الشيعة وفنون الاسلام

الشيعة وفنون الاسلام20%

الشيعة وفنون الاسلام مؤلف:
الناشر: دار المعلم للطباعة
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 184

الشيعة وفنون الاسلام
  • البداية
  • السابق
  • 184 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 68575 / تحميل: 7412
الحجم الحجم الحجم
الشيعة وفنون الاسلام

الشيعة وفنون الاسلام

مؤلف:
الناشر: دار المعلم للطباعة
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الشّيعة وفنون الإسلام

تأليف: المرجع الدّيني الأكبر آية الله السيد حسن الصّدر

مؤلّف كتاب تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام

قدّم له

الدكتور سليمان دنيا

أُستاذ الفلسفة بكليّة أُصول الدين

مطبوعات النجاح بالقاهرة

١

الطبعة الرابعة

١٣٩٦ هـ. - ١٩٧٦ م

حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

مطبعة دار المعلم للطباعة

٨ شارع جنان الزهرى - المبتديان

السيدة زينب

٢

تقديم الكتاب

للدكتور سليمان دنيا

أُستاذ الفلسفة بكليّة أصول الدين

٣

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول اللّه خير الخلق، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين.

أمّا بعد فمنذ بضعة أعوام خلت كتبت رسالة صغيرة بعنوان ( بين الشيعة وأهل السنّة ) ضمنتها أملاً كبيراً، ورغبة ملحّة، في أن يتلاقى الشيعة وأهل السنّة، عند مبادئ الأُخوّة والمحبّة، والمودّة، والمصافاة، ونبذ ما غرسه أعداء الفريقين في النفوس من عوامل الفرقة والشقاق.

ودعوت إلى أن ينظر كل فريق إلى وجهه نظر الفريق الآخر، نظرة العالم الذي يبحث عن الحق، ويدرك أنّ الحق أحق أن يُتّبع.

وقلت: إنّه إذا كان الأثر الذي توارثناه عن سلفنا الصالح قد أكّد ضرورة الحرص على الحق أين وُجد، وأعلن أنّ الحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها التقطها ولو من فم كافر، وأوضح أنّ العاقل لا يُعرف الحق بالرجال، وإنّما يُعرف الحق بالدلائل والبراهين، فإذا عرفه عرف به أهله، فقد أصبح لزاماً علينا - نحن أبناء هذا الجيل - أن نحرص على الحق، وأن نأخذ أنفسنا للدعوة إليه، وأن نجتمع حوله، غير ناظرين إلى مَن دعانا إليه وعرّفنا به، اللّهمّ إلاّ نظرة إكبار وإعظام وإجلال.

ومن المسلّم به لديهم أيضاً ضرورة احترام كل واحد من الباحثين لوجهة نظر الآخرين في المسائل المتحملة لضروب من العراك الفكري، حتى أنّهم ليختلفون ويكونون في ذات الوقت أصدقاء وأحبّاء وأصفياء. ورحم اللّه مَن يقول:( اختلاف الرأي لا يُفسد للودّ قضيّة ) .

٤

ولقد رفع الإسلام راية السماحة عالية، فقال في كتابه الكريم:( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) .

وإذا كان الإنسان يحب لنفسه أن يستمتع بالحرية، فيقول ويعلن ما يهديه إليه بحثه وتفكيره، فلا يليق به أن ينكر على إنسان مثله حقّه في أن يقول ويعلن ما يهديه إليه بحثه وتفكيره كذلك.

وحسب المسلمين فخاراً أنّهم اجتمعوا على أصول دينهم لم يختلفوا فيها: فالإلوهية في أسمى مكان من التقديس في نفوس المسلمين.

وعقيدة البعث، والإقرار بالنبوّة، وحاجة البشر إليها، وختامها بسيد ولد آدم ( محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ).

وصدق القرآن الكريم، وما صح منه حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.

كل أُولئك يحتل من نفوس جميع المسلين مكانة لا تطاولها قداسة أيّ دين آخر في نفوس أتباعه.

قلت ذلك وأكثر من ذلك في رسالتي ( بين الشيعة وأهل السنّة ) رغم أنّي لم أقل في هذه الرسالة كل ما أُحب أن أقوله؛ نظراً لظروف الطبع وقت ذاك.

والآن يسعدني أن تتاح لي فرصة التقديم لكتاب: (الشيعة وفنون الإسلام ) الذي نحا فيه مؤلّفه السيد الشريف (الحسن أبو محمد ) منحى ربّما يبدو غريباً لدى أهل السنّة. وكنت أريد أن أدرس الكتاب دراسة موضوعية؛ لأتبيّن بالدلائل والشواهد مبلغ صدق القضية التي يعالجها الكتاب، ولكنّي رأيت الأمر فوق طاقتي؛ لأنّ المؤلّف - رضي اللّه عنه - واسع الاتباع غزير الاطلاع، يعرض لسائر العلوم الإسلامية والعربية، ويحكم عليها حكم المحيط بها، الواقف على أسرارها، العارف بعوامل نشأتها، ومراحل نموّها. ومتابعة هذه العوامل، وتلكم المراحل تتطلّب حشد

٥

المتخصّصين في هذه العلوم، ليتابع كل متخصص مادّة تخصّصه، ويوافق المؤلّف عن بينة، أو يخالفه عن بينة.

وإذا فاتني أن أخوض في هذا المجال، وإن أعرض لموضوع الكتاب عرضاً تحليلياً اتكالاً على همّة المتخصّصين الذين أطمع في أن يتناولوا الكتاب بكل ما هو جدير به منه عناية واهتمام، فما أحب أن يفوتني أن أقول كلمة ما أراها إلاّ متابعة لما جاء في رسالتي ( بين الشيعة وأهل السنّة ) تلكم هي أنّ المؤلّف - رضي اللّه عنه - يدّعي سبق الشيعة في تأسيس العلوم الدينية والعربية ويقدّم بين يدي دعواه أدلّة تبرّرها، ويدور كتابه حول بسط هذه الدعوى، وإيضاح أدلّتها.

والناس أمام هذه الدعوى فريقان:

فريق المتعلّمين: وهؤلاء لا يهتمّون بواضع العلوم ومؤسّسيها، وإنّما يهتمون بالعلوم نفسها، ويستوي لديهم أن يكون المؤسّسون لهذه العلوم هم الشيعة وحدهم أو هم أهل السنّة وحدهم، أو هؤلاء وهؤلاء.

وفريق العلماء: وهؤلاء كما يهتمون بالعلوم ذاتها، يهتمون بنشأتها ومنشئيها والأطوار التي تواردت عليها، إذ إنّ العلوم لها نشأة كنشأة عظماء الرجال؛ لهذا كان لها تاريخ كتاريخ عظماء الرجال كذلك.

ولهؤلاء أقول: إنّ كتاب ( الشيعة وفنون الإسلام ) جهد مشكور قام به صاحبه رضي الله عنه مساهمة منه في المهمّة المنوطة بأعناق علماء الإسلام تلكم هي التاريخ لعلوم الإسلام، وما تستتبعه من علوم أخرى فلا ينبغي أن يقابل هذا الجهد الجبّار بنظرة سطحيّة تعتمد على عدم المبالاة وعدم الاكتراث. لا ينبغي أن يقال مثلاً ( هذه عصبية ) أو ( هذا تحدٍّ ) أو نحو ذلك من أساليب القول التي يحتمي بها مَن لا يريد أن يجشّم نفسه مشقّة البحث والنظر. نعم، لا ينبغي أن يقال هذا ولا شيء منه؛ لأنّه لا داعي للعصبية، ولا داعي للتحدّي؛ لأنّ الشيعة كأهل السنّة مسلمون،

٦

واختلافهم مع أهل السنّة إنّما هو في مسائل لا ترتقي إلى مستوى الأصول، وإذن فهم إخوة مسلمون، وسبقهم في بعض العلوم إنّما هو كسبق الأخ لأخيه، إن أثار تنافساً، فإنّه لا يثير خصومة، ولا عداء.

وإذن فلا مناص من إحدى اثنتين:

إمّا أن نطأطئ الرأس إجلالاً واحتراماً، لما بذل المؤلّف من جهد، ولما انتهى إليه من نتائج.

وإمّا أن نقابل الجهد بجهد مثله. ونتقدّم بما نظفر به من نتائج مؤيّدة بأدلة سليمة مقبولة.

وإنّي أتوجّه إلى الله جلّت قدرته راجياً أن يطهّر النفوس ممّا علق بها من شوائب، وأن يملأها بمعاني الحب والتعاطف والتآخي، وأن يعيد للمسلمين وحدتهم، وأن يفقّههم في دينهم، ويبصّرهم بعاقبة أمرهم، ويوفّقهم للاهتداء بهدى الإسلام في سلوكهم ومعاملاتهم، ولتبليغ دعوة دينهم إلى خلق الله كافة، مبرهنين على جمالها وكمالها بالتزامهم لها ووقوفهم عند حدودها.

وفي هذا المقام يحلو لي أن أشير إلى مفخرة من مفاخر المسلمين، يحق لنا أن نعتني بها ونفاخر، تلكم هي كتب السيد (محمد باقر الصدر ) التي ما أظن أنّ الزمان قد جاء بمثلها في مثل الظروف التي وجدت فيها، لقد أنتجت عبقريته الفذة الكتب الآتية: (فلسفتنا ) و (اقتصادنا ).

تلكم الكتب التي تعرض عقيدة الإسلام، ونظم معاملاته، عرضاً تبدو إلى جانبه الآراء التي تشمخ بها أنوف الكفرة والملاحدة من الغربيين وأذنابهم ممّن ينتسبون إلى الإسلام وهو منهم براء، وكأنّها فقاقيع قد طفت على سطح الماء، ثم لم تلبث أن اختفت وكأنّها لم توجد.

٧

ألا فليقرأ هذه الكتب أولئكم الذين حشوا رؤوسهم بهراء من القول وزيف من الخيال؛ ليتطهّروا بطهور الحق من رجس الباطل، وليبصروا نور الوجود، بعدما ضلّوا في بيداء العدم، وليجدوا أنفسهم بعد أن فقدوا.

ألا فليقرأ هذه الكتب شباب الإسلام المخدوع ببريق المدينة الكاذبة، وكيف يتيسّر لهم قراءتها، وقد شغلوا بالهزل عن الجد، وبالباطل عن الحق؛ لأنّ الهزل والباطل قد اقتحما عليهم عقولهم وقلوبهم في غفلة من الجد والحق.

ألا فليتعرف على هذه الكتب المربون ليقوّموا بها نفوساً قد اعوجّت، وقلوباً قد أظلت، وعقولاً قد أقفرت وأجدبت حتى هانت الدنيا على أصحابها، فسخروا منها لأنّهم لم يحسّوا لها طعماً، ولم يعرفوا لها قدراً، فساءت أحوالهم، وانحرف بهم سلوكهم وضلّت عنهم آمالهم، وأصبحوا بحالة تستوجب أن يخلقوا خلقاً جديداً.

وأنّه لا يسعني في ختام هذه الكلمة إلاّ أن أشكر الأخ الفاضل السيد ( مرتضى الرضوي ) صاحب مكتبة النجاح، بالنجف الأشرف، بالجمهورية العراقية، على جهوده الموفّقة المشكورة في نشر العلم، والتعريف بكنوزه الدفينة، وعلى ما أتاح لي من فرصة الاطلاع على هذا السِّفْر القيّم (الشيعة وفنون الإسلام ) ويقيني أنّ هذا الكتاب سوف يكون موضوع دراسة هامّة من أهل العلم، حينما تصل إلى أيديهم طبعته الجديدة إن شاء الله.

كتبه

سليمان دنيا

أوّل يناير ١٩٦٧

٨

حياة المؤلّف

بقلم:

صاحب السماحة آية الله الشيخ مرتضى آل يس

رئيس جماعة العلماء في النجف الأشرف

٩

١٠

بسم الله الرحمن الرحيم

ترجمة المؤلّف

ولادته:

تولّد - دام ظلّه - في بلد الكاظمية عند الزوال من يوم الجمعة، الموافق ليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك من سنة ١٢٧٢ هجرية.

اسمه ونسبه:

هو الحسن أبو محمد الشهير بالسيد حسن صدر الدين ابن السيد هادي ابن السيد محمد علي ابن السيد صالح ابن السيد محمد ابن السيد زين العابدين ابن السيد نور الدين ابن السيد علي ابن السيد حسين ابن السيد علي ابن السيد محمد أبي الحسن عباس بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن حمزة الأصغر بن سعد الله بن حمزة الأكبر بن محمد أبي السعادات ابن أبي الحرث محمد ابن أبي الحسن علي ابن أبي طاهر عبد الله ابن أبي الحسن محمد المحدث ابن أبي الطيب طاهر بن الحسين القطعي ابن موسى أبي سبحة ابن إبراهيم الأصغر ابن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه وعليهم الصلاة والسلام.

نشأته:

نشأ - أيّده الله - منشأً راقياً قلّما رقته قدم الاجتهاد، ولو لم يكن ذلك باقتضاء من فطرته السامية فقط؛ إذ إنّ الفطرة بمفردها لا تساعد إلاّ حيث تصادف محيطاً مناسباً وإلاّ فإنّها قد تفسد بالعرض، في حين أنّها صالحة بالذات.

كان ذلك باقتضاء منها، ومساعدة من حجر أبيه السيد العلاّمة معاً، ذلك الحجر المدرسي الذي شذّ ما وجد في الآباء نظيره، وحسبه فضلاً أن نجد مثل السيد

١١

المؤلّف خريجاً لتلك المدرسة الراقية، التي جعلته مثالاً لتربيتها الصحيحة، ونموذجاً لتهذيبها المتين.

وهكذا تتلمذ السيد المؤلّف على السيد العلاّمة أبيه، حتى شبّ وترعرع وبلغ من العمر مبلغ الفتى الصغير، وعند ذاك نزعت نفسه الشريفة إلى طلاّب العلم وتحصيل الفضل، وكذلك النفوس الكبيرة فإنّها تنزع العمل بلا باعث، كما أنّها تنتقي بذاتها أحسن العمل، ومن حينه لبّى دعوتها بالارتياح وأنعمها جواباً بالقول الصراح، ثم أكبّ على العلم مجتهداً في التحصيل والاشتغال، حتى كان من أمره اليوم أنّه أمسى فاقد الندّ وعديم المثال.

اجتهاده في التحصيل:

ليس الاجتهاد ممّا يفهمه الكثيرون، بل لم يكن هو في حين من الدهر مفهوماً واضحاً لكل أحد، بل إنّ ما يزعمه الكثيرون اجتهاداً ليس من الاجتهاد في شيء، وهذا الزعم هو الذي ذهب بفضل المجتهد الصادق، وجعل الأمر ممّا يشكل بينه وبين المجتهد الكاذب، حتى صار لقب المجتهد ممّا يكال كيل المتاع بكل لسان، لكل إنسان.

أجل إنّ الاجتهاد الصحيح ممّا يعسر فهمه على النفوس الصغيرة، فأحرى بها ألاّ تستطيع إلى اتخاذه سبيلاً، فعبثاً أن تنتحل لقب المجتهد لأنفسها باطلاً، ما دامت تنظر إلى ما حولها، فتجد هناك رجال الجد والعمل، كيف يجدون ويجتهدون؟

بل إنّهم كيف يلقون إليها دروساً من العمل الصادق، ما لو أنّها كانت تقتنع، لأقنعتها هي ببطلان ذلك الزعم الفاسد منذ زمن بعيد.

تلك هي النفوس الكبيرة، بل أُولئك هم رجال الجد والاجتهاد، ومن تلك النفوس نفس سيّدنا المؤلّف الكبير، الذي أصبح مصداقاً واضحاً لذلك المفهوم المشكل، لقد كنت أسمع من السيد المؤلّف زمان كان شاباً قويّ العضلات أنّه كان لا يكاد ينام الليل في سبيل تحصيله، كما أنّه لا يعرف القيلولة في النهار.

١٢

ولكنّي بدل أن أسمع ذلك عنه في زمن شبيبته، فقد شاهدت ذلك منه بأُمّ عيني في زمن شيخوخته، وإنّ مكتبته التي يأوي إليها الليل والنهار، ويجلس هناك بيمناه القلم وبيسراه القرطاس؛ لهي الشاهد الفذ بأنّ عيني صاحبها المفتوحتين في الليل لا يطبق أجفانها الكرى في النهار، ولئن جاءها الكرى فإنّما يجيئها حثاثاً لا يكاد يلبث حتى يزول.

حقّاً أقول: إنّ السيد المؤلّف قد نام ربعاً من عمره الشريف، وسهر الباقي، ولكنّ الكثير الأكثر من الناس قد سهروا الربع وناموا الباقي.

علومه ومعارفه:

قلّ ما يوجد في علماء الدين رجل متفنّن، يجمع بين علم الأحكام وغيره، وإنّي لا أعرف لذلك سبباً مقبولاً، يصلح لأن يكون عاذراً لجميعهم عند المعترض؛ لأنّ علم الأحكام، وإن كان عميق الغور، بعيداً ما بين طرفيه، بيد أنّ ذلك لا يكاد يعترض طريق الهمام، فإنّ الصعاب مهما كبرت لا تكون إلاّ مسترذلة عند كبار النفوس، ولعلّ المستقبل يكفينا مؤنة الدعوة والاستنهاض، فيضطرّهم يوماً ما إلى التفنّن في معارفهم بالرغم من إرجاف المتساهلين، فتصبح أفواههم عند ذلك تتدفّق عسلاً ولبناً.

على أنّ الواجب الديني اليوم هو الذي يدعوهم إلى التوسّع في المعلومات، فإنّ العلم الواحد لا يصلح أن يكون مروّجاً للديانة أبداً، في حين أنّ الظروف لا تكاد تكون واحدة، فكما تتفاوت الظروف يجب أن تتفاوت رجال العلم في العلوم، وليس علم الأحكام اليوم ممّا يقوم بمفرده في ترويج الديانة ترويجاً معجباً، ما لم يصافح قسماً من الفنون الضرورية، فإنّ الحالة الدينية اليوم غير الحالة الدينية بالأمس، كما قد علم ذلك بسطاء العامّة، فضلاً عن المفكّرين من الخاصة.

فعسى أنّ جماعة العلماء يلفتون إلى ذلك بعض النظر، كما التفت إليه قبل اليوم

١٣

شرذمة منهم يسيرة لا تبلغ عدد الآحاد، نهضت بأعباء الدين، وقامت بواجب الإسلام والمسلمين.

وكان من تلك الشرذمة المباركة حضرة سيّدنا المؤلّف الكبير - أيّده الله - فإنّه لم يقصر همّه على تحصيل علم الأحكام فقط، بل قد ضمّ إليه كثيراً من العلوم المتنوّعة، اللاتي يستغربها غيره من العلماء الدينيين، فكان ما حصل عليه من العلوم: النحو، والصرف، والمنطق، والمعاني، والبيان، والبديع، والهيئة، والحساب، والتفسير، والرجال، والتأريخ، والحكمة، والكلام، والأخلاق، والحديث، والفقه، وأُصول الفقه.

أساتذته في القراءة:

أوّل مَن قرأ عليه النحو والصرف هو: الشيخ الثقة الشيخ باقر(١) ابن حجّة الإسلام الشيخ محمد حسن آل يس، ثم قرأهما على السيد الفاضل السيد باقر(٢) ابن السيد حيدر.

وقرا: ( علم المعاني والبيان والبديع ) على الشيخ أحمد العطار(٣) .

( والمنطق ) على الشيخ محمد(٤) ابن الحاج كاظم، وعلى الميرزا باقر(٥) السلماسي.

وفرغ من هذه العلوم وهو في الرابعة عشرة من سني عمره، وبعد أن فرغ منها طفق يقرأ متون الفقه، وعلم ( أصول الفقه )؛ وكان يومئذ بعد لم يرتحل عن مسقط رأسه ( الكاظمية ) فقرأهما على علمائها حتى فرغ من قراءة ( الشرائع )،

____________________

(١) توفّي عام ١٢٩٠ هـ.

(٢) توفّي عام ١٢٩٧ هـ.

(٣) توفّي عام ١٢٩٩ هـ.

(٤) توفّي عام ١٣١٤ هـ.

(٥) توفّي عام ١٣٠١ هـ.

١٤

و( الروضة ) في الفقه والمعالم ( والقوانين ) في الأصول، وهو إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة، وعندئذ تاقت نفسه إلى ( النجف الأشرف ) فزمّ إليها ركائبه، وهناك قرأ ( الحكمة والكلام ) على الفاضل الشكي(١) ، والمولى الشيخ محمد تقي الكلبايكاني(٢) ، وقرأ خارج الفقه على فقهاء النجف من تلامذة الشيخ محمد حسن صاحب ( الجواهر )(٣) ، وخارج الأصول على أفاضل تلامذة الشيخ مرتضى الأنصاري(٤) ، وقرأ علم الحديث على جملة من علماء الحديث في النجف.

ثم ما زال في النجف عاكفاً على الاشتغال، ومكبّاً على التحصيل يرتضع ثدي العلم ويستدرّ ضروع الفضل، حتى سنة سبع وتسعين ومئتين بعد الألف هجرية، فهاجر من النجف إلى سامراء حيث يقيم هناك في ربوعها أكبر أساتذته العظام الذي عليهم تتلمذ، ومنه أخذ حجّة الإسلام الشيرازي الميرزا محمد حسن المتوفّى سنة ١٣١٢ هـ.

وما فتئ منذ ألقى لديها عصا السير مجدّاً ومجتهداً، ومدرّساً ومؤلّفاً حتى سنة ١٣١٤ هـ، أي إلى ما بعد وفاة أُستاذه السيد الشيرازي بعامين، وعندها قفل راجعاً إلى ( الكاظمية ) مسقط رأسه، فأقام بها إلى اليوم، غرّة لجبينها، وقرّة لعيونها، ملاذاً للمسلمين، ومفزعاً للمؤمنين في أُمور الدنيا والدين.

مشايخه في الرواية:

مشايخه في الرواية على صنفين: منهم مَن يروي عنهم بطريق السماع والقراءة فقط دون الإجازة، ومنهم مَن يروي عنهم بطريق الإجازة العامّة.

أمّا مشايخه من الصنف الأوّل فمنهم - وهو أجلّ مَن يروي عنه - حجّة

____________________

(١) توفّي عام ١٢٩٠ هـ.

(٢) توفّي عام ١٢٩٣ هـ.

(٣) توفّي عام ١٢٦٦ هـ.

(٤) توفّي عام ١٢٨١ هـ.

١٥

الإسلام الميرزا محمد حسن الشيرازي الغروي العسكري المتوفّي سنة ١٣١٢ هـ، ومنهم الشيخ المحقّق المؤسّس الحاج ميرزا حبيب الله الرشتي الغروي صاحب كتاب ( بدائع الأُصول ) المتوفّى ١٣١٣ هـ، ومنهم الشيخ محمد حسين بن هاشم الكاظمي النجفي شارح ( كتاب الشرايع ) المتوفّى سنة ١٣٠٨ هـ، ومنهم الفاضل المتبحّر المولى محمد الأيرواني النجفي المتوفّى بعد المئة الثالثة عشرة، ومنهم شيخ الإسلام الشيخ محمد حسن آل يس الكاظمي صاحب كتاب ( أسرار الفقاهة ) المتوفّى سنة ١٣٠٨ هـ، ومنهم والده السيد الشريف السيد هادي المتوفّى ١٣١٨ هـ.

وأمّا مشايخه من الصنف الثاني فهم جماعة من العلماء منهم: المولى الفقيه علي الميرزا خليل الرازي الغروي - المتوفّى سنة ١٢٩٧ هـ، ومنهم السيد المتبحّر المهدي القزويني الحلّي الغروي - المصنّف المكثر - المتوفّى سنة ثلاثمئة بعد الألف، ومنهم المولى المحقّق المتبحّر الميرزا محمد هاشم بن زين العابدين الأصفهاني المتوفّى في النجف سنة ١٣١٨ هـ.

وقد ذكر تراجمهم على طرز مبسوط في إجازاته المطوّلات، واستقصى فيها جميع مشايخه بما لا مزيد عليه.

مصنّفاته ومؤلّفاته

يندر في العلماء المصنّفون، كما يندر المصنّفون من العلماء، فهم: إمّا عالم غير مصنّف، أو مصنّف غير عالم، أمّا العالم والمصنّف معاً، فقليل ما هو، وليس هو إلاّ مَن جمع بين فضيلتي العلم والقلم، وحيث خسر أحدهما كان واحداً من الاثنين، ولا مراء أنّ خسران أحدهما لا يكون طبيعياً إلاّ في نادر منهم ممّن لا تساعدهم الفطرة، كما لا يستطيعون مقاومتها، بل الحق أنّ جلّ السبب في جلّهم هو التساهل، وعدم الاهتمام بكلتا الفضيلتين معاً، في حين أنّه ليس هناك مانع فطري، أو رادع طبعي، وليس العلم النافع على ما أعتقد إلاّ ما حوته السطور لا ما حفظته الصدور، وما هو في الصدور إلاّ كمعاني مجرّدة بعد لم تفرغ في قوالب الألفاظ.

١٦

نعم إنّ العلم المدوّن هو الذي يحفظ لصاحبه ذكره، ويخلّد له بعد موته أمره، فكم من علماء أحياء ظلّوا كأنّهم قوم ميّتون، وكم من علماء أموات ظلّوا كأنّهم أحياء يُرزقون.

على أنّي لا أعرف من أُولئك كثيرين ممّن حازوا الفضيلتين، وبرعوا في الصناعتين، ولكنّهم مع هذا كلّه لم يشئوا أن يعملوا أحديهما بالأُخرى، بل إنّك لتجدنّهم ممّن يفضلون الإهمال على الإعمال، وهم يعتمدون فيما يعتقدون على أوهام لا ظل لها من الصواب، بل هي محض خيالات ليس إلاّ.

ولهذا السبب ولتلك الأسباب قلّ في العلماء المصنّفون، كما قلّ المصنّفون من العلماء، حتى أصبح المصنّف العالم، أو العالم المصنّف - وبالأخص المكثر - واحداً من خوارق العادة أو ما وراء الطبيعة، وما سيّدنا المؤلّف اليوم إلاّ واحد من تلك الخوارق التي أصبحت أعجوبة القرن الرابع عشر، ولاغرو فإنّه ربّ العلم والصناعة، وسلطان القلم واليراعة.

وإليك ما صدر من نفثات قلمه إلى اليوم فإنّك تجدها تناهز الخمسين مصنّفاً ما بين ضخم كبير، وآخر مختصر صغير ودونك هي نصّاً:

في الفقه:

سبيل الرشاد في شرح نجاة العباد، بطريق البسط.

سبيل النجاة في فقه المعاملات، بطريق المتن والتفريع لعمل المقلّدين.

تبيين مدارك السداد للحواشي والمتن من نجاة العباد، خرج منه كتاب الطهارة، والصلاة، والمراد من الحواشي خصوص حواشي الشيخ المرتضى، وأُستاذه السيد الشيرازي.

الدر النظيم في مسألة التتميم. أي تتميم ماء الكر بالماء النجس.

رسالة تبيين الإباحة في مشكوك ما لا يؤكل لحمه للمصلّين.

رسالة إبانة الصدور في موقوفة ابن أُذينة المأثورة في مسألة إرث ذات الولد من الرباع.

١٧

رسالة لزوم صوم ما فات في سنة الفوات.

رسالة كشف الالتباس عن قاعدة الناس. يعني قاعدة الناس مسلّطون على أموالهم.

رسالة الغرر في قاعدة نفي الضرر.

رسالة تبيين الرشاد في لبس السواد على الأئمّة الأمجاد ( رسالة فارسية ).

الغالية لأهل الأنظار العالية في تحريم حلق اللحية ( رسالة فارسية ).

رسالة في حكم الشكوك غير المنصوصة.

رسالة في حكم الشك في الأفعال.

ويوجد للسيد المؤلّف غير ذلك من الرسائل ممّا كتبت في أجوبة بعض المسائل.

في أُصول الفقه:

رسالة في تعارض الاستصحابين.

اللباب في شرح رسالة الاستصحاب للشيخ العلاّمة المرتضى رحمه الله.

كتاب الحواشي على فرائد الأُصول للشيخ المرتضى رحمه الله.

حدائق الوصول إلى علم الأُصول. لم يتم بعد.

في الأُصول الدينية:

الدرر الموسوية في شرح العقائد الجعفرية. ضمّنها جميع أُصول الدين.

في التاريخ:

تأسيس الشيعة الكرام لسائر فنون الإسلام.

الشيعة وفنون الإسلام ( مختصر من الأوّل ) وهو هذا الكتاب.

في علم الرجال:

كتاب مختلف الرجال، وهو كتاب جليل، دوّن فيه علم الرجال على نحو سائر العلوم المدوّنة: من ذكر التعريف، والموضوع، والغاية، والمبادئ التصوّرية، والمبادئ التصديقية، والمطالب، والحواشي الرجالية على منتهى المقال في أحوال الرجال.

١٨

الحواشي على تلخيص الرجال

الإبانة عن كتاب الخزانة.

الحواشي على أمل الآمل.

نكث الرجال.

حاشية على رجال أبي علي الحايري.

بغية الوعاة في طبقات مشايخ الإجازات.

رسالة في النصوص المأثورة في الحجّة صاحب الزمان عليه السلام.

انتخاب القريب من التقريب لابن حجر.

ذكرى المحسنين.

رسالة في أحوال السيد المحقّق السيد محسن الأعرجي المقدّس البغدادي صاحب ( المحصول وشرح الوافية في الأُصول ).

في علم الأخلاق:

إحياء النفوس بآداب السيد ابن طاووس.

سبيل الصالحين في السلوك وبيان طريق العبودية ( مختصر ).

متفرقات في الحديث:

نهاية الدراية في أُصول علم الحديث وآدابه.

رسالة في إثبات الجمع بين الصلاتين في الحضر من طريق أصحاب الصحاح الستّة.

رسالة في مناقب آل الرسول، من طريق الجمهور.

رسالة أُخرى في المناقب أيضاً على ترتيب الحروف، مستخرجة من الجامع الصغير.

مجالس المؤمنين في وفيات الأئمّة المعصومين عليهم السلام.

١٩

تعريف الجنان في حقوق الإخوان.

نزهة أهل الحرمين في تواريخ تعميرات المشهدين - أي النجف وكربلاء.

فصل القضا في الكتاب المشتهر بفقه الرضا. كشف فيه حال هذا الكتاب بما لا مزيد عليه، وأثبت أنّه كتاب التكليف المعروف للشلمغاني، وأوضح في ذلك وجه الاشتباه بما لم يسبقه إليه أحد سواه.

قاطعة اللجاج في إبطال طريقة أهل الاعوجاج - يعني بهم الإخبارية المنكرين للاجتهاد والتقليد في الفروع.

وللسيّد المؤلّف أيضاً كتاب ضخم في بيان ما انفرد به أحمد بن تيمية عن علماء الإسلام.

وآخر اسمه مفتاح السعادة في المهم من أدعية اليوم والليلة والشهر والسنة وعمل المشاهد المشرّفة.

أخلاقه الفاضلة ونعوته الممتازة:

الخلق الفاضل سجيّة كريمة، وهو كما يكون طبيعياً في بعض، يكون اصطناعياً في آخرين، وشتّان بين الخلقين، وما مثل مصطنعه إلاّ كشارب الدواء وهو مريض، يكرهه في حين أنّه يصلحه، وليس ذلك إلاّ لأنّه ليس جبلياً له بالذات، بل إنّه ليتكلّفه بالعرض، والتكلّف على النفس ثقيل عبثه، فربما أجهد به صاحبه فرمى به إلى حيث لا يعود إلى حمله.

لا ضير فإنّه عرض يتخلّف عن الذات، ولكن ما بالذات يتخلّف عن الذات، ولكن ما بالذات يتخلّف عنها.

كلا.. تلك لهي شيمة العظماء والكبار، شيمة الأتقياء والأبرار، تلك هي الشيمة التي نجدها مجسّمة في شخص سيّدنا المؤلّف الكبير، ذلك العظيم الذي ما رأيناه منذ يوم رأيناه إلاّ رجلاً عظيم الخلق، كريم الطبع، طلق المحيّا، باسم الثغر، غضوباً في الله، في حين أنّه حليم في نفسه، رؤوف بالصغير، عطوف على الكبير، سيّان عنده الغني والفقير، وهو مع ذلك صبيح الوجه، مهيب المنظر، قوي الحجّة في مناظراته، شديد اللهجة في محاوراته، امتاز بكثرة الحفظ، واتقاد

٢٠

الذهن، وعلوّ الفهم حتى أنّه استغنى عن المعلّم في قراءته القرآن بقراءته جزء واحد من أجزائه.

مجالسه رياض مزهرة فيها الورد والريحان، والنرجس والأقحوان، فهي طوراً مباحث علمية، وأُخرى دروس أخلاقية، وآونة قصص تاريخية، بل فيها كل ما يعجب المستفيد، وهي على وجه الإطلاق عميمة الجدوى، لا يشذّ عنها البرهان المقنع.

وللسيد المؤلّف ولوع عجيب باقتناء الكتب والمؤلّفات، حتى أنّه ليفضل ابتياع الكتاب الواحد على أهمّ حاجيات المعاش الضرورية، كما أنّه نقّاد خبير، لا يفوته كتاب مجهول دون أن يستخرج اسم صاحبه المؤلّف، ولقد تضم مكتبته اليوم ما ينيف على ألف مجلّد من نفائس الكتب، وهي من كبرى المكتبات العراقية ويوجد في جملتها جمّ من المخطوطات العزيزة منها ما طُبع ومنها ما لم يطبع بعد.

وهكذا جمع الله في السيد المؤلّف فضيلة العلم والبيان، وطلاقة الوجه واللسان، فهو ثمرة تلك الشجرة التي لا ينتسب إليها إلاّ عالم أو فاضل، فحقّاً لهم أن يصبحوا مصاديق قول القائل:

علماء أئمّة حكماء

يهتدي النجم باتباع هداها

الكاظميّة                  

مرتضى آل يس الكاظمي

٢١

٢٢

بسم الله الرحمن الرحيم

فاتحة الكتاب

الحمد لله على ما فتح لنا من أبواب العلم، بتأسيس العلوم الإسلامية، وخصّنا باسم الشيعة الإمامية، حمداً نسبق به مَن سبق إلى رضاه وحباه بما يتمنّاه، والصلاة والسلام على خير خلقه، وأفضل بريته، محمد سيد رسله، المؤسّس لشريعته والمبعوث بأشرف كتبه، الخاتم لما سبق، والفاتح لما استقبل، وعلى آله الكرام مفاتيح علوم الإسلام.

أمّا بعد: فإنّي لما صنّفت كتاب تأسيس الشيعة الكرام لفنون الإسلام، ورتّبته على فصول تجمع العلوم التي تقدّمت الشيعة في تأسيسها، وعقدت في كل فصل صحائف عديدة، لأوّل مَن وضع ذلك العلم، ولأوّل مَن صنّف فيه، ولأوّل مَن اخترع علماً من فروع ذلك العلم وصنّف فيه، ولأوّل مَن ابتكر معنى اتبع فيه، ولأول مَن أفرد نوعاً من العلم في التصنيف. وأمثال هذه العناوين، وصحيفة في مشاهير ذلك العلم وأئمّته المتقدّمين ذكرتهم على ترتيب الطبقات، الأقدم فالأقدم، لا على ترتيب الحروف، وذلك أداء لحق أُولئك الكرام، الحائزين قصب السبق في هذا المقام، ضرورة فضل المتقدّم على المتأخّر، والمتبوع على التابع، ولم يسبقني أحد إليه، ولا حام طائر فكره عليه، ولا يسبقن إلى بعض الأذهان إنكاره،

٢٣

فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إنّ علينا بيانه، فجاء كتاباً ضخماً، بسبب تراجم الطبقات، وذكر بعض النادرات، فالتمسني بعض الأفاضل من أهلي أن أختصره ليكون أليق بالمرام الموضوع له الكتاب، وأن أترجمه (كتاب الشيعة وفنون الإسلام ) فاستخرت الله في إجابته، فساعدت الاستخارة فاختصرته، غير أنّي لم أرع ترتيب الأصل، بل رتّبت الفصول فيه على ترتيب شرف العلم، لا على ترتيب ترتّب العلوم.

٢٤

الفصل الأوّل

في تقدّم الشيعة في علوم القرآن

وفيه صحائف

وقبل الشروع فيها لابدّ من التنبيه على تقدّم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، في تقسيم أنواع علوم القرآن، فإنّه أملى ستّين نوعاً من أنواع علوم القرآن، وذكر لكل نوع مثالاً يخصّه، وذلك في كتاب نرويه عنه من عدّة طرق، موجود بأيدينا إلى اليوم، وهو الأصل لكل مَن كتب في أنواع علوم القرآن.

وأوّل مصحف جُمع فيه القرآن على ترتيب النزول بعد موت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هو مصحف أمير المؤمنين علي عليه السلام، والروايات في ذلك من طريق أهل البيت متواترة، ومن طرق أهل السنّة مستفيضة، أشرنا إلى بعضها في الأصل، وباحثنا فيه ابن حجر العسقلاني.

الصحيفة الأُولى

في أوّل مَن صنّف في علم تفسير القرآن

أوّل مَن صنّف في ذلك سعيد بن جبير التابعي رضي الله عنه كان أعلم التابعين بالتفسير، كما حكاه السيوطي في الإتقان، عن قتادة، وذكره ابن النديم في الفهرست، عند ذكره للكتب المصنّفة في التفسير، ولم ينقل تفسيراً لأحد قبله، وكانت شهادته سنة أربع وتسعين من الهجرة وكان ابن جبير من خُلّص الشيعة نصّ على ذلك علماؤنا في كتب الرجال كالعلاّمة جمال الدين

٢٥

ابن المطهّر في الخلاصة، وأبي عمرو الشكي في كتابه في الرجال، وروى روايات عن الأئمّة في مدحه وتشيّعه واستقامته، قال وما كان سبب قتل الحجّاج له إلاّ على هذا الأمر - يعني التشيّع - قتله سنة ٩٤ ( ثم اعلم ) أنّ جماعة من التابعين من الشيعة صنّفوا في تفسير القرآن بعد سعيد بن جبير.

منهم السدي الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي أبو محمد القرشي، المتوفّى سنة سبع وعشرين ومئة.

قال السيوطي في ( الإتقان ) أمثل التفاسير تفسير إسماعيل السدي، روى عنه الأئمّة مثل الثوري، وشعبة.

قلت: وقد ذكره وذكر تفسيره النجاشي، والشيخ أبو جعفر الطوسي في فهرست أسماء مصنّفي الشيعة، وقد نصّ على تشيّعه ابن قتيبة في كتاب ( المعارف ) والعسقلاني في ( التقريب وتهذيب التهذيب ) وكان من أصحاب علي بن الحسين، والباقر، والصادق عليهم السلام.

ومنهم محمد بن السائب بن بشر الكلبي صاحب التفسير المشهور، وذكره أبن النديم عند تسمية الكتب المصنّفة في تفسير القرآن، وقال ابن عدي في ( الكامل ): للكلبي أحاديث صالحة، وخاصة عن أبي صالح، وهو معروف بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشبع. وقال السمعاني محمد بن السائب صاحب ( التفسير ): كان من أهل الكوفة: قائلاً بالرجعة، وابنه هشام ذو نسب عال، وفي التشيّع غال، قلت: كان من الشيعة المخصوصين بالإمام زين العابدين وابنه الباقر، وكانت وفاته سنة ستّ وأربعين بعد المئة من الهجرة المباركة.

ومنهم جابر بن يزيد الجعفي الإمام في التفسير، أخذه عن الإمام الباقر،

٢٦

وكان من المنقطعين إليه، وصنف تفسير القرآن وغيره، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة بعد الهجرة، وهو غير تفسير الإمام الباقر، الذي ذكره ابن النديم عند تسمية الكتب المصنفة في التفسير.

قال: كتاب الباقر محمد بن علي بن الحسين، رواه عنه أبو الجارود زياد ابن المنذر رئيس الجارودية الزيدية، انتهى.

قلت: وقد رواه عن أبي الجارود أيام استقامته قبل تزيده، جماعة من ثقاة الشيعة، كأبي بصير يحيى بن القاسم الأسدي وغيره.

الصحيفة الثانية

في أوّل مَن صنّف في القراءة ودوّن علمها وأوّل مَن جمع القراءات

فاعلم أن أول من دون علم القراءة أبان بن تغلب الربعي أبو سعيد، ويقال أبو أميمة الكوفي، قال النجاشي في فهرس أسماء مصنفي الشيعة: كان أبان رحمه الله مقدما في كل فن من العلم، في القرآن، والفقه، والحديث، ولأبان قراءة مفردة مشهورة عند القراء، ثم أوصل إسناده عن محمد بن موسى ابن أبي مريم صاحب اللؤلؤ عن أبان في رواية الكتاب، قال وأوله إنما الهمزة رياضة إلى آخره، وقد ذكر ابن النديم في الفهرست تصنيف أبان في القراءة.

قال: وله من الكتب ( معاني القرآن ) لطيف، ( كتاب القراءة )، ( كتاب من الأُصول في الرواية على مذهب الشيعة ) انتهى.

وبعد أبان صنّف حمزة بن حبيب أحد القرّاء السبعة ( كتاب للقراءة )، قال ابن النديم في الفهرست: كتاب القراءة لحمزة بن حبيب، وهو أحد

٢٧

السبعة من أصحاب الصادق، انتهى.

وقد ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتاب ( الرجال ) في أصحاب الصادق أيضاً، ووجد بخط الشيخ الشهيد محمد بن مكي عن الشيخ جمال الدين أحمد بن محمد بن الحداد الحلّي ما صورته: قرأ الكسائي القرآن على حمزة، وقرأ حمزة على أبي عبد الله الصادق، وقرأ عن أبيه، وقرأ على أبيه، وقرأ على أبيه، وقرأ على أمير المؤمنين علي.

قلت: وحمزة على الأعمش أيضاً، وعلى حمران بن أعين، وهما من شيوخ الشيعة أيضاً، كما ستعرف، ولم يعهد لأحد قبل أبان وحمزة تصنيف في القراءات فإنّ الذهبي وغيره ممّن كتب في طبقات القرّاء نصّوا على أنّ أوّل مَن صنّف في القراءات أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفّى سنة ٢٢٤ هـ أربع وعشرين ومئتين، ولا ريب في تقدّم أبان؛ لأنّ الذهبي في ( الميزان ) والسيوطي في ( الطبقات ) نصّا على أنّه توفّي سنة ١٤١ إحدى وأربعين ومئة فهو مقدّم على أبي عبيد بثلاث وثمانين سنة، وكذلك حمزة بن حبيب فإنّهم نصّوا أنّه تولّد سنة ثمانين ومات سنة ١٥٦ هـ، وقيل سنة ١٥٤ هـ، وقيل سنة ١٥٨ هـ، وأنّ الأخير وهم.

وكيف كان فالشيعة أوّل مَن صنّف في القراءة، ولا يخفى هذا على الحافظ الذهبي، وحافظ الشام السيوطي، ولكن إنّما أراد أوّل مَن صنّف في القراءات من أهل السنّة، لا مطلقاً.

وقد تقدّم في التصنيف في القراءة على أبي عبيد من الشيعة جماعة آخرون غير مَن ذكرنا، مثل: ابن سعدان أبي جعفر محمد سعدان الضرير، ذكره ابن النديم في الفهرست في قرّاء الشيعة، قال: كان معلّماً للعامّة، وأحد القرّاء بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه، بغدادي المولد، كوفي المذهب، وتوفّى

٢٨

سنة ٢٣١ يوم عرفة، وله من الكتب كتاب ( القراءة ) وكتاب ( مختصر النحو ) وله قطعة حدود مثال حدود الفراء، انتهى.

ومثل أبي جعفر، محمد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي الكوفي، أُستاذ الكسائي والفرّاء، من خواص الإمام الباقر، ذكره أبو عمرو الداني في ( طبقات القرّاء ) قال: روى الحروف عن أبي عمر، وسمع الأعمش، وهو من جملة الكوفيّين، وله اختيار في القراءة تروى، سمع الحروف منه خلاد ابن خالد المنقري، وعلي بن محمد الكندي، وروى عنه الكسائي والفرّاء، انتهى. وتوفّي بعد المائة بقليل، له كتاب ( الوقف والابتداء ) كبير وصغير، وكتاب ( الهمز ) كما في فهرست أسماء مصنّفي الشيعة للنجاشي وغيره.

ومثل زيد الشهيد له قراءة جدّه أمير المؤمنين، رواها عنه عمر بن موسى الرجهي قال: في أوّل كتاب قراءة زيد هذه القراءة سمعتها من زيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وما رأيت أعلم بكتاب الله وناسخه ومنسوخه ومشكله وإعرابه منه، وكانت شهادة زيد أيام هشام بن عبد الملك الأموي سنة ١٢٢ هـ، وكان عمره يوم قتل اثنتين وأربعين سنة؛ لأنّه كان تولّد سنة ثمانين.

فكل هؤلاء قد تقدّموا في التصنيف في القراءة على أبي عبيد القاسم بن سلام، وبذلك تحقّق تقدّم الشيعة في تدوين علم القراءة.

الصحيفة الثالثة

في أوّل مَن صنّف في أحكام القرآن

فاعلم أنّ أوّل مَن صنّف في ذلك محمد بن السائب الكلبي، من أصحاب الباقر المتقدّم ذكره، قال ابن النديم في ( الفهرست ) عند ذكره للكتب

٢٩

المؤلّفة في القرآن ما لفظه: كتاب أحكام القرآن للكلبي رواه عن ابن عباس قلت: وقد عرفت أنّ وفاة ابن السائب الكلبي كانت سنة ست وأربعين ومئة، فقول السيوطي: ( أوّل مَن صنّف أحكام القرآن الإمام الشافعي ) محلّ تأمّل؛ لأنّ وفاة الإمام الشافعي سنة أربع ومئتين، وله من العمر أربع وخمسون سنة، وكذا ما ذكره في ( طبقات النحاة ) من أنّ أوّل مَن كتب في أحكام القرآن هو القاسم بن أصبع بن محمد بن يوسف البياني القرطبي الأندلسي الأخباري اللغوي، توفّي سنة أربعين وثلاث مئة، عن ثلاث وتسعين سنة وأيام.

الصحيفة الرابعة

في أوّل مَن صنّف في غريب القرآن

فاعلم أنّ أوّل مَن صنّف في ذلك شيخ الشيعة أبان بن تغلب، وقد نصّ على تصنيفه في ذلك علماؤنا، وكذلك نصّ عليه ياقوت الحموي في ( معجم الأُدباء ) والجلال السيوطي في ( بغية الوعاة )، ونصّوا على وفاته في سنة إحدى وأربعين ومئة.

وقال السيوطي في كتاب ( الأوائل ) أوّل مَن صنّف غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى، ونصّ على تاريخ وفاته - هو وغيره - أنّها كانت سنة تسع، وقيل ثمان، وقيل عشرة، وقيل إحدى عشرة ومئتين، ولا أظن أنّ السيوطي غفل عمّا ذكره هو في ترجمة أبان بن تغلب، أنّ له كتاب ( غريب القرآن ) لكنّه يريد أوّل مَن صنّف في ذلك من أهل البصرة، وليس أبو عبيدة، من أهل السنّة، حتى يقال إنّه أراد أوّل أهل السنّة؛

٣٠

لأنّه من الخوارج الصفوية بنص الجاحظ في ( كتاب الحيوان ) المطبوع في هذه الأيام بمصر.

ثم اعلم أنّ المصنّفين في غريب القرآن بعد أبان جماعة من الشيعة منهم: أبو جعفر الرواسي، وهو متقدّم أيضاً على أبي عبيدة. ومنهم: أبو عثمان المازني، المتوفّي سنة ثمان وأربعين ومئتين. والفراء المتوفّي سنة سبع ومئتين. وابن دريد الكوفي اللغوي، المتوفّي سنة ٢٢١ هـ. وعلي بن محمد السيمساطي، وسيأتي تراجم هؤلاء في فصل علم النحو، وفصل علم اللغة، والدلالة، على تشيّعهم.

الصحيفة الخامسة

في تقدّم الشيعة في التصنيف في معان شتّى من القرآن

فاعلم أنّ أوّل من صنّف من الشيعة كتاب ( معاني القرآن ) هو أبان بن تغلب، المتوفّي سنة إحدى وأربعين ومئة هـ، ونصّ على كتابه هذا ابن النديم في ( الفهرست ) والنجاشي في ( أسماء مصنّفي الشيعة ) وغيرهما، ولم أعثر على أحد صنّف فيه قبل أبان. نعم صنّف فيه منّا: الرواسي، والفرّاء؛

قال ابن النديم كتاب ( معاني القرآن ) للفرّاء، ألّفه لعمر بن بكر، وهما من الشيعة أيضاً.

وأوّل مَن صنّف كتاباً في الناسخ والمنسوخ عبد الله بن عبد الرحمن الأصم المسمعي البصري، من شيوخ الشيعة، من أصحاب أبي عبد الله الصادق عليه السلام، وبعده دارم بن قمصة بن نهشل بن مجمع أبو الحسن التميمي الدارمي، من شيوخ الصدر الأوّل من الشيعة، عمّر حتى أدرك الإمام الرضا ومات في أواخر المئة الثانية، له كتاب ( الوجوه والنظائر ) وكتاب

٣١

( الناسخ والمنسوخ )، وقد ذكرهما النجاشي في ترجمته في فهرست أسماء المصنّفين من الشيعة، وصنّف بعدهما في ذلك الحسن بن علي بن فضال، صاحب الإمام علي بن موسى الرضا، وتوفّي سنة أربع وعشرين ومئتين، والشيخ الأعظم أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمّي، صاحب الرضا أيضاً، وعاش حتى أدرك الإمام أبا محمد الحسن العسكري.

ويظهر من الجلال السيوطي أنّ أوّل مَن صنّف في ذلك أبو عبيد القاسم ابن سلام، المتوفّي سنة أربع وعشرين ومئتين، وهو من المعاصرين للحسن بن علي بن فضال المصنّف في ذلك، ومتأخّر عن المسمعي بكثير، بل وعن دارم بن قبيصة.

وعلى كل حال فالشيعة هم المتقدّمون في ذلك، وأوّل مَن صنّف في نوادر القرآن ( علي بن الحسين بن فضال ) أحد شيوخ الشيعة في المئة الثالثة.

قال ابن النديم في الفهرست: كتاب الشيخ علي بن إبراهيم بن هاشم في نوادر القرآن شيعي، كتاب علي بن الحسن بن فضال من الشيعة، كتاب أبو النصر العياشي من الشيعة، انتهى.

قلت: ولأحمد بن محمد السياري الكاتب البصري أيضاً كتاب ( نوادر القرآن ) كان السياري يكتب للطاهر في زمن الإمام العسكري، ولأبي الحسن محمد بن أحمد بن محمد المعروف بالحارثي، كتاب ( نوادر علم القرآن ).

قال النجاشي: كان وجهاً من وجوه أصحابنا، ثقة.

وأوّل مَن صنّف في متشابه القرآن: حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، من شيعة أبي عبد الله الصادق وصاحبه، المتوفّي سنة ست وخمسين بعد المئة بحلوان.

٣٢

قال ابن النديم: وكتاب ( متشابه القرآن ) لحمزة بن حبيب، وهو أحد السبعة من أصحاب الصادق، انتهى بحروفه.

وكذلك الشيخ أبو جعفر الطوسي، عدّه في أصحاب الصادق، وقبلهما ابن عقدة عدّه في أصحاب الصادق في رجاله، وقد صنّف جماعة من أصحابنا المتقدمين في ذلك كمحمد بن أحمد الوزير، المعاصر للشيخ الطوسي، له كتاب ( متشابه القرآن )، وللشيخ رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني، المتوفّي سنة ٥٨٨ كتاب ( متشابه القرآن ).

وأوّل مَن صنّف في مقطوع القرآن وموصوله هو الشيخ حمزة بن حبيب، وقد ذكر محمد بن إسحاق - المعروف بابن النديم - في ( الفهرست ) كتاب مقطوع القرآن وموصوله لحمزة بن حبيب، أحد السبعة من أصحاب الصادق.

وأوّل مَن وضع نقط المصحف وأعربه وحفظه عن التحريف في أكثر الكتب، هو أبو الأسود، وفي بعضها يحيى بن يعمر العدواني تلميذه، والأول هو الأصح، وأيهما كان: فالفضل للشيعة؛ لأنّهما من الشيعة بالاتفاق، وقد أكثرنا في الأصل نقل النصوص والشواهد على ذلك.

وأوّل مَن صنّف في مجال القرآن - فيما أعلم - الفرّاء يحيى بن زياد، المتوفّي سنة سبع ومئتين، والآتي ذكره في أئمّة علم النحو، وقد نصّ المولى عبد الله أفندي في ( رياض العلماء ) على أنّه من الشيعة الإمامية.

ثم قال: وما قال السيوطي من ميل الفرّاء إلى الاعتزال، لعلّه مبني على خلط أكثر علماء الجمهور بين أصول الشيعة والمعتزلة، وإلاّ فهو شيعي إمامي، انتهى.

٣٣

وقد كتب في مجازات القرآن جماعة، وأحسن ما صنّف فيه كتاب ( مجازات القرآن ) للسيد الشريف الرضي الموسوي أخي السيد المرتضى.

وأوّل مَن صنّف في ( أمثال القرآن ) هو الشيخ الجليل محمد بن محمد بن الجنيد، وقد ذكر ابن النديم في ( الفهرست ) في آخر تسمية الكتب المؤلّفة في معان شتّى من القرآن، ما لفظه كتاب ( الأمثال ) لابن الجنيد، انتهى. ولم أعثر على أحد صنّف في ذلك قبله.

وأوّل مَن صنّف في فضائل القرآن أُبي بن كعب الأنصاري الصحابي نصّ عليه ابن النديم في ( الفهرست ) وكأن الجلال السيوطي لم يطلع على تقدّم أُبي في ذلك، فقال: أوّل مَن صنّف في فضائل القرآن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، المتوفّي سنة أربع ومئتين، انتهى.

ثم إنّ السيد علي بن صدر الدين المدني صاحب السلافة قد نصّ على تشيّع أُبي بن كعب في كتاب ( الطبقات ) أعني الدرجات الرفيعة في ( طبقات الشيعة ) وأكثر من الدلالات والشواهد على تشيّعه، وقد زدت أنا عليه شواهد ودلالات في الأصل.

وقد صنّف منّا أيضاً جماعة في ذلك، منهم: الحسن بن علي ابن أبي حمزة البطائني، ومحمد بن خالد البرقي، وهما في عصر الرضا، وأحمد بن محمد السياري أبو عبد الله الكاتب البصري، كان في زمن الظاهر، والإمام العسكري ومحمد بن مسعود العياشي، وعلي بن إبراهيم بن هاشم شيخ الكليني، وأحمد بن محمد بن عمار أبو علي الكوفي المتوفّي سنة ست وأربعين وثلاثمئة، وغيرهم من شيوخ أصحابنا.

وأوّل مَن صنّف في أسباع القرآن كتاباً وكتاباً في حدود آي القرآن،

٣٤

حمزة بن حبيب الكوفي الزيات، أحد السبعة من الشيعة، كما تقدّم النص على ذلك من الشيوخ، وقد ذكر كتاب ( أسباع القرآن )، وكتاب ( حدود آي القرآن ) ابن النديم في ( الفهرست ) لحمزة المذكور، ولا أعلم أحداً تقدمه فيها.

الصحيفة السادسة

في أئمّة علم القرآن من الشيعة

منهم عبد الله بن عباس، وهو أوّل مَن أملا في تفسير القرآن من الشيعة وقد نصّ كل علمائنا على تشيّعه وترجمه ترجمة حسنة السيد في كتابه ( الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ) وذكرت في الأصل ما به الكفاية من ذلك، مات سنة ٦٧ هـ في الطائف، ولمّا حضرته الوفاة قال: اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بولائي لعلي بن أبي طالب عليه السلام.

ومنهم: جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي، وهو في الطبقة الأولى من طبقات المفسّرين لأبي الخير، وقال الفضل بن شاذان النيسابوري صاحب الرضا: جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وقال ابن عقدة عند ذكره منقطع إلى أهل البيت، وقد ذكرت في الأصل زيادة، مات بالمدينة بعد السبعين من الهجرة، وعمره أربعاً وتسعين.

ومنهم: أُبيّ بن كعب سيّد القرّاء، عدّوه في الطبقة الأولى في المفسّرين من الصحابة، وهو كما عرفت من الشيعة، وترجمته في الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة، وفي الأصل مفصلة وبعد هؤلاء التابعون.

ومنهم: سعيد بن جبير أعلم التابعين بالتفسير - بشهادة قتادة له بذلك -

٣٥

كما في ( الإتقان ) وقدم تقدّم ذكره وتشيّعه، ومنهم: يحيى بن يعمر التابعي، أحد أعلام الشيعة في علم القرآن، قال ابن خلكان: هو أحد قرّاء البصرة، وعنه أخذ عبد الله بن إسحاق القراءة، وكان عالماً بالقرآن الكريم، والنحو ولغات العرب، وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي، وكان شيعيّاً من الشيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت، من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم، انتهى. وقد ذكرت بعض أحواله في الأصل في أئمّة علم النحو.

ومنهم: أبو صالح، مشهور بكنيته تلميذ ابن عباس في التفسير، اسمه ميزان بصري، تابعي شيعي، نصّ على تشيّعه وثقته الشيخ المفيد محمد بن محمد ابن النعمان، في كتاب ( الكافئة في إبطال توبة الخاطئة ) بعد حديث عنه عن ابن عباس، مات أبو صالح بعد المئة.

ومنهم: طاووس بن كيسان أبو عبد الله اليماني، أخذ التفسير عن ابن عباس، وعدّه الشيخ أحمد بن تيمية من أعلم الناس بالتفسير، كما في ( الإتقان ). ونصّ ابن قتيبة في كتاب ( المعارف ) على تشيّعه، قال في صفحة ٢٠٦ من المطبوع بمصر: الشيعة: الحرث الأعور، وصعصعة بن صوحان، والأصبغ بن نباتة، وعطية العوفي، وطاووس، والأعمش، انتهى. توفّي طاووس بمكة سنة ست ومئة هـ، وكان منقطعاً إلى علي بن الحسين السجّاد عليه السلام.

ومنهم: الأعمش الكوفي سليمان بن مهران أبو محمد الأسدي، وقد تقدّم نص ابن قتيبة على تشيّعه، وكذلك الشهرستاني في ( الملل والنحل ) وغيرهما. ومن علمائنا الشيخ الشهيد الثاني زين الدين في ( حاشيته الخلاصة ) والمحقّق البهبهاني في ( التعليقة )، والميرزا محمد باقر الداماد في ( الرواشح ) وقد أخرجت لفظهم في الأصل، وزدت عليه نصوصاً أُخر، مات سنة ١٤٨ هـ عن ثمان وثمانين سنة.

٣٦

ومنهم: سعيد بن المسيب أخذ عن أمير المؤمنين وابن عباس، وكان قد ربّاه أمير المؤمنين عليه السلام، وصحبه ولم يفارقه وشهد معه حروبه ونص الإمام الصادق والإمام الرضا على تشيّعه، كما في الجزء الثالث من كتاب ( قرب الإسناد ) للحميري، كان إمام القرّاء بالمدينة وعن ابن المدايني أنّه قال لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين.

ومنهم: أبو عبد الرحمن السلمي، شيخ قراءة عاصم، قال ابن قتيبه: كان من أصحاب علي عليه السلام وكان مقرئاً، ويحمل عنه الفقه، قلت: وقرأ أبو عبد الرحمن على أمير المؤمنين عليه السلام، كما في ( مجمع البيان ) للطبرسي، وعدّه البرقي في كتاب الرجال في خواص علي من مضر، مات بعد السبعين.

ومنهم: السدّي الكبير صاحب ( التفسير ) المتقدّم ذكره في الصحيفة الأولى.

ومنهم: محمد بن السائب بن بشر الكلبي صاحب ( التفسير الكبير ) المتقدّم ذكره في الصحيفة الأولى.

ومنهم: حمران بن أعين، أخو زرارة بن أعين الكوفي، مولى آل شيبان من أئمّة القرآن، أخذ عن الإمام زين العابدين والباقر، ومات بعد المئة.

ومنهم: أبان بن تغلب المتقدّم ذكره كان المقدّم في كل فن من العلم، أخذ القراءة عن الأعمش، وهو من أصحاب الإمام السجاد علي بن الحسين والباقر عليهما السلام، مات سنة ١٤١ هـ.

ومنهم: عاصم بن بهدله، أحد السبعة، قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي القارئ على علي أمير المؤمنين عليه السلام، ولذا كانت قراءة عاصم أحب

٣٧

القراءات إلى علمائنا، ونصّ على تشيّعه الشيخ الجليل عبد الجليل الرازي المتوفّي سنة ٥٥٦ هـ ست وخمسين وخمسمئة في كتابه ( نقض الفضائح ) وأنّه كان مقتدى الشيعة، مات عاصم سنة ثمان وعشرين بعد المئة بالكوفة، وقيل بالسماوة وهو يريد الشام ودفن بها، وكان لا يبصر كالأعمش، ونص على تشيّعه القاضي نور الله المرعشي في كتابه ( مجالس المؤمنين ) وهو في طبقات الشيعة وبعد هؤلاء أتباع التابعين.

منهم أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار، شيخ الشيعة بالكوفة قال أبو الفرج محمد بن إسحاق، بن أبي يعقوب النديم في ( الفهرست ) كتاب تفسير أبي حمزة الثمالي، وكان من أصحاب علي بن الحسين عليه السلام، من النجباء الثقات، وصحب أبا جعفر، انتهى. ومات أبو حمزة سنة مئة وخمسين هـ.

ومنهم: أبو الجارود زياد بن المنذر، روى كتاب الإمام الباقر في تفسير القرآن، قبل أن يتزيد، رواه عنه أبو بصير الأسدي كما تقدّم، مات أبو الجارود بعد المئة والخمسين من الهجرة.

ومنهم: يحيى بن القاسم أبو بصير الأسدي، كان مقدّماً في الفقه والتفسير، وله فيه مصنف معروف، ذكره النجاشي، أوصل إسناده إلى رواية التفسير مات في حياة أبي عبد الله الصادق عليه السلام المتوفّي سنة ١٤٨ هـ.

ومنهم: البطايني علي بن سالم، المعروف بابن أبي حمزة أبو الحسن الكوفي مولى الأنصار، له كتاب ( تفسير القرآن ) يروي فيه عن أبي عبد الله الصادق، وأبي الحسن موسى الكاظم، وأبي بصير المتقدّم ذكره.

ومنهم: الحصين بن مخارق أبو جنادة السلولي، قال ابن النديم: كان من

٣٨

الشيعة المتقدّمين، وله من الكتب كتاب ( التفسير )، كتاب ( جامع العلوم ) انتهى. وذكر له النجاشي أيضاً كتاب ( التفسير والقراءات ) وكتاباً كبيراً.

ومنهم: الكسائي أحد السبعة، اجتمع فيه أمور، كان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم في الغريب والقرآن، وهو من أولاد الفرس من سواد العراق، وقد ذكرت نسبه في الأصل، ومَن نصّ على تشيّعه، مات بالري، أو بطوس، وهو في صحبة الرشيد سنة ١٨٩ هـ، وقيل سنة ١٨٣ هـ، وقيل ١٨٥ هـ، وقيل ١٩٣ هـ، والأول هو الأصح، وعاش سبعين سنة.

وبعد هؤلاء طبقة أخرى.

منهم: ابن سعدان الضرير أبو جعفر محمد بن سعدان بن المبارك الكوفي النحوي، إمام كامل، مؤلّف ( الجامع ) و( المشجر ) وغيرهما، له اختيار في القراءة موافق للمشهور، ثقة، عدل، صنّف في العربية والقراءات، وقد تقدّم أنّ ابن النديم في ( الفهرست ) ذكره في قراء الشيعة، وأنّه بغدادي المولد، كوفي المذهب، وأنّه توفّي سنة ٢٣١ هـ يوم عرفة، وذكره ياقوت والسيوطي مفصلاً في ( المعجم ) و ( الطبقات ). وذكر ياقوت أنّه ولد سنة ١٦١ هـ ومات يوم الأضحى سنة ٢٣١ ه، وله ولد هو إبراهيم، قال ياقوت: كتب وصحح ونظر وحقق وروى وصنف كتباً حسنة، منها كتاب ( حروف القرآن ) ومنهم: جماعة صنّفوا ( تفسير القرآن ) كانوا في أصحاب الإمام الكاظم والرضا عليهما السلام.

ومنهم: وهيب بن حفص أبو علي الحريري، من بني أسد، ويونس بن

٣٩

عبد الرحمن أبو محمد، شيخ الشيعة في وقته، والحسين بن سعيد بن حماد بن مهران مولى علي بن الحسين أبو محمد الأهوازي، وقد ذكرنا تراجمهم في الأصل.

ومنهم أيضاً: عبد الله بن الصلت أبو طالب التيمي، من تيم اللات ابن ثعلبة، كان أحد أئمّة علم التفسير، وله كتاب ( تفسير القرآن ) روى عن الرضا، وأحمد بن صبيح أبو عبد الله الأسدي الكوفي المفسّر، وعلي ابن أسباط بن سالم، بياع الزطي أبو الحسن المقري الكوفي، وعلي بن مهزيار الأهوازي أحد أئمّة العلم بالحديث والتفسير، وصنّف فيهما.

وبعد هؤلاء طبقة أخرى، مثل: البرقي محمد بن خالد البرقي، له كتاب ( التنزيل ) وكتاب ( التفسير ) لقي الإمام الكاظم الرضا، وهو من ثقات أصحابنا، وأخوه الحسن بن خالد البرقي، له كتب منها: ( تفسيره الكبير ) مئة وعشرون مجلّداً إملاء الإمام العسكري، كما في ( معالم العلم ) لابن شهرآشوب المازندراني رشيد الدين. وبعد هؤلاء جماعة صنّفوا التفسير في المئة الثالثة، منهم: علي بن الحسن بن فضال، وإبراهيم بن محمد بن سعيد ابن هلال بن عاصم بن سعيد بن مسعود الثقفي الكوفي، المتوفّي سنة ٣٨٣ هـ، وعلي بن إبراهيم بن هاشم القمّي شيخ الشيعة في عصره، وتفسيره مطبوع، وعلي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي، صنّف كتاب ( التفسير ) ورواه عنه جماعات من أصحابنا، والشيخ ابن الوليد محمد بن الحسن ابن أحمد بن الوليد أبو جعفر، شيخ الشيخ ابن بابويه، مات سنة ٣٤٣ هـ، الشيخ فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، له تفسير كبير معروف بيننا، كان في عصر الإمام الجواد ابن الرضا، وابن دول القمّي المتوفّي سنة ٣٥٠ هـ، له كتب منها كتاب ( التفسير ) ذكره

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184