المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ0%

المجتمع والتاريخ مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: كتب
الصفحات: 433

المجتمع والتاريخ

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الشيخ مرتضى المطهري
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: الصفحات: 433
المشاهدات: 24017
تحميل: 13804

توضيحات:

المجتمع والتاريخ
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 433 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 24017 / تحميل: 13804
الحجم الحجم الحجم
المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ

مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الملحق رقم - ٣

التحليل القرآني لعناصر المجتمع

أروع صيغة لتحليل عناصر المجتمع وأدقّها وأعمقها تضمّنتها الآية الكريمة:

( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) (١) .

هناك ثلاثة عناصر يمكن استخلاصها من العبارة القرآنية:

١ - الإنسان.

٢ - الأرض، أو الطبيعة على وجه عام،( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) فهناك أرض أو طبيعة على وجه عام، وهنالك الإنسان الذي يجعله الله سبحانه وتعالى على الأرض.

٣ - العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالأرض وبالطبيعة، وتربط من ناحية أُخرى الإنسان بأخيه الإنسان.

____________________

(١) البقرة: ٣٠.

٣٦١

وهذه العلاقة المعنوية هي التي سمّاها القرآن الكريم بالاستخلاف.

حينما نلاحظ المجتمعات البشرية ؛ نجد أنّها تشترك جميعاً في العنصر الأول والعنصر الثاني، فلا يوجد مجتمع بدون إنسان يعيش مع أخيه الإنسان، ولا يوجد مجتمع بدون أرض أو طبيعة يمارس عليها دوره الاجتماعي.

أمّا العنصر الثالث ففي كل مجتمع علاقة كما ذكرنا، ولكنّ المجتمعات تختلف في طبيعة هذه العلاقة وفي كيفيّة صياغتها وهذا العنصر الثالث هو العنصر المرن والمتحرّك من عناصر المجتمع وكل مجتمع يبني هذه العلاقة بشكل قد يتّفق، وقد يختلف مع طريقة بناء المجتمع الآخر لها.

صيغتان للعلاقة:

العلاقة المذكورة في العنصر الثالث لها صيغتان:

الصيغة الرباعية.

الصيغة الثلاثية.

الصيغة الرباعية:

هي الصيغة التي طرحها القرآن الكريم للعلاقات الاجتماعية تحت اسم الاستخلاف، وبموجبها ترتبط أربعة أطراف مع بعضها ثلاثة منها داخل إطار المجتمع وهي: الطبيعة، والإنسان مع الإنسان، وطرف رابع خارج عن إطار المجتمع، لكن هذه الصيغة تعتبر هذا الطرف الرابع مقوّماً من المقوّمات الأساسية للعلاقات الاجتماعية، وهو الله سبحانه وتعالى.

٣٦٢

عند تحليل الاستخلاف نجده على أربعة أطراف ؛ لأنّه يفترض مستخلفاً ( وهو الله تعالى ) إلى جانب المستخلَف ( وهو الإنسان وأخوه الإنسان ) والمستخلَف عليه ( وهو الأرض وما عليها ).

هذه الصيغة الرباعية تنطبق مع وجهة نظر معيّنة نحو الكون والحياة، تقول: إنّه لا سيدّ ولا إله للكون والحياة إلاّ الله سبحانه وتعالى، وأنّ دور الإنسان في ممارسة حياته إنّما هو دور الاستخلاف والاستئمان، وأيّة علاقة تنشأ بين الإنسان والطبيعة فهي في جوهرها علاقة أمين على أمانة استُؤمِن عليها، لا علاقة مالك بمملوك وأيّة علاقة تنشأ بين الإنسان وأخيه الإنسان مهما كان المركز الاجتماعي لهذا أو لذاك، فهي علاقة استخلاف وتفاعل بقدر ما يكون هذا الإنسان مؤدّياً لواجبه في هذه الخلافة، وليست علاقة سيادة أو إلوهيّة أو مالكيّة.

الصيغة الثلاثية:

هي الصيغة التي تربط بين الإنسان والإنسان والطبيعة، لكنّها تقطع صلة هذه الأطراف بالطرف الرابع وتجرّد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع، عن الله سبحانه وتعالى، وبهذا تتحوّل نظرة كل جزء إلى الجزء الآخر داخل هذا التركيب وهذه الصيغة وظهرت على مسرح التاريخ ألوان مختلفة للملكية والسيادة، سيادةِ الإنسان على أخيه الإنسان بأشكالها المختلفة، في إطار تعطيل البُعد الرابع وافتراض أنّ البداية هي الإنسان.

لو قارنّا بين الصيغتين لاتضح أنّ إضافة الطرف الرابع للصيغة الرباعية ليست مجرّد إضافة عددية، بل إنّ هذه الإضافة تُحدث تغييراً نوعياً في بُنية العلاقات الاجتماعية، وفي تركيب الأطراف الثلاثة

٣٦٣

نفسها ليس هذا مجرّد عملية جمع ثلاثة زائد واحد، بل هذا الواحد الذي يضاف إلى الثلاثة سوف يعطي للثلاثة روحاً أُخرى ومفهوماً آخر، سوف يُحدث تغييراً أساسياً في بُنية هذه العلاقات ذات الأطراف الأربعة كما رأينا ؛ إذ يعود الإنسان مع أخيه الإنسان مجرّد شركاء في محل هذه الأمانة والاستخلاف، وتعود الطبيعة بكل ما فيها من ثروات وبكل ما عليها ومَن عليها مجّرد أمانة لا بدّ من رعاية واجبها وأداء حقّها هذا الطرف الرابع هو في الحقيقة مغيّر نوعي لتركيب العلاقة.

القرآن الكريم إذن آمن بالصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية، لكنّ القرآن الكريم ذهب إلى أكثر من هذا، فقد اعتبر هذه الصيغة الرباعية سُنة من سُنن التاريخ، كما اعتبر في الآية السابقة( فأقِمْ وجْهَك للدين . ) سنّة من سنن التاريخ.

وكيف اعتبر القرآن هذه العلاقة بصيغتها الرباعية سنّة من التاريخ ؟ الصيغة الرباعيّة عرضها القرآن الكريم على نحوين:

تارة عرضها بوصفها فاعلية ربّانية من زاوية الله سبحانه وتعالى في العطاء، هذا العرض قرأناه في الآية:( إنّي جاعل في الأرض خليفة ) هذه العلاقة الرباعية معروضة في هذا النص الشريف باعتبارها عطاءاً وجعْلاً من الله، يمثّل الدور الايجابي التكريمي من ربّ العالمين.

وتارة عَرَضها من زاوية تقبّل الإنسان لهذه الخلافة ؛ وذلك في قوله سبحانه وتعالى:

( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ

٣٦٤

يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (١) .

الأمانةُ هي الوجه التقبّلي للخلافة، والخلافة هي الوجه الفاعلي والعطائي للأمانة، الأمانة والخلافة عبارة عن الاستخلاف والاستئمان وتحمّل الأعباء.

هذه الأمانة التي تقبّلها الإنسان، وتحمّلها حينما عُرِضت عليه بنصّ الآية الكريمة، أو بتعبير آخر: هذه العلاقة الاجتماعية بصيغتها الرباعيّة، لم تُعرض على الإنسان على مستوى التكليف والطلب، وليس المقصود من تقبّل هذه الأمانة هو تقبّل هذه الخلافة على مستوى الامتثال والطاعة، والدليل على ذلك: أنّ هذا العرض كان معروضاً على الجبال والسماوات والأرض أيضاً ومن الواضح أنّه لا معنى لتكليف السماوات والجبال والأرض من هذا نفهم أنّ العرض ليس عرضاً تشريعياً، بل إنّه يعني أنّ هذه العطية الربّانية كانت تفتش عن الوضع المنسجم معها بطبيعته، بفطرته، بتركيبه التاريخي والكوني.

الجبال لا تنسجم مع هذه الخلافة، والسماوات والأرض لا تنسجم مع هذه العلاقة الاجتماعية الربّانية الإنسان هو الكائن الوحيد الذي كان منسجماً مع هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة التي تُصبح أمانة وخلافة، بحكم تركيبه وبحكم بنيته، وبحكم فطرة الله التي فطر الناس عليها.

العرضُ هنا إذن عرض تكويني، والقبول هنا قبول تكويني، وهذا هو معنى سنّة التاريخ، أي إنّ هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف

____________________

(١) الأحزاب: ٧٢.

٣٦٥

الأربعة داخلة في تكوين الإنسان، وفي مسار الإنسان الطبيعي والتاريخي.

في هذه الآية إشارة إلى أنّ هذه السنّة التاريخية من الشكل الثالث، أي إنّها سنّة تقبل التحدّي وتقبل العصيان وليست من تلك السنن التي لا تقبل التحدّي أبداً، ولو للحظة، إنّها سنّة فطرة، ولكنّ هذه الفطرة تقبل التحدّي القرآن أشار إلى هذا بقوله:( وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) وهذه العبارة تأكيد على أنّها سنّة تقبل التحدّي على الرغم من أنّها سنّة من سنن التاريخ، وتأكيد على أنّها تقبل أن يقف الإنسان منها موقفاً سلبيّاً، وهذا التعبير يوازي تعبير:( ولكنّ أكثر الناسِ لا يَعلمون ) في الآية السابقة:

( فأقم وجهك للدين حنيفاً . ) (١) .

الحقيقة أنّ الآية:

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) (٢) .

تؤكّد بعبارة ( الدين القيم ) على أنّ هذا الدين هو الفطرة، وكل ما هو داخل في تكوين الإنسان وتركيبه ومسار تاريخه، أي أن يكون هذا الدين قيّماً على الحياة، وأن يكون مهيمناً على الحياة هذه القيمومة في الدين هي التعبير المجمل في هذه الآية عن العلاقة الاجتماعية الرباعية التي طُرحت في الآيتين: آية( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) وآية( عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) .

____________________

(١) الروم: ٣٠.

(٢) الروم: ٣٠.

٣٦٦

فالدين سنّة للحياة، والدين يُدخل في الحياة بعداً رابعاً ؛ لكي يُحدث تغييراً في كنه هذه العلاقة لا لكي تكون مجرّد إضافة عددية.

الركنان الثابتان في العلاقة الاجتماعية

من أجل أن نتعرّف بصورة أوضح وأوسع على دور الدين القيّم ودور الخلافة والأمانة، وعلى دور العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة، ودور الطرف الرابع باعتباره سنّة من سنن التاريخ، لا بد أن نتعرّف أولاً على الركنين الثابتين في العلاقات الاجتماعية.

أحدهما: الإنسان وأخوه الإنسان.

والآخر: الطبيعة، الكون والأرض.

هذان الركنان داخلان في الصيغة الثلاثية وفي الصيغة الرباعية، ومن هنا نسمّيهما بالركنين الثابتين في العلاقات الاجتماعية.

ومن أجل أن نعرف دور الركن الجديد، ودور هذا الطرف الرابع، دور الله سبحانه وتعالى في تركيب العلاقات الاجتماعية لا بد أن نفهم دور الركنين الثابتين.

دورُ الركن الجديد، دور الطرف الرابع يتضح بعد أن تتبيّن وجهة النظر القرآنية عن دور الإنسان في عملية التاريخ، وعن دور الطبيعة في العلاقات الاجتماعية وسوف يتضح أيضاً أنّ هذا الطرف الرابع عنصر ضروري بحكم سنّة التاريخ، وبحكم خلقة الإنسان، ولا بد وأن يندمج مع الأطراف الأُخرى لتكوين علاقة اجتماعية رباعية الأطراف.

٣٦٧

مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية

اتضح من خلال المفاهيم التي مرّت بنا أنّ الإنسان أو المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس لحركة التاريخ وذكرنا أنّ حركة التاريخ تتميّز عن سائر الحركات الأُخرى بأنّها غائيّة لا سببيّة فقط ليست مشدودة إلى سببها إلى ماضيها فحسب، بل هي مشدودة أيضاً إلى الغاية ؛ لأنّها حركة هادفة ذات غائية متطلّعة إلى المستقبل.

المستقبل هو المحرّك لأي نشاط من النشاطات التاريخية، والمستقبل معدوم فعلاً، وإنّما تحرّك من خلال الوجود الذهني الذي يتمثّل فيه هذا المستقبل ؛ فالوجود الذهني - إذن - هو الحافز والمحرك والمدار لحركة التاريخ.

هذا الوجود الذهني يجسّد من ناحية جانباً فكرياً، وهو الجانب الذي يضمّ تصوّرات الهدف، ويمثّل من جانب آخر الطاقة والإرادة التي تحفّز الإنسان نحو هذا الهدف وبالامتزاج بين الفكر والإرادة تتحقق فاعلية المستقبل ومحرّكيته للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية.

هذان الأمران: الفكر والإرادة، هما في الحقيقة المحتوى الداخلي الشعوري للإنسان المحتوى الداخلي للإنسان، إذن، هو الذي يصنع هذه الغايات ويجسّد هذه الأهداف من خلال مزجه بين الفكر والإرادة.

ممّا تقدّم يصحّ القول إنّ المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس لحركة التاريخ والبناء الاجتماعي العلوي بكل ما يضم من علاقات وأنظمة وأفكار وتفاصيل مرتبط بهذه القاعدة في المحتوى الداخلي للإنسان وتغييرُه وتطوّره لتغيير هذه القاعدة وتطوّرها فإذا تغيّر

٣٦٨

الأساس تغيّر البناء العلوي، وإذا بقي الأساس ثابتاً بقي البناء العلوي ثابتاً.

العلاقة بين المحتوى الداخلي للإنسان والبناء الفوقي والتاريخي للمجتمع، هي علاقة تبعيّة، أي علاقة سبب بمسبّب هذه العلاقة تمثّل سنّة تاريخية، تقدّم الكلام عنها في قوله سبحانه وتعالى:

( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (١) .

هذه الآية واضحة جداً في المفهوم الذي أعطيناه، وهو أنّ المحتوى الداخلي للإنسان هو القاعدة والأساس للبناء العلوي أي الحركة التاريخية ؛ لأنّ الآية الكريمة تتحدث عن تغييرين، وتقول إنّ تغيير أوضاع القوم وشؤونهم وأبنيتهم العلوية وظواهرهم لا تتغيّر حتى يتغيّر ما بأنفس القوم التغيير الأساسي إذن هو تغيير ما بنفس القوم، والتغيير المترتّب على ذلك هو تغيير حالة القوم النوعية والتاريخية والاجتماعية.

من الواضح أنّ المقصود من تغيير ما بالأنفس تغيير ما بأنفس القوم، بحيث يكون المحتوى الداخلي للقوم، باعتبارهم قوماً وأُمّة وشجرة مباركة تُؤتي أُكلها كل حين، متغيّراً , أمّا تغيير الفرد الواحد أو الفردين أو الأفراد الثلاثة فلا يشكّل الأساس لتغيير ما بالقوم فالمحتوى النفس والداخلي للأُمّة، باعتبارها أُمّة، لا محتوى هذا الفرد أو ذلك الفرد، هو الذي يعتبر أساساً وقاعدة للتغييرات في البناء العلوي للحركة التاريخية كلّها.

الإسلام يؤمن أنّ هذا البناء الداخلي يجب أن يسير جنباً إلى جنب

____________________

(١) الرعد: ١١.

٣٦٩

مع البناء الخارجي، ولا يمكن افتراض انفكاك البناء الداخلي عن البناء الخارجي إلاّ إذا بقي البناء الخارجي مهزوزاً متداعياً ولذلك سمّى الإسلام عملية بناء المحتوى الداخلي، إذا اتجهت اتجاهاً صالحاً الجهاد الأكبر، وسمّى عملية البناء الخارجي إذا اتجهت اتجاها صالحاً الجهاد الأصغر , واعتبر أنّ الجهاد الأصغر يفقد محتواه ومضمونه إذا انفصل عن الجهاد الأكبر، بل ويفقد قدرته على التغيير الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية.

والقرآن الكريم يعرض لحالة من حالات انفصال عملية البناء الخارجي عن عملية البناء الداخلي ؛ حيث يقول سبحانه وتعالى:

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (١) .

أي إنّ الإنسان لا يمكنه أن يطرح الكلمات الصالحة التي يمكن أن تتحوّل إلى بناء صالح في المجتمع إذا لم يبنِ نفسه بناءاً صالحاً، وإذا لم تنبعث هذه الكلمات عن قلب يعمر بالقيم التي تدل عليها تلك الكلمات ؛ إذ ستبقى الكلمات مجرّد ألفاظ جوفاء، دون أن يكون لها مضمون ومحتوى فمسألة القلب هي التي تعطي للكلمات معناها , وللشعارات أبعادها، ولعملية البناء الخارجي أهدافها ومسارَها.

نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي للإنسان

عرفنا أنّ الأساس في حركة التاريخ هو المحتوى الداخلي للإنسان، والآن نتساءل: ما هو الأساس في هذا المحتوى الداخلي نفسه، وما

____________________

(١) البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥.

٣٧٠

هي نقطة البدء في بناء هذا المحتوى الداخلي للإنسان، وما هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للإنسان ؟.

إنّه ( المثل الأعلى ).

عرفنا أنّ المحتوى الداخلي للإنسان يجسّد الغايات التي تحرّك التاريخ، من خلال وجودات ذهنية تمتزج فيها الإرادة بالتفكير والمثل الأعلى يحدّد هذه الغايات التي تحرك التاريخ الغايات تنبثق جميعاً عن وجهة نظر رئيسية إلى مثل أعلى للإنسان في حياته، وللجماعة البشرية في حياتها.

وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد الغايات التفصيلية، وينبثق عنه هذا الهدف الجزئي وذلك الهدف الجزئي فالغايات بنفسها محرّكة للتاريخ، وهي بدورها نتاج لقاعدة أعمق منها في المحتوى الداخلي للإنسان، وهو المثل الأعلى الذي تتمحور فيه كل تلك الغايات، وتعود إليه كل تلك الأهداف.

فبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحاً وسامياً وممتداً ؛ تكون الغايات صالحة وسامية وممتدة وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً أو منخفضاً ؛ تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضاً.

إذن المثل الأعلى هو نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي للجماعة البشرية وهذا المثل الأعلى يرتبط في الحقيقة بوجهة نظر عامة إلى الحياة والكون، يتحدّد من قِبَل كل جماعة بشرية على أساس وجهة نظرتها العامة نحو الكون والحياة، على ضوء ذلك تحدد مثلها الأعلى ومن خلال الطاقة الروحية التي تتناسب مع ذلك المثل الأعلى ومع وجهة

٣٧١

نظرها إلى الحياة والكون، تحقّق إرادتها للسير نحو هذا المثل وفي طريق هذا المثل هذا المثل الأعلى هو في الحقيقة إذن يتجسّد من خلال رؤية فكرية، ومن خلال طاقة روحيّة تدفع بالإنسان على طريقه وكل جماعة اختارت مثلها الأعلى، فقد اختارت في الحقيقة سبيلها ومنعطفات هذا السبيل.

وكما أنّ الحركة التاريخية تتميّز عن أي حركة أُخرى في الكون بأنّها حركة غائية وهادفة، وكذلك تتميّز وتتمايز الحركات التاريخية أنفسها بعضها عن بعض بمثلها العليا، فلكل حركة تاريخية مثلها الأعلى، وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدّد الغايات والأهداف والغايات والأهداف هي التي تحدد النشاطات والتحرّكات ضمن مسار ذلك المثل الأعلى.

آيات القرآن الكريم والنصوص الدينية تطلق على المثل الأعلى في جملة من الحالات اسم الإله، باعتبار أنّ المثل الأعلى هو القائد الآمر المطاع الموجِّه وهذه الصفات يراها القرآن للإله، ولهذا يعبّر عن كل ما يمثّل مركز المثل الأعلى بالإله ؛ لأنّه هو الذي يصنع مسار التاريخ، حتى عبّر عن الهوى حينما يتصاعد تصاعداً مصطنعاً فيصبح هو المثل الأعلى وهو الغاية القصوى لهذا الفرد أو لذاك، عبّر عنه بأنّه ( إله ).

( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) (١) .

فالمثل العليا بحسب التعبير القرآني والديني هي آله، لأنّها هي المعبودة حقّاً، وهي الآمرة والناهية حقّاً، وهي المحرّكة حقّاً، فهي آلهة في المفهوم الديني والاجتماعي.

____________________

(١) الفرقان: ٤٤٣.

٣٧٢

أقسام المثل العليا

المثل العليا التي تتبناها الجماعات البشرية على ثلاثة أقسام:

أولاً: المثل الأعلى المنخفض

وهو المثل الأعلى الذي يستمد تصوره من الواقع نفسه، ويكون منتزعا من واقع ما تعيشه الجماعة البشرية من ظروف وملابسات أي ان الوجود الذهني الذي صاغ المستقبل هنا لم يستطع أن يرتفع على هذا الواقع بل انتزع مثله الأعلى من هذا الواقع بحدوده وبقيوده وشؤونه.

حينما يكون المثل الأعلى منتزعا عن واقع الجماعة بحدودها وقيودها

وشؤونها ستكون حركة التاريخ حركة تكرارية لحالة سابقة ولهذا سوف يكون المستقبل تكرارا للواقع وللماضي ،وسيكون هذا المثل الأعلى تكراريا.

هذا النوع من الآلهة يعتمد على تجميد الواقع وتحويل ظروفه النسبية إلى ظروف مطلقة ؛ لكي لا تستطيع الجماعة البشرية أن تتجاوز الواقع وترتفع بطموحاتها عن هذا الواقع.

تبنّي هذا النوع من المثل العليا له أحد سببين:

السبب الأول:

الألفة والعادة والخمول والضياع، وهذا سبب نفسي وإذا انتشرت هذه الحالة في مجتمع، حينئذ يتجمّد ذلك المجتمع ؛ لأنّه سوف يصنع آلهة من واقعه، وسوف يحوّل هذا الواقع النسبي المحدود الذي

٣٧٣

يعيشه إلى حقيقة مطلقة، إلى مثل أعلى، إلى هدف لا يرى وراءه شيئاً.

هذه الحقيقة عرضها القرآن الكريم في كثير من الآيات التي تحدثت عن المجتمعات التي واجهت الأنبياء، حينما جاؤوها بمثُل عليا حقيقة ترتفع عن الواقع وتريد أن تحرّك هذا الواقع، وتنتزعه من حدوده النسبية إلى وضع آخر.

واجه هؤلاء الأنبياء مجتمعات سادتها حالة الألفة والعادة والتميّع، فكان هذا المجتمع يرد على دعوة الأنبياء، ويقول بأنّنا وجدنا آباءنا على هذه السنّة ونحن متمسّكون بمثلهم الأعلى سيطرة الواقع على إنسان هذه المجتمعات وتغلغل الحسّ في طموحاته بلغ درجة تحوّل هذا الإنسان معها إلى إنسان حسي لا إنسان مفكّر، إلى إنسان يكون ابن يومه دائماً، وابن واقعه دائماً، لا أبا يومه وأبا واقعه ؛ ولهذا لا يستطيع أن يرتفع على هذا الواقع.

يقول القرآن الكريم:

( قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) (١) .

( قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (٢) .

( قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ

____________________

(١) البقرة: ١٧٠.

(٢) المائدة: ١٠٤.

٣٧٤

فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) (١) .

( أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) (٢) .

( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) (٣) .

( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) (٤) .

في كل هذه الآيات يستعرض القرآن الكريم السبب الأول لتبنّي المجتمع هذا المثل الأعلى المنخفض هؤلاء بحكم الألفة والعادة وتحكّم التميّع والفراغ ؛ وَجَدوا سُنّةً قائمةً ووضعاً قائماً، فلم يسمحوا لأنفسهم أن يتجاوزوه، بل جسّدوه كمثل أعلى وعارضوا به دعوات الأنبياء على مرّ التاريخ هذا هو السبب الأول لتبنّي هذا المثل الأعلى المنخفض.

السبب الثاني:

هو التسلّط الفرعوني على مرّ التاريخ الفراعنة، حينما يحتلّون مراكزهم، يجدون في أي تطلّع إلى المستقبل، وفي أي تجاوز للوقع

____________________

(١) يونس: ٧٨.

(٢) هود: ٦٢.

(٣) إبراهيم: ١٠.

(٤) الزخرف: ٢٢.

٣٧٥

الذي سيطروا عليه، يجدون في ذلك زعزعة لوجودهم وهزاً لمراكزهم ؛ من هنا كان من مصلحة فرعون على مرّ التاريخ أن يغمض عيون الناس على هذا الواقع، أن يحوّل الواقع الذي يعيشه مع الناس إلى مطلق، إلى إله، إلى مثل أعلى لا يمكن تجاوزه يحاول أن يحبس كل الأُمّة في إطار نظرته هو، وفي أطار وجوده هو، لكي لا يمكن لهذه الأُمّة أن تفتّش عن مثل أعلى ينقلها من الحاضر إلى المستقبل، ومن واقعه إلى طموح آخر أو إلى واقع أكبر من هذا الواقع.

هنا السبب اجتماعي لا نفسي، وخارجي لا داخلي، وهذا أيضاً ما عرضه القرآن الكريم:

( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) (١) .

( قالَ فرعونُ ما أراكُمْ إلاّ ما أرى وما أهديكم إلاّ سبيلَ الرشاد ) (٢) .

يقول فرعون هنا: ما أراكم إلاّ ما أرى، أي يريد أن يضع الناس الذين يعبدونه كلهم في إطار رؤيته ونظرته، يريد أن يحوّل هذه النظرة وهذا الواقع إلى مطلق لا يمكن تجاوزه.

وقال سبحانه وتعالى:

( ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ) (٣) .

____________________

(١) القصص: ٣٨.

(٢) غافر: ٢٩.

(٣) المؤمنون: ٤٥ - ٤٧.

٣٧٦

فرعون وملؤه يصرّحون بأنّنا غير مستعدّين أن نؤمن بهذا المثل الأعلى الذي جاء به موسى ؛ لأنّه سوف يزعزع عبادة قوم موسى وهارون لنا.

القرآن الكريم يسمّي هذا النوع من القوى التي تحاول أن تحوّل هذا الواقع المحدود إلى مطلق، وتحصر الجماعة البشرية في إطار هذا المحدود، يسمّي هذا بالطاغوت.

قال الله سبحانه:

( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ ) (١) .

هذه الآية تشير أيضاً إلى صفة أساسية مميّزة لمَن اجتنب عبادة الطاغوت وهي:( يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) أي إنّهم لم يجعلوا قيداً على ذهنهم، ولم يخلقوا لهم إطاراً لا يمكنهم أن يتجاوزوه، بل جعلوا الحقيقة مدارهم وهدفهم ؛ ولهذا فهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أي إنّهم في حالة تطلع وموضوعية تسمح لهم بأن يجدوا الحقيقة ويتّبعونها بينما لو كانوا يعبدون الطاغوت لما استطاعوا أن يستمعوا القول فيتبعون أحسنه، وإنّما يتبعون فقط ما يراد أن يتّبعوه.

هذه المُثُل العليا المنخفضة المنتزعة عن الواقع تتخذ في كثير من الأحيان طابع ( الدين ) ويسبغ عليها هذا الطابع من أجل إعطائها قدسية تحافظ على بقائها واستمرارها على الساحة.

____________________

(١) الزمر: ١٧ - ١٨.

٣٧٧

ورأينا في الآيات الكريمة المتقدمة أنّ المجتمعات التي رفضت دعوة الأنبياء كثيراً ما كانت تصرّ على التمسّك بعبادة الآباء وبدين الآباء، وبالمثل الأعلى المعبود للآباء.

إنّ كل مثل أعلى من هذه المثل العليا المنخفضة لا ينفك في الحقيقة عن الثوب الديني، سواء برز بشكل صريخ أو لم يبرز ؛ لأنّ المثل العليا تحتل دائماً مركز الإله بحسب التعبير القرآني والإسلامي.

علاقة الأُمّة بمثلها الأعلى تستبطن دوماً نوعاً من ( العبادة ) لهذا المثل الأعلى، وليست الأديان بشكلها العام إلاّ علاقة عابد بمعبود.

المثل الأعلى إذن لا ينفك عن الثوب الديني سواء كان ثوباً دينياً صريحاً أم ثوباً دينياً مستتراً مبرقعاً تحت شعارات أُخرى، فهو في جوهره دين، وفي جوهره عبادة وانسياق.

هذه الأديان، التي تفرزها هذه المثل المنخفضة، أديان محدودة تبعاً لمحدودية نفس هذه المثل فهذه المثل المنخفضة المحدودة قد حُوّلت بصورة مصطنعة إلى مطلقات، وليست هي في الحقيقة سوى تصوّرات جزئية عبر الطريق الطويل للإنسان والأديان التي يفرزها الإنسان من خلال صنع هذه المُثل، ومن خلال عملقة هذه المثل وتطويرها من تصوّرات إلى مطلقات، تكون أدياناً محدودة وضئيلة.

أديان التجزئة هذه، وهذه الآلهة، التي يفرزها الإنسان بين حين وحين هي التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله:

( إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ ) (١) .

____________________

(١) النجم: ٢٣.

٣٧٨

هذا الدين الذي يصنُعه الإنسان لا يمكن أنْ يكون هو الدين القيّم، ولا يمكن أن يكون هو المصعّد الحقيقي للمسيرة البشرية ؛ لأنّ المسيرة البشرية لا يمكن أن تخلق إلهها بيدها.

إذا تقدّمنا خطوة إلى الأمام، نجد المجتمعات والأُمم، التي تعيش هذا المثل الأعلى المنخفض المستمد من واقع الحياة، سوف تفقد ولاءها بالتدريج لهذه المثل، بعد أن يفقد هذا المثل فاعليته وقدرته على العطاء، وبعد أن يصبح نسخة من الواقع وفقدان الولاء لهذه المثل يعني أنّ القاعدة الجماهيرية الواسعة في هذه الأُمّة سوف تتمزّق وحدتها ؛ لأنّ وحدة هذه القاعدة إنّما هي بالمثل الواحد، فإذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة.

هذه الأُمّة، بعد أن تفقد ولاءها لهذا المثل، تصاب بالتشتّت والتمزّق والتبعثر، وتكون كما وصفها القرآن الكريم:

( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) (١) .

بأسُهم بينهم شديد باعتبار أنّ هذه الأُمّة لا يجمعها شيء إلاّ تماثل الوجود وتقارب الوجوه، لا يجمعها مثل أعلى ولا يجمعها سبيل واحد، قلوب متفرقة وأهواء وأرواح مبعثرة وعقول مجمّدة.

في مثل هذه الحالة لا تبقى أُمّة، وإنّما يبقى شبح أمة فقط، وفي ظل هذا الشبح سوف ينصرف كل فرد من هذه الأُمّة إلى همومه الصغيرة والى قضاياه المحدودة ؛ لأنّه لا يوجد هناك مثل أعلى تلتف حوله الطاقات والقابليات والإمكانات، وتحشد من أجله التضحيات حينما

____________________

(١) الحشر: ١٤.

٣٧٩

يسقط هذا المثل الأعلى تسقط الراية التي توّحد الأُمّة ويبقى كل إنسان مشدود إلى حاجاته المحدودة ومصالحه الشخصية وتكيره في أموره الخاصة.

ويبقى يفكر كيف يُصبح وكيف يُمسي وكيف يأكل وكيف يشرب وكيف يوفر الراحة والاستقرار له ولأولاده ولعائلته أية راحة ؟ وأي استقرار ؟ الراحة بالمعنى الرخيص، والاستقرار بالمعنى القصير يبقى كل إنسان سجين حاجاته الخاصة ورغباته الخاصة.

في مثل هذه الحالة توجد ثلاثة إجراءات، ثلاثة بدائل يمكن أن تنطبق على حالة هذه الأُمّة الشبح:

الإجراء التاريخي الأول: أن تتداعى هذه الأُمّة أمام غزو عسكري من الخارج ؛ لأنّ هذه الأُمّة قد تقع فريسة غزو خارجي بعد أن أُفرغت من محتواها وتخلّت عن وجودها كأُمّة وبقيت كأفراد، كل إنسان يفكر في طعامه ولباسه ودار سكناه، ولا يفكر في الأُمّة أحد.

وهذا ما وقع بالفعل بعد أن فقد المسلمون مثلهم الأعلى، وفقدوا ولاءهم لهذا المثل الأعلى فتداعوا أمام غزو التتار.

الإجراء التاريخي الثاني: الذوبان والانصهار في مثل أعلى أجنبي مستورد من خارج هذه الأُمّة فبعد أن تفقد هذه الأُمّة مُثُلها العليا النابعة منها، وتفقد فاعليتها وأصالتها تفتش حينئذ عن مثل أعلى من الخارج تعطيه ولاءها لكي تمنحه قيادَتها.

الإجراء التاريخي الثالث: أن ينشأ في أعماق هذه الأُمّة بذور إعادة

٣٨٠