كتاب الثقلين الاسلام وشبهات المستشرقين

كتاب الثقلين الاسلام وشبهات المستشرقين0%

كتاب الثقلين الاسلام وشبهات المستشرقين مؤلف:
تصنيف: مناظرات وردود
الصفحات: 376

كتاب الثقلين الاسلام وشبهات المستشرقين

مؤلف: الشيخ فؤاد كاظم المقدادي
تصنيف:

الصفحات: 376
المشاهدات: 65957
تحميل: 3873

توضيحات:

كتاب الثقلين الاسلام وشبهات المستشرقين
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 376 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 65957 / تحميل: 3873
الحجم الحجم الحجم
كتاب الثقلين الاسلام وشبهات المستشرقين

كتاب الثقلين الاسلام وشبهات المستشرقين

مؤلف:
العربية

كتاب الثّقلين

الإسلام و شُبهات المستشرقين

الشيخ فؤاد كاظم المقدادي

١

٢

كتاب الثّقلين

الإسلام و شُبهات المستشرقين

الشيخ فؤاد كاظم المقدادي

المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)

سلسلة كُتب دوريّة تصدر عن مجلّة رسالة الثقلين

٣

٤

كَلِمَةُ المَجَلَّةِ

ابتُلي الحقّ على امتداد مسيرة البشريّة بالجهل، ولأنّ مِن طبيعة الإنسان أنْ يكون عدوّاً لما جهل، فإنّ الحقّ بدوره عانى من جهل الجاهلين ومواقفهم المتزمّتة الشيء الكثير، ولكنّ الحقّ هو المنتصر على طول الخطّ؛ لأنّ الله هو الغالب، وليس نصيب الجهل والتزمّت إلاّ الاندحار والخذلان.

والإسلام العظيم رسالةُ خاتم الأنبياء محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الأرض، وهو الحقّ الذي ليس وراءه حقّ، وكيف لا يكون كذلك وهو هديّة الحقّ المتعال إلى عباده؟ إنّه وحي السماء الذي رسمه القرآن الكريم بكلماتٍ من نور، ليكون هدىً لا ريب فيه للعالمين، ومنقذاً لهم من الضلال والظلمات إلى الصراط الجليّ المستقيم.

لقد عانت الأديان الإلهيّة جمعاء، منذ بزوغ شمسها على هذه الأرض ومنذ أنْ صدع الرسُل والأنبياء بها، عانت العداء السافر، والمواجهات الساخنة التي كان الجَهَلة يواجهون بها رُسُل الله تعالى وأنبياءه ورسالاتهم الحقّة، إذ لم يقف هؤلاء عند حدّ رفضهم لما يُحييهم، بل تجاوز الأمر ذلك إلى الحرب الشرسة بالكلمةِ واليد، ولم يسلم نبيّ قطّ من مثل هذه المواقف، ولم تنجُ رسالة من مثل هذا العداء.

وكان الإسلام المحمّديّ الأصيل هدفاً لسهام الأعداء وغرضاً لنهجهم العدائي، لا لشيءٍ إلاّ لأنّ الإسلام هو الخطر الحقيقي الذي يهدد أفكارهم ومناهجهم، ويقف حائلاً منيعاً دون تحقّق رَغَبَاتهم الشرّيرة وأطماعهم الخبيثة في

٥

نشر الانحراف والزيغ، وتمكين الطواغيت مِن التحكّم والسيطرة اللاشرعيّة على خيرات البلاد ومقدّرات العباد.

وكانت الأساليب التي يستخدمها أعداء الإسلام متعدّدة ووسائلهم مختلفة، وكلّها تصبّ - رغم اختلافهم فيما بينهم - في هدفٍ واحد هو القضاء على الإسلام ورسالته الخالدة، فكانت الحرب النفسيّة والاقتصاديّة والفكريّة والثقافيّة والعسكريّة في نهاية المطاف، عندما تكون الظروف مواتية للأعداء لشنّ حربهم على الإسلام والمسلمين، كما هو الحال في الحروب الصليبيّة الممتدّة منذ مئات السنين، والتي لم يخمد أوارها ولم تهدأ فورتها منذ اشتعالها.

وقد كانت تلك الحروب على ثلاثة خطوط:

١ - الخطّ العسكري في المواجهة، متمثّلاً بالهجوم على البلاد الإسلاميّة واحتلال أراضيها وقتل أبنائها وتشريد رجالها، وغيرها من الأساليب ووسائل المواجهة العسكريّة.

٢ - الخطّ الاقتصادي، متمثّلاً بنهب خيرات البلدان الإسلاميّة وفرض الحصار عليها.

٣ - الخطّ الثقافي الفكري، متمثّلاً بالغزو الثقافي المقيت وما يمهّد له من خطط جهنميّة، هي تشويه المفاهيم الإسلاميّة والدسّ والتشكيك في مصداقيّتها ونهجها القويم.

وهذا الخطّ هو الذي عمِل عليه أكثر المستشرقين، وعبّأوا كلّ طاقاتهم وسخّروا كلّ إمكانيّاتهم من أجل إحكام خططه وتنفيذ فقراته، إذ إنّ هدف هؤلاء المستشرقين هو المسلم الأصيل، وقبله المسلم العادي، فإنّ بذر الشكّ في نفسه وزعزعة إيمانه بالمبادئ الحقّة التي يعتنقها، هو خير سبيل لحرفه وإبعاده عن دينه ثم السيطرة عليه نهائيّاً وتحويله من عدوٍّ للكفر والفساد إلى عدوٍّ للإسلام والرشاد.

٦

إنّ هؤلاء المستشرقين ببحوثهم ودراساتهم الاستشراقيّة حول الإسلام والمسلمين مهّدوا الطريق لزرع بذور الشكّ من خلال دسّهم وتشويههم للمبادئ الإسلاميّة، وحقّقوا في نفوس بعض المسلمين قابليّة الاستعمار، فأصبح البعض من المسلمين يدعون إلى الانحراف والتبعيّة للغرب، ويحاربون الإسلام وعقيدته جهلاً منهم وضلالاً.

لقد تقنّع هؤلاء المستشرقون بقناع البحث العلمي لإضفاء الصبغة العلميّة على بحوثهم، حتّى يتمكنّوا مِن خلالها من خداع وتضليل الجَهَلة وضِعَاف النفوس الذين لم يدخل الإيمان قلوبَهم، ولم تكن لهم القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب والغثّ والسمين.

والكتاب الذي بين يديّ القارئ الكريم يُسلّط الأضواء على واقع المستشرقين، وطبيعة بحوثهم ودراساتهم وأهدافهم، ومدى تأثيرهم في مسيرة الأحداث، ويفتح أعيُن المسلمين على هذا الموضوع الحسّاس والخطير، حتّى يكون المسلم على بصيرةٍ من أمره واعياً لما يحيكه أعداء الإسلام من مؤامرات، محصّناً بالفكر والحجّة والدليل لردّ جميع الشبهات التي يثيرها هؤلاء المستشرقون ضدّ إسلامه الحنيف وعقيدته الخالدة.

ويمتاز هذا الكتاب بأُسلوبه السلس ومنهجيّته العلميّة التي استندت في مناقشتها وطرحها إلى المصادر الموثوقة، وقد بذل الكاتبسماحة الشيخ المقدادي الجهد الكثير من أجل التعرّف على الأساليب والأهداف والنتائج التي وصل إليها المستشرقون، وناقش الشبهات بروح علميّة موضوعيّة بعيدة عن التعنّت والتعصّب.

وسيدرك القارئ الكريم عند متابعته لبحوث الكتاب هذه الحقيقة ويعرف مدى الجهد الذي بذله الكاتب المحقّق في هذا السبيل من أجل الدفاع عن كيان

٧

الإسلام وحومة المسلمين، وقد حدّد وبيّن بصورة خاصّة الكثير من الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام، وخاصّةً المستشرقون منهم وردّها رداً علميّاً منطقيّاً لا يدع مجالاً للتردّد في الاقتناع به وقبوله.

نتمنّى أنْ تكون هذه الدارسة القيّمة محلّ اهتمام المسلمين، لكي يتعرّفوا على الملابسات والظروف العصيبة التي مرّ ويمرّ بها الإسلام خصوصاً في هذه الفترة العصيبة، حيث يجتمع كلّ الأعداء شرقاً وغرباً للفتك بالإسلام والمسلمين( ...وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ.. ) .

صدق الله العليّ العظيم.

هيئة التحرير

مجلّة رسالة الثقلين

٨

مُقدَّمَةٌ

للعلاّمة الشيخ محمّد عليّ التّسخيرى

الأمين العامّ للمجمع العالميّ لأهل البيت (عليه السلام)

لقد كانت فكرة إصدار سلسلة (كتاب الثقلين) فكرة جيدة... يقف القارئ الكريم فيها على كلّ الفكرة التي جاءت متفرّقةً وفي أعدادٍ متعدّدة، ممّا يعطيه صورةً كاملة عن الموضوع... وما انتشر منها لحدِّ الآن يوضّح الفوائد الجمّة من تحقيق هذه الفكرة.

وموضوع هذا الكتاب من أهمّ المواضيع التي شغلت بال المخلصين والمفكّرين من أبناء هذه الأُمّة لعقود طويلة.. إلا وهو موضوع (المستشرقين)، فرغم وجود بعض العناصر المخلصة أو المحايدة فيهم، فإنّ الغالبيّة العظمى منهم جاءت لتدرس الإسلام مِن خلال موقف نفسي مسبق مِلؤه الحقد والسعي للتشويه - بل والتمهيد - لتحقيق هزيمة نفسيّة للمسلمين تسبق الحملة العسكريّة المنظمة، التي كان يخطّط لها أُولئك الذين دفعوا هؤلاء لمثل هذه الأساليب.

وقد حاول هؤلاء تشويه التاريخ الإسلامي والتشكيك في كلّ المقدّسات الإسلاميّة، وإثارة الشُبهات حول النسب السماوي للقرآن الكريم، والسلوك الطاهر لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته الطاهرين وصحابته المنتجبين، منتحلين الكثير من القصص ومستغلّين الكثير من الفجوات الموجودة - مع الأسف - في تواريخنا

٩

ومرويّاتنا لتحقيق هدفهم المشؤوم، مما دفع الكاتب الكريمالأُستاذ المقدادي لعرض هذه الشبهات والتنبيه على مكامن الخطر فيها، متتبّعاً نشأة الاستشراق وعوامله ومستعرضاً بعض مدارسه المشهورة ومُركّزاً على ما دسّوه في الإنتاج الموسوعي، ودوائر المعارف الشهيرة، ومبيّناً جوانب الخلْط والخطأ الفادح فيها، فإلى مطالعة هذا الكتاب الجيد ندعو القرّاء الأعزّة راجين للأُستاذ الفاضل الكاتب كلّ موفقيّة وسداد في عمله المبارك.

محمّد عليّ التسخيري

١٠

المدخل

أهلُ الكتابِ وَالثَّقلينِ

١١

١٢

منذ بزوغ فجر الإسلام، وصدوع الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالدعوة الجديدة، تنادت قُوى الكفر والشرك والضلال، وأجمعتَ أمرها على التصدّي لها بكلّ ما تملك من وسائل، وحاولت جاهدةً القضاء عليها في مهدها مستهدفةً ثقليها الكريمين: القرآن المجيد والرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام).

وكان لأهل الكتاب، ممّن نكثوا العهد ونقضوا المواثيق المأخوذة عليهم من قِبَلِ أنبيائهم بالالتحام مع الرسالة المحمّديّة، الدور الأكبر والجهد الفاعل في التصدّي والتآمر على شخص الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعلى الرسالة التي جاء بها.

ولعلّ ما يؤكّد ذلك هو أنّ من أكثر ما تناوله القرآن الكريم ونزلت به آياتٌ كريمة بهذا الصدد يتعلّق بأهل الكتاب، من بيانٍ لطبيعة سلوكهم وموقفهم من الثقلين، وإرشاد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى ما يجب أنْ يتّخذه من موقف رسالي تجاههم.

فقد بلغت الآيات القرآنيّة الكريمة النازلة بهم (٢٦٧ آية تقريباً)، وهذا يدلّ دلالةً واضحةً على أهميّة دورهم، وخطرهم على حركة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تثبيت دعائم الرسالة الإسلاميّة، وضمان مستقبلها على صعيد حفظها من التحريف والتزوير، وتبليغها لكافّة الناس، وامتداد لوائها إلى أقصى أمصار الأرض.

ومِن الواضح أنّ الآيات الكريمة في هذا المجال تنقسم إلى قسمين رئيسيّين، وقد يتداخل القسمان في الآية الواحدة وقد ينفصلان، وقد تتداخل مفردتان تفصيليّتان فيها أو أكثر وقد تستقلّ بواحدة.

ونستعرض كلاً منهما كالآتي:

١٣

القسم الأوّل

الآيات الناظرة إلى موقف أهل الكتاب من الثقلين، ويُمكن عرضها على شكل عناوين تفصيليّة تُظهر لنا أبرز مواقفهم تلك:

١ - كتمان الحقّ وتحريفه:

وهُم يعلمون... ففي الآيات المبيّنة التالية نرى أنّ كلّ آيةٍ منها تجري مع الخطّ الأساسي العريض في مجموعها، وهو خطّ المواجهة بين أهل الكتاب والثقلين وبها يتجلّى ما بذله هؤلاء الأعداء من جهدٍ وحيلةٍ، ومن مكيدةٍ وخداع، ومن كِذْب ولبسٍ للحقّ بالباطل، وبثّ الريب والشكوك وتبييت الشرّ والضرّ لهما بلا توقّف ولا انقطاع، كما في قوله تعالى:( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (١) .

وقوله تعالى:( مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ... ) (٢) .

وقوله تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) (٣) .

وقوله تعالى:( أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٤) .

ومِن المثير في موقفهم هذا أنّهم كانوا ينتظرون بزوغ فجر الدين الجديد، وكانوا يبشّرون به ويفتخرون على غيرهم مِن الأُمم والأديان بأنّ النبيّ المتوقّع

____________________

(١) آل عمران: ٧١.

(٢) النساء: ٤٦.

(٣) آل عمران: ١٨٧.

(٤) البقرة: ٧٥.

١٤

سيكون منهم، ولكنْ ما إنْ جاءهم حتّى كفروا به.

قال تعالى:( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (١) .

ثم إنّهم كانوا يعرفون النبيّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) باسمه وبمشخّصاته، ولكنْ بعد أنْ بعثه الله سبحانه لم يؤمنوا به، كما جاء ذلك في قوله تعالى:( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (٢) .

وقوله تعالى:( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٣) .

٢ - نقض العهود والمواثيق:

وهُم لا يتّقون... رغم كلّ ما أخذه عليهم أنبياؤهم مِن مواثيق وعهود بضرورة الإيمان بالرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المبشَّر به في كتبهم وبما يأتي به من كتاب الله.

ومن صريح الآيات في ذلك قوله تعالى:( الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ) (٤) .

وقوله تعالى:( أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (٥) .

وقوله تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا

____________________

(١) البقرة: ٨٩.

(٢) الأنعام: ٢٠.

(٣) البقرة: ١٤٦.

(٤) الأنفال: ٥٦.

(٥) البقرة: ١٠٠.

١٥

تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) (١) .

٣ - النفاق والتضليل:

وما يضلّون إلاّ أنفسهم وما يشعرون... قال تعالى:( وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) (٢) .

وقال أيضاً:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٣) .

وقوله تعالى:( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ ) (٤) .

وقوله تعالى:( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (٥) .

وبهذا الأُسلوب حاول بعضهم جاهدين التوغّل في صفوف المسلمين، عن طريق مؤامرةٍ خسيسةٍ كشفها الله سبحانه وتعالى، وأوضح خطّتها الرامية لزعزعة الإيمان وإخراج المسلمين من عقيدتهم وهي تقوم على أساس التظاهر

____________________

(١) آل عمران: ١٨٧.

(٢) آل عمران: ٦٩.

(٣) المائدة: ٤١.

(٤) البقرة: ٨٨.

(٥) البقرة: ٤٤.

١٦

بالإيمان بالرسالة ثُمّ الانسحاب منها بحجّة التوصّل إلى قناعةٍ تامّة ببطلانها وبطلان دعوى النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنبوّة، قال تعالى:( وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (١) .

وعلى نفس النهج يكشف الله تعالى مؤامراتهم الواحدة تلو الأُخرى كالتي يشير إليها قوله تعالى:( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٢) .

٤ - الحسد والتعصّب:

كأنّهم لا يعلمون... فقد استولت على فريق من أهل الكتاب هذه الحالة الطاغية من الحسد والحقد والتعصب عندما حصحص الحق وبان لهم حدّه، فراحوا يكيدون للثقلين ما وسعتهم المكائد واحتوته نفوسهم المريضة من خداع وتزييف.. ومن الآيات المحكمات التي تسوق لنا هذه الحقيقة هي قوله تعالى:( وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (٣) .

وقوله تعالى:( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ... ) (٤) .

____________________

(١) آل عمران: ٧٢.

(٢) آل عمران: ٧٨.

(٣) البقرة: ١٠١.

(٤) البقرة: ١٠٩.

١٧

وقوله تعالى:( مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (١) .

وقوله تعالى:( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (٢) .

وقوله تعالى:( وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (٣) .

وقوله تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ) (٤) .

٥ - التعالي والاستهزاء:

لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون... وهذا أُسلوبٌ آخر تميّز به المُكابرون مِن أهل الكتاب، فهو لغةُ مَن أعيَته السُبل فراح يتخبّط في وهمٍ أغمض فيه عينيه عن الحقائق، هارباً من الحقّ إلى الباطل، تارةً بمسلك العتوّ والاستعلاء وأُخرى بمنطق السُخرِيَة والاستهزاء كما تشير إليه آياتٌ كريمة، منها قوله تعالى في الذين هادوا:( ... وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ

____________________

(١) البقرة: ١٠٥.

(٢) البقرة: ٨٩.

(٣) البقرة: ١٣٥.

(٤) النساء: ٥١.

١٨

لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً ) (١) .

وقوله تعالى:( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٢) .

وقوله تعالى:( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) (٣) .

٦ - الحقد والعدوان:

لبئس ما كانوا يعملون..... مِن صدٍّ عن سبيل الله ومسارعتهم في الإثم والعدوان، بعد أنْ رأوا دين الله يعلو وينتشر وأمرُ نبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يذيع بين القبائل والأُمم... فأعدّوا العدّة للحرب والعدوان... بِدءاً بمعركةِ النصارى مع المسلمين في مُؤتة، التي استشهد فيها جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة، فمعركة اليرموك وما بعدها...

ومنه ما كان مِن اليهود الذين عُرِفوا بالخيانة ونقض العهود، كالذي حدَث في معركة الأحزاب عندما نقضوا العهد مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتحالفوا مع المشركين ضدّه... وكذا واقعة خيبر التي كانت كانت فيها هزيمتهم الماحقة على يد الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد عرَضت آياتٌ من القرآن الكريم هذهِ النزعة فيهم... ويظهر هذا الموقف مِن خلال جملةٍ من آيات القرآن كما في قوله تعالى:( وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا

____________________

(١) النساء: ٤٦.

(٢) آل عمران: ٧٥.

(٣) المائدة: ١٨.

١٩

كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (١) .

وقوله تعالى:( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ) (٢) .

وقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ... ) (٣) .

وقوله تعالى:( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ) (٤) .

القسم الثاني

الآيات المرشدة للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمسدّدة له في اتّخاذ الموقف الإلهي مِن سلوك ومواقف أهل الكتاب. ولعلّ أبرز عناوينها التي تحدّد تلك المواقف الإلهيّة هي:

١ - دعوة أهل الكتاب وترغيبهم فيه:

قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين..... ففي الآيات التالية حكايةٌ وبيانٌ بليغ لذلك.

قال تعالى:( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ) (٥) .

وقال تعالى:( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ

____________________

(١) المائدة: ٦٢.

(٢) المائدة: ٥٩.

(٣) التوبة: ٣٤.

(٤) النساء: ١٦٠.

(٥) المائدة: ١٥.

٢٠