السيد محمد كاظم اليزدي

السيد محمد كاظم اليزدي0%

السيد محمد كاظم اليزدي مؤلف:
الناشر: ذوي القربى
تصنيف: شخصيات إسلامية
الصفحات: 813

السيد محمد كاظم اليزدي

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: كامل سلمان الجبوري
الناشر: ذوي القربى
تصنيف: الصفحات: 813
المشاهدات: 204202
تحميل: 7522

توضيحات:

السيد محمد كاظم اليزدي
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 813 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 204202 / تحميل: 7522
الحجم الحجم الحجم
السيد محمد كاظم اليزدي

السيد محمد كاظم اليزدي

مؤلف:
الناشر: ذوي القربى
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

أهالي المدينة(1) وشهدت مدينتا النجف الأشرف وسامراء تظاهرات جماهيرية، أُلقيت فيها الخطب الحماسية، ودعا الخطباء إلى نبذ الخلافات الطائفية وتوحيد الجهود(2) .

كما أرسل الشيخ محمد كاظم الخراساني، والسيد إسماعيل الصدر، والشيخ عبد الله المازندراني، والشيخ محمد حسين المازندراني، وشيخ الشريعة الأصفهاني، برقيّة إلى الصحف التركية في اسطنبول يحتجّون فيها على انتهاكات المستعمرين للبلاد الإسلامية.

وفي 17 ذي الحجّة 1329هـ، أرسلوا برقية أُخرى إلى السلطان العثماني محمود باشا، تدعوه إلى التصدّي لمواجهة المشاريع الاستعمارية، والتخلّي عن سياسة المهادنة معها.

وفي هذا السياق، أصدر الشيخ حسن علي البدر القطيفي كرّاساً بعنوان: ( دعوة الموحّدين إلى حماية الدين ) ط في النجف عام 1329هـ / 1911م، تحدث فيه عن النشاط الاستعماري المكثّف الذي تتعرّض له البلاد الإسلامية في ليبيا وإيران.

كما أصدر شيخ الشريعة الأصفهاني كرّاساً باللغة الفارسية، دعا فيه المسلمين إلى نبذ الخلاف والنفاق، وتوحيد الصفوف؛ لحفظ استقلال البلاد الإسلامية، والتصدّي للنشاط الاستعماري التي استهدف طرابلس الغرب وإيران، وغيرها من بلاد المسلمين.

وفي صفر 1330هـ / شباط 1912م، أصدر الشيخ محمد تقي الشيرازي، وشيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد إسماعيل الصدر، والشيخ عبد الله المازندراني، والشيخ محمد حسين المازندراني، بياناً حول الموضوع نفسه، يستنكرون فيه هذا الاعتداء، ويحذرّون من الحملات المسعورة التي يقوم بها الاستعمار ضد البلاد الإسلامية؛ نصّه:

( نلفت أنظار جميع أهل التوحيد، وكافّة المسلمين، بأنّ الإسلام والمسلمين لم يصلوا في أيّة فترة من الفترات، مثلما وصلوا إليه في هذه الفترة من الزمن، إنّ المصائب التي يمر بها الإسلام اليوم تُعتبر من أشدّ المصائب.. وإنّ الضربات التي يتلقّاها العالم الإسلامي اليوم هي من أشدّ الضربات.. وإنّ أساس الدين المبين في خطر، وآثار

____________________

(1) تاريخ العراق السياسي المعاصر، 2/111.

(2) د. وميض جمال عمر نظمي: شيعة العراق وقضية القومية العربية، مج المستقبل العربي آب - تشرين الأول 1982.

٢٠١

شريعة الرسول (ص) مهدّدة بالزوال، ولم تبق في هذه الفترة سوى دولتين إسلاميتين مستقلّتين، هما الدولتين العليّتين العثمانية والإيرانية، اللتين تحملان اللواء المحمدي، وتحميان حوزة الإسلام والحرمين الشريفين والمشاهد المقدّسة.

إنّ بقاء حرمة القرآن الكريم، وإعلاء كلمتي الشهادة، وإقامة دعائم الدين المبين، يتوقّف على بقاء هاتين الدولتين الإسلاميتين... وإذا ما اضمحلّت هاتان الدولتان - لا سمح الله - فلن يبقَ هناك للإسلام جامعة أو حوزة، وستلحق بالإسلام والمسلمين وصمة عار أبديّة وخذلان دائم، لا أرانا الله ذلك اليوم أبداً.

واليوم يقوم بعض الأجانب بحملات مسعورة ضد هاتين الدولتين، اللتين باتتا تعانيان كافة أشكال المضايقات والابتلاءات. فمن جهة امتدّت يد الظلم الإيطالية نحو مسلمي طرابلس الغرب، حيث تسلب أموال الأهالي ويتعرّض النساء والأطفال إلى القتل. ومن جهة أُخرى تقوم القوّات الروسية بتصويب نيران مدفعيتها ضد الضعفاء والعجزة في تبريز، وتقوم بإعدام كبار الشخصيات هناك، وفي قزوين ورشت تدخّل أجبني ظالم...

واستناداً إلى ذلك وبالنظر إلى هجوم الكفّار، فقد قرّرنا نحن خدمة الشرع المنير مع جميع العلماء الأعلام من كربلاء والنجف وسامراء، وحسب مسؤوليتنا الشرعية التجمّع في الكاظمية، عسى أن نجد حلاًّ لإنقاذ المسلمين من ظلم الأجانب وعدوانهم، وإذا لم يتمكّن المسلمون في أقطار العالم، الذين يعيشون في ظل حكم الأجانب بذل النفس لمساعدة إخوتهم، فبإمكانهم تقديم المساعدة عن طريق إبداء التضامن معهم...)(1) .

وفيما كان العلماء يمارسون نشاطاتهم المكثّفة في تعبئة الرأي العام ضد الغزو الاستعماري للبلاد الإسلامية، كانت الدولة العثمانية تواجه أزمة جديدة. فقد بدأت الدول البلقانية تتفق سرّاً لإعلان حرب جديدة ضد العثمانيين.

ممّا اضطرّ الحكومة العثمانية إلى عقد صلح مع إيطاليا، تنازلت فيه عن طرابلس وبنغازي لإيطاليا، على أن يحتفظ السلطان العثماني بحق تعيين الموظّفين الدينيين.

____________________

(1) هجوم روس بإيران وإقدامات رؤساء دين در حفظ إيران، ص 221.

٢٠٢

وبعض الصلاحيات الدينية البسيطة الأُخرى(1) .

لكن هذا الإجراء لم ينفع الدولة العثمانية، ففي يوم 17 تشرين الأول 1912م / 6 ذي القعدة 1330هـ - أي قبل يوم واحد من توقيع معاهدة الصلح مع إيطاليا - شرعت جيوش بلغاريا واليونان وصربيا والجبل الأسود في 17 تشرين الأول 1912 / 6 ذي القعدة 1330هـ، بالهجوم على العثمانيين، وبذا بدأت حرب ضروس تُعَد من أبشع الحروب في ضراوتها، وفي المآسي التي نتجت عنها(2) .

____________________

(1) البلاد العربية والدولة العثمانية، ص 191 - 192.

(2) لمحات اجتماعية 3/151.

٢٠٣

الغزو الروسي على إيران

وموقف السيّد اليزدي

1331- 1332هـ / 1912م

بعد أن خُلع محمد علي شاه في تموز 1909، وعادت الحياة الدستورية إلى إيران، وجدت روسيا أنّ نفوذها لم يعد كما كان أيام حكم محمد علي شاه، ولم تر في الحكم الجديد أي مصلحة لها، ولذلك قرّرت أن تقلق الوضع في إيران بأي وسيلة كانت، ولجأت إلى تقديم دعمها في مساعدة الشاه المخلوع إلى عرشه - بعد أن فشل وهرب وقُتل كبير أعوانه - عن طريق استغلال الأوضاع الداخلية الإيرانية.

ففي عام 1911 أصدر مسؤول الخزينة المركزية الإيرانية، وهو رجل أمريكي يُدعى ( مورغان شوستر ) قراراً بمصادرة أموال أحد أفراد عائلة الشاه المخلوع، وقد استغلّت روسيا هذا الحادث، فأعلنت أنّ قرار المصادرة يجب أن يلغى، بدعوى أنّ الأمير يتمتّع بالحماية الروسية، وتشدّدت في موقفها، فقدّمت إنذاراً إلى الحكومة الإيرانية بأنّها ستتدخّل عسكرياً في إيران، إذا لم يُقال المستر شوستر من منصبه ويُبعد من خارج إيران، وفعلاً فقد تمّ تهديدها، وزحفت القوّات الروسية نحو مدينة تبريز فاحتلّتها، ثم عمدت إلى شنق بعض رجال الدين فيها من أجل إرهاب غيرهم، فأدّى ذلك إلى الهياج العام في إيران، فأعلن رجال الدين الجهاد وأمروا الناس بالتدريب على السلاح. ومن طريف ما يُروى في هذا الصدد أنّ سكان كرمان، وهي بلدة تقع في الجنوب من إيران، تحمّسوا للجهاد أكثر من غيرهم، وأخذوا يتدرّبون على السلاح تحت إشراف رجال الدين، وهم عازمون عزماً أكيداً على غزو روسيا وعزل القيصر. ولم يمر على ذلك سوى مدّة قصيرة حتى ظهرت بالقرب من البلدة عصابة من اللصوص، وأخذت تقطع الطرق، وتنهب القوافل، حتى وصل مجال فسادها إلى أبواب البلدة؛ فاستنجد المسؤولون في البلدة بالقنصل البريطاني، وطلبوا منه قوّة لمحاربة العصابة. وقد اعتذر القنصل لهم، ثم سألهم متعجّباً: لماذا لا يستطيع المجاهدون أن يحاربوا عصابة صغيرة من اللصوص، بينما هم يستعدّون لمحاربة روسيا كلها؟ فكان جواب المسئولين: إنّ المجاهدين إنّما

٢٠٤

يستعدّون لمحاربة روسيا؛ لأنّها بعيدة عنهم، ولكن اللصوص قريبون(1) .

وكان قد وصل إلى النجف الأشرف خبراً مفاده: أنّ الروس قد اتفقوا مع الإنكليز سرّاً مرةً أُخرى، ممّا جعل علمائها يتأثّرون من مواقف العداء السافر للبلد المسلم إيران، وقد تبعهم الناس عامة في تأثّرهم، واتصل العلماء بالدولة العثمانية ( وأصبحت الحالة فوضى، وأي فوضى، إذ إنّ روسيا عدوّة المسلمين اللدود ما زالت تتربّص بإيران الدوائر، فلم يرق لديها أن تراها سائرة في طريق النجاح؛ فأقامت في وجهها العراقيل، يساعدها على ذلك سوء الإدارة وإنشاء الفوضى )(2) .

وقام العلماء بشبكة من الاتصالات المستعملة بالدولة العثمانية وروسيا وإنكلترا، وكاتبوا رؤساء الجهات، واتصلوا بعامة الناس، واتصلوا بالشاه المخلوع نفسه، وعقدوا عدّة اجتماعات في مدرسة الحاج ميرزا حسين الخليلي. كان ذلك بعد خلع الشاه محمد علي القاجار وبعد نصب المجلس النيابي، وأوشكت حكومة إيران وأهاليها أن تصلح دواثرها، وتتخلّص من لعب اليد الأجنبية واستبداد الملوك من آل قاجار، حتى لطمتها الحكومة الروسية الغاشمة وتطاولت على استقلالها بدسائسها الفتّاكة، وألعابها المستمرّة المخرِّبة؛ وذلك بتحريكها المفسدين من الإيرانيين، وذوي الأغراض، والجهّال من المشعوذين أن يطلبوا السلطان المخلوع ليعود إلى ملكه وتاجه؛ لذلك فقد تحرّك من روسيا منفاه ( أدسا ) بعنوان السفر إلى أوربا، ولكنّه عرّج على أسترآباد في شمال إيران بعد تبديل قيافته وزيّه.

وحيث إنّ الأهالي حتى ذلك اليوم، لم يكونوا قد عرفوا معنى المشروطية ( الحكومة الدستورية ) مضافاً إلى أنّ موظفي الحكومة الجديدة لم يكونوا قد مارسوا الحكم الدستوري تماماً، لقرب العهد به، كان سكّان البلدان النائية عن العاصمة كـ ( أسترآباد، وتركمان، ومازندران ) ورؤسائهم لم يألفوا الحكم ولم يستسيغوا الحكومة الجديدة؛ لذلك عدّوا دخول الملك المخلوع إليهم فوزاً عظيماً، فساندوه على محاربة الحكومة الحاضرة، وبالفعل أعدّ الملك جيشاً كبيراً للمحاربة، ولكن الحكومة بعثت جيوشاً

____________________

(1) لمحات اجتماعية 3/123، Ibid. p82 - 93.

(2) مجلة العرفان مج3 ج18 ص750.

٢٠٥

أرغمتهم على التفرّق وكسره شرّ كسرة، وأوشك الفساد أن يعم البلاد، لولا أنّ الحكومة الحاضرة أرادت بحكم القانون أن تستولي على مثيري الفتنة، وتصادر أموالهم وأملاكهم، ومن جملتهم ( شعاع السلطنة ) أخو السلطان المخلوع، ولمّا قدم ( مستر شوستر ) الأمريكي مستشار وزارة المالية على ضبط أملاكه، قابله السفير الروسي ومنعه باعتبار أنّ شعاع السلطنة هو من أتباع الحكومة الروسية، وهذا الادّعاء من السفير الروسي وإن كان لا أمل له، ولكنّه أرسل حملة من القوازق الروس الذين كانوا في ( ساخلو ) لممانعة مستر شوستر القانوني العام المتمدّن، ولمّا كان المستر شوستر يظن أنّ الروس لا تعمل خلاف القوانين الدولية المتمدّنة؛ فقد خرج من الدار ليكونوا هم المحافظين. ولكنّ الأمر كان خلاف ذلك، فقد كان هذا الجيش مقدّمة لجيوش روسية كثيرة أُخرى دخلت إلى قزوين لاحتلالها. وفي يوم الثلاثاء 13 ذي الحجّة 1329 أبرق رئيس مجل النوّاب خبر دخول جيوش الروس، وهجومه على قزوين إلى كربلاء، إلى حجّة الإسلام السيد إسماعيل صدر الدين، وإلى النجف الأشرف، وإلى جميع حجج الإسلام هناك، كما أنّ ( الممثّل ) العثماني أيضاً أُخبر بذلك، فهاج المسلمون في العراق وأظلمت الدنيا بأعينهم، فكتب الحجّة الصدر رسالة إلى المدرّس الطهراني الشيخ محمود النجفي، مشيراً عليه بأن يُري هذه الرسالة إلى الآيتين: الشيخ ملاّ كاظم الخراساني، والسيد كاظم اليزدي، ثم يدعوهما إلى الاتفاق والاتحاد لاستخلاص البلاد الإيرانية من مخالب الروس، فجاء الشيخ محمود إلى مجلس فاتحة عظيمة كانت مقامة لأحد الأفاضل، فقرأ الرسالة على الشيخ الخراساني علناً، فكان جواب الشيخ الخراساني: إنّي حاضر فاذهب إلى السيد اليزدي واقرأها عليه، وكلّما يأمرنا نحن مطيعون متّفقون على الأمر، فأسرع بعض الحاضرين وأخبر السيد اليزدي بالمجلس، وعندما ذهب الشيخ إلى دار السيد لم يفتح له، واعتذر إليه أنّه منحرف الصحّة لا يتمكّن مواجهته، ثم كرّر المجيء إلى دار السيد اليزدي فلم يحظ بالمواجهة.

وأخيراً اتفق أن وافقت زيارة عيد الغدير في النجف الأشرف، وجاء الحاج أقا حسين القمّي إلى الزيارة واطّلع على عدم وصول الكتاب إلى السيد اليزدي؛ فتعهّد هو بإيصال الكتاب إلى السيد اليزدي، وعندما ذهب السيد القمّي لم يحصل أيضاً على جواب، ولعجزه دخل إلى مدرسة السيد المذكور المجاورة لداره، وصادف نجل السيد

٢٠٦

اليزدي في المدرسة، ولمّا سأله عن سبب مجيئه أخبره بأنّه يود مواجهة السيد، فأخذه نجل السيد معه ليدخله على أبيه، ولمّا وصلا إلى الباب وطرقاه، فتح الخادم الباب ولم يؤذن في الدخول إلاّ لابن السيد، أمّا القمّي فبقي وراء الباب، وبعد دقائق أشرف ابن السيد اليزدي على السيد القمّي من الشباك وقال له: لا يمكن الآن مواجهة السيد الوالد فاذهب وحاول في وقتٍ آخر، فقال السيد القمّي، إذاً فهذا كتاب من كربلاء ادفعوه إلى السيد ليقرأه فقط وأرجعوه إلينا، فقال ابن السيد وهذا أيضاً غير ممكن. واتفق أيضاً في ذلك اليوم ورود السيد الصدر، وشيخ العراقين إلى النجف للزيارة ولمواجهة الشيخ الخراساني والسيد اليزدي، وكليهما أمل في تحصيل الاتفاق بين العلماء على إصدار الفتيا بالجهاد ضد الروس؛ ولكن لمّا اطّلعا على الوضع أسفا كثيراً، غير أنّ الشيخ محمود أخبر الصدر بأنّ السيد محمد نجل اليزدي وعد بأن يواجه السيد الصدر في الصحن عند الغروب، وحيث إنّ العلماء بأجمعهم من عرب وعجم كانوا قد منعوا البحث والصلاة، نظراً لسوء الحالة، وإظهاراً لحربهم على هجوم الكفر على الإسلام، ولم يعتقد السيد الصدر أنّ السيد اليزدي سيخرج للصلاة لاسيّما وهو يشكو المرض، ولكنّه سمع ضجّة الصلاة للسيد إذ بقي وحده للجماعة، والزوّار كثيرون، وكلهم جاؤوا للزيارة؛ لذلك تعجّب وبقي منتظراً لمواجهة السيد محمد حسب موعده. وكان اليزدي مخالفاً للجميع إذ كان مصرّاً على الخروج إلى صلاة الجماعة وحده، نظراً لكثرة الزائرين لذلك عند الغروب، وفي حين أنّ السيد الصدر كان منتظراً لمجيء السيد محمد نجل اليزدي، حسب موعده في الصحن مأيوساً من خروج نفس السيد اليزدي لسماعه، بأنّه مريض لا يمكن أن يواجهه أحد من الناس ولم تفتح باب داره، في ذلك الحال وإذا بالضجّة والصلوات قد تعالت من الأطراف، وإذا بالسيد اليزدي تحوطه الجماعات من الأعوان والزوّار، وهو جالس على السجّادة، وإذا بصوت الأذان والإقامة من اليمين والشمال قد تعالى في الصحن إلى السماء، وإذا بالازدحام العظيم وقوف للصلاة خلفه لانحصار الجماعة به، ولكثرة الزوّار والمصلّين، وإذا به داخل في صلاة المغرب.

فلمّا رأى المسلمون، الذين كانوا يتحرّقون لقضيّة هجوم الروس على إيران، هاجوا وماجوا، وتوجّهوا إلى دار الشيخ الخراساني بالصياح والعويل، يصرخون بطلب الاتفاق على الفتيا بالجهاد ضد الكفر، وكان في وسط هذا الجمع رجل إيراني يُدعى ( أبا

٢٠٧

السادات ) بلباس رسمي ويدّعي أنّه من مأموري إيران، وقد جاء زائراً وطالباً لاتفاق العلماء على النهوض ضد الروس، وكان هذا أكثرهم حماساً وأشدّهم بكاءً ونخوة، يخاطب الخراساني بقوله: سيّدي يجب أن تبذلوا جلّ هممكم في استخلاص المسلمين من مخالب الروس الكافر والعنود، وأن تعملوا كل وسيلة لدفع هذه الغمّة عن هذه الأُمّة، وليس هناك بُدّ من اتفاقكم ولا علاج لهذا الداء سوى اتحادكم، وإذا لم تتّفقوا فسوف تمحى حتى آثار الإسلام من إيران، الله الله أيّها المسلمون، الله الله أيّها العلماء، إذ ليس من ملجأ سواكم، ولا أمل لنا بغيركم، فإنّ الروس إذا ما سيطروا على إيران فسوف لا تُبقي ديناً ولا ترحم أحداً. فقابله الشيخ الخراساني بالأسف والتحسّر وقال له وللجميع: إنّي حاضر بكل ما أملك من نفس ونفيس في سبيل حفظ حوزة الإسلام والمسلمين، فشكره أبو السادات، ثم توجّهوا إلى الصحن الشريف ليواجهوا سائر العلماء الآخرين. وعندما وردوا إلى الصحن كان السيد اليزدي قد أكمل صلاة المغرب، فتوجّه الجميع مع أبي السادات إليه مستغيثين به صارخين: الله الله بالإسلام، أيّها الحجّة إذا لم تتداركوا أنتم العلماء هذا العدوان الروسي، ولم تتّفقوا معاً على دفعه فستذهب هذه الصلاة وهذه الجماعة، بل سيذهب الإسلام، فكِّروا في الإسلام؛ فأنتم المأوى والمرجع، ولا علاج إلاّ باتفاقكم واتحادكم على الكفر، وإذا لم تنهضوا اليوم فستندموا غداً حيث لا ينفع الندم.

أمّا السيد اليزدي فقد كان عندما تكلّم أبو السادات مبهوتاً متأمّلاً في حركات أبي السادات وسكناته، ولكنّه عندما سمع كلمة اتحاد واتفاق تحرّك قليلاً فكرّر أبو السادات تقبيله ليد السيد ورجليه، متضرّعاً عنده في أن لا يخالف أصحابه من العلماء، محذِّراً إيّاه من نتائج المخالفة على الإسلام، وأهله.

ولم يشعر أبو السادات إلاّ والسيد اليزدي رفع يده بسرعة وقد تغيّر حاله، وقال له: ابتعد عنّي فكل هذا كذب وخداع، إنّي لا أتدخّل ولن أتدخّل، ثم جذب نفسه من السجّادة وصاح صائح القوم من ورائه: أيّها الناس تداركوا السيد فإنّهم يريدون أن يقتلوه، فتوحّش الناس من هذا النداء وهجموا نحو السيد، وهناك وجد المغرضون المجال واسعاً، والوقت مناسباً فهجموا على كل مَن كان حوالي السيد من متفرّجين وطلاّب، وزادوا بالضرب والشتم حتى فرّقوا الجمع، وقد طاحت عمائم وسُلبت عباءات

٢٠٨

وسُرقت جيوب؛ أمّا السيد اليزدي فقد دخل في وسط هذه المعامع إلى حجرة من حجرات الصحن، ورُدّت عليه الباب واختفى فيها حيث لم يره أحد، أمّا المطّلعون والذين جاؤوا مستغيثين بالسيد طالبين منه الاتفاق والعلاج، فقد كانوا يصرخون به متعجّبين، أنّه لم يطلب أذية السيد ولم يقصد به سوءاً، تورّعوا أيّها الناس، تأمّلوا أيّها الجهّال والغافلون، ولكن لم يفد كل ذلك حتى أُخبرت الحكومة المحلّية؛ فجاءت الشرطة وفرّقت الجمع بالبنادق والعصي والضرب المبرّح، ثم أخذوا السيد والشرطة أمامه وخلفه والناس حوله تعلو أصواتهم بالصلوات حتى أوصلوه إلى داره، واشتهر هذا الخبر المجهول بأنّ المشروطة تريد قتل السيد. ولكنّ المطّلعين وأهل الدين أخذوا يظهرون للناس حقيقة المطلب، وأنّ حيلة يراد بها أمراً دُبّر بليل، ولذلك فإنّ هذه الشائعة لم تدم سوى ساعتين فقط. وصادف في تلك الليلة ورود آية الله الشيرازي إلى النجف، ولمّا سمع بهذه القضية تأثّر تأثّراً كثيراً، وعجب من حصول أشياء لا مبرّر من وقوعها. وفي تلك الليلة أيضاً واجه الصدر نجل السيد اليزدي وطلب منه مواجهة أبيه، وأخبره: إنّي إنّما تشرّفت في النجف لغاية الاجتماع بوالدك، وإخباره بأُمور يجب أن يطّلع عليها، فأجابه السيد محمد نجل اليزدي: إنّ ذلك غير ممكن ولن يمكن.

فقال الصدر: إنّ أمر إخراج الروس من إيران وتخليص المسلمين من تصرّفاته المشينة بالإسلام متوقّف على هذه المواجهة.

فقال: وذلك لا يكون ولن تواجهوه، وبعد رد وسؤال لم يحصل السيد الصدر على نتيجة، حتى غلب الناس عليه وعلى شيخ العراقين الذي جاءا لتحصيل الاتفاق بين العلماء.

وفي يوم السبت عُقد مجلس حافل بالعلماء والأكابر من رجال الدين في دار الشيخ الخراساني، وتذاكروا في الأمر وقرّروا عدم الانشغال بإقناع السيد اليزدي، وعدم مراجعته؛ لأنّه ممتنع، وانتظار اتفاقهم معه موجب لتعطيلهم عن مهمّتهم.

ثم خطب الخطباء على الجمع المحتفل وجماعات المحتفلين المتظاهرين معهم خطباً بليغة أبكت الجميع، ثم وعدوا الناس بالعمل لإصلاح الحالة، ثم قرّ القرار بالاجتماع مرة أُخرى في دار السيد الصدر عصراً، ولمّا اجتمعوا هناك أجمع رأيهم على السفر إلى الكاظمية، والغرض من ذلك أُمور:

٢٠٩

أولاً: لتكذيب اختلاف العلماء فيما بينهم، وسفر أكثر العلماء معاً متّفقين متّحدين.

ثانياً: صدور الأمر الواحد من الجميع إلى عشائر إيران، وأهل المدن بالاتحاد مع الحكومة في رد عادية الروس، بواسطة البرقيات والرسائل والرسل إليهم.

ثالثاً: إبلاغ جميع الأقطار الإسلامية كالهند والقفقاز، وأمرهم بالهيجان وإظهار الاستياء، وغلق الحوانيث والمحلات، وتعطيل الأعمال؛ احتجاجاً في يوم معيّن على الروس ودخولها إلى إيران، كما أنّهم يأمرون جميع عشائر إيران بالنهضة والدفاع عن بيضة الإسلام، موافقة لحكوماتهم في مقابل الظلم والعدوان.

رابعاً: اطلاع جميع دول الأجانب بواسطة قناصلهم وسفرائهم على التعدّي الروسي، بعد تصديق القنصل الإيراني في بغداد رسميّاً.

ومقدّمة لهذا السفر أبرقوا برقيّة مناسبة بإمضاء جميع العلماء إلى السلطان العثماني محمد رشاد، وهذا مضمونها:

إلى أعتاب السدّة السلطانية وحامي الخلافة الإسلامية:

بسم الله الرحمن الرحيم

بسبب الهجوم على الإسلام من كل جانب أصبح العالم الإسلامي في هيجان، نحن بصفتنا رؤساء المذهب على ثمانين مليون من المسلمين الجعفريين القاطنين في إيران والهند وسائر النقط الإسلامية، متفقاً حكمنا بوجوب الجهاد والدفاع عن الدين والنفوس، وعلى جميع المسلمين فرض عين: أن يضربوا على أيدي المسبّبين لإراقة دماء المسلمين صيانة لدين محمد (ص).

لذلك فإنّا نعرض أعتاب حامل الأمانة المقدّسة وخادم الحرمين الشريفين، وخليفة الإسلام، ونعلمه مترحّمين أن لا يحرموا المسلمين إعطاء ( لواء محمد النبوي ) إلى المسلمين المجتمعين من أقطار العالم للدفاع والجهاد، زمان السياسة اللادينية قد زال ومضى.

فالرجاء الأمر بذلك بمقتضى الشريعة وشأن الخلافة الإسلامية.

محمد كاظم الخراساني

محمد حسين الحائري

٢١٠

سيّد إسماعيل الصدر العاملي

عبد الله المازندراني

شيخ الشريعة الأصفهاني

وقد أصدر الشيخ الخراساني بعد ذلك فتوى بالجهاد جاء فيها:

( استنهضوا فيها الإسلام للدفاع عن الشريعة المحمّدية، والذب والمحاماة عن الجامعة الإسلامية، وفّق الله المسلمين إلى الانتفاع باستماعها، والأخذ بحظّهم من العمل بمضمونها، ونعوذ بالله أن نكون نحن الذين يعنيهم سيّد المرسلين بقوله (ص): يوشك أن تداعى عليكم الأُمم إلى الأكلة إلى قصعتها. قال قائل: من قلّة ذلك يا رسول الله؟ قال لا: لكم غثاء كغثاء السيل، ولينزع الله عن قلوب عدوّكم المهابة منكم، ليقذفنّ في قلوبهم الوهن. قال: وما الوهن: قال: حب الدنيا وكراهة الموت. وفي هذا القدر كفاية لمَن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد )(1) ، كما أنّهم أبرقوا معلنين بحركتهم لهذه الغاية إلى جرائد استنبول، ليعلموا العالم الإسلامي بأنّهم حاضرون لإراقة آخر قطرة من دمائهم في سبيل حفظ الإسلام والوطن الإسلامي. ثم احتفلوا في يوم الأحد احتفالاً آخر قرّروا فيه كيفية حركتهم، ويوم الحركة، وأنّ اجتماعهم كلهم في كربلاء ومن هناك يتوجّهون إلى بغداد.

وبعد أن قُضي الاجتماع نادى المنادي في البلد بأنّ العلماء أجمعهم سيسافرون يوم الثلاثاء 20 ذي الحجّة 1329هـ، إلى كربلاء، ومن هناك إلى الكاظمية فمَن شاء الاشتراك فليبادر والله مع الجميع(2) .

وانتشرت أنباء حركة الجهاد، وقد أوعز الملاّ محمد كاظم الخراساني بنصب الخيام في ظاهر النجف، وتعبئة المجاهدين فيها استعداداً على السفر إلى إيران، لدفاع الروس عنها، وقد نُصبت الخيام فعلاً على جبل السلام، خارج المدينة، والمراسلات

____________________

(1) مجلة النجف ع 8/9 نيسان 1967 ص131.

(2) المصلح المجاهد 100 - 108. ينقل الشيخ محمد شريف آل كاشف الغطاء عن والده الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، عند نيّة سفر الآخوند الخراساني، اقترحنا على السيد اليزدي الذهاب لتوديعه، وقلنا له عند عدم ذهابك سوف يتأذّى طلاّبك ومقلّديك، وكرّرنا عليه القول، وضع يده على الأرض وقال: ( مَن خدا دارم، مَن خدا دارم ) أي: أنا عندي الله.

وفي الصباح علمنا بوفاة الشيخ الخراساني.

٢١١

جارية على أشدّها بين كبار العلماء في النجف والكاظمية لإعداد عدّة السفر إلى إيران، وكان المقرّر أنّ السفر سيتم تحت رئاسة الشيخ ملاّ كاظم الخراساني يصحبه من المجتهدين الشيخ عبد الله المازاندراني، وشيخ الشريعة، والسيد مصطفى الكاشي، والسيخ عبد الهادي شليلة البغدادي، والشيخ حسن علي القطيفي، وكان السيد صالح الحلّي قد سبقهم بجماعته إلى الكاظمية ينتظر اجتماعي العلماء هناك(1) وتهيّأ الناس للسفر، وامتلأ الجو بأهازيج العشائر والخطب الرنّانة(2) .

هذا مع توارد رؤساء العشائر، وكبار البلد على الملاّ الخراساني مقدّمين له معونتهم مظهرين لحضورهم عند أمره بالمال والنفس والنفيس، فشكرهم المصلح الخراساني [ موقفهم ] وغيرتهم، ثم قال لهم: الآن فلا حاجة لنا بكم، وبالطبع إذا ما حدث موجب لدعوتكم والاستعانة بكم؛ فإنّي لأبدأ بكم للمشاركة والمساعدة، وفّقكم الله لكل خير، فاذهبوا الآن إلى منازلكم وانتظروا إشعارنا، فقبّلوا يديه وذهبوا، وكلّهم عزم وحزم وحرارة.

ثم تقدّم عليهم بالسفر إلى كربلاء السيد الصدر ليهيّئ لهم المحل وليستقبلهم هناك، وفي يوم الاثنين قبل السفر بيوم وردت برقية من قنصل بغداد إلى الصدر: أنّه وردت برقية من طهران تشعر بعدم لزوم حركة العلماء، ولكنّ الشيخ الخراساني قال: نحن لا عن عزم الحركة غير أنّا نذهب إلى كربلاء، وهناك نرى رأينا وننتظر الخبر الأخير. ولمّا جنّ الليل وأذّن مؤذّن المغرب من ليلة الثلاثاء، صلّى الخراساني صلاة المغرب والعشاء في داره، ثم أمر الجماعة بأنّي سوف أُصلّي الصبح في الحرم العلوي، وبعد زيارة الوداع أسافر إلى كربلاء صبحاً قبل أن يكثر الناس، ومَن شاء فليلتحق بي بعد ذلك، ثم ودّع الحاضرين ودخل إلى داخل الدار ليستريح ويستعد للحركة صبحاً.

ولكن أهل الدار والعائلة، كانوا في قلق وتشويش من هذا السفر، ولم يعلموا السبب في ذلك، وعلى هذا فقد عرضوا على الشيخ الخراساني تشوّشهم، وأظهروا له قلقهم من حركته، ولكنّه طيّب خاطرهم وطمأنهم قائلاً: لا فرق بين هذه السفرة وسائر سفراتي، وقد أودعتكم الله السميع العليم.

____________________

(1) النجف في ربع قرن 149 - 150.

(2) لمحات اجتماعية 2/124، النجف في ربع قرن 149.

٢١٢

ثم طلب منهم الاستراحة والخلو بنفسه، وأمرهم بأن يذهب كل إلى مضجعه ويستريح؛ لأنّ أمامهم أعمال كثيرة وأتعاب في الصباح، فامتثلوا وفارقوه إلى محالّهم. مضى الشيخ إلى العائلة ليستريح وينام قليلاً، وبقي من خواصّه والمقرّبين لديه: العلاّمتان الشيخ علي الشاهرودي، والشيخ أحمد الدشتي في غرفة الاستقبال ليناما هناك، حتى إذا أصبح الصباح مشيا بخدمته إلى الحرم المطهّر، ثم إلى كربلاء(1) .

وفي ليلة 12 كانون الأول من عام 1911 بينما كان الخراساني على أُهبة السفر شعر بتوعّك مفاجئ في صحّته، فاصفّر وجهه وانتابه العرق الغزير، وقبل أن تشرق شمس الصباح التالي أدركته الوفاة؛ فاستدعي إليه طبيب الحكومة، وقد قرّر هذا بعد فحصه أنّه مات بالسكتة القلبية. ولكنّ الناس لم يصدّقوا ذلك وأخذت الإشاعات تُروّج بينهم في أنّه مات مسموماً بأيدي الجواسيس، وانتشرت بينهم قصة مفادها: أنّ رجلاً كان قد أهدى إليه قُبيل وفاته تفاحة صفراء، وهي التي جرّت عليه البلاء(2) .

تفرّق المجاهدون على أثر موت الخراساني، وطُويت الخيام، وانشغل الناس بالنوح على الفقيد وإقامة مجالس الفاتحة، وإلقاء القصائد الشعرية في تأبينه.

يذكر د. علي الوردي قائلاً: حدثني أحد المسنّين من أهل الكاظمية: أنّه كان عند وفاة الخراساني صبيّاً وكان يسمع بأُذنه سبّ الخراساني وتكفيره شائعاً على ألسنة الكبار المحيطين به، وصادف أن ذهب إلى النجف مع أهله للزيارة في تلك الأيام، فوجد المآتم والفواتح تقام للخراساني في كل مكان، فكان عجبه شديداً وأخذ يسأل أهله، كيف يجوز للناس أن يقيموا المآتم للكافر أي للخراساني؟! ولم يستطع أهله أن يقدّموا له جواباً مقنعاً(3) .

كان وفاة الشيخ الخراساني صدمة عنيفة لحركة الجهاد، ممّا جعل تحرّك العلماء والمجاهدين يتأخّر لبعض الوقت، إلاّ أنّ الاهتمام بالتحدّي الاستعماري ظلّ يستوعب نشاط الوسط الشيعي، فخلال مراسيم التأبين والفاتحة التي أُقيمت للشيخ الخراساني، كانت الخطب والقصائد الشعرية تتركّز حول الأخطار التي يتعرّض لها العالم الإسلامي

____________________

(1) المصلح المجاهد 108 - 109.

(2) مجلة العلم النجفية - العدد السابع - السنة الثانية.

(3) لمحات اجتماعية 3/124.

٢١٣

من قِبل الدوائر الاستعمارية، وتؤكّد على ضرورة التصدّي للهجمة الاستعمارية على بلاد المسلمين(1) .

وفي خلال شهر محرّم 1330هـ / كانون الثاني 1912م اجتمع لفيف من المجتهدين في الكاظمية كان فيهم: السيد مهدي الحيدري، والشيخ مهدي الخالصي، والسيد إسماعيل الصدر، والشيخ عبد الله المازندراني، والشيخ فتح الله الأصفهاني، والشيخ محمد حسين القمشئي، والسيد علي الداماد، والسيد مصطفى الكاشاني، وقرروا إعلان الجهاد على روسيا على منوال ما فعل الخراساني الراحل(2) .

امتنع مجتهدان كبيران عن الحضور إلى مؤتمر الكاظمية، وعن الانضمام إلى حركة الجهاد، وهما: الميرزا محمد تقي الشيرازي في سامراء، والسيد كاظم اليزدي في النجف. فقرّر الشيخ مهدي الخالصي أن يسافر بنفسه إليهما بغية إقناعهما بالانضمام إلى الحركة، ولم يجد الخالصي صعوبة في إقناع الشيرازي عندما ذهب إليه في سامراء، غير أنّه عند ذهابه إلى النجف لم يتمكّن من الاجتماع باليزدي لمحادثته في الموضوع؛ إذ كان هذا يمتنع من لقياه المرّة بعد المرّة(3) .

وتمّ تشكيل لجنة من ثلاثة عشر عالماً لإدارة التحرّك ضد الاحتلال الروسي لإيران.

فبينما كانت لجنة العلماء تواصل اجتماعاتها في مدينة الكاظمية، أقدمت القوات الروسية على اجتياح مدينة تبريز، وقامت بمجازر بشعة كان من ضمنها إعدام مجموعة من العلماء. وقد أثار هذا الحدث مشاعر علماء الدين في العراق، فأعلن السيد محمد

____________________

(1) دور علماء الشيعة 67.

(2) لمحات اجتماعية 3/124.

(3) يذكر د. الوردي في لمحاته أنّه: ( وفي أحد الأيام بينما كان الخالصي في النجف يواصل مساعيه للاجتماع باليزدي، وقع عليه اعتداء من قبل بعض العامة، وقد أسرع الخالصي إلى مغادرة النجف والعودة إلى الكاظمية درءاً للفتنة. وحين سمع أهل الكاظمية بالحادث تحفّزوا لأخذ الثأر، إذ لم يهن عليهم أن يعتدي أهل النجف على عالمهم دون أن ينتقموا له. وقد بذل الخالصي جهده لتهدئتهم.

كان والي بغداد يومذاك جمال بك، وكان على صلة وثيقة بالخالصي، فلمّا سمع بحادث الاعتداء عليه أمر بإلقاء القبض على المعتدين وبسوقهم مكبّلين إلى بغداد. وانبرى الخالصي يتشفّع لهم عند الوالي حتى جعله يأمر بإطلاق سراحهم. وفي زحمة هذه الأحداث نسي الناس جهاد الروس، وانشغلوا بجهاد بعضهم بعضاً ).

٢١٤

كاظم اليزدي أنّه سيتوجّه إلى الكاظمية للمشاركة في تجمّع العلماء(1) .

أثار عزم علماء الدين على التحرّك إلى إيران على رأس كتائب المجاهدين، اهتمام الحكومة الإيرانية، فأرسلت البرقية التالية في 9 كانون الثاني 1912 م (19 محرم 1330هـ) تطلب فيها من العلماء عدم التوجّه إلى إيران:

( بغداد - من طهران - الجنرال القنصل الإيراني - ليد سماحة نجل الشيخ الخراساني، وإلى حضرات المراجع أدام ظلالهم.

يبدو ممّا وصل القنصل في الكاظمية من أنباء، فإنّ خطواتكم المباركة رغم ما ينتج عنها من سعادة وبركة، إلاّ أنّ الدولة تمرّ حالياً بمرحلة سياسية معقّدة جداً، ومن المحتمل أن تترتّب على تحرّككم آثار سيّئة قد يعتبرها الأجانب خطوة عدائية، الأمر الذي قد تنتج عنه عواقب غير محمودة للدولة التي تتبع حالياً سياسة أهون الشرّين، وتتجنّب كلّ خطوة تتعارض مع حفظ بيضة الإسلام. وتدعو الحكومة الإيرانية وبكل إصرار إلغاء موضوع المسير، آملين بدعائكم ووجودكم وتوجيهاتكم المباركة أن تدفع الشدائد، ويتم التوصّل إلى الهدف المنشود.

مجلس الوزراء - وثوق الدولة )(2)

وفي أوآخر آذار 1912م، وصل إلى العراق خبر مفاده: أنّ الجيوش الروسية قصفت بالمدافع مشهد الإمام الرضا في خراسان؛ فانهدم جزء من القبّة والسقف وأدّى ذلك إلى قتل وجرح عدد من الزوّار الذين كانوا يتهجّدون فيه. وحملت الأنباء انتهاب الروس لقسم من مكتبة الإمام الرضا وإرسالها إلى بطرسبوغ عاصمة الإمبراطورية حينذاك، وزيد تجاوز الجيش على الحرم واستخدامه اصطبلاً... إلى غير ذلك من الأعمال المنكرة، ولم تؤخذ بعض هذه الأنباء بنظر عامة النجف موقع التصديق إلاّ في شهر محرّم، حيث عودة الزوّار من خراسان، فكان لأنباء الزوّار أكبر وقع على النجفيين، وأعظم حادث أهاج الأفكار، فكان هذا الحادث أبلغ سلاح استخدمه القائم قام عبد العزيز في إثارة العامة أثناء العشرة الأُولى من شهر محرم، موسم المآتم والاجتماعات

____________________

(1) هجوم روس 129.

(2) هجوم روس، ص36 - 1371، دور علماء الشيعة 68.

٢١٥

والتظاهرات الدينية، يلج المآتم الكبيرة ويطلب من القرّاء أن ترثي البلاد الإسلامية، من طرابلس الغرب وخراسان، وأن يوضحوا للناس صور الحروب الدموية في تلك البلاد، وما آلت إليه حال أهليها وعلمائها ومساجدها إزاء اعتداء إيطاليا والروس فتتألّم الناس وتصخب، ويقف أحياناً يخطب في الناس وفي جنبه السيد مسلم زوين، وكان إذا خطب تحسّس وبكى فأبكى الناس، يعضده السيد مسلم، الطويل الباع في إثارة العامة وإلهاب الغيرة والحفيظة، وعندئذ قامت قيامة النجف، فاختلطت التظاهرات في مصيبتين عظيمتين عثمانية - إيرانية(1) .

وأخيراً سحبت الحكومة الروسية جيشها من إيران طبقاً للسياسة الروسية - البريطانية، التي بدأت تتوحّد حذراً من السياسية الجرمنية الزاحفة، وأيضاً لقاء معاهدة عُقدت بين إيران وروسيا، وكانت في صالح الروس(2) . وعند هذا ساد الهياج في مختلف أنحاء إيران والعراق، ووجد المجتهدون في العراق أنّ من الضروري استئناف حركة الجهاد من جديد.

____________________

(1) النجف في ربع قرن 147 - 148.

(2) ن. م ص153.

٢١٦

حركة الجهاد عام 1332 - 1333هـ / 1914م

وموقف السيّد كاظم اليزدي

تمهيد:

في أوائل آب 1914م / 1332هـ، رفعت الحرب العالمية الأُولى أوزارها، وقد سارعت تركيا إلى إعلان حيادها، غير أنّ هذا الموقف خضع لضغوط عديدة من أجل زجّها في الحرب، لاسيّما وأنّ الدوافع الحقيقية كانت تتطلّب فرض الحرب عليها لتنفيذ المشروع الاستعماري في تقاسم أقاليمها، وقد التقت تلك الدوافع مع الرغبة الجامحة للزعماء الاتحاديين في دخول الحرب إلى جانب ألمانيا، حيث كانوا يتصوّرون أنّ انتصار ألمانيا في الحرب مسألة حتميّة، وأنّ الضمان الوحيد لسلامة تركيا من الأطماع الروسية هو تحالفهم مع ألمانيا(1) ، وتصوّرت حكومة الاتحاديين أنّ هذا لو تمّ ودخلت تركيا الحرب، فإنّها ستعيد أمجادها وستخرج من الحرب منتصرة قوية(2) .

أمّا ألمانيا فإنّها لم ترغب في البداية بإشراك الدولة العثمانية معها في الحرب؛ لأنّها كانت ترى أنّ نهاية الحرب لصالحها، فلا مبرّر لأن يشاركها العثمانيون في مكاسب النصر(3) .

في أواخر تشرين الأول 1914 أعلنت كل من روسيا وفرنسا وبريطانيا الحرب على

____________________

(1) العرب والترك في العهد الدستوري العثماني 498.

(2) مقدّرات العراق السياسية 1/68.

(3) دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار 80.

يقول السفير الألماني فون ونغنهايم: ( إنّ ألمانيا كانت ترمي إلى إثارة العالم الإسلامي على المسيحيين، أي إنّها كانت تنوي تسعير حرب دينية للقضاء على سلطة إنكلترا وفرنسا في مستعمراتها الإسلامية: كالهند ومصر والجزائر وغيرها. إنّ تركيا بحدّ ذاتها ليست شيئاً مهمّاً، جيشها ضعيف، ولا ننتظر منه أعمالاً مجيدة في ساحات القتال، ولكنّنا نحن لا نرى في تركيا إلاّ العالم الإسلامي، فإذا تمكّنا من إثارة الرأي الإسلامي ضد إنكلترا وفرنسا وروسيا، نكون قد أرغمناهم على طلب الصلح في وقت قريب ).

لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 4/20.

٢١٧

الدولة العثمانية(1) وبذلك بدأت مرحلة الحسم الاستعماري في السيطرة على البلاد الإسلامية.

قبل إعلان الحرب، كانت بريطانيا قد استكملت إجراءاتها في ترتيب مقدمات غزوها لمنطقة الخليج، من خلال عقد عدّة اتفاقيات مع الشيخ مبارك، والشيخ خزعل، وعبد العزيز بن سعود(2) ، لكن المشكلة التي واجهتها هي موقف علماء الشيعة من احتلال العراق، حيث كانت بريطانيا تدرك أنّ علماء الشيعة لا يمكن أن يتقبّلوا الاحتلال البريطاني، وذلك من خلال المواقف التي تبنّوها إزاء الاحتلال الاستعماري للأقاليم الإسلامية، وتصدّيهم لأي محاولة استعمارية تستهدف كيان المسلمين السياسي(3) .

لكن هذا المسعى لم يؤثّر على الموقف الشيعي شيئاً، فقد أسرع علماء الدين الشيعة إلى إعلان الجهاد فور تعرّض العراق لهجوم القوات البريطانية.

وقبل أن تعلن بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية، صدرت الأوامر إلى القوات البريطانية في بومباي بالتحرّك نحو المياه الخليجية، بمعيّة القوات المرابطة في البحرين، وبعد إعلان الحرب تقدّمت القوات البريطانية نحو العراق في 14 تشرين الثاني 1914م / 25 ذي الحجّة 1332هـ، فاحتلّت الفاو(4) .

البداية:

بدأت حركة الجهاد في العراق في 9 تشرين الثاني 1914، لمداهمة الجيوش الإنكليزية الغازية من جهة البصرة، والتي تعلن بخطر الغزو الإنكليزي للسيطرة على ثرواته وخيراته، والاستيلاء على شؤونه ومقدّراته، وبعد أن أحسّ العراقيون بالخطر

____________________

(1) تاريخ العراق بين احتلالين 8/254.

(2) انظر: حسين خلف الشيخ خزعل: تاريخ الكويت السياسي.

رياض نجيب الريس: جواسيس العرب.

ستيفن لونكريك: العراق الحديث.

(3) جاء في رسالة السفير البريطاني في اسطنبول المؤرّخ في 25 أيلول 1914م إلى وزير الخارجية البريطاني: ( إنّ على نائب القنصل البريطاني في المدن الشيعية المقدّسة أن يؤثّر عليهم - المجتهدين - بشكل كي يجلبهم إلى جانبنا ).

د. غسّان العطية: العراق - نشأة الدولة 116.

(4) مذكّرات الفريق طونزند 51.

٢١٨

المحدق، وشعروا بما سيحيق بهم من الكوارث إذا تمكّن عدوّهم من السيطرة والاستيلاء، وما سيجره ذلك عليهم من المحن والفتن، فاستغاثوا برجال الدين قبل أن تعلن بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية، صدرت الأوامر إلى القوّات البريطانية في بومباي، بالتحرّك نحو المياه الخليجية بمعيّة القوات المرابطة في البحرين، ( ولم يكن نزول القوات العسكرية البريطانية في الفاو في 6 تشرين الثاني 1914 لغرض احتلال العراق، أو أجزائه الجنوبية على أقل تقدير، أمراً مستغرباً أو غير متوقّع في حسابات المصالح السياسية والاقتصادية للدول الكبرى، وصراعاتها، ومناطق نفوذها في العالم، لاسيّما منذ العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر. فبريطانيا كان لها وجود، كما هو معلوم، في منطقة الخليج العربي منذ أمدٍ بعيد. وكانت لها مصالح اقتصادية، وعلاقات سياسية بهذه المنطقة وامتداداتها في الأراضي العراقية وأراضي إقليم عربستان وبلاد فارس. وكانت حقول نفط عبادان تمثّل لها أهميّة اقتصادية كبرى، ينبغي المحافظة عليها من الخطر الألماني الذي امتد إليها مع مشروع سكّة حديد برلين - بغداد، وتنامي التغلغل الألماني في البلاد العثمانية منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر، والذي تُوّج بدخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأُولى إلى جانب دول الوسط.

كذلك لم يكن اشتراك الدولة العثمانية، في بداية تشرين الثاني من عام 1914، في الحرب العالمية الأُولى حليفة لألمانيا أمراً مفاجئاً لبريطانيا؛ ذلك أنّ الدلائل كانت تشير بمجملها إلى حدوثه. ومن ثمّ فإنّ بريطانيا استعدّت لحماية مصالحها في الخليج العربي بشكل جِدّي منذ الأيام الأُولى لنشوب الحرب(1) . بيد أنّ الدولة العثمانية، في المقابل، لم تهيّئ نفسها لمواجهة حسابات بريطانيا المتعلّقة بحماية مصالحها في هذه المنطقة عند قيام الحرب، وأطماعها فيها، ونفوذها التاريخي المتغلغل في جوانب متعددة من تكوينها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فقد أهمل العثمانيون أمر

____________________

(1) ينظر عن هذه الاستعدادات: البصرة في عهد الاحتلال البريطاني، ص 98 وما بعدها. وجدير بالذكر أنّ نزول القوات البريطانية في الفاو في 6 تشرين الثاني 1914، جاء بعد يوم واحد من إعلان الدولة العثمانية الحرب على دول الوفاق الودّي، الذي حدث يوم 5 تشرين الثاني 1914. ينظر: Mansfield ، peter ، The Ottoman Empire and its Successors ، St. Martin s press ، first published ، New York 1973 ، p.34

٢١٩

الدفاع عن العراق، أو التخطيط لحالات محتملة تتطلّب ذلك، لاسيّما بعد نشوب الحرب بين الأطراف الأوربية أوائل آب 1914. فأرسلوا وحدات الجيش ( الفيلق العثماني السادس ) الذي يتخذ من مركز ولاية بغداد مقرّاً له، وهي تتألّف في أغلبها من الجنود العراقيين، إلى ولاية ( وان ) وجهات متعدّدة من بلاد القفقاس(1) . واعتمد صانع القرار العثماني - فيما يبدو - على قيام أبناء العشائر العراقية، والمتطوّعين العراقيين الآخرين بالدفاع عن أنفسهم وبلادهم، وهو أمر عسير في التطبيق على أرض الواقع؛ لأسباب شتّى منها: أنّ الدولة العثمانية نفسها لم تهيّئ، على مدى حِقَبٍ متطاولة من سيطرتها على هذه البلاد، وسائل وأساليب بلوغ الهدف، على الرغم من أنّ مخاطر الأطماع الأوربية في العراق كانت واضحة لكل ذي بصيرة، منذ أكثر من قرن مضى من الزمان. وقد أناطت السلطات العثمانية في إطار تلك الإستراتيجية، أو في إطار الإستراتيجية المفقودة بالأحرى، بالفرقة الثامنة والثلاثين من الجيش العثماني فحسب، وبوحدات الدرك والحدود، مهمّة الدفاع عن العراق كنواة تلتف حولها القوة غير النظامية للمتطوّعين العراقيين من أبناء المدن والعشائر، متجاهلة الخطر الذي يهدّد العراق أو غير مقدّرة لحجمه الحقيقي، فلم تضع أيّة خطّة عسكرية مدروسة للدفاع عنه، ولم تشرع ببناء أيّة تحصينات دفاعية، أو تقوم بمناورات عسكرية، أو حتى بتزويد المجاهدين العراقيين الذين اعتمدت عليهم بالأسلحة والإعاشة اللازمة، بل كانت السلطات العثمانية تفتقر إلى وجود خرائط جغرافية خاصة بالعراق(2) .

ومن ثمّ وجد العراقيون أنفسهم، نتيجة ذلك الإهمال العثماني، وجهاً لوجه مع المحتل البريطاني، وهو على مقربة من مدينة البصرة والتي تمثّل بحجمها واحدة من أكبر مدن العراق، وأكثرها أهميّة لأمنه واقتصاده وثرواته الطبيعية والبشرية، وتمثّل بماضيها حاضرة عربية إسلامية شهيرة، ذات تأثير فاعل في خلق الكيان الحضاري للعرب

____________________

(1) ينظر: تاريخ العراق بين احتلالين. 8/262 - 267، ويذكر العزاوي في هاتين الصفحتين أنّ هؤلاء الجنود لاقوا عناءً كبيراً، ولحقهم ضرر بالغ من جرّاء سوقهم إلى تلك المناطق النائية، ولم يرجع منهم إلى العراق سوى عدد قليل.

(2) ينظر: محمود شكري نديم، حرب العراق ط7/1814 - 1918، ص15 - 16.

٢٢٠