المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ0%

المجتمع والتاريخ مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: كتب
الصفحات: 433

المجتمع والتاريخ

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الشيخ مرتضى المطهري
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: الصفحات: 433
المشاهدات: 26167
تحميل: 13932

توضيحات:

المجتمع والتاريخ
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 433 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 26167 / تحميل: 13932
الحجم الحجم الحجم
المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ

مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (١) .

هذه العلاقة مؤدّاها أنّ علاقات الإنسان مع الطبيعة تتناسب عكسياً مع ازدهار العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، فكلّما ازدهرت العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان أكثر فأكثر ؛ ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة وكلّما انحسرت العدالة عن الخط الأول ؛ انحسر الازدهار عن الخط الثاني، أي إنّ مجتمع العدل هو الذي يصنع الازدهار في علاقات الإنسان مع الطبيعة ومجتمع الظلم هو الذي يؤدّي إلى انحسار علاقات الإنسان مع الطبيعة.

طبيعة مجتمع الظلم:

العلاقة القرآنية الثانية التي ذكرناها آنفاً ليست ذات محتوى غيبي فقط نحن نؤمن بمحتواها الغيبي، ولكن إضافة إلى محتواها الغيبي الربّاني، تشكّل سنّة من سنن التاريخ حسب المفهوم القرآني ؛ لأنّ مجتمع الظلم، مجتمع الفراعنة، مجتمع ممزّق مشتّت على مرّ التاريخ الفرعونية، حينما تتحكّم في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان تستهدف على مرّ التاريخ تمزيق طاقات المجتمع وتشتيت فئاته، وبعثرة إمكانياته ومن الواضح أنّه لا يمكن لأفراد المجتمع أن يحشّدوا قواهم الحقيقية للسيطرة على الطبيعة، مع هذا التشتّت والبعثرة والتجزئة والتفتيت.

هذا هو الفرق بين المثل العليا المنخفضة الفرعونية، وبين المثل الأعلى الحق، مثل التوحيد سبحانه وتعالى.

____________________

(١) الأعراف: ٩٦.

٤٢١

المثل الأعلى الحق يوحّد المجتمع البشري، ويلغي الفوارق والحدود، ولشموليته فهو يستوعب كل الحدود والفوارق، ويهضم كل الاختلافات، ويصهر البشرية كلّها في وحدة متكافئة، لا يوجد ما يميّز بعضها عن بعض: من دم، أو جنس، أو قومية، أو حدود جغرافية، أو طبقية

المثل الأعلى الحق بشموليته يوحّد البشرية، ولكنّ المثل العليا المنخفضة تجزّئ البشرية وتشتّتها.

يقول المثل الأعلى الحق:

( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (١) .

( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) (٢) .

هذا هو منطق شمولية المثل الأعلى، لا يعترف بحدٍ وبحاجزٍ في داخل هذه الأُسرة البشرية.

والقرآن الكريم يتحدّث عن المثل الأعلى المنخفض في مجتمع الظلم فيقول:( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ) (٣) .

فرعون، المثل الأعلى المنخفض، بل الفرعونية على مرّ التاريخ تبني العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس الظلم والاستغلال.

الفرعونية تجزّئ المجتمع، وتبعثر إمكانياته وطاقاته، ومن هنا تهدر ما في الإنسان من قدرة على الإبداع والنمو الطبيعي على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة وعملية التجزئة الفرعونية للمجتمع تقسّم المجتمع إلى فصائل وجماعات وطوائف:

____________________

(١) الأنبياء: ٩٢.

(٢) المؤمنون: ٥٢.

(٣) القصص: ٤.

٤٢٢

الطائفة الأُولى: في التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم هم الظالمون المستضعَفون، أو بتعبير أئمّتنا ( عليهم الصلاة والسلام ): ( أعوان الظلمة ) هؤلاء الظالمون المستضعفون يشكّلون حماية لفرعون وللفرعونية، وسنداً في المجتمع لبقاء الفرعونية واستمرار وجودها وإطارها، قال الله سبحانه وتعالى:

( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ) (١) .

القرآن في هذه الآية يتحدث عن قسمين من الظالمين: إلى مَن استُضعف منهم ومَن استكبر منهم، فالظالمون إذن فيهم مستكبرون وهم الذين يمثّلون الفرعونية في المجتمع وفيهم مستضعفون وهؤلاء المستضعفون يُحشرون يوم القيامة في زمرة الظالمين، ثم يقولون للمستكبرين من الظالمين لولا أنتم لكنّا مؤمنين، وهذه هي الطائفة التي تشكّل الحماية والسند للفرعونية.

الطائفة الثانية: في عملية التمزقة الفرعونية لمجتمع الظلم، ظالمون يشكّلون حاشية ومتملّقين، هؤلاء لا يمارسون ظلماً بأيديهم بالفعل، ولكنّهم دائماً وأبداً على مستوى نزوات فرعون وشهواته ورغباته، يقول الله سبحانه وتعالى عن هذه الطائفة:

( وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا

____________________

(١) سبأ: ٣١.

٤٢٣

فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) (١) .

هؤلاء شكّلوا دور الإثارة لفرعون، كانوا يعرفون أنّهم بهذا الكلام يضربون على الوتر الحسّاس من قلب فرعون، وأنّ فرعون كان بحاجة إلى كلام من هذا القبيل، فتسابقوا إلى هذا الكلام ؛ لكي يجعلوا فرعون يعبّر عمّا في نفسه، ويتخذ الموقف المنسجم مع مشاعره وعواطفه وفرعونيته.

الطائفة الثالثة: في عملية التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم، أولئك الذين عبّر عنهم الإمام علي ( عليه الصلاة والسلام ): ( بالهمج الرعاع ) هؤلاء هم مجرّد آلات مستسلمة للظلم، ولا تحسّ بالظلم، ولا تدرك أنّها مظلومة، ولا تدرك أنّ في المجتمع ظلماً.

إنّها تتحرّك تحرّكاً آلياً، تحرّك تبعيةٍ وطاعة دون تدبّر ووعي، إذ سلب فرعون منها تدبّرها وعقلها ووعيها، وربط يدها لا عقلها به ؛ لهذا فهي تحرّك يدها تحرّكاً آلياً، وتستسلم للأوامر الفرعونية دون أن تناقشها أو تتدبّرها حتى بينها وبين نفسها، فضلاً عمّا بينها وبين الآخرين.

هذه الفئة تفقد طبعاً كل قدرة على الإبداع البشري في مجال التعامل مع الطبيعة، وتفقد كل قابليات النمو ؛ لأنّها تحوّلت إلى آلات وإذا وُجد إبداع في هذه الفئة فإنّما هو إبداع مَن يحرّك هذه الآلات، إبداع تلك الفرعونية التي تحرّك هذه الآلات، قال سبحانه وتعالى:( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ) (٢) .

لا يوجد في كلام هؤلاء ما يشعر بأنّهم كانوا يحسّون بالظلم، أو

____________________

(١) الأعراف: ١٢٧.

(٢) الأحزاب: ٩٧.

٤٢٤

كانوا يحسون بأنّهم مظلومون، وإنّما هو مجرّد طاعة وتبعيّة هؤلاء هم القسم الثالث من تقسيم أمير المؤمنين علي ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) حينما قال ( الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، ينعقون مع كل ناعق ) هذا القسم الثالث يشكل مشكلة بالنسبة إلى أي مجتمع صالح ويمكن للمجتمع الصالح أن يستمر ويمتد بقدر ما يمكن لهذا المجتمع أن يستأصل هذا القسم الثالث بتحوليه إلى القسم الثاني، بتحويله إلى متعلّم على سبيل النجاة على حد تعبير الإمام، إلى تابع بإحسان على حد تعبير القرآن، إلى مقلّد بوعي وتبصّر على حدّ تعبير الفقه.

من ضرورات المجتمع - في نظر الإمام ( عليه الصلاة والسلام ) - شجب هذا القسم الثالث، فهؤلاء همج رعاع، ينعقون مع كل ناعق، ليس لهم عقل مستقل وإرادة مستقلّة.

كان الإمام عليعليه‌السلام يرى أنّ هذا القسم الثالث يجب تصفيته من المجتمع الصالح، لا بالقضاء عليه فردياً، بل بتحويله إلى القسم الثاني ضمن إحدى الصيغ الثلاثة المذكورة، لكي يستطيع المجتمع الصالح أن يواصل إبداعه، ولكي يستطيع كل أفراد المجتمع الصالح أن يشاركوا مشاركة حقيقية في مسيرة الإبداع، خلافاً لذلك الفرعونية الفرعونية تحاول أن توسّع من هذا القسم الثالث وكلّما اتسعت هذه الفئة أكثر فأكثر قدّمت المجتمع نحو الدمار خطوة بعد خطوة ؛ لأنّ هذه الفئة لا تستطيع أنْ تدافع إطلاقاً عن المجتمع إذا حلّت كارثة في الداخل أو طرأت كارثة في الخارج، وبهذا تموت المجتمعات موتاً طبيعياً.

المفهوم القرآني لموت المجتمعات والأقوام والأُمم هو الموت الطبيعي

٤٢٥

للمجتمع لا الموت المخروم، المجتمع له موتان موت طبيعي وموت مخروم الموت الطبيعي للمجتمع يحدث عن طريق توسّع هذه الفئة الثالثة وازديادها نوعياً وعددياً في المجتمع، إلى أن تحل الكارثة فينهار المجتمع.

أمّا الطائفة الرابعة: فهم الذين يستنكرون الظلم في أنفسهم، ولم يفقدوا لُبّهم أمام فرعون والفرعونية، ولكنّهم يهادنون الظلم ويسكتون عنه فيعيشون حالة التوتّر والقلق في أنفسهم وحالة التوتّر والقلق هذه أبعد ما تكون عن حالة تسمح للإنسان بالإبداع والتجديد والنمو على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة هؤلاء يسمّيهم القرآن ( ظالمي أنفسهم ) قال الله سبحانه وتعالى:

( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ) (١) .

هؤلاء لم يظلموا الآخرين، ليسوا من الظالمين المستضعفين كالطائفة الأُولى، وليسوا من الحاشية المتملّقين، وليسوا أيضاً من الهمج الرعاع الذين فقدوا لبّهم، بل بالعكس هؤلاء يشعرون بأنّهم مستضعَفون( قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ) هؤلاء لم يفقدوا لبّهم، بل يدركون واقعهم، لكنّهم كانوا مهادنين عملياً ؛ ولهذا عبّر عنهم القرآن بأنّهم ظلموا أنفسهم هذه الطائفة أيضاً لا يترقّب منها أن تُبدع إبداعاً حقيقياً في مجال علاقات الإنسان مع الطبيعة.

الطائفة الخامسة: في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هي:

____________________

(١) النساء: ١٧.

٤٢٦

الطائفة التي تتهرّب من مسرح الحياة وتبتعد عنه وتترهبّ وهذه الرهبانية موجودة في كل مجتمعات الظلم على مرّ التاريخ، وهي تتخذ صيغتين.

الأُولى: صيغة جادّة تريد أن تفرّ بنفسها لكي لا تتلوّث بأوحال المجتمع، وهذه الرهبانية هي التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله:( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ) (١) .

هذه الرهبانية يشجبها الإسلام ؛ لأنّها تعبّر عن موقف سلبي تجاه مسؤولية خلافة الإنسان على الأرض.

الثانية: الصيغة المفتعلة للرهبانية، فهناك مَن يترهّب، ويلبس مسوح الرهبان، ولكنّه ليس راهباً في أعماق نفسه، وإنّما يريد بذلك أن يخدّر الناس، ويشغلهم عن فرعون وظلم فرعون، ويسطو عليهم نفسياً وروحياً، وهذا هو الذي عبّر عنه القرآن الكريم بقوله:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) (٢) .

الطائفة السادسة: والأخيرة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع، هم: المستضعفون الفرعونية، حينما جزّأت المجتمع إلى طوائف، استضعفت طائفة معيّنة منهم هذه الطائفة خصّها فرعون بالاستضعاف والإذلال وهدر الكرامات ؛ لأنّها كانت هي الطائفة التي يتوسّم فيها أن تشكّل إطاراً للتحرّك ضدّه ؛ ولهذا استضعفها بالذات.

( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ

____________________

(١) التوبة: ٣٤.

(٢) الحديد: ٢٧.

٤٢٧

أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) (١) .

القرآن الكريم علّمنا ضمن سنّة من سنن التاريخ، أنّ موقع أيّة طائفة في التركيب الفرعوني لمجتمع الظلم يتناسب عكسياً مع موقعه بعد انحسار الظلم وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى:

( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (٢) .

تلك الطائفة السادسة التي كانت هي منحدر التركيب، يريد الله سبحانه وتعالى أن يجعل أفرادها أئمة ويجعلهم الوارثين وهذه سنة أُخرى يأتي الحديث عنها إن شاء الله.

نستخلص ممّا سبق أنّ مدى الظلم في المجتمع يتناسب تناسباً عكسياً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة، ويتناسب مدى العدل فيه تناسباً طردياً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة.

مجتمع الفرعونية المجزّأ المشتّت مهدور القابليات والطاقات والإمكانيات، ومن هنا تحبس السماء في هذا المجتمع قطرها، وتمنع الأرض بركاتها أمّا مجتمع العدل فهو على العكس تماماً، تتوحّد فيه كل القابليات، وتتساوى فيه كل الفرص والإمكانيات هذا المجتمع هو الذي تحدِّثنا عنه الروايات من خلال ظهور الإمام المهدي ( عليه الصلاة والسلام ) تحدثنا عمّا تحتفل به الأرض والسماء في ظل الإمام المهديعليه‌السلام من بركات وخيرات، وليس ذلك إلاّ لأنّ العدالة تتناسب دائماً وأبداً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة، وهذه هي

____________________

(١) البقرة: ٤٩.

(٢) القصص: ٥.

٤٢٨

العلاقة الثانية بين الخطّين.

الاتجاه العام في التشريع الإسلامي: النظرية القرآنية المذكورة في تحليل عناصر المجتمع، وفهم المجتمع فهماً موضوعياً ؛ تشكّل أساساً للاتجاه العام في التشريع الإسلامي التشريع الإسلامي في اتجاهاته العامة، وخطوطه، يتأثّر وينبثق ويتفاعل مع وجهة النظر القرآنية والإسلامية إلى المجتمع وعناصره، وأدوار هذه العناصر والعلاقات المتبادلة بين الخطّين المزدوجين المذكورين في العلاقات الاجتماعية.

هذه النظريات التي انتهينا إليها على ضوء النصوص القرآنية، هي في الحقيقة الأساس النظري للاتجاه العام للتشريع الإسلامي فإنّ الاستقلال النسبي بين الخطّين: خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وخط علاقات الإنسان مع الطبيعة، يشكّل القاعدة لعنصر الثبات في الشريعة الإسلامية، والأساس لتلك المنطقة الثابتة من التشريع التي تحتوي على الأحكام العامة المنصوصة، ذات الطابع الدائم المستمر في التشريع الإسلامي، بينما منطقة التفاعل والمرونة بين الخطّين تشكّل في الحقيقة الأساس للعناصر المرنة والمتحرّكة في التشريع الإسلامي، وهي التي أسميناها في كتاب ( اقتصادنا ) بمنطقة الفراغ.

هذه العناصر المرنة والمتحركة في التشريع الإسلامي، هي انعكاس تشريعي لواقع تلك المرونة، وذلك التفاعل بين الخطّين والعناصر الأُولى الثابتة والصامدة في التشريع الإسلامي هي انعكاس تشريعي لذلك الاستقلال النسبي الموجود بين الخطّين، خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وخط علاقات الإنسان مع الطبيعة.

من هنا نؤمن أنّ الصورة التشريعية الإسلامية الكاملة للمجتمع، هي في الحقيقة تحتوي على جانبين: على عناصر ثابتة، وعلى عناصر متحرّكة

٤٢٩

ومرنة هذه العناصر المتحرّكة المرنة، يملؤها الحاكم الشرعي وفق مؤشّرات إسلامية عامة وهذا بحث يحتاج إلى تفصيل ومن المفروض أن نستوعب هذا البحث إن شاء الله ؛ كي نربط الجانب التشريعي من الإسلام، بالجانب النظري التحليلي من القرآن الكريم لعناصر المجتمع.

ويبقى علينا بعد ذلك بحث آخر في نظرية الإسلام عن أدوار التاريخ، عن أدوار الإنسان على الأرض، فإنّ القرآن الكريم يقسّم حياة الإنسان على الأرض إلى ثلاثة أدوار:

١ - دور الحضانة.

٢ - دور الوحدة.

٣ - دور التشتّت والاختلاف.

هذه الأدوار الثلاثة تحدّث عنها القرآن الكريم، وبيّن لكل دور الحالات والخصائص والمميّزات التي يتميّز بها ذلك الدور هذا أيضاً بحث سوف نخرج منه بنظرية كاملة شاملة لهذا الجانب من تاريخ الإنسان كل ذلك لا يمكن أن يسعه يوم واحد وبحث واحد، فمن الأفضل أن نؤجّل ذلك .(١) .

____________________

(١) إلى هنا تنتهي محاضرات الإمام الشهيد عن المجتمع والتاريخ، وهي كما يرى القارئ غير كاملة، لكنّها على نقصها واختصارها، وعدم تدوينها من قِبَل الشهيد نفسه، عميقة ودقيقة وتستحق كل اهتمام من أجل إكمالها وترميمها، والخروج منها بدراسة واسعة شاملة.

٤٣٠

الفهرس

المجتمع والتاريخ ٣

المجتمع والتاريخ المفكّر الإسلامي الكبير الشهيد الشيخ مرتضى المُطهّري الجزء الأول ٤

كلمة الناشر ٨

المقدمة ٩

مقدّمة المترجم ١٣

تمهيد: ١٧

ما هو المجتمع ؟ ١٩

هل الإنسان اجتماعي بالطبع ؟ ٢١

هل المجتمع أصيل في وجوده أم لا ؟ ٢٤

المجتمع والقانون: ٣٣

الجبر والاختيار الاجتماعيَّين: ٣٧

التقسيمات والطبقات الاجتماعية: ٤١

إتحاد المجتمعات في الماهيّة واختلافها: ٤٧

المجتمعات في المستقبل: ٥١

ما هو التاريخ ؟ ٦٢

التاريخ العلمي: ٦٩

اعتبار التاريخ النقلي: ٧١

العِلّيّة في التاريخ: ٧٣

هل التاريخ بطبيعته ماديّاً: ٧٩

أُصول النظرية المادية التاريخية: ٨١

النتائج: ١٠٤

٤٣١

النقد ١٢٦

الإسلام والمادية التاريخية ١٤٧

النقد: ١٦٠

المقاييس ١٨٨

تطوّر التاريخ وتكامله: ٢٠٥

دور الشخصية في التاريخ: ٢١٤

المجتمع والتاريخ المفكر الإسلامي الكبير الشهيد الشيخ مرتضى المطهري ٢١٩

الإسلام والمادّيّة التاريخية ٢٢١

الشبهة الأُولى: ٢٢٢

الشبهة الثانية: الشبهة الثالثة: ٢٢٥

الشبهة الرابعة: ٢٢٦

الشبهة الخامسة: ٢٢٨

الشبهة السادسة: ٢٣٠

نقد الفهم المادّي للإسلام ٢٣٥

اتجاه حركة التاريخ في نظر القرآن: ٢٤٢

فهم خاطئ لطبيعة الثقافة الإسلامية: ٢٤٨

تفسير خاطئ لمنشأ الدين: ٢٥٣

الموازين ٢٦١

١ - إستراتيجية الدعوة: ٢٦٢

٢ - هوية أتباع الرسالة: ٢٦٩

٣ - الدوافع والموانع ٢٧١

٤ - تقدم المجتمعات وانحطاطها: ٢٧٣

تطوّر التاريخ ٢٧٧

١ - النظرية العنصرية: ٢٧٩

٢ - النظرية الجغرافية: ٣ - نظرية الأبطال: ٢٨٠

٤٣٢

٤ - النظرية الاقتصادية: ٢٨١

٥ - النظرية الإلهيّة: ٢٨٢

الملاحق ٢٩١

الملحق رقم - ١ أدلّة المادية التاريخيّة أ - الدليل الفلسفي: ٢٩٣

ب - الدليل السيكولوجي: ٣٠٠

ج - الدليل العلمي: ٣٠٩

الملحق رقم - ٢ سننُ التاريخ الطريقة القرآنية في عرض سنن التاريخ: ٣٢١

ثلاث حقائق قرآنية عن سنن التاريخ ٣٣٣

الظواهر التي تدخل في نطاق سنن التاريخ: ٣٤١

أشكال السنّة التاريخية في القرآن ٣٤٩

الملحق رقم - ٣ التحليل القرآني لعناصر المجتمع ٣٦١

صيغتان للعلاقة: الصيغة الرباعية: ٣٦٢

الصيغة الثلاثية: ٣٦٣

الركنان الثابتان في العلاقة الاجتماعية ٣٦٧

مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية ٣٦٨

دور دين التوحيد في المسيرة البشرية ٣٩٦

شروط اتجاه المسيرة البشرية نحو الله: ٣٩٨

موقع أُصول الدين الخمسة من مسار الإنسان: ٤٠٠

مقدّمة في تحليل عناصر المجتمع خطّان من العلاقة الاجتماعية: المجتمع يتكوّن من ثلاثة عناصر: الإنسان والطبيعة، والعلاقة في الحلقة التاريخية ٤٠٥

العلاقة بين خطّي العلاقات الاجتماعية ٤١٨

الفهرس ٤٣١

٤٣٣