السيد محمد كاظم اليزدي

السيد محمد كاظم اليزدي0%

السيد محمد كاظم اليزدي مؤلف:
الناشر: ذوي القربى
تصنيف: شخصيات إسلامية
الصفحات: 813

السيد محمد كاظم اليزدي

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: كامل سلمان الجبوري
الناشر: ذوي القربى
تصنيف: الصفحات: 813
المشاهدات: 204201
تحميل: 7522

توضيحات:

السيد محمد كاظم اليزدي
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 813 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 204201 / تحميل: 7522
الحجم الحجم الحجم
السيد محمد كاظم اليزدي

السيد محمد كاظم اليزدي

مؤلف:
الناشر: ذوي القربى
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الحركة الدستورية الإيرانية ( المشروطة )

وموقف السيد اليزدي(1)

المشروطة(2) هي حركة المطالبة بالدستور التي ظهرت في تركيا وإيران، وهي إنّما سُمّيت بهذا الاسم لأنّ القائمين بها اعتبروا مواد الدستور بمثابة ( الشروط ) التي يجب أن يتقيّد بها الملك في حكم رعيّته، وهذه فكرة مستمدّة من نظرية ( العقد الاجتماعي ) التي شاعت في أوربا بعد قيام الثورة الفرنسية، ومنها جاءت إلى تركيا وإيران.

ظهرت المشروطة في تركيا قبل ظهورها في إيران بما يزيد على ثلاثين سنة، ويعود سبب ذلك إلى قرب تركيا من أوربا وشدّة تأثّرها بالحضارة الأوربية. يجب أن لا ننسى أنّ الصراع بين القديم والجديد بدأ في تركيا منذ منتصف القرن الثامن عشر، أمّا في إيران فقد بدأ هذا الصراع منذ منتصف القرن التاسع عشر؛ وذلك من جرّاء دخول بعض المخترعات والنظم الحديثة إلى إيران على عهد الشاه ناصر الدين.

المعروف عن الشاه ناصر الدين أنّه كان معجباً بالحضارة الأوربية، ميّالاً للتعرّف عليها ومشاهدتها عياناً، وقد سافر إلى أوربا ثلاث مرات فقُوبل فيها بحفاوة بالغة، غير أنّه كان يخشى تأثير الأفكار الأوربية على رعاياه، ويكره أن تنتشر بينهم فكرة المشروطة على منوال ما انتشرت في تركيا.

يمكن القول: إنّ ناصر الدين كانت له يد كبرى في إدخال معالم الحضارة الحديثة إلى إيران، وكان في الوقت نفسه شديداً تجاه كل مَن يتحدث عن القانون أو الدستور، أو أيّة فكرة تحرّرية أُخرى، وقد أحدث في المجتمع الإيراني من جرّاء ذلك نوعاً من التوتّر، وبقي هذا التوتّر كامناً يتحفّز للظهور عند أوّل فرصة تُتاح له. فلمّا مات ناصر الدين

____________________

(1) كانت أهم المصادر التي اعتمدنا عليها في كتابة هذا البحث:

- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 3 / 103 - 127.

- دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار 15 - 44.

(2) تلفّظ المشروطية في تركيا ( مشروطيت ) وفي إيران ( مشروطة ).

١٦١

وتبوّأ العرش من بعده ابنه الضعيف مظفّر الدين، انطلق التوتّر الكامن وكأنّه كان مستعدّاً للانطلاق ّ(1) .

عندما اغتيل الشاه ناصر الدين في عام 1896 من قِبل الميرزا أحمد رضا كرماني(2) ، أحد مريدي السيد جمال الدين الأفغاني، تبوّأ العرش مكانه ابنه مظفّر الدين، وكان هذا الشاه الجديد على النقيض من أبيه متهافت الشخصية لا يخلو من غباء وفطارة، وكان بالإضافة إلى ذلك عليل البدن، ولم يكد يتولّى الحكم حتى حفّت به جموع من المتزلّفين، الذين كانوا يطمحون أن ينالوا في عهده الثروات بكل وسيلة تقع في أيديهم(3) .

كان الشاه مظفّر الدين مولعاً كأبيه بالسفر إلى البلاد الأوربية، غير أنّ الخزينة كانت في أيامه فارغة فاضطر إلى الالتجاء إلى القروض الأجنبية، ففي عام 1898م عقد قرضاً مع إنكلترا(4) ، واقترض من روسيا عام 1900 ديناً قدره (2400000) جنيه، واقترض منها عام 1902 ديناً آخر قدره (2000000) جنيه صرف معظم هذه المبالغ في رحلتين إلى أوربا(5) لغرض العلاج والاستشفاء، وقصد أوربا ثالثة عام 1902 أيضاً ولم يستفد صحّيّاً، وقد انتهزت روسيا الفرصة فصارت تمدّه بالقروض وتحصل منه على بعض المنافع والامتيازات الكمركية(6) ممّا أدّى إلى انتشار التذمّر والاستياء والغضب على الشاه، ولاسيّما أنّها ترى في إيران طريقاً ممتازاً تؤدّي إلى البحار المحيطة، ويكون ذريعة إلى تدخل روسيا بالقوّة واحتلالها بحجّة حماية قروضها؛ للاستفادة من موقع إيران المذكور(7) ، كما أثار سخط التجّار وأهل ( البازار ) أي الحرفيين وأصحاب الدكاكين الذين يؤلّفون في إيران طبقة ذات أهميّة غير قليلة في الحياة الاجتماعية والسياسية، إذ إنّ لهم رؤساءهم وتقاليدهم النقابية التي تُسمّى

____________________

(1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 3/103.

(2) انقلاب إيران 2/72، 76، 91.

(3) percy sykes (op. cit.) vol2o. 374

(4) رضا شاه بهلوي: ص23.

(5) ن. م، تاريخ أوربا الحديثة ص279.

(6) Richard Frye (Iran) - london - p. 67

(7) تاريخ أوربا الحديثة ص279.

١٦٢

( قواعد الصنف )، وإذا قرّروا إغلاق دكاكينهم احتجاجاً على أمر من الأُمور؛ كان ذلك بمثابة نوع من الإضراب العام(1) وأصابوا الحياة الاقتصادية بالشلل. أضف إلى ذلك ما كان لأهل ( البازار ) من تأثير في رجال الدين وصلة معاشيّة بهم، فإذا اشتكوا من شيء فسرعان ما تسري شكواهم إلى رجال الدين ويصدر هؤلاء لهم الفتاوى المناسبة.

وممّا زاد في الطين بلّة: أنّ الشاه مظفّر الدين كان قد ترك شؤون الدولة بيد صهره الأمير ( عين الدولة )، وكان هذا جاهلاً صلفاً ومكروهاً من قبل الشعب الإيراني، فكانت أعماله التعسّفية من عوامل زيادة التذمّر بين أهل ( البازار ).

بداية الحركة:

وقد أشعلت فتيل هذه الحركة حادثة بسيطة حدثت في عام 1905، خلاصتها: أنّ نفراً من أهل ( البازار ) خالفوا بعض الأوامر الحكومية، فأمرت الحكومة بشدّ أقدامهم في ( الفلقة ) وجلدهم بالسياط، وكانت تلك عادة متَّبعة تقع بين حين وآخر في عهد الشاه السابق، دون أن يعيرها الناس اهتماماً كبيراً، أمّا الآن فقد اهتم الناس لها، وتجمّع عدد كبير منهم بينهم جماعة من رجال الدين، فذهبوا إلى مسجد الشاه القريب من سوق ( البازار ) الكبير بغية ( الالتجاء ) فيه.

استطاع الإمام في مسجد الشاه أن يطرد الملتجئين إليه بإيعاز من الحكومة، وبمعونة جماعة من أعوانه، فخرج الملتجئون من المسجد وهم أكثر حماساً من قبل، وانضمّ إليهم أُناس آخرون، وتوجّهوا إلى بلدة ( الشاه عبد العظيم ) على بعد بضعة أميال من طهران ليلة 13 تشرين الثاني 1905م /15 رمضان 1323هـ فالتجأوا إلى المرقد المقدّس الموجود فيها، وهناك أعلنوا أنّهم لا يخرجون من مكانهم إلاّ بعد إجابة مطاليبهم، وكان من بين مطاليبهم: عزل ( عين الدولة ) من منصبه، وتأسيس دار للعدالة أطلقوا عليها اسم ( عدالة خانه ).

أخذ عدد الملتجئين في بلدة ( الشاه عبد العظيم ) يتكاثر يوماً بعد يوم، وكأن الناس وجدوا في ذلك فرصة لشفاء غليلهم من الحكومة، وصار الوعّاظ والخطباء يصعدون المنابر ليندّدوا بالحكومة ويشجبوا أعمالها. وممّا زاد في أهميّة هذا ( الالتجاء ) أنّ اثنين

____________________

(1) يقظة العالم الإسلامي 2/13.

١٦٣

من أكبر علماء طهران كانا من بين الملتجئين وهما: السيد محمد الطباطبائي، والسيد عبد الله البهبهاني، كما كان بينهم الواعظ المشهور آغا سيد جمال الدين.

أرسل الشاه إليهم رسوله الخاص ليسترضيهم، فقابلوا الرسول بجفاء وأرجعوه خائباً. واضطرّ الشاه أخيراً أن يرسل إليهم كتاباً مسجَّلاً بخط يده، يتعهّد لهم فيه بإجابة مطاليبهم. وعند هذا وافقوا على العودة إلى طهران، وقد جهّزهم الشاه بعربات مَلكيّة فركب كبراؤهم فيها، واستقبلتهم الجماهير في طهران استقبال الفاتحين. ولا حاجة بنا إلى القول بأنّ مكانة الطباطبائي والبهبهاني قد ارتفعت ارتفاعاً هائلاً في نظر الجماهير يومذاك(1) .

تفاقم الحركة:

يبدو أنّ الشاه لم يستطع تحقيق وعده حيث أخذ على يده صهره ( عين الدولة ). وفي منتصف أيار 1906 أُصيب الشاه بالشلل فانتهز ( عين الدولة ) الفرصة ليضرب ضربته، فقد أصدر أمره بإلقاء القبض على السيد محمد الطباطبائي، وحين جاء الجنود للقبض على هذا المجتهد الكبير تجمّع الناس لتخليصه من أيديهم، فوقع من جرّاء ذلك اصطدام بين الجنود والأهالي، سقط فيه واحد من الأهالي قتيلاً، وشاء القدر أن يكون هذا القتيل من طلبة العلم وسيّداً من ذريّة الرسول. ولمّا جرى تشييع السيد القتيل وقع اصطدام آخر، سقط فيه خمسة عشر قتيلاً.

توتّر الوضع في طهران إلى الدرجة القصوى، وغادر طهران كثير من علماء الدين، ومن بينهم الشيخ فضل الله النوري، حيث ذهبوا إلى بلدة قم المقدّسة في 17 تموز 1906م، 24 جمادى الأُولى 1324هـ، ومعهم حوالي ألف شخص للالتجاء فيها، ثم أصدروا بياناً هدّدوا الشاه فيه: أنّهم سيغادرون إيران جميعاً إلى العراق ما لم يوف بوعده لهم في تحقيق المطاليب الشعبية. وأغلق أهل ( البازار ) دكاكينهم تأييداً للمجتهدين، فأصدرت الحكومة أمراً بنهب كل دكّان يغلقه صاحبه(2) .

واشتدّت هذه المطالبة من الأحرار الإيرانيين وفي مقدّمتهم الطبقة الروحانيّة التي

____________________

(1) لمحات اجتماعية 3/107 - 108.

(2) ن. م ص108 - 109.

١٦٤

لعب فيها رجال الدين دوراً خطيراً، وكانت النجف تضمّ أعلاماً عظاماً منهم وعلى رأسهم: الحاج ميرزا حسين الخليلي(1) (ت1326هـ) وكان ركن النهضة الإيرانية الركين وزعيمها الكبير، عقدت في مدرسته الكبيرة محافل الإيرانيين أيام الاستبداد اجتماعات ومؤتمرات واسعة، والملاّ الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني(2)

____________________

(1) الميرزا حسين بن الميرزا خليل الطبيب بن المولى علي ( الخليلي ) (ت1326هـ)، الفقيه الأُصولي، الحجّة المجتهد، أُستاذ الفقه والأُصول، العابد المحقق الزاهد، انتهت إليه رئاسة الإمامية في عصره، وكان أفقه أهل زمانه، وهو أحد أركان النهضة الإيرانية، تخرّج على الشيخ محسن بن خنفر، والشيخ مرتضى الأنصاري، والشيخ مشكور الحولاوي، والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، كان مجلس بحثه يزدحم بالعلماء والفضلاء والأعلام، مدرّساً يمتاز عن غيره في الفقه والأُصول.

توفّي في شوال 1326هـ.

عقبه: الشيخ محمد تقي، الشيخ محمد، الشيخ مهدي، الشيخ محمود، الشيخ محمد علي.

له: كتاب في الإجازة، كتاب في الغضب، شرح نجاة العباد.

( ترجمته في: أحسن الوديعة 1/196، أعيان الشيعة ط2/26/9، رجال إيران 1/389، ريحانة الأدب 2/159، شخصيّت أنصاري 248، علماء معاصرين 92، فوائد الرضوية 135، ماضي النجف 2/226، معارف الرجال 1/276، مكارم الآثار 3/894، نقباء البشر 2/573، معجم المؤلِّفين العراقيين 1/343، لغت نامه 19/652، معجم أُدباء الأطبّاء 1/150، معجم رجال الفكر 2/518 ).

(2) الملاّ محمد كاظم الآخوند الخراساني، ابن الملاّ حسين الهروي النجفي (1255 - 1329هـ)، زعيم ديني، وفقيه أُصولي، وعالم متتبّع، متبحّر في الفقه والأُصول، جامع للمعقول والمنقول، ومن كبار أساتذة الجامعة النجفية، انتهت إليه زعامة الحوزة في كل مكان، وصارت تُشدّ إليه رحال طلبة العلم من أقطار الأرض، وعمر مجلسه بمئات من العلماء والمجتهدين.

وُلد في مشهد خراسان - إيران، وقرأ المبادئ، وأكمل العلوم العربية والمنطق فيه، انتقل إلى طهران فأقام فيه ستة أشهر درس خلالها بعض العلوم الفلسفية، ثم غادرها في سنة 1278 هـ، متوجّهاً إلى النجف الأشرف فأدرك الشيخ الأنصاري واختلف إلى درسه فقهاً وأُصولاً، ثم حضر على السيد محمد حسن المجدّد الشيرازي، والشيخ راضي النجفي، وحين خرج السيد الشيرازي إلى سامراء لم يصحبه، وأقام في النجف وشرع التدريس فيها، حتى تخرّج عليه عدد من العلماء وأهل التحقيق.

توفّي في النجف في ذي الحجّة 1329هـ.

عقبه: الشيخ محمد، الشيخ أحمد، الشيخ مهدي، الشيخ حسن، الشيخ حسين، وبعد وفاته اتخذت ذرّيته وأُسرته لنفسهم لقب: ( الكفائي ) نسبة إلى مؤلَّفه: ( كفاية الأُصول ).

له: الإجارة، الاجتهاد والتقليد، التكملة في تلخيص التبصرة، حاشية الأسفار، حاشية فرائد الأُصول، حاشية المكاسب، الرضاع، الدماء الثلاثة، شرح التبصرة، الطلاق، العدالة، القضاء والشهادات، كفاية الأُصول، الوقف.

كتب عنه المرحوم الأُستاذ عبد الرحيم محمد علي دراسة مفصّلة بعنوان: ( المصلح المجاهد

=

١٦٥

(1255 - 1329هـ) والشيخ عبد الله المازندراني (1256 - 1330هـ)(1) ، والميرزا محمد حسين النائيني(2) (1277 - 1355هـ)، وعالم كربلاء السيد إسماعيل صدر

____________________

=

الآخوند الخراساني ) ط في النجف. كما كتب عنه حفيده الأُستاذ عبد الحسين الكفائي كتاباً بعنوان ( مركي در نور ).

( ترجمته في: أحسن الوديعة 1/183، الأعلام 7/234، أعيان الشيعة 43/92، الذريعة 1/122، 6/160، 220، 8/132، 11/193، 13/217، 14/184، 16/324، 17/142، 18/88، 347، 21/41، شخصيّت أنصاري 299، ريحانة الأدب 1/41، معارف الرجال 2/323، ماضي النجف 1/136، معجم المؤلِّفين 8/138، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/227، مكارم الآثار 5/1512، هدية الرازي 145، لغت نامه 38/202، رجال إيران 4/1، نجوم السماء 1/279، كتابهاي چابي عربي 45 (الفهرست)، معجم رجال الفكر والأدب 1/39 - 40 ).

(1) الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد نصير بن محمد بن محمود الجيلاني المازندراني النجفي، (1256 - 1330هـ)، من أعاظم العلماء وكبار المدرّسين، وممّن تعهّدوا الحركة العلمية في النجف بداية القرن الرابع عشر الهجري، قرأ مقدّمات العلوم في بلاده ( بارفروش ) ثم هاجر إلى العراق فحضر في كربلاء على الشيخ زين العابدين المازندراني، ومنها إلى النجف فتتلمذ على الشيخ مهدي كاشف الغطاء، والمولى محمد الفاضل الإيرواني، والشيخ حبيب الله الرشتي.

تصدّى للتدريس وحضر عليه جمع كبير من أجلاء طلبة العلم، ورُشّح للزعامة الدينية والمرجعية، وأصبح من كبار زعماء الدين، وأجلّ مراجع التقليد وأشهر المدرسين.

كان من أكبر مساعدي الآخوند الخراساني على تأييد الدستور ونشر الحرية، وتفانى في ذلك حتى أصبح يُطلق عليه: ( العالم الدستوري ).

توفّي في 4 ذي الحجّة 1330هـ.

له: أُهبة العباد، ط، حاشية المكاسب، رسالة في الوقف، رسائل ومؤلّفات أُخرى في الفقه والأُصول، شرح الشرائع، كتاب التجارة، والرهن، والطلاق.

( ترجمته في: أحسن الوديعة 2/23، الذريعة 2/248، رجال إيران2/276، ريحانة الأدب 5/146، لغت نامه 42/52، معارف الرجال 2/18، مكارم الآثار 5/1530، نجوم السماء 2/280، نقباء البشر 3/1219، مجلة العرفان ج8، في 17 آب 1909م، ص398، ج10 في ذي الحجّة 1330هـ / كانون الثاني 1912م، معجم رجال الفكر والأدب 3/1138 - 1139 ).

(2) الميرزا محمد حسين بن الشيخ عبد الرحيم شيخ الإسلام بن محمد سعيد بن عبد الرحيم نظر علي شاه النائيني المنوچهري النجفي (1277 - 1355هـ)، من كبار شيوخ الفقه وأساتذة الأُصول، ومن أعظم علماء الشيعة وأكابر المحققين، فقيه أُصولي، من أئمّة التقليد والفتيا والمرجعية وزعماء الثورة.

أخذ مقدّمات العلوم في أصفهان، ثم هاجر إلى العراق عام 1303هـ، ونزل مدينة سامراء، فحضر على السيد إسماعيل الصدر والسيد محمد الفشاركي الأصفهاني والسيد محمد حسن المجدّد الشيرازي، وبعد وفاة السيد الشيرازي هاجر إلى كربلاء وأقام فيها عدّة سنين، ثم تحوّل إلى النجف الأشرف وحضر على الشيخ محمد كاظم الخراساني، وأصبح فيما بعد من أعوانه وأنصاره في مهمّاته الدينية والسياسية.

=

١٦٦

الدين(1) (1258 - 1338هـ)، والشيخ محمد تقي الشيرازي(2) (1256 - 1338هـ) عالم سامراء، والسيد محمد كاظم اليزدي، وهؤلاء كلهم من الإيرانيين - عدا السيد إسماعيل الصدر - وإليهم انتقلت المعركة، فكانت الغالبية العظمى من الطبقة المتنوّرة تؤيّد حكم البلاد بدستور ومجلس نيابي وسمّوا بـ ( المشروطة ) وعلى رأسهم: الخليلي والخراساني وأتباعهما، وتكوّنت جبهة معاكسة لهم يتزعّمها: السيد محمد كاظم اليزدي وأنصاره، فهو ( يرى رأي مَن يقول: إنّ مصلحة الدولة يجب أن تكون بيد شخص واحد مسؤول عنها، لا يشاركه فيها مشارك. ويحتج لرأيه هذا بما يصل إليه اجتهاده الديني مبرهناً عليه بالبراهين والأدلة المختلفة، ومعه أتباعه من مختلف الطبقات وفي مقدّمتهم

____________________

=

وبعد وفاة الشيخ الخراساني استقلّ بالتدريس والبحث، وحضر عليه جمع من رجال العلم والفضل، ورجع إليه الكثير في التقليد، ونهض بأعباء الزعامة الروحية والقيادة الدينية.

توفّي في 26 جمادى الأُولى 1355هـ.

عقبه: الشيخ الميرزا علي، الشيخ ميرزا محمد، الميرزا مهدي.

له: تنبيه الأُمة وتنزيه الملّة - ط، حاشية العروة الوثقى، حاشية نجاة العباد، رسالة في المعاني الحرفية، رسالة في التزاحم والترتيب، رسالة في التعبّدية والتوصّلية، رسالة في قاعدة لا ضرر، رسالة في الشرط المتأخِّر، رسالة في الخيارات، رسالة في المعاطاة، رسالة في البيع الفضولي، رسالة في اللباس المشكوك.

( ترجمته في: أحسن الوديعة 2/96، أعيان الشيعة 26/215، الذريعة 4/440، 6/149، 11/150، 14/183، 18/294، ريحانة الأدب 6/127، كتابهاي عربي 22، 195، 209، 210، 287، 678، 730، 897، 930، 1991، لغت نامه 46/303، ماضي النجف 35/364، مشهد الإمام 3/113، مصادر الدراسة 14، المطبوعات النجفية 186، 340، معارف الرجال 1/284، معجم رجال الحديث 22/18، معجم المؤلِّفين 4/16، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/152، مكارم الآثار 6/2169، نقباء البشر 2/593، هدية الرازي 100، معجم رجال الفكر والأدب 3/1261 - 1262 ).

(1) السيد إسماعيل الصدر العاملي (1258 - 1338): المرجع الوحيد في كربلاء، كان بعيداً كل البعد عن التدخّل في أُمور غير الدين، ولمّا شاع أمر محمد علي شاه في الاستبداد وإهراق الدماء البريئة؛ أفتى بوجوب محاربته.

(2) الشيخ محمد تقي الشيرازي (1256 - 1338هـ)، عالم كبير وفقيه شهير وثائر معروف، وُلد بشيراز ونشأ وتلقّى مبادئ العلوم والمقدّمات في كربلاء، ثم هاجر إلى سامراء لحضور بحث المجدّد السيد محمد حسن الشيرازي، وتخرّج عليه حتى عُدّ في الطليعة من طلاّبه، وهو قائد الثورة العراقية الكبرى، وصاحب الفتوى الشهيرة في إعلان الحرب ضد الإنكليز عام 1920، كما أفتى بوجوب محاربة الشاه محمد علي بعد أن تأكّد لديه عدم صلاح بقائه في الحكم.

١٦٧

شاه إيران المستبد حينذاك(1) )

وقد رأى السيد اليزدي أنّ هذا الأمر يعقبه فساد عظيم؛ فأبدى نظره واجتهاده بحرمة ذلك - يقصد المشروطة - ولذا وقع الخلاف والنزاع ما بين الأهلين والحكومة وأدى الأمر إلى إراقة الدماء(2) .

وهنا يشير علي الشرقي إلى المشروطة قائلاً: ( ففي العصر الأول من القرن العشرين شبّت في إيران ثورة سياسية، حصل فيها انقسام رهيب، جرّ إلى ويلات وكروب، فكل صقع من إيران فيه معسكران: ( الشعب ) و( الحكومة ) وكان الأحرار يقودون حزب الشعب حزب المشروطة؛ لأنّه يريد الحكم مشروطاً ومقيّداً بدستور ومجلس شورى، ويقود الحزب الآخر رجال الحكومة، والمستبدّون الذين يريدون أن يكون الحكم سلطة مطلقة، ويُسمّى حزبهم حزب الاستبداد ).

وبما أنّ قادة الرأي العام الإيراني هم علماء النجف، زحفت الحركة إلى النجف وتسعّرت مشبوبة بين المتنوّرين وأكثرهم من المعمّمين الدارسين الذين يؤلّفون حزب المشروطة، وكانت زعامتهم معقودة للعلاّمة الملاّ كاظم الخراساني، وإخوانه: العلاّمة الخليلي، والشيخ عبد الله، وبقيّة الأعلام. أمّا حزب الاستبداد فيتكوّن من عامّة الناس، وزعامتهم معقودة للسيد كاظم الطباطبائي، وكان الثقل في هذا الحزب يريد إبقاء القديم على قدمه؛ لأنّ السلطة عند هؤلاء مقدّسة. ولذا اشتدّت الحملة ضد اليزدي من قِبل الأحرار الإيرانيين والدستوريين وفي مقدّمتهم رجال الدين والعلماء(3) ، كما أصدر أحد العلماء المسلمين وهو الشيخ فضل الله النوري الفتوى التي جاء فيها: بأنّ تأسيس برلمان وسنّ دستور للبلاد يغاير الشرع الإسلامي، واعتمد محمد علي شاه على هذه الفتوى وحلّ البرلمان وأوقف الدستور(4) - كما سيجيء هذا - وكان الشيخ محمد تقي نجل الميرزا الخليلي، والميرزا مهدي نجل الشيخ الخراساني، على اتصال وثيق ودائم بالأحرار الدستوريين الإيرانيين في إيران، ولهما التأثير الكبير في الوسط العلمي في النجف في دفع الحركة الدستورية(5) ،

____________________

(1) السيد الإمام أبو الحسن، أحد خدّام الشريعة المقدّسة ص42.

(2) مج العرفان اللبنانية مج 10 ج10 ص991.

(3) مج 1 ج3 نيسان 1909 ص128.

(4) مذكّرات رضا شاه ص15.

(5) المصلح المجاهد ص 73، من حديث خاص للشيخ أغا بزرك مع مؤلّفه المغفور له عبد الرحيم محمد علي.

١٦٨

واشتدّت المطالبة بالدستور من قِبل النجف بزعمائها الروحيين وما لهم من تأثير على الشاه(1) ، وكان الشيخ الخراساني ( أنفق سبعمئة ليرة عثمانية أجرة رسائل برقيّة في سبيل تأييد الدستور )(2) .

وهنا حدث حادث له مغزاه العميق، فقد ذهب فريق من تجّار ( البازار )(3) والعلماء وغيرهم، إلى السفارة البريطانية ينشدون معونتها، وحين وجدوا منها تشجيعاً التجأوا إليها فخيّموا في حديقتها الواقعة في ضاحية قولهك، وهناك أخذ عددهم يتزايد يوماً بعد يوم حتى قُدِّر عددهم بنحو من عشرين ألف شخص(4) ، وممّا يلفت النظر أنّ السفارة كانت قد استعدّت لإقامة مثل هذه الأعداد الغفيرة(5) وأخذت زوجة السفير تتحدث إلى المعتصمين بضرورة المطالبة بالحرية والمساواة والحياة الدستورية(6) ، وأعلنوا أنّهم لن يعودوا إلى فتح محلاّتهم حتى تُنفّذ مطاليب المجتهدين، وهي:

1 - أن تقسّم بلاد فارس إلى مناطق انتخابية.

2 - أن ينشأ مجلس نيابي مؤلَّف من (200 ) عضواً تختارهم الأُمّة.

3 - أنّه يجوز أن يُنتخب لعضوية المجلس كل فرد من أهل فارس الذكور، بشرط أنّه يعرف القراءة والكتابة، وأن لا ينقص سنّه عن 30 سنة ولا تزيد على 70 سنة(7) .

____________________

(1) انقلاب إيران ص231.

(2) الشيعة والمنار ص33.

(3) البازار: لفظة فارسية تعني السوق، وهو مؤسّسة تضم أصحاب المحلاّت التجارية: أي الحرفيين وأصحاب الدكاكين، وما زالوا يؤلّفون في إيران طبقة ذات أهميّة في الحياة الاجتماعية والسياسية، إذ إنّ لهم رؤسائهم وتقاليدهم التي تُسمّى ( قواعد صنف ) فإذا قرّروا إغلاق دكاكينهم احتجاجاً على أمر من الأُمور؛ أصابوا الحياة الاقتصادية بالشلل، ويسيطر على نحو ثلثي تجارة التجزئة ( المفرد ) ويرتبط البازار بالمؤسّسة الدينية بعلاقات وثيقة، وبالمقامات الدينية العليا، وهو المموّل الرئيسي للمؤسّسة الدينية، وتاريخياً تغلق الأسواق أبوابها عندما يغضب الفقهاء، ويعتصم التجّار بالمساجد إذا أرادوا الاحتجاج على أحد قرارات السلطة.

(4) تاريخ سياسي معاصر إيران 1/56.

(5) تاريخ العراق السياسي المعاصر 2/71.

(6) شعراء الغري 10/85.

(7) تاريخ أوربا الحديث ص279.

١٦٩

التجاء في كربلاء:

لم يمض على حادثة التجاء أهل ( البازار ) في طهران إلى المفوّضية البريطانية سوى مدّة قصيرة، حتى جرت في كربلاء حادثة مماثلة، خلاصتها: أنّ الحكومة المحلّية في كربلاء فرضت على الإيرانيين الساكنين فيها ضرائب خاصة، فأعلن الإيرانيون احتجاجهم على تلك الضرائب وتذمّرهم منها، وكان يشجّعهم على هذا الاحتجاج والتذمّر محمد حسن خان القندهاري، الذي كان يتولّى وظيفة نائب القنصل البريطاني في كربلاء، فكان هذا الرجل يغريهم ويمنّيهم، وقد وثقوا بوعوده فتجمّعوا قريباً من دار القنصلية البريطانية الواقعة في محلّة ( الخيمكاه )، وهم في حالة ( الالتجاء ) على الطريقة الإيرانية، ففرشوا البسط في الشارع وعلّقوا خياماً على الجدران؛ ليستظلوا بها من وهج الشمس، واستمرّوا على ذلك أكثر من خمسين يوماً يأكلون وينامون في مكانهم، لا يتحوّلون عنه حتى سدّوا الطريق على المارّة.

كان المتصرّف في كربلاء يومذاك رشيد بك الزهاوي، وقد حاول إقناعهم بالتفرّق دون جدوى، ثم وسّط بعض رجال الدين في ذلك فلم يأبهوا لهم. وقد بعث الميرزا حسين الخليلي، والسيد كاظم اليزدي إليهم من النجف رسلاً ينصحونهم، فلم يستمع أحد منهم للنصح. واضطرّ المتصرّف أخيراً أن يرسل إليهم مدير الشرطة لينذرهم فقابلوا المدير بالاستهزاء، وكأنّهم كانوا واثقين أنّ الحكومة في العراق كحكومة إيران، لا تستطيع أن تنتهك حرمة ( الالتجاء )، أو لعلّهم ظنّوا أنّ بريطانيا العظمى كلها تقف إلى جانبهم.

وجّهت الحكومة إليهم ثلاثة إنذارات متعاقبة كان الأول منها لمدّة أسبوع، والثاني لمدّة أربع وعشرين ساعة، والثالث لمدّة ست ساعات. وقد حلّت نهاية الإنذار الثالث في منتصف ليلة القدر من شهر رمضان 1324هـ / 10 تشرين الثاني 1906م، فأحاط الجنود بالملتجئين، ووجّهوا عليهم رصاص بنادقهم من كل ناحية، إنّ الملتجئين لم يكونوا يتصوّرون أنّ الأمر سيصل إلى هذا الحد، وقال قائل منهم: ( لا تخافوا إنّه ليس رصاصاً حقيقياً )، غير أنّهم صاروا يتساقطون صرعى على الأرض، فأسرعوا يستغيثون بالقنصلية يدقّون بابها لتسمح لهم بالدخول فلم يجدوا منها غوثاً؛ وعند هذا أطلقوا سيقانهم للريح بعد أن سقط منهم سبعون قتيلاً وعدد كبير من الجرحى.

استطاع السيد علي الشهرستاني من علماء كربلاء أن يذهب إلى بغداد وأن يتصل

١٧٠

بالقنصل الإيراني ليخبره بما جرى، وأبرق القنصل بتفاصيل الواقعة إلى طهران واسطنبول. ثم وصل إلى كربلاء خبراء أرسلهم القنصل البريطاني من بغداد للتحقيق في الأمر، فشهدوا محل الواقعة وأثر الرصاص في جدران القنصلية. وكان من نتيجة ذلك أن عزلت الحكومة العثمانية والي بغداد مجيد بك، وعيّنت في مكانه أبو بكر حازم بك.

إنّ السؤال الذي يواجهنا هنا: هل كان هناك ارتباط سببي بين واقعة كربلاء وأحداث المشروطية في طهران؟ وهل أنّ محمد حسن خان حرّض الإيرانيين على ( الالتجاء ) من تلقاء نفسه، أم هو فعل ذلك بإيعاز من الحكومة البريطانية؟ إنّ في هذا سرّاً لا نعرفه، وربّما كشفت عنه الوثائق فيما بعد(1) .

إزاء هذا التصاعد في موقف المعارضة، أعلن مظفّر الدين شاه الموافقة على إقرار النظام الدستوري في البلاد في 15 آب 1906م / 24 جمادى الثاني 1324هـ، فعاد علماء الدين إلى طهران، وجرت انتخابات المجلس الملّي ( مجلس الشورى ) في 12 أيلوي 1906م/ 23 رجب 1324هـ(2) .

وافتتح المجلس الملّي في طهران في 7 تشرين الأول من عام 1906، الموافق 18 شعبان 1324هـ، وقد حضر الشاه مظفّر الدين حفلة الافتتاح على الرغم من مرضه. وكان أول عمل اهتم به المجلس الملّي هو تأليف لجنة لصياغة مواد الدستور، وقد تمّت صياغة الدستور، وصادق عليه الشاه في شهر كانون الثاني من عام 1907، ثم مات الشاه بعد ذلك بأيام معدودة، وذلك في 4 كانون الثاني 1907م / 19 ذي القعدة 1324هـ.

كان الدستور الإيراني في كثير من نصوصه عبارة عن ترجمة حرفية للدستور البلجيكي الصادر في عام 1830، فهو يقوم على أساس المبادئ الديمقراطية التي كانت شائعة في أوربا، من حيث الاعتقاد بالقانون الطبيعي وحقوق الإنسان. وقد تصدّى الشيخ فضل الله النوري بقوّة لمواجهة الانحراف الذي حدث في الحركة الدستورية، وتصدّى لمظاهر الانحراف بشدّة استطاع أن يحقق بعض المكاسب، ومنها: حصوله على تعهّد من المجلس بأن تكون إيران دولة إسلامية، وأن أحكام الإسلام ثابتة غير

____________________

(1) لمحات اجتماعية 3/110 - 111.

(2) دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار 18.

١٧١

متغيّرة، وأنّ المشروطة أن لا تخالف الشريعة الإسلامية(1) ممّا دعا لجنة صياغة الدستور أن تجعله موافقاً للشريعة الإسلامية، لا يخالفها في شيء. نجد هذا واضحاً في المادتين الأُولى والثانية منه.

وفيما يلي نصّهما المترجَم:

المادة الأُولى: الدين الرسمي للدولة هو المذهب الجعفري الاثني عشري، الحق من الإسلام، ويجب على الشاه أن يقر بهذا المذهب ويحميه.

المادة الثانية: إنّ المجلس، الذي تمّ تشكيله ببركة إمام العصر (عجل الله فرجه)، وتفضّل جلالة الشاه، وسعي العلماء - كثّر الله أمثالهم - والأُمّة الإيرانية، لا يجوز له أبداً أن يسنّ أي قانون مناقض لشرائع الإسلام المقدّسة... ومن الواضح أنّ العلماء هم الذي يقرّرون ذلك. ولهذا، فالواجب رسميّاً في كل دورة من دورات المجلس، أن تكون فيه لجنة مؤلّفة من خمسة أشخاص هم من المجتهدين والفقهاء الورعين، والعارفين أيضاً لحاجات العصر ومقتضياته... وعلى المجلس أن يعتبر هؤلاء أعضاء فيه. ووظيفتهم هي أن يدرسوا جميع اللوائح التشريعية، فإذا وجدوا فيها ما يخالف الشرائع الإسلامية المقدّسة رفضوه، وأنّ قراراتهم في هذا الصدد واجبة التنفيذ ونهائية، وأنّ هذا الشرط من الدستور لا يمكن تغييره إلى حين ظهور إمام العصر (عجّل الله فرجه)(2) .

ومن أهم المشاكل التي واجهت المجلس، هي المشكلة المالية التي يئنّ منها الشعب، وكان الشاه وحكومته يريدون اقتراض (400000) جنيه من إنكلترا وروسيا بالاشتراك، فعارض العلماء والحزب الوطني ذلك بحجّة الخطر في تهديد استقلال البلاد، وأن تُجمع المبالغ بقرض داخلي فأيّد المجلس، ثم وضع المجلس مشروع قانون أساسي لحكم البلاد اضطرّ الشاه التوقيع عليه بعد مماطلة في 30 ديسمبر 1906 أي قبل موته بخمسة أيام، ووعد ألاّ يحل المجلس إلاّ بعد عامين على الأقل، ثم أقرّ المجلس بعض الإصلاحات، هي:

1 - منع ديون جديدة من روسيا وإنكلترا.

2 - حد نفقات الشاه وإنقاصها إلى أصغر قدر ممكن.

____________________

(1) محمد تركمان: شيخ شهيد فضل الله نوري ( فارسي ) 1/15.

(2) لمحات اجتماعية 3/111 - 112 بتصرّف.

١٧٢

3 - إنشاء مصرف وطني.

4 - إبطال ابتزاز الأموال من الأهلين بطرق غير شرعية، ولاسيّما جباية الضرائب.

5 - عزل البلجيكين وغيرهم من الأجانب ممّن أُوتي بهم، أول الأمر، لإصلاح الجمارك بحجّة أصبحوا ذوي نفوذ يخشى منه. وأنهم فضلاً عن عدم عملهم على التقليل من إسراف الشاه ساعدوه على ذلك(1) ...

وفي 4 كانون الثاني 1907 توفّي مظفّر الدين شاه، بعد ثلاثة أشهر من انعقاد أول جلسة للبرلمان الإيراني، فخلفه في الحكم ولده:

محمد علي شاه:

بعد موت الشاه مظفّر الدين - كما أسلفنا - تولّى الحكم ابنه محمد علي شاه، وقد نُودي به ملكاً على إيران في 8 كانون الثاني وتُوّج في 19 منه، وكان طاغية طمّاعاً، سيّئ السيرة، وأخذ منذ بداية حكمه يتظاهر بالميل إلى الحكم النيابي، واحترام الدستور والعمل من أجله. وأرسل إليه الشيخ الخراساني الوصايا العشر المشهورة وهي:

1 - ينبغي منكم بذل النفس والنفيس في المحافظة على الشريعة المطهّرة، وتشييد مباني الإسلام، مع انتخاب معلّم ديني أمين تتلقّون عنه العلوم الشرعية اللازمة لمقام السلطنة، كما أنّه يجب عليكم المواظبة التامّة على العبادات العملية؛ فإنّ أداء الفرائض الإلهية موجبة لدوام سلطنتكم وسيادتكم على الرعيّة.

2 - اجتنبوا الأساتذة الفاسدي العقائد، عبدة الدنيا؛ لأنّ مخالطتهم جاذبة لذميم الأخلاق، ومرذول العادات كما يجذب المغناطيس الحديد.

3 - بذل قصارى الجهد في إعلاء شأن الوطن، وتنظيم أُمور المملكة، وتربية أفراد الأُمّة تربية صحيحة، وحثّ الرعيّة على ممارسة الحِرَف والصنائع، وترويج المنسوجات الوطنية بأن تختاروا لباسكم منها، فإنّكم إذا فعلتم ذلك اقتدى بكم رجال الدولة قاطبة وأفراد الرعية كافّة، فلا شك بأنّ المملكة آنئذ تطلق من عقال الاحتياج للمنسوجات الخارجية، وهكذا فعل ( ميكادو اليابان ) فإنّه لمّا علم أنّ مفتاح مملكته يسير بهذا السبيل طرق أبوابه فنال مقعده النبيل. فإذا نهجتم في ابتداء سلطنتكم وعنفوان صباكم

____________________

(1) تاريخ أوربا الحديثة ص 280.

١٧٣

هذا المنهاج السديد؛ تكونون واسطة لرقي البلاد، ورفع الفقر ودفع الاحتياج الضارب أطنابه في ساحة الرعايا، وعمّا قريب يحلقون بمنطاد المساعي المشكورة إلى أجواء النجاح، وينالون حينئذ الاستقلال الحقيقي، فنكون قد سعينا في تعمير بلادنا، لنظل أصحاب الشوكة والاقتدار إن شاء الله.

4 - بذل مساعيكم وصرف همّتكم إلى نشر العلوم، وترويج الصنائع العصرية التي حلّقت بواسطتها الأُمم إلى أوج الرُقي، ومن البديهيّات المسلّمة أنّ الإيرانيين أكملهم استعداداً وأحسنهم قابليّة، وقد كانوا في طليعة أُمم العالم، ولهم السبق عليهم. وليس التأخّر الحالي الحاصل في المملكة الآن، الذي أوصلها إلى هذا الحد من الفقر والبلاء؛ إلاّ عدم اعتناء الأسلاف بتلك الأُمور، وميلهم إلى مصنوعات الأجانب، حتى أوجب ذلك قهراً سريان الداء في جسم كل فرد من أفراد المملكة، فإحياء إيران فعلاً يدور على هذه النقطة المهمّة.

5 - الحذر كل الحذر من مداخلات الأجانب، والعناية في قطع دابر فتنتهم، فإنّ البلاء مخيّم على تلك الأنحاء، كان بسببهم فلا ينبغي الاعتماد عليهم، لا ما كان من استجلاب قلوب ملوكهم وعظمائهم، مع المحافظة التامة على مودّتهم، وليست هذه الديون الخطيرة الملقاة على عاتق الدولة إلاّ نتيجة مداخلتهم، ومن اللازم على رجال إيران المحبّين لوطنهم انتخاب الرجال الأكفّاء لإدارة السلطنة.

6 - بذل الجهد في نشر العدالة الحقّة والمساواة، وذلك بأن يتساوى شخص السلطان نفسه وأضعف فرد من أفراد الرعيّة في الحقوق، وأحكام القانون الشرعي حاكمة على الكل من غير استثناء، فإذا ثبتت قدم السلطان في هذا الأمر وقام بأعباء هذا التكليف؛ يتمكّن جزماً من رقاب المعاندين، ويأتون أذلاّء صاغرين، وعندها يكون أساس العدالة محكماً لا لفظاً وتوهمّاً.

7 - محبّة عموم الرعيّة والرأفة جلباً لقلوبهم، وتنشيطاً لهممهم؛ كي يرسخ حبّك في قلوبهم.

8 - ينبغي مراجعة تاريخ مشاهير ملوك العالم، والإحاطة بمعرفة الطرق التي نهجوها في نشر العلوم الدينية والمدنية حتى أحكموا استقلال أُممهم، وزيّنوا صفحات التاريخ بعظيم أفعالهم، حتى ضُربت الأمثال بهم وأُقيمت التماثيل لهم.

١٧٤

9 - ستنكشف لذاتكم الملوكية عند مراجعة تاريخ إيران، بأنّ السلاطين الماضين سواء كانوا قبل الإسلام أو بعده، كانوا ممّن انهمكوا في الملذّات، واتبعوا الشهوات، وصرفوا أعمارهم في اللهو واللعب، اقتفى رجال دولتهم آثارهم، وسلكوا طرقهم، فكانت نتيجة ذلك: ضعف المملكة، وذلّ الرعيّة، وضياع الأموال، وتبلبل الأحوال. وممّن كان منهم صارفاً نفسه عن الشهوات، وكان أكبر همّه إدارة المملكة، وتربية الرعيّة، ونشر العلوم والصنائع، وتنظيم العساكر؛ تقدّم في زمن قصير على جميع الملوك، فالمأمول إن شاء الله تعالى من الذات الملوكية الإعراض كليّةً عن الطريقة الأُولى السافلة، والاحتراس من سلوك مسالكها المردية، ولا شك بأنّكم تختارون الطريقة الثانية، وتجعلونها نصب أعينكم، وعمّا قريب تحصلون على النتائج الحسنة إن شاء الله.

10 - حفظ مقام العلم، وتكريم حملته من العلماء العاملين والفقهاء المصلحين، فإذا - لا قدّر الله - حصل التقصير بجزئي من هذه الكليّات؛ نكون قد تعرّضنا للمهلكات، وذهبت الدولة من أيدينا، فنعضّ بنان الندم، ولات حين مندم، والسلام(1) .

الداعي

محمد كاظم الخراساني

وكان يقف إلى جانب الشيخ الخراساني في دعوته هذه: الشيخ الميرزا محمد حسين النائيني من أنصاره في رأيه السياسي:

( ووقف معه جنباً لجنب؛ لأنّه كان يرى رأيه، وكان يوم ذاك من أكبر الدعاة )(2) في عنوان المعركة بين الدستوريين وأنصارهم، وألّف رسالته المشهورة: ( تنبيه الأُمة وتنزيه الملة ) وأحدثت دويّاً في الأوساط، وغيّرت وجهة نظر الكثير من دعاة الاستبداد، ونظراً لصدورها بالفارسية فقد ترجمها الأُستاذ صالح الجعفري باسم الاستبدادية والديمقراطية(3) .

كان تظاهر محمد علي شاه في تأييد الدستور والمجلس مناورة محكمة الخيوط؛

____________________

(1) نُشرت في مجلة العرفان ص119 / مجلد2 / ج1. محرّم 1328/12، ك2/1910 بعنوان الوصايا العشر، أو كيف يوصي العلماء الملوك، وكان الخراساني قد أرسلها إلى الشاه مع سفير خاص اسمه السيد محسن، وقد أمر الشاه بتعليقها في غرفته.

(2) نقباء البشر 2/594.

(3) نُشرت في مجلة العرفان اللبنانية مج 20/ ع1 و2 و4 و5 ومج 21/ ع1 و2 و4 - 5.

١٧٥

لذلك فقد حرّك بعض أذنابه في القيام ببعض الشغب نكاية بالدستور، وقد عيّن قوّاداً لقمع الحركات الوطنية، ومن هؤلاء: حاج صمد خان شجاع الدولة، أو جلاد مراغة الذي شنق عدداً من الوطنيين بصورة وحشيّة جدّاً(1) . والثاني: ( شجاع نظام مرندي ) وهو سفّاك مشهور، وقد نسفه أحد الوطنين بقنبلة يدوية، و( عين الدولة ) نائب الشاه في شمال إيران كلها(2) ، ( وممّا زاد في تمادي صمد خان صدور فتاوى لبعض المجتهدين بارتداد الأحرار عن الإسلام، وكونهم مبدعين في دين الله، يجب دفعهم، فضيق صمد خان الخناق ( والمنصب والياً على أذربيجان من قِبل الروس ) على الأحرار؛ نقماً منهم، وولعاً بإراقة الدماء، فضلاً عن أنّهم قتلوا خاله حاج كبير آغا مجتهد مراغة )(3) .

وممّا زاد في شدّة الصراع عقد المعاهدة الروسية البريطانية في 31 آب 1907م / 1325هـ. ففي هذه المعاهدة اقتسمت الدولتان النفوذ في إيران، حيث حصلت روسيا على القسم الشمالي منها، بينما حصلت بريطانيا على القسم الجنوبي، فكان ذلك بمثابة ضربة قاسية على أنصار المشروطية؛ إذ أصبحت طهران ومناطق إيران الشمالية تحت النفوذ الروسي، ممّا شجّع الشاه محمد علي على التمادي في نزعته الاستبدادية، وصار حرّاً يعمل ما يشاء، دون أن يخشى من تدخّل بريطانيا في دعم أنصار المشروطية(4) .

كان الشاه محمد علي يحيط به مستشارون روس، وهو يتأثّر بآرائهم تأثيراً كبيراً

____________________

(1) ومن هؤلاء: أغا ميرزا علي ثقة الإسلام زعيم الطائفة الشيخية، من العلماء ومن المجاهدين من أجل الدستور. وأغا شيخ سليم من أئمّة دوجي من العلماء.. وضياء العلماء من العلماء وخاله. وحسن وقدير أخوان لأب دستوري... وإبراهيم آغا من زعماء الديمقراطيين.. وصادق الملك. وهؤلاء الثمانية صُلبوا في عاشوراء.. وآغا ميرزا علي كان خطيباً ومصقعاً.. وميرزا أحمد خان السهيلي كان كاتباً فاضلاً شاعراً.. وآغا ميرزا كريم من الخطباء عندما صعد المشنقة صاح بأعلى صوته: ليحيى الشيخ عبد الله المازندراني؛ لأنّه كان من مقلّديه ويجاهد في سبيل الدستور وعمل بفتواه.. وحلاّق.. وسمعت بواحد غلّوا يديه ورجليه ثم أمر حمد خان بإلقائه بين يدي كلب له كبير فافترسه، وغيرهم كثير جاوزوا الستين رجلاً بين الذين قتلهم الروس وبين الذين قتلهم حمد خان، العرفان مج 9/ ج6 ص530.

(2) مذكّرات رضا شاه ص51.

(3) مجلة العرفان اللبنانية مج 9 ع6 ص530، المصلح المجاهد ص79.

(4) يقظة العالم الإسلامي 2/15.

١٧٦

ولاسيّما برأي رجل منهم يهودي اسمه شبشال(1) . يقول المؤرِّخ لنشوفسكي: إنّ الروس كانوا يعتقدون بأنّ حركة المشروطية من تدبير بريطانيا، ويعتبرونها مهدّدة لسطوتهم ونفوذهم في إيران، فاستغلّوا تقرّبهم من بريطانيا في عام 1907، وشجّعوا الشاه محمد علي على تعطيل الدستور(2) .

صار الشاه محمد علي على أي حال يبذل الأموال، ويحشد الأنصار في سبيل القضاء على حركة المشروطية في بلاده، وكان الشعار الذي رفعه في ذلك هو أنّ الدستور بدعة مخالفة للشريعة الإسلامية(3) .

وعليه صدرت الفتاوى من النجف، وهي مطبوعة تنصّ على جواز محاربة الشاه محمد علي والإيقاع به؛ لهتكه حرمة الشرع الشريف، وكانت لأربعة من الأعلام وهم: الشيخ محمد كاظم الخراساني، والسيد إسماعيل الصدر، والشيخ محمد تقي، والشيخ عبد الله المازندراني(4) ، بوجوب الجهاد في سبيل الدستور والاستعداد للجهاد والدفاع، فطفق الكثيرون يبتاعون البنادق، وربّ رجلٍ باع فرش بيته ليبتاع بندقية(5) ونتيجة لتطوّر المواقف والأحداث؛ أبرقت البرقيّات بتوسّط العلماء إلى بلاط الشاه(6) . وقد أيّد الشاه في موقفه هذا لفيف من رجال الدين الكبار، على رأسهم: الشيخ فضل الله النوري، وكان هذا الرجل من أنصار المشروطية في أول الأمر، ثم انفصل عنهم وأخذ يحاربهم حرباً لا هوادة فيها، ويتّهمهم بأنّهم بابيون وزنادقة. أما أنصار المشروطية فكان يتزعّمهم: السيد محمد الطباطبائي، والسيد عبد الله البهبهاني. وبهذا انقسم الشعب الإيراني إلى حزبين متطاحنين، وصار كل حزب منهم يكفّر الحزب الآخر ويدعو إلى محاربته.

هذه كلها تثبت دسائس الشاه ضد المجلس، والحياة الحرّة الكريمة التي نعمت بها إيران مدّة قصيرة من إنشاء مجالس محلّية، في طهران وأكثر المدن الإيرانية، تشبه تلك

____________________

(1) peter Avery (cp. clt) - pl28

(2) الشرق الأوسط في الشؤون العالمية 1/58.

(3) لمحات اجتماعية.

(4) مجلة العرفان اللبنانية ج5 ص240 في 29 مايس 1909م.

(5) ن. م، مج9 ج3 ص243.

(6) المصلح المجاهد ص80.

١٧٧

التي ظهرت في فرنسا إبّان ثورتها الكبرى(1) ، وقد أُطلق عليها اسم ( الأنجمن ). فكانت هذه النوادي تجمع التبرّعات، وتحشد الأنصار وتدرّبهم على السلاح بغية الدفاع عن المشروطية. وكثيراً ما شوهد رجال الدين بعمائمهم وهم يتدرّبون على استعمال البنادق، معتقدين أنّهم يقومون بواجب الجهاد في سبيل الله.

وتوقّف توزيع الإقطاعيات على أنصار الشاه واسترجاعها، وقطع الجرايات التي تجري على الكثيرين بدون عمل... وكان رأي روسيا ضد المجلس؛ لذلك أمدّت الشاه بالمعونة في إشاعة الضوضاء في البلاد، وسيّرت الدولة العثمانية قسماً من جيشها إلى حدود إيران بحجّة تسكين القلاقل، فانهزم الجيش الإيراني المرسل لملاقاته(2) واضطرّ الشاه على تأزّم الوضع في إيران إلى دعوة البرلمان الجديد في ديسمبر 1907(3) وكان أعضاء البرلمان قرّروا أن يحسنوا العلاقة بينهم وبين الشاه لاستمالته، أو التخفيف من غلوائه وتنحيته بعض أعوانه الذين لهم الأثر في تعكير الجو، لكن دون جدوى... وفي 3 حزيران سنة 1908 فرّ الشاه إلى خارج طهران فجأة لغرض الاستعداد للقيام بالجولة الأخيرة، فكان يجمع الجيوش ويقطع الاتصال بين العاصمة والأقاليم(4) .

وبعد صراع عنيف بين الشاه والمجلس النيابي استطاع الشاه في 23 حزيران 1908 أن يوجّه للمشروطية ضربة قاصمة، فأعلن الأحكام العرفية ووجّه جنود ( القوزاق ) بقيادة الكولونيل لياخوف الروسي لتطويق المجلس، ثم أمر بإطلاق المدافع عليه. وانتشر الرعب في طهران، وأخذ أنصار المشروطية يلوذون بالفرار، فاستطاع بعضهم أن يلتجئ إلى المفوّضية البريطانية وينجو بنفسه، بينما وقع البضع الآخر في قبضة القوّات الحكومية. وقد شنق من المقبوض عليهم اثنان: أحدهما الميرزا جهانكير خان صاحب جريدة ( صور إسرافيل ) الثورية، والثاني هو الميرزا نصر الله الأصفهاني، الذي كان من أشد وعّاظ المشروطية تأثيراً في الجماهير حتى كان يُلقّب بـ ( ملك المتكلّمين ) وهو الذي لا يزال تمثاله قائماً في أحد شوارع طهران.

____________________

(1) percy sykes (op.clt.) col2. p408

(2) تاريخ أوربا الحديثة ص281.

(3) رضا شاه پهلوي ص25.

(4) المصلح المجاهد ص86.

١٧٨

وبعد أن انتصر الشاه في طهران أبرق إلى ولاته في أنحاء إيران يأمرهم بإلغاء المشروطية، وتشتيت شمل أنصارها، وسد نواديهم(1) ببيان نصّه:

( إنّي وإن قد وعدت أن يفتتح مجلسكم في 14 نوفمبر سنة 1908 إلاّ أنّ الأكثرية من أعضاء المجلس والأهلين يلحّون على صرف النظر عن افتتاحه، ومن هذه الجهة صمّمت أن أُحقّق رغبة الناس؛ لأنّ افتتاح المجلس وتحقير الإسلام توأمان )(2) .

وقد ردّ المصلح الخراساني على برقيّة الشاه بما نصّه: ( يا منكر الدين ويا أيّها الضال - الذي لا نستطيع مخاطبتك بلقب ( شاه ) - كان المرحوم أعطى الدستور ليرفع الظلم والتصرّفات غير القانونية عن الشعب الذي كان في ظلام دامس قروناً عديدة، حيث إنّه لا يوجد في المشروطية شيء يخالف الدين، وكنّا ننتظر من شجرة الدستور أن تثمر السعادة للشعب المظلوم، ويحافظ بعد جلوسك على العرش، ومن هذا الوجه اعترفنا لك بولاية العهد الدستورية، وكذلك من اليوم الأول الذي تبوّأت فيه عرش السلطنة؛ وضعت تحت أقدامك جميع الوعود والأيمان، وعملت بجميع الحيل ضد المشروطية، وقد تجلّى لنا خطأنا فيك حيث سعيت أن تجعلنا آلة بيدك ضد المجلس، وحاولت أن ترشونا بقانون أساسي تافه نظمته أنت، والذي كان فيه ضرر للناس وأردت أن نصادق عليه. ( والآن سمعنا أنّك أرسلت إلينا أحد رجالك المقرّبين لشراء ذممنا بالذهب، ولستَ عالماً أنّ سعادة الشعب أثمن كثيراً من ذهبك ).

إنّنا نظن أنّ البيان الذي نشرته لإحياء المشروطية كان بتأثير الأجانب، وكان كاتبه أحد المجتهدين المعادين للإسلام، مَن باع دينه وإيمانه ووجدانه بالمال، وهو من أتباع الشيطان. وفي بيانه المذكور بحث عن الدين والشريعة، ونحن بأمر الله وإرادة الشعب، وباسم الشيعة المدافعين نقول له: إنّ ذكرك للدين والشريعة كذب وهراء، أردت بكذبك هذا إغفال البسطاء المتمسّكين بالدين؛ لتمنع الدستور وتجعل الناس في ذلٍ وفقر. وعلى هذا أنت عدوٌّ للدين المقدّس، وخائن للوطن، وتشبه السارق الذي يسرق الناس باسم الدين والشريعة.

____________________

(1) لمحات اجتماعية 3/114.

(2) التطوّر الفكري في العراق ص25، المصلح المجاهد ص87.

١٧٩

نحن الروحانيين من أهالي إيران نبلّغك أن تنظر بدقّة وتفكّر في سعادة الشعب، وإلاّ فسوف يلقّبك الشعب بالخيانة والمنكر، ويلعنك إلى الأبد، اعمل معروفاً مرة واحدة في حياتك بأن تعطي للشعب المظلوم الحرية، إنّك أنت والمجتهدون المرتزقة الذين يدعون بمخالفة المشروطية للشرع، يتجاهلون حقيقة الدين بأنّ العدالة شرط حتى في الأُمور الجزئية، ونحن بحسب اطلاعنا عن البلاد المطبّق فيها الدستور: أنّها تدار بحسب القوانين والعدالة. ونحن نقول بصراحة: ليس في المشروطية نقطة تخالف الدين الإسلامي، بل إنّها تتفق مع أحكام الدين، وأوامر الأنبياء بخصوص العدالة، ورفع الظلم عن الناس، يقول المثل: كن في حراستك سارقاً ولكن امنع الظلم عن الشعب، وأعط الشعب الدستور الحر لتتحسّن أحواله، وأحرق السند الشيطاني، وانشر بياناً آخر تعطي فيه الحرية إذا حصل تأخّر منك عمّا قلناه؛ فإنّنا سوف نحضر جميعاً في إيران ونعلن الجهاد ضدّك، ولنا في إيران أتباع كثيرون، والمسلمون كثيرون أيضاً، فإنّنا أقسمنا على ذلك )(1) .

وكيل المجتهدين

محمد كاظم الخراساني

حاول محمد علي شاه مواجهة التطوّرات المحتملة، باستدعاء الجيش الروسي في بداية سنة 1909 لدخول الأراضي الإيرانية، معتبراً أنّ الوجود العسكري الروسي سيحبط محاولات العلماء التي تستهدف سلطته، وأنّ دخول هذه القوات عملية ضرورية لتثبيت سلطته، حتى لو استدعى ذلك إعطاء أذربيجان لروسيا(2) .

وقد أثارت هذه الخطوة العلماء كافّة ممّن يدعم المشروطية ومَن لم يدعمها، فقد أبرق السيد محمد كاظم اليزدي إلى محمد علي شاه يشجب فيها دخول القوّات الروسية إلى إيران، معتبراً ذلك احتلالاً عسكرياً، وهذا ما أثار مخاوف الحكومة الروسية، فقد كتب السفير البريطاني في بغداد يقول: ( أبلغني المسيو ماسجكوف - موظف الحكومة الروسية - أنّ الملاّ محمد كاظم الخراساني له نفوذ عظيم في باكو، بشكل جعل من باكو

____________________

(1) التطوّر الفكري في العراق ص27.

(2) تشيّع ومشروطيّت در إيران ص112.

١٨٠