المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ0%

المجتمع والتاريخ مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: كتب
الصفحات: 433

المجتمع والتاريخ

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الشيخ مرتضى المطهري
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: الصفحات: 433
المشاهدات: 25831
تحميل: 13915

توضيحات:

المجتمع والتاريخ
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 433 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 25831 / تحميل: 13915
الحجم الحجم الحجم
المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ

مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

سبحانه وتعالى.

العدل: هو جانب من التوحيد، وهو صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، ولا توجد له ميزة عقائدية عن سائر هذه الصفات كالعلم والقدرة لكنّ الميزة هنا اجتماعية.

العدل هو الصفة التي تحتاج إليها المسيرة البشرية أكثر من أيّة صفة أُخرى العدل أبرز هنا كأصل ثانٍ من أُصول الدين باعتبار المدلول التوجيهي والتربوي لهذه الصفة.

قلنا إنّ الإسلام علّمنا أن لا نتعامل مع صفات الله وأخلاق الله كحقائق عينية ميتافيزيقية فوقنا لا صلة لنا بها، وإنّما نتعامل معها كمؤشّرات ومنارات على الطريق من هنا كان للعدل مدلوله الأكبر بالنسبة إلى توجيه المسيرة البشرية ؛ ولأجل ذلك أفرز، وأنّ العدل في الحقيقة داخل في إطار التوحيد العام , في إطار المثل الأعلى.

النبوّة: هي التي توفّر الصلة الموضوعية بين الإنسان والمثل الأعلى المسيرة البشرية، حينما تبنّت المثل الأعلى الحق المنفصل عنها، الذي ليس من إفرازها ومن إنتاجها المنخفض، كانت بحاجة إلى صلة موضوعية، هذه الصلة الموضوعية يجسّدها النبي على مرّ التاريخ.

الإمامة: هي تلك القيادة التي تندمج مع دور النبوّة النبي هو إمام أيضاً، لكنّ الإمامة لا تنتهي بانتهاء النبي إذا كانت المعركة قائمة، وإذا كانت الرسالة لا تزال بحاجة إلى قائد يواصل المعركة سوف يستمر هذا الجانب من دور النبي إذن خلال الإمامة فالإمامة هي

٤٠١

الأصل الرابع من أُصول الدين.

الإيمان بيوم القيامة: هو الذي يوفّر الشرط الثاني من شروط اتجاه المسيرة البشرية نحو الله، كما ذكرنا، هو الذي يعطي تلك الطاقة الروحية، وذلك الوقود الربّاني الذي يجدّد دائماً إرادة الإنسان وقدرة الإنسان، ويوفّر الشعور بالمسؤولية والضمانات الموضوعية.

أُصول الدين بالتعبير التحليلي هي - على ضوء ما ذكرناه - عناصر تساهم في تركيب هذا المثل الأعلى، وفي إعطاء تلك العلاقات الاجتماعية، بصفتها التاريخية، بصفتها القرآنية الرباعية التي تحدثنا عنها في الدروس الماضية.

تلخيص واستنتاج:

تحدثنا أنّ القرآن الكريم طرح العلاقة الاجتماعية ذات الأبعاد الأربعة لا الثلاثة بصيغة الاستخلاف، وشرحنا فيما سبق صيغة الاستخلاف وقلنا إنّ الاستخلاف يفترض أربعة أبعاد: يفترض إنساناً وإنساناً، وطبيعة والله سبحانه وتعالى، وهو المستخلف.

هذه الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية هي التعبير الآخر عن صيغة تدمج أُصول الدين الخمسة في مركب واحد، من أجل أن يسير الإنسان، ويكدح نحو الله سبحانه وتعالى في طريقه الطويل.

ممّا ذكرنا نوضح دور الإنسان في المسيرة التاريخية، نوضح أنّ الإنسان هو مركز الثقل في المسيرة التاريخية هو مركز الثقل لا بجسمه الفيزيائي، وإنّما بمحتواه الداخلي، وهذا المحتوى الداخلي هو المثل الأعلى الذي يتبنّاه الإنسان ؛ لأنّ المثل الأعلى هو الذي تنبثق منه كل

٤٠٢

الغايات التفصيلية، هي المحرّكات التاريخية للنشاطات على الساحة التاريخية.

المثل الأعلى وتبنّي المثل الأعلى في الحقيقة أساس في بناء المحتوى الداخلي للإنسان ؛ ومن هنا ظهر دور هذا البعد الرابع.

٤٠٣

٤٠٤

مقدّمة في تحليل عناصر المجتمع

خطّان من العلاقة الاجتماعية:

المجتمع يتكوّن من ثلاثة عناصر:

الإنسان والطبيعة، والعلاقة في الحلقة التاريخية.

تحدّثنا عن الإنسان ودوره الأساسي في الحلقة التاريخية، وتحدثنا عن الطبيعة وشأنها على الساحة التاريخية، وبقي علينا أن نتناول العنصر الثالث وهو: العلاقة الاجتماعية لنحدّد موقفنا من هذه العلاقة الاجتماعية على ضوء ما انتهينا إليه من مواقف قرآنية تجاه دور الإنسان والطبيعة على الساحة التاريخية.

تقدم أن العلاقة الاجتماعية تتضمّن علاقتين مزدوجتين:

إحداهما: علاقة الإنسان مع الطبيعة.

والأخرى: علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان.

هذان خطّان من العلاقة الاجتماعية، ونحن نؤمن أن كل واحد من هذين الخطين مختلف عن الآخر ومستقل استقلالاً نسبياً عن الآخر، مع شيء من التفاعل والتأثير المتبادل المحدود الذي سوف نشرحه بعد

٤٠٥

ذلك إن شاء الله.

هذان الخطان - من حيث الأساس - أحدهما مختلف عن الآخر، ومستقل استقلالاً نسبياً عنه، تبعاً للاختلاف النوعي في الطبيعة المشكلة التي يواجهها كل واحد من هذين الخطين ونوع الحل الذي ينسجم مع طبيعة تلك المشكلة.

الخط الأول: الذي يمثل علاقات الإنسان مع الطبيعة من خلال استثمارها ومحاولة تطويعها وإنتاج حاجاته الحياتية منها، يواجه مشكلة، وهي مشكلة التناقض بين الإنسان والطبيعة أي تمرّد الطبيعة وتعصيّها عن الاستجابة للطلب وللحاجة الإنسانية هذا التناقض بين الإنسان والطبيعة هو المشكلة الرئيسية على هذا الخط ولهذا التناقض حلّ مستمد من قانون موضوعي يمثل سنة من سنن التاريخ الثابتة وهذا القانون هو قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة.

كلما تضاءل جهل الإنسان بالطبيعة وازدادت خبرته بلغتها وبقوانينها , ازداد سيطرةً عليها وتمكناً من تطويعها وتذليلها لحاجاته .وكل خبرة تتولد في هذا الحقل من الممارسة، وكل ممارسة تولّد بدورها خبرة من هنا كان قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة قانوناً موضوعياً يكفل حلّ هذا التناقض، ويقدّم الحلّ المستمر والمتنامي لهذا التناقض بين الإنسان والطبيعة فالإنسان - من خلال ممارسته للطبيعة - يتضاءل جهله وتنمو معرفته باستمرار، ويكتسب خبرة جديدة تمكنه من السيطرة على ميدان جديد من ميادين الطبيعة وممارسته على الميدان الجديد تتحول بدورها إلى خبرة وهكذا تنمو الخبرة الإنسانية باستمرار، ما لم تقع كارثة كبرى طبيعية أو بشرية.

هذا القانون بنموه وبتطبيقاته التاريخية يعطي الحلول التدريجية لهذه

٤٠٦

المشكلة، فهي مشكلة محلولة تاريخياً ومحلولة موضوعياً، لعلّ في الآية الكريمة التالية إشارة إلى هذا الحلّ الموضوعي المستمد من قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة:( وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) (١) .

والسؤال في ( سألتموه ) لا يراد منه الدعاء أو السؤال اللفظي طبعاً ؛ لأنّ الآية تتكلّم عن الإنسانية ككلّ بما في ذلك المؤمن بالله وغير المؤمن بالله، وبما في ذلك مَن يدعو الله ومَن لا يدعو الله ؛ ولأنّ الدعاء لا يتضمّن حتماً تحقيق الشيء المدعّو به، بينما الآية تتحدث عن استجابة فعلية بعطاء ما سُئل عنه أكبر الظن أنّ هذا السؤال من قِبَل كلّ الإنسانية وعلى مرّ التاريخ وعبر الماضي والحاضر والمستقبل، يتمثّل في السؤال العملي، والطلب التكويني الذي يحقق باستمرار التطبيقات التاريخية لقانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة.

الخط الثاني: من العلاقات، علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان في مجال توزيع الثروة، أو في سائر الحقول الاجتماعية، أو في أوجه التفاعل الحضاري بين الإنسان وأخيه الإنسان.

وهذا الخط يواجه مشكلة أُخرى هي التناقض الاجتماعي بين الإنسان وأخيه الإنسان هذا التناقض يتخذ على الساحة الاجتماعية صيغاً متعددة وألواناً مختلفة، لكنّه يظل في حقيقته وجوهره شيئاً ثابتاً وحقيقة واحدة وروحاً عامة، وهي التناقض بين القوي والضعيف، بين كائن في مركز القوّة وكائن في مركز الضعف.

هذا القوي، إذا لم يكن قد حلّ تناقضه الخاص، جدلَه الإنساني

____________________

(١) إبراهيم: ٣٤.

٤٠٧

من الداخل سوف يفرز لا محالة صيغة من صيغ التناقض، مهما اختلفت الصيغة في مضمونها القانوني وشكلها التشريعي ولونها الحضاري، إنّها على أي حال صيغة من صيغ التناقض بين القوي والضعيف.

قد يكون هذا القوي فرداً متفرعناً، وقد يكون عصابة، وقد يكون طبقة، وقد يكون شعباً، وقد يكون أُمّة غير أنّ كل هذه الألوان تنطوي على روح واحدة هي روح الصراع بينها وبين الضعيف وروح استغلال هذا الضعيف.

هذه أشكال متعددة من التناقض الاجتماعي الذي يواجهه خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، وهذه الأشكال المتعددة ذات الروح الواحدة كلها تنبع من معين واحد، من تناقض رئيسي واحد، وهو ذلك الجدل الإنساني القائم بين حفنه التراب وبين أشواق الله سبحانه وتعالى كما شرحناه سابقاً.

ما لم ينْتَصِر أفضل النقيضين في ذلك الجدل الإنساني، فسوف يظلّ هذا الإنسان يفرز التناقض تلو التناقض، والصيغة بعد الصيغة حسبَ الظروف والملابسات، وحسبَ الشروط الموضوعية ومستوى الفكر والثقافة.

التناقض الاجتماعي بين النظرتين الإسلامية والمادية:

النظرة الإسلامية، بشأن المشكلة التي يواجهها خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، نظرة واسعة، منفتحة، معمّقة، لا تقتصر على لون من التناقض، ولا تهمل ألواناً أُخرى من التناقض، بل هي تستوعب كل أشكال التناقض على مرّ التاريخ، وتنفذ إلى عمقها وتكشف حقيقتها الواحدة وروحها المشتركة، ثم تربط كل هذه

٤٠٨

التناقضات بالتناقض الأعمق بالجدل الإنساني.

من هنا يؤمن الإسلام أنّ الرسالة الوحيدة القادرة على حلّ هذه المشكلة، التي يواجهها خط علاقات الإنسان مع الإنسان، هي تلك الرسالة التي تعمل على مستويين في وقت واحد، تعمل من أجل تصفية التناقضات الاجتماعية على الساحة، ولكن تعمل في نفس الوقت وقبل ذلك من أجل تصفية ذلك الجدل في المحتوى الداخلي للإنسان، من أجل تجفيف منبع تلك التناقضات الاجتماعية.

يؤمن الإسلام أنّ الاشتغال بتصفية التناقضات على الساحة الاجتماعية بصيغها التشريعية مع ترك ذلك المعين الذي يفرز الجدل والتناقضات على حاله هو نصفُ العملية، هو النصف المبتور من العملية إذْ سرعان ما يفرز ذلك المعين صيغاً أُخرى، وفق هذه العملية، التي سوف تستأصل بها الصيغ السابقة.

لا بد للرسالة التي نريد أن تضع الحل الموضوعي للمشكلة، أن تعمل على كلا المستويين، أن تؤمن بجهادين: بالجهاد الأكبر كما سمّاه الإسلام، وهو الجهاد لتصفية ذلك التناقض الرئيسي، ولحل ذلك الجدل الداخلي وجهاد آخر في وجه كل صيغ التناقض الاجتماعي، في وجه كل ألوان استئثار القوي للضعيف , من دون أن نحصر أنفسنا في نطاق صيغة معيّنة من صيغ هذا الاستئثار ؛ لأنّ الاستئثار جوهره واحد مهما اختلفت صيغه.

هذه هي النظرة المنفتحة الواقعية التي أثبتت التجربة البشرية باستمرار انطباقها على واقع الحياة خلافاً للنظرة الضيّقة التي تبنّتها المادية وتبنّاها الثوّار الماديون في تفسر هذا التناقض.

ماركس - على الرغم من ذكائه الفائق - لم يستطع أن يتجاوز حدود

٤٠٩

النظرة التقليدية للإنسان الأوروبي، كان - بحكم كونه فرداً أوروبياً - رهين هذه النظرة التقليدية.

الإنسان الأوروبي يرى العالم دائماً ينتهي حيث تنتهي الساحة الأوروبية، أو الساحة الغربية بتعبير أعم، كما يعتقد اليهود بأنّ الإنسانية هي كلّها في إطارهم:

( قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) (١) .

أي يعتقدون أنّ غيرهم ليسوا بشراً وليسوا أُناساً بل هم أُميّون وهمج، كذلك الإنسان الأوروبي اعتاد أن يضع الدنيا كلّها في إطار ساحته الأوروبية، في ساحته الغربية.

لم يتخلص ماركس من تقاليد هذه النظرة الأوروبية، كما أنّه لم يتخلص من هيمنة العامل الطبقي الذي لعب دوراً في أفكار المادية التاريخية.

من هنا جاء لنا ماركس بتفسير محدود ضيق للتناقض الذي تواجهه الإنسانية على هذا الخط، واعتقد بأنّ كل التناقضات على الساحة البشرية تعود إلى تناقض واحد، وهو التناقض الطبقي، التناقض بين طبقة تملك كلّ وسائل الإنتاج أو معظم وسائل الإنتاج، وطبقة لا تملك شيئاً من وسائل الإنتاج، وإنّما تعمل من أجل مصالح الطبقة الأُولى، وتستثمر في تشغيل وسائل الإنتاج التي تملكها الطبقة الأُولى ثم إنّ الطبقة الأُولى تستولي على الثروة المنتجة التي جسّدت عرق جبين هذا العامل المستغل، ولا تعطي للطبقة الثانية منها إلاّ الحدّ الأدنى، حدّ الكفاف الذي يضمن استمرار حياة هذه الطبقة ؛ لكي تواصل خدمتها وممارستها

____________________

(١) آل عمران: ٧٥.

٤١٠

ضمن إطار الطبقة الأُولى.

هذا التناقض الطبقي، الذي اتخذه ماركس قاعدة وأساساً لكل ألوان التناقض الأُخرى، يتخذ مدلوله الاجتماعي من خلال صراع مرير بين الطبقة المالكة والطبقة العاملة هذا الصراع المرير بين هاتين الطبقتين ينمو ويشتد كلّما تطوّرت الآلة، وكلّما نمت الآلة الصناعية وتعقّدت ؛ إذ كلّما نمت الآلة وتطوّرت انخفض مستوى المعيشة وهذا الانخفاض في مستوى المعيشة يُعطي فرصةً للطبقة الرأسمالية المالكة كي تخفض أجر العامل ؛ لأنّها لا تريد أن تعطي العامل أكثر ممّا يديم به حياته ونفسه.

تطوّر الآلة وتعقّدها تقتضي - من ناحية أُخرى - إمكانية التعويض عن العدد الكبير من العمّال بالعدد القليل منهم ؛ لأنّ دقّة الآلة وتطوّرها يعوّض عن هذا العدد الكبير من الأيدي العاملة، وهذا يؤدّي إلى أن تطرد الطبقة الرأسمالية الفائض من العمّال باستمرار وهكذا يشتد الصراع بين الطبقتين، ويحتدم التناقض حتى ينفجر في ثورة.

هذه الثورة التي تجسّدها الطبقة العاملة تقضي على التناقض الطبقي في المجتمع وتوحّد المجتمع في طبقة واحدة وهذه الطبقة الواحدة تمثّل حينئذٍ كلّ أفراد المجتمع وفي مثل هذه الحالة سوف تُستأصل كل ألوان التناقض ؛ لأنّ أساس التناقض هو التناقض الطبقي، فإذا أُزيل التناقض الطبقي زالت كلّ التناقضات الأُخرى الفرعية والثانوية.

هذا تلخيص سريع جداً لوجهة نظر هؤلاء الثوّار تجاه التناقض الذي عالجناه.

هذه النظرة الضيّقة لا تنسجم في الحقيقة مع الواقع ولا تنطبق على

٤١١

تيّار الأحداث في التاريخ ليس التناقض الطبقي وليد تطور الآلة، بل هو وليد الإنسان، هو من صنع الإنسان الأوروبي.

ليست الآلة هي التي صنعت استغلال الرأسمالي للعامل، ليست الآلة هي التي خلقت النظام الرأسمالي، وإنّما الإنسان الأوروبي الذي وقعت هذه الآلة بيده أفرز نظاماً رأسمالياً يجسّد قيمه في الحياة وتصوّراته للحياة.

ليس التناقض الطبقي هو الشكل الوحيد من أشكال التناقض، هناك صيغ كثيرة للتناقض الرئيسي بالنسبة إلى تلك الأشكال، وإنّما كل هذه الأشكال من التناقض على الساحة الاجتماعية هي وليدة تناقض رئيسي، وهو جدل الإنسان، الجدل المخبوء في داخل محتوى الإنسان ؛ ذالك هو التناقض الرئيسي الذي يفرز دائماً وأبداً صيغاً متعددة من التناقض.

دلالة التجربة البشرية المعاصرة:

تعالوا نقارن بين هذه النظرة الضيّقة وبين واقع التجربة البشرية المعاصرة ؛ لنرى أيّ النظرتين الإسلامية، أم المادية أكثر انطباقاً على العالم الذي نعيشه.

لو كان هذا التفسير الماركسي للتناقض صحيحاً ؛ لكان من المفروض أن يزداد يوماً بعد يوم التناقض الطبقي، والصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة في المجتمعات الأوروبية الصناعية، التي تطوّرت فيها الآلة تطوّراً كبيراً.

كان من المفروض أن يشتد التناقض الطبقي والصراع يوماً بعد يوم في هذه المجتمعات، مثل: إنكلترا، والولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا ،

٤١٢

وألمانيا، ويتزلزل النظام الرأسمالي المستغل ويتداعى يوماً بعد يوم.

كما نترقّب - لو صحّ هذا التفسير - أن يزداد البؤس والحرمان في أوساط الطبقة العاملة، ويزداد الثراء على حساب هؤلاء العمّال في طبقة الرأسماليين المستغلين من الأمريكان والإنجليز والفرنسيين وغيرهم.

كنا نترقّب أن تتضاعف النقمة ويشتد إيمان العامل الأوروبي والعامل الأمريكي بالثورة، وبضرورة الثورة، وبأنّها هي الطريق الوحيد لتصفية هذا التناقض الطبقي هذا ما كنّا ننتظره لو صحّت هذه الأفكار عن تفسير التناقض.

لكن ما وقع بالفعل هو عكس ذلك تماماً، نرى - وبكل أسف - أنّ النظام الرأسمالي في الدول الرأسمالية المستغلّة يزداد ترسّخاً يوماً بعد يوم، ويزداد تمحوراً وتعملقاً، ولا تبدو عليه بوادر الانهيار السريع.

تلك التمنيّات الطيّبة، التي تمنّاها ثوّارنا الماديون للدول الأوروبية المتقدمة صناعياً بشأن قرب الثورة فيها، تحوّلت إلى سراب، بينما تحقّقت هذه النبوءات بالنسبة إلى بلاد لم تعش تطوّراً آلياً، بل تعيش تناقضاً طبقياً بالمعنى الماركسي ؛ لأنّها لم تكن قد دخلت الباب العريض الواسع للتطوّر الصناعي، مثل: روسيا القيصرية، والصين.

من ناحية أُخرى، العمّال لم يزدادوا بؤساً وفقراً واستغلالاً، بل بالعكس ازدادوا رخاءاً وَسِعةً، وأصبحوا مدللّين من قِبَل الطبقة الرأسمالية المستغلّة العامل الأمريكي يحصل على مالا يطمع به إنسان آخر يشتغل بكدّ يمينه، ويقطف ثمار عمله في المجتمعات الاشتراكية.

لم تزدد النقمة في أوساط الطبقة العاملة، بل بالعكس تحوّلت أكثر الهيئات التي تمثّل العمّال في الدول الرأسمالية المستغِلة بالتدريج إلى

٤١٣

هيئات ذات طابع شبه ديمقراطي، وتتمتّع بحالة الاسترخاء السياسي، فتركوا هموم الثورة , وتركوا منطق الثورة، وأصبحوا يتصافحون يداً بيد مع تلك الأيدي المستغِلّة مع أيدي الطبقة الرأسمالية أصبحوا يرفعون شعار تحقيق حقوق العمّال عن طريق النقابات، وعن طريق البرلمانات، وعن طريق الانتخابات، وكلّها مظاهر لحالة الاسترخاء السياسي.

وكيف حدث كل هذا في هذه الفترة القصيرة من الزمن ؟ هل كان ماركس سيّئ الظن إلى هذه الدرجة بهؤلاء الرأسماليين، بهؤلاء المجرمين والمستغِلين بحيث تنبّأ بهذه النبوءات، ثم ضاعت هذه النبوءات كلها فلم يتحقق منه شيء ؟ هل إنّ هؤلاء الرأسماليين المستغلّين، دخل في نفوسهم الرعب من ماركس والماركسية، ومن الثورات التحرّرية في العالم، فحاولوا أن يتنازلوا عن جزء من مكاسبهم خوفاً من أن يثور العامل عليهم.

هل إنّ المليونير الأمريكي يخالج ذهنه فعلاً أي شبح من خوف من هذه الناحية ؟ أشدّ الناس تفاؤلاً بمصائر الثورة في العالم لا يمكنه أن يفكّر في أنّ ثورة حقيقية على الظلم في أمريكا، يمكن أن تحدث قبل مئة سنة من هذا التاريخ، فكيف يمكن افتراض أنّ المليونير الأمريكي أصبح يرى أمامه شبح الخوف والرعب، وعلى هذا الأساس تنازل عن جزء من مكاسبه ؟

هل دخلت إلى قلوبهم التقوى، فاستنارت قلوبهم فجأة بنور الإسلام، كما أنار قلوب المسلمين الأوائل، الذين كانوا لا يعرفون حداً للمشاركة والمواساة، وكانوا يشاطرون إخوانهم غنائمهم وسرّاءهم وضرّاءهم ؟

لا . لم يتحقّق شيء من ذلك لا كارل ماركس كان سيّئ الظن بهؤلاء، بل كان ظنّه منطبقاً على هؤلاء انطباقاً تاماً، ولا هؤلاء أرعبهم

٤١٤

شبح العامل فتنازلوا من أجل إسكاته، ولا قلوب هؤلاء خفقت بالتقوى، فهي لم تعرف التقوى ولن تعرف التقوى ؛ لأنّها انغمست في لذّات المال وفي الشهوات.

إذن كيف نفسّر هذا الذي وقع ؟

ما وقع كان في الحقيقة نتيجة تناقض آخر، عاش مع التناقض الطبقي منذ البداية، لكنّ ماركس والثوّار الذين ساروا على هذا الطريق، لم يستطيعوا أن يكتشفوا ذلك التناقض ؛ ولهذا حصروا أنفسهم في التناقض الطبقي ولم يُدخلوا في حسابهم التناقض الآخر الأكبر، الذي أفرزه جدل الإنسان الأوروبي، أفرزه تناقض الإنسان الأوروبي فغطّى على هذا التناقض الطبقي، بل جنّده، بل أوقفه إلى فترة طويلة من الزمن.

ما هو ذلك التناقض ؟

نحن نستطيع أن نبصر ذلك التناقض ونضع إصبعنا عليه ؛ لأنّنا لم نحصر أنفسنا في إطار التناقض الطبقي، بل قلنا إنّ جدل الإنسان يفرز دائماً أيّ شكل من أشكال التناقض الاجتماعي.

في إطار هذا الشكل الجديد من التناقضات تحالفَ الرأسمالي المستغِل الأوروبي والأمريكي مع العامل، أي مع مَن يستغلّه لكي يشكّل هو والعامل قطباً واحداً في هذا التناقض لم يعد التناقض تناقضاً بين الغني الأوروبي والعامل الأوروبي، بل إنّ هذين الوجودين الطبقيين تحالفا معاً، وكوّنا قطباً في تناقض أكبر، بدأ تدريجياً منذ بدأ ذلك التناقض الذي تحدّث عنه ماركس.

وما هو القطب الآخر في هذا التناقض ؟

القطب الآخر في هذا التناقض هو أنا وأنت، هو الشعوب الفقيرة

٤١٥

في العالم، هو شعوب ما يسمّى بالعالم الثالث، شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

الإنسان الأوروبي بكلا وجوديه الطبقيين تحالف وتمحور، من أجل أن يمارس صراعه واستغلاله لهذه الشعوب الفقيرة، وقد انعكس هذا التناقض الأكبر اجتماعياً، من خلال صيغ الاستعمار المختلفة التي زخرت بها الساحة التاريخية، منذ أن خرج الإنسان الأوروبي الأمريكي من دياره يفتّش عن كنوز الأرض في مختلف أرجاء العالم، وينهب الأموال بلا حساب من مختلف البلاد والشعوب الفقيرة.

هذا التناقض غطّى على التناقض الطبقي، بل جمّد التناقض الطبقي ؛ لأنّ جدل الإنسان من وراء هذا التناقض كان أقوى من جدل الإنسان وراء ذلك التناقض، والثراء الهائل الذي تكدّس في أيدي الطبقة الرأسمالية في الدول الرأسمالية، لم يكن كلُّه بل ولا معظمُه نتاج عرق جبين العامل الأوروبي والأمريكي، وإنّما كان نتاج غنائم حرب، كان نتاج غنائم غارات على هذه البلاد الفقيرة، على بلاد استطاع الإنسان الأبيض أن يغزوها وينهبها.

هذا النعيم الذي تغرق فيه تلك الدول ليس مِن عرق جبين العامل الأوروبي، وليس نتاج التناقض الطبقي بين الرأسمالي والعامل، وإنّما هذا النعيم هو من نفط آسيا وأمريكا اللاتينية، ومن ماس تنزانيا، وهو من الحديد والرصاص والنحاس واليورانيوم في مختلف بلاد أفريقيا، هو من قطن مصر ومن تنباك لبنان ومن خمر الجزائر . نعم من خمر الجزائر ؛ لأنّ المستعمر الكافر، الذي احتلّ الجزائر، حوّل أرضها كلها إلى بستان عنب كي يقطف هذا العنب ويحوّله إلى خمر ليسكر به العمّال، وليشعر أولئك العمّال بالنشوة والخيلاء ؛ لأنّهم يشربون خمرَ الجزائر.

٤١٦

نعم، ذلك النعيم كله من هذه المصادر، من هذه الينابيع، سكروا على خمر الجزائر، ولم يسكروا على عرق جبين العامل الفرنسي أو الأوروبي أو الأمريكي.

التناقض الذي جمّد ذلك التناقض وأوقفه هو إذن هذا التناقض الأكبر بين المحور الرأسمالي ككل بكلتا طبقيته، وبين الشعوب الفقيرة في العالم.

من خلال هذا التناقض، وجد الرأسمالي الأوروبي والأمريكي أنّ من مصلحته أن يقاسم العامل شيئاً من هذه الغنائم التي نهبها منّي ومنك، من فقراء الأرض، والمستضعفين في الأرض، وأن من مصلحته أن يعطي قسماً من هذه النعمة إلى العمّال، أن يسكر هو ويسكر العمّال أيضاً بخمر الجزائر، أن يتزيّن بماس تنزانيا، ويتزيّن العامل أو زوجته بماسة من ماسات تنزانيا.

ولهذا نرى أنّ حياة العامل بدأت تختلف عن نبوءات ماركس، ليس ذلك لأجل كرم طبيعي في الرأسمالي الأوروبي والأمريكي، وليس التقوى، وإنّما هي غنيمة كبيرة كان من المفروض أن يعطي جزءاً منها لهذا العامل، والجزء وحده يكفي لأجل تحقيق هذا الرفاه بالنسبة إلى هذا العامل الأوروبي والأمريكي.

الحقيقة التي يثبتها التاريخ دائماً إذن هي أنّ التناقض لا يمكن حصره في صيغة واحدة، التناقض له صيغ متعددة ؛ ذلك لأنّ كل هذه الصيغ تنطلق من منبع واحد، وهو التناقض الرئيسي، الجدل الإنساني.

الجدل الإنساني لا تعوزه صيغة، إذا انحلّت صيغة، وضع صيغة

٤١٧

أُخرى مكانها، ليس من الصحيح أن نطوّق كل التناقضات في التناقض الطبقي، في التناقض بين مَن يملك ومَنْ لا يملك التناقض لا يمكن حصرُهُ في هذه الصيغة، التناقض هو استغلال القوي للضعيف.

العلاقة بين خطّي العلاقات الاجتماعية

ذكرنا أنّ خط علاقات الإنسان مع الطبيعة مختلف مشكلةً وقانوناً عن خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وذكرنا أنّ كلاًّ من هذين الخطّين مستقل استقلالاً نسبياً عن الخط الآخر لكنّ هذا الاستقلال النسبي لا ينفي التفاعل والتأثير المتبادل إلى حدٍّ ما بين الخطّين ؛ فلكل واحد منهما لون من التأثير الطردي أو العكسي على الخط الآخر وهذا التأثير المتبادل بين الخطّين يمكن إبرازه ضمن علاقتين قرآنيتين بين هذين الخطّين.

العلاقة الأُولى: تُبرز مدى تأثير خط علاقات الإنسان مع الطبيعة، على خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان.

العلاقة الثانية: تُبرز مدّة تأثير علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، على علاقات الإنسان مع الطبيعة.

العلاقة الأُولى مؤدّاها أنّه كلّما نمت قدرة الإنسان على الطبيعة، واتسعت سيطرته عليها وازداد اغتناءاً بكنوزها ووسائل إنتاجها، تحقّقت بذلك إمكانية أكبر فأكبر للاستغلال على خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان.

يقول تعالى:( كَلاّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ) (١) .

____________________

(١) العلق: ٦.

٤١٨

هذه الآية الكريمة تشير إلى هذه العلاقة، وتوضح أنّ تمكّن الإنسانية من الطبيعة، وتوصّلها إلى وسائل إنتاج أقوى وأوسع، لهما انعكاسات على حقل علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان هذه الانعكاسات تتمثّل على شكل إمكانات وإغراءات وفتح شهيّة للأقوياء كي يستثمر أداة الإنتاج في سبيل استغلال الضعفاء.

المجتمع الذي يعيش على الصيد باليد والحجارة والهراوة، لا تستطيع بذور الأقوياء وبذور الوحوش فيه غالباً أن تمارس دوراً خطيراً من الاستغلال الاجتماعي ؛ لأنّ الإنتاج محدود والقدرة محدودة، ولا يكسب الإنسان فيه عادة بعرق جبينه إلاّ قوت يومه، فلا توجد في مثل هذا المجتمع إمكانية الاستغلال بشكله الاجتماعي الواسع، وإن وُجدت ألوان أُخرى من الاستغلال الفردي.

أمّا المجتمع المتطوّر، الذي استطاع فيه الإنسان أن يُخضع الطبيعة لإرادته، ففيه الآلة البخارية والآلة الكهربائية المعقّدة المتطوّرة الصنع وهذه الآلة توفّر إمكانية الاستغلال على ساحة علاقات الإنسان بأخيه الإنسان، أو تشكّل حسب مصطلح الفلاسفة ما بالقوّة للاستغلال، ويبقى أن يخرج ما بالقوّة إلى ما بالفعل، وذلك على عهدة الإنسان ودوره التاريخي على الساحة الاجتماعية.

الإنسان هو الذي يصنع الاستغلال، وهو الذي يفرز النظام الرأسمالي المستغل حينما يجد الآلة البخارية والكهربائية، لكنّ الآلة البخارية والكهربائية هي التي تعطيه إمكانية هذا الاستغلال، وهي التي تهيّئ له فرصة تفتح شهيّته وتوقظ مشاعره، وتحرّك جدله وتناقضه الداخلي، من أجل أن يفرز صيغة تتناسب مع ما يوجد على الساحة من

٤١٩

قوّة الإنتاج ووسائل التوليد، وهذا هو الفرق بيننا وبين المادية التاريخية.

المادية التاريخية اعتقدت أنّ الآلة هي التي تصنع الاستغلال وهي التي تصنع النظام المتناسب معها لكنّنا نرى أنّ دور الآلة ليس بدور الصانع، بل دور توفير الإمكانية والفرصة والقابلية.

أمّا الصانع الذي يتصرّف إيجاباً وسلباً، أمانة وخيانة، صموداً وانهياراً، إنّما هو الإنسان وفقاً لمحتواه الداخلي ولمثله الأعلى، ووفقاً لمدى التحامه مع هذا المثل الأعلى هذه هي العلاقة الأُولى.

أمّا العلاقة القرآنية الثانية فمؤدّاها هو أنّه كلّما استطاعت علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان أن يجسّد العدالة وتستوعب قيم هذه العدالة، وتبتعد عن أي لون من ألوان الظلم والاستغلال، ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة، وتفتّحت الطبيعة عن كنوزها، وأعطت المخبوء من ثرواتها، ونزلت البركات من السماء، وتفجّرت الأرض بالنعمة والرخاء.

هذه العلاقة القرآنية شرحها القرآن الكريم في نصوص عديدة، قال سبحانه:

( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ) (١) .

( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) (٢) .

____________________

(١) الجن: ١٦.

(٢) المائدة: ٦٦.

٤٢٠