البنك اللاربوي في الإسلام

البنك اللاربوي في الإسلام0%

البنك اللاربوي في الإسلام مؤلف:
تصنيف: فقه استدلالي
الصفحات: 273

البنك اللاربوي في الإسلام

مؤلف: السيد محمد باقر الصدر
تصنيف:

الصفحات: 273
المشاهدات: 16119
تحميل: 3002

توضيحات:

البنك اللاربوي في الإسلام
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 273 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 16119 / تحميل: 3002
الحجم الحجم الحجم
البنك اللاربوي في الإسلام

البنك اللاربوي في الإسلام

مؤلف:
العربية

ملاحظات عامّة حول البنك اللاربوي

(١) [ ضرورة تحصين البنك اللاربوي عن طريق زيادة رأس المال ]

أرى من الضروري للبنك اللاربوي أن يتمتّع برأسمالٍ أضخم نسبياً من رؤوس الأموال التي تكوِّن البنوك الربوية عادةً ؛ وذلك لأنّ رأسمال البنك هو الذي يقوم بصورةٍ رئيسيةٍ بتحمّل أعباء الخسائر التي يُمنى بها، ويسنده في مواجهتها وتلافيها تدريجياً دون أن ينعكس ذلك على المودِعين والعملاء، وبهذا يبقى البنك محتفظاً بثقة الجميع، ويواصل عمله وفتح بابه لِكلِّ مودِعٍ وعميل. وهذا الارتباط الوثيق بين الخسائر المحتملة ورأسمال البنك هو السبب في ما تتّخذه الحكومات عادةً من وضع حدودٍ قانونية للنسبة بين القرض المدفوع لشخصٍ واحدٍ ورأس المال الممتلك، وحدودٍ قانونيةٍ لنسبة رأس المال إلى مجموع الودائع التي يتسلّمها البنك.

وما دام رأس المال يقوم بهذا الدور ويؤدّي هذا الغرض فكلّما كانت مسؤوليات البنك أضخم وطبيعة عمله أكثر تعرّضاً لحالات الخسارة يصبِح من الطبيعيّ أن يُزاد في رأس المال ليكون وقايةً وسنداً في مثل هذه الحالات.

٨١

والبنك اللاربوي بحكم تحمّله تبعات الخسارة وضمانة قيمة الودائع كاملةً للمودِعين ؛ يجب أن يُدخل في حسابه الاحتمالات الناجمة عن ذلك، ويحصّن موقفه عن طريق زيادة رأس المال، ولكنّ زيادة رأس المال لها حدّ يفرضه غرض الربح الذي يتوخّاه البنك في أعماله ؛ لأنّ رأس المال قد يزيد إلى درجةٍ يصبح من مصلحة البنك الربحية أن يستبدل عمله المصرفي بعملٍ آخر يستثمر به رأس ماله مباشرةً ويحصل على كلّ أرباحه.

والواقع أنّ الترتيب الخاصّ لموارد البنك من رأسمال وودائع ثابتة هو الذي سوف يحدّد ربحية العمل المصرفي ويؤكّد مداها ؛ وذلك أنّنا إذا فرضنا أنّ الودائع الثابتة، المضارَب بها في البنك اللاربوي، بلغت عشرة أضعاف رأس المال الأصلي، فلَكَي يعرف البنك أيّها أربح، عليه أن يواصل عمله كبنكٍ لاربوي يتوسّط بين المودِعين والمستثمِرين على أساس المضاربة وفقاً للأطروحة التي قدّمناها، أو أن يستبدل عمله المصرفي بالدخول إلى ميدان الاستثمار بكلّ رأس ماله مباشرة. أقول: لكي يعرف البنك أنّ أيّهما أربح يجب أن يفترض نسبةً تقريبيةً للربح من أصل المال ويقارن بين المجموع الكلّي لربح رأس ماله الأصلي - الذي بإمكانه الحصول عليه لو دخل إلى ميدان الاستثمار مباشرةً - والنسبة المئوية المفروضة له من المجموع الكلّي لأرباح الودائع الثابتة بوصفه بنكاً وسيطاً بين المودِعين والمستثمِرين. وبقدر ما يزيد الكمّية المطلقة لهذه النسبة على المجموع الكلّي لربح رأس المال ويوجد الفارق بينها نعرف ربحية العمل المصرفي، فيجب أن تكون زيادة رأس المال في الحدود التي تحفظ ذلك الفارق بدرجةٍ معقولة.

وحتّى هذا الفارق بين الربح الكلّي لرأس المال الأصلي والنسبة الخاصّة من ربح مجموع الودائع ليس هو كلَّ شيء، بل هناك أشياء أخرى كثيرة يجب أن تدخل في الحساب.

٨٢

فمن ناحيةٍ يجب أن تقدَّر الأرباح الأخرى التي سوف يحصل عليها البنك اللاربوي نتيجةً لعمله المصرفي من عمولاتٍ وحَبْوات، الأمر الذي يحصل عليه لو نزل إلى ميدانٍ تجاريّ أو صناعيّ برأس ماله الأصلي مستثمراً. وكذلك يجب أن يُلاحَظ إلى جانب النسبة التي تعود إلى البنك من أرباح الودائع النسبة الأكبر منها التي تعود إلى البنك من أرباح الجزء الذي يمكن للبنك أن يستثمره عن طريق المضاربة، من رأس ماله الأصلي، أو من الودائع المتحرّكة.

ومن ناحيةٍ أخرى يجب أن تُلاحظ الظروف الشخصية للمؤسِّسين ومدى قدرتهم على ممارسة الاستثمار بشكله التجاري أو الصناعي المباشر، إلى غير ذلك من العوامل التي تؤثّر على الموقف.

(٢) [ قدرة البنك اللاربوي على توجيه الاقتصاد النامي في البلاد ]

أرى أنّ طبيعة البنك اللاربوي على ضوء الأطروحة المتقدّمة سوف تمدّه بالقدرة على توجيه الاقتصاد النامي في البلاد، ودفع مؤسّسات الأعمال نحو مواكبة الحاجات الحقيقية لحركة نموِّه، وسوف تكون قدرة البنك اللاربوي على ذلك بدرجةٍ أكبر من قدرة البنك الربوي ؛ لأنّ البنك اللاربوي لا يقتصر على إعطاء قروضٍ بمجرّد التأكّد من قدرة المقترِض المالية على الوفاء وثقته بمركزه الائتماني، بل إنّه سوف يدرس مع المستثمرين نوعية العمليات التي يَودّون القيام بها، وبذلك يتاح له أن يوجِّههم.

كما أنّه من ناحيةٍ أخرى سوف يحرص على ربحية العمل الذي يمارسه المستثمر، ولا يكفيه أن يكون المستثمر قادراً على تسديد الدين ولو خسر

٨٣

مشروعه، وبذلك يُحجِم عن توظيف الأموال في عملياتٍ غير مأمولة، أو في المشاريع الضعيفة التي تحاول أن تمتصّ جزءاً من رأس المال المعروض للاستثمار وتبدّده دون جدوى.

(٣) في ما يخصّ التنظيم الداخلي للبنك اللاربوي

لا يوجد فرق أساسيّ بينه وبين البنوك الربوية من حيث تكوين مجلس الإدارة والمديريات المتنوّعة التي تنشأ عادةً في تلك البنوك: كمديرية الحسابات، ومديرية الأفراد، ومديرية القروض، ومديرية الإحصاء، والبحوث إلى غير ذلك.

لكن يجب أن يُلاحظ في تكوين النظام الداخلي للبنك اللاربوي الأُمور التالية:

أولاً : إضافة مديريةٍ باسم(مديرية المضاربات) تختصّ بأعمال الوَسط بين المودِعين والمستثمِرين، وتنفّذ سياسة البنك في هذا المجال، وسوف تكون أضخم وأهمَّ مديريةٍ في البنك اللاربوي، ويجب أن يديرها أو يشرف عليها المدير العامّ نفسه.

ثانياً : أنّ البنك اللاربوي بحكم ارتباطه مصيرياً بأرباح مؤسّسات الأعمال التجارية والصناعية ؛ يجب أن تتوفّر في جهازه الإداري، وعلى مستوى الموظّفين الكبار فيه والمتوسّطين أيضاً، كفاءات من النوع الذي تتطلّبه تلك الأعمال، ولا بدّ أن يكون المدير العامّ للمصرف شخصاً غير بعيد عن السوق التجارية وأعرافها، وواسع العلاقات مع رجال الأعمال ومختلف صنوف المستثمِرين.

٨٤

ثالثاً : من الأفضل أن يُلاحَظ بقدر الإمكان في تكوين الجهاز الإداري للبنك اللاربوي أن يضمَّ أفراداً متديّنين ومنفتحين عاطفياً على فكرة البنك اللاربوي، ويُحسّون بتقديرٍ لهذه الفكرة ومغزاها الإسلامي ؛ لكي يشاركوا المؤسِّسِين الشعورَ بالمسؤولية ويعيشوا نفس الدوافع الرفيعة، الأمر الذي يؤثِّر على سير العمل ويحسِّنه ويضمن حركته دائماً بالشكل المناسب. إضافةً إلى أنّ إيمان الموظّف بأهميّة إنجاح البنك اللاربوي يجعله حريصاً على كسب رضا العميل ومعاملته بلطف. ومن الواضح أنّ التزام الموظّفين بسيرةٍ مهذّبةٍ وبروحٍ أخويةٍ في علاقاتهم مع المراجعين له أثر كبير في جذب العملاء إلى البنك وتوسيع نطاق علاقاته.

٨٥

٨٦

الفصل الثاني:

دراسة الوظائف الأساسيّة للبنوك في ضوء الأطروحة السابقة

* ١ - الخدمات المصرفيّة.

* ٢ - تقديم القروض والتسهيلات.

* ٣ - الاستثمار.

٨٧

٨٨

ويُمكننا الآن في ضوء الأطروحة التي قدّمناها أن نستعرض في نظرةٍ عامّةٍ وظائف البنوك الرئيسية، ونتبيّن موقف البنك اللاربوي منها.

وبهذا الصدد تقسَّم وظائف البنوك في الواقع المعاش إلى الأُمور التالية:

١ - الخدمات المصرفية التي تمارسها البنوك لصالح عملائها، وتتقاضى عليها عمولةً بوصفها أجرةً على عمل.

٢ - تقديم القروض والتسهيلات لمؤسّسات الأعمال، وتتقاضى البنوك عليها فوائد.

٣ - استثمار جزءٍ من موارد البنك في الاتّجار بالأوراق المالية.

وسوف نتكلّم في ما يلي عن هذه الوظائف تباعاً.

٨٩

٩٠

القسم الأوّل من وظائف البنك:

الخدمات المصرفية

يقوم البنك في الواقع المعاش بخدماتٍ عديدة، فهو يقبل الودائع المختلفة وعلى أساس قبوله للودائع يمارس تحصيل الشيكات والحوالات وتحصيل الكمبيالات وغير ذلك من الأُمور.

كما أنّه يقوم بخدماتٍ أخرى لعملائه يتوخَّى فيها الكسب، من قبيل بيع وشراء الأوراق المالية لهم، وعمليات الاعتمادات المستندية، وخطابات الضمان (الكفالات)، ونحوها. وإذا لم تكن هذه الاعتمادات والخطابات مغطاةً اعتبرت إلى جانب كونها خدماتٍ، تسهيلاتٍ مصرفيةً أيضاً.

والآن سوف نتحّدث عن جميع هذه العمليات بصورةٍ إجمالية مبتدئين بالعملية الأساسية التي يقوم بها البنك، وهي قبول الودائع وما تتطلّبه من خدماتٍ وعملياتٍ ثانوية.

٩١

[١] قبول الودائع المصرفية

يقبل البنك في الواقع المعاش الودائع من عملائه ويصنّفها من ناحية مدى قدرة المودِع على سحبها إلى ودائع تحت الطلب، وهي ما يطلق عليها اسم(الحساب الجاري) ، والودائع للأجَلٍ التي تتّسِم بطابع الادّخار، ودائع التوفير.

وتعبّر الوديعة - بمختلف أشكالها في مفهوم البنوك الربوية - عن مبلغٍ من النقود يودَع لدى البنوك بوسيلةٍ من وسائل الإيداع، فينشئ وديعةً تحت الطلب، أو لأجلٍ محدَّد اتّفاقاً، ويترتّب عليه من ناحية البنك الالتزام بدفع مبلغٍ معيِّنٍ من وحدات النقد القانونية للمودِع، أو لأمره لدى الطلب، أو بعد أجل، على اختلاف الشكل الذي يتمّ الاتّفاق عليه للوديعة بين البنك والعميل.ويُطلق على الودائع المصرفية هذه عادةً أنّها ودائع ناقصة ؛ لأنّ البنك غير ملزمٍ بدفعها عند الطلب بنفس المظهر المادّي الذي أودِعت به. والعملاء لا يستطيعون رفض ما يقدَّم إليهم من النقود ما دامت هذه النقود قانونية.

وأمّا في مفهوم الفقه الإسلامي فليست المبالغ التي توضع في البنوك الربوية ودائَع لا تامّة ولا ناقصة(١) ، وإنّما هي قروض مستحقّة الوفاء دائماً، أو في أجَلٍ محدّد ؛ لأنّ ملكية العميل تزول نهائياً عن المبلغ الذي وضعه لدى البنك، ويصبح للبنك السلطة الكاملة على التصرّف فيه، وهذا مالا يتّفق مع طبيعة الوديعة. وإنّما أُطلق اسم الودائع على تلك المبالغ التي تتقاضاها البنوك ؛ لأنّها تاريخياً بدأت بشكل ودائع وتطوّرت خلال تجارب البنوك واتّساع أعمالها إلى قروض، فظلّت

____________________

(١) لاحظ للتوسّع في ذلك من الناحية الفقهية الملحق رقم (٥)(المؤلّف قدس‌سره ).

٩٢

تحتفظ من الناحية اللفظية باسم الودائع وإن فقدت المضمون الفقهي لهذا المصطلح.

وموقف البنك اللاربوي من الودائع التي تتقاضاها البنوك الربوية يقوم على أساس التمييز بين الودائع المتحرّكة والودائع الثابتة كما سبق. فالودائع المتحرّكة يقبلها بوصفها قروضاً دون أن يدفع عنها فائدة، والودائع الثابتة يقبلها كودائع بالمعنى الفقهي للكلمة، ولكنّها ليست مجرّد ودائع مسلّمةٍ إلى البنك لاستنابه في حفظها فحسب، بل هناك إلى جانب الاستيداع توكيلٌ من المودِع للبنك في التصرّف بالمال بإجراء عقد المضاربة عليه.

وهكذا يختلف لدى البنك اللاربوي المحتوى الفقهي لقبوله الودائع من عملائه باختلاف حركتها وثباتها.

الودائع المتحرّكة والحساب الجاري:

يعبِّر الحساب الجاري، من وجهة نظر البنوك القائمة، عن ديونٍ متقابلةٍ بين العميل صاحب الحساب والبنك المفتوح ذلك الحساب في سجّلاته. وتمثِّل الودائع الرصيد الدائم للعميل. ويمثِّل ما يسحبه العميل على رصيده الدائن الرصيد المدين للعميل أو دين البنك على العميل بتعبير آخر. ويعتبر الحساب الجاري من وجهة نظر الفقه الغربي عقداً قائماً بذاته يتّفق بموجبه البنك مع المودِع على أن تفقد الحقوق النقدية التي تنشأ بينهما ذاتيّتها الفردية وتستحيل إلى عناصر حسابية يتكوّن منها الحساب الجاري، وينتج عنها في نهاية المدّة المتّفق عليها رصيد دائن يكون وحده مستحقّ الأداء، ولذلك لا يقبل الحساب الجاري التجزئة.

والبنك اللاربوي يقف نفس موقف سائر البنوك من الودائع تحت الطلب، فإنّه يقبل هذه الودائع المتحرّكة باعتبارها قروضاً من المودِعين له ولا يدفع إلى

٩٣

المودِعين فوائد عليها، ويمكن له أن يفتح لعميله المودِع حساباً جارياً يشتمل من ناحيةٍ على ما يودِعه العميل، ومن ناحيةٍ أخرى على ما يسحبه العميل، غير أنّ التكييف الفقهي للحاسب الجاري في الشريعة الإسلامية يختلف عن تكييفه الفقهي في واقع البنوك المعاش، فإنّ الفقه الغربي يعتبر الحساب الجاري عقداً قائماً بذاته بين البنك والعميل تفقد الحقوق الفردية بموجبه ذاتيّتها الخاصّة، وتفسير الحساب الجاري على هذا الأساس يرتبط برأي الفقه الغربي في المقاصّة بين الدَينَين وموقفه منها الذي مرّ بتطورٍ بطئ، فقد اعترف الفقه الغربي بالمقاصّة في بادئ الأمر مع إعطائها الصفة القضائية، فكانت المقاصّة تتوقّف على التمسّك بها أمام القضاء، وكان القاضي يتمتّع بسلطةٍ تقديريةٍ تخوّله رفض إجرائها.

واجتازت بعد ذلك فكرة المقاصّة هذه المرحلة وأُعفيت من الارتباط بالقضاء، غير أنّها فسِّرت في بعض أجنحة الفقه الغربي بأنّها إجراء يتوقّف على إعلانِ عن الإرادة يصدر من أحد الطرفين، وأُعطيت في أجنحةٍ أخرى من هذا الفقه الطابع القانوني، ولكنّها لم تدرج في النظام العام، وبذلك لم يعترف بوقوع المقاصّة إلاّ إذا تمسَّك بها مَن له مصلحة فيها.

وعلى أساس تصوّرات الفقه الغربي للمقاصّة كان تذويب الناحية الذاتية للحقوق الفردية التي تنشأ بسبب التعامل بين البنك وعميله وإفنائها جميعاً في ناتج الحساب الجاري يحتاج إلى قرارٍ بشكلٍ من الأشكال لتقع المقُاصّة بين الديون المتقابلة.

وأمّا في فقه الشريعة الإسلامية فلا يحتاج تفسير الحساب الجاري وذوبان الفردية الذاتية للحقوق المتقابلة إلى افتراض عقدٍ خاصّ ؛ لأنّنا إذا اعتبرنا سحب العميل من البنك عبارةً عن اقتراضٍ من البنك في مقابل إقراضه للبنك الذي تمّ بإيداع وديعة لديه، فهناك دَينان متقابلان، وتجري بينهما المقاصَّة القهرية بمجرّد

٩٤

تكوّنهما دون حاجة إلى أيّ عقدٍ أو اتّفاقٍ مسبقٍ على ذلك بين البنك والعميل ؛ لأنّ الرأي الصحيح والسائد الذي يذهب إليه جميع فقهاء الإمامية والحنفية وغيرهم: أنّ المقاصّة إذا تحقّقت شروطها جبريةً تقع بنفسها دون حاجةٍ إلى أيّ قرارٍ من الطرفين. وقد تسمّى بالتهاتر، بل لا يمكن في الشريعة التنازل عن المقاصّة ؛ لأنّها ليست حقّاً قابلاً للإسقاط.

وبناءً على هذا فالحقوق الفردية تفقد بطبيعتها ذاتيّتها الخاصّة عبر الحساب الجاري، وتحصل المقاصّة والتهاتر بين دائنيّة العميل ودائنيّة البنك باستمرارٍ دون حاجةٍ إلى أيِّ عقدٍ أو اتّفاق، ولا يبقى إلاّ ما يمثّل الفارق بين الرصيد الدائن والرصيد المدين.

هذا، إذا اعتبرنا سحب العميل من البنك ديناً في مقابل دين، وأمّا إذا فسّرناه بأنّه استيفاء في حالة كون الحساب الجاري معتمداً على رصيدٍ لصاحب الحساب في البنك، فلا يعود الحساب الجاري حينئذٍ متألِّفاً من قائمتين من الديون المتقابلة، بل من قائمتين: إحداهما تمثِّل ديون العميل على البنك التي تحدَّد بكمّية وديعته، والأخرى تمثِّل استيفاءَ العميل لدينه الذي يحدّد بمقدار سحبه على رصيده في البنك.

وأُرجِّح أن يفسَّر سحب العميل من البنك اللاربوي في حالة وجود رصيدٍ مسبقٍ له على أنّه استيفاء بمقدار ما يسحب، لا إنشاء وقرض جديد، وأنّ الرصيد الدائن للساحب في البنك هو المسحوب عليه، لا أنّه مجرّد ضمانٍ للوفاء بالمقاصّة. وأمّا السحب في حالة عدم وجود رصيدٍ مسبقٍ - وهو ما يقع إلى نشوء دَينٍ بين البنك والعميل الساحب يكون البنك فيه الدائن والساحب هو المَدين.

وسوف يظهر في ما بعد السبب في هذا الترجيح، حيث يتفادى بعض

٩٥

الصعوبات التي قد يواجهها الحساب الجاري من الناحية الشرعية التي يسبّبها تفسير السحب بأنّه إنشاء قرضٍ جديد.

فتح الحساب الجاري:

يتَّخذ البنك عادةً بعض الإجراءات الشكلية لفتح الحساب الجاري، من قبيل استحصال توقيع العميل على بطاقات التوقيعات، والاحتفاظ بها لمطابقة توقيعات العميل في كلِّ مرّةٍ يقدّم فيها شيكاً على حسابه، ولا بأس بذلك.

والحساب الجاري يبدأ ببداية الحقوق التي تنشأ بالتعامل بين العميل والبنك، فقد تبدأ بإقراض العميل للبنك، وذلك بإيداعه وديعةً متحرّكةً لديه، وقد تبدأ بإقراض البنك للعميل شيئاً من المال على المكشوف بلا رصيدٍ سابق.

وقد يتّفق في البنوك القائمة أن يرغب العميل في فتح أكثر من حسابٍ له، ويخصِّص كلَّ واحدٍ منها بنوعٍ من العمليات، غير أنّ هذا إن استهدف منه العميل مجرّد معرفة الرصيد الدائن أو المدين لكلِّ عمليةٍ فلا بأس به، وأمّا إذا كان يعني أنّ الحقوق التي يسجّلها في كلّ حسابٍ جارٍ تبقى محتفظةً بفرديّتها مقابل الحقوق الفردية المسجّلة في حسابٍ جارٍ آخر ففي ما إذا كان الرصيد الناتج عن أحد الحسابات الجارية دائناً والرصيد الناتج عن آخر مديناً لا تحصل المقاصَّة بينهما، إذا كان يعني هذا فهو غير صحيح ؛ لِمَا تقدّم من أنّ المقاصّة جبرية ولا يمكن التنازل عنها، أو اشتراط عدم وقوعها بين قائمةٍ وقائمةٍ أخرى من الحقوق ما دام المدين والدائن في كلٍّ من القائمتين واحداً.

وفي البنوك الربوية قد يُمنَح أصحابُ الحسابات الكبيرة من العملاء المرغوب فيهم فائدةً على حركة الحسابات الدائنة دون اعتباره حساب وديعة، وذلك مالا يقوم به البنك اللاربوي. ويمكنه أن يتّخذ أساليب أخرى في تشجيع

٩٦

أصحاب الحسابات الجارية على استمرار التعامل معه، كأسلوب الإقراض بدون فائدة.

الإيداع في الحساب:

يحصل الإيداع في الحساب بعدّة طرق.

والطريقة الرئيسية هي طريقة الإيداع النقدي، بأن يقوم العميل أو وكيله بدفع مبلغٍ ما في خزينة البنك ويتسلّم من الخزينة إيصالاً بالمبلغ، ثمّ يقيّد هذا المبلغ في الجانب الدائن للحساب.

والطريقة الأخرى للإيداع هي أن يتقدَّم العميل إلى البنك بشيكاتٍ محرّرةٍ لأمره أو محوّلةٍ إليه ويطلب تحصيل قيمتها وتقييدها في حسابه الجاري. ومثال ذلك: أن نفرض شخصين: أحدهما مَدين، والآخر دائن، وأراد المدين الوفاءَ فحرَّر شيكاً على البنك بقيمة الدَين وسلّمه إلى دائنه فتقدّم الدائن بالشيك إلى البنك طالباً منه تحصيل قيمته وتقييدها في حسابه الجاري، فيكون بذلك قد أودع قيمة الشيك في البنك بهذه الطريقة.

والإيداع بهذه الطريقة مرتبط بالسحب من قِبل محرّر الشيك ومتفرّع عليه، ولهذا فسوف ندرسه من الناحية الشرعية عندما نتكلّم عن تحصيل الشيكات، بعد أن نكون قد كوّنّا فكرةً عن السحب من الحساب وأشكاله، وسوف يتّضح أنّ الإيداع بهذه الطريقة صحيح شرعاً.

وكما يتمّ الإيداع بهذه الطريقة كذلك يتمّ أيضاً إذا حصَّل البنك كمبيالات مودَعةً لديه بمعرفة عملية برسم التحصيل، فإنّه يُجري عندئذٍ قيوداً دائنةً لصالح العميل بقيمة الكمبيالة، أي أنّ البنك يقوم بتحصيل قيمة الكمبيالة نقداً من المَدين ويضيفها إلى رصيد الدائن الذي كتبت الكمبيالة لأجله، أو يقوم بخصم قيمة

٩٧

الكمبيالة من رصيد المَدين لديه وتقييدها في رصيد الدائن وكلّ ذلك جائز شرعاً بإذن المستفيد من الكمبيالة.

وهناك قيود يجريها البنك لصالح العميل، وقد لا يعلم بها العميل إلاّ عندما تُرسَل إليه الكشوف البيانية أو الإشعارات الخاصّة بذلك، ويقوم البنك بإجراء تلك القيود في الرصيد الدائن لعميله فيما إذا وردت إليه مثلاً حوالات داخلية أو خارجية بمبالغ معيّنةٍ لذلك العميل كسدادٍ لبضائع أو غير ذلك، فإنّ البنك يخصم قيمة الحوالة من الرصيد الدائن للمُحيل ويجري قيدها في الرصيد الدائن للمستفيد، وبذلك تزداد كميّة ودائعه التي تكوّن رصيده الدائن في حسابه الجاري.

وهذا جائز شرعاً إذا كان البنك مأذوناً من قبل المودِع في قبول ما ترده من حوالات، فإنّه يقبل الحوالة حينئذٍ وكالةً عن عميله، ويصبح بإمكانه عند ذاك ترصيد الحساب ونقل قيمة الحوالة من حساب المُحيل إلى حساب الشخص المستفيد من الحوالة، ويتحقّق بذلك إيداع قيمة الحوالة من قبله بهذا الشكل.

وهكذا نعرف أنّه كما يصحّ للعميل أن يمارس الإيداع مباشرة كذلك يصحّ للبنك أن يودِع لصالح عميله وفقاً لِمَا تقدّم.

السحب من الحساب:

يتمّ السحب من الحساب بعدّة وسائل، أهمّها الشيكات الموقَّعة من قبل العميل. وقد يتمّ السحب من الحساب إذا أصدر أمراً كتابياً إلى البنك يحمل توقيعه يطلب فيه إجراء تحويلات نقديةٍ إلى بنكٍ أو مكانٍ آخر سواء في الداخل أو في الخارج، ويرسل البنك في هذه الحالة بياناً بالمبالغ التي تمّ خصمها من الحساب تنفيذاً لذلك الأمر، وهو ما يسمّى بإشعار الخصم.

٩٨

ويتمّ السحب أيضاً إذا أصدر العميل إلى البنك أمراً كتابياً لشراء أوراق ماليةٍ لحسابه، أو إذا قدمت إلى البنك كمبيالة تحمل توقيع العميل وتوضّح إعْلامه بتقديمها إلى البنك عند الاستحقاق لصرف قيمتها من حسابه الجاري.

وسوف نتحدّث الآن عن السحب بطريقة الشيكات التي هي الطريقة الرئيسية، وأمّا السحب بأمرٍ كتابيّ بالتحويل فنتكلّم عنه لدى الحديث عن الحوالة بوصفها إحدى الخدمات المصرفية التي يقوم بها البنك. كما أنّ السحب عن طريق أمرٍ كتابيّ بشراء الأوراق المالية لحساب العميل يأتي الكلام حوله عندما ندرس هذا القسم من الخدمات المصرفية. وأمّا السحب عن طريق كمبياليةٍ يسمح فيها المدين بتقديمها إلى البنك عند الاستحقاق لصرف قيمتها، فمردّ ذلك إلى الحوالة على البنك المشروطة بحلول أجَل الدَين، وسيأتي ذلك في الحوالة أيضاً.

إنّ الشيكات تُستعمل لدى السحب عادةً كأداةِ وفاء، بأن يكون محرّر الشيك مديناً والمستفيد منه دائناً، فيحرّر المَدين الشيك على البنك ويسلّمه إلى دائنه وفاءً لدينه. والمَدين المحرّر للشيك تارةً يكون له رصيدٌ دائن في حسابه الجاري في البنك، وأخرى يكون حسابه الجاري مع البنك على المكشوف دون رصيدٍ دائن. ولندرس كلاًّ من الحالتين على حدة:

الحالة الأولى : أن يكون لمحرّر الشيك رصيد دائن في البنك، فيسحب من حسابه الجاري عن طريق الشيك الذي يحرّره كأداةِ وفاءٍ لدائنه، وقد مرّ بنا أنّ السحب من الحساب الجاري يمكن تفسيره على أساس أنّه استيفاء للدَين الذي للساحب على البنك. كما يمكن تفسيره بأنّ الدائن يقترِض من البنك بهذا السحب، فتنشأ ديون متقابلة من حركة الحساب الجاري.

فإذا فسّرنا السحب من الحساب الجاري على أساس أنّه استيفاء - وهو ما رجّحنا للبنك اللاربوي أن يبنى عليه - فيمكننا أن نفهم الشيك الذي يدفعه

٩٩

المَدين على الدائن بوصفه حوالةً من المَدين إلى دائنه على البنك الذي يملك المَدين في ذمّته قيمة ودائعه المتحرّكة، فتكون من حوالة دائنه على مَدينه، وتصحّ شرعاً وتحصل بها براءَة ذمّة المُحيل تجاه المستفيد من الشيك، وبراءة ذمّة البنك تجاه المُحيل بمقدار قيمة الشيك.

وأمّا إذا فسّرنا السحب من الحساب الجاري على أساس أنّه اقتراض جديد من البنك ينشأ بسببه دينان متقابلان فيجب أن نخضعه لشروط القروض في الإسلام. ويعتبر قبض المقترض أو نائبه للمال المقترَض شرطاً أساسياً لصحة القرض في الشريعة الإسلامية، فلا يصحّ السحب من الحساب بالشيكات بوصفه اقتراضاً من البنك إلاّّ إذا قبض الساحب المبلغ المسحوب، أو قبضه بالنيابة عنه نفي موظّف البنك أو المستفيد من الشيك، والمفروض أنّه لا يوجد قبض من هذا القبيل في واقع الأمر، بل ليس هناك في أكثر الأحيان إلاّ الترحيل في الحساب لقيمة الشيك من حساب المستفيد، وما لم يستكمل القرض شروطه لا يقع، وإذا لم يقع لا تبرأ ذمّة محرّر الشيك حينئذٍ تجاه المستفيد منه.

وهذا هو السبب الذي جعلنا نرجِّح للبنك اللاربوي أن يعتبر السحب من الحساب في تعامله استيفاءً لا إنشاءً لقرضٍ جديد.

الحالة الثانية : أن لا يكون لمحرّر الشيك رصيد دائن في البنك، وإنّما له حساب معه على المكشوف، فيحرّر الشيك لدائنه، والدائن يسلّم الشيك إلى البنك ليتسلّم قيمته، أو ليخصم البنك قيمته من الرصيد المدين لمحرّر الشيك ويقيّده في الرصيد الدائن للمستفيد من الشيك.

وهنا أيضاً نواجه نفس الصعوبة من الناحية الشرعية إذا اعتبرنا الشيك إنشاء قرضٍ جديدٍ من البنك ؛ لأنّه يتوقّف حينئذٍ على القبض. وأمّا إذا خرجّنا الشيك في الحالة الأولى على أساس أنّه حوالة من المَدين لدائنه على مَدينه

١٠٠