السيد محمد كاظم اليزدي

السيد محمد كاظم اليزدي0%

السيد محمد كاظم اليزدي مؤلف:
الناشر: ذوي القربى
تصنيف: شخصيات إسلامية
الصفحات: 813

السيد محمد كاظم اليزدي

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: كامل سلمان الجبوري
الناشر: ذوي القربى
تصنيف: الصفحات: 813
المشاهدات: 198386
تحميل: 7211

توضيحات:

السيد محمد كاظم اليزدي
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 813 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 198386 / تحميل: 7211
الحجم الحجم الحجم
السيد محمد كاظم اليزدي

السيد محمد كاظم اليزدي

مؤلف:
الناشر: ذوي القربى
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

من الفريق الآخر شيء يذكر، وكان الأثر والغليان كلّه للألوية الجنوبية في العراق، دون الشمالية، مع أن الدولة كانت منهم ولهم، وكان النصر بفضل جهود الشيعة وعلمائهم قاب قوسين، وإنما انعكس الأمر من وجهين:

الأول: دسائس الإنكليز وإيصالهم (أبو الخيّال) إلى جيوب بعض الزعماء من رؤساء القبائل بتوسط الخائنين، بل رأس الخونة، في الكويت والمحمّرة، خصوصاً بعض رؤساء العمارة المتصلين بهم صلة الجوار والصداقة.

الثاني: ولعلّه أقوى من الأول، سوء إدارة ضباط الأتراك وقائدي الحملات في الجهات، وفتح مساءلتهم مع المتطوعين المجاهدين، فقد كانت الأطعمة مكدّسة في الأنبارات وعلى ضفتي دجلة والفرات، والفوارس والعربان لا علوفة لديهم ولا قوت عندهم، فإذا جاء جماعة يطلبون الطعام، احتاج إلى معاملات رسمية وأوراق وتحويلات، وإلى أن يجيء الترياق من العراق يكون قد هلك المريض.

ولما انكسرت في الشعيبة وغيرها الجيوش وانسحب الأتراك، أحرقوا ملايين من تلك الأطعمة، واستولى العدوّ على الباقي، حتّى إن جملة من المجاهدين كالمرحوم السيّد محمّد سعيد حبوبي والشيخ باقر حيدر(1) ، قضوا نحبهم وانتقلوا إلى رحمة الله على أثر انكسار الشعيبة؛ غصة وأسفاً من سوء الإدارة واختلال الأحوال، ثم بعد وقعة الشعيبة ومزيريعة ناحية القرنة التي أسر فيها جمع من المجاهدين كالحاج داود أبو التمن وغيره، تجهّز العلماء ثانياً، وكانت المحاربة في الكوت، والقائد خليل باشا المهشور، عم أنور باشا، أو ابن عمه على ما قيل، وسافرت هذه الدفعة بخيام واستعداد، وخدمة واتباع، وكذلك المرحوم السيّد محمّد نجل سيّدنا الأستاذ، وشيخ الشريعة، وجماعة كثيرون من العلماء. ووصلنا إلى ساحة الحرب، حتّى حوصرت الكوت وفيها القائد الإنكليزي (طاوندزند) وقبل التسليم بقليل، رجعنا إلى الكاظمية، وتعرّض المرحوم السيّد محمد بضع أيام، وتوفّي إلى رحمة الله، وكانت العيالات توجّهوا إلى الكاظمية، فرجعنا

____________________

(1) الشيخ باقر ابن الشيخ عليّ بن محمّد بن حيدر: المتوفَّى عام 1333هـ / 1915م. عالم متتبع، اشتغل بتحصيل العلوم الدينية، وكان فاضلاً فقيهاً، مصنفاً بارعاً، شارك في الجهاد عام 1914.

٧٠١

بأولاده وعيالاته إلى كربلاء، وصارت ثورة أهالي كربلاء على الحكومة العثمانية.

والمتصرف آنئذٍ حمزة بيك، فتغلّبت الأهالي وطردوا الموظّفين ونهبوا بيوتهم، وخرّبوا أكثر عمارات المحلة العباسية ونهبوها، وسلّطوا المياه عليها، وكان الإنكليز مشغولاً بحرب الأتراك في الكوت وسنّ الذبان وغيرها، ودسائسه في الداخلية، وتحريك الأهلين على الموظفين متواصلة، ولها الأثر الفعّال، فثارت كربلاء أولاً، وصنعت ما صنعت، ثم ثارت النجف وحاربت قائد الفرقة عزيز بك حتّى فرّقت عساكره، وأسرت القائمقام بهيج بك - العاتي الظلوم - ثم تبعتها الحلّة، وجاءها (عاكف بك) فشنق أعيانها، وأسر نساءها، وهدم بناءها، وكانت رفسة الموت الأخيرة للأتراك، وبعدها بقليل انسحبوا من بغداد، واحتلها القائد الشهير (مود) وذلك في ليلة 15 جمادى الأولى سنة 1335هـ، الموافق 11 آذار سنة 1917م.

وكان الإنكليز بعد أن طرد الأتراك من بغداد، وتملّك العراق، أخذته نشوة الفتح والظفر، وبقي في دار السّلام هو وفلول جيشه ينفض عنه وعثاء السفر والحرب، ويأخذ نصيباً من الراحة. ثم بعد قليل وجّه فكرته إلى الأنظمة السّياسية بعد أن كان الحكم عسكرياً محضاً، فعيّن الحكّام السياسيين للمدن كالحلّة والديوانية وغيرها سوى كربلاء والنجف، فقد استعمل فيهما عادته من الأناة والتمهّل، على قاعدة إنما يعجل مَن يخاف الفوت، ولكن أجلاف..... عند انعزال أشرافها فجاءوا بالحاكم الإنكليزي بلا قيد ولا شرط، ثم بأسرع وقت انقلبوا وثاروا عليه، وعقدوا جمعية سرية فيها بعض المعمّمين، وجماعة من جهلاء (الفريقين)(1) ولم يبرموا الأمر على ما يقتضيه الحزم والحصافة، وهجموا على الحاكم الإنكليزي (مارشال)(2) فقتلوه، وكان بطل رواية

____________________

(1) يعني بذلك الجمعية الوطنية الإسلامية، أو الحزب الوطني الإسلامي، أو حزب الثورة العراقية، ومن أعضائها: الشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ محمّد باقر الشبيبي، والسيّد محمّد سعيد كمال الدين، والسيّد محمد رضا الصافي، والشيخ محمّد باقر الشبيبي، والسيد حسين كمال الدين، والشيخ محمد جواد الجزائري، والسيّد سعد صالح جريو، والسيّد أحمد الصافي، والسيّد محمّد علي كمال الدين، والسيد يحيى الحبوبي، والشيخ محمد علي الدمشقي وغيرهم.

(2) نظراً لكثرة الاضطرابات في النجف، تعين الكابتن (وليم. أم. مارشال) معاوناً للحاكم السياسي للواء عموم الشامية والنجف. وكان الحاكم يومئذ الكابتن بلفور - وقد وصل مارشال إلى النجف يوم 1 / شباط / 1918، وقتله النجفيّون يوم 19 / آذار / 1918.

٧٠٢

هذا الهجوم والفتك الحاج نجم أحد البقالين في النجف(1) .

وفي ذلك اليوم حاصرت الجنود الإنكليزية (النجف) وعملوا حولها الأسلاك الشائكة، ومنعوا عن الأهليين حتّى دخول الماء، فحاربهم من وراء السور رؤساء الأطراف الأربعة، ورءوس هذه المقاومة كان الحاج سعد وأولاده، وكاظم صبّي، وعباس علي الرمّاحي، وجماعة آخرون(2) . أما السيّد مهدي السيّد سلمان(3) رئيس الزقرت(4) ، فكان قد اعتلّ بهم، ويتظاهر بالحياد، ويراود السّلطة سرّاً، واستمر الحصار أربعين يوماً، وصار شرب أكثر أهالي النجف من ماء الآبار المالحة، وشحّت الأطعمة حتّى بلغت حقّه النجف من عشر روبيات، وبهذا المقياس ساير الضروريات من اللّحوم والأدهان.

وبعد أسبوعين تقريباً من بدء الحصار، زحفت الجنود إلى قرب سور البلد لضعف الحامية ونفاذ ذخيرتها، ثم احتلوا جبل الحويش المطلّ على النجف ونصبوا المدافع عليه، وأنذروا المحاربين بالتسليم أو الضرب، وانتظروا مدة عشرين يوماً يحاذرون من ضرب النجف، واتساع لهيب الثورة، وهياج العشاير سيّما وفي النجف المرجع العام لكافة الأقطار، وهو سيدنا الأستاذ السيّد محمّد كاظم السّابق الذكر، وكانت البرقيات

____________________

(1) الحاج نجم بن عبود بن فرج الدليمي المعروف بالبقال: تقطن أسرته في لواء الدليم، ولد من أب عربي من عشيرة المحامدة، ومن أم عربية من عشيرة الخميسات، قطن النجف مع أبيه وإخوته.

لزيادة الاطلاع، راجع كتاب (معلومات ومشاهدات في الثورة العراقية الكبرى لمحمّد علي كمال الدين: ص49) وموضوع (الحاج نجم البقال للمرحوم يوسف رجيب، مج الاعتدال س5 ع4 ص205 - 224/1939).

(2) ومعهم: سعيد مملوك الحاج سعد، ومحسن أبو غنيم، وعلوان علي الرمّاحي، وجودي ناجي، ومجيد الحاج دعيبل، وشمران العامري، والشيخ عباس الخليلي. واتهمت بقتل الكابتن مارشال مجموعة أخرى عددهم (123) أبعدوا إلى الهند. أوردنا أسماءهم في كتابنا (النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال).

(3) توفِّي عام 1348هـ.

(4) الزقرت: تكتل بعض أسر النجف وعشائرها، والتسمية جاءت نسبة إلى الزقر وهو الصقر، ولعلهم كانوا يتصيدون بالصقور أو يصطادونها. وفي اللغة العامية الدارجة إذ قال الرجل أنا زقرتي يعني أني خفيف المؤنة لا عدة لي ولا عيال، ويحتمل أن هؤلاء كانوا بدء أمرهم كذلك، لا سلاح لهم ولا عدة، ومن الأمثال الدراجة باللسان الشعبي (أنا زقرتي ما لحگتني غير تفگتي) ويرأسهم آنذاك السيد مهدي السيّد سلمان.

٧٠٣

تنهال على قائد تلك الحملة من الهند وإيران والأفغان.

وكانت سياسة بريطانيا تحتم عليهم مداراته مراضيه، فكانوا كلّ يوم صباحاً ومساء يرسلون الرسل إليه بشتى الوسائل، أن يخرج معزّزاً إلى شريعة الكوفة، إلى أن تنتهي القضيّة، والتمسوا منّا ذلك أيضاً فأبينا، وقلنا نحن مع أبناء وطننا: إن عاشوا عشنا معهم، وإن هلكوا هلكنا معهم. وكان الإنكليز يلتمسون أن يقبل ما يرسلون من الماء والأطعمة واللّحوم وغيرها، فيأبى أشدّ الإباء، وبعد أن ضاق الخناق، واشتدّ بلاء الغلاء، وشحّت الأقوات على الأهليين، تدخل السيّد مهدي السيّد سلمان في القضية، وفتح باب البلد من ناحية جبل الحويش، وبقي الحصار مستمراً، إلاّ من هذا الباب يدخل منه الماء وبعض ضروريات العيش، وأصرّ الإنكليز على أن يسلّم أهالي البلد المحاربين وقاتلي (مرشال)، وكانوا قد لاذوا بالفرار والتخفّي في سراديب البلد ومخابيها، حيث لم يجدوا وسيلة إلى الفرار إلى خارج البلدة لشدّة الحصار، فرّ السيّد مهدي مع جماعة من الزقرت والشمرت الّذين لم يشتركوا في تلك الأعمال الطايشة، وصاروا مع جماعة من العسكر البريطانية يفتشون البيوت ويقبضون على واحد بعد واحد، حتّى لم يفلت منهم أحداً، وبلغ عدد المقبوضين أكثر من ائة وخمسين، وساقوهم إلى الديوان العرفي الّذي عقدوه في الجسر، وكلّ أعضائه من قوّاد الإنكليز، فحكموا على بضعة عشر نفر بالشنق، وعلى جماعة التسفير إلى هنجام وسمربور(1) .

وانتهى الحصار(2) ، ولكن صاروا يفتّشون كلّ مّن يخرج من النجف، سيّما من المعممين؛ خوفاً أن يكون معه كتب الدعوات لتحريض العشائر على الثورة والانتقام للنجفيين من الدولة المحتلة، فكانوا ممّن وجدوا معه شيئاً من هذا القبيل الشيخ أحمد(3) أحد أولاد المرحوم الأستاذ محمد كاظم الخراساني، فأخذوه إلى الجسر

____________________

(1) انظر: قوائم المعدومين والمسفّرين إلى الهند في كتابنا: (النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال).

(2) انتهى الحصار في 23 مايس 1918.

(3) الميرزا أحمد بن الملا محمد كاظم الآخوند الخراساني: عالم جليل، ومدرّس فاضل، ولد عام 1300هـ، له نشاط كبير في القضايا السياسية، فكان ركناً من أركان الثورة العراقية عام 1920، وعين عضواً في الهيئة العليا في حكومة ثورة العشرين، وبعد انتهائها سافر إلى الحجاز مع من سافر، وعاد بمعية الملك فيصل الأول إلى العراق، ولمعارضته نظام المجلس التأسيسي العراقي أبعد إلى إيران مع جماعة من العلماء، توفي في يوم: 19/12/1971.

٧٠٤

وحاكموه في جلسة أو جلستين، وأوشكوا أن يحكموا عليه بالإعدام، فتوسطنا إلى قائد الحملة بلفور(1) وبلغناه أيضاً شفاعة السيّد فيه، فلم يجد بدّاً من إطلاقه، ولو لا ذلك لكان من المشنوقين.

وكذلك تشفّعنا في أشخاص كثيرين فأطلقوا، ونظراً لما ذكرنا من أن سياسية تلك الدولة الغاشمة تقضي عليهم بمجاملة الروحانيين، وعدم إثارة غضبهم، تمكّناً من وقاية نفوس كثيرة من الإعدام وحفظ أموال غزيرة من المصادرة(2) .

وإلى هنا انتهى العقد الرابع، ودخلنا في العقد الخامس وهو دور الكهولة، ودور وقوف حركة النمو ونضج العقل، وحصافة التفكير، وكنت في أوليات الخامسة والثلاثين بعد ألف وثلاثمئة، وتقدّمت بالناس جماعة من الأخيار، أمام جماعة في الصحن والحرم الشريف، وشرعت في درس خارج عنوانه (العروة الوثقى) للسيّد الأستاذ، وشرحته شرحاً مبسوطاً استدلالياً، وكان السيّد الأستاذ قد انحصرت الزعامة الروحانية والمرجعية العظمى في ذلك العصر بشخصه الكريم، وله الحكم النافذ، يُرجع لأخي المرحوم - أعلى الله مقامه - ولي جميع المرافعات، ويمضي حكمنا، والحكومة المحتلة تنفّذ ذلك الحكم طبعاً، وقد تغيّرت بعد الاحتلال الأوضاع، وتبدّل شكل الدنيا وساءت الأحوال، وإن كثرت الأموال، فإن المستعمرين أيام الحرب وأوائل الاحتلال ملأوا بيوت الناس بالأموال، ثم لم يكتفوا بعد قليل بسحبها وسحب فايضها أضعافً مضاعفة، بل سحبوا الأخلاق والشرف والعزّ والكرامة، بل الصحة والسّلامة، فضلاً عن الدين والفضيلة، وبالغوا مكراً وخديعة في إكرام العلماء الروحانيين رؤساء الدين، خاصة للسيّد الأستاذ (قُدِّس سِرُّه) مع شدّة احتقاره لهم وتجافيه عنهم.

كان السير برسي كوكس الشهير(3) ، يكثر من زيارته في الجسر وفي النجف،

____________________

(1) الكابتن أف. سي. سي. بلفور: عيّن حاكماً سياسياً للواء عموم النجف والشامية في 1 تشرين الأول 1917، لعدم استطاعة الوكيل الحكومي من قبل السلطة في النجف حميد خان من تهدئة الوضع واستتباب النظام.

(2) من خلال هذه الفقرة نستشف أن السيّد اليزدي توسط في الإفراج عن كثير من النجفيين والمعتقلين بهذا الحادث.

(3) السير برسي زكريا كوكس: ولد في 20 / تشرين الثاني / سنة 1864، بمقاطعة أسكس، دخل العراق ضابطاً =

٧٠٥

فيجلس على الحصير المتقطع المتلاشي، ويبقى بالانتظار مدّة إلى أن يخرج السيّد ثم يجلس معه قليلاً، ويقوم قبل زائره، ولا يكلّمه إلاّ بضع كلمات، وكان كثير من زعماء القبائل وشيوخ الأطراف في النجف بعد إظهار موالاة الإنكليز قلبوا ظهر المجن له، وتذمروا من أعماله سيّما (دلّي)(1) ، حاكم الديوانية، فإنه أساء معاملة رؤساء القبائل، وكان يعاملهم بسوء المعاملة، ويقابلهم بالاحتقار والمهانة. وكلّما رفعوا شكواهم وطلبوا من معتمد بريطانيا في العراق تحويله، لا يصغي عليهم. فصمّموا على الثورة، وبما أن الثورة لا تكون ذات أثر إلاّ إذا استندت إلى موافقة الزعيم الروحاني والمرجع العام، فكانوا يحضرون - أرى ثلة - ويفاوضونه في الأمر سرّاً وتحت حجب الخفاء، والسيّد (أعلى الله مقامه) لمعرفته البليغة بأحوال أهل العراق، وعدم ثقته بهم، يتنصّل من الدخول معهم ومن مساعدتهم، ويقول: أنا لا آمركم ولا أنهاكم، فدعوني جانباً وملجأ عند الفزع وعدم الفوز لا سمح الله. وبقيت الفكرة تختلج في الصدور، والقوم يحجمون تارة ويقدمون أخرى، كلّ ذلك من عدم موافقة السيّد التي كانت هي الحزم والسّداد.

وفي منتصف رجب سنة 1337، توعّك السيد وأصابته حمّى شديدة، وامتنع عن الخروج للصلاة والدرس، وفي اليوم الثالث من عروض الحمّى عدناه عصراً، وكان لا يأذن بالعيادة إلاّ لقليل من الخواص، فخلى بنا في محلّه الخاص، فكنت وأخي المرحوم(2) والسيد (قُدِّس سِرُّه) ولا رابع معناه إلا الله جلّ شأنه، فقال: أجدني لا أسلم

____________________

= سياسياً عاماً مرافقاً للحملة العراقية من سنة 1914 إلى 1919، وذهب إلى طهران وكيلاً لسفير بريطانيا في طهران من عام 1919 إلى 1920، وعاد إلى العراق مندوباً سامياً لملك بريطانيا من عام 1920 - 1923.

(1) ديلي وليس دلي: الحاكم السياسي للواء الديوانية.

(2) الشيخ أحمد بن الشيخ علي بن محمد رضا آل كاشف الغطاء: من كبار أعلام الفقه والتحقيق والعلم، انتهت إليه الرئاسة العلمية، وبعد من طليعة الفقهاء المحققين، ولد في النجف سنة 1292، وتلقى العلوم عن أفاضل عصره، وانتقل إلى درس الشيخ أغا رضا الهمداني، والشيخ محمد كاظم الخراساني، والسيد محمد كاظم اليزدي، والميرزا حسين الخليلي، واختص بالسيد اليزدي، وتصدى للتدريس والبحث وحضر عليه كثير من أهل البحث والفضل، وكان كريماً جواداً حليماً، توفي في 19 ذي الحجة 1344هـ.

انظر مصادر ترجمته: في بحث (تدريسه وتلامذته).

٧٠٦

من هذا المرض، وإني راحل عن قريب، وتعلمون أن أولادي الذين كنت أعتمد عليهم، وأثق بهم قد رحلوا أمامي، ولم يبق من ولدي من أعتمد عليه، وعليّ حقوق كثيرة، وأموال في البيت وعند التجار وافرة، وأريد أن أوصي إليكم لتفريغ ذمتي وأداء واجباتي. ويعني أولاده الذي كان يعتمد عليهم: ولده الكبر السيد محمد، الذي توفِّي في الكاظمية بعد رجوعه من السفر الثاني الذي سافر للجهاد سنة 1334، وسيد محمود الذي توفِّي بعده بسنتين تقريباً، والسيد أحمد الذي توفِّي قبلهما، هو والسيد حسن بمدة طويلة. فلما ألقى علينا تلك الكلمات، ونعى إلينا نفسه الشريفة، كأنما أطبقت السماء علينا، واسودّعت الدنيا بأعيننا، ثم أخذ (رضوان الله عليه) يشجّعنا ويسلّينا ويناشدنا حق الأستاذية، وأنه لا يعتمد على غيرنا، فطلبنا منه أن يشرك معنا شخصاً أو شخصين للمساعدة ورفع الهم وظن السوء، فأشرك الحاج محمود أغا والشيخ علي المازندراني من وجوه تلاميذه، ثم ألقى عليّ المطاليب التي في نفسه، وأمرني بكتابة الوصية بخطي كي يوقّع عليها، فكتبتها وجئت بها إليه صباحاً، فأمرني بكتابة وصيته وتشتمل على ما في الأولى، وعلى زيادات تجددت في نظره، فكتبتها بخطي وجئت بها إليه عصراً.

وكان قد اشتد مرضه، فبعث الشيخ عبد الرحيم اليزدي - خادمه الخاص - وجمع له جماعة من أعيان تجار النجف من العجم والعرب، وجماعة من طلاّب العلم الأفاضل، وجملة من الأعيان، فحضروا ليلاً، وأمرني فقرأت عليهم الوصيتين، وأمرهم بأن يحرّروا شهادتهم فيها، ووقّع عليهما بخطّه وخاتمه، ثم أحضر الحاكم السياسي الإنكليزي مع العميد حميد خان فشهدا فيهما.

وفي ليلة الثامن وعشرين من رجب مقارن طلوع الفجر، انتقل إلى رحمة الله، وكان من جملة وصاياه: إعطاء الخبز للطلاب ثلاثة أشهر، وطبع تتمات "العروة الوثقى"، وإن زاد المال تطبع "السؤال والجواب"، وإعطاء العبادات والحجج المقيدة في دفاتره، فأنجزنا بتوفيقه تعالى جميع ما أراد.

ولا تزال الوصيّتان وهما بخطّي وتوقيعه وتوقيع الشهود محفوظتين عندي مع دفاتره، وكان كثيراً ما يقع الخلاف والتشاكس بين الأخ المرحوم وبين الوصيين الآخرين ويقف العمل، فأسعى بلطائف التدابير في إصلاحهما والتقارب، إلى أن أنجزت

٧٠٧

الوصايا بأجمعها، وكان المال الكثير قد اختلس في دار السيد، ولم نحصل إلاّ على القليل منه، وسلّمت لنا الأموال التي عند التجار، على أن بعضهم أيضاً جحد الكثير منها.

وانتقلت المرجعية العامة والزعامة الكبرى بعد السيد (قُدِّس سِرُّه) إلى المرحوم الشيخ محمد تقي الحائري، فالتفّت عليه زعماء القبائل ووجدوا منيّة السيد ثمرة الثواب سيَّما وقد كان التفاوت بين الزعيمين في أصل طباعهما بعيداً جداً، فقد كان السيد (رحمه الله) صعب المراس، شديد الشكيمة، في غاية الحذر وسوء الظن، لا يغرّ ولا يخدع. بخلاف المرزا (قُدِّس سِرُّه)؛ لأنه سلسل القياد، سريع الاعتقاد، حسن الظن، فأقنعوه على الموافقة على الثورة واستدرجوه...(1) الستار، وتحرّك أولئك الرؤساء والزعماء فكانت [الفوائد] لهم، والوزر والكفاح على أولئك الأغبياء، وكانت النتيجة لأولئك الذين ما أصيبوا في تلك الحوادث بشوكة، ولا خسروا في الثورة قلامة ظفر. ولا نريد أن نأتي على تفاصيل تلك الثورة وشئونها وشجونها، فإنها تحتاج إلى إفراد مؤلف واسع، وقد كتب كثير من الكتبة فيها، ولكن لم يأتوا على جميع أسرارها ودقائقها، ولا تزال الحقائق مطمورة في الصدور دون السطور إلى يوم النشور، ولكن الغرض أن بعد أن نشبت أظفار الثورة واستعرت الحرب بين قبائل الفرات الأوسط والجنود البريطانية، اشتركنا في القضايا الوطنية واشتغلنا بها، ولما تغلّب الإنكليز ازدادوا بتبعيدنا، فحال الله بينهم وبين ذلك إلى أن توفِّي المرحوم المرزا محمد تقي، ورجعت الزعامة الروحية إلى المرحوم الأستاذ الشيخ شريعة الأصفهاني، وكان في آخر رمق من الحياة، وبعد ستة أشهر تقريباً انتقل إلى دار البقاء...

____________________

(1) موضع النقاط كتابة غير مقروءة.

٧٠٨

الملحق رقم - 2 -

من مذكرات

العلامة

السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني

عن المشروطة والاستبداد

تقديم:

كامل سلمان الجبوري

٧٠٩

٧١٠

السيد محمد علي هبة الدين الحسيني الشهرستاني

صاحب المذك َّ رات

٧١١

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

* هو السيد هبة الدين محمد، علي، بن الحسين العابد، ابن محسن الصراف، ابن المرتضى، بن محمد، ابن الأمير السيد علي الكبير، بن منصور، ابن شيخ الإسلام أبي المعالي محمد نقيب البصرة، ابن أحمد، ابن شمس الدين محمد البازباز، ابن شريف الدين محمد، ابن عبد العزيز النقيب، ابن علي الرئيس، ابن محمد، بن علي القتيل، ابن الحسن النقيب، ابن أبي الفتوح محمد، ابن شريعة الملة الحسن، ابن عيسى، ابن عز الدين عمر، ابن أبي الغنائم محمد، بن محمد النقيب، ابن الشريف أبي علي الحسن، ابن أبي الحسن محمد التقي السابسي، ابن ابي الحسن محمد الفارس النقيب، ابن يحيى نقيب النقباء، ابن الحسين النسَّابة النقيب، ابن أحمد المحدّث، ابن عمر، بن يحيى، بن الحسين ذي الدمعة، ابن زيد الشهيد، ابن الإمام زين العابدين علي، بن الحسين، بن علي بن أبي طالب، الحائري الكاظمي.

* عالم ثائر، وفقيه مجدّد، وأديب بارع.

* ولد في سامراء - العراق - يوم الثلاثاء 24 / رجب / عام 1301هـ.

* قرأ على أبيه مبادئ العلوم ومقدّماتها.

* انتقل إلى كربلاء مع والده بعد وفاة الميرزا السيد حسن الشيرازي.

* وفي عام 1320 هاجر من كربلاء إلى النجف لإكمال دراسته العالية، وحضر على السيد محمد كاظم اليزدي، والشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني، وشيخ الشريعة الأصفهاني.

* انصرف إلى التأليف والكتابة والنشر، وفي سنة 1328هـ، أصدر مجلَّة (العلم)، وهي أول مجلة عربية صدرت في النجف، وأسّس لها مكتبة عامة.

* قام بسفرات في مختلف العواصم الشرقية من عربية وإيرانية وهندية، منها: سوريا ولبنان ومصر والحجاز واليمن وإيران والهند وغيرها، وكان خلال إقامته داعياً للدين ونشر المعارف، وقد استغرقت رحلته هذه ثلاث سنوات 1330هـ - 1333هـ، وعاد في أول رمضان إلى النجف.

٧١٢

* كان في طليعة المجاهدين ضد الاحتلال البريطاني عام 1333هـ / 1914م، إذ تحرّك في أوائل محرم 1333هـ من طريق الفرات بجمع من عشائر آل فتلة وبني حسن والعوابد وغيرهم إلى السماوة، فالمنتفك (الناصرية)، فسوق الشيوخ، إلى أن التحق بالشعيبة من الجناح الأيمن. وهناك مفرزة تحت إمرة (علي بك) و(أحمد أوراق) التحق بهم الوالي (سليمان عسكري باشا) وقد صوّر الحوادث التي وقعت فيها وما أصاب الجيش المجاهد من خذلان بمذكرات أسماها (أسرار الخيبة من فتح الشعيبة)، وقد نشرت في كتابنا السابق (النجف الأشرف وحركة الجهاد 1332 - 1333هـ / 1914م)، كما عاصر أحداث مقتل الكابتن مارشال وحصار النجف، وكتب مذكراته التي عنوانها (حصار النجف وأخبارها). وقد تفضّل نجله الأستاذ جواد هبة الدين المحامي - بتصويرها والتقديم لها ونشرها كتابنا (النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال). ثم عاد إلى النجف بعد انسحاب الجيوش، وقد ألمّ به المرض.

* سكن في كربلاء، وعند اشتعال فتيل الثورة العراقية 1920 كان من طليعة أبطالها والمهيئين لها، وله دور كبير أوردته جميع مصادر الثورة ومذكَّرات رجالها. وألقي القبض عليه وأودع في سجن الحلة العسكري، وأفرج عنه في رمضان 1339هـ.

* أسند إليه منصب وزارة المعارف في أول وزارة شكّلتها الحكومة العراقية 1921.

* كما أسند إليه منصب رئيس مجلس التمييز الشرعي الجعفري.

* وفي عام 1360هـ أسس مكتبة الجوادين العامة في الصحن الكاظمي الشريف.

* توفِّي في يوم الاثنين: 26 / شوال / 1386هـ.

* أعقب: السيد جواد المحامي، والسيد عباس، والسيد زيد.

* من آثاره:

أضرار التدخين، الأمة والأئمة في طرق تعيين خلفاء النبي (ص)، التذكرة في إحياء مجد العترة، التذكرة لآل محمد الخيرة، التنبه في تحريم التشبه بين الرجال

٧١٣

والنساء، تنزيه التنزيل في إثبات صيانة المصحف الشريف من النسخ والنقص والتحريف، توحيد أهل التوحيد، الجامعة في تفسير سورة الواقعة، جبل قاف، حلال المشكلات، الدلائل والمسائل 1 - 5، ما هو نهج البلاغة، المعجزة الخالدة، نهضة الحسين (ع)، الهيئة والإسلام، وعشرات غيرها.

ترجمته في:

أعيان الشيعة 10/261، تاريخ الصحافة 26. الذريعة 2/99، 214، 481، وج3/63، 486 وج4/229، وج5/8 وج6/378 وج8/87 وج10/44، 189، وج11/257، 139 وج12/101، 37 وج14/183 وج16/3، 105 277، وج19/32 وج23/243 وج34/430 وج25/259. ريحانة الأدب 3/274 وج6/350. شعراء الغري 10/65. علماء معاصرين 201. كتابهاي عربي جابي 34، 67، 104 130، 157، 197، 220، 224، 228، 234، 248، 273، 274، 308، 318، 319، 365، 366، 399، 492، 673، 690، 778، 864، 8690، 967، 977، 983، 1003، 1008. مصادر الدراسة 54. مصفى المقال 337. معارف الرجال 2/ 319. معجم المؤلفين العراقيين 3/438. نقباء البشر 4/1413. زندگاني جهار سوقي 227. معجم رجال الفكر والأدب في النجف 2/762.

هذه المذكَّرات:

للسيد هبة الدين الشهرستاني مذكَّرات حول حركة المشروطة والاستبداد، وقد نشرها المرحوم الأستاذ علي الخاقاني ضمن ترجمة السيد الشهرستاني في كتابه (شعراء الغري) 10/79 - 90، ولأهمّيتها وعلاقتها بموقف السيد اليزدي نوردها بنصّها:

٧١٤

نص المذكَّرات

بسم الله الرحمن الرحيم

... يقول علماء الاجتماع إن للحوادث سلسلة فكرية إيجابية، فكل حادث له علاقة بسابقه، وإن لم يتصوره المتصوّر. وإذا لاحظنا هذه الحركة الفكرية الدينية وأمعنا النظر فيها، وجدناها صدى لحوادث تقدَّمتها.

في شهر رجب من عام 1324هـ وردت النجف رسائل من قبل علماء طهران وفيها يستنجدون ويطلبون مشاركة الرأي للفكرة التي بدأوها، وهي المطالبة بايجاد مجلس يركن إليه شاه إيران (وهو مظفر الدين)، ويأخذ بمقرّراته "عين الدولة" (وهو رئيس الوزراء المعروف بالصدر الأعظم) وحكومته، وحاكم طهران العام علاء الدولة، والمجلس يرتكز على فكرة إيجاد عدالة تحترمها الحكومة ولا نتعدّاها، وتكف عن الظلم والحيف الذي لحق الناس من أعمالها واستبدادها. وقد سمّوها (عدالت خانه).

وكان لهذه الفكرة أولاً صدى ضعيفاً عند الحكومة، فلم يعبأ بها عين الدولة، كما لم يهتم بأمرها الشاه مظفر الدين، غير أن العلماء الذين أبدوا الفكرة وسجّلوها في رسائلهم ومضابطهم، واصلوا الأمر بجد واهتموا في انجاح الموضوع مهما كلّفهم من خسارة. وأول عمل إيجابي قاموا به، انسحابهم من مدينة طهران والتحاقهم بمدينة الشاه عبد العظيم التي تعتبر آنذاك حصناً محترماً وحضيرة مقدسة، وعندما دخلوها في رمضان تلك السنة، أخذوا يذيعون مقرّراتهم وأرائهم، [حتى] صار الطلاب المثقفون ومن هم دون مرتبتهم العلمية ينضمون إليهم ويساندونهم، كما التحق بهم فريق من الخطباء والوجهاء الذين يحملون الشعور الديني والعدلي، حتى بلغ عددهم الألف، وبذلك ظهر الصدى وتردد على أذن الشاه وحكومته، وشعر الجميع أن الأمر تطوّر وسيؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، وصاروا يفكّرون في الأمر وفي إيجاد الحلول التي تقضي على هذه الظاهرة الخطرة التي قد تصل في خطرها إلى نسف الدولة وإيجاد غيرها، وشعروا بأن الرأي العام الذي هو صدى العلماء صار يردد بجرأة جرائم الدولة القاجارية وأنواع الظلم الذي قامت به.

٧١٥

أما العلماء الذي تبنّوا الحركة أولاً، جماعة هم:

1 - الحاج سيد عبدالله بهبهاني.

2 - الآقا أمير السيد محمد الطباطبائي.

3 - الحاج شيخ فضل الله النوري.

وأول رسالة بعثوها إلى علماء النجف وهم:

- أبو الأحرار الشيخ ملا كاظم الخراساني.

- والشيخ ميرزا حسين الحاج ميرزا خليل.

- والشيخ عبدالله المازندراني.

- والسيد كاظم اليزدي.

وقد طلبوا فيها إرسال البرقيات والرسائل التي تنصح الحكومة والشاه وتطلب منهم النزول على رغبة العلماء والشعب والكف عن المظالم التي يقومون بها. وفعلاً بادر هؤلاء العلماء ببعث البرقيات والرسائل المؤثّرة والمؤنّبة والناصحة، وكان لها صدّى قوياً في نفس الحكومة، كما أن علماء طهران وجدوا فيها سنداً وقوة للمجاوبة التي حصلت والاتفاق الذي تم بفهم قيمة الهدف وشرفه.

ولأهمية مركز النجف في العالم الإسلامي، فقد أخذت الفكرة أولاً من طهران وتبنتها، وصارت طهران أخيراً صدى إلى النجف الذي هز بوقته عرش القاجار وزلزل مركزه وأوى به، ودارت الفكرة حول محورها الذي أصبح عَلَماً للجميع وأبا للحرية الديموقرطية، وهو أستاذي الجليل الشيخ الخراساني، وآنذاك صار كل إنسان يحمل فكراً نقياً وثقافة واسعة وعقلاً ناضجاً ينظم إلى هذه الحلقة الذهبية التي قلبت تاريخاً واسعاً وخلقت تاريخاً جديداً، وصار الرجال الأبطال وأعلام الدين يهتفون بالخطط التي وضعوها والمقرّرات التي هيّأوها، وبذلك كثر العديد الذي لا أشك بأن الفرد منهم كان أمة، وكان لأخواني الذي انظموا إلى حلقتي الأثر الكلي في ترويج الفكرة وإيصالها إلى أكبر عدد من الناس، فقد أجمع العلماء ورجال الدين على ذلك، وكان في أول الأمر مع الجماعة ومن المؤيدين، غير أن الذين تبنوا الفكرة لم يشعروا ولم يلمسوا منه صدق العمل بالاستمرار فقد كوّنوا بأسلوب غير مباشر جواً معكّراً ضده أدى بالأخيرة إلى تشويش الأذهان نحوه وجفاء الناس له.

٧١٦

واستمرت الحركة من عام 1324هـ إلى عام 1329هـ حيث توفِّي الإمام الخراساني، وفي خلال ذلك اجتمعت الكلمة من قبل رجال الدين، غير أن المفاجئات التي داهمتنا أوجدت تفكّكاً في الصفوف.

وإني كنت استغرب هذه الأسباب والأساليب التي تتولّد في كل يوم، غير أني كنت أعلّل ذلك بأمور، هي: أن السلطتين الإيرانية والعثمانية أخذت تتجاوب تجاوياً سريعاً؛ لأنهما كانتا على طريقة واحدة في الحكم: ألا وهي الاستبدادية المقيتة، وبذلك فقد فاجأت الحكومة التركية الرعايا الإيرانيين بوضع ضرائب عليهم غير منتظرة ولا مأمولة، ممّا حدا بالرعايا الإيرانيين أن يستنجدوا بالعلماء وإن يطالبوا لهم برفع ذلك، والعلماء هنا وَقَعوا في حيرة من الأمر، فهم غير منظورين من الأتراك بصورة رسمية؛ لأنهم من شعب إيران وقد أخلي الظهر، فصارت دولتهم ضدّهم، وهنا اتسع الخرق وحدثت مأساة فضيعة أدت إلى مقتل العشرات من الناس.

وللإنكليز أصبع آخر، هو إدخال نفوذه المعدوم آنذاك في صفوف المسلمين. والواقعة وقعت في كربلاء، وذلك عندما أيس الناس من نجدة العلماء لهم، فصاروا يستنجدون بقنصل الإنكليز، وهو محمد حسن النواب الكابلي القندهاري، وهو بدوره يشّجعهم على التمرّد ويقدّم لهم الضمانات الكاذبة والأساليب المعسولة، وبذلك طمع الناس به وساقهم جهلهم إلى الاطمئنان، فتجمّعوا حول داره وتحت العلم الإنكليزي المئات من الناس إن لم أقل الألوف، وصاروا يعلنون رجوعهم واحتماءهم بشخص القنصل وبالعلم البريطاني، واستمروا في ذلك بعد أن انقطع الطريق ليلاً ونهاراً وجاءوا بأفرشتهم وصاروا يأكلون وينامون في الجادّة أكثر من خمسين يوماً، وبذلك تصوّروا أن الحكومة لا تستطيع طردهم لاستمرار بقائهم، غير أن المتصرّف (رشيد باشا الزهاوي) بعد هذا الزمن أرسل إليهم مدير الشرطة فانذرهم بالارتحال من هذا المكان وفتح الطريق، ولكنّهم كانوا يقابلون الرسول بالاستهزاء والمسخرة، وكانت مدّة الإنذار أسبوعاً واحداً، وبعد ذلك عزّزه بإنذار آخر مدته أربع وعشرون ساعة، وكذلك لم يعبأوا به، وفي الإنذار الثالث الذي كانت مدّته ست ساعات، وهي من أول الغروب إلى نصف الليل، فكل من يجدونه يكون طعمة للرصاص، وأيضاً لم يهتموا بالأمر، وفي ليلة القدر من رمضان جاءت الشرطة وبيدهم البنادق فصوبتها نحوهم، ففي الإطلاقة

٧١٧

الأولى وقع منهم سبعون، والجرحى لا عدد لهم، وفرّ الباقون بعد أن استنجدوا بالنّواب وطلبوا منه فتح الباب ليلوذوا به فلم يجدوا من مجيب ولا مجير.

وبعد أن وقعت هذه الواقعة المؤلمة، والتي أشغلت بال ولاة الفكرة المحترمة وهم العلماء، صارت التعليقات تخلق ساعة بعد ساعة، وصار الخصوم من اتباع الاستبداد يستظهرون على أبطال الديموقراطية، وكانت واقعة كربلا خير وسيلة للتفرقة والتشنيع على جماعتنا، فقد فرّقت بين صفوف العلماء حيث لم يتدخّل شيخنا الخراساني، غير أن الحاج ميرزا حسين والسيد كاظم اليزدي تدخّلا بصورة النصيحة والإنذار حيث بعثا رسلاً، كما تدخّل السيد محمد بحر العوم صاحب البلغة وغيره في نصيحة القوم، فلم يرتدعوا ولم يفد بهم النصح.

وبعد فتك الحكومة العثمانية بأهالي كربلاء، صارت تضايق رجال الدين الذين كانوا يتأسون للحادثة، كما أن القنصل الإنكليزي، وهو النواب، الذي ورّط الناس صار يساند فكرة رجال الدين لتنميتها من جديد، ولكن المتصرّف وقف سداً دون إظهار استياء العلماء بعدم بعث البرقيات والرسائل، غير أن زعيماً دينياً معروفاً وهو السيد علي الشهرستاني المرعشي استطاع أن يفلت بمغامرة لطيفة، وهي تظاهره بالكسل وخروجه إلى بعض الرساتيق للراحة، وبذلك فلت من السياج الذي وضعه المتصرّف على رجال الدين، فقد غادر كربلاء إلى بغداد ودخل السفارة الإيرانية واستطاع أن يعلم السفير عن التصرفات التي أجراها المتصرّف، والقتل الذي حلّ بالرعايا الإيرانيين وصار هذا يستعمل الشفرة مع السلطان وعلماء طهران الذي تحصّنوا في الشاه عبد العظيم، كما استطاع أن يتصل بالوالي ببغداد ويعلمه سوء تصرف المتصرّف وسوء المغبة التي ستجلبها أعماله.

وما أن حلّ شهر المحرم من عام 1325هـ وضح الاختلاف بين أعلام الحركة، وتفككت صفوفهم وصدرت الأوامر من إستانبول بوضع الرصد عليهم، وحجرهم بصورة غير مباشرة، وحجب الصحف عنهم، وهذا الحال أوجب أن ينشق الأمر إلى شعبتين: الشعبة الأولى هي التي لا تزال ترتبط بإيران. أما علماء كربلاء، فقد حصل لهم ربط بإستانبول.

وهذه الحالة أوجبت ضعف علماء طهران لضعف المساندين لهم في النجف

٧١٨

ومصادمة الأتراك لهم، وهذه المصادمة لا أستبعد - كما سبق - أنها نتيجة توجيه الحكومة الإيرانية للحكومة التركية وإفهامها مغبة المصير على الجميع فيما إذا قوت شوكة علماء الدين.

ولما ضعف نفوذ العلماء في الشاه عبد العظيم، انتبه (عين الدولة) ورجاله والشاه مظفر الدين وحاشيته فطلبوا منهم التفرّق في البلدان، والتحاق كل منهم بعمله الخاص، فكان ما أرادوا. غير أن الذين شايعوهم في الرأي من الوجوه والأعيان ورجال البلد أحسّوا بالشر، فتحصّنوا بالسفارة الإنكليزية، وصارت زوجة السفير، وكانت مثقفة تفهمهم أن الطلب الذي تذرّعوا به لا قيمة له، وأن (عدالت خانه) لا قيمة لها، في حين أن الغاية أوسع وأهم من ذلك: بأن تكون المطالبة بإيجاد الحرية والمساواة وإيجاد الشورى والمشروطية، وبعد أن نضجت الفكرة في معظم هؤلاء، انقلبت الأهداف والطلبات إلى هذه العناوين، مما أدى إلى حدوث تطور جديد وفكر جديدة تمتاز عن الأولى بتبلور الفكرة وتنقيحها.

والذي طوّر الأمر ولطفه وبسّطه هي جريدة (حبل المتين) التي تصدر آنذاك بكلكته، فقد كانت لسان حال الأحرار في العالم الشرقي والإسلامي، فكانت تهاجم الحكومة القاجارية وتأريخ القاجار وإثبات معايبهم وظلمهم، كما تطري المجاهدين والمصلحين أمثال السيد جمال الدين الأفغاني الذي وقف في وجه الاستبداد القاجاري والفوضوية القاجارية.

وكانت (حبل المتين) تأتي بغداد بلا رقابة، غير أن وصولها إلى كربلاء والنجف كان عسيراً لوقوف السلطة الإدارية ضدّها وضد الفكرة، ولكن بعض التجار الأحرار وهم الحاج علي أكبر الأهرابي وحاج ملا أحمد اليزدي هما اللذان كانا يوصلانا إلى أصحابنا الذين يتلهّفون عليها بواسطة موادهم التجارية.

وفي الوقف الذي كانت جريدة (حبل المتين) تغذّينا بالمعلومات، كان الصديق الشيخ ضياء الدين النوري يطلب لنا من مصر جريدة (المؤيد) و(اللواء) و(الهلال)، كما يجلب لنا الكتب التي تتضمن سير المصلحين أمثال كتاب (مشاهير الشرق)، وكنا نقف على كثير من الحقائق التي خفيت علينا، فقد وجهت كثيراً من النفوس كما خلقت من الكثيرين مناظرين ومجادلين ومحاكمين لأقوال المأجورين من الخصوم، وما أن تم

٧١٩

عام 1325هـ حتى وجدنا كثيراً من الرجال استعدوا للهجوم عن طريق العلم والمعرفة، والوقوف على كثير من الحقائق التي كانت ما وراء القصور وصار يدير الفكرة بطهران الذوات الذين تحصنوا بالسفارة الإنكليزية.

غير أن الروس بالنظر لخصومتهم المعروفة للإنكليز، رأوا أن الإنكليز قد توغّلوا في صفوف الحكومة والشعب الإيراني، وصاروا يبذرون سمومهم عن طريق إيجاد الوعي، فارتأوا أن ينزلوا إلى ساحات العمل بإيجاد مؤسسات تعارض وتصادم السياسة الإنكليزية، وأن يتصلوا بالشاه محمد علي وجماعة المستبدين، فأسست بطهران وأسست في النجف قنصلية قائمة مشاغبة وقنصلاً فخرياً هو أبو القاسم الشيرواني، وبذلك استطاعوا أن يعملوا بواسطة هذين المركزين، وانظم الشيرواني إلى فريق من الرجال من جماعة السيد اليزدي، وهم الحاج محمود أغا وعبد الرحيم اليزدي خادمه وأمثالهما، وهؤلاء هم الذين استطاعوا أن يستميلوا السيد اليزدي إلى جانب الاستبداد ويفصلونه عن الشيخ الخراساني وجماعته.

وفي خلال عام 1325هـ بدأ النزاع على أشده بين جماعة شيخنا الخراساني والسيد اليزدي، وقويت الخصومة التي بلغت منتهى الوحشية من إيذاء العوام لإخواننا وهيئتنا بتسميم فكرة العوام: من أننا نريد الحرية التي هي ضد الدين، وكثيراً ما كانوا يضربونهم على رءوسهم، وأعتقد أن بعض الشياطين منهم عملوا عملاً سيئاً خدموا فيه جماعة اليزدي بنشرهم إعلاناً ألصقوه على الجدران، رسموا فيه يداً وفيها مسدساً خاطبوا فيه السيد اليزدي وناشدوه النزول على رأي رجال المشروطة. فإنْ لم يفعل، يقتلونه. فكان لهذا الإعلان أثر سيء في نفوس العوام وانتصارهم لليزدي، فقد هاجت عواطفهم واعتبر أن هؤلاء مجرمين يريدون القضاء على ابن رسول الله، وانحاز إلى جنب اليزدي فريقا الشمرت والزگرت، الذين عرفوا بمروقهم عن الدين وقتلهم الأنفس المحرمة واستغلالهم لأموال اليزدي، وأعلموه بأنهم من أنصاره وأعوانه، وصاروا يخرجونه من داره إلى الحرم وهم مدججون بالسلاح ويهتفون باسمه. وعزّز اليزدي مركزه الموقت بجلب أسرة علمية لها مركزها وهم أسرة آل كاشف الغطاء، فقد دعى الشيخ أحمد وأخاه الشيخ محمد حسين وطلب منهما مساندته والتعلق بهما وبآلهما، وبذلك انقطعا عن الحضور في حلقة الإمام الخراساني، بعد أن كانا من الملازمين الثابتين فيها. غير أن

٧٢٠