المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ0%

المجتمع والتاريخ مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: كتب
الصفحات: 433

المجتمع والتاريخ

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الشيخ مرتضى المطهري
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
تصنيف: الصفحات: 433
المشاهدات: 29940
تحميل: 14234

توضيحات:

المجتمع والتاريخ
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 433 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 29940 / تحميل: 14234
الحجم الحجم الحجم
المجتمع والتاريخ

المجتمع والتاريخ

مؤلف:
الناشر: دار الزهراء (عليها السلام)
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

ولها نتائج تشكل مجموعة من النظريات الإيديولوجية وهذا موضوع هام لا بد من توضيحه، خصوصاً بالنظر إلى ما ادعاه بعض الكتاب المثقفين المسلمين من أنّ الإسلام وإن لم يقبل المادية الفلسفية، ولكنّه يؤيّد المادية التاريخية، وقد بنى على هذا الأساس نظرياته التاريخية والاجتماعية ونرى من اللازم أن نفصّل هذا البحث قليلاً ومن هنا نبدأ بذكر الأُصول والمباني التي تبتني عليها هذه النظرية والنتائج المترتبة عليها، ثم نتعرض للنظرية ذاتها، ونبحث عنها من وجهتي النظر العلمية والإسلامية.

أُصول النظرية المادية التاريخية:

١ - أولوية المادة بالنسبة إلى الروح:

الإنسان له جسم وروح فجسمه موضوع للبحوث البيولوجية، والطبية، وعلم التشريح، وغيرها وروحه موضوع للبحوث الفلسفية والنفسية وكل فكر وإيمان وإحساس واعتقاد ونظرية وإيديولوجية تعتبر من الأُمور النفسية والمراد بأولوية المادة بالنسبة إلى الروح أنّ الأُمور النفسية ليست أصيلة، وأنّها مجرّد مجموعة من انعكاسات مادة من المواد الخارجية على الأعصاب والمخ، وليس لها دور إلاّ رَبط القوى المادية الداخلية بالعالم الخارجي، ولكنّها لا تُعد أبداً قوّة في قبال القوى المادية المتحكّمة في وجود الإنسان ويمكن تشبيهها بمصباح السيارة، فهي لا يمكنها السير في الليل من دون المصباح، إلاّ أنّ ما يحركها هو محرك السيارة لا المصباح فالأُمور النفسية من فكر وإيمان ونظرية وعقيدة إذا وقعت في مجرى القوى المادية للتاريخ ساعدت في حركته، ولكنّها أبداً لا توجد حركة بنفسها، ولا تعتبر قوّة في قبال القوّة المادية فالأُمور النفسية ليست قوّة أصلاً، لا أنّها قوّة غير مادية والقوى الواقعية هي تلك التي تعرف بالقوى

٨١

المادية، ويمكن تقديرها بالمقاييس المادية ولذا فإنّ الأُمور النفسية ليست بقادرة على إيجاد الحركة , وتعيين وجهة السير، ولا تُعد أبداً من محركات المجتمع فالقيم المعنوية مطلقاً إذا لم تعتمد على القيم المادية وتوجّه مسيرتها لا يمكن أن تكون منشأ أو غاية لحركة اجتماعية.

إذن فلابد من الدقّة في تفسير التاريخ، وعدم الانخداع بالظواهر فإذا وجدنا في مقطع خاص من التاريخ أنّ فكراً أو عقيدة أو إيماناً أثّر في حركة مجتمع ما حسب الظاهر، وساقه إلى مرحلة من التكامل فلابد من تشريح التاريخ، وحينئذٍ سوف نجد أنّ هذه العقائد ليست أصيلة، وإنّما هي انعكاس للقوى المادية في المجتمع، وهي التي تحرّك المجتمع في صورة إيمان أو عقيدة والقوى المادية المحركة للتاريخ إلى الأمام من الناحية الفنية هي نظام الإنتاج في المجتمع، ومن الناحية الإنسانية هي الطبقة الكادحة المحرومة المستثمَرة في المجتمع.

يقول فويرباخ الفيلسوف المادي المعروف، الذي أخذ منه ماركس أكثر نظرياته: ( ما هي النظرية ؟ ما هو العمل ؟ وما هو الفرق بينهما ؟ ) ثم يجيب على هذه الأسئلة بقوله: ( كل ما يكون محدوداً بذهني هي النظرية، وكل ما يختلج في أذهان كثيرة له جانب عملي، فما تتفق عليه الأذهان يشكّل كتلة بشرية، وبذلك يكون له موقع هام في العالم )(١) ويقول ماركس تلميذه الوفيّ: ( من الواضح أنّ سلاح النقد لا يمكن أن يكون بديلاً لنقد السلاح، فالقوّة المادية لا تُقهر إلاّ بقوّة مادية ) ثم يستمر في كلامه متجنّباً اعتبار أصالة القوى غير المادية ،

____________________

(١) ماركس وماركسيسم، تأليف: اندره بيتز، ترجمة: شجاع الدين ضيائيان، ص٣٩.

٨٢

واعتبار أي قيمة لها سوى التوجيه فيقول: ( وأمّا النظرية فهي أيضاً تتبدّل إلى قوّة غير مادية بمجرّد رسوخها بين المجتمع )(١) .

إنّ قانون أولوية المادة بالنسبة إلى المعنويات، والجسم بالنسبة إلى الروح، وعدم الأصالة في القوى النفسية والقيم الروحية والمعنوية يعتبر من الأصول الأساسية للمادية الفلسفية.

وفي قِبال ذلك أصل فلسفي آخر يبتني على أصالة الروح، وأنّ الأبعاد الأصلية في وجود الإنسان لا يمكن توجيهها وتفسيرها بأجمعها بالمادية وشؤونها فالروح واقعية أصيلة في الوجود البشري، والطاقة الروحية مستقلة عن الطاقات المادية ؛ ولذا تعد القوى النفسية من فكرية واعتقادية وإيمانية وعاطفية عوامل مستقلة لقسم من التحركات، سواء على مستوى الأفراد أم على مستوى المجتمعات، ويمكن الاستفادة منها كمحركات للتاريخ وهناك كثير من التحركات التاريخية نشأت وتنشأ من هذه المحركات بالاستقلال، وخصوصاً الحركات المتعالية الفردية والاجتماعية للإنسان، فإنّها تنبع من هذه القوى بلا واسطة، وتكتسب تعاليها من هذه الجهة وربما تؤثّر القوى الروحية تأثيراً شديداً في القوى المادية والجسمية، لا على مستوى التحركات الاختيارية فحسب، بل حتى على مستوى التحركات الميكانيكية والكيماوية والبيولوجية أيضاً، وتستخدمها في جهتها الخاصة ومن ذلك تأثير التلقين النفسي في معالجة الأمراض الجسمية، والتأثير العجيب لعمليات التنويم المغناطيسي وهذا أمر لا يمكن إنكاره(٢) .

____________________

(١) ماركس وماركسيسم: ص٣٩.

(٢) راجع كتاب ( تداوي روحي ) تأليف: كاظم زاده إيرانشهر.

٨٣

وأمّا العلم والإيمان - ولاسيّما الإيمان - فيعتبران قوّة عظيمة فعّالة، ولهما دور كبير إعجازي في التقلّبات والتقدمات التاريخية، وخصوصاً إذا اشتركا في التأثير إنّ أصالة الروح والقوى الروحية تُعد من أُسس الفلسفة الواقعية(١) .

٢ - أولوية الحاجات المادية على الحاجات المعنوية، وتقدّمها عليها:

للإنسان في حياته الاجتماعية - على الأقل - نوعان من الحاجة: الحاجات المادية من قبيل: الماء والغذاء والمسكن والملبس والدواء ونظائرها، والحاجات المعنوية من قبيل: الدراسة والعلم والأدب والفن والفكر الفلسفي والإيمان والإيديولوجية والدعاء والأخلاق ونظائرها فالإنسان محتاج إلى القسمين كيف كان وبأي سببٍ كان إنما الكلام في الأولوية والتقدّم هل الحاجات المادية أولى أم المعنوية، أم لا هذه ولا تلك ؟ هذه النظرية تدّعي أنّ الحاجات المادية أولى وليس المراد أنّ الإنسان يحاول رفع الحاجات المادية أوّلاً، ثم يعطف همّته لرفع الحاجات المعنوية، بل المراد أنّ الحاجات المادية أساس الحاجات المعنوية ومنبعها فالواقع أنّ الإنسان لم يخلق منذ خُلق مع نوعين من الحاجات ونوعين من الغرائز: الحاجات والغرائز المادية، والحاجات والغرائز المعنوية، بل خُلق من نوع واحد من الحاجات والغرائز والحاجات المعنوية حاجات ثانوية والواقع أنّها وسائل لرفع الحاجات المادية بوجهٍ أحسن ومن هنا كانت الحاجات المعنوية تابعة للحاجات المادية من حيث الشكل والكيفية والماهية فالإنسان في كل مرحلة من مراحل تطوّر

____________________

(١) راجع المجلّد الأول والثاني من كتاب ( أُصول فلسفة وروش رئاليسم )

٨٤

وسائل الإنتاج تتغيّر حاجاته المادية، حسب تغيّر وسائل الإنتاج من حيث الشكل والصبغة والكيفية وحاجاته المعنوية - وهي منبعثة من الحاجات المادية - تتغيّر من حيث الشكل والكيفية والخصائص، حسب الحاجات المادية إذن فالواقع أنّ بين الحاجات المادية والمعنوية أولوية من جهتين: إحداهما: الأولوية الوجودية، حيث إنّ الحاجات المعنوية وليدة الحاجات المادية والأُخرى: الأولوية الماهوية، حيث إنّ الحاجات المعنوية تتبع المادية من حيث الشكل والخصوصية والكيفية.

وقد ورد في كتاب ( ماترياليسم تاريخي ) تأليف ب رويان نقلاً عن كتاب ( تفكّرات فلسفي ) تأليف هايمن لويس ص٩٢: ( طريقة الحياة المادية للإنسان دفعته إلى تقديم فرضيات - حسب الوسائل المستعملة في رفع الحاجات المادية العصرية - حول العالم ( النظرة الكونية الشاملة ) والمجتمع والفن والأخلاق، وسائر المعنويات التي تنشأ من هذه الطريقة المادية )(١) ولذلك فإنّ طريقة البحث العلمي، والتفكير الفلسفي، والذوق وإدراك الجمال والفن، والتقييم الخلقي، والاعتقاد الديني في كل فرد تابع لوضع معاشه وحياته المادية وقد عبّر عن هذا الأصل عند إجرائه في الفرد بقوله: ( قل لي ماذا يأكل ؟ حتى أقول كيف يفكّر ) وعند إجرائه في المجتمع بقوله: ( قل لي إلى أي درجة تكامل وسائل الإنتاج فيه، وأي نوع من العلاقات الاقتصادية قائمة بين أفراده ؟ حتى أقول أي إيديولوجية، وأي فلسفة، وأي أخلاق، وأي دين يوجد في ذلك المجتمع).

____________________

(١) ماترياليسم تاريخي ص٣٧.

٨٥

وفي قبال هذه النظرية نظرية أصالة الحاجات المعنوية فبناءاً على هذه النظرية وإن كان الإنسان يشعر بحاجاته المادية قبل المعنوية، كما يشاهد في وضع الطفل حيث يبحث منذ ولادته عن الثدي واللبن، إلاّ أنّ الحاجات المعنوية الكامنة في فطرته تتفتّح تدريجياً، حتى أنّه عند بلوغه سن الرشد يستعد للتضحية بحاجاته المادية في سبيل الحصول على ما يحتاج إليه معنوياً وبتعبير آخر: إنّ اللذة المعنوية أصيلة في الإنسان، بل هي أقوى من اللذات والمنافع المادية(١) وكلّما ترقّى الإنسان من حيث الدراسة والتربية ؛ أثّرت حاجاته ولذاته وحياته المعنوية في حاجاته ولذّاته وحياته المادية والمجتمع أيضاً كذلك، فالمجتمعات البدائية تتحكّم فيها الحاجات المادية أكثر من الحاجات المعنوية، ولكن كلّما تكامل المجتمع اكتسبت الحاجات المعنوية قيمة وتقدّماً أكثر حتى تصبح هدف الإنسانية، وتتنزّل قيمة اللذّات المادية حتى تصبح على مستوى الوسيلة(٢) .

٣ - أصل تقدّم العمل على الفكر:

الإنسان يفكّر فيعرف ويعمل العمل مقدم على الفكر أم بالعكس ؟ هل العمل هو جوهر البشرية أم الفكر ؟ هل شرف الإنسان عمله أو فكره ؟ فالإنسان هل وليد العمل أم الفكر ؟

المادية التاريخية تبتني على أصالة العمل وتقدّمه على الفكر، وأنّ الأصل هو العمل والفكر فرعه والمنطق والفلسفة القديمان يعتبران

____________________

(١) راجع النمط الثامن من الإشارات لابن سينا، ففيه بحث قيّم حول هذا الموضوع.

(٢) راجع كتاب ( قيام وانقلاب مهدي از ديدكاه فلسفة وتاريخ ).

٨٦

الفكر مفتاحاً للفكر ؛ وذلك لأنّه ينقسم في المنطق إلى تصوّر وتصديق، وكل منهما إلى بديهي ونظري والأفكار البديهية تعد مفتاحاً للأفكار النظرية وجوهر البشرية ( النفس ) يعرّف في ذلك المنطق والفلسفة بأنّه فكر محض ويعتبر كمال الإنسان وشرفه في العلم والإنسان الكامل مساوٍ للإنسان المفكّر(١) .

ولكن المادية التاريخية تعتمد على هذا الأصل، وهو: أنّ العمل مفتاح الفكر ومقياسه، وأنّ الجوهر البشري هو عمله الإنتاجي، والعمل أساس معرفة الإنسان، وهو مربّيه أيضاً قال ماركس: ( إنّ كل التاريخ العالمي ليس إلاّ خلق الإنسان بعمل الإنسان )(٢) وقال إنجلز: ( إنّ الإنسان أيضاً مخلوق بالعمل )(٣) وذلك لأنّ الإنسان منذ بدء الخليقة بدلاً من التفكير لمقابلة العوارض الطبيعية تغلّب عليها بواسطة العمل الشاق، وعن طريق هذا العمل الثوري في قبال الأقوياء المعتدين صنع مجتمعه المطلوب، وسار به إلى الأمام.

وقال في كتاب ( ماركس وماركسيسم ): ( إنّ فلسفة الوجود - ويعني بها الفلسفة التي تفسّر العالم على أساس الكينونة، في قبال فلسفة التطوّر التي تفسّر العالم على أساس الحركة، والماركسية من قبيل فلسفة التطوّر - تبدأ بعرض الفكر والأُصول الفكرية لتستنتج منه النتائج العملية، في حين أنّ الفلسفة العملية تعتبر العمل أساساً للفكر فهذه

____________________

(١) كانت تُعرّف الفلسفة من حيث الهدف والغاية: أنّها صيرورة الإنسان عالماً عقلياً مضاهياً للعالم العيني.

(٢) ماركس وماركسيسم ص٤٠ - ٤١.

(٣) المصدر نفسه.

٨٧

الفلسفة تجعل القدرة بديلاً للإيمان بالظنون، وتؤيّد هيجل في قوله: ( الوجود الحقيقي للإنسان في المرحلة الأُولى هو عمله ) وتلتحق أيضاً في هذه العقيدة بأخلص مفكّر ألماني حيث قلب الكلمة المشهورة: ( إنّ أول الأشياء هو الفعل ) أي الروح، والكلام الذي هو مظهرها فقال: ( إنّ أوّل الأشياء هو العمل )(١) .

إنّ هذا الأصل أصل فلسفي مادِّي ماركسي، وهو ما يُعرف لدى الماركسية ب- ( براكسيس ) وقد اكتسبه ماركس من سَلفه المادي فويرباخ، ومن إمامه الآخر هيجل.

وفي قبال هذا الأصل أصل فلسفي واقعي، يقول بالتأثير المتبادل بين العمل والفكر وتقدّم الفكر على العمل والجوهر البشري في هذه الفلسفة هو الفكر، ( أي علم الإنسان الحضوري الجوهري بذاته ).

والإنسان بواسطة العمل ومباشرة العالم الخارجي يكتسب أُصول معلوماته من الخارج، وما دام الذهن لم يستغن بذاته عن هذه المعلومات الأوّلية لم يكن مجال لتوسيع معارفه وبعد جمع هذه المعلومات الأوّلية يعمل الذهن في مجموعة مكتسباته الذهنية بوجوه مختلفة، من التعميم والانتزاع والاستدلال، ويستعد لكسب المعرفة الصحيحة، والمعرفة ليست مجرّد انعكاس بسيط للمادة الخارجية في الذهن، بل بعد انعكاسها تتيسّر المعرفة بواسطة مجموعة من الأعمال الذهنية التي تنشأ من جوهر الإنسان غير المادي، وهو الروح ؛ إذن فالعمل منشأ الفكر، والفكر أيضاً منشأ للعمل والعمل مقياس الفكر، والفكر مقياس العمل أيضاً، وهذا ليس دوراً مستحيلاً ؛ فشرف

____________________

(١) ماركس وماركسيسم ص٣٩.

٨٨

الإنسان بعلمه وإيمانه وكرامته النفسية، والعمل إنّما يكون موجباً للشرف إذا كان سبباً لتحصيل هذه الكرامة والإنسان صانع العمل ومصنوعه ؛ وهذا من مميّزات الإنسان ولا يشابهه فيه شيء، وينبع ذلك من خصوصيته الذاتية في أصل الخلقة الإلهية ولكنّ صنع الإنسان للعمل بمعنى إيجاده وإيجابه، وصنع العمل للإنسان بمعنى الإعداد والتمهيد فالإنسان يخلق العمل واقعاً، ولكنّ العمل لا يخلق الإنسان واقعاً، بل العمل والممارسة وتكراره يمهّد الطريق لخلق الإنسان في ذاته وكلّما كان الارتباط المتبادل بين شيئين ايجابياً وإيجادياً من ناحية، وإعدادياً وإمكانياً من ناحية أُخرى كان التقدم للطرف الأول.

فالإنسان الذي جوهر ذاته هو المعرفة ( علم الإنسان الحضوري بذاته ) له ارتباط متقابل مع العمل، والإنسان صانع العمل وموجده والعمل أيضاً - صانع للإنسان، إلاّ أنّ الإنسان سبب لوجوب العمل ووجوده، والعمل سبب إعدادي وإمكاني للإنسان، فالإنسان مقدّم على العمل دون العكس.

٤ - تقدّم الوجود الاجتماعي للإنسان على وجوده الفردي، وبعبارة أُخرى: تقدّم علم الاجتماع على علم النفس في الإنسان:

الإنسان من الناحية البيولوجية أكمل الحيوانات، وله قابلية نوع خاص من التكامل هو التكامل الإنساني وهو يتمتع بشخصية خاصة تشكل أبعاد وجوده الإنساني فيكسب بُعده الفكري والفلسفي والعلمي من مجموعة من التجارب والتعاليم، وبعده الأخلاقي من مجموعة أخرى من العوامل وفي هذا البُعد يخلق القيم الخلقية والأوامر والنواهي الأخلاقية وهكذا بُعده الفني والديني .وهو في بعده الفكري

٨٩

والفلسفي يحصل على مجموعة من الأُصول والمبادئ الفكرية تعتبر أساساً لتفكيره، كما أنّه في تقييمه الخلقي والاجتماعي يحصل على مجموعة من القيم المطلقة وشبه المطلقة كل هذه الأبعاد الإنسانية تشكّل وجود الإنسان، وهي بأجمعها معلولة لعوامل اجتماعية، فالإنسان فاقد لجميعها عند الولادة، وإنّما هو مادة مستعدة لقبول أي وجهة فكرية وعاطفية، ويرتبط ذلك بنوعية العوامل التي يقع تحت تأثيرها، فهو كإناء فارغ يملأ من الخارج، وكشريط التسجيل الفاقد لكل صوت فتسجّل فيه الأصوات الخارجية، ثم يصدر كل ما سجّل فيه بعينه والخلاصة: أنّ صانع شخصية الإنسان، والذي يخرجه من حالة الشيئية إلى حالة الشخصية هي العوامل الاجتماعية الخارجية، التي نعبّر عنها بالعمل الاجتماعي ؛ فالإنسان في ذاته شيء محض، وفي ظل العوامل الاجتماعية يصبح شخصاً.

وقد ورد في كتاب ( ماترياليسم تاريخي ) تأليف ب رويان نقلاً عن كتاب ( مسائل أُصولي ماركسيسم تأليف بلخنوف ص٤٢ ): ( إنّ خصائص الجو الاجتماعي تتعيّن في كل زمان حسب المستوى الخاص للقوى المنتجة، أي أنّه إذا تعيّن مستوى القوى المنتجة تتعيّن أيضاً خصائص الجو الاجتماعي والسيكولوجية المتعلّقة به، والروابط المتقابلة بين الجو الاجتماعي من جانب والأفكار والسير من جانب آخر ).

وقد ورد فيه أيضاً: ( ولمّا تعيّنت السيكولوجية بواسطة القوى المنتجة تتعيّن أيضاً الإيديولوجية الخاصة التي لها جذور قريبة في السيكولوجية.

ولكنّ هذه الإيديولوجية الناشئة من مناسبات اجتماعية، في مرحلة خاصة من التاريخ، إنّما يمكنها أن تبقى وتضمن مصالح الطبقة الحاكمة إذا قويت وتكاملت بسبب المؤسسات الاجتماعية إذن فالواقع أنّ

٩٠

المؤسسات الاجتماعية الطبقية، مع أنّها توجد من أجل الحفاظ على مصالح الطبقة الحاكمة، وتقوية الإيديولوجية وبسطها، ولكنّها أساساً من نتائج المناسبات الاجتماعية، وتنشأ - بمقتضى آخر تحليل - من كيفية الإنتاج وخصائصه، فمثلاً الكنائس والمساجد إنّما تؤسّس لنشر العقائد الدينية التي أصلها في جميع الأديان هو الإيمان بالمعاد، والعقيدة بالمعاد تنشأ من مناسبات اجتماعية خاصة مبتنية على طبقية ناشئة من مرحلة خاصة لتطوّر وسائل الإنتاج فالتحليل الأخير يقضي بأنّ العقيدة بالمعاد نتيجة لخصائص القوى المنتجة ).

وفي قبال هذا الأصل أصل آخر في معرفة الإنسان، يبتني على أنّ أساس شخصية الإنسان الذي هو مبدأ أفكاره وعقائده المتعالية قد وضع في فطرته الأصلية على أيدي عوامل الخلقة فالإنسان وإن لم يولد مع شخصية كاملة - كما يقول أفلاطون - إلاّ أنّ أركان شخصيته وأُسسه الأصلية مخلوقة معه، لا أنّه يكسبها من مجتمعه وبعبارة فلسفية: إنّ أساس الأبعاد الإنسانية للإنسان من خلق ودين وفلسفة وفن وأدب وحب هو صورته النوعية، ومبدأ فصله ونفسه الناطقة التي تتكوّن مع عوامل الخلقة والمجتمع يربّي الإنسان أو يمسخه بالنظر إلى قابلياته الذاتية.

والنفس الناطقة في أول الأمر مجرّد استعداد، وتصل إلى مرحلة الفعلية بالتدريج وعليه فالإنسان من جهة أُسس التفكير الأولية، ومن جهة أُصول العقائد والحب المعنوي والمادي كأي موجود حيّ آخر، في وجود جميع الأُصول فيه من أول الأمر بالقوّة والاستعداد، وفي نمو تلك الخصائص ورشدها نتيجة لسلسة من الحركات الجوهرية، والإنسان يربي شخصيته الفطرية ويوصلها إلى حد الكمال تحت تأثير العوامل الخارجية، وإنّما يمسخها ويضلها وهذا الأصل هو ما يعبّر عنه، في

٩١

الثقافية الإسلامية بالفطرة، ويعد فيها أُم الأُصول.

وبناءاً على أصل الفطرة فعلم النفس مقدّم على علم الاجتماع، وهو يستمد من علم النفس وبناءاً عليه فالإنسان منذ ولادته، مع أنّه مسلوب الإدراك والتصوّر والتصديق والاعتقاد الإنساني، ولكنّه في نفس الوقت يملك أبعاداً وجودية غير الأبعاد الحيوانية، وتلك الأبعاد هي التي توجد فيه تدريجياً مجموعة من التصوّرات والتصديقات الانتزاعية ( وبتعبير المنطق والفلسفة: المعقولات الثانية) التي هي الأصل الأساس في التفكير الإنساني، وبدونها يستحيل له أي نوع من التفكير المنطقي، وتوجد فيه أيضاً مجموعة من الاعتقادات المتعالية، وهي تعتبر أساس الشخصية الإنسانية للإنسان.

والإنسان بناءاً على نظرة تقدم علم الاجتماع على علم النفس موجود قابل، وليس موجوداً فاعلاً وهو مادة خالصة لا تنافيها ذاتاً أي هيئة تعطى إياها وشريط فارغ لا تختلف بالنسبة إليه الأصوات التي يمكن أن تسجل فيه فليست في هذه المادة الخالصة حركة إلى كسب هيئة معيّنة، بحيث إذا حصل عليها فقد حصل على هيئتها الخاصة، وإذا لم يحصل فقد مسخ عمّا يجب أن يكون عليه وفي ذات هذا الشريط لا يوجد اقتضاء لصَوت معين، بحيث تكون سائر الأصوات أجنبية بالنسبة إلى مقتضى ذاته وحقيقته فنسبة هذه المادة إلى جميع الهيئات، وهذا الشريط إلى جميع الأصوات، وهذا الإناء إلى كل مظروف سواء.

ولكن بناءً على أصالة الفطرة، والقول بتقدم علم النفس على علم الاجتماع، فالإنسان وإن كان من أول الأمر فاقداً لكل إدراك وعقيدة

٩٢

بالفعل، إلاّ أنّه يتحرك من ذاته بصورة ديناميكية نحو مجموعة من الإدراكات الأولية تسمّى البديهيات الأولية، ونحو مجموعة من القيم المتعالية التي هي مقاييس الإنسانية وبعد اكتساب الذهن مجموعة من التصورات البسيطة - التي تعد مادة أولية للتفكير، وباصطلاح الفلسفة ( المعقولات الأُولى ) - تنمو تلك الأُصول في صورة مجموعة من التصديقات النظرية أو العلمية، وكذلك تبرز تلك العقائد الدفينة.

وبناءاً على النظرية الأُولى فالحكم - مثلاً - بأنّ ٤ = ٢ × ٢ في وضعنا الحاضر واعتباره حكماً مطلقاً يشمل جميع الأزمنة والأمكنة، إنّما هو في الواقع وليد الوضع الاجتماعي الخاص فهذا المجتمع وهذه الأوضاع الخاصة هي التي أمدتنا بهذا الحكم، فهو رد فعل الإنسان في هذه الأوضاع وفي الواقع هو صوت سجل في هذا المجتمع، ومن الممكن أن يكون الحكم في مجتمع آخر وبيئة أُخرى: ٢٦ = ٢ × ٢ مثلاً.

ولكن بناءاً على النظرية الثانية، فالذي يمنحه المجتمع للإنسان هو تصور الأعداد ٢، ٤، ٨، ١٠ ونظائرها وأمّا الحكم بأنّ ٢ × ٢ = ٤، وأنّ ٥ × ٥ = ٢٥ وغيرهما، فهو مقتضى التركيب الروحي للإنسان، ويستحيل أن يكون بوجه آخر، كما أنّ العقائد الإنسانية في طريق التكامل أيضاً من لوازم روحه في أصل الخلقة(١) .

____________________

(١) لمزيد من الإطلاع في مبحث الفطرة كتاب ( أُصول فلسفة وروش رئاليسم ) خصوصاً المقالة الخامسة ( ظهور الكثرة في المدركات )، وتفسير الميزان ج / ٨ مبحث أخذ الميثاق، وج١٦ في الكلام حول معنى الفطرة في الدين، وكذا سائر المباحث الإجمالية الأُخرى المتفرّقة في كثير من مواضع هذا التفسير الكبير.

٩٣

٥ - أولوية الجهات المادية على الجهات المعنوية في المجتمع:

إنّ المجتمع يتشكل من حقول وأنظمة وتأسيسات النظام الثقافي، والنظام الإداري، والنظام السياسي، والنظام الديني، والنظام القضائي، وغيرها فالمجتمع من هذه الجهة يشبه بناءاً تعيش فيه أُسرة، ويشمل على غرفة استقبال، وغرفة نوم، ومطبخ، ومرافق وغيرها.

ومن بين هذه الأنظمة نظام أصلي بمنزلة أساس البناء، وعليه يعتمد ويبني جميع ما في المبنى، فإذا تزلزل أو تهدّم انقضّ البناء بكامله، وهو النظام الاقتصادي للمجتمع وهو كل ما يتعلّق بالإنتاج المادي للمجتمع من وسائل الإنتاج، ومنابعه وعلاقاته فوسائل الإنتاج وهي أهم أصول المجتمع متغيّرة ومتكاملة بذاتها وكل مرحلة من تطوّر وسائل الإنتاج يستلزم نوعاً خاصاً من علاقات الإنتاج مغايراً للنوع السابق وهذه العلاقات هي الأُصول والقوانين المتعلقة بالرابطة الاعتبارية بين الإنسان، وما يكسبه المجتمع بعمله وبالتغيّر الضروري الحاصل في علاقات الإنتاج تتغيّر جميع القوانين الحقوقية والفكرية والخلقية والدينية والفلسفية والعلمية للإنسان وبكلمة واحدة: ( الاقتصاد هو الأصل الأساس ).

وقد نقل في كتاب ( ماركس وماركسيسم ) عن رسالة ( نقد الاقتصاد السياسي ) لكارل ماركس قوله: ( إنّ الإنسان في حياته الإنتاجية يضطر إلى استقرار علاقات معيّنة مستقلة عن إرادته وهذه العلاقات تطابق مع المرحلة الخاصة لتكامل القوى المنتجة ومجموعة هذه العلاقات تشكّل الظواهر الاقتصادية للمجتمع، أي الأساس الواقعي الذي يُبنى عليه المبنى الحقوقي والسياسي الذي يطابق الشعور

٩٤

الاجتماعي الخاص وكيفية الإنتاج في الحياة المادية هي التي تعيّن حركة الحياة الاجتماعية , والسياسية والثقافية والشعور البشري لا يعين وجوده، بل العكس هو الصحيح، فوجوده الاجتماعي هو الذي يعين شعوره(١) .

وفيه أيضاً نقلاً عن رسالة ماركس لانتكوف: ( لاحظ وضعاً خاصاً من توسعة القوى المنتجة البشرية ترى قباله كيفية خاصة من التجارة والمصرف ولاحظ درجة خاصّة من توسعة الإنتاج التجاري والمصرف، ترى قبالها تركيباً خاصاً من المجتمع والنظام العائلي والأصناف والطبقات، وبكلمة موجزة من المجتمع المدني )(٢) .

وقد أوضح ( بيتير ) هذه النظرية الماركسية فقال: ( وهكذا يشبّه ماركس المجتمع بمبنى أساسه القوى الاقتصادية، والمبنى نفسه هو الأفكار والعادات والرسوم والأنظمة القضائية والسياسية والدينية وغيرها وكما أنّ وضع المبنى يتعلّق بوجهٍ خاص بأساسه، كذلك الوضع الاقتصادي ( علاقات الإنتاج ) يتعلّق بالوضع الفني وأمّا كيفية الأفكار والعادات والنظام السياسي فتتبع الوضع الاقتصادي )(٣) .

وورد فيه أيضاً أنّ لينين نقل في كتابه ( ماركس و إنجلز ) عن ( رأس المال ).

____________________

(١) ماركس وماركسيسم ص ٢٤٦ضميمة سوم راجع أيضاً ( مراحل أساسي أنديشه در جامعه شناسي ) ص١٦٣ و ( تجديد نظر طلبي از ماركس تا مائو ) ص١٥٣.

(٢) ماركس وماكسيسم ص٢٤٧ضميمه سوم.

(٣) ماركس وماكسيسم ص٣٣.

٩٥

قوله: ( إنّ كيفية الإنتاج مظهر نشاط الإنسان أمام الطبيعة، والضمان الفوري لمستقبل إنتاجه الحيوي، وبعد ذلك هي مظهر الوضع الاجتماعي، والمفاهيم الفكرية التي تنشأ منه )(١) .

ويقول أيضاً في مقدمة ( نقد الاقتصاد السياسي ): لقد توصّلت في أبحاثي إلى هذه الفكرة، وهي: أنّ الروابط القضائية والأشكال المختلفة للدولة لا يمكن أن توجد بنفسها، ولا أن تكون ناشئة ممّا يدعى بالتحوّل العام للفكر البشري، بل إنّ هذه الروابط وهذه الصور المختلفة تستمد جذورها من الأوضاع المادية الموجودة إنّ تشريح أعضاء المجتمع إنّما يمكن بالبحث والتحقيق حول الاقتصاد السياسي )(٢) وكتب ماركس في كتاب ( فقر الفلسفة ): ( إنّ الروابط الاجتماعية ترتبط تماماً بالقوى المنتجة، والإنسان يغيّر وجهة الإنتاج بالحصول على قوى منتجة جديدة ومع تغيّر كيفية الإنتاج والاستمرار في الحياة تتغيّر جميع العلاقات الاجتماعية، فالطاحونة اليدوية مظهر المجتمع القبلي، والطاحونة البخارية مظهر المجتمع الصناعي الرأسمالي )(٣) .

إنّ نظرية تقدم العامل الاقتصادي على سائر العوامل الاجتماعية تشبه نظرية تقدم العمل على الفكر، إلاّ أنّ الأخيرة تعرض على مستوى الأفراد والأُولى على مستوى المجتمعات، وإلاّ فهما في الحقيقة نظرية واحدة وحيث إنّ أنصار هذه النظرية هم أنصار نظرية تقدم علم

____________________

(١) ماركس وماركسيسم ص٢٤٨ ضميمه سوم.

(٢) ماركس وماركسيسم: ص٣٢- ٣٣.

(٣) المصدر نفسه.

٩٦

الاجتماع على علم النفس، إذن فتقدم العمل الفردي على الفكر الفردي هو نتيجة تقدم العامل الاقتصادي على سائر العوامل الاجتماعية وأمّا إذا قلنا بتقدّم علم النفس على علم الاجتماع، فإنّ الأمر يكون بالعكس، ويكون تقدم العامل الاقتصادي في المجتمع على سائر العوامل معلولاً، ونتيجة لتقدم العمل الفردي على الفكر الفردي.

والعامل الاقتصادي للمجتمع الذي يعبّر عنه بالهيكل الاقتصادي والبناء الاقتصادي يشتمل على أمرين:

١- وسائل الإنتاج، وهي محصول علاقة الإنسان بالطبيعة.

٢ - العلاقات الاقتصادية بين أفراد المجتمع في حقل توزيع الثروة وقد يعبّر بعلاقات الإنتاج و كثيراً ما يعبّر عن مجموع وسائل الإنتاج وعلاقاته بكيفية الإنتاج وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ هذه المصطلحات التي وردت على لسان أعلام المادية التاريخية لا تخلو من إبهام، ولم تتعيّن مفاهيمها تماماً(١) وعندما يقال إنّ الاقتصاد هو الأساس، وإنّ النظام المادي للمجتمع مقدّم على سائر أنظمته، فالمراد به كل ما يتعلّق بالإنتاج، أي وسائله وعلاقاته.

وهنا نقطة هامة لا بد من التوجّه إليها، وهي واضحة كل الوضوح من خلال كلمات أعلام المادية التاريخية، وهي أنّ الأساس المذكور في المجتمع ذو طبقتين، أحداهما أساس للأُخرى، فالحجر الأساس لمجموع البناء هو وسائل الإنتاج التي تعتبر عملاً متجسّداً، وهي التي تستوجب علاقات اقتصادية خاصة في حقل توزيع الثروة وهذه العلاقات التي

____________________

(١) راجع ( تجديد نظر طلبي از كارل ماركس تامائو ص٢٣٥ ).

٩٧

هي انعكاس لدرجة نمو وسائل الإنتاج ليست في بدو وجودها متناسبة مع تلك الوسائل فحسب، بل هي أيضاً محرّكة ومشوّقة، أي أنّها خير وسيلة للانتفاع بتلك الوسائل، وكأنّها الثوب المتناسب لهيكلها، ولكنّ وسائل الإنتاج في ذاتها تنمو وتتكامل، وهذا التكامل يرفع التناسب بين وسائل الإنتاج وعلاقاته، فتصبح علاقات الإنتاج والاقتصاد، أي تلك القوانين التي كانت متناسبة مع تلك الوسائل السابقة، وكأنّها قميص ضيّق يمنع من نشاط وسائل الإنتاج المتكاملة، وتعتبر حينئذ سدّاً مانعاً أمام حركة تلك الوسائل، ويتحقق بينهما التناقض وفي نهاية المطاف تتغيّر علاقات الإنتاج إلى علاقات جديدة متناسبة مع والوسائل الجديدة، وبذلك يتغيّر أساس المجتمع تماماً، وبعد ذلك تنقلب جميع أبنية المجتمع من حقوق وفلسفة وأخلاق ودين وغير ذلك.

وإذا لاحظنا أهميّة العمل الاجتماعي المتجسّد المعبّر عنه بوسائل الإنتاج، ولاحظنا أنّ ماركس عالم اجتماعي يقول بتقدّم علم الاجتماع على علم النفس، وإنّ الإنسان بما هو إنسان موجود اجتماعي، ويعبّر عنه ب- ( جنريك )، أدركنا أهمية الدور الفلسفي للعمل في النظرية الماركسية، وأنّه جوهر الفلسفة الماركسية وإن قلّ التوجّه إليه.

فالتفكير الماركسي حول الوجود الإنساني للعمل والوجود العملي للإنسان، كتفكير ديكارت في الوجود العقلي للإنسان، وتفكير بريجسون في الوجود الاستمراري له، وتفكير جون بور سارتر في الوجود العصياني له فيقول ديكارت: ( أنا أفكّر فأنا موجود ) ويقول بريجسون ( أنا مستمر فأنا موجود ) ويقول سارتر: ( أنا أعصي فأنا موجود ) وقول ماركس: ( أنا أعمل فأنا موجود).

٩٨

ولا يريد أحد من هؤلاء العلماء أن يثبت الذات الإنسانية من هذه الطرق المختلفة، ووراء هذه الأُمور ( الفكر، الاستمرار، العصيان، وغير ذلك ) بل إنّ بعضهم لا يقول بوجود للإنسان وراء هذه الأُمور، بل إنّ كلاًّ منهم يريد أن يبيّن ضمناً جوهر الإنسانية وواقعيتها الوجودية فمثلاً ديكارت يريد أن يقول ضمناً أنّ وجودي يساوي وجود الفكر، فإذا لم يكن هناك تفكير فلست موجوداً ويريد بريجسون أن يقول: أنّ وجود الإنسان هو وجود الاستمرار والزمان.

ويريد سارتر أن يقول: إنّ جوهر الإنسان وواقعه الوجودي هو تمرّده وعصيانه، فإذا سلب منه التمرّد والعصيان لم يكن إنساناً ويريد ماركس بدوره أن يقول: إنّ وجود الإنسان الواقعي، هو العمل، فهو جوهر الإنسانية، فقوله ( أنا أعمل فأنا موجود ) ليس معناه أنّ العمل دليل وجوده، بل معناه أنّ العمل هو عين وجوده، وأنّه وجوده الواقعي.

وإذا سمعنا ماركس يقول: ( إنّ ما يدعى بالتاريخ العلمي ليس لدى الإنسان الاشتراكي إلاّ صنع الإنسان بواسطة العمل البشري )(١) وإذا سمعناه يفرّق بين الشعور الإنساني ووجوده الواقعي، حيث يقول: ( إنّ شعور الإنسان لا يعين وجوده بل الأمر بالعكس، فالوجود الاجتماعي للإنسان يعين شعوره )(٢) .

أو يقول: ( إنّ المقدمات التي نبتدئ منها ليست أُصولاً ذاتية وحتمية، بل أعمال أفراد واقعيين وأوضاعهم الوجودية المادية ) ثم يوضح المراد من الأفراد الواقعيين، فيقول: ( ولكن هؤلاء الأفراد ليسوا على ذلك الوجه الذي يبرز في تصوراتهم، بل على ذلك الوجه الذي ينتج بصورة مادية ويصنع، أي ذلك الوجه

____________________

(١) ماركس وماركسيسم ص٤٠ نقلاً عن ( اقتصاد سياسي ماركس ).

(٢) تجديد نظر طلبي ص١٥٣.

٩٩

الذي يعمل حسب أصول وأوضاع وحدود مادية معينة خرجاً عن نطاق إرادتهم )(١) وإذا سمعنا إنجلز يقول: ( يقول علماء الاقتصاد: إنّ العمل منبع جميع الثروات ولكنّ الصحيح أنّ دور العمل بصورة لا نهائية أكبر من هذا، فالعمل هو الشرط الأساس الأول لجميع شؤون الحياة البشرية، بحيث يجب أن يقال من جهة: إنّ الإنسان بنفسه أيضاً مصنوع للعمل )(٢) كل ذلك يحكي عن هذا الأصل.

ولا يخفى أنّ ماركس وإنجلز إنّما أخذا هذه النظرية حول دور العمل في وجود الإنسان من هيجل، فهو أول مَن قال: ( إنّ الوجود الحقيقي للإنسان في أول مرحلة هو عمله )(٣) .

إذن فمن وجهة النظر الماركسية يعتبر الوجود الإنساني للإنسان اجتماعياً لا فردياً، ثم إنّ وجوده الاجتماعي هو العمل الاجتماعي، أي العمل المتجسّد، وكل أمر اجتماعي من قبيل الفلسفة والأخلاق والفن والدين مظاهر الوجود الواقعي للإنسان وتجلياته، لا عين وجوده الواقعي ؛ وعليه فالتطوّر الواقعي للإنسان هو بعينه تطوّر العمل الاجتماعي ولكنّ التطوّر الفكري والعاطفي والشعوري أو تطوّر النظام الاجتماعي، كل ذلك مظاهر التطوّر الواقعي له وتجلياته فالتطوّر المادي للمجتمع مقياس التطوّر المعنوي، بمعنى أنّه كما أنّ العمل مقياس

____________________

(١) تجديد نظر طلبي ص١٦٧.

(٢) ماركس وماركسيسم ص٤١ نقلاً عن كتاب ( نقش كاردر إنسان كردن ميمون ) تأليف فردريك إنجلز.

(٣) ماركس وماركسيسم ص٣٩.

١٠٠