي ، ومَن لم يصدّقهم بكذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم ، فأولئك مني وأنا منهم ، ويردون علي حوضي ) (١) .

وملخّص القول : أنّ هذه الآيات والروايات التي قرأتها ، تخبرنا عن ظهور أئمة فَسَقة ، وأمراء كذّابين وحُكّام دجّالين ، يحكمون بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فهم سادة الكفر وقادة الضلالة والانحراف ، وإنّهم خَوَنة خانوا الله ورسوله والمؤمنين ، يسوقون أولياءهم وأتباعهم نحو الكفر ، ويقتلون مخالفيهم على مخالفتهم لهم ، وهم يتخذون الصلاة وأحكام الدين لعباً ، فمَن والاهم على ذلك وصدّقهم وأعانهم في ذلك ، فلا يمتّ إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بشيء ، وإنّه ( صلى الله عليه وآله ) بريء منهم ، وهم في يوم القيامة مزحزَحون عن الحوض

وأمّا الذين يضادّون الخلفاء المزوّرين ، والأمراء المختلقين ، الذين تبرأ منهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكذا الذين يمتنعون عن تأييد هؤلاء ويأبون تصديقهم ، فهؤلاء لا ريب أنّهم يكونون على دين النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وتؤول عاقبتهم إلى الخير ، ويردون حوض الكوثر في يوم الدين ، ولا يخفى عليك أنّ طائفةً كبيرةً من الأمراء ، الذين تصدوا إمارة المسلمين بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، لم يتحلّوا بالمواصفات والمعايير الدينية والعلمية ، التي يجب تواجدها في إمام المسلمين وزعيمهم وخليفتهم ؛ حتى تكون إطاعتهم واتّباعهم واجبةً وضرورة

______________________

( ١ ) المستدرك على الصحيحين ٤ : ٤٢٢ ، كتاب الفتن والملاحم ، باب الترهيب عن إمارة السفهاء، المعجم الكبير ١٩ : ١٥٩ - ١٦٠ ح ٣٥٤ - ٣٥٦ و ٣٥٨ رواه مختصراً

١٣

من ضروريات الدين ، ومن جانب آخر فإنّه لم تنطبق عليهم الأحاديث المروية في صحاح القوم ومسانيدهم ، التي تبيّن وتقصر عدد الأئمة بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) على أنّهم اثنا عشر إماماً (١) ؛ ولذلك ترى أنّ طائفةً كبيرةً من المسلمين أعلنوا برأتهم من أولئك

______________________

( ١ ) حديث الأئمة من قريش وإنّ عددهم كعدّة نقباء بني إسرائيل ، وإنّهم اثنا عشر خليفةً وأميراً ، حديث متواتر رواه عدّة من الصحابة ، وأخرجه الكثير من أرباب الصحاح والسُنن والمسانيد والتواريخ ، خاصةً الصحيحان اللذان هما أصح الكتب عند أهل السُنة بعد القرآن ، وهذا الحديث حيث إنّه ثابت الصدور والصحة لقي من العناية أعلاها ، وأجمع الحفّاظ على تواتره ، واهتم العلماء سُنةً وشيعةً بتخريجه وتحريره ، إلاّ أنّه أصبح معضلةً ومأساةً لعلماء السُنة سلفاً وخلفاً ؛ ولذلك ترى الاضطراب واضح في تفسيرهم للحديث ، وحالة الحيرة والتذبذب بيّنة فيهم ؛ لعدم توفيقهم لبيان المعنى المراد من الحديث ، والأئمة القرشيين الاثني عشر المعنيين في كلام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، حتى أنّ بعض مَن لم يحط علماً بالأخبار والأحاديث نفى صدوره عن النبي ، وتخرّص بأنّ هذا الحديث من موضوعات الشيعة

ولكي تستلهم علماً بالخبر ، وتحط بالحديث فهماً ، نذكر لك المصادر المعتبرة عند القوم ، ومن ثمَّ نشير إلى الاضطرابات التي حصلت عندهم في تفسير هذه الأحاديث ، وتعريفهم للخلفاء المعنيين

١٤

وقبل كل ذلك نشير إلى بعض نصوص هذه الأحاديث : قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( يكون بعدي اثنا عشر أميراً .. كلهم من قريش ) . وقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة ، ويكون عليكم اثنا عشر خليفةً كلهم من قريش ) وقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر أميراً من قريش ، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها ) وغير ذلك من النصوص

وأمّا الذين أخرجوا هذه الأحاديث فكثيرون ، نشير إلى أسماء أهمهم فقط : البخاري في صحيحه ٩ : ١٠١ كتاب الأحكام باب الاستخلاف مسلم في صحيحه ٣ : ١٤٥٢ كتاب الإمارة باب ( ١ ) باب الناس تبع لقريش .. ح ١٨٢١ - ١٨٢٢ وفيه ٨ أحاديث

الترمذي في سننه ٤ : ٤٣٤ باب ( ٤٦ ) ح ٢٢٢٣. أبو داود في سُننه ٤ : ١٠٦ ح ٤٢٧٩ - ٤٢٨٠ أحمد بن حنبل في مسنده ٥ : ٩٠ عن جابر بن سمرة ضمن ٣٣ حديث أبو نعيم في حلية الأولياء ٤ : ٣٣٣

١٥

______________________

( * ) الطيالسي في مسنده : ١٠٥ ح ٧٦٧ السيوطي في تاريخ الخلفاء : ١٠ - ١١. وفحوى هذه النصوص يدل على أنّ هؤلاء الأئمة والخلفاء يأتون على التوالي ، وأنّهم باقون ما بقيت الدنيا ، وببقائهم استقرت الدنيا ولولاهم لماجت بأهلها ولقد حار علماء السُنة ، واضطربت أقوالهم في بيان وتفسير معنى هذه الأحاديث ، التي أخرجها أئمة الحديث والحفّاظ ، حتى أنّك لو سألت أحدهم عن أسماء هؤلاء الاثني عشر المعنيين لرأيت العجاب ، وسمعت الصعاب ؛ لِما تسمع وترى في كلامه ممّا يضحك الثكلى

قال الحافظ أبو العباس القرطبي : وقد اختُلف فيهم على ثلاثة أقوال :

١٦

أحدها : إنّهم خلفاء العدل كالخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز ، ولا بدّ من ظهور مَن يتنزّل منزلتهم في إظهار الحق والعدل حتى يكمل ذلك العدد - ١٢ - وهو أَولى الأقوال

ثانيها : إشارةً إلى مدة ولاية بني أميّة ، وعدّد القائل ملوكهم فقال : أَوّلهم يزيد بن معاوية ، ثمّ أتبعه معاوية بن يزيد ، وقال : ولم يذكر ابن الزبير ؛ لأنّه صحابي ، ولا مروان ؛ لأنّه غاصب لابن الزبير ، ثمّ عبد الملك ، ثمّ الوليد ، ثمّ سليمان ، ثمّ عمر بن عبد العزيز ، ثمّ يزيد بن عبد الملك ، ثمّ هشام بن عبد الملك ، ثمّ الوليد بن يزيد ، ثمّ يزيد بن الوليد ، ثمّ إبراهيم ، ثمّ مروان بن محمد ، فهؤلاء اثنا عشر ، ثمّ خرجت الخلافة منهم إلى بني العباس

ثالثها : إنّ هذا خبر عن اثني عشر خليفةً من قريش ، يجتمعون في زمان واحد في آفاق مختلفة كما وقع ، فقد كان بالأندلس منهم في عصر واحد بعد أربعمِئة وثلاثين ستة كلهم يدّعيها ويلقّب بها ، ومعهم صاحب مصر وخليفة بغداد ، ثمّ قال القرطبي : والأَوّل أَولاها ؛ لبُعده عن الاعتراض ( المفهم لِما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤ : ٨ و ٩ شرح ح ١٣٩٨ )

وقال أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في عون المعبود شرح سُنن أبي داود : وأمّا الخلفاء الاثنا عشر فقد قال جماعة منهم أبو حاتم بن حبان وغيره : إنّ آخرهم عمر بن عبد العزيز ، فذكر الخلفاء الأربعة ، ثمّ معاوية ، ثمّ يزيد ابنه ، ثمّ معاوية بن يزيد ، ثمّ مروان بن الحكم ، ثمّ عبد الملك بن مروان ابنه ، ثمّ الوليد بن عبد الملك ، ثمّ سليمان بن عبد الملك ، ثمّ عمر بن عبد العزيز وقال أيضاً : فالتحقيق في هذه المسالة أن يعتبروا بمعاوية وعبد الملك وبنيه الأربعة ، وعمر بن عبد العزيز والوليد بن يزيد بن عبد الملك بعد الخلفاء الأربعة الراشدين وقال : قد مضى منهم الخلفاء الأربعة ولابدّ من تمام هذا العدد قبل الساعة ( عون

١٧

المعبود ١١ : ٣٦٢ - ٣٦٦ ، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٥ : ٣٦ ح ٦٦٥٧ )

وقال مفسّر القوم ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى : ( وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) ( المائدة : ١٢ ) بعد إيراد حديث جابر بن سمرة من رواية الشيخين .. : ومعنى الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفةً صالحاً ، يقيم الحق ويعدل فيهم ، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم ، بل قد وُجد منهم أربعة على نسق واحد ، وهم الخلفاء الأربعة ، أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند بعض الأئمة ، وبعض بني العباس ، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة ، والظاهر أنّ منهم المهدي المبشّر به في الأحاديث الواردة بذكره

ثمّ قال : وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر ، الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض ؛ لجهلهم وقلة عقلهم ( تفسير ابن كثير ٢ : ٣٤ ).

وقال السيوطي : فقد وُجد من الاثني عشر خليفةً ، الخلفاء الأربعة ، والحسن ومعاوية ، وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز ، ويُحتمل أن يضم إليهم المهتدي من العباسيين ؛ لأنّه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أميّة ، وكذلك الظاهر لِما أُوتي من العدل ، وبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهدي ؛ لأنّه من آل بيت محمد ( صلى الله عليه وآله ) ( تاريخ الخلفاء : ١٢ )

أقول : أين الثاني عشر يا جلال الدين ، لابدّ أنّك لو كنت حياً في القرن الثاني عشر ، لعيّنت الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنّه المنتظر الثاني عشر حتى يتم العدد

وهناك علماء وحفّاظ قاموا بتوجيه هذه الأحاديث وتبريرها ، وحاولوا تفسير وتطبيق الأحاديث لمعتقداتهم ، وليس العكس كما هو الصحيح والمفروض ، في الأخذ بما يوافق القرآن والسنة الصحيحة وترك ما خالفهما ، وهذا ابن حجر تذرّع إلى أصل اجتماع الأمّة ، واختلق حسب ذاك الأصل أئمةً ، وجعلهم خلفاء النبي ( صلى الله عليه وآله) فقال : المراد بالاجتماع انقياد بيعته ، والذي وقع أنّ الناس اجتمعوا على أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ علي ، إلى أن وقع أمر الحكمينِ في صفين ، فسمّى معاوية يومئذ بالخلافة ، ثمّ اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ( عليه السلام ) ، ثمّ اجتمعوا على وَلده يزيد ، ولم ينتظم للحسين أمر ، بل لقبل ذلك ، ثمّ لمّا مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير ، ثمّ اجتمعوا على أولاده الأربعة : الوليد ، ثمّ سليمان ، ثمّ يزيد ، ثمّ هشام ، وتخلّل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين ، والثاني عشر الوليد بن يزيد عبد الملك

١٨

______________________

وقال في موضع آخر : فالأَولى أن يُحمل قوله : يكون بعدي اثنا عشر خليفةً على حقيقة البعدية ، فإنّ جميع مَن ولي الخلافة من الصدّيق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفساً ، منهم اثنان لا تصح ولايتهما ولم تطل مدتهما ، وهما : معاوية بن يزيد ، ومروان بن الحكم ، والباقون اثنا عشر نفساً على الولاء ( فتح الباري ١٣ : ١٨٢ وص ١٣ )

أقول : لو تأمل الإنسان المنصف البصير إلى أقوال علماء السُنة في تفسير هذا الحديث ، وتحديد المعنيين الاثني عشر المشار إليهم في الحديث ، سواء الأقوال التي تطرّقنا إليها ، أَم التي لم نشر إليها ، لعرف الحيرة والاضطراب ، وكذا التغريب والتشريق والتزلزل عندهم ، بحيث إنّهم لم يتحدوا ولم يتفقوا على رأي واحد ، ولا يخفى ما في هذه الأقوال من الضعف والإيراد ، وإنّ التطرّق إلى كل ذلك يخرجنا عن الإيجاز المطلوب ؛ ولذلك ندعو القارئ اللبيب إلى مراجعة ما كُتب في هذا الموضوع ، ولكن أهم تلك النقاط المأخوذة على علماء الجمهور :

١ - إنّنا لو جمعنا بين الأقوال المذكورة التي ذُكرت فيها أسماء الخلفاء لرأيناها تزيد عن الاثني عشر

٢ - تلاحظ أنّ بعض علماء السُنة يختلق خلفاء حسب هواه ورأيه ، فينفي صحة خلافة أحدهم والآخرون يثبتونها ، كما مرّ عليك في أمر خليفتهم مروان بن الحكم حيث عدّه بعضهم من الخلفاء ، ونفاه البعض ؛ لكونه غاصباً ، فلو كان هكذا فأمر الخلفاء الذين جاءوا بعده واضح

٣ - قيّد بعضهم شرط العدالة في الخليفة ، فلو راجع القرّاء تاريخ حياة الخلفاء المذكورين ، لعُرف أنّ أكثر هؤلاء الخلفاء يخرجون عن دائرة العدالة والخلافة ، حتى لم يبقَ منهم إلا القليل الواحد أو الاثنين

٤ - وآخر ما نورده من ملاحظاتنا أنّ التفسير الواقعي والمعنى الصحيح لحديث الأئمة الاثني عشر ، هو معتقد الشيعة التي تذهب إلى إمامة اثني عشر خليفةً كلهم من قريش ، ومن بطن هاشم ، ومن العترة الطاهرة ، من آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، كما أشار إلى ذلك ابن كثير ثمّ اتهم الشيعة كعادته بالجهل فقال : وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر ، الأئمة الذين يعتقدون فيهم الاثنا عشرية من الروافض ؛ لجهلهم وقلة عقلهم ( تفسير ابن كثير ٢ : ٣٤ )

وهذه الأحاديث لمّا كانت إحدى أدلة أحقية الشيعة لإثبات صحة مذهبهم ، استشكل بعض علماء السُنة في الحديث كالشيخ ولي الله المحدّث في كتابه قوة العينين في تفضيل الشيخين حيث قال : وقد استُشكل في حديث ( لا يزال ) ووجه الإشكال ، إنّ هذا الحديث ناظر إلى مذهب الاثني عشرية الذين اثبتوا اثني عشر إماماً ( عون المعبود ١١ : ٣٦٤ )

١٩

______________________

وقال أبو الطيب شمس الحق : قلت : زعمت الشيعة خصوصاً الإمامية منهم أنّ الإمام الحق بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علي ، ثمّ ابنه الحسن ، ثمّ أخوه الحسين ، ثمّ ابنه علي زين العابدين ، ثمّ ابنه محمد الباقر ، ثمّ ابنه جعفر الصادق ، ثمّ ابنه موسى الكاظم ، ثمّ ابنه علي الرضا ، ثمّ ابنه محمد التقي ، ثمّ ابنه علي النقي ، ثمّ ابنه الحسن العسكري ، ثمّ ابنه محمد القائم ( عليه السلام ) ( عون المعبود ١١ : ٢٦٧ )

وبقي أن ألفت أنظار القرّاء الكرام ، أنّ دأب ابن كثير وأشباهه من المتعصبين والمتطرفين ، هو الافتراء والاتهام وإلصاق الأكاذيب على مخالفيهم ، خاصةً الشيعة الإمامية الاثني عشرية

والجدير بالذكر أنّ الشيعة يعتقدون بإمامة اثني عشر إماماً وخليفةً للنبي ( صلى الله عليه وآله ) كلهم من قريش ، ومن البيت الهاشمي ، ومن عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وتظهر أحقية هذا المعتقد لو جمعنا هذا الحديث إلى أحاديث أخرى ، مثل حديث الثقلين والكساء ، وآية التطهير والمباهلة ، وغيرها من النصوص الدالة ، على إمامة أهل البيت ( عليهم السلام )

روى الحافظ القندوزي عن جابر بن سمرة قال : كنت مع أبي عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) فسمعته يقول : ( بعدي اثنا عشر خليفةً ، ثمّ أخفى صوته فقلت لأبي : ما الذي أخفى صوته ؟ قال : قال : كلهم من بني هاشم ) ( ينابيع المودة : ٤٤٥ )

ويؤيّد هذا الحديث قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : ( إنّ الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم ) ( نهج البلاغة : خطبة ١٤٤ صبحي الصالح )

وإنّي لأعجب من بعض الرواة والحفّاظ الراوين لهذه الأخبار ، لمّا شاهدوا فيها ما يخالف هواهم ويباين مسلكهم حرّفوها أو تغافلوها ؛ ولذلك تراهم يقولون : خفي عليّ ، أو نسيت ، أو لم أفهم ، أو أخفى صوته ، أو عبارات أخرى ممّا تدل على تعتيم الحقائق وتحريف الوقائع

والدليل الآخر على اختصاص هذا الحديث بأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) دون غيرهم ، هو أنّ بعض الأحاديث يشير أنّ الخلافة ممتدة إلى قيام الساعة ، فإذا راجعنا حديث الثقلين الذي يومئ إلى عدم افتراق الكتاب والعترة إلى قيام يوم الدين ، وإنّهما الوديعتان اللتان جعلهما النبي ( صلى الله عليه وآله ) في أمّته ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( إنّي تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ) ومن جهة أخرى ، فلو سلّمنا بأنّ أحاديث العامة التي تروي بأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أكّد على اتّباع

٢٠