السيد محمد كاظم اليزدي

السيد محمد كاظم اليزدي0%

السيد محمد كاظم اليزدي مؤلف:
الناشر: ذوي القربى
تصنيف: شخصيات إسلامية
الصفحات: 813

السيد محمد كاظم اليزدي

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: كامل سلمان الجبوري
الناشر: ذوي القربى
تصنيف: الصفحات: 813
المشاهدات: 221383
تحميل: 8009

توضيحات:

السيد محمد كاظم اليزدي
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 813 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 221383 / تحميل: 8009
الحجم الحجم الحجم
السيد محمد كاظم اليزدي

السيد محمد كاظم اليزدي

مؤلف:
الناشر: ذوي القربى
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

أعظم مراكز نفوذه الفتّاكة التي تجري فيها التبليغات الثورية... كما أنّ أكثر الشخصيات [ الروحانية ] نفوذاً خارج باكو وسط المسلمين القفقاز هو السيد كاظم اليزدي، لهذا يقول: أنا أعتقد بأنّ الضروري إلى نقطة هامّة هي أنّ السيد كاظم اليزدي لم يبتعد عن السياسة، إنّه الآن يريد أن يستخدم نفوذه حتى يدفع الروس، وإنّ السيد كاظم اليزدي يُحترم كثيراً هناك... بناءً على ذلك إذاً كان يفكّر بوجوب الاشتراك في الأُمور السياسية، فمن الممكن أن يحرّك الثورات في القفقاز، وإيجاد مشاكل واضطرابات واضحة للدولة الروسية )(1) .

وأخذ الولاة ينتقمون من أنصار المشروطية، فكانوا يجلدون مَن يقع في أيديهم منهم أو يبعدونه أو يحبسونه...(2) .

هذا كله جعل الشعب في ألمٍ مستعر، وغليان مستمر، وتمهّدت الأُمور للقيام بالثورة، فقد هبّت الثورات عليه في بعض المدن، وكان أهم هذه الثورات تلك التي نشبت في تبريز، إذ استطاع أنصار المشروطية فيها أن ينظّموا أنفسهم تنظيماً جيّداً، وتمكّنوا من السيطرة على المدينة فترة غير قصيرة من الزمن(3) . وقد شجّعت هذه الثورة أهل رشت لأن يقوموا بثورة مماثلة، وتحرّكت القوات الرشتية نحو مدينة قزوين فاحتلتها، ثم توجّهت نحو طهران. وجاءت الضربة القاصمة أخيراً على يد الحاج علي قلي خان رئيس قبائل البختيارية في منطقة أصفهان، وهو المعروف بلقب ( السردار أسعد ) فقد حشد هذا الرجل قوّات مقاتلة بلغ عدد أفرادها ألفين ومعها عدّة مدافع. وفي حزيران من عام 1909 توجّه السردار أسعد بقوّاته نحو طهران، والتقى على مقربة منها بالقوّات القادمة من رشت، وفي 12 تموز دخل طهران فاتحاً(4) .

وفي أثناء ذلك كتب الثوّار الإيرانيّون يستفتون الشيخ الخراساني، والشيخ المازندراني عن جواز دفع الضرائب إلى الحكومة غير الدستورية؛ فأقرّا بعدم جواز ذلك

____________________

(1) ن. م ص116.

(2) لمحات اجتماعية 3/114.

(3) انظر المقالات المتسلسلة التي نشرتها مجلة العرفان الصيداوية في عام 1923 بقلم السيد أحمد كسروي التبريزي.

(4) ن. م.

١٨١

مطلقاً(1) كما كتبا رسالة إلى تبريز يطلبان فيها مساعدة القائمين بالثورة ضد حكومة الشاه المستبدّة، وبعد معارك بين الثوّار وجيش الشاه في عدّة مواقع، منها في 16 تموز 1909م / 27 جمادى الثانية 1327هـ، ليلاً دخل الثوّار إلى طهران(2) وجرّدوا فرقة القوزاق التي تحرس الشاه من سلاحها، وأخيراً انظمّ القوزاق للثوّار(3) والتجأ الشاه إلى السفارة الروسية؛ طلباً للسلامة في 17 تموز، وعدّ التجاؤه هذا تنازلاً عن الملك(4) ، وأراد الثوّار من الحكومة إجابة طلبهم في:

1 - جلاء الجنود الروسية، وكانوا قد احتلّوا تبريز وغيرها من مدن أذربيجان إيران.

2 - إعادة الحكم النيابي.

3 - صرف الجنود غير المنظّمة التي جمعها الشاه.

4 - إبعاد الرجعيين من حاشية الملك(5) .

وفي صباح اليوم الثاني سار الثوّار إلى دار المجلس القديم واتخذوها مقرّاً، وفي مساء اليوم نفسه ( اجتمع زعماء الوطنيين، حضره رؤساء الجيش والمجتهدون والأعيان، ومَن تيسّر جمعه من أعضاء المجلس القديم فأعلنوا عزل الشاه رسميّاً )(6) .

وفي 18 تموز 1909 اختار الثوّار أحمد ميرزا ( ابن الشاه المخلوع )، شاهاً على إيران وهو ابن الثانية عشرة من العمر، وقد أقاموا عليه وكيلاً كبير أُسرة آل قاجار يُدعى عضد الملك، ووافق على ذلك العلماء الروحانيّون وفي مقدّمتهم: الشيخ محمد كاظم الخراساني، والشيخ عبد الله المازندراني، والحاج ميرزا حسين الخليلي، والشيخ الميرزا حسين النائيني(7) وبذلك قال الشعب كلمته بقيادة ثورته التحرّرية، وزعيمها الروحي المصلح الخراساني، واستقرّت الأُمور وهدأت الثورة.. وغادر الشاه المخلوع البلاد في شهر أيلول من العام نفسه 1909، وحاول أن يسترجع عرشه بمساعدة الروس

____________________

(1) المصلح المجاهد ص89.

(2) رضا شاه پهلوي ص25.

(3) مج العرفان اللبنانية ج8 في 17 آب 1909 ص397.

(4) ن. م. مج 10 في حزيران 1925 ص991.

(5) تاريخ أوربا الحديثة ص284.

(6) ن. م.

(7) مجلة العرفان اللبنانية مجلد 10 في حزيران 1925 ص991.

١٨٢

وتعضيدهم فلم يفلح(1) إذ دخل البلاد من شمالها ولكنه در اندحاراً لم يعد به بارقة أمل للعودة إلى الحكم، وقد قتل أرشد الدولة وهو من أقوى أنصاره(2) ثم هرب من إيران إلى سان ريمو وبقي بها برهة من الزمن حتى اغتالته يد المنون في نيسان 1925 / النصف من رمضان 1343(3) .

ومن الجدير بالذكر بل المهم أنّ روسيا وإنكلترا اتفقنا على ما بينهما من الخصومة على تقسيم بلاد إيران في عهد محمد علي شاه إلى منطقتي نفوذ تجاري، المنطقة الشمالية وكانت من نصيبف روسيا، والجنوبية من نصيب الإنكليز على أن تكون المنطقة الجنوبية الغربية منطقة حياد، وبقي هذا الاتفاق سرّاً إلى أن أُلغي بعد قيام الثورة الشيوعية في روسيا في شباط 1918(4) . ممّا حفّز العلماء الأعلام من الأحرار إلى إرسال بعوث إلى الآستانة، ثم إلى إعلان الحرب على روسيا واحتلال الدولة العثمانية لإيران بسبب تلك المواقف الخبيثة التي وقفتها روسيا من المعاهدة السريّة، ومساعدة الشاه الذي سوّد التاريخ بأعماله البربرية وقساوته الوحشية، أقاموا وكيلاً عنهم أحمد رضا بك رئيس مجلس النوّاب، والحر العثماني الشهير(5) .

نتائجها:

أعطت الحركة المشروطية والدستورية عدداً من النتائج، كانت بعضها سلبية والأُخرى إيجابية بسبب عدم قطعيّة بعض رجال الثورة وتحفّظاتهم، ثم عدم تنفيذ بعض مواد الدستور ندرج أهمّها:

1 - تثبيت الدستور وقيام المجلس.

2 - إعلاء كلمة العلماء وتبجيلهم لقيادتهم الحكيمة للحركة الدستورية وتفانيهم في سبيل الأُمّة.

3 - تأديب المعارضين لمصالح الشعب وضربهم، وتنحية الشاه وأعوانه.

____________________

(1) رضا شاه بهلوي ص26.

(2) مج العرفان اللبنانية مج3 ج19 في 24 أيلول 1911 ص738.

(3) ن. م. مج 10 ج10 في حزيران 1925 ص992.

(4) رضا شاه بهلوي ص27.

(5) مجلة العرفان اللبنانية ج7 في18 تموز 1909 ص358.

١٨٣

4 - اشتداد عداوة الروس لنظام تحت ظل الدستور، وما نتج عن ذلك حركة مهمّة قام بها الملاّ محمد كاظم الخراساني.

5 - وقوع حوادث لم تكن بالحسبان في أنحاء المملكة الإيرانية، وخصوصاً في مقاطعة أذربيجان ومقرّها تبريز، نتيجة استغلال بعض أصحاب الحركة الفرصة ووقوع الخسائر في الأموال والأرواح.

إنّ نظرة السيد اليزدي إلى المشروطية قائمة على أساس رصد الممارسة الفعلية التي يقوم بها رجال المشروطية، وتشخيص دوافعهم من ورائها، حيث كان يعتبر أنّ موقفهم الحقيقي معادٍ للإسلام، وأنّهم يريدون تعطيل أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع، وقد أبدى هذا الرأي ذات مرة في منزل شيخ الشريعة الأصفهاني(1) .

مع العلم أنّ الشيخ النوري أصدر بياناً، كشف فيه أنّ السيد كاظم اليزدي لا يعارض المشروطة، ويستند في ذلك على برقيّة أرسلها السيد اليزدي.

وممّا يؤيّد هذا الرأي مسوّدة البرقيّة التي بعثها إلى الآخوند الآملي نصّها(2) :

من النجف / رقم 676

حضرة ثقة الإسلام الآملي دامت بركاته:

لقد تملّكنا القلق من تجرّؤ المبتدعين، وإشاعة كفر الملحدين، نتيجة الحرية الزائفة، وسوف لن يتمكّنوا من تنفيذ مآربهم بعون الله، وبالطبع فإنّ الوقوف بوجه الكفر، وصيانة العقيدة، وتطبيق القوانين القرآنية القويمة والشريعة المحمّدية الأبدية، يُعتبر من أهم فرائض العلماء الربّانيين، مع الأخذ بعين الاعتبار الأسباب الموجبة لصلاح وصون الدين ودماء المسلمين، لا بأس من بذل الجهود في هذا الصدد.

23 جمادى الأُولى [ 1325هـ ]

محمد كاظم اليزدي

كما أنّ تخلّي العلماء في النجف الأشرف عن المشروطة كانت فترة انتظار مؤقّتة، لحين توفّر فرصة مناسبة لتصحيح مسار الحركة الدستورية(3) .

____________________

(1) دور علماء الشيعة ص26 عن مقابلة مع السيد عبد العزيز الطباطبائي في 20 رمضان 1414هـ / 3 آذار 1994.

(2) ن. م ص30.

(3) ن. م ص44.

١٨٤

وهذا ممّا حدث فعلاً - وهذا بعض ما كان يتوقّع السيد اليزدي - فقد تمّت تعيينات في الحكومة سيطر فيها العلمانيون على المراكز الهامّة في السلطة، وبذلك تمّ الالتفاف على الثورة واستفراغ محتواها الإسلامي.

وتصفية الشخصيات الإسلامية المعارضة للانحراف الدستوري، والتي تخلّت عن دعمها للمشروطة، كالشيخ فضل الله النوري، الذي أُعدم يوم 31 تموز 1909م / 13 رجب 1327هـ.

والسيد عبد الله البهبهاني الذي اغتيل في منزله في إحدى ليالي شعبان 1328هـ / 1910م.

( وقف السيد اليزدي من الحركة الدستورية موقفاً محايداً، لم يتدخل في السياسة، ولم يعارض فيكون موقفاً سلبياً، ولكنّهم لم يقنعوا باعتزاله عنهم، بل أرادوه ليخوض معهم، فامتنع وصعد برباطة جأش وعزم راسخ، ولم يُجْدِ فيه التهديد بالقتل ولا محاولات الاغتيال، فهاجموه وأهانوه وآذوه وكالوا له أنواع التهم، حتى ألجأوه إلى أن يقف منهم موقف المعارض )(1) .

وكان قد وصل إليه قبل مجيء الرسل إلى النجف الأشرف، من ثقاة أصحابه في إيران: أنّ واقع الأمر ليس على ظاهره، وأنّها مكيدة من قبل الحكومة البريطانية للتدخّل عن طريقها في شؤون المسلمين الإيرانيين، وتنفيذ سيطرتها ومقاصدها في إيران المسلمة، وقد تبيّن صحّة ذلك بعد مضي سنوات يسيرة حيث تراجع آية الله النوري عن موقفه الإيجابي، فأعلن استنكاره للأمر وشدّد عليه دون استمراره، فانتهى الأمر إلى صلبه أمام الناس عام 1327هـ... إلى غيرها ممّا أوردناه في بحثنا.

تداعيات الحركة:

الشقاق في العراق:

إنّ هذه الأحداث الصاخبة التي حدثت في إيران، لا يمكن أن تمر دون أن يكون لها صداها في المجتمع العراقي. والواقع أنّ الرسائل والاستفتاءات أخذت تنهال من إيران على كبار المجتهدين في النجف؛ تسألهم عن المشروطية هل هي حلال أم حرام؟ وكان

____________________

(1) مذكّرات الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء المخطوطة، ملحق رقم ( 1 ) بآخر الكتاب.

١٨٥

جواب المجتهدين في أول الأمر أنّ المشروطية موافقة للشريعة الإسلامية، غير أنّهم انقسموا بعدئذ على منوال ما انقسم علماء إيران، فأدّى ذلك إلى ظهور الجدال والتنازع في أوساط العامة، ممّا كان له أثره البالغ في المجتمع العراقي، وتطوّر وعيه السياسي.

من أوائل الرسائل التي وردت إلى علماء النجف تستفتيهم في أمر المشروطية كانت هذه الرسالة، ننقلها بعد ترجمتها إلى العربية:

إلى حضرات المجتهدين وحفظة الحكمة الإلهيّة - لابدّ وأنّكم سمعتم بمجلس الشورى الشعبي، وأنتم تعرفون جيّداً أنّ هذا المجلس، الذي يعمل على حفظ القوانين المستمدّة من الطريقة الاثني عشرية المقدّسة، لمحو الظالمين والخائنين، ونشر العدل على جميع البلاد وإعلاء شأن الراية الإيرانية، ويؤسفنا أن عدداً من الأنانيين المفسدين أخذوا ينشرون الافتراءات والأكاذيب من أجل محو المجلس. فنحن ننتظر فتواكم في بيان تكليف المسلمين في هذا الشأن.

وعلى أثر وصول هذا الاستفتاء إلى النجف اجتمع كبار علمائها للجواب عليه، وكانت فتواهم التي اتفقوا عليها هي كما يلي:

( بسم الله الرحمن الرحيم

وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على القوم الظالمين إلى يوم القيامة.

أمّا بعد:

فبالتأييدات الإلهيّة، والمراحم السماوية، وتحت توجيهات الهادي العالي الشأن حضرة صاحب الزمان روحنا فداه: إنّ قوانين المجلس المذكور على الشكل الذي ذكرتموه، هي قوانين مقدّسة ومحترمة، وهي فرض على جميع المسلمين أن يقبلوا هذه القوانين وينفّذوها. وعليه نكرّر قولنا: إنّ الإقدام على مقاومة المجلس العالي، بمنزلة الإقدام على مقاومة أحكام الدين الحنيف، فواجب المسلمين أن يقفوا دون أي حركة ضد المجلس )(1) .

وقد وقع على هذه الفتوى الملاّ كاظم الخراساني بالنيابة عن زملائه المجتهدين،

____________________

(1) التطوّر الفكري في العراق ص 23 - 24.

١٨٦

ولم يشذ عنهم في ذلك سوى السيد كاظم اليزدي إذ امتنع عن التوقيع.

وكان امتناع هذا المجتهد بداية الانقسام بين المجتهدين، ثم أخذ الانقسام يشتد ويستفحل بمرور الأيام.

انقسم أهل النجف إلى فريقين متعاديين: أحدهما يدعو إلى المشروطية بزعامة الملاّ كاظم الخراساني، والآخر يدعو إلى الاستبداد بزعامة السيد محمد كاظم اليزدي. ويجب أن لا ننسى - في هذا الصدد - ما في المجتمع النجفي من ميل مفرط إلى الجدل بوجهٍ عام، فلمّا جاءت قضية المشروطية كانت حافزاً جديداً فيه، حيث انثال الناس يتجادلون حولها بعنف شديد، إلى درجةٍ لم يسبق لها مثيل من قبل. وقد أشار أحد الشعراء إلى ذلك حيث قال:

تغيّرت الدنيا وأصبح شرّها

يروح بإفراطٍ ويغدو بتفريطِ

إلى أين يمضي مَن يروم سلامةً

وما الناس إلاّ مستبدٌّ ومشروطي(1) .

وما زال الكثير من رجال الدين يحملون أسوأ الأثر عن المشروطة ويلعنونها لعناً وبيلاً.

فقد أورد الدكتور علي الوردي مثلاً: أنّه التقى بالعلاّمة السيد محمد مهدي الموسوي الأصفهاني الكاظمي، وسأله عن رأيه في المشروطة، فما كان من السيد الموسوي إلاّ أن يبادره على الفور بذمّها ذمّاً قبيحاً ووصفها بأنّها ( خراب الدين )، ثم قال: إنّها هي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من ضياع!

وللعلاّمة الأصفهاني كتاب عنوانه: ( أحسن الوديعة في تراجم مشاهير مجتهدي الشيعة )، وقد تطرّق في كتابه إلى ذكر المشروطة عند ترجمته للشيخ فضل الله النوري، فهو يقول فيه ما نصّه:

( وكان - رحمه الله - من كبار العلماء المجتهدين، وأجلاّء الفقهاء المحدثين، والأدباء البارعين، والنبلاء الجامعين، ولدين الله من الناصرين... وقد صلبه أشرار الفرقة المعروفة بالمشروطة، والمتولّي لصلبه بأمرهم رجل من الأرامنة يُدعى ببيرم... في طهران بمَلأٍ من الناس، ولم يتكلّم أحد أبداً، من دون جرم وتقصير لسبب ليس محل

____________________

(1) أعيان الشيعة، ط دمشق 1938 - 7/461، لمحات اجتماعية 3/116.

١٨٧

ذكره هنا. وقد قتلت هذه الفئة المعروفة جمعاً كثيراً من أعاظم علمائنا... وكان غرضهم من ذلك محو الدين؛ كي تكون لهم الحرية التامة، فيفعل كل منهم ما يشاء، ويحكم ما يريد من دون معارض لهم( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَن يُتِمّ نُورَهُ ) (1) إذ مع نفوذ العلماء ما كانوا يقدرن أن يبثّوا آرائهم الباطلة، وينشروا عقائدهم الفاسدة في البلاد الإسلامية، ولكن للبيت ربٌّ يحميه وللدين صاحب يقيه... ).

ويعود السيد محمد مهدي الموسوي إلى ذمّ المشروطية، في موضع آخر من كتابه عند ترجمته للسيد كاظم اليزدي، فهو يصفها على النحو التالي:

إنّها هي التي أنزلت الملوك عن عروشها والسلاطين عن تخوتها، وقُتل فيها العلماء الورعون والوزراء العادلون، وأحدثت في الإسلام ثلمة عظيمة لا يسدّها إلاّ ظهور المهدي (عجّل الله تعالى فرجه وسهّل لنا مخرجه)، وقد ذهب أبالسة المشروطة إلى حجّة الإسلام السيد محمد كاظم اليزدي (عليه الرضوان) ليدخلوه في حزبهم العاطل، كما أغفلوا جماعة من معاصريه، ولكن سيّدنا المعظّم استلم سرّاً عن أحوال الحزب المشروطي من أهالي بعض المدن الإيرانية، ممّن يثق بقولهم، فلمّا كتبوا له حقيقة الأمر لم يدخل في الحزب، وقعد في داره خائفاً يترقّب. وقد أرادوا قتله لكن رؤساء أعراب النجف، وهم أهل الغيرة والحميّة والديانة والفتوّة، حفّوا به وطافوا حول داره كطوافهم حول الكعبة المشرّفة، فلم ير العدو الفرصة في قتله. وظنّي أنّ رؤساء النجف هؤلاء لو كانوا في طهران لمنعوا من قتل الشهيد السيد عبد الله البهبهاني... ( اللّهمّ أرنا الفجر الصادق والنور البارق، الطلعة الرشيدة والغُرّة الحميدة، مولانا إمام العصر والزمن، الحجّة بن الحسن (ع)، ليأخذ من أعداء الدين ثأر المسلمين... )(2) .

وممّا زاد في الطين بلّة أنّ الروس أسّسوا في النجف قنصلية، وعيّنوا لها رجلاً واسع الحيلة، شديد الدأب في مقاومة المشروطية هو أبو القاسم الشيرواني، الذي وقف إلى جانب جماعة السيد اليزدي، وحاول أن يستميله في معارضة المشروطة، ممّا وضع السيد في دائرة الاتهام، وأُطلقت عليه تهمة كونه من أنصار الاستبداد(3) .

____________________

(1) سورة التوبة: الآية 32.

(2) أحسن الوديعة ص153 - 154، 250 - 251.

(3) تاريخ العراق السياسي المعاصر 2/82.

١٨٨

واستطاع اليزدي أن يستميل إليه الكثير من العامة ومغاوير المحلاّت من رجال ( الزقرت ) و( الشمرت ). فكان إذا خرج إلى الصلاة حفّ به المسلحون من أعوانه، وهم يهتفون بالصلاة على محمد وآل محمد - تحدّياً لأنصار المشروطية. وصارت الإشاعات تروج في أوساط العامة حول المشروطية، بأنّ المقصود منها هو هدم الدين وإفساد الأخلاق.

وفي أحد الأيام ظهر على بعض الجدران في النجف إعلان، فيه صورة يد تمسك مسدّساً وفيه تهديد لليزدي بأنّه سيُقتل إذا لم ينزل على إرادة أنصار المشروطية، فهاج العوام لذلك وثارت بهم ( الغيرة على ابن رسول الله ) باعتبار أنّ اليزدي سيّد من ذريّة الرسول. وصار أنصار المشروطية عرضة للاعتداء والضرب في الأسواق والطرقات، بحجّة أنّهم زنادقة مارقين عن الدين.

الواقع أنّ الجدال حول المشروطية لم يقتصر على النجف وحدها، بل سرى إلى كربلاء والكاظمية وبعض مناطق العراق الأُخرى. حتى وصل الحد إلى أنّ بعض طلبة العلوم الدينية في النجف لم يستطيعوا ولمدّة سنة كاملة من زيارة كربلاء، أو الكوفة، أو مسجد السهلة؛ خوفاً على أرواحهم(1) .

ينقل د. علي الوردي، عن أحد المسنّين من أهل الكاظمية عمّا جرى في هذه البلدة من نزاع شديد وجدال حول المشروطة، فقد كان أكثر العامة من دعاة الاستبداد، ويعدّون الملاّ كاظم الخراساني هو وأتباعه كفّاراً، ولا يكادون يسمعون عن أحد العلماء أنّه ( مشروطة ) حتى ينفضّوا عنه، ويلعونه ويتركوا الصلاة خلفه.

حاول أحد دعاة المشروطية، وكان شاباً شديد الحماس، أن يجمع التواقيع في تأييدها، فذهب إلى أحد العلماء في الصحن الكاظمي يطلب منه توقيعه، ولمّا وجده يرفض إعطاء خاتمه للتوقيع سحب السجّادة من تحته ومنعه من الصلاة، وقد حدثت في الكاظمية ضجّة من جرّاء ذلك، وهبّ نفر من مغاوير المحلاّت فطاردوا الشاب ثم أمسكوا به في أحد الأزقة، واعتدوا عليه اعتداءاً منكراً. وحين علمت الحكومة بالأمر أرسلت قوّة من الجنود لحماية الاستبداديين، فأدّى ذلك إلى انكماش المشروطيين

____________________

(1) سياحة في الشرق ص303.

١٨٩

وتضاؤل نفوذهم في البلدة، وظل الوضع كذلك فيها حتى يوم إعلان الدستور في البلاد العثمانية، حيث انقلب الوضع إلى عكسه(1) .

يروي الشيخ محمد حرز الدين أنّه كان في مسجد السهلة بالكوفة في 7 شوّال 1326هـ / 2 تشرين الثاني 1908م، فقدم جماعة من إيران يستفتون الميرزا حسين الميرزا خليل حول جزاء المحارب لله ولرسوله، ممّن يسعى في الأرض فساداً، هل يجوز قتله؟

وقد كتب الميرزا حسين، والآخوند الخراساني، والشيخ عبد الله المازندراني الجواب بالإيجاب.

فأدرك الشيخ حرز الدين أنّ هؤلاء يستهدفون العلماء الذين يعارضون المشروطة، فأسرّ للميرزا حسين بحقيقة الأمر، فطلب أصحاب الاستفتاء فلم يعثروا عليهم، ممّا اضطر الميرزا إلى كتابه ورقة فيها عدول عمّا أفتى به، وتوفّي بعد هذه الحادثة بثلاثة أيام(2) .

من النوادر الأدبية التي تُروى عن تلك الفترة: أنّ أحد علماء الكاظمية، وهو السيد محمد مهدي الصدر، نظم بيتين من الشعر في ذمّ الاستبداديين، فانبرى الشيخ عبد الحسين الأسدي يرد عليه، حيث قام بتشطير البيتين ممّا أدى إلى قلب معناهما إلى النقيض منه. ننقل فيما يلي البيتين مع تشطيرهما، وقد وضعنا التشطير بين قوسين تمييزا له عن الأصل:

المستبدّون قد تاهوا بغيِّهمُ

( بذاك قد قال قومٌ وافتروا زورا )

( صمٌ وبكمٌ فهم لا يعقلون كما )

لم يجعل الله في أبصارهم نورا

لو كان يمكنهم أن ينسخوا نسخوا

( ما كان في لوحه المحفوظ مسطورا )

( مالوا لشورى الأُلى قد حرّفوا علناً )

من الكتاب عناداً آية الشورى(3)

إعلان الدستور العثماني:

أعلن الدستور في البلاد العثمانية في 23 تموز من عام 1908، وانتشرت مظاهر

____________________

(1) لمحات اجتماعية 3/ 118.

(2) معارف الرجال 1/ 278.

(3) لمحات اجتماعية 3 / 118.

١٩٠

الزينة والابتهاج في العراق بتلك المناسبة، فكان هذا التحوّل الفجائي في موقف الحكومة العثمانية من المشروطية، عاملاً مهمّاً في تدعيم موقف الملاّ كاظم الخراساني وأعوانه، وانخذال أعوان السيد محمد كاظم اليزدي(1) .

فقد كان قبل انتصار الحركة الدستورية في تركيا، كانت جماعة السيد اليزدي هي الأقوى، إذ كان يصلّي وراءه الآلاف، في حين لم يكن يصلّي وراء الآخوند الخراساني سوى عدد قليل لا يزيد على ثلاثين شخصاً(2) .

وكان أنصار المشروطة يتعرّضون لمضايقات العشائر العراقية؛ لأنّهم يرونهم خصوماً للسيد اليزدي، حتى أنّ طلبة العلوم الدينية لم يستطيعوا الخروج من النجف الأشرف، لمدّة سنة كاملة، لزيارة كربلاء والكوفة؛ خوفاً من خصوم المشروطة(3) .

من طبيعة العامة أنّهم يستأسدون في حالة الأمن من الخطر، فإذا حلّ بهم الخطر انكمشوا في بيوتهم، وأخذ كل منهم يتبرّأ من عمل الآخر، ويزعم أنّه لا دخل له في الأُمور. وهذا هو ما حدث في النجف عند إعلان الدستور العثماني، فقد انكمش العوام أتباع السيد اليزدي، وأصبح الجو ملائماً لأتباع الخراساني يصولون فيه ويجولون(4) .

كما تعرّض السيد اليزدي إلى مضايقات حكومة الاتحاد والترقّي، وهدّدوه بالنفي خارج العراق، وحاول بعض أنصار المشروطة الإساءة إليه اجتماعياً، عن طريق إرسال برقيّات إلى اسطنبول تتهمه بتهم سيّئة، بغية تعريضه لعقوبة قاسية من الحكومة العثمانية(5) .

كما حاول أحد القادة الأتراك التأثير على موقف السيد اليزدي، فزاره في النجف الأشرف، وطلب منه أن يصدر رأياً في الحركة الدستورية، فأجابه السيد اليزدي: إنّ الشعارات التي ترفعونها هي شعارات غربيّة، وهؤلاء الذين ينادون بالحرية إنّما يريدون

____________________

(1) لمحات اجتماعية 3/ 118.

(2) زندگاني آخوند خراساني، (ص 13).

(3) آغا نجفي قوجاني، سياحة شرق ( فارسي ).

(4) لمحات اجتماعية 3 / 118.

(5) دور علماء الشيعة ص 26 عن مقابلة مع المحقق السيد عبد العزيزي الطباطبائي - أحد أحفاد اليزدي - في 12 رمضان 1414 هـ / 23 شباط 1994.

١٩١

إنهاء الإسلام في البلاد من خلال المظاهر الغربية في الحياة(1) .

ونظم الشيخ علي الشرقي قصيدة يهجو بها اليزدي ويتشفّى به.

كما نظم السيد صالح الحلّي بعض الأبيات اللاّذعة من الشعر، قارن في أحدها بين اليزدي ويزيد:

فو اللهِ ما أدري غداً في جهنّمٍ

أ (يزديّها) أشقى الورى أم (يزيدها)(2)

كان قائم مقام النجف يومذاك ناجي السويدي، وهو بغدادي أديب له صلات حسنة مع أنصار المشروطية، وقد بذل جهده في تأييدهم. ثم زار النجف ثريا بك من زعماء الاتحاديين، فاجتمع بالخراساني في إحدى المدارس الدينية، فكان يوماً حافلاً في النجف ابتهج له الأنصار وابتأس الخصوم. ويمكن القول: إنّ بعض الذين كانوا من أنصار اليزدي تحولوا عنه، وأخذوا يتملّقون للحكومة ويهتفون بأعلى أصواتهم ( يعيش الدستور! ) - وليس هذا بالأمر الغريب!

الفوضى في إيران:

كان الإيرانيون يعتقدون أنّ المشروطية عند تطبيقها في بلادهم ستكون علاجاً ناجعاً لجميع مشاكلهم، فلا يشكون بعد ذلك من شيء، ولكنّهم وجدوا بعد انتصار حركة المشروطية، وعزل الشاه محمد علي: أنّهم وقعوا في حالة هي أسوأ ممّا كانوا فيها.

أصبح كل مَن ساهم في الحركة طامحاً أن ينال أعظم المناصب، مكافأة له على جهاده في سبيل ( الـمِلّة )، وظهرت عصابات اللصوص في كثير من الأنحاء، يعبثون بالأمن ويقطعون الطرق، وامتنع حكّام الأقاليم عن إرسال ما عليهم من مبالغ للخزينة المركزية، وانقسم الناس شِيَعاً وأحزاباً، كل حزب يعتقد أنّ رأيه هو الذي يجب أن يُتّبع في إصلاح البلاد.

إنّ قبائل البختيارية حصلت من تلك الفوضى على حصّة الأسد، فقد احتلّت مدينة أصفهان بحجّة حماية الثورة، واستحصلت من الخزينة المركزية مبلغاً شهرياً قدره عشرون ألف تومان بدعوى حراسة الطريق، وذلك علاوة على ما كانت تجبي من الناس

____________________

(1) ن. م عن مقابلة مع السيد المذكور في 20 رمضان 1414 هـ / 3 آذار 1994.

(2) هكذا عرفتهم 1 / 109.

١٩٢

من ضرائب مباشرة. ومن الطرائف التي رُويت في هذا الصدد أنّ لصّاً من قطّاع الطرق اسمه نائب حسين الكاشاني، نهب ذات مرة أحد البختياريين، وقال: إنّ هذه هي حصّتي من الغنائم(1) .

وكانت جلسات المجلس الملّي تمثّل أعجب المشاهد وأدعاها للسخرية، فقد كان الجدال بين النوّاب عنيفاً والشتائم متبادلة، وكثيراً ما شارك المستمعون فيها، وكان كل نائب يريد أن يخطب بحماس لينال إعجاب الغوغاء، حتى إذا خرج من المجلس توقّع أن ينال من أهل الأسواق حمداً وتقديراً. وإذا كان النائب شديد التعصّب، جمهوري الصوت استطاع أن يغلب الآخرين، في الجدال، ثم يدّعي بعدئذ أنّ الحكومة لم تأخذ برأيه، ولو كانت قد أخذت به لارتقت إيران إلى مصاف الدول العظمى.

كتب الوزير المفوّض البريطاني إلى حكومته يقول ما مضمونه: إنّ الإيرانيين سيبقون إلى مدى جيلين غير جديرين بالنظام الدستوري. وقد علّق أحد البريطانيين الذين كانوا يسكنون في طهران يومذاك على هذا القول، إذ وضع اللوم على بريطانيا، واعتبرها مسؤولة عن نشر الديمقراطية في البلاد التي لا تصلح لها...(2) .

من الأعمال التي تورّط بها أنصار المشروطية عند انتصارهم أنّهم شنقوا المجتهد الكبير الشيخ فضل الله النوري، الذي كان يتزعّم أنصار الاستبداد في عهد الشاه محمد علي، وكان شيخاً وقوراً كبير السن، وقد قام بشنقه على ملأ من الناس رجل أرمني اسمه بيريم كان مديراً للشرطة حينذاك، فأدّى ذلك إلى شيوع التذمّر في أوساط الكثيرين من الناس. وانتهز الخصوم الفرصة فجعلوا شنق الشيخ بمثابة ( قميص عثمان )، وأقاموا له مجالس الفاتحة وحفلات التأبين في كل مكان، وأخذوا يبالغون في تمجيد الشيخ بغية التشهير بالمشروطة وأنصارها. ولم يقتصر ذلك على إيران بل سرت عدواه إلى العراق، فأخذ خصوم المشروطية فيه يكثرون من إقامة مجالس الفاتحة على روح الشيخ وينادون: ( أويلاخ، قتل شيخنا مظلوماً َ! )(3) .

____________________

(1) J.M.Balfour (Recent Happennings In parsila) - london 1922-p99

(2). idtd ، p85

(3) لمحات اجتماعية 3 / 123.

١٩٣

إيجابية المشروطة:

إنّنا حين ننظر إلى حركة المشروطية بوجه عام، نستطيع أن نقول إنّها على علاّتها كانت ذات أثر اجتماعي وفكري لا يستهان به في تطوير المجتمع العراقي. ينبغي أن لا ننسى أنّ أنصار المشروطية كانوا في ذلك الحين يمثلون ( الجبهة التقدّمية ) بالنسبة للمرحلة الاجتماعية التي عاشوا فيها، فهم كانوا يدعون إلى تأسيس المدارس الحديثة، وتعلّم اللغات والعلوم الأوربية، ومطالعة الجرائد والمجلات. وهذه كانت - يومذاك - من الأُمور المستنكرة أو المحرّمة في نظر العامة، والكثير من رجال الدين.

كان شباب المشروطية في النجف من أكثر الناس اندفاعاً في التطلّع إلى الحضارة الحديثة والاقتباس منها، فكانت الكتب والمجلاّت والجرائد الحديثة ترد إليهم خلسة، وكانوا يجتمعون في بيت أحدهم سرّاً لمطالعتها. وإذا خرجوا من البيت أخفوها تحت عباءاتهم لكي لا يراها أحد من العامة، أو المتزمّتين من رجال الدين فيثيرها عليهم شعواء.

أهم ما أُلّف في الدعوة إلى مبادئ المشروطة في تلك الفترة، كتاب صدر في النجف باللغة الفارسية عنوانه ( تنبيه الأُمّة وتنزيه الملّة ). وكان مؤلّفة الميرزا محمد حسين النائيني، من كبار تلامذة الملاّ كاظم الخراساني، وقد جاء فيه بآراء جريئة جدّاً بالنسبة لزمانها: كتعليم المرأة، وإصدار الصحف، وحرية الرأي وما أشبه. وممّا يدل على أهميّة الكتاب أنّ مؤلّفه حاول التملّص منه عندما صار من المراجع الكبار، إذ هو خاف أن ينفر المقلِّدون منه بسبب هذا الكتاب. ففي عام 1929 ترجم أحد النجفيين الكتاب إلى العربية ونشره تباعاً في مجلة العرفان الصيداوية، فأوعز النائيني إلى حاشيته بشراء جميع نسخ المجلة التي وردت إلى العراق؛ لكي لا تصل إلى أيدي القرّاء(1) .

____________________

(1) انظر دراستنا حول الكتاب ومؤلّفه في كتاب ( النجف في ربع قرن ) ص 447 - 452.

١٩٤

الهجوم الإيطالي على طرابلس الغرب - ليبيا

وموقف السيّد اليزدي

1330 هـ / 1911 م

أسفرت نتائج مؤتمر برلين الذي اختتم أعماله في 20 تموز 1878 م / 20 رجب 1295 هـ، عن توقيع الدول الأوربية على اتفاقية تقرّر فيها تمزيق الإمبراطورية العثمانية، وتقسيمها على مبدأ القوميات.

وفعلاً باشرت الدول الاستعمارية في إنجاز مقرّرات المؤتمر، فاستولت روسيا على مقاطعات هامّة في شرق الأناضول وقفقاسيا، وفرضت نفوذها على جزء من بلغاريا التي تجزّأت إلى ثلاثة أقسام، واحتلّت البوسنة والهرسك، واستولت بريطانيا على جزيرة قبرص، وسيطرت فرنسا على تونس عام 1881 م. أمّا إيطاليا فقد اعترضت على المؤتمر؛ لأنّها لم تحصل على أيّة حصّة من تقسيم الإمبراطورية العثمانية(1) .

وجرت مفاوضات عديدة تمخّضت عن عدّة اتفاقيات، كانت منها الاتفاقية السريّة بين إيطاليا وروسيا في تشرين الأول 1909 م وقد ورد فيها:

( يعمل الطرفان على حلّ مسائل البلقان وفق مبدأ القوميات. وتتعهّد روسيا أن تنظر بعين العطف إلى مصالح إيطاليا في طرابلس، كما تتعهّد إيطاليا أن تنظر بعين العطف إلى مصالح روسيا في المضايق )(2) .

في 30 أيلول 1911 وصل الخبر إلى بغداد بهجوم إيطاليا على طرابلس الغرب، فأصدر الوالي جمال باشا ( السفّاح ) بياناً إلى المسلمين من أهل العراق طلب فيه منهم أن يهبّوا لنصرة الدولة في حرب الكافرين. وعلى أثر نشر هذا البيان خرجت المظاهرات في بغداد على شكل مواكب تحمل الرايات والطبول، وذهب المتظاهرون إلى القشلة، حيث خرج إليهم الوالي فخطب فيهم بالتركية، كما خطب فيهم الزهاوي بالعربية، ثم

____________________

(1) التأريخ الدبلوماسي ص 29 - 40.

(2) البلاد العربية والدولة العثمانية ص 175 - 176.

١٩٥

ساروا من بعد ذلك في الطرقات وهم يهتفون لنصرة الدولة. ولم تخل تلك المظاهرات من حادث مزعج؛ إذ التقى في باب المعظّم موكب باب الشيخ بموكب الحيدر خانة، والظاهر أنّ أحقاداً كانت موجودة بين المحلّتين، فنشب بينهما قتال كان النصر فيه لأهل باب الشيخ(1) .

وانطلق الشعراء من بعد ذلك يتبارون في نظم القصائد للتحريض على الجهاد، ومساعدة الدولة العثمانية فيه، وكان أبرزهم في ذلك الرصافي، وعبد اللطيف الحلّي، ومحمد حسن أبو المحاسن، ومحمد حسين كاشف الغطاء، ومحمد رضا الشبيبي، وأخوه محمد باقر، وعلي الشرقي، وعبد العزيز الجواهري، وإبراهيم منيب الباچچي، وعبد الرحمان البناء.

وتألّفت لجان خاصة في المدن العراقية لجمع التبرّعات، منها لجنة في البصرة برئاسة السيد طالب النقيب جمعت آلاف الليرات، وتطوّع الألوف من سكّان العراق للمشاركة في القتال ولكنّهم لم يذهبوا. وتبرّع مبدر الفرعون رئيس آل فتلة وهو في السجن بمبلغ قدره خمسمئة ليرة، كما أعلن عن استعداده للمشاركة في الحرب(2) ، وقد كافأه الوالي على ذلك فأطلق سراحه من السجن هو وأقرباؤه من رؤساء آل فتلة(3) .

وعقد مجتهدو النجف الأشرف وعلماؤها مجالس عديدة، واجتماعات مكثّفة، وعطّلوا الدروس والجماعة، تمخّضت اجتماعاتهم في ذهاب السيد مسلم زوين وعزيز بك قائم مقام النجف إلى ليبيا؛ لدراسة إمكانية الاشتراك في الجهاد.

( وكان القائم مقام يرفع التقارير إلى حكومته - أوّل بأوّل - ويعمل على إرسال الاحتجاجات، وإيصالها إلى مختلف دول العالم، ويهيّئ الوسائل لنشر فتاوى العلماء بوجوب الدفاع.

وقد أكثر من جمع التبرّعات وإرسالها إلى حكومته.

وحاول إقناع السيد اليزدي على الاتفاق مع بقيّة العلماء، والاشتراك في تلك الأعمال والمظاهرات، للنفوذ الديني العظيم الذي يتمتّع به لدى الأكثرية الساحقة، وسلك

____________________

(1) لهجة بغداد العربية ص 8.

(2) الشعر العراقي وحرب طرابلس ص 11.

(3) لمحات اجتماعية 3 / 188.

١٩٦

لكسب موافقته مختلف الطرق فلم يفلح، وقد توسّط الأمر بعض الشيوخ من الروحيين.

وبعد مراجعات طويلة، ومداولات كثيرة، ومناقشة وجدال دامت أشهراً، حتى سئم الناس هذا الاختلاف، وخافوا سوء مغبّته، عند ذلك أمر السيد اليزدي بعقد اجتماع عام، وأعلن بذلك، ونادى المنادي يطلب خروج الناس إلى وادي السلام، فسارع عموم النجفيين ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً، حتى كادت تخلو المدينة تقريباً، وغصّ الوادي بالناس ينتظرون رأي السيد وكلمته الأخيرة في أمر الجهاد، ودفاع العدو، وألقى الخطباء خطباً حماسية أبكت العموم، وأثارت فيهم نيران الحميّة، فعلت الأصوات، وكثر الضجيج.

وعند الحادية عشرة عربية ( قبل ساعة من أذان المغرب ) وصل السيد اليزدي بين التهليل والتكبير، وارتقى منبراً عالياً فضجّ الناس بالبكاء والعويل فرحاً في ساعة زوال الاختلاف، وتوجّعاً لما أصاب المسلمين، وبعد برهة هدأ الجميع، وألقى خطبة [ أوضح فيها ما تمرّ به الأُمّة الإسلامية، ومؤامرات المستعمرين، ودعاء للمدافعين عن بلاد الإسلام ] ثم أعقبه الشيخ جواد الجواهري، فرقى المنبر وشرح بعض مقاطع الخطبة وما حوته من المغازي )(1) .

وكان نصّ فتوى علماء النجف الأشرف:

بسم الله الرّحمن الرّحيم

من علماء النجف الأشرف إلى كافة المسلمين الموحدين، ومَن جمعتنا وإيّاهم جامعة الدين والإقرار بمحمد (صلّى الله عليه وآله) سيّد المرسلين.

السلام عليكم أيّها المحامون عن التوحيد، والمدافعون عن الدين، والحافظون لبيضة

____________________

(1) النجف في ربع قرن 148 - 149. وفيه يذكر السيد محمد علي كمال الدين: أنّ الخطبة لم تكن بالمستوى الذي كان يأمله القائم مقام وبعض المتظاهرين، وذهبت أتعاب القائم مقام عبد العزيز أدراج الرياح، ويئس الجميع من إمكان توحيد رأي السيد مع آراء بقيّة العلماء يأساً تاماً، وقد تمخضت هذه المظاهرة عن أمرين:

أولهما: عدول بعض مقلّدي السيد اليزدي عنه؛ لشدّة انفعالهم من الوضع الذي شاهدوه واستغربوا أمره.

وثانيهما: تصلب بقيّة العلماء في آرائهم، وإعلانهم الفتوى بوجوب الدفاع وجوباً عينيّاً على كل مسلم ومسلمة، وطُبعت صور الفتاوى بآلة التصوير، وبعثوا بها إلى عموم الأقطار الإسلامية.

١٩٧

الإسلام، لا يخفى عليكم أنّ الجهاد لدفع الكفّار عن بلاد الإسلام وثغوره، ممّا قام إجماع المسلمين وضرورة الدين على وجوبه.

قال الله سبحانه:( انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) .

هذه جنود إيطاليا، قد هجموا على طرابلس الغرب التي هي من أعظم الممالك الإسلامية وأهمّها، وخرّبوا عامرها، وأبادوا أبنيتها، وقتلوا رجالها ونسائها وأطفالها، ما لكم تبلغكم دعوة الإسلام فلا تجيبون؟ وتوافيكم صرخة المسلمين فلا تغيثون، أتنتظرون أن يزحف العدو إلى بيت الله الحرام وحرم النبي (ص) والأئمّة (عليهما السلام)، ويمحو الديانة الإسلامية والدولة العثمانية عن شرق الأرض وغربها، وتكونوا معشر المسلمين أذل من قوم سبأ، فالله الله في التوحيد، الله الله في الرسالة، الله الله في أحكام الدين وقواعد الشرع المبين، فبادروا إلى ما افترضه الله عليكم من الجهاد في سبيله، واتفقوا ولا تفرقوا، وأجمعوا كلمتكم، وابذلوا أموالكم، وخذوا حذركم( وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعْتُم مِن قُوّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ ) لئلاّ يفوت وقت الدفاع وأنتم غافلون، وينقضي زمن الجهاد وأنتم متثاقلون، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.

خادم الشريعة المطهّرة ( محمد كاظم ) الخراساني.

الجاني ( عبد الله ) المازندراني.

الجاني شيخ الشريعة الأصفهاني.

الأقل علي رفيش.

الجاني مصطفى الحسيني الكاشاني.

خادم الشريعة محمد حسين القمشي.

أقل خدّام الشريعة حسن ابن المرحوم صاحب جواهر الكلام.

الراجي عفو ربّه الغفور محمد جواد الشيخ مشكور.

الراجي عفو ربّه محمد نجل المرحوم صاحب الجواهر.

الجاني علي التبريزي.

محمد سعيد الحبّوبي.

١٩٨

الأحقر جعفر نجل المرحوم الشيخ عبد الحسن.

وقد نشرت هذه الفتوى في مجلة العلم النجفية بعددها السادس من المجلّد الثاني في 1 ذي الحجّة 1329هـ / 23 تشرين الثاني 1911م ص246 - 247: وقد عقّب صاحب المجلة على هذه الفتوى بقوله:

( ليت شعري لم نر في أسماء علماء النجف اسم واحد من مشاهيرهم، فما أخّره عن الفوز بهذا الثواب العظيم، والقيام بهذا الفرض الجسيم، فإنّ موقفنا اليوم موقف هجم فيه الكفر كلّه على الإسلام كلّه، ولا يقف تجاه تيّار الهجوم الغربي إلاّ اتحاد المسلمين والحث على إعانة العثمانيين؛ لأنّهم إذا انكسرت رايتهم ( والعياذ بالله ) في طرابلس فلا ترجى لهم قائمة بعد ذلك ( لا قدّر الله ذاك ) ونحن من صميم القلب، نبتهل إلى الله أن يمنّ علينا باتفاق المسلمين من الرؤساء والمرؤوسين، إذ ليس تأخّرنا اليوم إلاّ من تقاعدنا أمس، ونرجو أن تؤثّر في القاعدين منّا اليوم حركة العالم الإسلامي من تونسي وسنوسي ويماني ومصري وهندي وتركي وعربي وعجمي وسنّي وشيعي ومسيحي وإسرائيلي ووثني، عسى أن نسترجع سالف عِزِّنا ولا تتطاير أوطاننا الإسلامية أكثر من هذا.. فإلى متى لا نتّفق؟ ).

وفي آخر العدد نفسه ص 284 - 285 نشرت المجلة خبراً بعنوان:

( بشارة عظمى )

( موافقة حضرة السيد كاظم اليزدي (مُد ظلّه) مع العلماء )

في الحكم وجوب السعي وبذل النفس والنفيس في سبيل دفاع ايتاليا عن طرابلس، واستخلاص إيران من مخالب الروس والإنكليز، وهذه صورة فتواه مترجمة عن الفارسية حرفيّاً قال (دام ظلّه) العالي:

بسم الله الرّحمن الرّحيم

في مثل هذا اليوم الذي حملت الدول الأوربية على الممالك الإسلامية كإيطاليا على طرابلس الغرب من جهة، والروس من جهة أُخرى أشغل شمال إيران بعساكره والإنكليز، أنزل عساكره في جنوب إيران وأحدث بالإسلام خطر اضمحلاله.

فلهذا يجب على عموم المسلمين من العرب والعجم، أن يستعدّوا لدفاع الكفار عن ممالك الإسلام، ولا يتقاعدوا بكل صورة عن بذل أنفسهم وأموالهم في سبيل إخراج

١٩٩

عساكر إيطاليا من طرابلس الغرب، وإخراج عساكر الروس والإنكليز من إيران، فإنّ ذلك أهم الفرايض الإسلامية؛ لكي يحفظ بعون الله المملكتان الإسلاميتان العثمانية والإيرانية من مهاجمة الصليبيين.

حرّره الأحقر

محمد كاظم الطباطبائي

وقد علّقت مجلة ( العلم ):

قد سبق منّا في صدر هذا العدد، إبداء الآسف من تخلّف حضرة المومى إليه، عن بقيّة علماء النجف في إمضاء صورة منشورهم الخطير في وجوب اتحاد المسلمين، ودفاعهم عن طرابلس الغرب.

ولكنّه (دام ظلّه) بعدما أبلغه حضرة الحر المقدام عزيز بك قائم مقام النجف تعديّات إيطاليا على طرابلس، وتجاوزات الروس والإنكليز على الحدود الإيرانية، أعلن موافقته لحجج الإسلام في وجوب توحيد كلمة أهل التوحيد لدفاع هاتيك الدول الثلاث، ونشر هذه الفتوى التي قدّمنا صورتها الجليلة لأنظار قرّائنا الكرام، فليصدّقوا ما قرّرناه في أعدادنا الماضية، وهو أنّ أعدائنا كلّما زادونا اضطهاداً ازددنا اتحاداً، وما كان اتحاد الإمامين يحيى والإدريسي، والسيد والسنوسي، وبقيّة أُمراء العرب معنا إلاّ نتيجة اضطهاداتهم وتجاوزاتهم على أوطاننا، فهذه الدول الأوروبية في هجماتها الظالمة على بلادنا أشبه بالباحث عن حتفه، ويخدموننا من حيث لا يشعرون.

وكم قدّمنا المذكّرات لهذه الدول المعتدية على المسلمين ونصحناهم ( لو كان ثمّة آذان صاغية وقلوب واعية ) وذكرنا أنّ معاداتهم للمسلمين يوجب تنبيه الشعور العام في العالم الإسلامي، وهو خلاف ما يبتغون، ولا يعود خسران ظلمهم علينا إلاّ إليهم، ويندموا حيث لا ينفعهم الندم، وعمّا قريب ليصبحن نادمين ولا يفلح الظالمون.

وفي كربلاء عقد الأهالي اجتماعاً عند ضريح الإمام الحسين (عليه السلام) أُلقيت فيه الخطب الحماسية، ثم جرى جمع التبرّعات.

وفي 12 تشرين الأول 1911م / 18 شوّال 1329هـ، تظاهر ما يقرب من الألفين من

٢٠٠