المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ0%

المجتمع والتاريخ مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: كتب
الصفحات: 433

المجتمع والتاريخ

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الشيخ مرتضى المطهري
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: الصفحات: 433
المشاهدات: 25823
تحميل: 13915

توضيحات:

المجتمع والتاريخ
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 433 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 25823 / تحميل: 13915
الحجم الحجم الحجم
المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ

مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

يختلط بالثقافة القومية كيفما كانت، ويتأثّر منها ويؤثّر فيها نوعاً ما، بل السبب فيه: أنّ شأن الدين الإسلامي خلق الثقافة العالمية، وهو في صلب رسالته السماوية المبتنية على تخلية الإنسان من الثقافة التي لا تنبغي، وتحليته بما ينبغي له من الثقافة التي هو فاقد لها، وإقراره على ما هو عليه من الثقافة التي تنبغي له وأمّا الدين الذي لا يمس ثقافات الأُمم، ويوافقهم على ما هم عليه من الأفكار المختلفة، فهو الدين الذي لا يفيد إلاّ مرّة في الأُسبوع في الكنيسة.

٣ - إنّ الآية الكريمة( إنّا خلقناكم من ذكر وأُنثى ) ليس معناها أنّا خلقناكم من جنسين، حتى يقال إنّ التقسيم الأول في الآية هو التقسيم إلى الجنسين، وقد أتى بعده مباشرة التقسيم حسب القوميات، الأمر الذي يفيد ما قيل من أنّ الاختلاف الجنسي أمر طبيعي وعلى أساس إثباته تنظيم الإيديولوجية المرتبطة به، فكذلك الاختلاف القومي بل معنى الآية إنّا خلقناكم من رجل وامرأة سواء كان المراد منهما آدم وحواء، فالمقصود أنّ جميع أفراد البشر ينسلون من أب واحد وأُم واحدة، أم كان المراد أنّ جميع أفراد الإنسان مشتركون في هذه الجهة، وهي أنّ لكل واحد أب وأُم، فلا امتياز بينهم من هذه الجهة.

٤ - إنّ قوله تعالى( لتعارفوا ) في الآية الكريمة الذي ذكر بعنوان الغاية لما قبله، ليس معناه أنّ الشعوب إنّما خُلقت مختلفة ليعرف كل منها الآخر، حتى يستنتج أنّها يجب أن تبقى مستقلّة في شخصيتها القومية لتمكن المعرفة المتقابلة ؛ إذ لو كان كذلك لقال:( لتعارفوا ) بدل قوله: ( لتعارفوا ) بصيغة الخطاب، إذ المخاطب هو الناس لا الشعوب إذن فالمراد أنّ الانشعاب إلى القبائل والشعوب إنّما وُجد

٦١

لحكمة في أصل الخلقة، وهو معرفة الأفراد حسب انتسابهم إلى القبيلة والشعب وهذه الحكمة لا تتوقّف على بقاء القوميات والشعوب على استقلالها القومي.

٥ - إنّ ما ذكرناه حول النظرية الإسلامية في وحدة ماهيّة المجتمعات واختلافها - وأنّ وجهة السير الطبيعية للمجتمعات نحو المجتمع الموحد، والثقافة الموحّدة، وأنّ التنظيم الأساسي في الإسلام هو استقرار هذا المجتمع وهذه الثقافة في النهاية - كافٍ في رد هذه النظرية وإنّ أساس حكمة المهدوية في الإسلام هو هذه النظرة إلى مستقبل الإسلام والإنسان والكون.

إلى هنا ننتهي من البحث حول المجتمع وفيما يلي مباحث التاريخ.

ما هو التاريخ ؟

يمكن تعريف التاريخ بثلاثة وجوه، وبعبارة اقرب إلى الواقع: يمكن أن يكون للتاريخ ثلاثة علوم مترابطة:

١ - العلم بالوقائع والحوادث والأوضاع وأحوال البشر في الزمان الماضي، في قِبال الأوضاع والأحوال الموجودة حالاً فكل وضع وحالة وحادثة ما دامت متعلّقة بزمان الحال، أي الزمان الذي يبحث فيه عنها تُعتبر حوادث اليوم ووقائعه وتسجّل في الجرائد وما يشابهها، وأمّا إذا انقضى زمانه وتعلّق بالماضي أصبح جزءاً من التاريخ ومرتبطاً به إذن فالعلم بالتاريخ بهذا المعنى هو العلم بالوقائع والحوادث الماضية وأوضاع وأحوال الماضين فالتراجم والملاحم والسِيَر التي تُدوَّن في مختلف الشعوب كلها من هذا القبيل وهو من العلوم الجزئية بمعنى

٦٢

أنّه علم بمجموعة من الأُمور الشخصية والفردية لا العلم بالكلّيّات والقواعد والضوابط العامة، كما أنّه علم نقلي لا عقلي وعلم بالأكوان لا بالتطوّرات وبالماضي لا بالحاضر، ونطلق عليه اصطلاحاً ( التاريخ النقلي ).

٢ - العلم بالقواعد والسنن المهيمنة على حياة الماضين، حسبما يستفاد من النظر والتحقيق في الحوداث والوقائع الماضية ومحتوى التاريخ النقلي أي الحوادث الماضية بمنزلة المبادئ والمقدّمات لهذا العلم فتلك الحوادث للتاريخ بهذا المعنى كالعناصر التي يجمعها العالم الطبيعي في مختبره، ويجري عليها تجاربه بالتحاليل والتركيب والملاحظة لاكتشاف خصائصها وطبائعها، وروابطها العلّية والمعلولية، واستنباط القوانين الكلّيّة بهذا الشأن فالمؤرّخ بالمعنى الثاني بصدد اكتشاف طبيعة الحوادث التاريخية وروابطها العلّية والمعلولية للوصول إلى مجموعة من القواعد والضوابط العامة، التي يمكن تعميمها لجميع الموارد المشابهة في الحال والماضي، ونطلق عليه اصطلاحاً ( التاريخ العلمي ).

وموضوع البحث في التاريخ العلمي وإن كان الحوادث والوقائع الماضية، إلاّ أنّ ما يستنبطه من القواعد والقضايا لا يختص بالماضي.

بل يمكن تعميمها للحاضر والمستقبل وهذه الجهة تجعل التاريخ نافعا ومنبعاً من منابع معرفة الإنسان، الأمر الذي يسلّطه على مستقبله.

إنّما الفرق بين ما يعمله المحقّق في التاريخ العلمي، وما يفعله العالم الطبيعي في أنّ عناصر التحقيق العلمي مجموعة أشياء موجودة حاضرة عينيّة، فبالطبع تكون التجارب والتحاليل عينيّة وتجريبية، وعناصر التحقيق التاريخي شؤون قد مضى زمان تحقّقها فهي الآن غير

٦٣

موجودة وإنّما يملك المؤرّخ معلومات عنها وأضابير فهو في حكمه عليها كقاضي المحكمة حينما يحكم على أساس القرائن والشواهد الموجودة في الإضبارة من دون الاستناد إلى شهادة الشهود ومن هنا كان تحقيق المؤرّخ منطقياً وعقلياً وذهنياً، لا خارجياً وعينياً ؛ فهو يمارس تحاليله في مختبر العقل باستعمال البرهان العلمي، لا في المختبر الكيماوي باستعمال الوسائل الحسّيّة فعمل المؤرّخ من هذه الجهة أشبه بعمل الفيلسوف لا العالِم الطبيعي.

والتاريخ العلمي كالتاريخ النقلي يتعلّق بالماضي لا الحال، وعلم بالأكوان لا التطوّرات، ولكنّه خلافاً له علم كلّي لا جزئي، وعقلي لا نقلي صرف.

والتاريخ العلمي في الواقع فصل من علم الاجتماع بمعنى أنّه علم بالمجتمعات السابقة وموضوع علم الاجتماع أعم من المجتمعات الحاضرة والسابقة.

نعم، إذا خصّصنا علم الاجتماع بمعرفة المجتمعات المعاصرة ؛ كان التاريخ العلمي وعلم الاجتماع علمين مستقلّين، ولكنّهما في نفس الوقت متقاربان ومن فصيلة واحدة، ويحتاج كل منهما إلى الآخر.

٣ - فلسفة التاريخ أي العلم بحركة المجتمعات وتحوّلها من مرحلة إلى أُخرى، والقواعد الحاكمة على هذه التطوّرات والتحوّلات.

وبعبارة أُخرى علم بتطوّرات المجتمعات لا بأكوانها.

ولعلّ القارئ العزيز يتساءل: هل يمكن أن تكون للمجتمعات أكوان وتطوّرات معاً، وتكون أكوانها موضوعاً لعلم نطلق عليه التاريخ

٦٤

العلمي، وتطوراتها موضوعاً لعلم آخر باسم فلسفة التاريخ ؟ مع ان الجمع بينهما غير ممكن، لأن الكون سكون والتطور حركة فلا بد من اختيار احدهما، فأما ان نتصور المجتمعات في حالة الكينونة واما في حالة التطور.

ويمكن تعميم السؤال بأن يقال بوجهٍ عام: إنّ معرفتنا وفكرتنا عن العالم، وعن المجتمع بما هو جزء من العالم، إمّا أن تكون على أساس أنّها أُمور ساكنة متوقّفة، وإمّا أن تكون على أساس أنّها أُمور جارية متحرّكة، فإن كان العالم متوقّفاً ساكناً فله كون وليس له تطوّر، وان كان متحركاً جارياً فله تطوّر وليس له كون ومن هنا نجد أنّ أهم انشعاب في المدارس الفلسفية هو تقسيم النظام الفلسفي إلى طائفتين رئيسيتين: فلسفة الكون وفلسفة التطوّر فالقسم الأول هو الفلسفة التي تمنع من اجتماع الوجود والعدم، وتقول باستحالة التناقض، وتفترض أنّ الوجود إذا كان فالعدم مستحيل وبالعكس، فلابد من اختيار أحد الوجهين وحيث إنّ الوجود موجود بالضرورة، ولا يمكن دعوى بطلان العالم ؛ إذن فالسكون والتوقّف مسيطر عليه وأمّا القسم الثاني من الفلسفة فهي التي تقول بإمكان اجتماع الوجود والعدم، وهو معنى الحركة، إذ ليست الحركة إلاّ أن يكون الشيء معدوماً في نفس الوقت الذي يكون فيه موجوداً إذن فلسفة الكون وفلسفة التطوّر فكرتان متخالفتان في الوجود ولابد من اختيار أحدهما، فإذا التحقنا بالطائفة الأُولى فلابد من القول بأنّ المجتمعات كائنة ولكنّها ليست متطوّرة، وبالعكس من ذلك إذا التحقنا بالطائفة الثانية، فلابد من القول بأنّ المجتمعات متطوّرة وليس له كون إذن فإمّا أن يكون لنا تاريخ علمي وإمّا أن يكون لنا فلسفة

٦٥

التاريخ، ولا يمكن الجمع بينهما.

والجواب أنّ هذا النوع من التفكير في الوجود والعدم، وفي الحركة والسكون، وفي قانون امتناع اجتماع النقيضين من مختصّات الفكر الغربي الناشئ من عدم الإطلاع على مسائل الوجود في الفلسفة، وخصوصاً مسألة أصالة الوجود، وعدّة مسائل أُخرى.

فما ذكر من أنّ الكون يساوق السكون، والحركة هي الجمع بين الكون والعدم أي الجمع بين النقيضين من الأخطاء الفاحشة التي ترتكبها بعض المسالك الفلسفية في الغرب.

هذا من جهة، ومن جهة أُخرى أنّ ما ذكرناه هنا لا يرتبط بتلك المسألة الفلسفية، بل يبتني على أنّ المجتمع كأي موجود حيّ آخر له نوعان من القوانين الحاكمة عليه: الأُولى القوانين الحاكمة في نطاق نوعيّة النوع، والثانية القوانين المتعلقة بتطوّر الأنواع وتبدّلها إلى نوع آخر ونعبّر عن القسم الأول بقوانين الكون، وعن الثاني بقوانين التطوّر.

وقد تفطّن لما ذكرناه بعض علماء الاجتماع منهم ( أوغست كونت ) يقول ريمون آرون: ( إنّ الحركة والسكون عنصران أساسيان في علم الاجتماع لدى ( اوغست كونت ) فالسكون عبارة عن التحقيق والبحث عمّا يسمّيه ( الإجماع الاجتماعي ) أو التوافق الاجتماعي والمجتمع يشبه الجسم الحي، فكما أنّ البحث عن كيفية عمل الجسم لا يمكن إلاّ مع لحاظه جزءاً من مجموع الموجود الحيّ ككل، كذلك لا يمكن البحث عن السياسة أو الدولة إلاّ مع لحاظهما جزءاً من كل المجتمع في وقت معين من التاريخ والحركة في

٦٦

الأصل عبارة عن تعريف بسيط للمراحل المتوالية التي اجتازها المجتمع البشري )(١) .

كل نوع من أنواع الموجودات الحيّة، من الثدييات والزواحف والطيور وغيرها، له مجموعة من القوانين التي ترتبط بنوعيّته، فما دام في تلك النوعية تتحكم فيه تلك القوانين، كالقوانين المتعلقة بالمرحلة الجنينية للحيوان، أو بسلامته ومرضه، أو كيفية تغذيته، أو كيفية التوليد وتربية المولود، أو غرائزه، أو هجرته، أو تناسله ولكن بناءاً على نظرية التطوّر وتكامل الأنواع لكل نوع من الحيوان - مضافاً إلى قوانينه النوعية الخاصة - قوانين أُخرى ترتبط بتطوّره وتكامله، وانتقال النوع الأدنى إلى النوع الأعلى وهذه القوانين ذات طابع فلسفي، وربّما تسمّى فلسفة التكامل بدلاً من العلم البيولوجي.

والمجتمع أيضاً - بمقتضى كونه موجوداً حيّاً - له نوعان من القوانين: قوانين الحياة وقوانين التكامل فكل ما يرتبط بأسباب حدوث الحضارات وعلل سقوطها، وأوضاع الحياة الاجتماعية، والقوانين العامة المسيطرة على جميع المجتمعات في جميع الأطوار والمراحل نعبّر عنها بقوانين الكون وكل ما يرتبط بأسباب التقدّم في المجتمعات، واجتيازها من مرحلة إلى أُخرى، ومن نظام إلى نظام نعبّر عنها بقوانين التطوّر وسنبيّن الفرق بينهما بوضوح عندما نتعرّض لمسائل القسمين.

إذن، فعلم التاريخ بالمعنى الثالث: علم تطوّر المجتمعات من مرحلة إلى أُخرى، لا علم حياتها وكونها في مرحلة خاصة، أو في جميع

____________________

(١) مراحل أساسي أنديشه در جامعه شناسي ص١١٠.

٦٧

المراحل ولكي لا تشتبه هذه المسائل بمسائل التاريخ العلمي نعبّر عنها بفلسفة التاريخ وقد وقع الخلط بين مسائل التاريخ العلمي المتعلقة بحركات المجتمع غير التكاملية، ومسائل فلسفة التاريخ المتعلقة بحركاته التكاملية، ونشأ من ذلك عدّة أخطاء.

ثم إنّ فلسفة التاريخ كالتاريخ العلمي علم كلي لا جزئي، وعقلي لا نقلي، ولكنّه خلافاً له علم بالتطوّرات لا الأكوان ولا يكتسب صفة التاريخية من تعلّق مسائله بأزمان الماضي، كما هو كذلك في التاريخ العلمي، بل يكتسبها من جهة أنّ مسائله تبتدئ من الماضي، وتستمر إلى الحال والمستقبل ؛ فالزمان في هذه المسائل ليس ظرفاً فحسب، بل هو بعد من أبعادها.

وعلم التاريخ مفيد بجميع معانيه الثلاثة، حتى التاريخ النقلي أي العلم بالتراجم وسير الماضين، يمكنه أيضاً أن يكون مفيداً ومحرّكاً وموجّهاً ومربّياً، ولكنّه بالطبع يرتبط بخصوصية الشخص صاحب الترجمة والسيرة، وبما يستنبط منهما من نقاط مهمّة والإنسان كما أنّه بمقتضى قانون المحاكاة يتأثّر من مجالسة الأُناس المعاصرين له ومن أخلاقهم وإراداتهم ومشيهم، وكما أنّ حياتهم الخارجية تعتبر له درساً وعبرة، وكما أنّه يتعلّم منهم حسن التأدّب وسنّة الحياة، بل ربّما يتعلّم التأدّب ممّن لا أدب له - كما قال لقمان - كذلك بمقتضى هذا القانون نفسه يستفيد من عِبَر الماضين فالتاريخ كالأفلام الحيّة التي تبدل الماضي بالحاضر ومن هنا ورد في القرآن الكريم ملاحظات مفيدة من حياة الأفراد الذين يُعدّون أُسوة للباقين وربّما ورد الأمر الصريح باتخاذهم أُسوة، قال تعالى:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ

٦٨

حَسَنَةٌ ) (١) وقال تعالى:( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) (٢) والقرآن إنّما يأمر بالتأسّي باعتباره الميزة الأخلاقية والإنسانية فيمن يجعله أُسوة لا باعتبار المقام الدنيوي كما أنّه يعدّ عبداً أسود باسم ( لقمان ) حكيماً، ويجعله علماً للحكمة مع أنّه لم يكن من الملوك، ولا من الفلاسفة المعروفين، ولا من الأثرياء، وإنّما كان عبداً نافذ البصيرة ومن هذا القبيل مؤمن آل فرعون، ومؤمن آل ياسين.

والذي نريد أن نبحث عنه في هذا الكتاب الذي جعلنا موضوعه: البحث في المجتمع والتاريخ من وجهة النظر الإسلامية، هو مباحث التاريخ العلمي، وفلسفة التاريخ ؛ لأنّ هذين هما المؤثّران في الفكرة العامة عن الكون ؛ ولذلك فنحن نفصّل البحث عنهما ونبدأ بالتاريخ العلمي.

التاريخ العلمي:

وقبل البحث لا بد من أن نذكر أنّ التاريخ العلمي يبتني على ما ذكرناه سابقاً من أصالة المجتمع، وتشخّصه مستقلاً عن الأفراد إذ لو لم يكن للمجتمع استقلال وأصالة لم يكن هناك إلاّ الأفراد والقوانين الحاكمة عليهم، وحينئذ لا يبقى موضوع للتاريخ العلمي الذي هو عبارة عن العلم بالقواعد، والسنن الحاكمة على المجتمعات فافتراض قانون للتاريخ يتفرّع على وجود التاريخ في الطبيعة، ووجوده

____________________

(١) سورة الأحزاب / ٢١.

(٢) سورة الممتحنة / ٤.

٦٩

فيها فرع وجود المجتمع فيها وحول مباحث التاريخ العلمي لا بد من البحث عن المسائل الآتية:

١ - التاريخ العلمي - كما أشرنا إليه - يعتمد على التاريخ النقلي الذي هو بمنزلة العناصر، والتاريخ العلمي بمنزلة المختبر إذن فلابد - أولاً - من التحقق عن اعتبار التاريخ النقلي، وإمكان الاعتماد عليه، لو لم يكن كذلك لم يكن معنى للتحقيق العلمي عن القوانين الحاكمة على المجتمعات الماضية.

٢ - لنفترض أنّ التاريخ النقلي قابل للاعتماد، ولنفرض أنّ للمجتمع طبيعة وشخصية مستقلة عن الأفراد، يتوقّف استنباط القوانين والقواعد من الوقائع والحوادث التاريخية على سريان قانون العلّية، وضرورة ترتّب المعلول على العلّة في منطقة المسائل البشرية، أي المربوطة بإرادة الإنسان واختياره، ومنها الحوادث التاريخية إذ لو لم يكن كذلك لم يمكن تعميمها واستخراج القاعدة العامة منها فهل قانون العِلّية يتحكّم في التاريخ أيضاً أم لا ؟ وعلى افتراض تحكّمه فيه فكيف نوجّه إرادة الإنسان واختياره ؟

٣ - هل طبيعة التاريخ مادية ؟ بمعنى أنّ القوّة الأصلية الحاكمة على التاريخ قوّة مادية، والقوى المعنوية كلها متفرّعة عليها، وتابعة للقوة المادية، أم أنّ الأمر بالعكس وطبيعة التاريخ معنوية، والقوة الحاكمة عليه معنوية، والقوى المادية تابعة لها بتفرّعه عليها، فيكون التاريخ في ذاته مثالياً، أم أنّ هناك احتمالاً ثالثاً، وهو أن تكون طبيعة التاريخ مزدوجة، وهو متعدد القوى، فالقوى المختلفة المادية والمعنوية تتحكّم في التاريخ في نظام متناسق تقريباً، وربّما تكون متضادة أيضاً ؟

٧٠

اعتبار التاريخ النقلي:

هناك مَن يبالغ في إساءة الظن بالتاريخ، فيعتقد أنّ جميع ما يُنقل منه من مجعولات الناقلين الذين حرّفوا الحوادث وقلبوا، ونقصوا وزادوا، وجعلوا الأكاذيب على أساس الأغراض والمقاصد الشخصية، أو العصبيات القومية والطائفية والعنصرية، أو الروابط الاجتماعية فصنعوا التاريخ حسب أهوائهم ولو كانت فيه من تأبى نفسه الكذب عمداً لكان يعمل في نقل الحوادث على أساس الانتخاب، فينقل دائماً ما لا يعارض أهدافه وعقائده، ويمتنع من نقل الحوادث التي تخالف عقيدته أو تجرح شعوره فهؤلاء وإن لم يزيدوا على الحوادث التاريخية من عند أنفسهم، ولم يجعلوا الأكاذيب، إلاّ أنّهم بانتخابهم حسب الأهواء خرّجوا التاريخ بالصورة التي تعجبهم مع أنّ الحادثة أو الشخصية إنّما يمكن أن يبحث عنها بدقّة إذا كان كل ما يتعلّق بها واصلاً إلى المحقق، وأمّا إذا عرض عليه قسم وكتم عنه قسم آخر ؛ تختفي عليه الصورة الواقعية، وتتجلّى له صورة أُخرى.

وهذه النظرة المفرطة إلى التاريخ تساوق نظرة بعض الفقهاء والمجتهدين، الذين يسيئون الظن بنقل الأحاديث والروايات، وهي التي يُعبّر عنها بالقول بانسداد باب العلم فهؤلاء أيضاً انسداديّون في التاريخ وربّما يقال على سبيل الطعن: ( إنّ التاريخ مجموعة حوادث لم تقع وقد دوّنها مَن لم يكن حاضراً ) وقد حُكي هذا الطعن أيضاً عن بعض الصحفيين: ( الواقعيات مقدّسة ولكنّ الإنسان حرٌ في إظهار عقائده ).

وهناك مَن لا يسيء الظن إلى هذا الحد، ولكنّه فضّل فلسفة

٧١

الشك في التاريخ فقد نقل في كتاب ( تاريخ جيست )(١) [ ما هو التاريخ ] عن البرفسور جورج كلارك انه قال: ( ان الحقائق الماضية وصلت إلينا بعد تنقيحها بواسطة فكر أو أفكار بشرية إذن فلا تحتوي على عناصر بسيطة جامدة غير قابلة للتغيير إنّ البحث عن هذا الأمر لا ينتهي إلى شيء ومن هنا التجأ بعض المحققين العجالى إلى فلسفة الشك أو - على الأقل - تمسّكوا بالاعتقاد بمساواة اعتبار كل نقل تاريخ لنقل آخر، وأنّه ليس هناك حقيقة تاريخية عينية، نظراً إلى تدخّل الأشخاص والعقائد الخاصة في الاستنتاجات التاريخية ).

والصحيح أنّه وإن لم يمكن الاعتماد بصورة مطلقة على ما ينقل، حتى ولو كان الناقل ثقة، إلاّ أنّ التاريخ يشتمل على مجموعة من المعلومات القطعية التي تُعدّ من نوع البديهيات في سائر العلوم ومن الممكن إجراء التحقيق العلمي بالنسبة إلى تلك القطعيات هذا مضافاً إلى أنّ المحقق بإمكانه الاستناد إلى اجتهاده ونقده، واستنتاج صحّة النقل التاريخي وعدم صحّته فنجد اليوم أنّ هناك بعض المنقولات التي اشتهرت شهرة واسعة في بعض الأزمنة قد وقعت تحت نقد المحققين، وبعد عدّة قرون تبيّن عدم اعتبارها بوضوح فقد شاع على الألسنة منذ القرن السابع الهجري - نعم منذ القرن السابع الهجري فحسب - قصة حرق المكتبة في الإسكندرية، حتى نفذت تدريجاً في أكثر كتب التاريخ، ولكن نقد المحققين في القرن الأخير أثبت أنّها كذب محض، وقد جعلها بعض المسيحيين المغرضين كما

____________________

(١) تأليف ام اش كار ترجمة حسن كامشاد ص٨.

٧٢

أنّ بعض الحقائق تبقى مدّةً قيد الكتمان، ثم تظهر بعدها بوضوح.

إذن فلا يمكن إساءة الظن بالمنقولات التاريخية بوجهٍ عام.

العِلّيّة في التاريخ:

هل قانون العلية يتحكّم في التاريخ ؟ إذا كان كذلك فلابد أن يكون وقوع كل حادثة في ظرفه الخاص حتمياً غير قابل للتخلّف، فيكون التاريخ محكوماً بنوع من الجبر والضرورة، فأين الحرية والاختيار الثابتان للإنسان ؟ إذا كان وقوع الحوادث جبرياً وضرورياً لم يكن لأي شخص مسؤولية تجاهها، ولم يستحق أحد الثناء والتمجيد، ولا اللوم والتقبيح وإذا لم يتحكّم قانون العلّية في التاريخ لم يمكن تعميمه، وبالنتيجة لم يكن للتاريخ قانون وسنّة عامة، فإنّ القانون فرع ثبوت التعميم، وهو فرع سريان قانون العلّية هذه هي مشكلة التاريخ العلمي وفلسفة التاريخ فاختار جماعة قانون العلّية وثبوت التعميم، وأنكروا الحرية والاختيار، فإنّ ما يقبلونه اسم الحرية ليس من الحرية بشيء واختار آخرون قانون الحرية، وأنكروا قانونية التاريخ وأكثر علماء الاجتماع جزموا بعدم إمكان الجمع بين قانون العلّية والحرية، واختاروا العلية وأنكروا الاختيار.

وممّن أيّد جبر التاريخ ( هيجل ) وتبعه ماركس فمن وجهة نظرهما لا معنى للحرية إلا التنبّه للضرورة التاريخية وقد نقل في كتاب ( ماركس وماركسيسم ) عن كتاب ( آنتي دورينك ) تأليف إنجلز قوله: ( إنّ هيجل أول مَن أوضح الارتباط بين الضرورة والحرية، فمن وجهة نظره ليست الحرية إلا إدراك الضرورة.

٧٣

والضرورة عمياء إلاّ إذا فُهمت وأُدركت والحرية ليست هي الاستقلال المتمني تجاه قوانين الطبيعة، بل الحرية هي معرفة هذه القوانين، والتمكّن من استخدامها حسب الأُصول في سبيل تحقيق الأهداف المعيّنة وهذا ينطبق على الطبيعة الخارجية، وعلى القوانين الحاكمة على الجانب الجسمي والروحي للإنسان )(١) .

وفيه أيضاً بعد بحث موجز استنتج منه أنّ الإنسان في ظل الأوضاع الخاصة التاريخية، وفي الاتجاه الذي تعيّنه تلك الأوضاع يتمكّن بل يجب أن يباشر عمله، قال بعد ذلك: ( في الواقع أنّ معرفة هذه المعطيات تجعل عمل الإنسان أكبر تأثيراً وكل نشاط في الجهة المخالفة لهذه المعطيات يُعتبر ردّاً للفعل ومواجهة لمسيرة التاريخ، وكل نشاط في الجهة الموافقة لها يُعتبر حركة في جهة التاريخ واستقراراً في مسيرته إلاّ أنّه يبقى السؤال عن الحرية ومصيرها، وتجيب عليه المدرسة الماركسية بأنّ الحرية عبارة عن معرفة الفرد بالضرورات التاريخية، وبالمسيرة الاجتماعية، وبالمسيرة الاجتماعية التي يضطر إلى الوقوع فيها )(٢) .

ومن الواضح أنّ هذا البيان لا يحل المشكلة، فالكلام في ارتباط الإنسان بالأوضاع التاريخية، وأنّه هل هو حاكم عليها، ويمكنه أن يوجّهها، أو يغيّر وجهتها أم لا ؟ فإن لم يكن قادراً على ذلك، فبالطبع يمكنه أن يبقى ويتكامل إذا وقع في وجهة مسير التاريخ، وأمّا إذا خالف المسير فهو محكوم بالفناء حتماً فالسؤال هو أنّ الإنسان هل هو مضطر في وقوعه في مسير التاريخ، أم مختار ؟ وأنّه

____________________

(١) ماركس وماركسيسم ضميمة ٥ ص٢٤٩.

(٢) المصدر السابق ص٣٧ - ٣٨.

٧٤

بناءاً على تقدّم المجتمع على الفرد، وأنّ وجدان الفرد وشعوره وإحساسه كلها نتيجة الأوضاع الاجتماعية والتاريخية، وخصوصاً الأوضاع الاقتصادية هل يبقى بعد ذلك مجال للحرية أم لا ؟

هذا مضافاً إلى أنّا نتساءل: ما هو معنى قولهم: إنّ الحرية هي المعرفة بالضرورة ؟ فالإنسان الواقع في مسير السيل الجارف، وهو يعلم قطعاً أنّه بعد لحظات سيجرّه إلى أعماق البحر، أو الإنسان المقذوف من قمّة جبل عالٍ، وهو يعلم أنّه بمقتضى قانون الثقل سيسقط بعد لحظات ويتهشّم، فهل يصح أن يقال: إنّهما مختاران في الوقوع في البحر، والسقوط من الجبل ؟ فالأوضاع الاجتماعية المادية هي حصار الإنسان، وهي التي توجّه الإنسان، تصنع وجدانه وشخصيته وإرادته وانتخابه، بناءاً على نظرية المادية الجبرية التاريخية.

والإنسان أمام المقتضيات الاجتماعية ليس إلاّ إناءً خالياً ومادة أوّليّة، فهو محكوم بتلك الأوضاع، ولا يتحكّم فيها والأوضاع السابقة تعيّن مسير الإنسان المتأخّر عنها، ولكن الإنسان لا يعين مسيرة التاريخ في المستقبل وعليه فلا معنى للحرية ولا مفهوم.

والصحيح أنّ حرية الإنسان لا تتصوّر إلاّ مع نظرية الفطرة بأن يقال: إنّ الإنسان في مسير الحركة الجوهرية العامة للعالم يولد مع بعد زائد، وهو أساس شخصيته، ثم يتكامل وينمو وفقاً لمقتضيات البيئة والمجتمع، وهذا البعد الوجودي هو الذي يمنح الإنسان شخصيته الإنسانية، ويحكّمه على التاريخ، فيكون هو الذي يعين مسيرة التاريخ وقد مرّ البحث عن ذلك في مباحث المجتمع تحت عنوان ( الجبر والاختيار ) وسيأتي توضيح ذلك تحت عنوان ( أبعاد التاريخ ) حيث نتكلّم حول دور الأبطال.

٧٥

وحرية الإنسان بالمعنى المشار إليه لا تنافي قانون العلّية، ولا عمومية المسائل التاريخية وقانونيتها، نعم للإنسان بمقتضى فهمه ودرايته مسير معين ومشخّص لا يمكن التخلّف عنه في الحياة الاجتماعية بالرغم من اختياره وإرادته، بمعنى أنّه ضرورة بالاختيار، وهذه ليست كالضرورة العمياء التي تتحكّم في إرادة الإنسان.

وهناك إشكال آخر في قانونية المسائل التاريخية وعموميتها، وهو أنّ المستفاد من مراجعة الحوادث والوقائع التاريخية أنّ هناك بعض الحوادث الجزئية على سبيل الصدفة تغيّر مسيرة التاريخ.

والمراد من الصدفة ليس - كما يُتوهّم - ما يحدث من دون علّة، بل ما لا ينشأ من العلل العامة ؛ ولذلك لا تندرج تحت ضابطة كلّيّة، فإن كان للحوادث التي ليست لها ضابطة عامة دور أساسي في حركة التاريخ لزم أن يكون التاريخ فارغاً من أي قانون وقاعدة وسنّة جارية معيّنة ولقد ضرب المثل في الحوادث التاريخية الاتفاقية المؤثِّرة في مجرى التاريخ بأنف كليوبترة ملكة مصر الشهيرة وهناك كثير من الحوادث الجزئية الاتفاقية غيّرت مجرى التاريخ وقد اشتهر ( في المثل الفارسي ) أنّ صحيفة الأيام تتغيّر بجريان نسيم واحد.

يقول ( ادوارد هالت كار ) في كتاب ( تاريخ جيست ): ( والسبب الآخر للتهجّم على جبر التاريخ وهو اللغز المعروف ( أنف كليوبتره ) وهذه هي تلك النظرية التي تعتبر التاريخ فصلاً من عوارض مجموعة من الحوادث الاتفاقية تقريباً، وتنسبها إلى الصدفة فنتائج حرب اكتيوم لا ترتبط بالعلل التي يربطها بها المؤرّخون عموماً، ويعتبرونه من المسلَّمات، بل إنّ السبب في ذلك هو حبّ انطونيو لكليوبتره وحينما توقّف بايزيد عن التقدّم في أوروبا المركزية

٧٦

بسبب مرض النقرس كتب غيبون: ( إنّ غلبة خلط عليل على مزاج فرد من أفراد البشر، يمكن أن يمنع من شقاء شعوب أو يؤخّر على الأقل ) وعندما مات الكسندر ملك اليونان في خريف عام ١٩٢٠ على إثر عضة قرد معلَّم، صارت هذه الصدفة سبباً لعدّة حوادث، حتى قال وينستون تشرشل: ( إنّ مئتين وخمسين ألف نسمة ماتوا من عضّة قرد ) وعندما ابتُلي تروتسكي بالحمّى في حين اصطياده للإوز، وبينما كان يناضل مع زينويف كامنف واستالين في خريف عام ١٩٢٣، واضطرّ إلى ملازمة الفراش كتب في مذكّرته: ( إنّ الإنسان يمكنه أن يتنبّأ وقوع الثورات والحروب، ولكن لا يمكنه تنبّأ العواقب التي يستلزمها صيد الإوز الوحشية في الخريف )(١) .

وفي العالم الإسلامي يمكننا أن نشهد بقصة هزيمة مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، لتأثير الصدفات في مصير التاريخ.

فمروان في آخر حرب بينه وبين العباسيين ابتُلي بحصر البول في ميدان الحرب فذهب إلى ناحية ليقضي حاجته، وصادف أن مرّ هناك رجل من أعدائه فرآه وقتله وشاع قتله بين عسكره، وحيث لم يتوقع مثل تلك الحادثة اضطرب الجيش وهرب، وانقرضت دولة بني أُميّة وهناك قيل: ( ذهبت الدولة ببولة ).

وأوضح ( ادوارد هالت كار ) أنّ كل صدفة نتيجة لمجموعة من العلل والمعلولات تقطع مجموعة أُخرى منهما، لا أنّها حادثة من دون علّة ثم قال: ( كيف يمكن اكتشاف التتابع المنطقي العلّي والمعلولي في التاريخ، ويجعل ذلك قاعدة له مع انه من الممكن ان ينقطع أو

____________________

(١) تاريخ جيست ترجمة حسن كامشاد انتشارات خوارزمي ص ١٤٤ - ١٤٥.

٧٧

ينحرف التتابع المشهود بواسطة تتابع آخر أجنبي حسب تصوّرنا(١) .

والجواب عن هذا الإشكال يرتبط بمسألة أُخرى، وهي: أنّ المجتمع والتاريخ هل لهما طبيعة ذات جهة معيّنة أم لا ؟ فإن كان التاريخ موجّهاً إلى جهة معيّنة كان دور الحوادث الجزئية ضئيلة، بمعنى أنّها وإن تسبّبت في تبديل الشخصيات، إلاّ أنّها لا تؤثّر في المجرى العام للتاريخ، غاية ما في الأمر أن تسرع جريانه أو تبطئه وأمّا لو كان التاريخ فاقداً لطبيعة وشخصية تعيّن طريقه، فسوف لا يكون له مجرى خاص معين، ويفقد عموميته، ولا تكون حوادثه قابلة للتنبؤ ونحن نعتقد أنّ للتاريخ طبيعة وشخصية مستقلة، وأنّهما تحصلان نتيجة للتركيب الخاص في الشخصيات الإنسانية التي تطلب التكامل بالفطرة وعليه فدور الحوادث الاتفاقية لا ضرّ بعمومية التاريخ وضروراته.

ولمونتسكيو كلام لطيف حول دور الصدفة في التاريخ، نقلنا قسماً منه سابقاً يقول: ( إذا سقطت دولة لسبب اتفاقي خاص، فإنّ هناك بالقطع علّة عامة استوجبت ضعف تلك الدولة فسقطت بذلك السبب )(٢) .

ويقول أيضاً: ( إنّ السبب في سقوط شارل الثاني عشر ملك السويد لم يكن حرب ( بولتاوا)، فلو لم يهزم هناك لكان ينهزم حتماً في موضع آخر فالحوادث الاتفاقية يمكن تداركها بسهولة، ولكن لا يمكن الصيانة أمام الحوادث الناشئة من طبيعة الأشياء )(٣) .

____________________

(١) المصدر السابق ص١٤٦.

(٢) مراحل أساسي أنديشه در جامعه شناسي ص٢٧.

(٣) المصدر نفسه.

٧٨

هل التاريخ بطبيعته ماديّاً:

السؤال عن طبيعة التاريخ الأصلية، وأنّها ثقافية أم سياسية أم اقتصادية أم دينية أم أخلاقية، وأخيراً هل هي مادية أم معنوية، أم طبيعية مزدوجة ؟ من أهم مسائل التاريخ فقبل الإجابة على هذه المسألة لا تتم المعرفة الصحيحة عن التاريخ.

ومن الواضح أنّ جميع هذه العوامل المادية والمعنوية كانت وستكون مؤثّرة في نسج التاريخ إنّما الكلام في ماله الأولوية والتقدم والأصالة والدور الأساس الكلام في ما يشكّل الروح الأصلية والهوية الواقعية للتاريخ من بين هذه العوامل، وما يكون منها موجّهة ومفسّرة لسائر العوامل، وما يكون منها أساساً وما يكون منها بناءاً علوياً.

والمشهور بين الباحثين تشبيه التاريخ بسيارة ذات محرّكات عديدة، كل منها يعمل باستقلاله فالتاريخ متعدّد الطباع لا ذو طبيعة واحدة ولكن إذا اعتبرنا التاريخ ذا محركات وطبائع مختلفة، فكيف يمكن له التكامل والسير نحوه ؟ لا يمكن للتاريخ أن يسير في خط تكاملي معين ما دام ذا محركات أصلية، كل منها توجد نوعاً من الحركة، وتجر التاريخ إلى جهة معيّنة، إلا أن تكون هذه العوامل كالغرائز , ويكون للتاريخ فوق تلك الغرائز روحاً تجرّه في ظل هذه الغرائز المختلفة في جهة تكاملية معينة، وهي تشكّل الهوية الواقعية للتاريخ ولكن هذا التعبير بيان آخر عن وحدة طبيعة التاريخ، فطبيعته هي تلك التي نعبّر عنها بروح التاريخ، لا تلك الأُمور التي عبّرنا عنها بغرائز.

٧٩

وقد برزت في عصرنا نظرية جديدة جلبت نحوها أنظاراً كثيرة، وقد اشتهرت بالمادية التاريخية، أو المادية الديالكتيكية التاريخية، المادية التاريخية بمعنى التفسير الاقتصادي للتاريخ، والتفسير الاقتصادي والتاريخي للإنسان، من دون تفسير إنساني للاقتصاد والتاريخ.

وبعبارة أُخرى المادية التاريخية بمعنى: أنّ ماهية التاريخ مادية ووجوده ديالكتيكي أمّا أنّ ماهيته مادية فمعناه أنّ أساس كل الحركات والنشاطات والمظاهر والتجليات التاريخية في كل مجتمع هو النظام الاقتصادي لذالك المجتمع، أي أنّ القوى المنتجة للمجتمع وعلاقات الإنتاج، وعلى وجه العموم الإنتاج وعلاقاته هي التي تشكّل جميع المظاهر المعنوية الاجتماعية من الأخلاق والعلم والفلسفة والدين والقانون والثقافة، وتعيّن وجهتها، وتغيّرها إذا تغيّرت وجهتها.

وأمّا أنّ وجود التاريخ الديالكتيكي فالمراد أنّ الحركات التطوّرية للتاريخ حركات ديالكتيكية، أي معلولة لمجموعة من التناقضات الديالكتيكية المجتمعة، مع الترابط الخاص بينهما التناقض الديالكتيكي - الذي يفترق عن غير الديالكتيكي - هو أنّ كل ظاهرة تربّي في باطنها بالضرورة نفي نفسها وإنكاره وبعد سلسلة من التغيّرات نتيجة لهذا التناقض الداخلي تتكامل تلك الظاهرة ضمن تغيّر شديد كيفي، وتنقل إلى مرحلة أعلى مركّبة من المرحلتين السابقتين.

إذن فالمادية التاريخية تتضمّن أمرين: أحدهما: أنّ هوية التاريخ مادية، والآخر: أنّ حركاته ديالكتيكية ونحن هنا نبحث عن الأمر الأول، ونترك الآخر للفصل الآتي حول تطوّر التاريخ وتكامله.

ثم إنّ نظرية المادية التاريخية لها أُصول فلسفية ونفسية واجتماعية.

٨٠