السيد محمد كاظم اليزدي

السيد محمد كاظم اليزدي2%

السيد محمد كاظم اليزدي مؤلف:
الناشر: ذوي القربى
تصنيف: شخصيات إسلامية
الصفحات: 813

السيد محمد كاظم اليزدي
  • البداية
  • السابق
  • 813 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 287907 / تحميل: 13167
الحجم الحجم الحجم
السيد محمد كاظم اليزدي

السيد محمد كاظم اليزدي

مؤلف:
الناشر: ذوي القربى
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

علماء النجف عند خروجهم إلى جبهة العمارة لمدافعة الاحتلال البريطاني عن ثغور الإسلام في الحرب العامة عام ١٣٣٤هـ.

الجالسون من اليمين إلى اليسار: الشيخ مهدي بن الملاّ كاظم الآخوند الخراساني، الشيخ محمد جواد الجواهري، السيد محمد سعيد الحبّوبي، السيد مصطفى الكاشاني وخلفه نجله السيد أبو القاسم الكاشاني، السيد علي الداماد، السيد محمد بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، السيد محمد علي بحر العلوم وخلفه...؟، الشيخ إسحاق الرشتي.

٢٦١

العلوي في شأن العلوم، وتكلّم كذلك السيد أحمد ثم المتصرّف محمد حمزة. ثم أُعطي العلم إلى السيد محمد علي وجماعة أولاد المجتهدين، وقد باتوا في الكوفة ليلة السبت.

وفي ضحى يوم السبت ١٢ محرّم سنة ١٣٣٤هـ، قدم الكوفة مجاهدو شقّ العمارة من أهل النجف، قائدهم سلمان أبو غنيم ومحمد أبو گلل أخو عطية، وورد أيضاً كثير من فرسان بني حسن المجاهدين.

وفي عصر هذا اليوم شخص العلماء، وأبناء المجتهدين، ومحمد فاضل باشا، والمتصرّف، وبقيّة المستخدمين، وكثير من حَمَلة السلاح المجاهدين من أهل النجف والكوفة بالعَلَمين العلويين الأول والثاني إلى مسجد الكوفة، استقبل بهما محراب الأمير المشهور فيه، وتلا، ثم دعاء الثغور المأثور عن زين العابدين (ع)، وتكلّم آخرون، وعطعط جمع من المجاهدين، وقد أخذت صورة الجميع منشورة بينهم الأعلام مرتين. وقد أكثر الطلاّب والعلماء من أعمال مسجد الكوفة المندوبة المناسبة لمقتضى الحال، وورد هذا اليوم أيضاً السيد محمد بن السيّد كاظم اليزدي وجماعته لهذا الوجه الذي توجّه إليه العلماء.

وفي يوم الاثنين ١٣ محرّم سنة ١٣٣٤هـ، تحمّل القوم في الحرّاقات ( المراكب ) وأصعدوا في الفرات. وممّا يستوقف الأنظار ويسترعي الأفكار أنّ الروحانيين والمجاهدين الذين نهضوا في العام الماضي من النجف وديار الفرات زايلوا ديارهم منحدرين إلى عراق البصرة، في مثل هذه الأيام على هذه الهيئات، أمّا اليوم فقد فعلوا ذلك لكنّهم مصعدين لا منحدرين في الفرات إلى بغداد وأعالي العراق، فسبحان مقلّب الأحوال، على أنّ هناك فوارق كثيرة بين النهضتين.

وقد بلغ عدد الحرّاقات التي تحمّلوا فيها زهاء ٣٠ حرّاقة، باتت تلك الليلة أمام ( الكفل )، وقد لحقت بها في منتصف الليل حرّاقات باقي النجفيين وهم من شق المشراق، قائداهم الشيخ مطلق وشباده، ومن البراق قائدهم السيد هادي الرفيعي، ومن الحويش قائدهم حسين الشافعي، وكانت للقوم خيل وبغال نشاهدها أحياناً بشاطئ الفرات وهي قليلة، ومنهم أيضاً الرماحية، عقيدهم عباس العليّ، وهم أعد النجفيين نفوساً.

وفي صباح يوم الاثنين ١٤ محرّم أقلعت الحراقات من الكفل، وكانت الريح

٢٦٢

مساعدة، فوردوا طويريج الساعة ١١ من ذلك اليوم، وأنزل العلم، معه جماعة من الطلاب وأبناء المجتهدين والمتصرّفون والمستخدمون، وعطعط أمامهم النجفيون، ثم ساروا به توّاً وقد تجمهر الناس إلى رحبة دار الحكومة، وتكلّم الأعظمي، وقد وصل بعد القوم إلى طويريج محمّد فاضل باشا عن طريق البريّة ومعه ٢٥٠ فارساً من مجاهدي بني حسن المجهّزين، على أن يلتحق بهم بقيّة الفرسان منهم.

وفي يوم الثلاثاء ١٥ محرّم سنة ١٣٣٤هـ، اجتمع الناس في رحبة دار الحكومة في طويريج، وحضر العلماء وأبناء المجتهدين، والطلاب، ومحمد باشا بالعلم العلوي، وتكلّم في تقصير الناس وانقطاع أعذارهم شيخ الشريعة الأصفهاني ووعظ عظة حسنة.

ثم رقى المنبر السيد محمد بن السيد اليزدي، وخطب القوم وبلّغ عن تأكيد وجوب الدفاع واستخص الحاضرين، قائلاً:

أدعوكم فنادوني ( لبّيك ) فنودي ( لبيك لبيك من أطراف نجد )، وكان لخطبته تأثير بليغ.

وفي عصر هذا اليوم ورد طويريج عن طريق البرية سعد الحاج راضي النجفي وأولاده الثلاثة، وجماعة من الشمرت.

وفي يوم الأربعاء ١٦ أقلعت حرّاقات القوم من طويريج ناشرة القلاع، ولمّا صرنا بحيث لا نسمع وغر المدينة، سمعنا صدى المدافع متنقّلاً من ضفاف دجلة إلى ضفاف الفرات.

وفي الساعة ١٠ من هذا اليوم في السدّة، وافترق القوم نازلين على عدوتي الفرات، وشاهدوا السدّة وبديع ما صنعت الهندسة العلمية الحديثة، ووقفوا باهتين معترفين بالجهل أمام أعظم آثار العلم والمعرفة التي ظهرت في العراق إلى الآن، وألقى في روعهم العجز عن مماتنة الأيدي التي قامت بهذا الأعمال.

ووصلت إلينا ونحن في السدّة الأخبار الكثيرة، تعرب عن انتصار العثمانيين وظهورهم على الإنكليز ظهوراً عظيماً في حروب سلمان باك، والجزيرة التي بدأت في

٢٦٣

يوم ١١ محرّم ستة ١٣٣٤هـ(١) .

وما زال ركب المجاهدين مستمرّاً في مسيرته، لحقت بهم في الأيام التالية جماعات أُخرى من أهالي المدينة. وقد استقبل الجميع بحفاوة بالغة من قِبل إدارة الولاية في بغداد، التي انتدبت لاستقبالهم لجنة من علماء بغداد ورجال الدين فيها، وعدداً من ضبّاط الجيش العثماني. وحضرت حفل استقبالهم ثلة من الدرك والشرطة، ثم استقبل العلماء منهم في مقر إدارة الولاية معاون والي بغداد، الذي قبّل العلم الحيدري وأشاد ببركاته ويمنه(٢) .

وقد مكث السيد محمد اليزدي والعلماء وأهالي النجف في الكاظمية، بانتظار أن تقوم السلطة العثمانية بإعداد وسائل سفرهم إلى الجبهة، التي كانت آنذاك في الكوت، حيث حُوصر فيها الجيش البريطاني. ولكنّ مكوثهم طال حتى منتصف شهر شباط من عام ١٩١٦. وكانوا خلال تلك المدّة يتوقّعون المسير إلى الجبهة بين يوم وآخر. فعقب الوصول إلى بغداد مباشرة زار السيد محمد اليزدي في الأول من كانون الأول ١٩١٥ مستشفيات الهلال الأحمر في بغداد، وقدّم الهدايا للمرضى الراقدين فيها(٣) . وبعث إلى أخيه السيد محمود في النجف رسالة مؤرّخة في ٢٩ محرم ١٣٣٤/ ٧ كانون الأول ١٩١٥م، يخبره فيها بأنّهم بانتظار السفينة التي ستقلّهم ( غداً أو بعد غد إن شاء الله )(٤) .

ولكنّه يبدو أنّ السلطات العثمانية كانت قد تراجعت عن المضي قدماً في الحملة، التي دُعيت بحركة الجهاد الثانية، بعد الشروع بها مباشرة؛ لعدم حاجتها إلى المقاتلين بعد الانتصارات التي أحرزتها على القوات البريطانية آنذاك، والإمدادات النظامية التي كانت تردها من الأناضول. فبعد أربعة أيام من تحرّك جموع العلماء والمقاتلين من النجف، انسحبت القوات البريطانية جنوباً باتجاه الكوت، بعد معارك حامية الوطيس

____________________

(١) مذكّرات الشبيبي ص٢٥١.

(٢) السيد گاطع العوادي ص٨٥ - ٨٦. مذكّرات الشبيبي ص٢٣٦ - ٢٥٤.

(٣) نفسه، ص٢٦٠.

(٤) النجف الأشرف وحركة الجهاد، ص٨٧.

٢٦٤

خاضتها مع القوات العثمانية في منطقة ( سلمان باك ) جنوبي بغداد(١) . وكانت ترد على تلك الجموع الأخبار، وهي في طريقها إلى بغداد، بانتصارات كبيرة كان يحرزها الجيش العثماني في ملاحقته للبريطانيين المنسحبين من سلمان باك(٢) . ومن ثمّ فقد أهملت السلطات العثمانية أمر العلماء والمقاتلين الذين وصلوا بغداد، بعد أن أحتفت بمقدمهم بصحبة العلم الحيدري احتفاءً كبيراً، ولم تقم بتسفيرهم أوانية إلى الجبهة. وعدّت - كما يبدو - حركة الجهاد الثانية، التي ميّزتها مصاحبة العلم هذا لها، دعماً معنوياً لها فحسب.

ونتيجة لذلك بدأ المقاتلون النجفيون - دون العلماء - بالتسرّب شيئاً فشيئاً من الكاظمية والرجوع إلى مدينتهم(٣) . وكان بعضهم، بعد هروبه من الكاظمية، يسلك طرقاً غير مألوفة ابتعاداً عن أعين السلطة، ممّا عرّضه للمتاعب والمشاق. إذ ينقل الشيخ محمد رضا الشبيبي في مذكّراته أنّه ( في يوم ٦ صفر فرّ من الكاظمية نحو ثلاثين من مجاهدي النجفيين، وأثخنوا في طريق غير ناهجة إلى الفرات، فعدا عليهم فريق من زوبع وجرحوا جماعة منهم، ثم جرّدوهم السلاح )(٤) .

وقد حاولت السلطة العثمانية أن تجد مخرجاً لموضوع العلم والسائرين به إلى جبهات القتال، بعد أن انتفت آنياً حاجتها إليه وإليهم، فبعثت لهم في الكاظمية متصرّف كربلاء حمزة بك، ليفاوضهم في الذهاب إلى إيران لتحشيد الإيرانيين، وحثّهم على قتال الروس، الذين كانوا يطلبون من الإيرانيين الاشتراك معهم في الحرب. ولكنّ هؤلاء لم يستجيبوا لطلب الروس، وكتبوا إلى علماء العراق يستغيثون بهم من ضغوط الروس(٥) . ولم يحسم العثمانيون موضوع العلم وحملته إلاّ حسماً ( بروتوكولياً ) شكلياً، بعد تعيين خليل بك والياً على بغداد، وقائداً عاماً

____________________

(١) تحرّك العلماء والمقاتلون من النجف بتاريخ ٢١/١١/١٩١٥، وانسحبت القوات البريطانية من موقع معركة ( سلمان باك ) في ٢٥/١١/١٩١٥.

(٢) تنظر: مذكّرات الشبيبي، ص٢٥٢ - ٢٥٣.

(٣) مذكّرات الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء ١٩١٤ - ١٩١٥م، ص٣٧٧. مذكّرات الشبيبي، ص ٢٨٧، ٢٨٨.

(٤) مذكّرات الشبيبي ص٢٧٩.

(٥) تنظر: مذكّرات الشبيبي، ص٢٨١ - ٢٨٢.

٢٦٥

للقوات العثمانية في العراق في ١٢/١/١٩١٦م(١) .

فقد وردت برقية منه وهو في جبهة الكوت إلى معاون والي بغداد في أواخر ربيع الأول سنة ١٣٣٤هـ، الموافق لأوائل شهر شباط سنة ١٩١٦م، يطلب فيها أن يفد العلماء عليه ومعهم العلم الحيدري لأيام معدودة. ولمّا كانت نوايا العثمانيين قد اختلفت بشأن حركة هؤلاء العلماء كما تبيّن لنا، وكان وضعهم العسكري جيّداً لا يتطلّب الاستعانة بهم، إذ نجح العثمانيون آنذاك لأكثر من شهرين في التضييق على عدوّهم المحاصر في الكوت، فإنّ العلماء قد ارتابوا فيما يبدو من دوافع طلب خليل بك وأهدافه، ( وبعد المراجعات واستطلاع أفكاره الموفّقة، أبلغ بأنّ القصد من هذه الحركة المباركة ملاحظات ثلاثة:

الأُولى: أن يتعرّف إلى العلماء ويعرّفهم بأشخاصهم، كي يجتمع شرف السماع والعيان لديه.

الثانية: أن يستمد النصر من الله سبحانه للجنود الإسلامية ببركات روحانيّة العلم الشريف، وأنفاس أعلام الشريعة المقدّسة.

والثالثة: أن يتذاكر شفاهاً مع تلك الذوات فيما يعود إلى المسألة الإسلامية )(٢) .

وبعد الاطمئنان إلى هذا الجواب أقلّت العلماء من بغداد - ومنهم السيد محمد اليزدي - إلى جبهة الكوت باخرة خاصة تُدعى ( برهانية ) في ١١ ربيع الثاني ١٣٣٤هـ / ١٦ شباط ١٩١٦م، حاملين معهم العلم الحيدري. وكان السيد محمد اليزدي عند سفره من الكاظمية مريضاً(٣) ، فأبرق إلى والده في النجف حين وصول الباخرة بعد يومين من السفر إلى جبهة الكوت، يطمئنه ويخبره عن حسن استقبال القائد خليل بك للعلماء، ويصف له قوة الجيش العثماني وانتظامه مما يبعث الثقة بالنصر المؤزّر(٤) .

وبعد إجراءات تظهر احترام العلماء والعلم الحيدري الذي تشرّف بقدومه الجيش

____________________

(١) بخصوص تاريخ تعيين خليل بك ( باشا فيما بعد ) ينظر كتاب: الإدارة العثمانية في ولاية بغداد، ص ٤٢٤.

(٢) مذكّرات الإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، ص٣٧٧.

(٣) مذكّرات السيد گاطع العوادي، ص١٢.

(٤) يراجع نص البرقية: مذكّرات الشبيبي، ص٣١٣.

٢٦٦

العثماني فأطلقت مدفعيّته عدّة قذائف بهذه المناسبة على مواقع العدو، وبعد شرح قام به القائد خليل بك لسير المعارك من خلال الخرائط والرسومات، وتوضيح موقف القوات العثمانية، وزيارات ميدانية لبعض القطاعات ومواقع المعارك، والاطلاع على غنائم الجيش العثماني، وشهود بعض المعارك حيّة بين العثمانيين والبريطانيين(١) . وقد استغرق ذلك كلّه اثني عشر يوماً أذن بعدها خليل بك للعلماء بالانصراف، فانحدر بعضهم إلى الجنوب وعاد الآخرون، ومنهم السيد محمد اليزدي، في ٢٣ ربيع الثاني ١٣٣٤هـ / ٢٨ شباط ١٩١٦ إلى الكاظمية، فوصلوها على ظاهر الباخرة ( حميدية ) في ٢٥ ربيع الثاني ١٣٣٤هـ / آذار ١٩١٦م(٢) .

وفي الكاظمية تعرّض السيد محمد اليزدي إلى حمّى عالية، ووجعاً شديداً تحت أضلاعه اليمنى، وأُحضرت الأطباء، فقيل ذات الجنب، وقيل ذات الرئة، وقيل غير ذلك، ولم يزل يشتد مرضه إلى ليلة الثلاثاء ٢٨ رجب ١٣٣٧هـ، وقبل الفجر لبّى نداء ربّه وانتقل إلى رحمة الله(٣) .

نفقات المجاهدين:

كان علماء الدين والمجاهدون يعتمدون على إمكاناتهم الخاصة في تغطية نفقات الجهاد، وفي ذلك شاهد كبير على مدى تفاعلهم مع حركة الجهاد، وإيمانهم العميق بضرورة التصدّى للاستعمار البريطاني. فمثلاً قدّمت القيادة العثمانية للسيد الحبوبي ألف ليرة، وقيل خمسة آلاف(٤) لصرفها على شؤونه وشؤون المجاهدين، فرفض ذلك بإصرار قائلاً: ( إنّي مكلّف بالتضحية في مالي ونفسي، فإذا نفد المال بقيت نوبة النفس، اعتبروني جندياً من الجند آكل ممّا يأكلون وأشرب ممّا يشربون، وجهاد النفس أفضل، لا، لا أقبل درهماً واحداً وقائد الجيش أعرف بمواقع الصرف، ولا أسمح لكل أحد أن يفاتحني في هذا الشأن )(٥) .

____________________

(١) للتفاصيل تراجع: مذكّرات الإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، ص٣٨٠ - ٣٨٤.

(٢) تنظر: مذكّرات الشبيبي، ص٣١١، ٣١٣، ٣١٨.

(٣) مذكّرات الإمام كاشف الغطاء، ملحق كتاب: النجف الأشرف وحركة الجهاد، ص٣٨٤.

(٤) شعراء الغري، ٩/١٥٠.

(٥) الحقائق الناصعة في الثورة العراقية لسنة ١٩٢٠ ونتائجها ١/٣٩.

٢٦٧

والمعروف أنّ السيد مهدي الحيدري أيضاً لم يأخذ من العثمانيين مساعدات ماليّة، وهو الذي كان يتزعّم المجاهدين في الخطوط الأمامية(١) ، ويصرف من ماله الخاص.

إنّ حضور المجاهدين العراقيين من أبناء العشائر، وغيرهم، في ساحات القتال تحت قيادة علماء الدين؛ يكشف عن الوعي العام في تشخيص الخطر الذي يتعرّض له العالم الإسلامي من القوى الاستعمارية، وهو في الموقف الذي سبقته مواقف مماثلة عام ١٩١١م وعام ١٩١٢م، عندما احتلّت روسيا شمال إيران واحتلّت إيطاليا ليبيا. فلقد كان علماء الدين يتعاملون مع الحدث من بُعده الإسلامي دون سواه(٢) .

إنّ موقف النجف الأشرف خلال الحرب العالمية الأُولى، يمثّل تجربة غنيّة في التاريخ الإسلامي المعاصر، ويكشف عن دور العامل العقائدي في تحديد الموقف العام الثابت إزاء الأحداث السياسية، وهذه صفة اتسم بها التأريخ الإسلامي على امتداد مراحله المختلفة(٣) .

وللشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، تلميذ السيد اليزدي، وأحد المقربين إليه، وموفده إلى جبهة الحرب مع ولده السيد محمد اليزدي، مذكّرات سجّل فيها دقائق الرحلة ومجرياتها، أسماها: ( رحلة الجهاد ) أوردناها ملحقاً في آخر الكتاب.

جبهة الصليخ:

جاء في مذكّرات ناجي شوكت ص٣٨، وصف لجبهة أُخرى في مقاومة الاحتلال البريطاني، ولكنّها في منطقة الصليخ ببغداد!

يقول المغفور له ناجي شوكت:

( كنت خلال هذه الفترة أتردد على دار العم مراد سليمان في أغلب الليالي. وكانت الدار المذكورة تضم من المداومين الدائمين السادة: جميل صدقي الزهاوي، وأحمد القيماقچي، وعزّت الفارسي، وعبد الرزاق الشيخ قاسم، والدكتور سامي سليمان. وكان الزهاوي يسمعنا من شعره كل طريف ولذيذ، كما كان يسمعنا عن آرائه في الكون والعلم كل غريب، أما القيماقچي فكان يبتكر لنا الحكايات المضحكة التي تدخل

____________________

(١) الإمام الثائر السيد مهدي الحيدري، ص٤٤.

(٢) انظر: دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار، ص١٠٣.

(٣) انظر: ن. م ١٠٨.

٢٦٨

السرور على قلوبنا. وعنّت لنا فكرة يومذاك، أن نقيم مأدبة عشاء، تعقبها سهرات في ليالي الجمع، وذلك في دار مراد بك الواقعة في الصليخ ( وقد هُدمت هذه الدار بعد اقتران السيد رشيد عالي الگيلاني من كبرى كريمات مراد بك، وحكمت بك، وكامل مهدي باشا، والدكتور سامي سليمان، وصاحب هذه المذكّرات. فكان على كل منّا أن يرتّب مستلزمات الحفلة ويهيّئ الطعام، والشراب والمطربين ( چالغي بغداد )، وله أن يدعو بعض الأصدقاء، كل ذلك على نفقته الخاصة، وكانت هذه النفقات لا تتجاوز الخمس ليرات ذهبية، ( يا للبلاش ) على الرغم من امتلائها بالقوزي المحشي، والسمك المسقوف، والأكلات النادرة، والنقل والشراب، وكان الزهاوي ينقلب في مثل هذه الليالي التي تمتد حتى الصباح، إلى شخصية أُخرى، لا تمت إلى العلم والشعر بصلة، وعند الفجر كنّا نشكّل دائرة ( حلقة ) حول الزهاوي - رحمه الله - ونردّد الأغنية المعروفة ( يا مسعد الصبحية ) حتى إذا أخذ التعب من كل منّا مأخذه، ذهب إلى سريره، ليأخذ قسطاً من النوم والراحة، ومن ثم نعود إلى بغداد. تلك هي الحياة التي كنّا نحياها، على الرغم من أنّ نار الحرب كانت مستعرة، وحالة الطوارئ معلنة في جميع الأرجاء، فكانت هذه السهرات الملاح تنسينا بعض تلك الويلات. وقد مرّت تلك الذكريات والأيام بسرعة خاطفة ).

٢٦٩

حادثة حمزة بك في كربلاء ١٣٣٣ - ١٣٣٤هـ

وموقف السيّد اليزدي

عندما خضعت الحكومة العثمانية في أواخر أيامها، حتى أُطلق عليها اسم - الرجل المريض - وصارت تتبع سياسة التتريك لسائر القوميات التي تحكمها، فأبى العرب أن يخضعوا لها، وزاد هذا السبب على سبب آخر، هو دخول هذه الدولة المنهارة الحرب بجانب ألمانيا ضد الحلفاء عام ١٩١٤، ممّا أجبرها على إعلان النفير العام، وتجنيد كافة الشباب في الجيش استعداداً لخوض الحرب، ولكن أبناء كربلاء أخذوا يفرّون من الجيش ويختفون في البساتين عن أعين ( الجندرمة )(١) ، ويقوم هؤلاء بمهاجمة مخافر الجندرمة وإطلاق الرصاص عليها، وأصبحوا مصدر قلق يقضّ مضاجع الحكومة، وعقدوا اجتماعات عديدة انتهت بإعلان العصيان على الحكومة، وطردها من البلد بمساعدة أهالي النجف(٢) . وكان لهم ما أرادوا، ففي ليلة النصف من شعبان ١٣٣٣هـ، وبينما كانت كربلاء تغصّ بآلاف الزائرين الواردين إليها من الأطراف - كعادتهم سنوياً - هاجمت جماهير غفيرة من أبناء كربلاء والنجف(٣) والعشائر والفارّين من الجيش دورَ الحكومة والمستشفى الحسيني، وثكنة الجند، وثكنة الخيّالة الجندرمة، وأحرقوا بلدية كربلاء، وهمّوا على السجن وأخرجوا المسجونين، وانتهبوا دوائر الحكومة(٤) وبيوت الموظّفين، ففرّ المأمورون والموظّفون أجمع، فجاء المتصرّف ( حمزة بك ) وهو كردي الأصل، شديد الحزم، كثير الدهاء، تمّ تعيينه متصرّفاً لكربلاء في ذي القعدة

____________________

(١) بغية النبلاء في تأريخ كربلاء: للسيد عبد الحسين الكليدار ٤٨.

(٢) يذكر الشبيبي في مذكّراته ص٣٣٣: (... وقد ذهبت من النجفيين إمدادات كثيرة إلى أهل كربلاء، جهّزهم محمد علي كمونة زعيم الكربلائيين، الذي حضر إلى النجف في منتصف جمادى الثانية سنة ١٣٣٤هـ، بعد إيكاله تدبير الفتنة إلى أخيه فخري كمونة، وقد نشبت ثلاثة أيام متوالية ).

(٣) حوادث وحركات كربلاء إبّان الحكم التركي: السيد محمد رضا أحمد آل طعمة - خ -.

(٤) يذكر الشبيبي في مذكّراته ص ٣٣٤: (... وفي يوم ١٢ رجب سنة ١٣٣٤هـ، ويوم الجمعة ١٦ رجب سنة ١٣٣٤هـ ورد المشاهدة ومعهم أحمالهم من المنهوبات التي نُهبت من أهالي كربلاء، لاسيّما من الفرس والسدنة؛ لأنّ السدنة من حزب العثمانيين ).

٢٧٠

١٣٣٣هـ / ١ تشرين الأول ١٩١٦م، مع قوّة، ودخل البلدة من جانبها الشرقي، وتحصّنوا في بعض الخانات والبيوت الحصينة، وصار الطرف الغربي بيد الأهالي، ولم تزل الحرب قائمة بين الطرفين عدّة أيام، وقُتل من الجانبين خلق كثير، وانتهت المعركة بعد قتل ذريع، وخراب أكثر البيوت والمنازل، وهزيمة العسكر، وانتهاب الأهالي أسلحتهم وذخائرهم، وثم طرد الحكومة واستيلاء الثوّار على البلدة(١) .

وفي سنة ١٣٣٤هـ / ١٩١٥م، توسّط العلماء والأشراف بإرجاع الحكومة، وكان الحاج عبد المهدي الحافظ وسيطاً بين الأهلين والحكومة، فعادت الحكومة مشلولة الساعد.

وعلى أثر حادثة كربلاء، وانسحاب الجند والمستخدمين منها، ورد إلى العراق ناظر الحربية ( أنور باشا ) يوم ١٨ رجب سنة ١٣٣٤هـ، فأبرق السيد محمد كاظم اليزدي إليه من النجف يسترعي نظره إلى الحادثة، ويتشفّع عنده لأهل كربلاء والنجف.

وفي يوم السبت ٢٤ رجب ١٣٣٤هـ، وردت برقية جوابية من أنور باشا نصّها: ( مرخجي قوناغ، إدارة تلغراف الحلّة ترسله إلى سيّد محمد كاظم الطباطبائي.

نجيبكم عن تلغرافكم المرسل إلينا بأنّ أهالي النجف وكربلاء خرجوا على الحكومة، وأنّه عاملين مخالفة لرضاء الله ورسوله، ونظراً لحرصنا على الحالة الإسلامية، وحقن الدماء واحترامنا للمجاهدين وعلماء الدين، ورأفة الحكومة بفقراء المحلّين، وشفقتنا عليهم صدر أمرنا لدولة والي الولاية، وقائد جيشها بتمام الرفق عند التعقيب وترتيب المجازاة ).

١٢ مايس

صهر السلطنة ووكيل الخليفة الأعظم

في قيادة الجيوش الإسلامية ناظر الحربية

أنور

وفي ٢٥ رجب سنة ١٣٣٤هـ، وردت كربلاء اللّجنة التي أنفذت من قبل الولاية لمفاوضة الكربلائيين، وأكثرها من علماء الشيعة وفيهم السيّد مهدي السيد حيدر،

____________________

(١) تراث كربلاء ٣٩٠.

٢٧١

والشيخ محمد رضا بن الشيخ محمد تقي الشيرازي، والشيخ عبد الكريم الجزائري، وفيهم الشيخ عبد الحميد خازن مشهد الكاظمين، وحلمي بك معتمد القائد خليل باشا، وحاجب من حجّاب خليل باشا. وقد ائتمروا غير مرّة فأظهر أهل كربلاء الطاعة التامة، وأنّهم ينتظرون عودة حكومتهم غير مشترطين شرطاً، وأبدوا أنّ سبب الفتنة المتصرّف حمزة بك، والقائد عليّ أفندي، ونعمان أفندي الأعظمي، وقالوا: نخشى من أن يسمّم هؤلاء أفكار الحكومة، فأجابهم حلمي بك بأنّي قد اطلعت على أشياء كدّرت وجداني في المسألة، فلا يجدي ما يقول هؤلاء أبداً، وستبقى اللّجنة إلى ورود الجند والمستخدمين الجدد إلى كربلاء(١) .

____________________

(١) مذكّرات الشبيبي ص٣٣٥.

٢٧٢

أحداث النجف بين عامي ١٩١٥ - ١٩١٨

وموقف السيد اليزدي

الثورة على الأتراك ١٣٣٣هـ / ١٩١٥م:

عندما أفتى العلماء بوجوب الجهاد ضد الاستعمار البريطاني خلال الحرب العالمية الأُولى؛ استجاب رؤساء النجف لدعوة الجهاد وتحمّسوا لأداء واجبهم الإسلامي، غير أنّ الانتكاسة العسكرية في معركة الشعيبة في ١٤ نيسان ١٩١٥م، وسوء معاملة الأتراك للمجاهدين، مثّل بداية تحوّل في موقف رؤساء النجف. لقد تصاعدت في تلك الفترة درجة التذمّر من الحكم العثماني، ولجأ الكثير من الفارّين من الخدمة العسكرية إلى مدينة النجف الأشرف.

يبدو أنّ هذا الوضع الجديد ساهم في تكوين اتجاه يدعو إلى الثورة على الأتراك، وظهرت في المدينة منشورات تنادي بأنّ محاربة الحكومة العثمانية أولى من محاربة المشركين. وعلى أثر ذلك، أرسل الوالي إلى النجف قوة عسكرية كبيرة، قوامها ألف من المشاة والفرسان بقيادة ( عزت بك )، للقبض على الفارّين من الجندية ( البلط )، وقُبيل منتصف ليلة السبت ٨ رجب سنة ١٣٣٣هـ / ١٩١٥م، نفذ إلى البلدة من السور، وقد انضم إليهم طائفة من أبناء النجف، وأعطى قائد القوة إنذاراً للأهالي أمده ثلاثة أيام، لكي يسلّم الفارّون أنفسهم. ولمّا انتهت المدّة أخذ رجال الشرطة يتعقّبون الفارّين، ويداهمون البيوت ليلاً ونهاراً، ويتحسّسون أجساد النساء مخافة أن يكون أحد الفارّين قد تنكّر بزي امرأة(١) .

كان من شأن هذه الإجراءات أن تستفزّ الرأي العام، وتولّد ردود فعل عنيفة، لاسيّما مسألة التعرّض للنساء في مجتمع محافظ كمجتمع النجف. وكان من الطبيعي أن تتحوّل ردة الفعل إلى اتجاه اجتماعي وسياسي عام في المدينة، وأن يتصدّى رؤساء النجف للإجراء الحكومي، باعتبار أنّ التجاوز على البيوت أمر يرتبط مباشرة بموقعهم

____________________

(١) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ٤/١٨٨.

٢٧٣

الاجتماعي واعتباراتهم الشعبية، خصوصاً وأنّ الناس في مثل هذه الحالات يلجأون إلى زعاماتهم المحلّية.

في ليلة ٨ رجب ١٣٣٣هـ / ٢٢ مايس ١٩١٥م، اندلعت في النجف ثورة ضد الإدارة التركية، ودارت معارك عنيفة بين الثوّار وبين القوات العثمانية دامت إلى عصر يوم الاثنين ١٠ رجب ١٣٣٣هـ / ٢٤ مايس ١٩١٥م، حيث اضطرّت الحامية إلى الاستسلام، وجُرّدت من السلاح بعد فقدانها جماعة منها فيهم بعض الضبّاط، وطلب القائد والقائم مقام ( بهيج بك ) والمستخدمون الأمان، وجرت مفاوضات توسّط بها خازن المشهد وبعض رؤساء النجف، تمخّضت عن انسحاب القوة وبعض موظفي الحكومة، وبقاء وجود رمزي لها. وتسلّم النجفيون منذ ذلك اليوم أزمّة الحكم في البلدة، واستمروا سنتين كاملتين، انتهت بتمكّن حكومة الاحتلال من محاولة بسط نفوذها على النجف واحتلالها سنة ١٩١٨.

لم يواجه رؤساء النجف مشكلة داخلية في مشروعهم الإداري، بمعنى أنّهم لم يتعرّضوا لردود فعل من أبناء المدينة أو من علماء الدين. ويبدو أنّ موقف السيد اليزدي كان يمكن أن يفهمه رؤساء النجف على أنّه في صالح الثورة، فخلال المعارك أُصيبت مآذن الصحن العلوي الشريف بقذائف الأتراك، ممّا جعل السيد اليزدي يشجب هذا الاعتداء ببرقية أرسلها إلى اسطنبول(١) .

كان موقف السيد اليزدي دقيقاً في حركة الأحداث آنذاك، فالأتراك يخوضون حرباً دفاعية ضد الاستعمار البريطاني، ورغم مؤازرة علماء الشيعة وأبناء العشائر والمدن الشيعية لهم، إلا أنّهم لم يثمّنوا هذه المواقف الكبيرة للشيعة، الذين تناسوا الخزين التاريخي، ووقفوا إلى جانب الأتراك بدافعٍ إسلامي واعٍ.

في مقابل ذلك، فإنّ توسيع نطاق الثورة، واعتمادها كخط سياسي في التعامل مع الحكومة العثمانية، سيشكّل بدون ريب إضعافاً لوجودهم العسكري، وفي ذلك تقوية لأعدائهم البريطانيين.

إذن، فالسيد اليزدي ومعه علماء الشيعة كانوا يقفون إزاء معادلة سياسيّة حسّاسة

____________________

(١) موسوعة العتبات المقدّسة، قسم النجف ١/٢٥١.

٢٧٤

وخطيرة، وقد تعاملوا مع الظرف بطريقة واعية دقيقة؛ وذلك باعتماد منهجين أساسيّين في صياغة الموقف:

الأول: الإبقاء على موقفهم السابق في مواجهة الاحتلال البريطاني، والتصدّي لجيوشه الاستعمارية، كخط شرعي ثابت.

والثاني: الحفاظ على المكسب الاستقلالي الذي حقّقه رؤساء النجف، وإنهاء حالة المواجهة والثورة المسلّحة ضد الأتراك، مع تنظيم صيغة رمزية للعلاقة مع الحكومة المركزية، تحفظ هيبتها وصورتها الرسمية أمام الرأي العام.

ورغم دقّة هذه المنهجية السياسية على المستوى التطبيقي، إلاّ أنّه أمكن تنفيذها بنجاح، بحيث إنّ العلاقة مع الدولة العثمانية لم تشهد تصعيداً جديداً، كما أنّ علاقة السيد اليزدي الوثيقة برؤساء النجف ساهمت في إدارة الشؤون العامّة للمدينة بشكل جيّد، فكانت توصياته تُنفّذ من قِبل الرؤساء، وكان ختم السيد اليزدي يُعتمد في الشؤون الإدارية كالأملاك والعقارات، وغير ذلك من المعاملات التي تتصل بحياة الناس وشؤونهم العامّة(١) .

اهتمّ رؤساء النجف الأشرف بإدارة المدينة، وأوّل عمل قاموا به، إصدار أوامرهم بالمحافظة على الأسعار، وهي مسألة ضرورية في تلك الأيام، كما أصدروا أوامرهم بإعادة تنوير المدينة بالفوانيس وتنظيف الشوارع، وعيّنوا موظفين لجباية الرسوم والضرائب بعد أن خفّضوها إلى النصف. وقد شهدت النجف في تلك الفترة من الإدارة الاستقلالية حركة تجارية نشطة، بحيث صارت مركزاً تجارياً هامّاً تستقطب تجّار بغداد وغيرهم(٢) . فعاشت المدينة فترة ازدهار اقتصادي لم تشهدها تحت الإدارة العثمانية.

لم تكن تجربة النجف الاستقلالية تسير بطريقة منتظمة، فالوضع العام كان جديداً عليها؛ لذلك كانت تحدث مظاهر خلل نتيجة التحوّل الإداري في المدينة. كما أنّ سلطة الرؤساء الأربعة التي تقوم على الأعوان والأتباع، كانت تفرز مظاهر سلبية غير قانونية من قِبل الأشخاص الذين يستفيدون - عادة - من مثل هذه الأجواء، وهي ظاهرة

____________________

(١) دور علماء الشيعة، عن مقابلة مع السيد عبد العزيز الطباطبائي في ٢١ رمضان ١٤١٤هـ / ٤ آذار ١٩٩٤م.

(٢) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ٤/١٩٠.

٢٧٥

مألوفة تشهدها المجتمعات في حالات كهذه. يُضاف إلى ذلك أنّ الفراغ الأمني الذي خلّفه الأتراك، لم يكن من السهولة أن تملأه الإدارة الجديدة، فكانت تقع اشتباكات مسلّحة بين النجف وبعض العشائر المحيطة بها.

النجفيّون وبنو حسن:

إنّ السلطة المستقلّة لرؤساء النجف، دفعتهم إلى توسيع دائرة سلطتهم الجغرافية، وهذا ما خلق لهم أزمات وصلت إلى درجة الاشتباك المسلّح. وقد تمثّلت هذه التجربة في رغبة الرؤساء في ضمّ الكوفة إلى دائرة حكمهم، وهو ما تعارض مع رغبة عشيرة بني حسن المجاورة للكوفة. فتأزّم الموقف بين الطرفين، ووصل إلى معركة دامية بدأت في أوائل جمادى الأُولى سنة ١٣٣٤هـ، حتى صبيحة يوم ١١ منه، حيث تمّ الصلح بين الطرفين.

بعد محاولات أجراها السيد اليزدي لإطفاء هذه الغائلة وإجراء صلح بين الطرفين، حيث ذهب إلى الكوفة عصر يوم الجمعة ٥ جمادى الأُولى ١٣٣٤هـ، ومعه السيد نور الياسري وجماعة من زعماء النجف.

ومكث حتى يوم الثلاثاء ٩ جمادى الأُولى دون أن يعقد صلحاً بين الطرفين.

وأخيراً جرت مفاوضات بين زعماء الطرفين، انتهت بالصلح بين الطرفين، واستوثق كل فريق من الآخر(١) ، لكن هذا لم يدم طويلاً، إذ عاد بنو حسن واحتلّوا الكوفة من النجفيين(٢) .

إنّ مثل هذه الممارسات تقلّل من قيمة التجربة الاستقلالية، إذا نظرنا إليها من منظار أكبر من الاهتمامات المحلّية المحدودة. إنّها تستفرغ المحتوى السياسي للاستقلال بمفهومه الحقيقي، كما أنّها تخدش صورة أول تجربة استقلالية في تاريخ العراق المعاصر.

وقعت معظم هذه الحوادث في الأشهر الأُولى لحكم رؤساء النجف، ولا ريب أنّ ضخامة التحوّل السياسي كان له الأثر الكبير في معظم ما حدث.

* * *

____________________

(١) مذكّرات الشيخ محمد رضا الشبيبي، ملحق كتاب النجف الأشرف وحركة الجهاد ص٣٢٢.

(٢) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ٤/٢١٢ - ٢١٣.

٢٧٦

خلال تلك الفترة، كانت الجيوش العثمانية تعاني من تدهور خطير في معاركها مع القوات البريطانية التي كانت تتقدّم باتجاه بغداد. وقد بعث الإنكليز بجواسيسهم إلى النجف يرغّبون رؤساءها بالاتصال بالإنكليز(١) . لكنّ النزعة الاستقلالية كانت قوية عند بعض الرؤساء، لاسيّما عطية أبو گلل الذي بعث رسالة إلى الإنكليز يحذّرهم فيها من التدخّل بشؤون النجف، ويستفسر عن نوايا الإنكليز بشأن المنطقة، جاء ذلك في تقرير بريطاني مؤرَّخ في ١٩ آب ١٩١٥م / ٨ شوّال ١٣٣٣هـ: ( فيما يلي مقتبس من رسالة وصلتنا أمس من الشيخ عطية أبو گلل، ويسأل فيها عن نوايانا بشأن النجف ومنطقتها، كما يطلب تأكيداً بعدم تدخّل أحد بين الأهالي في منطقة أمير المؤمنين والمنطقة العربية. ويضيف أنّه إذا كانت نيّتنا هي التوجّه إلى ناحيتهم فوراً وبدون قيد أو شرط، فستحدث اضطرابات كبيرة، وتنشأ لهم صعوبات. ويطلب إخبارهم سرّاً عن نوايانا لكي يخبروا رجال القبائل الرئيسيين ويكونوا وسطاء. ويقول كذلك إنّا إذا لم نوافق فستتعقّد الأُمور، وسيضطر أهالي النجف وجميع العشائر للقتال دفاعاً عن دينهم.

حامل الرسالة يفيد أنّ السيد كاظم اليزدي يؤيّد الشيخ عطية في هذا الأمر )(٢) .

الرسالة تعكس الاتجاه السياسي عند عطية أبو گلل وحذره من الإنكليز، فهو يحدّد لهم بشكل قاطع رفضه لأيّة محاولة بريطانية للتدخّل في شؤون النجف الأشرف وغيرها، ويحذّرهم من مغبّة ذلك، ويطلب التعرّف على نوايا الإنكليز بطريقة سريّة؛ من أجل أن يتدارس الموقف مع العشائر، وهو في ذلك يريد حصر المفاوضات به لتأكيد رفضه لتدخّل الإنكليز في شؤون المنطقة ورجالها. ورغم أنّ التقرير يبيّن أنّه يريد التفاوض مع الإنكليز في خصوص نواياهم المستقبلية، إلاّ أنّه يعود ويختتم رسالته بتهديد صريح للجانب البريطاني، بأنّهم في حالة عدم الإفصاح عن نواياهم، فإنّ عليهم أن يواجهوا أهالي النجف وجميع العشائر الذين سيقاتلونهم دفاعاً عن دينهم.

كانت مبادرة عطية أبو گلل تتّسم بالحسم والقوة، مع أنّ الموقف العسكري كان في صالح الإنكليز، وكان الاعتقاد السائد أنّ القوات البريطانية ستخرج الأتراك من

____________________

(١) ن. م ص١٩٢.

(٢) العراق.. نشأة الدولة ص١١٨.

٢٧٧

العراق؛ لكنّه أراد أن يضمن استقلال النجف من موقع قوّة، قبل أن تتحقّق الهزيمة التركية، ويصل الإنكليز إلى النجف.

والمعروف عن عطية أبو گلل أنّه ظل يحتفظ بمشاعر العداء للإنكليز. ورغم محاولاتهم للتقرّب منه بعد احتلال بغداد، ومنحه صلاحيات واسعة لكسبه إلى جانبهم، إلاّ أنّه ظلّ على موقفه العدائي. وقد تسبّب لهم في خلق مضايقات كثيرة قبل أن يترك النجف ليلتحق بعشيرة عجمي السعدون حليف الأتراك.

أدرك الإنكليز حقيقة التوجّه العام في النجف الأشرف، والذي عبّرت عنه الرسالة السابقة؛ لذلك جاء ردّهم حذراً يحاول تهدئة الطرف الآخر، جاء في الجواب:

(... إنّ البريطانيين يكنّون أخلص المشاعر نحو رجال الدين، وأهالي الأماكن المقدّسة، وقد انتهزوا كلّ فرصة للتعبير عنها. وإنّنا سوف نواصل ذلك، ونحن على ثقة بأنّ السيد محمد كاظم اليزدي والشيخ عطية سيكنّان لنا نفس المشاعر، ونرجو أن يتأكّدا أنّه ليس في نيّتنا التدخّل بأيّ شكل من الأشكال في الشؤون الدينية للعتبات )(١) .

إنّ التأكيدات البريطانية، ومحاولات التهدئة التي جاءت في الجواب الرسمي، لم تؤثّر على موقف السيد اليزدي ورؤساء النجف، إذ أعلن السيد اليزدي وبقيّة علماء الدين دعوتهم الثانية للجهاد، دفاعاً عن الدولة العثمانية ضد الاحتلال البريطاني، وذلك في تشرين الثاني محّرم ١٣٣٤هـ / ١٩١٥م.

خلال فترة الدعوة الثانية للجهاد، كانت الأزمة النفسية لا تزال موجودة بين الحكومية العثمانية ورؤساء النجف؛ لذلك لم يتحمّس الرؤساء في البداية لدعوة الجهاد، لكنّهم استجابوا نزولاً عند طلب علماء الدين، وتفاعلوا مع مراسيم إخراج العلم الحيدري من المرقد العلوي الشريف يوم ١١ محرم ١٣٣٤ هـ / ١٩ تشرين الثاني ١٩١٥ م، وأُقيم احتفال كبير في الصحن الشريف حضره علماء الشيعة وأعضاء الوفد العثماني، وجاء حملة السلاح من محلاّت النجف يهتفون بالنصر للدين والدولة(٢) .

عندما وصل المجاهدون إلى الكاظمية، لم يظهر الارتياح على مقاتلي النجف،

____________________

(١) العراق.. نشأة الدولة، ص١١٨ - ١١٩.

(٢) لمحات اجتماعية ٤/٢٣٦.

٢٧٨

ولعلّ المسئولين الأتراك لم يحسنوا التعامل معهم، فعاد قسم منهم إلى مدينة النجف، وقد أعقب ذلك عودة التوتّر بين رؤساء النجف والموظفين الأتراك في المدينة. ففي ١٦ كانون الثاني ١٩١٦م، شاع خبر في النجف مفاده أنّ حكومة بغداد أرسلت قوة كبيرة للانتقام من النجف. وإثر ذلك وقع اشتباك بين حَمَلة السلاح ورجال الشرطة الأتراك. وفي شباط ١٩١٦م أخذ رؤساء النجف يشتدّون في فرض الضرائب على البضائع التجارية.

في ٢٨ جمادى الأُولى ١٣٣٤هـ / ٥ آذار ١٩١٦م، استدعى السيد اليزدي رؤساء النجف إلى مدرسته للاجتماع بهم، وعرض عليهم برقية القائد العثماني العام في العراق، التي وصلته قبل يومين من الاجتماع، وفيها يشكر علماء الشيعة على مواقفهم. ثم طلب منهم السيد اليزدي أن ينهوا الأزمة، ويعودوا إلى طاعتها ووعدهم باستحصال العفو عنهم(١) .

استطاع السيد اليزدي أن ينهي الأزمة بين الطرفين، حيث تنازل زعماء النجف عن جباية الضرائب فيما بعد، وقد ظلّت سلطتهم الإدارية قائمة على المدينة إلى جانب الوجود الرمزي للحكومة.

إنّ هذه المواقف الكبيرة لعلماء الشيعة، والتي تنطلق من إخلاصهم، وفهمهم لمتطلّبات الظرف، وضرورة مساندة الدولة ضد الغزو الاستعماري، لم يقابلها الأتراك بما تستحق من تقدير حقيقي، إنّما ظلّت سياستهم المعادية للشيعة تسير على نمطها القديم. فقد أراد الأتراك الانتقام من مدينة الحلّة على ثورتها التي اندلعت عام ١٩١٥م، ضمن ثورات مناطق الفرات الأوسط في تلك الفترة. وقد فكّر الأتراك أنّ الانتقام من الحلّة سيكون درساً قاسياً لغيرها من المدن، فلا تفكّر في الخروج على طاعة الحكومة العثمانية كما حدث في النجف.

في تشرين الثاني ١٩١٦م، أرسلت الحكومة قوة عسكرية بقيادة ( عاكف بك ) فدخل الحلّة وأخذت قوّاته بحرق وهدم البيوت وقتل الأهالي، ثم نفّذ حكم الإعدام شنقاً بحق

____________________

(١) ن. م. ٤/٢٤٤.

٢٧٩

مئة وستة وعشرين رجلاً(١) . وبلغ عدد القتلى ألف وخمسمئة، وتمّ نفي أعداد من الأهالي بينهم نساء وأطفال، مات قسم منهم خلال الطريق إلى الأناضول(٢) .

كان لهذه الفاجعة صداها المؤثّر على المناطق الشيعية، حيث ظنّت أنّ الانتقام التركي سيصلها أيضاً. وكان من الطبيعي أن يكون هذا الهاجس قوياً في مدينة النجف الأشرف، بعد الذي حصل بينها وبين الحكومة، فعقد رؤساء العشائر القريبة من النجف اجتماعاً في المدينة، ألقى فيه رئيس آل فتلة الشيخ مبدر الفرعون خطاباً حماسياً، دعا فيه الحاضرين إلى عدم طاعة العثمانيين لظلمهم(٣) .

وفي عام ١٩١٦ استطاع أحد الضبّاط الأتراك بمساعدة السيد هادي مگوطر، أن يقنع مبدر الفرعون بالسماح بمرور جيوش تركية إلى عجمي باشا السعدون في البادية، عند ذلك ذهب عبد نور آل فرعون - ابن أخ مبدر - إلى السيد كاظم اليزدي في النجف، وأقنعه على الذهاب إلى الجعّارة لعقد صلح بين آل فتلة والخزاعل، على أساس أن يمتنع الطرفان عن مساعدة أي جيش من الجيوش المتحاربة، وإذا هاجم الأتراك الخزاعل فمن الضروري أن يهبّ آل فتلة لمساعدتهم، وكان شيوخ الخزاعل على اتصال مستمر مع الإنكليز خلال الأشهر الثمانية عشر التي سبقت احتلال بغداد(٤) .

وصلت أنباء هذه التطوّرات إلى المجاهدين من أبناء الشيعة في مناطق القتال ضد الإنكليز، وكان تأثيرها سيّئاً عليهم. هذا ما تبيّنه الوثيقة التالية المؤرَّخة في ١٥ صفر ١٣٣٥هـ / ١١ كانون الأول ١٩١٦م، والمرسلة إلى السيد اليزدي:

( السلام عليك يا مولاي يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

إلى حضرة مولانا وملاذنا حجّة الإسلام، وأبو الأيتام، ومرجع الخاص والعام، جناب السيد سيد كاظم دام بقاه...

بعد تقييل أياديكم الشريفة، نخبر جنابكم الشريف: خرجنا من النجف الأشرف بأمركم قاصدين نصرة الدين والإسلام، حتى إذا وصلنا لواء المنتفك شوّقنا.. وهيّجنا عشايرنا

____________________

(١) تاريخ الحلّة ١/١٦٩.

(٢) لمحات اجتماعية ٤/٣٠٩.

(٣) الحقائق الناصعة في الثورة العراقية ١/٤٥.

(٤) العشائر والسياسة، تقرير سرّي لدائرة الاستخبارات البريطانية ص١١٣.

٢٨٠

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780

781

782

783

784

785

786

787

788

789

790

791

792

793

794

795

796

797

798

799

800

801

802

803

804

805

806

807

808

809

810

811

812

813