السيد محمد كاظم اليزدي

السيد محمد كاظم اليزدي9%

السيد محمد كاظم اليزدي مؤلف:
الناشر: ذوي القربى
تصنيف: شخصيات إسلامية
الصفحات: 813

السيد محمد كاظم اليزدي
  • البداية
  • السابق
  • 813 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 287909 / تحميل: 13167
الحجم الحجم الحجم
السيد محمد كاظم اليزدي

السيد محمد كاظم اليزدي

مؤلف:
الناشر: ذوي القربى
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

أمّاالخوارزمي فقد قال: (ثمّ خرجَ من بعده العبّاس بن عليّ - أي من بعد أخيه عبد الله - وأمّه أمّ البنين أيضاً، وهو (السقّاء) فحملَ وهو يقول:

أقـسمتُ بالله الأعزّ الأعظم

وبـالحجون صـادقاً وزمزم

وبـالحطيم والـفنا الـمحرَّم

لـيخضبنّ اليوم جسمي بدمي

دون الحسين ذي الفخار الأقدم

إمـام أهـل الفضل والتكرّم

فلم يزل يقاتل حتّى قتلَ جماعةً من القوم، ثمّ قُتل، فقال الحسين:(الآن انكسرَ ظهري وقلّت حيلتي) (١) .

أمّاابن شهرآشوب السروي فقال: (وكان عبّاس السقّاء قمر بني هاشم، صاحب لواء الحسين، وهو أكبر الإخوان، مضى يطلب الماء(٢) ، فحملوا عليه

____________________

= اللهوف: ١٧٠.

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٤، وانظر: الفتوح: ٥: ٢٠٧.

(٢) قال العلاّمة المجلسي (ره): (أقول: وفي بعض تأليفات أصحابنا أنّ العبّاس لمّا رأى وحدتهعليه‌السلام أتى أخاه وقال: يا أخي هل من رخصة؟ فبكى الحسينعليه‌السلام بكاء شديداً ثمّ قال:(يا أخي، أنت صاحب لوائي، وإذا مضيت تفرّق عسكري! فقال العبّاس: قد ضاقَ صدري وسئمتُ من الحياة، وأريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين.

فقال الحسينعليه‌السلام :فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء) ، فذهبَ العبّاس ووعظهم وحذّرهم فلم ينفعهم، فرجعَ إلى أخيه فأخبره، فسمع الأطفال يُنادون: العطش العطش!

فركبَ فرسه وأخذه رمحه والقِربة وقصد نحو الفرات، فأحاط به أربعة آلاف ممّن كانوا موكّلين بالفرات، ورموهُ بالنبال، فكشفهم وقتل منهم على ما روي ثمانين رجلاً حتى دخلَ الماء، فلمّا أراد أن يشرب غُرفة من الماء ذكرَ عطش الحسين وأهل بيته، فرَمى الماء وقال على ما روي:

يا نفس من بعد الحسين هوني

وبـعده لا كُـنتِ أن تكوني

=

٤٠١

وحملَ هو عليهم وجعل يقول:

لا أرهبُ الموتَ إذا الموت رقى(١)

حتى أُوارى في المصاليت لُقى(٢)

نـفسي لنفس المصطفى الطهر وقا

إنّـي أنـا الـعبّاس أغـدو بـالسقا

ولا أخاف الشرَّ يوم الملتقى

ففرّقهم، فكمنَ له زيد بن ورقاء الجهني من وراء نخلة، وعاونه حكيم بن طفيل السنبسي فضربه على يمينه(٣) فأخذَ السيف بشماله، وحملَ عليهم وهو يرتجز:

واللهِ إنْ قـطعتُم يـميني

إنّي أُحامي أبداً عن ديني

وعـن إمامٍ صادق اليقينِ

نجل النبيّ الطاهر الأمينِ

فقاتل حتّى ضعُف، فكمنَ له الحكيم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه

____________________

=

هـذا الـحسين وارد المنونِ

وتـشـربين بـارد الـمعينِ

تالله ما هذا فعال ديني

ومَلأ القربة، وحَملها على كتفه الأيمن، وتوجّه نحو الخيمة، فقطعوا عليه الطريق، وأحاطوا به من كلّ جانب، فحاربهم حتّى ضربه نوفل الأزرق على يده اليمنى فقطعها، فحملَ القربة على كتفه الأيسر، فضربه نوفل فقطع يده اليسرى من الزند، فحملَ القربة بأسنانه فجاءه سهم فأصاب القربة وأُريق ماؤها، ثمّ جاءه سهم آخر فأصاب صدره، فانقلب عن فرسه وصاح إلى أخيه الحسين: أدركني! فلمّا أتاه رآه صريعاً، فبكى وحمله إلى الخيمة..). (البحار: ٤٥: ٤١ - ٤٥).

(١) وفي بعض المصادر: (زقا): أي صاح.

(٢) المصاليت: جمع مصلات، هو الرجل السريع المتشمّر، والمصلات مبالغة من الصالت: وهو من الرجال: الشجاع الماضي، ومن السيوف: الصقيل الحادّ.

(٣) في إبصار العين: ٦٢: (فضربهُ حكيم بن طفيل الطائي السنبسي على يمينه فبراها فأخذ اللواء بشماله..).

٤٠٢

على شماله(١) فقال:

يا نفسُ لا تخشَي من الكفّار

وأبـشري بـرحمة الجبّارِ

مـع الـنبيّ السيّد المختار

قـد قطعوا ببَغيِهم يساري

فاصلِهم يا ربّ حرَّ النّارِ

فقتله الملعون بعمود من حديد)(٢) .

ومن الجميل في ساحة عزاء أبي الفضلعليه‌السلام ، أن نورد هذه الفقرة الحزينة الرائعة التي جادت بها روح المرحوم المحقّق السيّد المقرّم، الطافحة بالولاء لأهل البيتعليهم‌السلام ، قالرحمه‌الله :

____________________

(١) في إبصار العين: ٦٢ - ٦٣: (فضربه زيد بن ورقاء الجهني على شماله فبراها، فضمَّ اللواء إلى صدره كما فعل عمّه جعفر إذ قطعوا يمينه ويساره في مؤتة، فضمّ اللواء إلى صدره وهو يقول:

ألا ترونَ معشر الفجّار

قد قطعوا ببغيهم يساري

فحملَ عليه رجل تميمي من أبناء أبان بن دارم فضربه بعمود على رأسه فخرّ صريعاً إلى الأرض، ونادى بأعلى صوته: أدركني يا أخي!

فانقضّ عليه أبو عبد الله كالصقر فرآه مقطوع اليمين واليسار، مرضوخ الجبين، مشكوك العين بسهم، مرتثّاً بالجراحة، فوقف عليه منحنياً، وجلس عند رأسه يبكي حتّى فاضت نفسه، ثمّ حملَ على القوم فجعلَ يضرب فيهم يميناً وشمالاً، فيفرّون من بين يديه كما تفرّ المعزى إذا شدَّ فيها الذئب وهو يقول:(أين تفرّون وقد قتلتم أخي؟! أين تفرّون وقد فتتُّم عضُدي؟!) ثمّ عاد إلى موقفه منفرداً، وكان العبّاس آخر مَن قُتل من المحاربين لأعداء الحسينعليه‌السلام ، ولم يُقتل بعده إلاّ الغلمان الصغار من آل أبي طالب الذين لم يحملوا السلاح).

(٢) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام ٤: ١٠٨، ويلاحظ أنّ البلاذري في كتابه أنساب الأشراف: ٣: ٤٠٦ يقول: (وقال بعضهم: قتلَ حرملة بن كاهل الأسدي ثمّ الوالبي العبّاس بن علي بن أبي طالب مع جماعة وتعاوروه، وسلبَ ثيابه حكيم بن طفيل الطائي).

٤٠٣

(وسقطَ على الأرض ينادي:عليك منّي السلام أبا عبد الله! فأتاه الحسينعليه‌السلام ، وليتني علمتُ بماذا أتاه؟ أبحياة مستطارة منه بهذا الفادح الجلل؟ أم بجاذب من الأخوّة إلى مصرع صِنوه المحبوب؟

نعم، حصلَ الحسينعليه‌السلام عنده، وهو يبصر قُربان القداسة فوق الصعيد قد غشيته الدماء وجللّته النبال(١) ! فلا يمين تبطش، ولا منطق يرتجز، ولا صولة تُرهب، ولا عين تبصر، ومرتكز الدماغ على الأرض مبدَّد!

أصحيحٌ أنّ الحسينعليه‌السلام ينظر إلى هذه الفجائع ومعه حياة ينهض بها؟

لم يبقَ الحسين بعد أبي الفضل إلاّ هيكلاً شاخصاً مُعرّى عن لوازم الحياة، وقد أعربَ سلام الله عليه عن هذا الحال بقوله:(الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي) ،

وبـانَ الانـكسارُ في جبينه

فـاندكّت الـجبال من حنينه

وكيف لا؟ وهو مجال بهجته

وفـي مـحيّاه سرور مهجته

كـافل أهـله وساقي صِبيَته

وحامل اللوا بعالي همّته(٢)

ورجعَ الحسين إلى المخيّم منكسراً حزيناً باكياً، يُكفكف دموعه بكمّه، وقد تدافعت الرجال على مخيمه فنادى:(أمَا من مغيث يُغيثنا؟ أمَا من مُجير يُجيرنا؟ أمَا من طالب حقّ ينصرنا؟ أمَا من خائف من النّار فيذبّ عنّا؟ (٣) فأتتهُ سكينة وسألته عن عمّها، فأخبرها بقتله، وسمعتهُ زينب فصاحت: وا أخاه! وا عبّاساه! وا ضيعتنا بعدك! وبكينَ النسوة وبكى الحسين معهنّ وقال:وا ضيعتنا بعدك!) (٤) .

____________________

(١) في كتاب الحدائق الوردية: ١٢٠: (ورموه (العبّاس) حتّى لم يبقَ قدر الدرهم من جسده إلاّ وفيه سهم!).

(٢) هذه الأبيات الثلاثة من أرجوزة آية الله الشيخ محمّد حسين الأصفهانيقدس‌سره .

(٣) راجع: المنتخب للطريحي: ٣١٢.

(٤) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٦٩ - ٢٧٠.

٤٠٤

الإمام الحسينعليه‌السلام وحيداً فريداً في الميدان

(ولمّا قُتل العبّاسعليه‌السلام التفت الحسينعليه‌السلام فلم يرَ أحداً ينصره، ونظرَ إلى أهله وصحبه مُجزّرين كالأضاحي، وهو إذْ ذاك يسمع عويل الأيامى وصراخ الأطفال، صاحَ بأعلى صوته:(هل من ذابٍّ عن حُرم رسول الله؟ هل من موحّدٍ يخاف الله فينا؟ هل من مُغيث يرجو الله في إغاثتنا؟) فارتفعت أصوات النساء بالبكاء!)(١) .

خروج الإمام زين العابدينعليه‌السلام

(فخرجَ علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام ، وكان مريضاً لا يقدر أن يقلّ سيفه، وأمّ كلثوم(٢) تنادي خلفه: يا بنيَّ ارجع، فقال:(يا عمّتاه، ذريني أُقاتل بين يدي ابن رسول الله، وقال الحسينعليه‌السلام :يا أمَّ كلثوم، خُذيه؛ لئلاّ تبقى الأرض خالية من نسل آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (٣) .

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٧١، وانظر اللهوف: ١٦٨.

(٢) وسوف تأتي ترجمتهاعليها‌السلام وافية في الجزء الخامس من هذه الدراسة إن شاء الله.

(٣) تسلية المجالس ٢: ٣١٤، وانظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٦ : (وخبر أنّ الإمام عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام كان مريضاً قبل يوم عاشوراء وفيه، فممّا اتفقت عليه كلمة جُلّ المؤرّخين، (راجع على سبيل المثال: تاريخ الطبري: ٣: ٣١٥، وترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير: ٧٧، والإرشاد: ٢: ٩٣، وإثبات الوصيّة: ١٧٧ و ١٨١، ونسب قريش: ٥٨، وإعلام الورى: ١: ٤٦٩، وتذكرة الخواص: ٢٢٩ عن الواقدي، والمناقب لابن شهرآشوب: ٤: ١١٣، وعمدة الطالب: ١٨٢).

لكنّ هناك قولاً شاذّاً أتى به الفضيل بن الزبير بن عمر بن درهم الكوفي الأسديّ (الزيدي) في كتابه الموسوم بـ (تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام ): ص١٥٠ حيث قال:

(وكان عليّ بن الحسينعليه‌السلام عليلاً، وارتُثَّ يومئذٍ، وقد حضرَ بعض القتال فدفع الله عنه). =

٤٠٥

مقتلُ الرضيع عبد الله بن الحسينعليه‌السلام

النصوص الواردة في مقتل ابنه الرضيععليه‌السلام يوم الطف مختلفة جدّاً، وهي أقسام:

١ - النصوص التي تُصرّح باسمه وهو عبد الله.

٢ - النصوص التي لا تصريح فيها باسمه.

٣ - النصوص التي تقول بأنَّ الطفل اسمه عليّ الأصغر.

٤ - النصوص التي تصرّح بمقدار سِنّه فقط.

أمّا الطائفة الأولى: فقد روى الشيخ المفيد قائلاً: (ثمّ جلسَ الحسينعليه‌السلام أمام الفسطاط فأُتي بابنه عبد الله بن الحسين وهو طفل فأجلسه في حِجره، فرماهُ رجل من بني أسد بسهم فذبحه، فتلقى الحسينعليه‌السلام دمه فلمّا مَلأ كفّه صبّه في الأرض ثمّ قال:(ربّ إن تكن حبستَ عنّا النصر من السماء، فاجعل ذلك لِما هو خير، وانتقِم لنا من هؤلاء القوم الظالمين) ، ثمّ حملهُ حتى وضعه مع قتلى أهله)(١) .

____________________

= وتبعه في هذا الرأي (زيديٌّ آخر) وهو صاحب الحدائق الوردية في ص١٢٠ من كتابه هذا، ونحتمل قويّاً أنّه أخذه عنه، وقد استفادَ أحد المحققّين المعاصرين من قول الفضيل بن الزبير فقال: (إنّ مفروض الأدلّة السابقة أنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام قد أُصيب بالمرض بعد اشتراكه أوّل مرّة في القتال وبعد أن ارتُثّ وجرح، فلعلّ عدم الإذن له في أن يُقاتل كان في المرّة الثانية وهو في حال المرض والجراحة). (راجع: جهاد الإمام السجّاد: ٤٤)، وهذا الاستنتاج لا أساس له إلاّ ذلك القول الشاذ، مع أنّ الطبري، والمفيد، وابن شهرآشوب، والمسعودي، وغيرهم يروون أنّهعليه‌السلام كان مريضاً قبل يوم عاشوراء وفيه، في عبارات صريحة ودالّة، (راجع: المصادر التي ذكرناها أعلاه).

(١) الإرشاد ٢: ١٠٨، وانظر: تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٢، وأنساب الأشراف ٣: ٤٠٧، والمعجم الكبير ٣: ١٠٣، والحدائق الوردية: ١٠٣، ونسب قريش: ٥٩، وفيه: قُتل مع أبيه صغيراً، سرّ السلسلة =

٤٠٦

وفي ضمن رواية عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام السجّادعليه‌السلام يصف فيها كيف جمع الإمام الحسينعليه‌السلام أصحابه ليلة عاشوراء، وردت هذه المحاورة بين الإمامعليه‌السلام وبين ابن أخيه القاسمعليه‌السلام هكذا:(فقال له القاسم بن الحسن عليه‌السلام : وأنا فيمن يُقتل؟ فأشفقَ عليه فقال له: يا بُنيّ كيف الموت عندك؟

قال: يا عمّ، أحلى من العسل!

فقالعليه‌السلام : إي والله، فداك عمّك، إنّك لأحد مَن يُقتل من الرجال معي بعد أن تبلو ببلاء عظيم، وابني عبد الله!

فقال: يا عمّ، ويصِلون إلى النساء حتّى يُقتل عبد الله وهو رضيع؟!

فقالعليه‌السلام : فداك عمّك، يُقتل عبد الله إذا جفّت روحي عطشاً، وصرتُ إلى خِيَمنا فطلبتُ ماءً ولبناً فلا أجد قطّ! فأقول: ناولوني ابني لأشرب مِن فيه! فيأتوني به فيضعونه على يدي، فأحملهُ لأُدنيه من فيَّ، فيرميه فاسقٌ بسهم فينحره

____________________

= العلوية: ١٠٣، وفيه: وهو صبي رضيع، أخبار الدول وآثار الأُول: ١٠٨، والدر النظيم: ٥٥٦، وجواهر المطالب ٢: ٢٨٧، ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من الطبقات الكبرى: ٧٣، إعلام الورى ١: ٤٦٦، مثير الأحزان: ٧٠، البحار ٤٥: ٤٦، اللهوف: ١٦٩ وفيه: فتقدّم إلى باب الخيمة وقال لزينب:(ناوليني ولدي الصغير حتى أودّعه، فأخذهُ وأمال إليه ليقبّله، فرماه حرملة بن الكاهل الأسدي بسهم فوقع في نحره فذبحه، فقال لزينب:خذيه، ثمّ تلقّى الدم بكفيه حتى امتلأتا، ورمى به نحو السماء وقال:هوّن عليّ ما نزلَ بي أنّه بعين الله).

قال الباقرعليه‌السلام :(فلم تسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض) ، وروي أنّ زينبعليها‌السلام هي التي أخرجت الصبي وقالت: يا أخي هذا ولدك له ثلاثة أيام ما ذاق الماء، فاطلب له شربة ماء، فأخذهُ على يده وقال:(يا قوم، قد قتلتم شيعتي وأهل بيتي، وقد بقيَ هذا الطفل يتلظّى عطشاناً فاسقوهُ شربة من الماء)، فبينما هو يخاطبهم إذ رماه رجل منهم بسهم فذبحه (راجع المجدي: ٩١، والشجرة المباركة: ٧٣).

٤٠٧

وهو يناغي! فيفيض دمه في كفّي! فأرفعه إلى السماء وأقول: اللّهمّ صبراً واحتساباً فيك...) (١) .

ومن الملفت للانتباه والمثير للعجب والحزن والمصاب في هذه الرواية هو: أنّ الإمامعليه‌السلام لجفاف روحه من العطش الشديد أراد أن يروي ظمأه من نداوة ورطوبة فم الطفل عبد الله الرضيع! لا أنّ الإمامعليه‌السلام كان قد أخذ الطفل الرضيع العطشان ليعرضه على القوم لعلّهم يسقونه ماء كما هو المشهور!

وجاء في تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : (وعبيد الله بن الحسينعليه‌السلام ، وأُمّه الرباب بنت امرئ القيس..، قتلهُ حرملة بن الكاهل الأسدي الوالبي، وكان ولِدَ للحسينعليه‌السلام في الحرب فأُتي به وهو قاعد، وأخذه في حجره ولبّاه بريقه وسمّاه عبد الله، فبينما هو كذلك إذ رماه حرملة بن الكاهل بسهم فنحره، فأخذ الحسينعليه‌السلام دمه فجمعه ورمى به نحو السماء فما وقعت منه قطرة إلى الأرض!

قال فضيل: وحدّثني أبو الورد: أنّه سمعَ أبا جعفر يقول:(لو وقعت منه إلى الأرض قطرة لنزلَ العذاب) ، وهو الذي يقول الشاعر فيه:

وعند غني قطرة من دمائنا

وفي أسد أخرى تُعد وتُذكر (٢)

أمّا الطائفة الثانية من النصوص: فمنها ما رواه الدينوري قائلاً: فدعا بصبي له صغير فأجلسه في حِجره، فرماه رجل من بني أسد، وهو في حِجر الحسينعليه‌السلام بمشقص، فقتله(٣) .

____________________

(١) مدينة المعاجز: ٤: ٢١٤ رقم ٢٩٥، وعنه نَفَس المهموم: ٢٣٠ - ٢٣١، وقال الشيخ القمّي: (روى الحسين بن حمدان الحضيني (الخصيبي) بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، والسيّد البحراني مُرسلاً عنه...)، وراجع الرواية مفصّلة في الفصل الثاني: ص١٣٧ - ١٣٩.

(٢) تسمية مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام : ١٥٠.

(٣) الأخبار الطوال: ٢٥٨، بغية الطلب ٦: ٢٦ - ٢٩، المشقص: بمعنى نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض.

٤٠٨

ومنها ما رواه سبط ابن الجوزي عن هشام بن محمد، قال: (فالتفت الحسين فإذا بطفل له يبكي عطشاً، فأخذهُ على يده وقال:(يا قوم، إنْ لم ترحموني فارحموا هذا الطفل، فرماه رجل منهم بسهم فذبحه، فجعل الحسين يبكي ويقول:اللّهمّ احكُم بيننا وبين قومٍ دَعَونا لينصرونا فقتلونا)، فنوديَ من الهواء:دعهُ يا حسين فإنّ له مرضعاً في الجنّة) (١) .

وأمّا النصوص المصرّحة أنّ الطفل القتيل اسمه عليّ الأصغر: فمنها ما رواه ابن أعثم الكوفي قائلاً: (وله ابن آخر يقال له عليّ في الرضاع، فتقدّم إلى باب الخيمة فقال:

(ناولوني ذلك الطفل حتى أودّعه، فناولوه الصبي فجعل يقبّلهُ وهو يقول:يا بني، ويل لهؤلاء القوم إذا كان غداً خصمهم جدّك محمّد)، قال: وإذا بسهم قد أقبلَ حتى وقعَ في لبّة الصبي فقتلهُ.

فنزلَ الحسين عن فرسه وحفر له بطرف السيف ورمّله(٢) بدمه وصلّى عليه ودفنه)(٣) .

وقال ابن الطقطقى: (وعلي الأصغر أصابهُ سهم بكربلاء فمات)(٤) .

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٢٧، روضة الواعظين: ١٥٠، سير أعلام النبلاء ٣: ٣٠٩، تهذيب الكمال ٦: ٤٢٨، المنتظم ٥: ٣٤٠.

(٢) وفي مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ٢: ٣٧: (ثمّ نزلَ الحسين عن فرسه، وحفر للصبيّ بجفن سيفه، وزمّله بدمه، وصلّى عليه...).

(٣) الفتوح ٥: ١٣١.

(٤) الأصيلي في أنساب الطالبيين: ١٤٣، النفحة العنبرية: ٤٦، كشف الغمّة ٢: ٢٥٠، المناقب ٤: ١٠٩.

٤٠٩

وأمّا النصوص التي تُصرّح بمقدار عمره الشريف، فما ورد عن الذهبي قوله: (فوقعت نبلة في ولدٍ له ابن ثلاث سنين)(١) .

أمّااليعقوبي فقد قال: (ثمّ تقدّموا رجلاً رجلاً حتّى بقيَ وحده ما معه أحد من أهله ولا ولده ولا أقاربه، فإنّه لواقف على فرسه إذ أُتي بمولود قد ولِد في تلك الساعة، فأذَّن في أُذنه وجعل يُحنّكه إذ أتاه سهم فوقعَ في حلق الصبي فذبحهُ، فنزعَ الحسين السهم من حلقه وجعل يلطّخه بدمه ويقول:(واللهِ، لأنتَ أكرم على الله من الناقة، ولَمحمّد أكرم على الله من صالح)، ثمّ أتى فوضعه مع وِلده وبني أخيه)(٢) .

____________________

(١) سير أعلام النبلاء: ٣: ٣٠٢.

هذه عمدة النصوص الواردة في الباب، ويمكن أن يستفاد من جميع ذلك: أنّ الإمام كان له ولَدان صغيران قُتلا في الطف، أحدهما: اسمه عبد الله بن الحسينعليه‌السلام أمّه الرباب بنت امرئ القيس، كما صرّح بذلك في تسميّة مَن قُتل مع الحسينعليه‌السلام ، والآخر: اسمه عليّ الأصغر، والأوّل وُلدِ كما عن اليعقوبي يوم عاشوراء، والثاني كان معه حينما خرجَ من المدينة، والله العالم.

وعلى جميع التقادير، فإنّ قتلَ الأطفال الأبرياء ممنوع في الشريعة الإسلامية، ولكنّ السَفلة من بني أميّة تعدّوا حدود الله وقتلوا الأطفال بأبشع وأفجع القتلات، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان ينهى عن ذلك، فإنّ خالد بن الوليد لمّا قَتلَ بالعميصاء الأطفال، رفع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يديه حتى رأى المسلمون بياض إبطيه وقال:(اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنعَ خالد) ، ثمّ بعثَ عليّاً فوادّهم.

فلم يُعهد ذبح الأطفال بعد ذلك إلاّ ما كان من معاوية في قتله أطفال المسلمين في الأنبار وفي اليمن، على يدي عامله بسر بن أرطأة، وكان فيمن قتلهم ولَدان صغيران لعبيد الله بن عباس، وكرّرت ذلك أشياعه في الطف فذبحوا من الصبية والأطفال ما ظهروا عليهم وظفروا بهم، بغير ما رحمة منهم ودون أدنى رقّة أو رأفة، الأمر الذي برهنَ على غلوّهم في القسوة والفسوق عن الدين، وأوضحُ بلا مراء ولا خفاء أنّ قصد التشفّي والانتقام بلغَ بهم إلى العزم على استئصال ذرّية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقطع نسله ومحو أصله. (راجع: مختصر نهضة الحسينعليه‌السلام : ١٠٧).

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٧، الحدائق الوردية: ١٢٠، وفي مقتل الحسين للخوارزمي ٢: ٣٧: (ثمّ =

٤١٠

ومن الشعر الذي أنشدهُ الإمامعليه‌السلام في مواجهته القوم وحيداً - بعد مقتل عبد الله الرضيع - على ما روي:

كـفـرَ الـقـوم وقِـدماً رغـبوا

عــن ثـواب الله ربّ الـثقلين

قـتـلَ الـقـوم عـلـيّاً وابـنه

حـسن الـخير كـريم الأبـوين

حـنـقاً مـنهم وقـالوا أجـمِعوا

واحشروا الناس إلى حرب الحسين

ثــمّ سـاروا وتـواصوا كـلّهم

بـاجـتياحي لـرضاء الـملحدين

لـم يـخافوا الله فـي سفكِ دمي

لـعـبيد الله نَـسـل الـكافرين

وابـن سـعد قـد رمـاني عنوة

بـجـنود كـوكـوف الـهاطلين

لا لـشيءٍ كـان مـنّي قـبل ذا

غـير فـخري بـضياء النيّرين

بـعليّ الـخير مـن بـعد النبيّ

والـنـبيّ الـقـرشيّ الـوالدين

خـيـرة الله مـن الـخلق أبـي

ثـمّ أمّـي فـأنا ابـن الخيرَتين

فـضّةٌ قـد خَـلصت مـن ذهبٍ

فـأنـا الـفضّة وابـن الـذَهبين

مَـن لـه جـدّ كجدّي في الورى

أو كـشيخي فـأنا ابـن الـعلَمَين

فـاطـمُ الـزهراء أمّـي وأبـي

قـاصـمُ الـكفر بـبدرٍ وحُـنين

عَــبـدَ الله غـلامـاً يـافـعاً

وقـريـش يـعـبدون الـوثنَينْ

يـعبدونَ الـلاّت والـعُزّى مـعاً

وعـلـيّ كـان صـلّى الـقبلتين

وأبــي شـمـس وأُمـي قـمر

فـأنا الـكوكبُ وابـن الـقمرَيْن

ولــه فـي يـوم أُحـدٍ وقـعةٌ

شَـفت الـغلّ بـفضّ العسكرين

ثـمّ فـي الأحـزاب والـفتح معاً

كـان فـيها حـتف أهل الفَيلقين

فـي سـبيل الله، مـاذا صنَعت

أُمّــة الـسوء مـعاً بـالعترتين

____________________

= نزلَ الحسين عن فرسه، وحفرَ للصبي بجفن سيفه وزمّله بدمه، وصلّى عليه).

٤١١

عـترة الـبَرّ الـنبيّ الـمصطفى

وعَـليّ الـورد يـوم الـجحفلين

ثمّ وقفَ صلوات الله عليه قبالة القوم وسيفه مُصلت في يده آيساً من الحياة عازماً على الموت، وهو يقول:

أنـا ابن عليّ الطهر من آل هاشم

كـفاني بـهذا مـفخراً حين أفخر

وجدّي رسول الله أكرم مَن مضى

ونحن سراج الله في الأرض نزهر

وفـاطمُ أُمـي مـن سـلالة أحمد

وعـمّيَ يُدعى ذو الجناحين جعفر

وفـينا كـتاب الله أُنـزل صادقاً

وفـينا الهدى والوحي بالخير يُذكر

ونـحن أمـان الله لـلناس كـلّهم

نـسرّ بـهذا فـي الأنـام ونجهر

ونـحن ولاة الحوض نسقي ولاتنا

بـكأس رسـول الله ما ليس يُنكر

وشـيعتنا فـي الناس أكرمُ شيعة

ومـبغضنا يـوم الـقيامة يخسر

وذكر أبو علي السلامي في تاريخه أنّ هذه الأبيات للحسينعليه‌السلام من إنشائه وقال: وليس لأحد مثلها:

وإنْ تـكـن الـدنيا تُـعدّ نـفيسة

فـإنّ ثـواب الله أعـلى وأنـبلُ

وإن تـكن الأبـدان للموت أُنشئت

فقتلُ امرئ بالسيف في الله أفضل

وإن تـكن الأرزاق قـسماً مقدّراً

فقلّة سعي المرء في الكسب أجملُ

وإن تـكن الأمـوال للتَرك جمعها

فـما بـال متروك به المرءُ يبخلُ

سأمضي وما بالقتل عارٌ على الفتى

إذا فـي سـبيل الله يمضي ويُقتل

ثمّ إنّهعليه‌السلام دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كلّ مَن دنا منه من عيون الرجال، حتى قتلَ منهم مقتلة عظيمة(١) .

____________________

(١) تسلية المجالس ٢: ٣١٤ - ٣١٨، نَفَس المهموم: ٣٥٣، الإمام الحسين وأصحابه: ٢٩٠، مقتل

٤١٢

ثمّ حملَ على الميمنة وقال:

الموت خير من ركوب العار

والعار أَولى من دخول النار

ثمّ حملَ على الميسرة وقال:

أنـا الحسين بن علي

أحـمي عـيالات أبي

آلـيتُ أن لا أنـثني

أمضي على دين النبي

وجعل يقاتل حتى قتل ألفاً وتسعمائة وخمسين سوى المجروحين(١) .

الإمام الحسينعليه‌السلام يَطلب ثوباً لا يُرغبُ فيه!

روى الطبري يقول: (ولمّا بقيَ الحسين في ثلاثة رهط أو أربعة، دعا بسراويل(٢) محققة يلمع(٣) فيها البصر، يمانيّ محقَّق، ففرزه(٤) ونكثه؛ لكيلا يُسلبه، فقال له بعض أصحابه: لو لبستَ تحته تُبّاناً (٥) قال:(ذلك ثوب مذلّة، ولا ينبغي لي أن ألبسه) (٦) .

____________________

= الخوارزمي ٢: ٣٨، الفتوح ٥: ١٣٢، المناقب ٤: ٨٠، المنتخب للطريحي: ٤٤٠، كشف الغمّة ٢: ٢٧، عبرات المصطفى ٢: ٩٣، مطالب السؤول ٢: ٢٩.

(١) مناقب آل أبي طالب ٤: ١١٠، تسلية المجالس ٢: ٣١٨، البحار ٤: ٤٩، العوالم ١٧: ٢٩٣.

(٢) لباس يلبسه الأعاجم من قديم الأيام ويلبسه الأشراف والأعاظم من الأعراب، وقد حثّ الشرع في لبسه وجعله من المستحبات والمسنونات. (راجع الحسين وأصحابه: ٣٠٢).

(٣) محققة، أي محكمة النسج.

(٤) فرزه: أي نقض نسجه، مزّقه.

(٥) التبّان: شبه السراويل الصغيرة. (راجع: لسان العرب: ٢: ١٨).

(٦) تاريخ الطبري ٣: ٣٣٣، مجمع الزوائد ٩: ١٩٣، بغية الطلب ٦: ٢٤١٧، تهذيب الكمال ٦: ٤٢٨، =

٤١٣

وروى الطبراني عن ابن أبي ليلى قال: (قال حسين بن عليعليه‌السلام حين أحسّ بالقتل:(ائتوني ثوباً لا يرغب فيه أحد أجعلهُ تحت ثيابي...) (١) .

وذكر ابن شهرآشوب أنّهعليه‌السلام قال:(ائتوني بثوبٍ لا يُرغب فيه ألبسهُ غير ثيابي لئلاّ أُجرّد؛ فإنّي مقتول مسلوب، فأتوه بتبّان فأبى أن يلبسه، وقال:هذا لباس أهل الذمّة)، ثمّ أتوه بشيء أوسع منه دون السراويل وفوق التبّان فلبسه)(٢) .

وقال الطريحي: (لما قُتل أصحاب الحسين كلّهم وتفانوا وأُبيدوا ولم يبقَ أحد، بقيَعليه‌السلام يستغيث فلا يُغاث، وأيقنَ بالموت، أتى إلى نحو الخيمة وقال لأخته:(ائتيني بثوبٍ عتيق لا يرغب فيه أحد من القوم، أجعلهُ تحت ثيابي لئلاّ أُجرّد منه بعد قتلي)، قال: فارتفعت أصوات النساء بالبكاء والنحيب، ثمّ أوتيَ بثوبٍ فخرقهُ ومزّقه من أطرافه وجعله تحت ثيابه، وكانت له سراويل جديدة فخرَقها أيضاً؛ لئلاّ تُسلب منه)(٣) .

ثباتُ الإمام الحسينعليه‌السلام ورباطة جأشه

يروي الطبري عن عبد الله بن عمّار بن عبد يغوث البارقيّ قوله في وصف شجاعة الإمامعليه‌السلام : (فو الله ما رأيت مكثوراً قطّ قد قُتل وِلدهُ وأهل بيته وأصحابه أربط جاشاً، ولا أمضى جناناً منه، ولا أجرأ مَقدماً! والله، ما رأيتُ قبله ولا بعده مثله! إنْ كانت الرجّالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المِعزى إذا شدّ فيها

____________________

= الإرشاد ٢: ١١١، الدر النظيم: ٥٥٨، إعلام الورى: ١: ٤٦٨.

(١) المعجم الكبير ٣: ١٢٥، مثير الأحزان: ٧٤، لواعج الأشجان: ١٦٢، اللهوف ١٧٤.

(٢) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ١٠٩.

(٣) المنتخب: ٤٥١، وانظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٧١ - ٢٧٢.

٤١٤

الذئب...)(١) .

وفي عيون الأخبار عن هذا البارقيّ (٢) أيضاً: (ما رأيتُ قطّ أربط جأشاً من الحسين! قُتل وِلده وجميع أصحابه حوله، وأحاطت به الكتائب، فو الله لكان يشدّ عليهم فينكشفوا عنه انكشاف المِعزى إذا شدّ عليها الأسد! فمكثَ مليّاً والناس يدافعونه ويكرهون الإقدام عليه)(٣) .

ويقول السيّد ابن طاووس (ره) فيما يرويه: (.. ولقد كان يحمل فيهم، ولقد تكمّلوا ثلاثين ألفاً فيُهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر! ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول:(لا حول ولا قوّة إلاّ بالله!) )(٤) .

ويقول ابن شهرآشوب: (وجعلَ يُقاتل حتّى قتلَ ألفاً وتسعمئة وخمسين سوى المجروحين، فقال عمر بن سعد لقومه: ويلكم أتدرون مَن تبارزون؟! هذا ابن الأنزع البطين! هذا ابن قتّال العرب! فاحمِلوا عليه من كلّ جانب! فحملوا بالطعن مئة وثمانين! وأربعة آلاف بالسهام!...)(٥) .

الإمامُعليه‌السلام يستولي على شريعة الفرات

قال ابن شهرآشوب: (وروى أبو مخنف عن الجلودي: أنّ الحسين حملَ على

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٣: ٣٣٣ - ٣٣٤، وانظر: الكامل في التاريخ: ٣: ٢٩٥.

(٢) اسمه في عيون الأخبار: عبيد الله بن عمارة بن عبد يغوث.

(٣) راجع: عيون الأخبار: ١٣٤، وسعد السعود: ١٣٦، وشرح الأخبار: ٣: ١٦٣، وأنساب الأشراف: ٣: ٤٠٨.

(٤) اللهوف: ١٠٥.

(٥) مناقب آل أبي طالب: ٤: ١١١.

٤١٥

الأعور السلمي وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، وكانا في أربعة آلاف رجل على الشريعة، وأقحمَ الفرس على الفرات، فلما أولغَ الفرَس برأسه ليشرب قالعليه‌السلام :(أنت عطشان، وأنا عطشان، والله، لا أذوقُ الماء حتّى تشرب!) ، فلمّا سمعَ الفرَس كلام الحسين شالَ رأسه ولم يشرب كأنّه فهم الكلام! فقال الحسين:اشرب فأنا أشرب) ، فمدَّ الحسين يده فغرفَ من الماء، فقال فارس: يا أبا عبد الله، تتلذّذ بشرب الماء وقد هُتكت حُرمتك؟! فنفضَ الماء من يده، وحملَ على القوم فكشفهم فإذا الخيمة سالمة)(١) .

الوداع الأخير

قال العلاّمة المجلسي (ره) في كتابه (جلاء العيون): (ثمّ ودّع ثانياً أهل بيته،

____________________

(١) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ٥٧ وقال المرحوم المحقّق السيّد المقرّم في كتابه المقتل: ٢٧٥: (لا أضمن صحة هذا الحديث المتضمن لامتناع الفرس من الشرب، ولِرمي الحسين الماء من يده لمجرّد قول الأعداء، وهو العالِم بأنّه مكيدة، ولكنّ خصائص هذا اليوم المختصة بسيد الشهداء ومَن معه على أن يقضوا عطاشى، خارجة عمّا نعرفهُ ولا سبيل لنا إلاّ التسليم بعد أن كان الإمامعليه‌السلام حكيماً في أفعاله وأقواله، لا يعلم إلاّ بما تلقّاه من جدّه الذي لا ينطق عن الهوى، كل قضايا الطف محدودة الظرف والمكان لأسرار ومصالح لا يعلمها إلاّ ربّ العالمين تعالى شأنه.

وهناك شيء آخر لاحظهُ سيّد الشهداء وكانت العرب تتفانى دونه وهو حماية الحَرم بأنفس الذخائر، وأبو عبد الله سيد العرب وابن سيدها فلا تفوته هذه الخصلة التي يستهلك دونها النفس والنفيس، ولمّا ناداه الرجل هُتكت الحَرم لم يشرب الماء! إعلاماً للجَمع لِما يحمله من الغيرة على حَرمه، ولو لم يُبالِ بالنداء لَتيقّنَ الناس فقدانه الحميّة العربية، ولا يقدِم عليه أبيّ الضيم حتى لو علِم بكذب النداء، وفعلُ سيد الأُباة من عدم شرب الماء ولو في آنٍ يسير هو غاية ما يمدح به الرجل).

٤١٦

وأمَرهم بالصبر، ووعدهم بالثواب والأجر، وأمرَهم بلبس أُزرهم، وقال لهم:

(استعدّوا للبلاء، واعلموا أنّ الله تعالى حافظكم وحاميكم، وسينجّيكم من شرّ الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويُعذّب أعاديكم بأنواع البلاء، ويعوّضكم الله عن هذه البلية بأنواع النِعم والكرامة، فلا تشكوا، ولا تقولوا بألسِنتكم ما ينقص من قدركم ) (١) .

وقال المحقّق السيّد المقرّم (ره): (حقاً لو قيل بأنّ هذا الموقف من أعظم ما لاقاه سيد الشهداءعليه‌السلام في هذا اليوم، فإنّ عقائل النبوة تشاهد عماد أخبيتها، وسياج صونها، وحِمى عزّها، ومعقد شرفها مؤذِناً بفِراق لا رجوع بعده، فلا يدرين بمَن يعتصمن من عادية الأعداء، وبمَن العزاء بعد فقْده، فلا غرو إذا اجتمعنَ عليه وأحطن به وتعلّقن بأطرافه بين صبيٍّ يئنُّ، ووالهةٍ أذهلها المصاب، وطفلة تطلب الأمن، وأخرى تنشد الماء!

إذاً فما حال سيد الغيارى ومثال الحنان وهو ينظر بعلمه الواسع إلى ودائع الرسالة وحرائر بيت العصمة، وهنّ لا يعرفن إلاّ سجف العزّ وحجب الجلال، كيف يتراكضن في هذه البيداء المقفرة بعَولة مشجية، وهتاف يُفطّر الصخر الأصم، وزفرات متصاعدة من أفئدة حرّى! فإنْ فررنَ فعن السلب، وإن تباعدنَ فمن الضرب، ولا محام لهنّ غير الإمام الذي أنهكته العلّة)(٢) .

____________________

(١) جلاء العيون: ٢٠١، وعنه نَفَس المهموم: ٣٥٥.

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٧٦.

٤١٧

الإمامعليه‌السلام وابنته سكينةعليها‌السلام

والتفت الحسين إلى ابنته سكينة التي يصفها للحسن المثنّى بأنّ الاستغراق مع الله غالب عليها! فرآها منحازة عن النساء باكية نادبة فوقف عليها مصبّراً، ومسلّياً ولسان حاله يقول:

هذا الوداع عزيزتي والملتقى

يوم القيامة عند حوض الكوثر

فدعي البكاء وللأسار تهيأي

واستشعري الصبر الجميل وبادري

وإذا رأيتني على وجه الثرى

دامي الوريد مبضَّعاً فتصبّري(١)

فقال عمر بن سعد: ويحكم اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحُرَمه، والله، إن فرغَ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم، فحملوا عليه يرمونه بالسهام حتى تخالفت السهام بين أطناب المخيّم، وشكّ سهم بعض أزر النساء فدُهشن وأُرعبن وصِحن ودخلنَ الخيمة ينظرن إلى الحسين كيف يصنع، فحملَ عليهم كالليث الغضبان فلا يلحق أحداً إلاّ بَعجه بسيفه فقتله، والسهام تأخذه من كل ناحية وهو يتّقيها بصدره ونحره)(٢) .

وقال ابن شهرآشوب: (ثمّ ودّع النساء وكانت سكينة تصيح فضمّها إلى صدره وقال:

سيطولُ بعدي يا سكينة فاعلَمي

مـنك البكاء إذا الحِمام دَهاني

لا تـحرقي قلبي بدمعكِ حسرة

ما دام منّي الروح في جثماني

فـإذا قُـتلتُ فأنتِ أَولى بالذي

تـأتينه يا خيرة النسوان(٣)

____________________

(١) هذه الأبيات للخطيب الشاعر الشيخ مسلم بن محمد علي الجابري النجفي (ره) (راجع: مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ٢٢٧).

(٢) مقتل الحسين للمقرّم: ٢٧٧ - ٢٧٨.

(٣) مناقب آل أبي طالبعليهم‌السلام : ٤: ١٠٩.

٤١٨

وصايا الإمامعليه‌السلام

من جملة الأعمال المهمّة التي قام بها الإمام الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء قبل مقتله، دَفعُ الوصايا إلى ابنه الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام ، حيث كان مريضاً ولم يستطع الجهاد بين يدي أبيه الحسينعليه‌السلام .

قال المسعودي: (ثُمّ أُحضر علي بن الحسينعليه‌السلام - وكان عليلاً - فأوصى إليه بالاسم الأعظم ومواريث الأنبياءعليهم‌السلام ، وعرّفه أن قد دفعَ العلوم والصحف والمصاحف والسلاح إلى أمّ سلمةرضي‌الله‌عنها وأمرَها أن تدفع جميع ذلك إليه)(١) .

وفي دعوات الراوندي للراوندي: عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام قال:

(ضمّني والديعليه‌السلام إلى صدره حين قُتل والدماء تغلي، وهو يقول: يا بني احفظ عنّي دعاءً علّمتنيه فاطمة صلوات الله عليها، وعلّمها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلّمه جبرئيل في الحاجة، والهمّ والغمّ، والنازلة إذا نزلت، والأمر العظيم الفادح.

قال: أُدع: (بحقّ يس والقرآن الحكيم، وبحقّ طه والقرآن العظيم، يا مَن يقدر على حوائج السائلين، يا مَن يعلم ما في الضمير، يا مُنفّس عن المكروبين، يا مُفرّج عن

____________________

(١) إثبات الوصية: ١٧٧، وفيه أيضاً في حديث عن خديجة بنت محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن العسكريعليه‌السلام : أنَّ الإمام أوصى إلى أخته زينب بن عليعليها‌السلام في الظاهر، فكان ما يخرج من علي بن الحسينعليهما‌السلام في زمانه من علمٍ يُنسب إلى زينب بنت علي عمّته، ستراً على علي بن الحسينعليه‌السلام وتقية واتقاء عليه (إثبات الوصيّة: ٢٠٦)، راجع: نَفَس المهموم: ٣٤٧، إثبات الهداة: ٥: ٢١٦، حديث ٩، وفيه ص١٨١: (فلمّا قرُب استشهاد أبي عبد اللهعليه‌السلام دعاه وأوصى إليه، وأمره أن يتسلم ما خلّفه عند أمّ سلمة رحمها الله مع مواريث الأنبياء والسلاح والكتاب).

٤١٩

المغمومين، يا راحمَ الشيخ الكبير، يا رازق الطفل الصغير، يا مَن لا يحتاج إلى التفسير، صلّ على محمد وآل محمد وافعل بي كذا وكذا) (١) .

وروي عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال:(إنّ الحسين عليه‌السلام لمّا حضرهُ الذي حضره دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين عليها‌السلام (٢) ،فدفعَ إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرة، وكان علي بن الحسين عليهما‌السلام مبطوناً معهم لا يرون إلاّ أنّه لِما به، فدَفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين عليهما‌السلام ثمّ صار ذلك إلينا) (٣) .

الهجوم على رَحْل الإمامعليه‌السلام وعياله

روى الطبري عن أبي مخنف: (ثمّ إنّ شمر بن ذي الجوشن أقبلَ في نفر من عشرة من رجّالة أهل الكوفة قِبَل منزل الحسين الذي فيه ثقله وعياله، فمشى نحوه، فحالوا بينه وبين رحله، فقال الحسين:

(ويلكم إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا في أمر دنياكم أحراراً ذوي أحساب، امنَعوا رحلي وأهلي من طغامكم (٤) وجهّالكم).

فقال ابن ذي الجوشن: ذلك لك يا بن فاطمة(٥) .

____________________

(١) دعوات الرواندي: ٥٤، ح١٣٧، البحار: ٩٥: ١٩٦، ح٢٩.

(٢) هي فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب القرشية الهاشمية المدنية، أخت علي بن الحسين زين العابدين... وكانت فيمن قدِم دمشق بعد قَتل أبيها، ثمّ خرجت إلى المدينة (راجع: تهذيب الكمال ٣٥: ٢٥٥).

(٣) بصائر الدرجات: ١٦٤، إثبات الهداة: ٥: ٢١٥، ح٥، البحار: ٢٦: ٣٥، ح٦٢.

(٤) تاريخ الطبري، ٣: ٣٣٣، وأنساب الأشراف ٣: ٤٠٧، والكامل في التاريخ ٤: ٧٦.

(٥) اللهوف: ١٧١.

٤٢٠

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

من الفريق الآخر شيء يذكر، وكان الأثر والغليان كلّه للألوية الجنوبية في العراق، دون الشمالية، مع أن الدولة كانت منهم ولهم، وكان النصر بفضل جهود الشيعة وعلمائهم قاب قوسين، وإنما انعكس الأمر من وجهين:

الأول: دسائس الإنكليز وإيصالهم (أبو الخيّال) إلى جيوب بعض الزعماء من رؤساء القبائل بتوسط الخائنين، بل رأس الخونة، في الكويت والمحمّرة، خصوصاً بعض رؤساء العمارة المتصلين بهم صلة الجوار والصداقة.

الثاني: ولعلّه أقوى من الأول، سوء إدارة ضباط الأتراك وقائدي الحملات في الجهات، وفتح مساءلتهم مع المتطوعين المجاهدين، فقد كانت الأطعمة مكدّسة في الأنبارات وعلى ضفتي دجلة والفرات، والفوارس والعربان لا علوفة لديهم ولا قوت عندهم، فإذا جاء جماعة يطلبون الطعام، احتاج إلى معاملات رسمية وأوراق وتحويلات، وإلى أن يجيء الترياق من العراق يكون قد هلك المريض.

ولما انكسرت في الشعيبة وغيرها الجيوش وانسحب الأتراك، أحرقوا ملايين من تلك الأطعمة، واستولى العدوّ على الباقي، حتّى إن جملة من المجاهدين كالمرحوم السيّد محمّد سعيد حبوبي والشيخ باقر حيدر(١) ، قضوا نحبهم وانتقلوا إلى رحمة الله على أثر انكسار الشعيبة؛ غصة وأسفاً من سوء الإدارة واختلال الأحوال، ثم بعد وقعة الشعيبة ومزيريعة ناحية القرنة التي أسر فيها جمع من المجاهدين كالحاج داود أبو التمن وغيره، تجهّز العلماء ثانياً، وكانت المحاربة في الكوت، والقائد خليل باشا المهشور، عم أنور باشا، أو ابن عمه على ما قيل، وسافرت هذه الدفعة بخيام واستعداد، وخدمة واتباع، وكذلك المرحوم السيّد محمّد نجل سيّدنا الأستاذ، وشيخ الشريعة، وجماعة كثيرون من العلماء. ووصلنا إلى ساحة الحرب، حتّى حوصرت الكوت وفيها القائد الإنكليزي (طاوندزند) وقبل التسليم بقليل، رجعنا إلى الكاظمية، وتعرّض المرحوم السيّد محمد بضع أيام، وتوفّي إلى رحمة الله، وكانت العيالات توجّهوا إلى الكاظمية، فرجعنا

____________________

(١) الشيخ باقر ابن الشيخ عليّ بن محمّد بن حيدر: المتوفَّى عام ١٣٣٣هـ / ١٩١٥م. عالم متتبع، اشتغل بتحصيل العلوم الدينية، وكان فاضلاً فقيهاً، مصنفاً بارعاً، شارك في الجهاد عام ١٩١٤.

٧٠١

بأولاده وعيالاته إلى كربلاء، وصارت ثورة أهالي كربلاء على الحكومة العثمانية.

والمتصرف آنئذٍ حمزة بيك، فتغلّبت الأهالي وطردوا الموظّفين ونهبوا بيوتهم، وخرّبوا أكثر عمارات المحلة العباسية ونهبوها، وسلّطوا المياه عليها، وكان الإنكليز مشغولاً بحرب الأتراك في الكوت وسنّ الذبان وغيرها، ودسائسه في الداخلية، وتحريك الأهلين على الموظفين متواصلة، ولها الأثر الفعّال، فثارت كربلاء أولاً، وصنعت ما صنعت، ثم ثارت النجف وحاربت قائد الفرقة عزيز بك حتّى فرّقت عساكره، وأسرت القائمقام بهيج بك - العاتي الظلوم - ثم تبعتها الحلّة، وجاءها (عاكف بك) فشنق أعيانها، وأسر نساءها، وهدم بناءها، وكانت رفسة الموت الأخيرة للأتراك، وبعدها بقليل انسحبوا من بغداد، واحتلها القائد الشهير (مود) وذلك في ليلة ١٥ جمادى الأولى سنة ١٣٣٥هـ، الموافق ١١ آذار سنة ١٩١٧م.

وكان الإنكليز بعد أن طرد الأتراك من بغداد، وتملّك العراق، أخذته نشوة الفتح والظفر، وبقي في دار السّلام هو وفلول جيشه ينفض عنه وعثاء السفر والحرب، ويأخذ نصيباً من الراحة. ثم بعد قليل وجّه فكرته إلى الأنظمة السّياسية بعد أن كان الحكم عسكرياً محضاً، فعيّن الحكّام السياسيين للمدن كالحلّة والديوانية وغيرها سوى كربلاء والنجف، فقد استعمل فيهما عادته من الأناة والتمهّل، على قاعدة إنما يعجل مَن يخاف الفوت، ولكن أجلاف..... عند انعزال أشرافها فجاءوا بالحاكم الإنكليزي بلا قيد ولا شرط، ثم بأسرع وقت انقلبوا وثاروا عليه، وعقدوا جمعية سرية فيها بعض المعمّمين، وجماعة من جهلاء (الفريقين)(١) ولم يبرموا الأمر على ما يقتضيه الحزم والحصافة، وهجموا على الحاكم الإنكليزي (مارشال)(٢) فقتلوه، وكان بطل رواية

____________________

(١) يعني بذلك الجمعية الوطنية الإسلامية، أو الحزب الوطني الإسلامي، أو حزب الثورة العراقية، ومن أعضائها: الشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ محمّد باقر الشبيبي، والسيّد محمّد سعيد كمال الدين، والسيّد محمد رضا الصافي، والشيخ محمّد باقر الشبيبي، والسيد حسين كمال الدين، والشيخ محمد جواد الجزائري، والسيّد سعد صالح جريو، والسيّد أحمد الصافي، والسيّد محمّد علي كمال الدين، والسيد يحيى الحبوبي، والشيخ محمد علي الدمشقي وغيرهم.

(٢) نظراً لكثرة الاضطرابات في النجف، تعين الكابتن (وليم. أم. مارشال) معاوناً للحاكم السياسي للواء عموم الشامية والنجف. وكان الحاكم يومئذ الكابتن بلفور - وقد وصل مارشال إلى النجف يوم ١ / شباط / ١٩١٨، وقتله النجفيّون يوم ١٩ / آذار / ١٩١٨.

٧٠٢

هذا الهجوم والفتك الحاج نجم أحد البقالين في النجف(١) .

وفي ذلك اليوم حاصرت الجنود الإنكليزية (النجف) وعملوا حولها الأسلاك الشائكة، ومنعوا عن الأهليين حتّى دخول الماء، فحاربهم من وراء السور رؤساء الأطراف الأربعة، ورءوس هذه المقاومة كان الحاج سعد وأولاده، وكاظم صبّي، وعباس علي الرمّاحي، وجماعة آخرون(٢) . أما السيّد مهدي السيّد سلمان(٣) رئيس الزقرت(٤) ، فكان قد اعتلّ بهم، ويتظاهر بالحياد، ويراود السّلطة سرّاً، واستمر الحصار أربعين يوماً، وصار شرب أكثر أهالي النجف من ماء الآبار المالحة، وشحّت الأطعمة حتّى بلغت حقّه النجف من عشر روبيات، وبهذا المقياس ساير الضروريات من اللّحوم والأدهان.

وبعد أسبوعين تقريباً من بدء الحصار، زحفت الجنود إلى قرب سور البلد لضعف الحامية ونفاذ ذخيرتها، ثم احتلوا جبل الحويش المطلّ على النجف ونصبوا المدافع عليه، وأنذروا المحاربين بالتسليم أو الضرب، وانتظروا مدة عشرين يوماً يحاذرون من ضرب النجف، واتساع لهيب الثورة، وهياج العشاير سيّما وفي النجف المرجع العام لكافة الأقطار، وهو سيدنا الأستاذ السيّد محمّد كاظم السّابق الذكر، وكانت البرقيات

____________________

(١) الحاج نجم بن عبود بن فرج الدليمي المعروف بالبقال: تقطن أسرته في لواء الدليم، ولد من أب عربي من عشيرة المحامدة، ومن أم عربية من عشيرة الخميسات، قطن النجف مع أبيه وإخوته.

لزيادة الاطلاع، راجع كتاب (معلومات ومشاهدات في الثورة العراقية الكبرى لمحمّد علي كمال الدين: ص٤٩) وموضوع (الحاج نجم البقال للمرحوم يوسف رجيب، مج الاعتدال س٥ ع٤ ص٢٠٥ - ٢٢٤/١٩٣٩).

(٢) ومعهم: سعيد مملوك الحاج سعد، ومحسن أبو غنيم، وعلوان علي الرمّاحي، وجودي ناجي، ومجيد الحاج دعيبل، وشمران العامري، والشيخ عباس الخليلي. واتهمت بقتل الكابتن مارشال مجموعة أخرى عددهم (١٢٣) أبعدوا إلى الهند. أوردنا أسماءهم في كتابنا (النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال).

(٣) توفِّي عام ١٣٤٨هـ.

(٤) الزقرت: تكتل بعض أسر النجف وعشائرها، والتسمية جاءت نسبة إلى الزقر وهو الصقر، ولعلهم كانوا يتصيدون بالصقور أو يصطادونها. وفي اللغة العامية الدارجة إذ قال الرجل أنا زقرتي يعني أني خفيف المؤنة لا عدة لي ولا عيال، ويحتمل أن هؤلاء كانوا بدء أمرهم كذلك، لا سلاح لهم ولا عدة، ومن الأمثال الدراجة باللسان الشعبي (أنا زقرتي ما لحگتني غير تفگتي) ويرأسهم آنذاك السيد مهدي السيّد سلمان.

٧٠٣

تنهال على قائد تلك الحملة من الهند وإيران والأفغان.

وكانت سياسة بريطانيا تحتم عليهم مداراته مراضيه، فكانوا كلّ يوم صباحاً ومساء يرسلون الرسل إليه بشتى الوسائل، أن يخرج معزّزاً إلى شريعة الكوفة، إلى أن تنتهي القضيّة، والتمسوا منّا ذلك أيضاً فأبينا، وقلنا نحن مع أبناء وطننا: إن عاشوا عشنا معهم، وإن هلكوا هلكنا معهم. وكان الإنكليز يلتمسون أن يقبل ما يرسلون من الماء والأطعمة واللّحوم وغيرها، فيأبى أشدّ الإباء، وبعد أن ضاق الخناق، واشتدّ بلاء الغلاء، وشحّت الأقوات على الأهليين، تدخل السيّد مهدي السيّد سلمان في القضية، وفتح باب البلد من ناحية جبل الحويش، وبقي الحصار مستمراً، إلاّ من هذا الباب يدخل منه الماء وبعض ضروريات العيش، وأصرّ الإنكليز على أن يسلّم أهالي البلد المحاربين وقاتلي (مرشال)، وكانوا قد لاذوا بالفرار والتخفّي في سراديب البلد ومخابيها، حيث لم يجدوا وسيلة إلى الفرار إلى خارج البلدة لشدّة الحصار، فرّ السيّد مهدي مع جماعة من الزقرت والشمرت الّذين لم يشتركوا في تلك الأعمال الطايشة، وصاروا مع جماعة من العسكر البريطانية يفتشون البيوت ويقبضون على واحد بعد واحد، حتّى لم يفلت منهم أحداً، وبلغ عدد المقبوضين أكثر من ائة وخمسين، وساقوهم إلى الديوان العرفي الّذي عقدوه في الجسر، وكلّ أعضائه من قوّاد الإنكليز، فحكموا على بضعة عشر نفر بالشنق، وعلى جماعة التسفير إلى هنجام وسمربور(١) .

وانتهى الحصار(٢) ، ولكن صاروا يفتّشون كلّ مّن يخرج من النجف، سيّما من المعممين؛ خوفاً أن يكون معه كتب الدعوات لتحريض العشائر على الثورة والانتقام للنجفيين من الدولة المحتلة، فكانوا ممّن وجدوا معه شيئاً من هذا القبيل الشيخ أحمد(٣) أحد أولاد المرحوم الأستاذ محمد كاظم الخراساني، فأخذوه إلى الجسر

____________________

(١) انظر: قوائم المعدومين والمسفّرين إلى الهند في كتابنا: (النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال).

(٢) انتهى الحصار في ٢٣ مايس ١٩١٨.

(٣) الميرزا أحمد بن الملا محمد كاظم الآخوند الخراساني: عالم جليل، ومدرّس فاضل، ولد عام ١٣٠٠هـ، له نشاط كبير في القضايا السياسية، فكان ركناً من أركان الثورة العراقية عام ١٩٢٠، وعين عضواً في الهيئة العليا في حكومة ثورة العشرين، وبعد انتهائها سافر إلى الحجاز مع من سافر، وعاد بمعية الملك فيصل الأول إلى العراق، ولمعارضته نظام المجلس التأسيسي العراقي أبعد إلى إيران مع جماعة من العلماء، توفي في يوم: ١٩/١٢/١٩٧١.

٧٠٤

وحاكموه في جلسة أو جلستين، وأوشكوا أن يحكموا عليه بالإعدام، فتوسطنا إلى قائد الحملة بلفور(١) وبلغناه أيضاً شفاعة السيّد فيه، فلم يجد بدّاً من إطلاقه، ولو لا ذلك لكان من المشنوقين.

وكذلك تشفّعنا في أشخاص كثيرين فأطلقوا، ونظراً لما ذكرنا من أن سياسية تلك الدولة الغاشمة تقضي عليهم بمجاملة الروحانيين، وعدم إثارة غضبهم، تمكّناً من وقاية نفوس كثيرة من الإعدام وحفظ أموال غزيرة من المصادرة(٢) .

وإلى هنا انتهى العقد الرابع، ودخلنا في العقد الخامس وهو دور الكهولة، ودور وقوف حركة النمو ونضج العقل، وحصافة التفكير، وكنت في أوليات الخامسة والثلاثين بعد ألف وثلاثمئة، وتقدّمت بالناس جماعة من الأخيار، أمام جماعة في الصحن والحرم الشريف، وشرعت في درس خارج عنوانه (العروة الوثقى) للسيّد الأستاذ، وشرحته شرحاً مبسوطاً استدلالياً، وكان السيّد الأستاذ قد انحصرت الزعامة الروحانية والمرجعية العظمى في ذلك العصر بشخصه الكريم، وله الحكم النافذ، يُرجع لأخي المرحوم - أعلى الله مقامه - ولي جميع المرافعات، ويمضي حكمنا، والحكومة المحتلة تنفّذ ذلك الحكم طبعاً، وقد تغيّرت بعد الاحتلال الأوضاع، وتبدّل شكل الدنيا وساءت الأحوال، وإن كثرت الأموال، فإن المستعمرين أيام الحرب وأوائل الاحتلال ملأوا بيوت الناس بالأموال، ثم لم يكتفوا بعد قليل بسحبها وسحب فايضها أضعافً مضاعفة، بل سحبوا الأخلاق والشرف والعزّ والكرامة، بل الصحة والسّلامة، فضلاً عن الدين والفضيلة، وبالغوا مكراً وخديعة في إكرام العلماء الروحانيين رؤساء الدين، خاصة للسيّد الأستاذ (قُدِّس سِرُّه) مع شدّة احتقاره لهم وتجافيه عنهم.

كان السير برسي كوكس الشهير(٣) ، يكثر من زيارته في الجسر وفي النجف،

____________________

(١) الكابتن أف. سي. سي. بلفور: عيّن حاكماً سياسياً للواء عموم النجف والشامية في ١ تشرين الأول ١٩١٧، لعدم استطاعة الوكيل الحكومي من قبل السلطة في النجف حميد خان من تهدئة الوضع واستتباب النظام.

(٢) من خلال هذه الفقرة نستشف أن السيّد اليزدي توسط في الإفراج عن كثير من النجفيين والمعتقلين بهذا الحادث.

(٣) السير برسي زكريا كوكس: ولد في ٢٠ / تشرين الثاني / سنة ١٨٦٤، بمقاطعة أسكس، دخل العراق ضابطاً =

٧٠٥

فيجلس على الحصير المتقطع المتلاشي، ويبقى بالانتظار مدّة إلى أن يخرج السيّد ثم يجلس معه قليلاً، ويقوم قبل زائره، ولا يكلّمه إلاّ بضع كلمات، وكان كثير من زعماء القبائل وشيوخ الأطراف في النجف بعد إظهار موالاة الإنكليز قلبوا ظهر المجن له، وتذمروا من أعماله سيّما (دلّي)(١) ، حاكم الديوانية، فإنه أساء معاملة رؤساء القبائل، وكان يعاملهم بسوء المعاملة، ويقابلهم بالاحتقار والمهانة. وكلّما رفعوا شكواهم وطلبوا من معتمد بريطانيا في العراق تحويله، لا يصغي عليهم. فصمّموا على الثورة، وبما أن الثورة لا تكون ذات أثر إلاّ إذا استندت إلى موافقة الزعيم الروحاني والمرجع العام، فكانوا يحضرون - أرى ثلة - ويفاوضونه في الأمر سرّاً وتحت حجب الخفاء، والسيّد (أعلى الله مقامه) لمعرفته البليغة بأحوال أهل العراق، وعدم ثقته بهم، يتنصّل من الدخول معهم ومن مساعدتهم، ويقول: أنا لا آمركم ولا أنهاكم، فدعوني جانباً وملجأ عند الفزع وعدم الفوز لا سمح الله. وبقيت الفكرة تختلج في الصدور، والقوم يحجمون تارة ويقدمون أخرى، كلّ ذلك من عدم موافقة السيّد التي كانت هي الحزم والسّداد.

وفي منتصف رجب سنة ١٣٣٧، توعّك السيد وأصابته حمّى شديدة، وامتنع عن الخروج للصلاة والدرس، وفي اليوم الثالث من عروض الحمّى عدناه عصراً، وكان لا يأذن بالعيادة إلاّ لقليل من الخواص، فخلى بنا في محلّه الخاص، فكنت وأخي المرحوم(٢) والسيد (قُدِّس سِرُّه) ولا رابع معناه إلا الله جلّ شأنه، فقال: أجدني لا أسلم

____________________

= سياسياً عاماً مرافقاً للحملة العراقية من سنة ١٩١٤ إلى ١٩١٩، وذهب إلى طهران وكيلاً لسفير بريطانيا في طهران من عام ١٩١٩ إلى ١٩٢٠، وعاد إلى العراق مندوباً سامياً لملك بريطانيا من عام ١٩٢٠ - ١٩٢٣.

(١) ديلي وليس دلي: الحاكم السياسي للواء الديوانية.

(٢) الشيخ أحمد بن الشيخ علي بن محمد رضا آل كاشف الغطاء: من كبار أعلام الفقه والتحقيق والعلم، انتهت إليه الرئاسة العلمية، وبعد من طليعة الفقهاء المحققين، ولد في النجف سنة ١٢٩٢، وتلقى العلوم عن أفاضل عصره، وانتقل إلى درس الشيخ أغا رضا الهمداني، والشيخ محمد كاظم الخراساني، والسيد محمد كاظم اليزدي، والميرزا حسين الخليلي، واختص بالسيد اليزدي، وتصدى للتدريس والبحث وحضر عليه كثير من أهل البحث والفضل، وكان كريماً جواداً حليماً، توفي في ١٩ ذي الحجة ١٣٤٤هـ.

انظر مصادر ترجمته: في بحث (تدريسه وتلامذته).

٧٠٦

من هذا المرض، وإني راحل عن قريب، وتعلمون أن أولادي الذين كنت أعتمد عليهم، وأثق بهم قد رحلوا أمامي، ولم يبق من ولدي من أعتمد عليه، وعليّ حقوق كثيرة، وأموال في البيت وعند التجار وافرة، وأريد أن أوصي إليكم لتفريغ ذمتي وأداء واجباتي. ويعني أولاده الذي كان يعتمد عليهم: ولده الكبر السيد محمد، الذي توفِّي في الكاظمية بعد رجوعه من السفر الثاني الذي سافر للجهاد سنة ١٣٣٤، وسيد محمود الذي توفِّي بعده بسنتين تقريباً، والسيد أحمد الذي توفِّي قبلهما، هو والسيد حسن بمدة طويلة. فلما ألقى علينا تلك الكلمات، ونعى إلينا نفسه الشريفة، كأنما أطبقت السماء علينا، واسودّعت الدنيا بأعيننا، ثم أخذ (رضوان الله عليه) يشجّعنا ويسلّينا ويناشدنا حق الأستاذية، وأنه لا يعتمد على غيرنا، فطلبنا منه أن يشرك معنا شخصاً أو شخصين للمساعدة ورفع الهم وظن السوء، فأشرك الحاج محمود أغا والشيخ علي المازندراني من وجوه تلاميذه، ثم ألقى عليّ المطاليب التي في نفسه، وأمرني بكتابة الوصية بخطي كي يوقّع عليها، فكتبتها وجئت بها إليه صباحاً، فأمرني بكتابة وصيته وتشتمل على ما في الأولى، وعلى زيادات تجددت في نظره، فكتبتها بخطي وجئت بها إليه عصراً.

وكان قد اشتد مرضه، فبعث الشيخ عبد الرحيم اليزدي - خادمه الخاص - وجمع له جماعة من أعيان تجار النجف من العجم والعرب، وجماعة من طلاّب العلم الأفاضل، وجملة من الأعيان، فحضروا ليلاً، وأمرني فقرأت عليهم الوصيتين، وأمرهم بأن يحرّروا شهادتهم فيها، ووقّع عليهما بخطّه وخاتمه، ثم أحضر الحاكم السياسي الإنكليزي مع العميد حميد خان فشهدا فيهما.

وفي ليلة الثامن وعشرين من رجب مقارن طلوع الفجر، انتقل إلى رحمة الله، وكان من جملة وصاياه: إعطاء الخبز للطلاب ثلاثة أشهر، وطبع تتمات "العروة الوثقى"، وإن زاد المال تطبع "السؤال والجواب"، وإعطاء العبادات والحجج المقيدة في دفاتره، فأنجزنا بتوفيقه تعالى جميع ما أراد.

ولا تزال الوصيّتان وهما بخطّي وتوقيعه وتوقيع الشهود محفوظتين عندي مع دفاتره، وكان كثيراً ما يقع الخلاف والتشاكس بين الأخ المرحوم وبين الوصيين الآخرين ويقف العمل، فأسعى بلطائف التدابير في إصلاحهما والتقارب، إلى أن أنجزت

٧٠٧

الوصايا بأجمعها، وكان المال الكثير قد اختلس في دار السيد، ولم نحصل إلاّ على القليل منه، وسلّمت لنا الأموال التي عند التجار، على أن بعضهم أيضاً جحد الكثير منها.

وانتقلت المرجعية العامة والزعامة الكبرى بعد السيد (قُدِّس سِرُّه) إلى المرحوم الشيخ محمد تقي الحائري، فالتفّت عليه زعماء القبائل ووجدوا منيّة السيد ثمرة الثواب سيَّما وقد كان التفاوت بين الزعيمين في أصل طباعهما بعيداً جداً، فقد كان السيد (رحمه الله) صعب المراس، شديد الشكيمة، في غاية الحذر وسوء الظن، لا يغرّ ولا يخدع. بخلاف المرزا (قُدِّس سِرُّه)؛ لأنه سلسل القياد، سريع الاعتقاد، حسن الظن، فأقنعوه على الموافقة على الثورة واستدرجوه...(١) الستار، وتحرّك أولئك الرؤساء والزعماء فكانت [الفوائد] لهم، والوزر والكفاح على أولئك الأغبياء، وكانت النتيجة لأولئك الذين ما أصيبوا في تلك الحوادث بشوكة، ولا خسروا في الثورة قلامة ظفر. ولا نريد أن نأتي على تفاصيل تلك الثورة وشئونها وشجونها، فإنها تحتاج إلى إفراد مؤلف واسع، وقد كتب كثير من الكتبة فيها، ولكن لم يأتوا على جميع أسرارها ودقائقها، ولا تزال الحقائق مطمورة في الصدور دون السطور إلى يوم النشور، ولكن الغرض أن بعد أن نشبت أظفار الثورة واستعرت الحرب بين قبائل الفرات الأوسط والجنود البريطانية، اشتركنا في القضايا الوطنية واشتغلنا بها، ولما تغلّب الإنكليز ازدادوا بتبعيدنا، فحال الله بينهم وبين ذلك إلى أن توفِّي المرحوم المرزا محمد تقي، ورجعت الزعامة الروحية إلى المرحوم الأستاذ الشيخ شريعة الأصفهاني، وكان في آخر رمق من الحياة، وبعد ستة أشهر تقريباً انتقل إلى دار البقاء...

____________________

(١) موضع النقاط كتابة غير مقروءة.

٧٠٨

الملحق رقم - ٢ -

من مذكرات

العلامة

السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني

عن المشروطة والاستبداد

تقديم:

كامل سلمان الجبوري

٧٠٩

٧١٠

السيد محمد علي هبة الدين الحسيني الشهرستاني

صاحب المذك َّ رات

٧١١

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

* هو السيد هبة الدين محمد، علي، بن الحسين العابد، ابن محسن الصراف، ابن المرتضى، بن محمد، ابن الأمير السيد علي الكبير، بن منصور، ابن شيخ الإسلام أبي المعالي محمد نقيب البصرة، ابن أحمد، ابن شمس الدين محمد البازباز، ابن شريف الدين محمد، ابن عبد العزيز النقيب، ابن علي الرئيس، ابن محمد، بن علي القتيل، ابن الحسن النقيب، ابن أبي الفتوح محمد، ابن شريعة الملة الحسن، ابن عيسى، ابن عز الدين عمر، ابن أبي الغنائم محمد، بن محمد النقيب، ابن الشريف أبي علي الحسن، ابن أبي الحسن محمد التقي السابسي، ابن ابي الحسن محمد الفارس النقيب، ابن يحيى نقيب النقباء، ابن الحسين النسَّابة النقيب، ابن أحمد المحدّث، ابن عمر، بن يحيى، بن الحسين ذي الدمعة، ابن زيد الشهيد، ابن الإمام زين العابدين علي، بن الحسين، بن علي بن أبي طالب، الحائري الكاظمي.

* عالم ثائر، وفقيه مجدّد، وأديب بارع.

* ولد في سامراء - العراق - يوم الثلاثاء ٢٤ / رجب / عام ١٣٠١هـ.

* قرأ على أبيه مبادئ العلوم ومقدّماتها.

* انتقل إلى كربلاء مع والده بعد وفاة الميرزا السيد حسن الشيرازي.

* وفي عام ١٣٢٠ هاجر من كربلاء إلى النجف لإكمال دراسته العالية، وحضر على السيد محمد كاظم اليزدي، والشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني، وشيخ الشريعة الأصفهاني.

* انصرف إلى التأليف والكتابة والنشر، وفي سنة ١٣٢٨هـ، أصدر مجلَّة (العلم)، وهي أول مجلة عربية صدرت في النجف، وأسّس لها مكتبة عامة.

* قام بسفرات في مختلف العواصم الشرقية من عربية وإيرانية وهندية، منها: سوريا ولبنان ومصر والحجاز واليمن وإيران والهند وغيرها، وكان خلال إقامته داعياً للدين ونشر المعارف، وقد استغرقت رحلته هذه ثلاث سنوات ١٣٣٠هـ - ١٣٣٣هـ، وعاد في أول رمضان إلى النجف.

٧١٢

* كان في طليعة المجاهدين ضد الاحتلال البريطاني عام ١٣٣٣هـ / ١٩١٤م، إذ تحرّك في أوائل محرم ١٣٣٣هـ من طريق الفرات بجمع من عشائر آل فتلة وبني حسن والعوابد وغيرهم إلى السماوة، فالمنتفك (الناصرية)، فسوق الشيوخ، إلى أن التحق بالشعيبة من الجناح الأيمن. وهناك مفرزة تحت إمرة (علي بك) و(أحمد أوراق) التحق بهم الوالي (سليمان عسكري باشا) وقد صوّر الحوادث التي وقعت فيها وما أصاب الجيش المجاهد من خذلان بمذكرات أسماها (أسرار الخيبة من فتح الشعيبة)، وقد نشرت في كتابنا السابق (النجف الأشرف وحركة الجهاد ١٣٣٢ - ١٣٣٣هـ / ١٩١٤م)، كما عاصر أحداث مقتل الكابتن مارشال وحصار النجف، وكتب مذكراته التي عنوانها (حصار النجف وأخبارها). وقد تفضّل نجله الأستاذ جواد هبة الدين المحامي - بتصويرها والتقديم لها ونشرها كتابنا (النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال). ثم عاد إلى النجف بعد انسحاب الجيوش، وقد ألمّ به المرض.

* سكن في كربلاء، وعند اشتعال فتيل الثورة العراقية ١٩٢٠ كان من طليعة أبطالها والمهيئين لها، وله دور كبير أوردته جميع مصادر الثورة ومذكَّرات رجالها. وألقي القبض عليه وأودع في سجن الحلة العسكري، وأفرج عنه في رمضان ١٣٣٩هـ.

* أسند إليه منصب وزارة المعارف في أول وزارة شكّلتها الحكومة العراقية ١٩٢١.

* كما أسند إليه منصب رئيس مجلس التمييز الشرعي الجعفري.

* وفي عام ١٣٦٠هـ أسس مكتبة الجوادين العامة في الصحن الكاظمي الشريف.

* توفِّي في يوم الاثنين: ٢٦ / شوال / ١٣٨٦هـ.

* أعقب: السيد جواد المحامي، والسيد عباس، والسيد زيد.

* من آثاره:

أضرار التدخين، الأمة والأئمة في طرق تعيين خلفاء النبي (ص)، التذكرة في إحياء مجد العترة، التذكرة لآل محمد الخيرة، التنبه في تحريم التشبه بين الرجال

٧١٣

والنساء، تنزيه التنزيل في إثبات صيانة المصحف الشريف من النسخ والنقص والتحريف، توحيد أهل التوحيد، الجامعة في تفسير سورة الواقعة، جبل قاف، حلال المشكلات، الدلائل والمسائل ١ - ٥، ما هو نهج البلاغة، المعجزة الخالدة، نهضة الحسين (ع)، الهيئة والإسلام، وعشرات غيرها.

ترجمته في:

أعيان الشيعة ١٠/٢٦١، تاريخ الصحافة ٢٦. الذريعة ٢/٩٩، ٢١٤، ٤٨١، وج٣/٦٣، ٤٨٦ وج٤/٢٢٩، وج٥/٨ وج٦/٣٧٨ وج٨/٨٧ وج١٠/٤٤، ١٨٩، وج١١/٢٥٧، ١٣٩ وج١٢/١٠١، ٣٧ وج١٤/١٨٣ وج١٦/٣، ١٠٥ ٢٧٧، وج١٩/٣٢ وج٢٣/٢٤٣ وج٣٤/٤٣٠ وج٢٥/٢٥٩. ريحانة الأدب ٣/٢٧٤ وج٦/٣٥٠. شعراء الغري ١٠/٦٥. علماء معاصرين ٢٠١. كتابهاي عربي جابي ٣٤، ٦٧، ١٠٤ ١٣٠، ١٥٧، ١٩٧، ٢٢٠، ٢٢٤، ٢٢٨، ٢٣٤، ٢٤٨، ٢٧٣، ٢٧٤، ٣٠٨، ٣١٨، ٣١٩، ٣٦٥، ٣٦٦، ٣٩٩، ٤٩٢، ٦٧٣، ٦٩٠، ٧٧٨، ٨٦٤، ٨٦٩٠، ٩٦٧، ٩٧٧، ٩٨٣، ١٠٠٣، ١٠٠٨. مصادر الدراسة ٥٤. مصفى المقال ٣٣٧. معارف الرجال ٢/ ٣١٩. معجم المؤلفين العراقيين ٣/٤٣٨. نقباء البشر ٤/١٤١٣. زندگاني جهار سوقي ٢٢٧. معجم رجال الفكر والأدب في النجف ٢/٧٦٢.

هذه المذكَّرات:

للسيد هبة الدين الشهرستاني مذكَّرات حول حركة المشروطة والاستبداد، وقد نشرها المرحوم الأستاذ علي الخاقاني ضمن ترجمة السيد الشهرستاني في كتابه (شعراء الغري) ١٠/٧٩ - ٩٠، ولأهمّيتها وعلاقتها بموقف السيد اليزدي نوردها بنصّها:

٧١٤

نص المذكَّرات

بسم الله الرحمن الرحيم

... يقول علماء الاجتماع إن للحوادث سلسلة فكرية إيجابية، فكل حادث له علاقة بسابقه، وإن لم يتصوره المتصوّر. وإذا لاحظنا هذه الحركة الفكرية الدينية وأمعنا النظر فيها، وجدناها صدى لحوادث تقدَّمتها.

في شهر رجب من عام ١٣٢٤هـ وردت النجف رسائل من قبل علماء طهران وفيها يستنجدون ويطلبون مشاركة الرأي للفكرة التي بدأوها، وهي المطالبة بايجاد مجلس يركن إليه شاه إيران (وهو مظفر الدين)، ويأخذ بمقرّراته "عين الدولة" (وهو رئيس الوزراء المعروف بالصدر الأعظم) وحكومته، وحاكم طهران العام علاء الدولة، والمجلس يرتكز على فكرة إيجاد عدالة تحترمها الحكومة ولا نتعدّاها، وتكف عن الظلم والحيف الذي لحق الناس من أعمالها واستبدادها. وقد سمّوها (عدالت خانه).

وكان لهذه الفكرة أولاً صدى ضعيفاً عند الحكومة، فلم يعبأ بها عين الدولة، كما لم يهتم بأمرها الشاه مظفر الدين، غير أن العلماء الذين أبدوا الفكرة وسجّلوها في رسائلهم ومضابطهم، واصلوا الأمر بجد واهتموا في انجاح الموضوع مهما كلّفهم من خسارة. وأول عمل إيجابي قاموا به، انسحابهم من مدينة طهران والتحاقهم بمدينة الشاه عبد العظيم التي تعتبر آنذاك حصناً محترماً وحضيرة مقدسة، وعندما دخلوها في رمضان تلك السنة، أخذوا يذيعون مقرّراتهم وأرائهم، [حتى] صار الطلاب المثقفون ومن هم دون مرتبتهم العلمية ينضمون إليهم ويساندونهم، كما التحق بهم فريق من الخطباء والوجهاء الذين يحملون الشعور الديني والعدلي، حتى بلغ عددهم الألف، وبذلك ظهر الصدى وتردد على أذن الشاه وحكومته، وشعر الجميع أن الأمر تطوّر وسيؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، وصاروا يفكّرون في الأمر وفي إيجاد الحلول التي تقضي على هذه الظاهرة الخطرة التي قد تصل في خطرها إلى نسف الدولة وإيجاد غيرها، وشعروا بأن الرأي العام الذي هو صدى العلماء صار يردد بجرأة جرائم الدولة القاجارية وأنواع الظلم الذي قامت به.

٧١٥

أما العلماء الذي تبنّوا الحركة أولاً، جماعة هم:

١ - الحاج سيد عبدالله بهبهاني.

٢ - الآقا أمير السيد محمد الطباطبائي.

٣ - الحاج شيخ فضل الله النوري.

وأول رسالة بعثوها إلى علماء النجف وهم:

- أبو الأحرار الشيخ ملا كاظم الخراساني.

- والشيخ ميرزا حسين الحاج ميرزا خليل.

- والشيخ عبدالله المازندراني.

- والسيد كاظم اليزدي.

وقد طلبوا فيها إرسال البرقيات والرسائل التي تنصح الحكومة والشاه وتطلب منهم النزول على رغبة العلماء والشعب والكف عن المظالم التي يقومون بها. وفعلاً بادر هؤلاء العلماء ببعث البرقيات والرسائل المؤثّرة والمؤنّبة والناصحة، وكان لها صدّى قوياً في نفس الحكومة، كما أن علماء طهران وجدوا فيها سنداً وقوة للمجاوبة التي حصلت والاتفاق الذي تم بفهم قيمة الهدف وشرفه.

ولأهمية مركز النجف في العالم الإسلامي، فقد أخذت الفكرة أولاً من طهران وتبنتها، وصارت طهران أخيراً صدى إلى النجف الذي هز بوقته عرش القاجار وزلزل مركزه وأوى به، ودارت الفكرة حول محورها الذي أصبح عَلَماً للجميع وأبا للحرية الديموقرطية، وهو أستاذي الجليل الشيخ الخراساني، وآنذاك صار كل إنسان يحمل فكراً نقياً وثقافة واسعة وعقلاً ناضجاً ينظم إلى هذه الحلقة الذهبية التي قلبت تاريخاً واسعاً وخلقت تاريخاً جديداً، وصار الرجال الأبطال وأعلام الدين يهتفون بالخطط التي وضعوها والمقرّرات التي هيّأوها، وبذلك كثر العديد الذي لا أشك بأن الفرد منهم كان أمة، وكان لأخواني الذي انظموا إلى حلقتي الأثر الكلي في ترويج الفكرة وإيصالها إلى أكبر عدد من الناس، فقد أجمع العلماء ورجال الدين على ذلك، وكان في أول الأمر مع الجماعة ومن المؤيدين، غير أن الذين تبنوا الفكرة لم يشعروا ولم يلمسوا منه صدق العمل بالاستمرار فقد كوّنوا بأسلوب غير مباشر جواً معكّراً ضده أدى بالأخيرة إلى تشويش الأذهان نحوه وجفاء الناس له.

٧١٦

واستمرت الحركة من عام ١٣٢٤هـ إلى عام ١٣٢٩هـ حيث توفِّي الإمام الخراساني، وفي خلال ذلك اجتمعت الكلمة من قبل رجال الدين، غير أن المفاجئات التي داهمتنا أوجدت تفكّكاً في الصفوف.

وإني كنت استغرب هذه الأسباب والأساليب التي تتولّد في كل يوم، غير أني كنت أعلّل ذلك بأمور، هي: أن السلطتين الإيرانية والعثمانية أخذت تتجاوب تجاوياً سريعاً؛ لأنهما كانتا على طريقة واحدة في الحكم: ألا وهي الاستبدادية المقيتة، وبذلك فقد فاجأت الحكومة التركية الرعايا الإيرانيين بوضع ضرائب عليهم غير منتظرة ولا مأمولة، ممّا حدا بالرعايا الإيرانيين أن يستنجدوا بالعلماء وإن يطالبوا لهم برفع ذلك، والعلماء هنا وَقَعوا في حيرة من الأمر، فهم غير منظورين من الأتراك بصورة رسمية؛ لأنهم من شعب إيران وقد أخلي الظهر، فصارت دولتهم ضدّهم، وهنا اتسع الخرق وحدثت مأساة فضيعة أدت إلى مقتل العشرات من الناس.

وللإنكليز أصبع آخر، هو إدخال نفوذه المعدوم آنذاك في صفوف المسلمين. والواقعة وقعت في كربلاء، وذلك عندما أيس الناس من نجدة العلماء لهم، فصاروا يستنجدون بقنصل الإنكليز، وهو محمد حسن النواب الكابلي القندهاري، وهو بدوره يشّجعهم على التمرّد ويقدّم لهم الضمانات الكاذبة والأساليب المعسولة، وبذلك طمع الناس به وساقهم جهلهم إلى الاطمئنان، فتجمّعوا حول داره وتحت العلم الإنكليزي المئات من الناس إن لم أقل الألوف، وصاروا يعلنون رجوعهم واحتماءهم بشخص القنصل وبالعلم البريطاني، واستمروا في ذلك بعد أن انقطع الطريق ليلاً ونهاراً وجاءوا بأفرشتهم وصاروا يأكلون وينامون في الجادّة أكثر من خمسين يوماً، وبذلك تصوّروا أن الحكومة لا تستطيع طردهم لاستمرار بقائهم، غير أن المتصرّف (رشيد باشا الزهاوي) بعد هذا الزمن أرسل إليهم مدير الشرطة فانذرهم بالارتحال من هذا المكان وفتح الطريق، ولكنّهم كانوا يقابلون الرسول بالاستهزاء والمسخرة، وكانت مدّة الإنذار أسبوعاً واحداً، وبعد ذلك عزّزه بإنذار آخر مدته أربع وعشرون ساعة، وكذلك لم يعبأوا به، وفي الإنذار الثالث الذي كانت مدّته ست ساعات، وهي من أول الغروب إلى نصف الليل، فكل من يجدونه يكون طعمة للرصاص، وأيضاً لم يهتموا بالأمر، وفي ليلة القدر من رمضان جاءت الشرطة وبيدهم البنادق فصوبتها نحوهم، ففي الإطلاقة

٧١٧

الأولى وقع منهم سبعون، والجرحى لا عدد لهم، وفرّ الباقون بعد أن استنجدوا بالنّواب وطلبوا منه فتح الباب ليلوذوا به فلم يجدوا من مجيب ولا مجير.

وبعد أن وقعت هذه الواقعة المؤلمة، والتي أشغلت بال ولاة الفكرة المحترمة وهم العلماء، صارت التعليقات تخلق ساعة بعد ساعة، وصار الخصوم من اتباع الاستبداد يستظهرون على أبطال الديموقراطية، وكانت واقعة كربلا خير وسيلة للتفرقة والتشنيع على جماعتنا، فقد فرّقت بين صفوف العلماء حيث لم يتدخّل شيخنا الخراساني، غير أن الحاج ميرزا حسين والسيد كاظم اليزدي تدخّلا بصورة النصيحة والإنذار حيث بعثا رسلاً، كما تدخّل السيد محمد بحر العوم صاحب البلغة وغيره في نصيحة القوم، فلم يرتدعوا ولم يفد بهم النصح.

وبعد فتك الحكومة العثمانية بأهالي كربلاء، صارت تضايق رجال الدين الذين كانوا يتأسون للحادثة، كما أن القنصل الإنكليزي، وهو النواب، الذي ورّط الناس صار يساند فكرة رجال الدين لتنميتها من جديد، ولكن المتصرّف وقف سداً دون إظهار استياء العلماء بعدم بعث البرقيات والرسائل، غير أن زعيماً دينياً معروفاً وهو السيد علي الشهرستاني المرعشي استطاع أن يفلت بمغامرة لطيفة، وهي تظاهره بالكسل وخروجه إلى بعض الرساتيق للراحة، وبذلك فلت من السياج الذي وضعه المتصرّف على رجال الدين، فقد غادر كربلاء إلى بغداد ودخل السفارة الإيرانية واستطاع أن يعلم السفير عن التصرفات التي أجراها المتصرّف، والقتل الذي حلّ بالرعايا الإيرانيين وصار هذا يستعمل الشفرة مع السلطان وعلماء طهران الذي تحصّنوا في الشاه عبد العظيم، كما استطاع أن يتصل بالوالي ببغداد ويعلمه سوء تصرف المتصرّف وسوء المغبة التي ستجلبها أعماله.

وما أن حلّ شهر المحرم من عام ١٣٢٥هـ وضح الاختلاف بين أعلام الحركة، وتفككت صفوفهم وصدرت الأوامر من إستانبول بوضع الرصد عليهم، وحجرهم بصورة غير مباشرة، وحجب الصحف عنهم، وهذا الحال أوجب أن ينشق الأمر إلى شعبتين: الشعبة الأولى هي التي لا تزال ترتبط بإيران. أما علماء كربلاء، فقد حصل لهم ربط بإستانبول.

وهذه الحالة أوجبت ضعف علماء طهران لضعف المساندين لهم في النجف

٧١٨

ومصادمة الأتراك لهم، وهذه المصادمة لا أستبعد - كما سبق - أنها نتيجة توجيه الحكومة الإيرانية للحكومة التركية وإفهامها مغبة المصير على الجميع فيما إذا قوت شوكة علماء الدين.

ولما ضعف نفوذ العلماء في الشاه عبد العظيم، انتبه (عين الدولة) ورجاله والشاه مظفر الدين وحاشيته فطلبوا منهم التفرّق في البلدان، والتحاق كل منهم بعمله الخاص، فكان ما أرادوا. غير أن الذين شايعوهم في الرأي من الوجوه والأعيان ورجال البلد أحسّوا بالشر، فتحصّنوا بالسفارة الإنكليزية، وصارت زوجة السفير، وكانت مثقفة تفهمهم أن الطلب الذي تذرّعوا به لا قيمة له، وأن (عدالت خانه) لا قيمة لها، في حين أن الغاية أوسع وأهم من ذلك: بأن تكون المطالبة بإيجاد الحرية والمساواة وإيجاد الشورى والمشروطية، وبعد أن نضجت الفكرة في معظم هؤلاء، انقلبت الأهداف والطلبات إلى هذه العناوين، مما أدى إلى حدوث تطور جديد وفكر جديدة تمتاز عن الأولى بتبلور الفكرة وتنقيحها.

والذي طوّر الأمر ولطفه وبسّطه هي جريدة (حبل المتين) التي تصدر آنذاك بكلكته، فقد كانت لسان حال الأحرار في العالم الشرقي والإسلامي، فكانت تهاجم الحكومة القاجارية وتأريخ القاجار وإثبات معايبهم وظلمهم، كما تطري المجاهدين والمصلحين أمثال السيد جمال الدين الأفغاني الذي وقف في وجه الاستبداد القاجاري والفوضوية القاجارية.

وكانت (حبل المتين) تأتي بغداد بلا رقابة، غير أن وصولها إلى كربلاء والنجف كان عسيراً لوقوف السلطة الإدارية ضدّها وضد الفكرة، ولكن بعض التجار الأحرار وهم الحاج علي أكبر الأهرابي وحاج ملا أحمد اليزدي هما اللذان كانا يوصلانا إلى أصحابنا الذين يتلهّفون عليها بواسطة موادهم التجارية.

وفي الوقف الذي كانت جريدة (حبل المتين) تغذّينا بالمعلومات، كان الصديق الشيخ ضياء الدين النوري يطلب لنا من مصر جريدة (المؤيد) و(اللواء) و(الهلال)، كما يجلب لنا الكتب التي تتضمن سير المصلحين أمثال كتاب (مشاهير الشرق)، وكنا نقف على كثير من الحقائق التي خفيت علينا، فقد وجهت كثيراً من النفوس كما خلقت من الكثيرين مناظرين ومجادلين ومحاكمين لأقوال المأجورين من الخصوم، وما أن تم

٧١٩

عام ١٣٢٥هـ حتى وجدنا كثيراً من الرجال استعدوا للهجوم عن طريق العلم والمعرفة، والوقوف على كثير من الحقائق التي كانت ما وراء القصور وصار يدير الفكرة بطهران الذوات الذين تحصنوا بالسفارة الإنكليزية.

غير أن الروس بالنظر لخصومتهم المعروفة للإنكليز، رأوا أن الإنكليز قد توغّلوا في صفوف الحكومة والشعب الإيراني، وصاروا يبذرون سمومهم عن طريق إيجاد الوعي، فارتأوا أن ينزلوا إلى ساحات العمل بإيجاد مؤسسات تعارض وتصادم السياسة الإنكليزية، وأن يتصلوا بالشاه محمد علي وجماعة المستبدين، فأسست بطهران وأسست في النجف قنصلية قائمة مشاغبة وقنصلاً فخرياً هو أبو القاسم الشيرواني، وبذلك استطاعوا أن يعملوا بواسطة هذين المركزين، وانظم الشيرواني إلى فريق من الرجال من جماعة السيد اليزدي، وهم الحاج محمود أغا وعبد الرحيم اليزدي خادمه وأمثالهما، وهؤلاء هم الذين استطاعوا أن يستميلوا السيد اليزدي إلى جانب الاستبداد ويفصلونه عن الشيخ الخراساني وجماعته.

وفي خلال عام ١٣٢٥هـ بدأ النزاع على أشده بين جماعة شيخنا الخراساني والسيد اليزدي، وقويت الخصومة التي بلغت منتهى الوحشية من إيذاء العوام لإخواننا وهيئتنا بتسميم فكرة العوام: من أننا نريد الحرية التي هي ضد الدين، وكثيراً ما كانوا يضربونهم على رءوسهم، وأعتقد أن بعض الشياطين منهم عملوا عملاً سيئاً خدموا فيه جماعة اليزدي بنشرهم إعلاناً ألصقوه على الجدران، رسموا فيه يداً وفيها مسدساً خاطبوا فيه السيد اليزدي وناشدوه النزول على رأي رجال المشروطة. فإنْ لم يفعل، يقتلونه. فكان لهذا الإعلان أثر سيء في نفوس العوام وانتصارهم لليزدي، فقد هاجت عواطفهم واعتبر أن هؤلاء مجرمين يريدون القضاء على ابن رسول الله، وانحاز إلى جنب اليزدي فريقا الشمرت والزگرت، الذين عرفوا بمروقهم عن الدين وقتلهم الأنفس المحرمة واستغلالهم لأموال اليزدي، وأعلموه بأنهم من أنصاره وأعوانه، وصاروا يخرجونه من داره إلى الحرم وهم مدججون بالسلاح ويهتفون باسمه. وعزّز اليزدي مركزه الموقت بجلب أسرة علمية لها مركزها وهم أسرة آل كاشف الغطاء، فقد دعى الشيخ أحمد وأخاه الشيخ محمد حسين وطلب منهما مساندته والتعلق بهما وبآلهما، وبذلك انقطعا عن الحضور في حلقة الإمام الخراساني، بعد أن كانا من الملازمين الثابتين فيها. غير أن

٧٢٠

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780

781

782

783

784

785

786

787

788

789

790

791

792

793

794

795

796

797

798

799

800

801

802

803

804

805

806

807

808

809

810

811

812

813