المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ0%

المجتمع والتاريخ مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: كتب
الصفحات: 433

المجتمع والتاريخ

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الشيخ مرتضى المطهري
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: الصفحات: 433
المشاهدات: 25186
تحميل: 13870

توضيحات:

المجتمع والتاريخ
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 433 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 25186 / تحميل: 13870
الحجم الحجم الحجم
المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ

مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

بعامل مثالي - كأفكار الإنسان - ما دامت هذه الأفكار لم تظهر في التأريخ إلاّ بصورة متأخّرة عن حدوث ظواهر اجتماعية معيّنة في حياة الناس وليس من اتجاه علمي بعد ذلك لتفسير المجتمع وتعليل ولادته إلاّ الاتجاه المادي، الذي يطرح العوامل الفكرية جانباً ويفسّر المجتمع بالعامل المادي، بوسائل الإنتاج.

فالنقطة الرئيسية في هذا الدليل - إذن - أن نبرهن على أنّ الأفكار لم تحدث في عالم الإنسانية إلاّ كنتيجة ظاهرة اجتماعية سابقة ؛ لكي يستنتج - من ذلك - أنّ المجتمع سابق تأريخياً على الفكر، وناشئ عن العوامل المادية وليس ناشئاً عن الأفكار والآراء.

أمّا كيف عالجت الماركسية هذه النقطة الرئيسية، وبرهنت عليها ؟ فهذا ما يتّضح في تأكيد الماركسية على أن الأفكار وليدة اللغة، وليست اللغة إلاّ ظاهرة اجتماعية قال ستالين:

( يقال: إنّ الأفكار تأتي في روح الإنسان قبل أن تعبّر عن نفسها في الحديث، وإنّها تولَد دون أدوات اللغة، أي: دون إطار اللغة، أو بعبارة أخرى: تولد عارية.

إلاّ أنّ هذا خطأ تماماً ؛ مهما كانت الأفكار التي تأتي في روح الإنسان، فلا يمكن أن تولد وتوجد إلا على أساس أدوات اللغة، أي: على أساس الألفاظ والجمل اللغوية فليس هناك أفكار عارية متحرّرة من أدوات اللغة، أو متحرّرة من المادة الطبيعية التي هي اللغة فاللغة هي الواقع المباشر للفكر ولا يمكن أن يُتحدَّث

٣٠١

عن فكر بدون لغة، إلاّ المثاليون وحدهم )(١) .

وهكذا ربط ستالين بين الفكر واللغة، واعتبر اللغة أساساً لوجود الفكر ؛ فلا يمكن الحديث عن أفكار عارية دون أدوات اللغة وجاء بعد ذلك الكاتب الماركسي الكبير ( جورج بولتزير )، ليبرهن على هذه الحقيقة المزعومة في ضوء بعض الاكتشافات السيكولوجية، أو بالأحرى في ضوء الأساس الفسيولوجي لعلم النفس الذي وضعه العالم الشهير ( بافلوف ) مستخلصاً له من تجارب عديدة قام بها.

فقد كتب ( بولتزير ) معلقاً على كلام ( ستالين ) الآنف الذكر:

( ولقد لاقت مبادئ المادية الجدلية هذه تدعيماً باهراً في العلوم الطبيعية بفضل الأبحاث الفسيولوجية التي قام بها العالم العظيم ( بافلوف ) ؛ فقد اكتشف ( بافلوف ): أنّ العمليات الأساسية في النشاط المخّي هي الأفعال المنعكسة الشرطية التي تكون في ظروف محدودة، والتي تطلقها الإحساسات، سواء الخارجية أو الداخلية.

وأثبت ( بافلوف ): أنّ هذه الإحساسات تقوم بدور الإشارات الموجّهة بالنسبة لكل نشاط الكائن العضوي الحي.

وقد اكتشف من ناحية

____________________

(١) جورج بولتزير، المادية والمثالية في الفلسفة: ٧٧ ونودّ أن نشير بهذه المناسبة إلى أنّ هذا الكتاب ليس من نتاج بولتزير، وإنّما قام بتأليفه كاتبان ماركسيان، هما: ( جي ميس ) و ( موريس كافيج ) وَمَنَحا كتابهما اسم ( بولتزير )، ولأجل هذا نضيف ما في هذا الكتاب إليه.

٣٠٢

أُخرى: أنّ الكلمات - بمضمونها و معناها - يمكن أن تحلّ محل الإحساسات - التي تُحدثها الأشياء - التي تدلّ عليها وهكذا تكون الكلمات إشارات للإشارات، أي: نظاماً ثانياً في العملية الإشارية، يتكوّن على أساس النظام الأوّل ويكون خاصاً بالإنسان.

وهكذا تعتبر اللغة هي شرط النشاط الراقي في الإنسان، وشرط نشاطه الاجتماعي، وركيزة الفكر المجرد الذي يتخطّى الإحساس الوقتي، وركيزة النظر العقلي، فهي التي تُتيح للإنسان أن يعكس الواقع بأكبر درجة من الدقّة.

وبهذه الطريقة أثبت ( بافلوف ) أنّ ما يحدّد - أساساً - شعور الإنسان ليس جهازه العضوي وظروفه البيولوجية، بل يحدّده - على عكس ذلك - المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان )(١) .

ولنأخذ بشيء من التوضيح محاولة ( بولتزير ) هذه، التي استدلّ فيها على رأي الماركسية، بأبحاث ( بافلوف ).

يرى ( بولتزير ) أنّ من رأي ( بافلوف ) في العمليات الأساسية للمخ أنّها كلّها استجابات لمنبّهات وإشارات معيّنة، وهذه المنبّهات والإشارات هي بالدرجة الأولى الإحساسات ومن الواضح أنّ الاستجابة التي تحصل عن طريق الإحساسات ليست فكرة عقلية مجرّدة عن الشيء ؛ لأنّها لا تحصل إلاّ لدى الإحساس بالشيء المعيّن، فهي لا تتيح للإنسان أن يفكّر في شيء غائب عنه وبالدرجة الثانية يأتي دور اللغة والأدوات اللفظية لتقوم بدور المنبّهات والإشارات

____________________

(١) المصدر السابق: ص٧٨.

٣٠٣

الثانوية، فيشرط كلّ لفظٍ بإحساس معيّن من تلك الإحساسات، فيصبح منبّهاً شرطياً بالدرجة الثانية ويتاح للإنسان أن يفكّر عن طريق الاستجابات التي تطلقها المنبّهات اللغوية إلى ذهنه، فاللغة - إذن - هي أساس الفكر، وحيث أنّ اللغة ليست إلاّ ظاهرة اجتماعية فالفكر ليس - على هذا - إلاّ ظاهرة ثانوية للحياة الاجتماعية.

هذه هي الفكرة التي عرضها ( بولتزير ).

وبدورنا نتساءل: هل اللغة هي أساس الفكر حقاً، ( فليس هناك أفكار عارية متحرّرة من أدوات اللغة )، على حد تعبير ستالين ؟ ولأجل التوضيح نطرح المسألة على الوجه التالي: هل أنّ اللغة هي التي خلقت من الإنسان كائناً مفكّراً بصفتها ظاهرة اجتماعية معيّنة كما يقرّر بولتزير، أو أنّها وُجدت في حياة الإنسان المفكّر نتيجة لأفكار كانت تريد الوسيلة للتعبير عنها وعرضها على الآخرين ؟ ونحن لا نستطيع أن نأخذ بالتقدير الأوّل الذي حاول( بولتزير ) التأكيد عليه، حتى حين ننطلق في البحث من تجارب( بافلوف ) والقاعدة التي وضعها عن المنبّهات الطبيعية والشرطية.

* * *

ولكي نكون أكثر وضوحاً يجب إعطاء فكرة مبسّطة عن آراء ( بافلوف )، وطريقته في تفسير الفكر تفسيراً فسيولوجياً، فإنّ هذا العالم الشهير استطاع أن يدلّل بالتجربة على أن شيئاً معيناً إذا ارتبط بمنبّه طبيعي اكتسب نفس فعاليته، وأخذ يقوم بدوره، ويُحدِث نفس الاستجابة التي يُحدِثها المنبّه الطبيعي فتقديم الطعام إلى الكلب - مثلاً - منبّه طبيعي يُحدث فيه استجابةً معيّنة، إذ يسيل لعابه أوّل ما يرى الإناء الذي يحتوي على الطعام وقد لاحظ ذلك ( بافلوف )، فأخذ

٣٠٤

يدقّ جرساً عند تقديم الطعام إلى الكلب، و كرّر هذا عدّة مرّات، ثمّ أخذ يدقّ الجرس من دون تقديم الطعام، فوجد أنّ لعاب الكلب يسيل واستنتج من هذه التجربة: أنّ دقّ الجرس أصبح يُحدث نفس الاستجابة التي كان المنبّه الطبيعي ( تقديم الطعام ) يُحدثها، ويؤدّي نفس دوره بسبب اقترانه واشتراطه به عدّة مرّات، ولهذا أطلق على دقّ الجرس أسم: ( المنبّه الشرطي ) وسمّى تحلّب اللعاب وسَيَلانه الذي يحدث بسبب دقّ الجرس: ( استجابة شرطية ).

وعلى هذا الأساس حاول جماعة أن يفسّروا الفكر الإنساني كلّه تفسيراً فسيولوجياً، كما يفسّر تحلّب اللعاب عند الكلب تماماً، فأفكار الإنسان كلّها استجابات لمختلف أنواع المنبّهات وكما أنّ تقديم الطعام إلى الكلب منبّه طبيعي يستثير استجابة طبيعية - وهي سيلان اللعاب - كذلك توجد بالنسبة إلى الإنسان منبّهات طبيعية تُطلِق استجابات معيّنة، اعتدنا أن نعتبرها ألواناً من الإدراك وتلك المنبّهات التي تطلّق هذه الاستجابات هي الإحساسات الداخلية والخارجية وكما أنّ دقّ الجرس اكتسب نفس الاستجابة التي يُحدثها تقديم الطعام إلى الكلب بالاقتران والاشتراط، كذلك توجد أشياء كثيرة اقترنت بتلك المنبّهات الطبيعية للإنسان فأصبحت منبّهات شرطية له، ومن تلك المنبهات الشرطية: كلّ أدوات اللغة فلفظة ( الماء ) - مثلاً - تطلق نفس الاستجابة التي يطلقها الإحساس بالماء بسبب اقترانها واشتراطها به، فالإحساس بالماء أو الماء المحسوس: منبّه طبيعي، ولفظ ( الماء ) منبّه شرطي، وكلاهما يُطلقان في الذهن استجابة من نوع خاص.

وقد افترض بافلوف لأجل ذلك نظامين أشاريين:

٣٠٥

أحدهما: النظام الإشاري الذي يتكوّن من مجموعة المنبّهات الطبيعية والمنبّهات الشرطية التي لا تتدخّل فيها الألفاظ.

والآخر: النظام الإشاري المشتمل على الألفاظ والأدوات اللغوية بصفتها منبّهات شرطية ثانوية، فهي منبهات ثانوية أُشرطت بمنبّهات النظام الإشاري الأوّل، واكتسبت بسبب ذلك قدرتها على إثارة استجابات شرطية معيّنة.

والنتيجة التي تنتهي إليها آراء ( بافلوف ) هي: أنّ الإنسان لا يمكنه أن يفكّر بدون منبّه ؛ لأنّ الفكر ليس إلاّ استجابة من نوع خاص للمنبّهات كما أنّه لا يتاح له الفكر العقلي المجرّد، إلاّ إذا وجدت بالنسبة إليه منبّهات شرطية اكتُسبت عن طريق اقترانها بالإحساسات، نفس الاستجابات التي تطلقها تلك الأحاسيس وأمّا إذا بقي الإنسان رهن إحساساته فلا يستطيع أن يفكّر تفكيراً مجرّداً، أي أن يفكّر في شيءٍ غائب عن حسّه فلكي يكون الإنسان كائناً مفكّراً لا بدّ من أن توجد له منبّهات وراء نطاق الإحساسات، نطاق المنبّهات الطبيعية.

* * *

ولنفترض أنّ هذا كلّه صحيح، فهل يعني ذلك أنّ اللغة هي أساس وجود الفكر في الحياة الإنسانية ؟ كلاّ، فإنّ إشراط شيء معيّن بالمنبّه الطبيعي لكي يكون منبّهاً شرطياً يحصل تارة بصورة طبيعية، كما إذا اتفق أن اقترنت رؤية الماء بصوت معيّن أو بحالة نفسية معيّنة مرّات عديدة، حتى أصبح ذلك الصوت أو هذه الحالة منبهاً شرطياً يُطلِق نفس الاستجابة التي كان يُطلقها الإحساس بالماء، فالإشراط في هذه الحالات إشراط طبيعي ويحصل هذا الإشراط تارة أخرى نتيجة لقصد معيّن، كما في سلوكنا مع الطفل ؛ إذ نقدّم له

٣٠٦

شيئاً كالحليب ونكرر له اسمه، حتى يربط بين الكلمة والشيء، ويصبح الاسم منبّهاً شرطياً للطفل نتيجة للطريقة التي اتبعناها معه.

ولا شكّ في أنّ عدّة من الأصوات والأحداث قد اقترنت بمنبّهات طبيعية عبر حياة الإنسان، وأشرطت بها إشراطاً طبيعياً، وأصبحت بذلك تُطلق استجابات معيّنة في ذهن الإنسان وأمّا أدوات اللغة - على وجه العموم - وألفاظها التي تمّ إشراطها خلال عملية اجتماعية فهي إنّما أشرطت نتيجة لحاجة الإنسان إلى التعبير عن أفكاره ونقلها إلى الآخرين، أي إنّها وجدت في حياة الإنسان لأنّه كائن مفكّر يريد التعبير عن أفكاره، لا أنّ الإنسان أصبح كائناً مفكّراً بسبب أنّ اللغة وجدت في حياته، وإلاّ فلماذا وجدت في حياته خاصة ولم توجد في حياة سائر أنواع الحيوان؟!

فاللغة ليست أساس الفكر، وإنّما هي أسلوب خاص للتعبير عنه، اتخذه الإنسان منذ أبعد العصور حين وجد نفسه - وهو يخوض معركة الحياة مع أفراد آخرين - بحاجة ملحّة إلى التعبير عن أفكاره، وتفّهم أفكار الآخرين في سبيل تيسير العمليات التي يقومون بها، وتحديد الموقف المشترك أمام الطبيعة، وضدّ القوى المعادية.

وإنّما تعلم الإنسان أن يتّخذ هذا الأسلوب - أسلوب اللغة - بالذات للتعبير عن أفكاره في ضوء ما تمّ بفعل الطبيعة، أو المصادفة، من إشراط بعض الأصوات ببعض المنبّهات الطبيعية عن طريق اقترانها بها مراراً، فقد استطاع الإنسان أن ينتفع بذلك في نطاق أوسع فوجدت اللغة في حياته.

وهكذا نعرف أنّ اللغة، بوصفها ظاهرة اجتماعية، إنّما نجمت عن إحساس الإنسان خلال العمل الاجتماعي المشترك بالحاجة إلى ترجمة

٣٠٧

أفكاره والإعلان عنها، وليست هي التي خلقت من الإنسان كائناً مفكّراً وعلى هذا الأساس نستطيع أن نعرف لماذا ظهرت اللغة في حياة الإنسان دون غيره من أنواع الحيوان، كما ألمحنا سابقاً ؟ بل أن نعرف أكثر من ذلك: لماذا وجد المجتمع الإنساني ولم يوجد مجتمع كهذا لأيِّ كائن حي آخر ؟ فإنّ الإنسان لمّا كان قادراً على التفكير فقد أتيح له وحده أن يتخطّى حدود الإحساس فيغيّر من الواقع الذي يحسّه، وبالتالي يغيّر من إحساساته نفسها تبعاً لتغيير الواقع المحسوس، ولم يُتح هذا لأيِّ حيوان آخر لا يملك قدرة على التفكير ؛ لأنه لا يستطيع أن يدرك ويفكّر في شيء سوى الواقع المحسوس بأشكاله الخاصة، فلا يمكنه أن يغيّر الواقع إلى شيء آخر.

وهكذا كان التفكير هو الذي خصّ الإنسان بالقدرة على تغيير الواقع المحسوس تغييراً حاسماً.

ولمّا كانت عملية تغيير الواقع هذه تتطلّب في كثير من الأحايين جهوداً متنوّعة وكثيرة، فهي تتّخذ لأجل ذلك طابعاً اجتماعياً إذ يقوم بها أفراد متعدّدون وفقاً لنوعية العملية ومدى الجهود التي تتّطلبها، وبذلك توجد علاقة اجتماعية بينهم لم يكن من الممكن أن توجد علاقة من لونها بين أفراد نوع آخر من الحيوان ؛ لأنّ الحيوانات الأُخرى حيث إنّها ليست كائنات مفكّرة فهي عاجزة عن القيام بعمليات تغيير حاسم للواقع المحسوس، بالتالي لا توجد فيما بينها علاقة اجتماعية من ذلك اللون.

ومنذ يدخل الناس في عمليات مشتركة لتغيير الواقع المحسوس يصبحون بحاجة إلى لغة ؛ لأنّ الإشارات الحسّية إنّما تعبّر عن الواقع

٣٠٨

المحسوس، ولا تستطيع أن تعبّر عن فكرةٍ تغييره، وعن الروابط الخاصّة بين الأشياء المحسوسة، التي يراد تعديلها أو تغييرها فتوجد اللغة في حياة الإنسان إشباعاً لهذه الحاجة، وإنّما وجدت في حياته وحده لأنّ الحيوان لم يشعر بمثل هذه الحاجة الإنسانية التي كانت وليدة العمل الاجتماعي القائم على أساس التفكير، لتغيير الواقع المحسوس، وإيجاد تعديلات حاسمة فيه.

ج - الدليل العلمي:

يسير التفسير العلمي لظواهر الكون المتنوّعة في خطٍ متدرّج ؛ فهو يبدأ بوصفه فرضية، أي تفسيراً افتراضياً للواقع الذي يعالجه العالم ويحاول استكشاف أسراره وأسبابه، ولا يصل هذا التفسير الافتراضي إلى الدرجة العلمية إلاّ إذا استطاع الدليل العلمي أن يبرهن وينفي إمكان أي تفسير آخر للظاهرة موضوعة البحث عداه فما لم يقم الدليل على ذلك، لا يصل التفسير المفترض إلى درجة اليقين العلمي، ولا يوجد مبرّر لقبوله دون سواه من الافتراضات والتفاسير فمثلاً قد نجد شخصاً معيّناً يلتزم في ساعة معيّنة بالعبور من شارع خاص وقد نفترض لتفسير هذه الظاهرة: أنّ هذا الشخص يسلك هذا الطريق بالذات في كلّ يوم لأنّ له عملاً يومياً في معمل يقع في منتهى الشارع وهذا الافتراض وإن كان يصلح لتفسير الواقع، غير أن ذلك لا يعني قبوله ما دام من الممكن أن نفسّر سلوك هذا الشخص في ضوء آخر ؛ كما إذا افترضنا أنّه يزور صديقاً له يسكن بيتاً في ذلك الشارع أو يراجع طبيباً يقطن في تلك المنطقة ؛ ليستشيره في حالة مرضية أو يقصد مدرسة معيّنة تلقى فيها المحاضرات بصورة رتيبة.

٣٠٩

وهكذا الأمر في التفسير الماركسي للتأريخ ( المادية التأريخية )، فإنّه لا يمكن - حتى إذا افترضنا كفاءته لتفسير الواقع التأريخي - أن يكتسب الدرجة العلمية أو الوثوق العلمي، ما لم يخرج عن كونه افتراضاً ويحصل على دليل علمي يدحض كل افتراض عداه في تفسير التاريخ.

ولنأخذ تفسير المادية التأريخية للدولة مثالاً لذلك، فهي تفسّر نشوء الدولة ووجودها في حياة الإنسان على أساس العامل الاقتصادي والتناقض الطبقي، فالمجتمع المتناقض طبقياً يلتهب فيه الصراع بين الطبقة القويّة المالكة لوسائل الإنتاج والطبقة الضعيفة التي لا تملك شيئاً، فتقوم الطبقة الغالبة بإنشاء أداة سياسية لحماية مصالحها الاقتصادية، والحفاظ على مركزها الرئيسي وهذه الأداة السياسية هي الحكومة بمختلف أشكالها التأريخية.

وهذا التفسير الماركسي للدولة أو الحكومة لا يكتسب قيمة علمية مؤكّدة إلاّ إذا أفلست كلّ التفاسير التي يمكن أن يُبرَر بها نشوء الدولة في المجتمع البشري، سوى كونها أداة سياسية للاستغلال الطبقي وأمّا إذا استطعنا أن نفسّر هذه الظاهرة الاجتماعية على أساس آخر، ولم يدحض الدليل العلمي ذلك فليس التفسير الماركسي عندئذٍ إلاّ افتراضاً من عدّة افتراضات.

فلن يكون التفسير الماركسي تفسيراً علمياً إذا أمكن - مثلاً - أن نفسّر نشوء الدولة على أساس تعقيد الحياة المدنية ونبرر بذلك قيام الدولة في كثير من المجتمعات البشرية، ففي مصر القديمة - مثلاً - لم تكن الحياة الاجتماعية فيها ممكنة بدون جهود معقّدة جسيمة، وعمل واسع شامل لتنظيم جريان وفيضان الأنهر الكبيرة، وتنظيم

٣١٠

شؤون الري فظهرت الدولة لتسيير الحياة الاجتماعية والإشراف على العمليات المعقّدة التي تتوقّف الحياة العامة عليها ولأجل هذا نجد أن طائفة الإكليروس المصريين كانوا يتمتعون بمكانة عُليا في جهاز الدولة المصرية القديمة ؛ لا على أساس طبقي، وإنّما على أساس الدور الخطير الذي لعبته معارفهم العلمية في نظام الزراعة المصرية.

وكذلك أيضاً نجد أنّ رجال الكنسية تمتّعوا بمركز كبير في جهاز الدولة الرومانية عندما دخل الجرمان في الدولة الرومانية أفوجاً متبربرة تلو أفواج، إذ بدت الكنيسة - على إثر ما أدى إليه الغزو الجرماني من انهيار التعليم والثقافة - صاحبة الصدارة الفكرية في البلاد، حيث صار الرجل من رجال الدين الكنيسي هو الوحيد الذي يعرف القراءة والكتابة، والتكلم باللاتينية، وهو الذي يفهم - دون غيره - حساب الشهور، ويستطيع أن يمارس العمل الرتيب لتصريف شؤون الإدارة الحكومية، بينما انصرف ملوك الجرمان والقادة العسكريون منهم إلى صيد الخنازير والإبل والغزال، وخوض معارك الغزو والتخريب فكان من الطبيعي أن يسيطر رجال الكنيسة على الإدارة الحكومية في البلاد ويكون لهم أثر كبير في الجهاز السياسي الحاكم، الأمر الذي جلب لهم من المغانم والمكاسب ما جعلهم - في رأي الماركسية - طبقة ذات مصالح اقتصادية معيّنة فالنفوذ الاقتصادي أو المصالح الاقتصادية إنّما حصلت عن طريق الوجود السياسي، وأمّا وجودهم السياسي في جهاز الحكم فلم يكن قائماً على أساس ذلك النفوذ الاقتصادي الذي اكتسبوه بعد ذلك، وإنّا قام على أساس امتيازاتهم الفكرية والإدارية.

٣١١

ولن يكون التفسير الماركسي للدولة تفسيراً علمياً إذا أمكن أن نفترض: أن للعقيدة الدينية تأثيراً في تكوين كثير من الدول والسلطات السياسية التي كانت ترتكز على أساس ديني، وتتمثّل في جماعات لا تشترك في مصلحة طبقية، وإنّما تشترك في طابع ديني واحد وكذلك إذا أمكن أن نفترض: أنّ نشوء الدولة في المجتمع الإنساني كان إشباعاً لنزعة أصيلة في النفس الإنسانية، التي تملك استعداداً كامناً للميل إلى السيطرة والتفوّق على الآخرين فكانت الحكومة من وحي هذا الميل، وتعبيراً عملياً عنه.

ولا أريد أن أستقصي كلّ الفرضيات التي يمكن تفسير الدولة على أساسها، وإنّما أرمي من وراء هذا: على القول بأنّ تفسير الماركسية للدولة لا يمكن أن يكتسب طابعاً علمياً ما لم يستطع أن يدحض سائر تلك الافتراضات، ويقدّم الدليل من الواقع على زيفها.

وقد سقنا تفسير الماركسية للدولة كنموذج لسائر مفاهيمها وفرضيّاتها التأريخية، التي تفسّر المجتمع الإنساني على أساسها فإنّ جميع تلك الفرضيات تتطّلب من الماركسية - لكي تصبح نظريات علمية جديرة بالقبول - أن تقدّم الدليل على كذب كلّ فرضية سواها، ولا يكفي لقبولها أن تكون فرضيّات ممكنة صالحة للانطباق على الواقع وتفسيره.

فلنرى - إذن - ماذا يمكن للماركسية أن تقدّمه من دليل علمي بهذا الصدد ؟ إنّ أوّل وأهمّ عقبة تواجه الماركسية في هذا المجال هي العقبة التي تضعها في طريقها طبيعة البحث التأريخي ؛ ذلك أنّ البحث في المجال التاريخي ( نشوء المجتمع، وتطوّره، والعوامل الأساسية فيه )

٣١٢

يختلف عن البحوث العلمية في مجالات العلوم الطبيعية التي يستخلصها العالم الفيزيائي - مثلاً - من تجاربه العملية في المختبر.

فالباحث التأريخي والعالم الفيزيائي وإن كانا يلتقيان عند نقطة واحدة، وهي: أنّ كلاً منهما يتناول مجموعة من الظواهر - ظواهر المجتمع البشري كالدولة والأفكار والملكية، أو ظواهر الطبيعة كالحرارة والصوت والنور - ويحاولان تنظيم تلك الظواهر بصفتها موادَّ للبحث، واستكشاف أسبابها، والعوامل الأساسية فيها غير أنّهما يختلفان في موقفهما العلمي من تلك الظواهر موضوعة الدرس.

ومرد اختلافهما إلى سببين: فإنّ الباحث التأريخي الذي يريد أن يفسّر المجتمع البشري ونشوءه وتطوّره ومراحله، في ضوء الظواهر التاريخية والاجتماعية، لا يستطيع أن يتبيّن هذه الظواهر بصورة مباشرة، كما يتبين العالم الفيزيائي ٍظواهر الطبيعة التي يدرسها في مختبره الخاص، وإنّما هو مضطر إلى تكوين فكرة عنها ترتكز على النقل والرواية، وشتى المخلوقات العمرانية وغيرها من الآثار، ذات الدلالة الناقصة فالفرق إذن كبير جداً بين الظواهر الطبيعية التي يرتكز عليها البحث العلمي في العلوم الطبيعية بصفتها المواد الرئيسية له، وبين الظواهر التأريخية التي يقوم على أساسها البحث التأريخي بصفتها موادَّ أولية له فالمواد في العلوم الطبيعية ظواهر معاصرة للعالم الطبيعي، موجودة في مختبره، يستطيع مشاهدتها وتسليط الضوء العلمي عليها، وبالتالي وضع تفسير كامل لها وعلى العكس من ذلك تماماً المواد التي يملكها الباحث التأريخي ؛ فإنّه لدى محاولة استكشاف العوامل الأساسية في المجتمع وكيفية نشوئه وتطوّره، مضطرٌ إلى الاعتماد في تكوين مواد

٣١٣

البحث، وفي الاستنتاج والتفسير، على كثير من الظواهر التأريخية للمجتمع التي لا يستطيع الباحث مشاهدتها إلاّ من خلال النقل والرواية، أو من خلال بعض الآثار التأريخية الباقية، ونذكر على سبيل المثال إنجلز، بوصفه باحثاً تأريخياً حاول في كتابه ( أصل العائلة ) تفسير الظواهر الاجتماعية علمياً، فاضطر إلى الاعتماد - بصورة رئيسية - في استنتاجاته على روايات ومزاعم مؤرّخ أو رحّالة معيّن، هو ( مورغان ).

وهكذا يختلف البحث التأريخي عن البحث الطبيعي من ناحية المادة ( الظواهر )، التي يملكها الباحث، ويقيم عليها تفسيره واستنتاجه.

ولا يقف اختلافهما عند هذا الحد ؛ فإنّهما كما يختلفان من ناحية المادة، كذلك يوجد سبب آخر لاختلافهما من ناحية الدليل الذي يمكن للباحث استخدامه في سبيل تدعيم هذا التفسير العلمي أو ذاك.

فإنّ الباحث التأريخي حين يحصل على مجموعة من الظواهر والأحداث التأريخية لا يملك تجاهها تلك الإمكانيات التي يملكها الفيزيائي - مثلاً - تجاه الذرة وظواهرها، ونواتها وكهاربها وإشعاعاتها ؛ لأنّ الباحث التأريخي مضطر لأخذ الظواهر والأحداث التأريخية كما هي، ولا يمكنه أن يطوّر أو يغيّر شيئاً منها عن طريق التجربة وأمّا العالم الفيزيائي فهو يستطيع أن يجري تجاربه المختلفة على المادة التي يعالجها، ويستبعد منها ما يشاء، ويضمّ إليها ما يشاء وحتى في المجال الذي لا تخضع المادة المدروسة فيه للتغيير، كعلم الفلك، يمكن للعالم الفلكي أن يغيّر من علاقاته بتلك المادة بواسطة التلسكوب، ومن موقعه واتجاهاته.

٣١٤

وعجز الباحث التأريخي عن القيام بتجارب على الظواهر التأريخية والاجتماعية يعني عدم تمكّنه من تقديم دليل تجريبي على نظرياته التي يفسّر بها التأريخ، ويستكشف أسراره.

فلا يستطيع - مثلاً - لدى محاولة الكشف عن العامل الأساسي لظاهرة تأريخية معيّنة - أن يستعمل الأساليب العلمية الأساسية التي يقرّرها المنطق التجريبي، ويستعملها العلماء الطبيعيون، كطريقتي: الاتفاق والاختلاف، الطريقتين الرئيسيتين في الاستدلال التجريبي ؛ لأن هاتين الطريقتين تتوقّفان كلاهما على إضافة عامل بأسره أو حذف عامل بأسره لنرى مدى ارتباطه مع عامل آخر فلكي يثبت علمياً أن ( ب ) هي سبب ( أ ) يجمع بينهما في ظروف مختلفة، وهذه هي طريقة الاتفاق، ثمّ يعزل ( ب ) ؛ ليرى هل يزول ( أ ) تبعاً لذلك، وهذه هي طريقة الاختلاف ومن الواضح أنّ الباحث التأريخي لا يتمكّن من تغيير الواقع التأريخي للإنسانية، ولا يقدر على شيء من ذلك.

ولنأخذ مثلاً على ذلك: الدولة بوصفها ظاهرة تأريخية، والحرارة بوصفها ظاهرة طبيعية فإنّ العالم الطبيعي إذا حاول أن يفسّر الحرارة تفسيراً علمياً ويستكشف السبب الرئيسي لها، أمكنه أن يفترض: أنّ الحركة هي سبب الحرارة، إذا أدرك اقترانهما في حالات عديدة ولكي يتأكّد من صحّة هذا الافتراض يستعمل طريقة الاتفاق، فيقوم بعدّة تجارب يحاول في كل واحدة منها إبعاد شيء من الأشياء التي تقترن بالحركة والحرارة، ليتأكّد من أنّ الحرارة توجد بدونه، وأنّه ليس سبباً لها ويستعمل أيضاً طريقة الاختلاف، فيحاول أن يقوم بتجربة يفصل فيها الحركة عن الحرارة ؛ ليتبيّن ما إذا كان من الممكن

٣١٥

أن توجد حرارة بدون حركة، فإذا كشفت التجربة أنّ الحرارة توجد متى ما وجدت الحركة، مهما كانت الظروف والأحداث الأُخرى، وأنّها تختفي في الحالات التي لا توجد فيها حركة ثبت علمياً أنّ الحركة هي سبب الحرارة.

وأمّا الباحث التأريخي، حين يتناول الدولة بصفتها ظاهرة تأريخية في حياة الإنسان، فهو قد يفترض أنّها نتاج مصلحة اقتصادية لفئةٍ معيّنة من المجتمع، ولكنّه لا يستطيع أن يدحض الافتراضات الأُخرى بالتجربة فلا يمكنه - مثلاً - أن يبرهن تجريبياً على أنّ الدولة ليست نتاجاً لنزعة سياسية في نفس الإنسان، أو لحالة تعقيد معيّنة في الحياة المدنية والاجتماعية ؛ لأنّ غاية ما يتاح للباحث التأريخي أن يضع إصبعه على عدد من الحالات التأريخية التي اقترن فيها ظهور الدولة بمصلحة اقتصادية معيّنة، ويحشد عدداً من الأمثلة التي وجد فيها الدولة والمصلحة الاقتصادية معاً وهذا ما يسمّى في المنطق التجريبي أو العلمي بطريقة: ( التعداد البسيط ).

ومن الواضح أنّ طريقة التعداد البسيط هذه لا تبرهن علمياً على أنّ المصلحة الاقتصادية الطبقية هي السبب الأساسي الوحيد لظهور الدولة ؛ إذ من الجائز أن يكون للعوامل الأُخرى أثرها الخاص في تكوين الدولة، وحيث إنّ الباحث لا يستطيع أن يغيّر الواقع التأريخي - كما يغيّر الفيزيائي الظواهر الطبيعية بتجاربه - فهو لا يتمكّن من إفراز وعزل سائر العوامل الأُخرى عن واقع المجتمع ليدرس نتيجة هذا العزل، ويتبيّن: ما إذا كانت الدولة - كظاهرة اجتماعية - ستزول بعزل تلك العوامل أو لا.

ويُستخلص ممّا سبق: أنّ البحث التأريخي يختلف عادة عن البحوث

٣١٦

العلمية الطبيعية من ناحية المادة التي يقوم على أساسها الاستنتاج أوّلاً، ومن ناحية الدليل الذي يدعم ذلك الاستنتاج ثانياً وإذا استبعدنا الدليل التجريبي الدقيق عن نطاق البحث التأريخي لم يبقَ لدى مفسّري التأريخ إلاّ الملاحظة المنظّمة التي تحاول أن تستوعب أكبر مقدار ممكن من أحداث التأريخ وظواهره، حيث يأخذها الباحث التأريخي كما هي، ويحاول أن يفسّرها ويضع لها مفاهيمها العامة، على طريقة التعداد البسيط.

وعلى هذا الأساس نعرف: أنّ الماركسية لم تكن تملك - حين وضعت مفهومها الخاص عن التأريخ - سنداً علمياً لها سوى الملاحظة التي رأتها الماركسية كافية للتدليل على وجهة نظرها المعيّنة إلى التأريخ وأكثر من هذا، أنّها زعمت: أنّ الملاحظة المحدودة في نطاق تأريخي ضيّق تكفي وحدها لاستكشاف قوانين التأريخ كلّها، واليقين العلمي بها فقد قال إنجلز:

( ولكن فيما كان البحث عن هذه الأسباب المحرّكة في التأريخ مستحيلاً تقريباً في سائر المراحل السابقة ؛ بسبب تعثّر علاقتها وتخفّيها مع ردود الفعل التي تؤثّر بها، فإنّ عصرنا قد بسط هذه العلائق كثيراً، بحيث أمكن حلّ اللغز، فمنذ انتصار الصناعة الكبرى لم يعد خافياً على أحد في إنكلترا بأنّ النضال السياسي كلّه يدور فيها حول طموح طبقتين إلى السلطة، ألا وهما: الأرستقراطية العقارية، البرجوازية )(١) .

____________________

(١) لودفيج فيورباخ: ص ٩٥.

٣١٧

ومعنى هذا: أنّ ملاحظة الوضع الاجتماعي في فترة معيّنة من حياة أوروبا، أو انكلترا خاصة، كانت كافية في رأي المفكر الماركسي الكبير إنجلز لليقين العلمي بأنّ العامل الاقتصادي والتناقض الطبقي هو العامل الأساسي في التأريخ الإنساني كلّه، بالرغم من أنّ فترات التأريخ الأُخرى لا تكشف عن ذلك ؛ لأنّها غائمة معقّدة كما اعترف بذلك ( إنجلز ) نفسه، فمشهد واحد من مشاهد التأريخ في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر استطاع أن يقنع الماركسية بأنّ القوى المحرّكة للتأريخ عبر عشرات الآلاف من السنين هي قوى العامل الاقتصادي، يقنعها بذلك لا لشيءٍ، إلاّ لأنّ هذا العامل هو الذي بدا لها أنّه مسيطر على ذلك المشهد التأريخي الخاص، مشهد انكلترا في تلك الفترة المحدودة من تأريخها مع أنّ سيطرة عامل معيّن على مجتمع في فترة خاصة، لا تكفي للتدليل على سيطرته الرئيسية في كلّ أدوار التأريخ وفي كلّ المجتمعات، إذ قد يكون لهذه السيطرة نفسها أسبابها وعواملها الخاصة فيجب قبل إصدار الأحكام النهائية في حقّ التأريخ أن يُقارَن المجتمع الذي بدا العامل الاقتصادي مسيطراً عليه بالمجتمعات الأُخرى، حتى يبحث عمّا إذا كان لهذه السيطرة ظروفها وأسبابها الخاصّة.

ومن الجدير بنا بهذا الصدد أن نلاحظ كلاماً آخر لإنجلز ساقه في مناسبة أخرى، وهو يعتذر عن أخطاء وقع فيها من جراء تطبيق الديالكتيك على غير المجتمع من مجالات الكون والحياة، قائلاً:

( وغني عن البيان بأنّني كنت قد عمدت إلى سرد المواضيع في الرياضيات والعلوم الطبيعية سرداً عاجلاً وملخّصاً ؛ بغية أن أطمئنّ تفصيلاً إلى ما لم أكن في

٣١٨

شكّ منه بصورة عامة، إلى أنّ نفس القوانين الديالكتيكية للحركة التي تسيطر على العفوية الظاهرة للحوادث في التأريخ تشقّ طريقها في الطبيعة )(١) .

ونحن إذا قارنا هذا الكلام بالكلام السابق لإنجلز استطعنا أن نعرف كيف أتيح لمفكّر ماركسي مثل إنجلز أن يكوّن مفهومه العامّ عن التأريخ، وبالتالي مفهومه الفلسفي عن الكون والحياة وكلّ ظواهرها من خلال الضوء الذي يلقيه مشهد تأريخي واحد لمجتمع خاص من المجتمعات البشرية في فترة محدودة من الزمن بطريقة سهلة جداً فما دام هذا المشهد التأريخي المعيّن يكشف عن صراع بين جماعتين في المجتمع فيجب أن يكون التأريخ كلّه صراعاً بين المتناقضات وإذا كان التناقض هو الذي يسود التأريخ فيكفي هذا ليؤمن إنجلز بأنّ نفس قوانين التناقض هذه تشقّ طريقها في الطبيعة - على حد تعبيره - وأنّ الكون كلّه صراع بين مختلف التناقضات الداخلية.

____________________

(١) ضد دوهرنك ج ٢: ص ١٩٣.

٣١٩

٣٢٠