المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ0%

المجتمع والتاريخ مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: كتب
الصفحات: 433

المجتمع والتاريخ

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الشيخ مرتضى المطهري
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: الصفحات: 433
المشاهدات: 24157
تحميل: 13816

توضيحات:

المجتمع والتاريخ
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 433 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 24157 / تحميل: 13816
الحجم الحجم الحجم
المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ

مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

المنبعثة من ذات المجتمع واستفاد من القرن القصير، من القوّة والسياسة والتنظيم الحزبي والشعور السياسي.

٣ - نقض التطابق الضروري بين الأساس والبناء العلوي:

بناءاً على نظرية المادية التاريخية لا بد في المجتمع دائماً من وجود تطابق بين الأساس والبناء العلوي، بحيث يمكن معرفة الأساس بمعرفة البناء ( على صورة البرهان الآني - اصطلاحاً - وهي معرفة نصف كاملة )، ويمكن معرفة البناء بمعرفة الأساس ( على صورة البرهان اللمّي - اصطلاحاً - وهي معرفة كاملة ) وإذا تغيّر الأساس، وانتقض التطابق بينه وبين البناء ينتفي التعادل الاجتماعي بالضرورة وتبدأ المشكلة، وينهدم البناء بالضرورة عاجلاً أو آجلاً وما دام الأساس باقياً على حاله فالبناء العلوي أيضاً ثابت وباقٍ بالضرورة.

هذا ولكن الأحداث التاريخية المعاصرة أثبتت خلاف ذلك، إلاّ أنّ ماركس وإنجلز عاشا سلسلة من المشاكل الاقتصادية من سنة ١٨٢٧، حتى سنة ١٨٤٧ وتعقبها ثورات سياسية واجتماعية، فزعما أنّ الثورات الاجتماعية نتائج ضرورية للمشاكل الاقتصادية.

ولكن كما قال مؤلّف كتاب ( تجديد نظر طلبي ): ( انظر إلى تلاعب التاريخ، إذ لم نجد منذ عام ١٨٤٨ حتى الآن في البلدان الصناعية مشكلة اقتصادية تتعقبها ثورة وحتى في عصر ماركس وقبل موته حدث طغيان القوى المنتجة على علاقات الإنتاج أربع مرات، ولم تحدث منها أي ثورة وجاء بعد ذلك بعض علماء الاقتصاد ك- ( ج شومبتر ) فبالغوا في حسن الظن بالمشاكل الصناعية، فسمّوها

١٤١

( التهدمات الخلاّقة )، واعتبروها نوافذ توجب الاطمئنان بعودة التعادل والنمو الاقتصادي ).

وقد تقدمت الدول الكبرى، كبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية تقدّماً صناعياً عظيماً، ووصلت فيها الرأسمالية إلى قمّة المرحلة، وخلافاً لتوقّعات ماركس الذي اعتبر هذه الدول في مقدمة الدول التي تحقق ثورات عمالية، وتؤسّس دولاً اشتراكية، لم يتغير نظامها السياسي والحقوقي والديني، وكل ما يعتبر من أجزاء البناء العلوي فالطفل الذي انتظر ماركس ولادته مضت عليه الأشهر التسع ولم يولد، بل مضت عليه تسع سنين، بل بلغ تسعين سنة ولم يولد، ولا ترجى ولادته.

ولا شك أنّ هذه الأنظمة ستسقط آجلا أو عاجلاً، إلاّ أنّ الثورة التي تتوقع في هذه البلدان ليست ثورة عمّالية قطعاً ولن تتحقق فيها الفرضية الماركسية للتاريخ كما أنّ الدول المسمّاة اشتراكية، والأنظمة الحاكمة عليها ستسقط أيضاً، ولا تبقى على هذه الحال ولكن النظام المستقبل لن يكون رأسمالياً.

وفي قبال هذه الحقيقة وصلت الاشتراكية إلى بعض البلدان في أوروبا الشرقية وآسيا وأمريكا الجنوبية، مع أنّها لم تكن قد وصلت حدّ المخاض ونجد اليوم دولاً متشابه من حيث العامل الأساس، ولكنّها مختلفة من حيث البناء العلوي وأحسن مثال له الدولتان الكبريان الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كما أنّ الولايات المتحدة واليابان متوافقتان من حيث النظام الاقتصادي، وهو الرأسمالية، ولكنّهما تختلفان في النظام السياسي والدين والأخلاق والتقاليد والفن وهناك

١٤٢

بلدان متشابه ومتوافقة من حيث النظام السياسي والديني وغيرهما، مع اختلاف كبير في الوضع الاقتصادي كلّّ ذلك شواهد على أن التطابق الضروري بين الأساس والبناء العلوي، كما تقوله المادية التاريخية توّهم محض.

٤ - عدم التطابق بين الموقع الطبقي والموقع الإيديولوجي:

بناءاً على المادية التاريخية - كما بيّنا سابقاً - لا يمكن للبناء العلوي أن يتقدم على الأساس أبداً في أي مرحلة من مراحل التاريخ إذن فالمعلومات في كل مرحلة وكل عصر وزمان ترتبط بذلك الزمان بالضرورة، وبعد انقضائه تصبح قديمة ومنسوخة وتودع محفظة التاريخ فالمعلومات والفلسفات والأُطروحات والتنبؤات والأديان كلها مواليد قهرية للمقتضيات الخاصة بعصر ظهورها، ولا يمكنها أن تتطابق مع مقتضيات عصر آخر.

ولكنّ الثابت في مرحلة العمل الخارجي خلاف ذلك فكثير من الفلسفات والشخصيات والأفكار والمعلومات فضلاً عن الأديان قد تتحقق متقدمة على عصرها وزمانها وطبقتها وكم من فكرة بقيت تلمع في سماء التاريخ، مع أنّ المقتضيات المادية لعصر حدوثها قد انعدمت تماماً.

ومن العجيب أنّ ماركس فارق الماركسية في هذا الموضع أيضاً في بعض كلماته، فقد قال في كتابه المعروف ( الإيديولوجية الألمانية ): ( قد نرى في بعض الأحيان أنّ المعلومات تسبق العلاقات التجريبيّة المعاصرة، بحيث يمكن الاستناد والاعتماد على فرضيات العلماء

١٤٣

السابقين كحجّةٍ في نضال العصر المتأخّر عنهم )(١) .

٥ - استقلال التطوّر الثقافي:

تقول المادية التاريخية: إنّ الثقافة والعلم في المجتمع كسائر عوامله من السياسة والقضاء والدين متعلق بالعامل الاقتصادي، ولا يمكن له أن يتطور مستقلاً عن العامل الاقتصادي , فالعلم إنّما يتطور بعد تطور وسائل الإنتاج والعامل الاقتصادي.

ومن المعلوم - أولاً - أنّ وسائل الإنتاج من دون تأثير العامل البشري لا تتطور بنفسها فهي إنّما تتكامل تبعاً لعلاقات الإنسان مع الطبيعة وضمن أبحاثه وتجاربه فتطور وسائل الإنتاج وتكاملها مع التكامل الفني والعلمي للإنسان توأمان ولكن ما هو السابق منهما ؟ هل الإنسان يحصل على اكتشاف أوّلاً ثم يجري تجاربه وصناعته، أم أنّه يجرّب في عالم الصناعة ثم يحصل على اكتشاف ؟ لا شك أنّ الثاني هو الصحيح فمن البديهي أنّ كشف القوانين العلمية والأُصول التكنولوجية إنّما يتم ضمن فحوص الإنسان وتجاربه وإذا لم يرتبط الإنسان بالطبيعة ولم يفحص ولم يجرب لم يحصل على كشف أي قانون علمي من قوانين الطبيعة أو تأسيس أي أصل فني وهذا لا كلام فيه.

إنّما البحث في أنّه بعد الفحص والتجربة هل يبدأ الإنسان بالتكامل العلمي في ذاته، ثم يخلق في الخارج الوسائل الفنية، أم أنّ العكس هو الصحيح ؟ لا شك أنّ الصحيح هو الشق الأول من الترديد.

____________________

(١) تجديد نظر طلبي ص١٧٣.

١٤٤

هذا مضافاً إلى أنّ التعبير بالنمو والتطور والتكامل في الإنسان تعبير حقيقي، وفي وسائل الإنتاج وغيرها من الوسائل الفنية تعبير مجازي فالتكامل والتطور الحقيقي هو أنّ واقعاً خارجياً يصل من مرحلة دانية إلى مرحلة عليا، والتطور المجازي هو أن لا يتغير الواقع الخارجي بعينه، وإنّما ينعدم وينسخ ويخلفه أمر آخر مغاير له فالطفل حينما يكبر يصح أن يقال حقيقة: إنّه نما وتكامل، أمّا إذا استبدل معلّم الصف بمعلّم أعلم منه وأقدر على التربية فالوضع التعليمي في الصف قد تكامل، ولكنّه تكامل مجازي فتكامل الإنسان في صنع الوسائل تكامل حقيقي، إذ ينمو ويتطور من الجهة المعنوية واقعاً ولكن تكامل الصناعة كصناعة السيارة، حيث تأتي منه كل عام موديلات جديدة أكثر تعقيداً وأجهزة تكامل مجازي، بمعنى أنّه ليس هناك واقع خارجي يترك مرحلة دانية ويصل إلى مرحلة عالية واقعاً فالسيارة المصنوعة في العام الماضي لم تتغير أجهزتها، بل انعدمت ونسخت وجاءت مكانها سيارات أُخرى وبعبارة أُخرى انعدم الفرد الناقص واستبدل بفرد كامل، لا أنّ فرداً واحداً انتقل - في زمانين - من مرحلة النقص إلى مرحلة الكمال وإذا كان هناك تكامل حقيقي وتكامل مجازي متعاصرين، فلا شك أنّ التكامل الحقيقي هو الأصل والمجازي هو الفرع.

ثم إنّ ذلك لو صحّ فإنّما يصحّ في العلوم الفنيّة، وأمّا سائر العلوم كالطب وعلم النفس وعلم الاجتماع والمنطق والفلسفة والرياضيات، فلا يمكن فيها القول بالتعلق من جانب واحد فتطور العلوم يرتبط بتطور الوضع الاقتصادي، بنفس المقدار الذي يرتبط به الوضع الاقتصادي بتطور العلوم أو اقل منه كما أعلن ذلك ( ك شمولر ) ضد الماركسية قال:

١٤٥

( لا شك أنّ الوضع الاقتصادي ضروري للبروز الثقافي الممتاز، ولكن لا شك أيضاً في أنّ الحياة المعنوية والخلقية تتطور باستقلال )(١) .

وإذا حذفنا من نظرية ( اوغست كونت ) الفرنسي قوله بانحصار معنويات الإنسانية في الذهن، مع أنّه قسم من الاستعداد البشري ومعنويته، لكانت نظريته أثمن بكثير من نظرية ماركس في التكامل الاجتماعي فهو يدعي: ( أنّ الظواهر الاجتماعية تتبع ضرورة علمية دقيقة، فهي تظهر كتطور ضروري في المجتمعات البشرية تحت قيادة الذهن البشري المتطور )(٢) .

٦ - المادية التاريخية تنقض نفسها:

إنّ المادية التاريخية تقول بأنّ كل فكر وكل نظرية فلسفية، أو علمية، وكل نظام خلقي بمقتضى كونها تجلّياً للأوضاع المادية والاقتصادية الخاصة، ومتعلقة بالأوضاع الخارجية المختصة بها، لا يمكن أن يكون لها اعتبار مطلق وقيمة مطلقة، بل تختص بزمانها الخاص ومع انقضائه وتبدّل الأوضاع المادية والاقتصادية - وهو أمر قهري لا يقبل الاجتناب - يفقد ذلك الفكر أو النظرية الفلسفية أو العلمية وذلك النظام الخلقي صحته واعتباره، ولا بد من استبداله بفكر جديد، ونظرية جديدة.

وبناءاً عليه فالمادية التاريخية أيضاً - وهي نظرية ألقيت من جانب بعض من الفلاسفة وعلماء الاجتماع - مشمولة لهذا القانون العام إذ

____________________

(١) تجديد نظر طلبي ص٢٣٩.

(٢) مراحل أنديشه در جامعه شناسي ص١٠٢.

١٤٦

لو لم تكن مشمولة له لكان هناك استثناء من هذا القانون، وهناك قانون أو قوانين علمية أو فلسفية أصيلة لا تتبع العامل الاقتصادي الأساس.

وإذا كانت مشمولة له فالمادية التاريخية من حيث الصحة والاعتبار تختص بزمان محدود ومرحلة خاصة، وهي تلك المرحلة التي ظهرت فيها لا قبلها ولا بعدها إذن فعلى كلا التقديرين تنتقض المادية التاريخية، أي إنّ المادية التاريخية بما أنّها فرضية أو نظرية فلسفية، وكجزء من البناء العلوي إمّا أنّها تشمل غيرها ولا تشمل نفسها ؛ إذن فهي ناقضة لنفسها وإمّا أن تشمل نفسها وغيرها ولكن في مرحلة معينة من الزمان، وفي غيرها لا تشمل نفسها ولا غيرها ومثل هذه المناقشة تصدق في المادية الديالكتيكية، حيث إنّها تعتبر أصل الحركة وأصل التأثير المتقابل شاملين لكل شيء حتى الأُصول العلمية والفلسفية وقد بحثنا عنهما في المجلد الأول والثاني من كتاب ( أُصول فلسفة وروش رئاليسم ) ومن هنا يتضح أنّ ما يقال من أنّ العالم معرض للمادية الديالكتيكية، والمجتمع معرّض للمادية التاريخية قول لا أساس له.

وهناك مناقشات أُخرى ترد على المادية التاريخية أعرضنا عن ذكرها في هذا المقام.

ولا يمكنني إخفاء تعجّبي من أنّ نظرية تكون إلى هذا الحدّ فاقدة لكل أساس واعتبار ومغايرة للعلم، ومع ذلك تشتهر بأنّها علمية وهنا يتجلّى التأثير العجيب للدعاية.

الإسلام والمادية التاريخية

هل يقبل الإسلام المادية التاريخية ؟ هل يبتني تحليل وتفسير الأحداث التاريخية في منطق القرآن على المادية التاريخية ؟ هناك مَن يظن

١٤٧

ذلك، ويدّعي أنّ هذه الفكرة كانت أساساً لتفسير التاريخ وتحليله في القرآن المحمدي قبل ماركس بأكثر من ألف سنة من هؤلاء الدكتور علي الوردي من الأساتذة الشيعة في العراق، الذي ألّف كتباً قامت حوله الضوضاء، منه كتاب ( مهزلة العقل البشري ) ولعلّه أول مَن تعرّض لهذا الموضوع وقد أصبح اليوم هذا النوع من التحليل التاريخي على لسان الإسلام دليلاً على التثقف بين جماعة من الكتّاب المسلمين، وصار موضة العصر.

ولكنّنا نعتقد أنّ مَن يفكر هكذا فهو إمّا أنّه لا يعرف الإسلام معرفة صحيحة، أولا يعرف المادية التاريخية معرفة صحيحة، أولا يعرف شيئاً منهما كذلك وملاحظة المبادئ الخمسة والنتائج الستة للمادية التاريخية، التي أوضحناها، كافٍ لمَن يكون مطلعاً على منطق الإسلام أن يعلم أنّهما في طرفي نقيض.

وحيث إنّ هذا النوع من التفكير حول المجتمع والتاريخ، وخصوصاً إذا تحلّى بالصبغة الإسلامية كذباً واتّسم بطابع الإسلام افتراءاً، يشكّل خطراً عظيماً على الثقافة والمعارف الإسلامية والفكر الإسلامي، فكان لِزاماً علينا أن نبحث عن المسائل التي أوجدت هذا التوهّم، أو يمكن أن تكون منشأ لما يقال من أنّ أساس المجتمع في الإسلام هو الاقتصاد، وأنّ هوية التاريخ مادية.

ولا بد من أن نذكر هنا بأنّ ما نتعرض له من المسائل أوسع بكثير عمّا تعرضوا لها في كتبهم، فهم تمسكوا ببضع من الآيات والأحاديث، ولكنّنا نضيف إلى ذلك مسائل أُخرى، يمكن أن تكون موضعاً للاستشهاد ؛ ليكون البحث جامعاً وكاملاً.

١٤٨

١ - وردت في القرآن الكريم مفاهيم اجتماعية كثيرة، وقد نقلنا في مباحث المجتمع زهاء ٥٠ كلمة من مفردات القرآن حول المجتمع ومع ملاحظة الآيات الاجتماعية في القرآن، التي تشتمل على هذه المفردات، يستشعر نوع انقسام في المجتمع إلى قطبين فقد ورد فيه نوع من هذا الانقسام على أساس الاقتصاد، أي على أساس التنعّم والحرمان الاقتصادي، حيث عبّر عن أحد القطبين بالملأ ( أي امتلاء العين بالفخفخة والكبكبة ) والمستكبرين والمسرفين والمترَفين، وعن القطب الآخر بالمستضعفين ( الذين أُصيبوا بالذلة والاستضعاف ) والناس ( الشعوب ) والذريّة ( الصغار الذين يحتقرون ولا يملؤون عينا في قبال الملأ ) والأراذل والأرذلون ( الأوباش )(١) وجعل هذين القطبين متقابلين هذا من جهة ومن جهة أُخرى أقرّ بنوع من الانقسام على أساس المفاهيم المعنوية، فجعل أحدهما الكفار والمشركين والمنافقين والفاسقين والمفسدين، والآخر المؤمنين والموحّدين والمتقين والصالحين والمصلحين والمجاهدين والشهداء.

وإذا دقّقنا النظر في محتوى الآيات القرآنية التي تعرضت لهذين التقسيمين وجدنا نوعا من التطابق بين القطبين الأولين المادي والمعنوي، وكذا بين القطبين الثانيين، أي إنّ الكافرين والمشركين والمنافقين والفاسقين هم الملأ والمستكبرون والمسرفون والمترفون والطواغيت، لا غيرهم ولا المتشكّل منهم ومن غيرهم وإنّ المؤمنين والموحدين والصالحين والمجاهدين هم المستضعفون والفقراء والمساكين والعبيد والمظلومون والمحرومون، لا غيرهم ولا المتشكّل منهم ومن غيرهم.

____________________

(١) وهذا التعبير لم يقله القرآن عن نفسه، بل نقله عن لسان المخالفين.

١٤٩

إذن فالمجتمع ينقسم إلى قطبين فقط: القطب الثري الظالم المستعمِر ويشكّله الكافرون، والقطب المستضعف ويشكّله المؤمنون وبذلك يتبين أنّ انقسام المجتمع إلى مستضعَف ومستضعِف هو الذي أوجد الكافر والمؤمن فاستضعاف الآخرين منشأ الشرك والكفر والنفاق والفسق والفساد، والاستضعاف بالآخرين منشأ الإيمان والتوحيد والصلاح والإصلاح والتقوى.

ولكي يتضح هذا التطابق تكفي مراجعة الآيات من آية / ٥٩ ( الأعراف ) التي تبدأ بآية( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ) إلى آية / ١٣٧ التي تنتهي بآية:( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) ومجموعها أربعون(١) آية، وقد ورد في هذه الآيات قصص الأنبياء نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسىعليهم‌السلام باختصار، وفي جميعها ( ما عدا قصة لوط) يشاهدان الطبقة التي آمنت بالأنبياء هم المستضعفون، والطبقة التي خالفت وكفرت هم الملأ والمستكبرون(٢) وهذا التطابق لا يمكن تفسيره وتوجيهه إلاّ على أساس الوجدان الطبقي الذي هو لازم للمادية التاريخية ومستلزم لها إذن فالواقع أنّ مواجهة الكفر والإيمان من وجهة نظر القرآن انعكاس من مواجهة المستضعَفين والمستضعِفين.

____________________

(١) هكذا ورد في الكتاب، والصحيح أنّها ٧٩ آية ومن العجيب أنّه تكرّر ذكر العدد ٤٠ ( المترجم ).

(٢) راجع أيضاً الكهف / ٢٨ حول من آمن بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهود / ٢٧ والشعراء / ١١١ حول من آمن بنوحعليه‌السلام ، ويونس / ٨٣ حول من آمن بموسىعليه‌السلام والأعراف / ٨٨ - ٩٠ حول مَن آمن بشعيبعليه‌السلام والأعراف / ٧٥ - ٧٦ حول مَن آمن بصالحعليه‌السلام ونكتفي بهذه الآيات خوفاً من الإطالة.

١٥٠

وقد صرّح القرآن الكريم بأن الثراء والملكية، وبتعبير القرآن ( الغنى ) أساس الطغيان والتمرّد، أي إنّه يناقض التواضع والسّلم، وقد دعا الأنبياء إليهما، قال تعالى:( إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ) العلق / ٧ فالإنسان إذا رأى نفسه غنياً ثرياً يشعر بالطغيان.

ونجد القرآن أيضاً يذكر قصة قارون تأكيداً على الأثر السيئ الذي تتركه الملكية في الإنسان فقارون كان من الأسباط ولم يكن قبطياً، بمعنى أنّه كان من قوم موسىعليه‌السلام ومن تلك الطبقة المستضعفة على يد فرعون، ومع ذلك فهذا الفرد المستضعف حينما أصبح مالكاً عظيماً لأسباب خاصة ؛ تمرّد وطغى على قومه المستضعفين.

قال تعالى:( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ ) القصص / ٧٦ ألا يظهر من هذا أنّ نضال الأنبياء ضد الطغيان إنّما كان في الواقع نضالاً ضد الملكية والمالكين ؟ وقد صرّح القرآن في بعض الآيات بأنّ زعماء مخالفي الأنبياء كانوا من المترَفين أي الغارقين في النعيم وقد ورد هذا الأمر في سورة سبأ / ٣٤ كأصل وقانون عام قال تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) كل هذا يدل على أنّ مواجهة الأنبياء ومخالفيهم ومواجهة الإيمان والكفر كان انعكاساً لمواجهة الطبقتين الاجتماعيتين: المستضعَفين والمستضعِفين.

٢ - إنّ القرآن يدعو مخاطبيه بالناس والناس بمعنى الجماهير، أي الشعب المحروم ؛ وهذا يدلّ على أنّ القرآن يقرّ بالوجدان الطبقي، وأنّه يرى أنّ الطبقة الوحيدة الصالحة لقبول الدعوة الإسلامية هي

١٥١

الطبقة المحرومة ويدل أيضاً على أنّ للإسلام مبعثاً طبقياً وموقفاً طبقياً خاصاً، أي أنّه دين المحرومين والمستضعفين، وأنّ المخاطب بالإيديولوجية الإسلامية هم الجماهير المحرومة فقط وهذا دليل آخر على أنّ الاقتصاد هو الأساس، وأنّ هوية التاريخ مادية في رأي الإسلام.

٣ - لقد صرّح القرآن الكريم بأنّ القادة والمصلحين والمجاهدين والشهداء، وبالتالي الأنبياء إنّما يبعثون من بين السواد الأعظم لا من بين الطبقة المتنعمة الثريّة قال تعالى حول النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً ) الجمعة / ٢ فالأُمّيين هم الناس المنتسبون إلى الأُمّة، والأُمّة ليست إلاّ الجماهير المحرومة وقال أيضاً حول شهداء الحق:( وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) والمراد بالأُمّة هو الجماهير المحرومة وبالبرهان شهيدهم والقول بأنّ قادة الحركات والثورات يبعثون بالضرورة من بين الجماهير المحرومة يعني ضرورة التطابق بين الموقع الاعتقادي والاجتماعي والموقع الاقتصادي والطبقي، وهذه الضرورة لا يمكن توجيهها إلاّ على أساس أنّ هوية التاريخ مادية، وأنّ الاقتصاد هو العامل الأساس.

٤ - إنّ ماهية حركة الأنبياء في القرآن، واتخاذهم للموقف الاجتماعي أساسية لا بنائية يستنبط من القرآن أنّ هدف بعثة الأنبياء ورسالتهم هو إقامة العدل والقسط، وإيجاد المواساة والمساواة الاجتماعية، ورفع الفواصل الطبقية فالأنبياء دائماً كانوا يبتدئون من الأساس - وهو هدف رسالتهم - ويصلون إلى البناء العلوي دون العكس فالبناء العلوي أي العقيدة والإيمان والإصلاح الخلقي والسيرة

١٥٢

هو الهدف الثاني للأنبياء الذي كانوا يبحثون عنه بعد إصلاح الأساس.

قال الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن لا معاش له لا معاد له ) أي مَن ليست له الحياة المادية فليس له المعاد، وهو ثمرة الحياة المعنوية وهذه الجملة تعطي تقدم المعاش والحياة المادية على المعاد والحياة المعنوية، وأنّ الحياة المعنوية بناء علوي متعلق بالحيات المادية وهي الأساس وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً: ( اللّهمّ بارك لنا في الخبز، لولا الخبز ما تصدقنا ولا صلّينا ) وهذه الجملة تفيد أيضاً تعلق المعنويات وبالماديات، وابتنائها عليها.

إنّ ما نجده الآن من اعتقاد أكثرية الناس بأنّ جهود الأنبياء كانت منحصرة في البناء العلوي، ونشر الإيمان بين الناس وإصلاح العقيدة والأخلاق والسيرة فيهم وما كانوا يهتمون بالعامل الأساس، أو كان في الدرجة الثانية من الأهمية، أو أنّهم كانوا يحاولون أن يصبح الناس مؤمنين معتقدين، ويقولون إنّ ذلك يستتبع بالذات إصلاح جميع الشؤون، واستقرار العدالة والمساواة، وإنّ المستثمرين سيأتون بأنفسهم ويدفعون بأيديهم حقوق المحرومين والمستضعفين والحاصل أنّ الأنبياء توصّلوا إلى أهدافهم عن طريق إصلاح العقيدة والإيمان، ولا بد لأتباعهم أن يسلكوا نفس هذا الطريق: ( إنّ ذلك كله ) مكر وحيلة صنعهما المستثمرون ورجال الدين المرتبطين بهم من أجل الحيلولة دون تأثير تعليم الأنبياء، وروّجوا ذلك في المجتمع حتّى صار مورداً لاستقبال الأكثرية القريبة من الاتفاق وقد قال ماركس: ( إنّ أولئك الذين يصدرون البضاعة المادية قادرون على إصدار الأمتعة الفكرية للمجتمع، وأولئك الذين يحكمون على المجتمع حكماً مادياً، يحكمون

١٥٣

الحكم المعنوي أيضاً، ويتسلطون على أفكارهم )(١) .

هذا مع أنّ مشي الأنبياء وسيرتهم كانت على خلاف ما يتصوره الأكثرون، فهم كانوا يبدأون بتطهير المجتمع من الشرك والتبعيض الاجتماعيين، واستضعاف الآخرين، وهذا أساس الشرك الاعتقادي والخلقي والعملي وبعد ذلك كانوا يعملون على نشر التوحيد الاعتقادي والتقوى العملي والخلقي.

٥ - إنّ القرآن جعل منطق مخالفي الأنبياء في طول التاريخ مقابلاً لمنطق الأنبياء وأتباعهم ويظهر من القرآن بوضوح أنّ منطق المخالفين كان دائماً منطق المحافظة على الوضع الموجود، والاعتقاد بالتقاليد، والإيمان بالماضي وبعكس ذلك كان منطق الأنبياء وأتباعهم منطق الاعتقاد بالتجديد، ونفي التقاليد، والتطلّع إلى المستقبل ويبيّن القرآن بذلك أنّ منطق الطائفة الأُولى من حيث التفسير الاجتماعي في المجتمع المنقسم إلى المستثمرين والكادحين، هو منطق المستثمرين المنتفعين من الوضع الموجود، ومنطق الأنبياء وأتباعهم هو منطق المحرومين والمتضرّرين، حسب التفسير الاجتماعي ويظهر من ذلك أنّ القرآن كان يهتم بنقل المنطق الخاص للمخالفين، والمنطق الخاص للموافقين، وليس ذلك إلاّ من جهة أنّ المنطقين كانا ويكونان متقابلين، كنفس الطائفتين في طول التاريخ ويريد القرآن بذلك أن يعطينا مقياساً لهذا اليوم.

وفي القرآن موارد متعددة جعل فيها هذان المنطقان متقابلين راجع

____________________

(١) ( الإيديولوجية الألمانية ).

١٥٤

الآيات ٤٠ إلى ٥٠ / من الزخرف، و ٢٣ إلى ٤٤ / من المؤمن، و ٤٩ إلى ٧١ / من طه، و١٦ إلى ٤٩ / من الشعراء، و٣٦ إلى ٣٩ من القصص ونحن نذكر الآيات ٢٠ إلى ٢٤ / من الزخرف، من باب الشاهد، ونوضحها باختصار قال تعالى:( وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ * أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) أي إذا كنّا نعبد الملائكة فهو يدل على أنّ الله أراد ذلك وهذا اعتقاد بالجبر المطلق وقوله (وما لهم بذلك ) يشير إلى الكلام الدال على الجبر وتفيد الآية أنّه ليس هناك اعتقاد جدّي بالجبر، ولا كتاب من السماء يمكن الاستناد إليه في ذلك.

فنجد هنا أنّ مخالفي الأنبياء تارة يتمسّكون بنطق الجبر والقضاء والقدر وعدم الاختيار، وهذا المنطق - كما يشهد له علم الاجتماع - منطق المنتفعين بالوضع الحاضر، حيث إنّهم لا يرغبون في تغيير للوضع الموجود، ويعتذرون بالقضاء والقدر، وتارة أُخرى يعتذرون بمتابعة سنن الآباء، ويعتبرون الماضي مقدّساً ولائقاً بالاتباع، ويكتفون في الحكم بصحة الشيء ولياقته للهداية بتعلّقه بالماضي وهذا بعينه هو المنطق الرائج للمحافظين، والمنتفعين بالوضع الحاضر.

وفي قبالهم الأنبياء الّذين يدعون - بدلاً من اتباع التقاليد والاعتقاد بالجبر - إلى التفكير المنطقي والعلمي والباعث للنجاة، وهو منطق الثوريين والمعذّبين في الوضع الحاضر وإذا ضعف المخالفون في

١٥٥

مواجهة دليل الأنبياء وحجّتهم، قالوا كلمتهم الأخيرة وهي أنّه - سواء قلنا بالجبر أم لم نقل، وسواء احترمنا التقاليد أم لم نحترم - فإنّا مخالفون لرسالتكم وإيديولوجيتكم لماذا ؟ لأنّها تناقض كياننا الاجتماعي والطبقي.

٦ - وأوضح من الجميع موقف القرآن من النضال بين المستضعفين والمستكبرين، حيث النصر الأخير في صراع هاتين الطبقتين للمستضعفين، كما تبشّر به المادية التاريخية على أساس المنطق الديالكتيكي فالواقع أنّ القرآن في موقفه هذا يعلن عن وجه السير الضرورية والجبرية للتاريخ، وأنّ الطبقة التي تكون بالذات واجدة للخصيصة الثورية ستنتصر في صراعها المرير ضد الطبقة التي تكون بالذات، وبمقتضى وضعه الطبقي واجدة للخصيصة الرجعية والتعلق بالماضي، وبالتالي ستكون الطبقة الأُولى وارثة للأرض قال تعالى:( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) [ القصص / ٥ ].

وقال في سورة [ الأعراف / ١٣٧ ]( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) .

وهذا الاتجاه القرآني، الذي يقول بأنّ مسير التاريخ نحو انتصار المحرومين والمأسورين والواقعين تحت الاستثمار، ينطبق تماماً مع الأصل الذي استنتجناه سابقاً من المادية التاريخية، وهو أنّ الخصيصة الذاتية للاستثمار هي الرجعية والتعلّق بالماضي، وهذه الخصيصة حيث إنّها تناقض قانون التكامل في الكون محكومة بالفناء والخصيصة الذاتية

١٥٦

للوقوع تحت استثمار الآخرين هي الثقافة والحركة والثورة، وحيث إنّ هذه الخصلة توافق قانون التكامل الكوني فهي المنتصرة قطعاً.

وهنا لا بأس بنقل قسم من المقال الذي نظّمه ونشره في رسالة جماعة من المثقفين المسلمين، الذين تجاوزوا الحد في التثقيف، ووصلوا إلى حدّ التأثر العميق بالماركسية، فننقله مع استنتاجه وقد ورد في ذلك المقال في ذيل الآية الكريمة السابقة هكذا:

( إنّ ألطف ما في الآية هو الموقف الذي اتّخذه الباري، وجميع مظاهر الوجود في قبال مستضعفي الأرض ولا شكّ أنّ مستضعفي الأرض في التفكير القرآني هم أولئك الأُناس المحرومين المأسورين الذين لا يملكون مصائرهم جبراً وقهراً وبملاحظة هذا المعنى، والتوجّه إلى الموقف الذي اتّخذه الباري وجميع مظاهر الوجود في قبالهم أي الإرادة المطلقة الحاكمة على الكون المتعلقة بالمنّة عليهم، يثار هذا السؤال، وهو أنّه مَن سيقوم بتحقيق هذه الإرادة الإلهية ؟ والجواب واضح، وذلك إذا لاحظنا أنّ النظام الإداري للمجتمعات ينقسم إلى قطبي التناقض ( المستضعفين والمستكبرين )، وعلمنا من جهة أُخرى أنّ الإرادة الإلهية متعلقة بإمامة ووراثة المستضعفين الأرض، وانعدام الأنظمة المستكبرة وانتفائها في نهاية الأمر ؛ نعلم أنّ الذي يحقق الإرادة الإلهية هم نفس المستضعفين ورسلهم، والمثقفون الملتزمون المنبعثون من بينهم.

وبعبارة أُخرى: إنّ الرسل المبعوثين(١) من بين المستضعفين ،

____________________

(١) ورد في تعليقهم الإرجاع إلى الآية / ٢ من سورة الجمعة( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً ) والآية / ١٢٩ من سورة البقرة، حيث يستفاد منهما أنّ

=

١٥٧

الشهداء المنزوعين(١) من بينهم هم يقومون بالخطوات الأُولى في النضال مع الأنظمة الطاغية والمستثمرة، الخطوات التي تمهّد الطريق لإمامة ووراثة المستضعفين وهذا المعنى في الواقع انعكاس لمعرفتنا القرآنية عن الثورات التوحيدية والأحداث التاريخية(٢) ، بمعنى أنّه كما أنّ الثورات التوحيدية من وجهة النظر الاجتماعية تدور حول محور إمامة المستضعفين ووراثتهم في الأرض، كذلك لا بد من أن ينبعث قادتها الطبقة المتقدمة فيها من بين المستضعفين بالضرورة ولا بدّ من أن يكون الموقع الإيديولوجي والموضع الاجتماعي هما الموقع الفكري، والموقف الاجتماعي الخاص بالمستضعفين ).

هذا البيان يشمل عدّة نقاط:

أ - إنّ المجتمع ينقسم في نظر القرآن دائماً إلى قطبين: المستكبرين والمستضعفين.

ب - إنّ إرادة الله تعالى - وبتعبير المقال موقف البارئ وجميع مظاهر الوجود - متعلقة بإمامة ووراثة المستضعفين والمأسورين بوجه عام، من

____________________

=

الرسل من الأُمم، وهم الجماهير الكادحة وسيأتي الكلام والبحث حول هذا الاستدلال.

(١) ورد فيها أيضاً الإشارة إلى الآية / ٥٧ من القصص وهي قوله تعالى( ونزعنا من كل أُمة شهيداً . ) وافترض أنّ مفاد الآية أنّ الشهداء والمقتولين في سبيل الله هم دائماً يقومون من بين الأُمم والجماهير الكادحة وسيأتي الكلام حول هذه الآية أيضاً.

(٢) إنّ هؤلاء لم يريدوا أن يصرّحوا بأنّهم يبحثون عن الشاهد للمادية التاريخية الماركسية، فعرضوا منسوجاتهم تحت ستار ( انعكاس المعرفة القرآنية ).

١٥٨

دون تقيّد بشرط: من كونهم موحدين أو مشركين أو عبدة أوثان فلا فرق بين كونهم مؤمنين أو غير مؤمنين أي إنّ كلمة ( الذّين ) في الآية للاستغراق وتفيد العموم والسنّة الإلهية قائمة على انتصار المستضعف بما هو مستضعف على المستكبر وبعبارة أُخرى إن الماهية الأصلية للصراع الموجود في طول التاريخ هي صراع المحرومين والظالمين، والسنة التطورية في العالم على أساس انتصار المحرومين على الظالمين.

ج - إن إرادة الله تعالى إنما تتحقق بواسطة المستضعفين أنفسهم، وإنّ القادة والمتقدمين والأنبياء والشهداء يبعثون من الطبقة المستضعفة بالضرورة دون غيرها.

د - إن بين الموقع الفكري والاجتماعي والوضع الطبقي تطابق وتوافق دائماً.

إذن فيستفاد من هذه الآية الكريمة عدة أُصول ماركسية حول التاريخ، ويستفاد أنّ القرآن قد بيّن نفس نظرية ماركس وفلسفته قبل ولادته بألف ومئتين سنة.

حسناً ! إذا تمّت هذه المعرفة القرآنية - كما يزعمون - حول التاريخ، فما هي النتيجة التي نستفيدها من هذه المعرفة في تحليل التاريخ المعاصر ؟ وقد ذكر هؤلاء مثلاً باستعجال مع الاستناد إلى هذا الأصل القرآني - بزعمهم - والاستنتاج منه، فذكروا حركة رجال الدين الحاليّة كمثال لتجربة هذا الأصل يقولون: إنّ القرآن علّمنا أنّ الطبقة المتقدمة وقادة الثورات يجب أن يكونوا من الطبقة المستضعفة، ونحن نجد اليوم أنّ رجال الدّين ( وهم كانوا قبل اليوم أحد الأبعاد الثلاثة لنظام الاستثمار في التاريخ ) وقد بدّلوا موقعهم الاجتماعي وأصبحوا

١٥٩

ثوريين فكيف التوفيق ؟ بسيطٌ جدّاً، لا بد أن نحكم بصورة قطعية ومن دون شك أنّ وراء الأكمة ما وراها فالطبقة الحاكمة لمّا وجدت كيانها في خطر أوعزت إلى رجال الدين المرتبطين بها أن يلعبوا دور الرّجل الثّوري ؛ لينقذوا بذلك أنفسهم من السقوط.

هذه هي نتيجة المعرفة الماركسية ( عفواً ! القرآنية ) ومعلوم من هو المستفيد من هذه النتيجة.

النقد:

إنّ ما مرّ من توجيه المادية التاريخية من وجهة نظر القرآن الكريم، منها ما هو خطأ أساساً، ومنها ما هو صحيح في نفسه، والخطأ في الاستنتاج، وإليك تفصيل ذلك:

أولاً: إنّ ما قيل من أنّ القرآن يقسّم المجتمع إلى قطبين ماديين، وقطبين معنويين، وأنّه يعتبرهما متطابقين، أي إنّ الكافرين والمشركين والمنافقين والفاسقين والمفسدين في القرآن هم الملأ، والمستكبرين والجبابرة، وبعكس ذلك المؤمنون والموحدّون والصالحون والشهداء، فهم من الطبقة المستضعفة المحرومة، وأنّ مواجهة الكفار والمؤمنين انعكاس من المواجهة الأساسية بين المستضعفين والمستكبرين ( إنّ ذلك كله ) كذب محض فلا يستفاد هذا التطابق من القرآن أبداً، بل يستفاد عدم التطابق.

فالقرآن في دروسه التاريخية يعرّفنا بمؤمن من صلب طبقة الملأ والمستكبرين، وأنّهم ضد تلك الطبقة وقيمها ومن هذا القبيل مؤمن آل فرعون الذي وردت قصته في سورة من القرآن بنفس هذا

١٦٠