منهاج الصالحين - العبادات الجزء ١

منهاج الصالحين - العبادات0%

منهاج الصالحين - العبادات مؤلف:
تصنيف: متون فقهية ورسائل عملية
الصفحات: 458

منهاج الصالحين - العبادات

مؤلف: السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم
تصنيف:

الصفحات: 458
المشاهدات: 54957
تحميل: 2251


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 458 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 54957 / تحميل: 2251
الحجم الحجم الحجم
منهاج الصالحين - العبادات

منهاج الصالحين - العبادات الجزء 1

مؤلف:
العربية

منهاج الصالحين

الجزء الأول

العبادات

السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم

١

٢

بسم الله الرحمن الرحيم

٣

٤

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

وبعد..

فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى (محمد سعيد) عفي عنه، نجل سماحة حجة الإسلام والمسلمين آية الله (السيد محمد علي الطباطبائي الحكيم) دامت بركاته: هذه رسالة عملية تشتمل على الاحكام الشرعية للمسائل الّتي تعمّ بها البلوى من أبواب العبادات والمعاملات وغيره.

وقد سميتها (منهاج الصالحين) باسم رسالة سيدنا الاعظم مرجع الطائفة الاُستاذ الجد (السيد محسن الطباطبائي الحكيم) أعلى الله مقامه، لاني وإن خرجت عنها كثيراً في التعبير والتبويب ونظم المسائل، إلا أني قد جاريتها في منهجه، وسرت على ضوئه، واستعنت بكثير من عباراته.

وقد حافظت على هذا الاسم تيمناً به، واعتزازاً بصاحبه، وإبقاءً لذكره، اعترافاً بالفضل، وأداءً للحق.وأسأله تعالى أن يعصمني من الزلل في القول والعمل، ويجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، ولا يحرمني أجره، وأن ينفع به إخواني المؤمنين ويوفقني لخدمتهم، ويجعلني عند حسن ظنهم، ويرزقني مودتهم ودعاءهم.

وأسأله جل شأنه لي ولهم خير العاجلة، وثواب الاجلة، إنه أرحم الراحمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.

٥

تمهيد

قد تميَّزت الطائفة الإمامية الإثنا عشرية - أعز الله دعوتها وأعلى كلمتها - بفتح باب الاجتهاد على مرِّ العصور وتعاقب الدهور، وعلى ذلك جرى علماؤها الأبرار، وهم لا يريدون بالاجتهاد التوسع على حساب الحكم الشرعي بما يلائم مستجدات العصر وتطور الزمن، أو إرضاء لعامة الناس، أو للحكام والمتسلطين وغيرهم من أهل النفوذ أو لغير ذلك.

بل الاجتهاد عندهم هو بذل الجهد لمعرفة الحكم الشرعي من منابعه الاصيلة، والحفاظ عليه كأمانة يسأل الله تعالى المجتهد عنها عند ما يقف بين يديه يوم العرض الاكبر، (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئ)، (والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير).

كما تميَّزت هذه الطائفة بالتقليد، الذي هو عبارة عن رجوع عامة الناس الذين لا معرفة لهم بالاحكام الشرعية في أعمالهم - من عبادات ومعاملات وغيرها - للمجتهد المأمون على الحكم الشرعي، الذي لا يفرط فيه تسامحاً في البحث والفحص، أو تبعاً لسلطان، أو إرضاءً لعامة الناس، أو حباً للظهور في ابتداع الجديد، أو في التخفيف والتسهيل، أو لغير ذلك من المكاسب والأغراض المادية والمعنوية. كل ذلك خوفاً من الله تعالى، وفرقاً من عظيم عقابه وشديد نكاله.

٦

ولذا تراهم يُكِنُّون لعلمائهم عامَّة ولمن يقلِّدونه خاصة من الاحترام والتقديس والتعظيم والتبجيل الشيء الكثير.

وحق لهذه الطائفة أن ترفع رأسها فخراً واعتزازاً بمحافظتها على أحكام الله تعالى، واهتمامها بأخذها من منابع التشريع الاصيلة، وصمودها في ذلك متحدية أعاصير الزمن، وظلمات الفتن، على طول المدة وشدة المحنة.

كل ذلك بفضل علمائها المخلصين الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم، وأتباعهم المؤمنين الذين لا يأخذون دينهم إلا ممن هو أهل للامانة في دينه وورعه وقدسيته، رافضين غيرهم ممن لا يتحلى بالامانة والورع، و لا يبالي في أي واد سلك، قد تورط في الشبهة، ووضع نفسه في مواضع التهمة.

وأمام أعينهم في ذلك تعاليم أئمة الهدى من أهل البيت (صلوات الله عليهم) المطابقة لحكم العقل السليم، وللكتاب المجيد وسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد ورد عنهم (علهيم السلام) في ذلك الشيء الكثير، وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه بعد أن ذم اليهود بتقليدهم لعلمائهم، وشدد عليهم، قال:

«وكذلك عوام اُمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامه، وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لاصلاح أمره مستحق، وبالترفرف بالبر والاحسان على من تعصبوا له وإن كان للاذلال والاهانة مستحق، فمن قلَّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمَّهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لامر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم. فأما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئاً ولا كرامة...».

فعلى المؤمنين سددهم الله تعالى - العلماء منهم والاتباع - أن يعرفو

٧

عظيم المسؤولية الملقاة على عواتقهم، وثقل الامانة التي حمّلها الله تعالى إياهم. وليكن الهمُّ الأول و الاخير للعالم هو معرفة الحقيقة والحفاظ عليها والوصول للحكم الشرعي من منابعه الاصيلة وبيانه، أداءً للوظيفة الشرعية، من دون اهتمام بكثرة الاتباع والانصار، ولا بالبهرجة وحب الظهور، ولا بغير ذلك من مغريات الدنيا الزائلة ودواعي الشيطان المهلكة، وأمام عينيه قوله تعالى: (ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل * لاخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين).

كما ليكن همّ الأتباع الخروج عن تبعة الأحكام الشرعية بأخذها من العلماء العاملين من أهل الورع والتقوى والنزاهة والإخلاص والإستقامة، وممن لا تنالهم الطعون ولا تلوكهم الألسن، لبعدهم عن الشبهات وعن مواقع التهم، مع كمال التثبت والتروي، ليكونوا بذلك على بصيرة من الخروج عن المسؤولية وقيام العذر لهم بين يدي الله تعالى يوم يعرضون عليه لا يخفى عليه منهم خافية.

ولا يكون اتّباعهم الشخص مبنياً على التسرع والانخداع ببهرجة الأقوال، أو لموافقتهِ لأهوائهم ورغباتهم، فإن الرقيب في جميع ذلك هو الله تعالى المطلع على السرائر والعالم بالخفايا والضمائر ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

وقد يقف الناس حيارى - لملابسات خاصة وظروف طارئة - أمام كثرة الدعاوى وتعدد الاتجاهات إلا أن ذلك لا ينبغي أن يجرّ للتفريط في الوظيفة والتقصير في أداء الواجب، إذ مهما التبست الامور وشبَّهت الفتن فإن الله جلت آلاؤه لا يضيع حجته، ولا يخفي معالم دينه - بفضله ورحمته إن شاء الله - على من حاول البحث عنها وجهد في الوصول إليه(والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم

٨

سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، (قل فللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين).

و نرجو بذلك أن نكون قد قمنا ببعض الواجب في النصح لاخواننا المؤمنين، وتذكيرهم بواجبهم (فإن الذكرى تنفع المؤمنين)، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه اُنيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

٩

التقليد

مقدمة

في بعض مسائل التقليد

يبلغ الإنسان الذكر مرتبة التكليف بأحد اُمور:

الأول: الإنبات، وهو ظهور الشعر الخشن على الوجه، أو في منطقة العانة، وهي فوق الذكر ومن جانبيه.

الثاني: خروج المني، سواءً كان بالاحتلام أم بدونه ولو في حال اليقظة.

الثالث: إكمال خمس عشرة سنة قمرية.

أما الاُنثى فتبلغ مرتبة التكليف بإكمال تسع سنين قمرية.

(مسألة ١): إذا بلغ الإنسان مرتبة التكليف ووجب عليه تطبيق أحكام الشريعة وتكاليفها على أعماله أمكنه تطبيقها بأحد وجوه:

الأول: الاجتهاد، بأن ينظر في أدلة الاحكام الشرعية ويعرف بنفسه الحكم منها ويعمل عليه. وهو لا يتيسر إلا لقليل من الناس.

الثاني: الاحتياط، بأن يتحفظ على التكليف في مورد احتماله، سواء قامت عليه حجة أم لم تقم.

١٠

فإن أفتى بعض المجتهدين بحرمة التدخين - مثلاً - وأفتى بعضهم بحليته يلتزم بترك التدخين لاحتمال حرمته. وإن أفتى بعضهم بوجوب تسبيحة واحدة في الصلاة، وأفتى بعضهم بوجوب ثلاث تسبيحات يلتزم بالإتيان بثلاث تسبيحات لاحتمال وجوبه. وإن أفتى بعضهم بوجوب القصر وأفتى بعضهم بوجوب التمام يلتزم بالجمع بين القصر والتمام لاحتمال وجوب كل منهم.

وهكذا كلما احتمل وجود التكليف يحتاط بموافقته. وهذا الطريق يتعذر أو يعسر في حق أكثر الناس.

(مسألة ٢): الاحتياط..

تارة: يكون له جهة واحدة كالاحتياط بترك التدخين لو اختلف المجتهدون في حليته وحرمته.

واُخرى: يكون له أكثر من جهة واحدة، كالاحتياط في مورد الجنابة والحيض: فإن الجنب يجب عليه الغسل ويجزئه عن الوضوء، ففي مورد الاحتياط في الجنابة لا يتم الاحتياط إلا بالجمع بين الغسل والوضوء إذا كان محدثاً بالحدث الاصغر، ولا يجزئ فيه الغسل، وكذا الحائض فإن الاحتياط لها لا يتم إلا بالجمع بين واجبات الطاهر كالصلاة والصيام وتروك الحائض كترك دخول المسجد وتمكين الزوج من الوطء بإذنه وغير ذلك.

كما أن الاحتياط..

تارة: يتعلق بشخص واحد كما هو الغالب في العبادات كالطهارة والصوم والصلاة والمحرمات كشرب العصير ونحوه.

واُخرى: يتعلق بأكثر من شخص، كما هو الغالب في المعاملات، فالاحتياط ببطلان البيع - مثلاً - قائم بالمشتري والبائع مع. فلابد في الخروج عنه من اتفاقهما على تكرار عقد البيع بالوجه المعلوم الصحة، أو على التقايل وفسخ البيع المحتمل

١١

البطلان، ولا يكفي فيه العمل من أحدهما على احتمال بطلان البيع من دون رضا الاخر. وهذا أمر يلزم الالتفات إليه في جميع الاحتياطات الواردة في الرسالة.

الثالث: التقليد، بأن يرجع المكلف فيما لا يعرفه من الاحكام للمجتهد العالم بها الذي يأخذها من أدلتها الشرعية والعقلية المعتبرة، فيعمل بفتاواه فيه. وهذا الطريق هو المتيسر لعامة الناس.

(مسألة ٣): يشترط في المجتهد الذي يصح تقليده اُمور:

الأول والثاني: الذكورة، وطهارة المولد، على الأحوط وجوب.

الثالث: الايمان، وهو الاعتقاد بإمامة الائمة الاثني عشر من أهل البيت صلوات الله عليهم.

الرابع: العدالة بمرتبة عالية، بأن يكون على مرتبة من التقوى تمنعه عادةً من مخالفة التكليف الشرعي ومن الوقوع في المعصية وإن كانت صغيرة، بحيث لو غلبته نوازع النفس ودواعي الشيطان - نادراً - فوقع في المعصية لاسرع للتوبة وأناب لله تعالى.

وأما العدالة المعتبرة في غير المقلَّد كإمام الجماعة والشاهد، فيكفي فيها التقوى المانعة من ارتكاب المعصية الكبيرة، ولا يقدح فيها ارتكاب المعصية الصغيرة من دون إصرار واستهوان.

(مسألة ٤): إذا قلد مجتهداً فمات، وجب البقاء على تقليده إلى أن يظهر من الاحياء من هو أعلم منه بفارق ظاهر ومرتبة معتدّ به. من دون فرق في ذلك بين المسائل التي عمل بها وغيره، ولا بين المسائل التي يعلمها ويذكرها والمسائل التي لم يعلمها أو نسيه.

(مسألة ٥): إذا اختلف المجتهدون في الفتوى، فإن كان أحدهم متفوق

١٢

على الاخرين بمرتبة معتدّ بها وجب اختياره، ومع عدمه فالأحوط وجوباً العمل بأحوط الاقوال، ومع تعذر ذلك أو تعسره - كما هو الغالب - فاللازم اختيار الاعلم ولو بمرتبة ضعيفة، ومع التساوي بينهم يترجح الاورع، ومع عدمه يتخير بين المجتهدين، فيقلد أحدهم، ويعمل بفتاواه.

(مسألة ٦): يثبت اجتهاد المجتهد وأعلميته وعدالته - بالنحو المتقدم - بالعلم الناشئ من المخالطة والإختبار أو من الشياع أو غيرهم. ومع عدمه يكفي فيه شهادة الثقة من أهل الخبرة، إذا استندت إلى الإختبار ونحوه مما يلحق بالحس، ولا يكفي استنادها للحدس والتخمين، ومع اختلاف أهل الخبرة تسقط شهادتهم.

(مسألة ٧): إذا احتمل أعلمية بعض المجتهدين وجب الفحص عنه، فمع ثبوته بالعلم أو غيره مما تقدم في المسألة الخامسة يلزم اختياره، ومع عدم تيسر معرفته بالوجه المتقدم، فإن أمكن العمل بأحوط الاقوال تعيّن، ومع تعذّره أو تعسّره - كما هو الغالب - إن احتمل أعلمية شخص بعينه من دون أن يحتمل أعلمية غيره منه يتعين تقليده.

وإن كان احتمال الاعلمية لاكثر من شخص واحد تعين اختيار من يظن بأعلميته، ومع اختلاط الامر وعدم تيسر الظن بأعلمية أحدهم يتعين اختيار الاورع، ومع عدمه يتخير بينهم، كما سبق في صورة التساوي.

(مسألة ٨): إذا قلد مجتهداً ثم ظهر له أن تقليده لم يكن على الوجه الشرعي لزم العدول عنه وتقليد غيره على الوجه المطلوب شرع.

(مسألة ٩): إذا بقي على تقليد الميت فاستجدت له بعض المسائل التي لا يستطيع معرفة فتوى الميت فيها وجب الرجوع فيها للحي، ومع اختلاف الاحياء يجري ما سبق من الترجيح والتخيير. وكذا لو كان مقلداً للحي وتعذر معرفة رأيه في بعض المسائل.

١٣

(مسألة ١٠): إذا قلد مجتهداً وعمل على رأيه مدة ثم عدل المجتهد عن رأيه اجتزأ المقلد بعمله السابق ولم يجب عليه قضاؤه في العبادات ونحوها مما يمكن فيه التدارك. وكذا لو عدل المقلد من مجتهد إلى آخر إذا كان تقليده الأول على الوجه الشرعي، أو على غير الوجه الشرعي غفلةً من دون تقصير، وأما إذا ابتنى على التسامح والتقصير فهو كما لو عمل من غير تقليد، وسيأتي حكمه.

(مسألة ١١): إذا عمل من غير تقليد مدة من الزمان فليس له الاجتزاء بعمله، بل لابد من الرجوع للمجتهد الجامع للشرائط فعلاً وعرض عمله السابق عليه، فإن أفتى له بصحته أو بعدم وجوب إعادته اجتزأ به، وإلا أعاد.

(مسألة ١٢): من لا يتيسر له الفحص عمن يجب تقليده وأخذ الحكم منه، لبعده عن مراكز الثقافة الدينية، أو لقلة إدراكه كبعض النساء والعوام إذا وثق ببعض المتدينين - من طلاب العلوم الدينية أو غيرهم - في اختيار من يقلده أو في تعيين حكمه الفعلي ليعمل عليه، فأرشده في أمره وعيّن له الحكم أو المجتهد الذي يقلده فعمل على ذلك كان كمن عمل عن تقليد صحيح، وتحمّل الشخص الذي أرشده مسؤولية عمله، فيجب عليه بذل الوسع واستكمال الفحص عن مقتضى الميزان الشرعي أداءً للامانة، وإلا كان خائناً مسؤولاً أمام الله تعالى.

(مسألة ١٣): الوكيل في العمل عن الغير يعمل على طبق تقليد موكِّله أو اجتهاده، إلا مع القرينة الخاصة على ابتناء الوكالة على خلاف ذلك، وكذا الحال في الوصي فإنه يعمل على طبق اجتهاد الموصي أو تقليده، إلا مع القرينة على خلاف ذلك. نعم مع الجهل بتقليد الموكِّل والموصي أو اجتهاده يجوز العمل على طبق اجتهاد الوكيل أو الوصي أو تقليدهم.

وأما الولي - المكلف بالقضاء عن الميت - فيعمل على طبق تقليده أو اجتهاده بنفسه وكذا المتبرع. وأما الاجير فلابد من اتفاقه مع المستأجر على كيفية

١٤

العمل إلا مع الانصراف إلى وجه معيّن تبتني عليه الاجارة ضمن.

(مسألة ١٤): الحاكم الشرعي هو المجتهد العادل، فإنه هو المنصوب من قبل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) للحكم والقضاء. فيجب الترافع إليه عند النزاع والتخاصم، وينفذ حكمه في فصل الخصومة، ولا يجوز ردّ حكمه، بل الراد عليه كالراد على الائمة (عليهم السلام) الذي هو كالراد على الله تعالى وهو على حدّ الشرك بالله، كما في الحديث الشريف.

(مسألة ١٥): لا يجوز الترافع لغير الحاكم الشرعي، بل يحرم المال المأخوذ بحكم ذلك الشخص وإن كان الاخذ محق. نعم إذا علم صاحب الحق بثبوت حقّه جاز له استنقاذه بالترافع لغير الحاكم الشرعي، بشرط تعذّر الترافع عند الحاكم الشرعي إما للعجز عن الوصول إليه أو الخوف من ذلك أو امتناع من عليه الحق من الترافع عنده.

(مسألة ١٦): لا يجوز للمقلد التصدي للقضاء وفصل الخصومة حتى على طبق فتوى مقلَّده، ولا يجوز الترافع له والتحاكم عنده، ولا ينفذ حكمه.

نعم، يجوز له بيان حكم الواقعة على طبق تقليد المتخاصمين، فمع وثوقهما بصدقه ومعرفته يجب عليهما العمل بقوله.

(مسألة ١٧): إذا مات المجتهد انعزل وكيله في الاُمور العامة التي يرجع إليه فيها كتولّي أموال القاصرين والاوقاف التي لا ولي لها وغير ذلك، بل لابد من تجديد وكالته من مجتهد عادل آخر.

(مسألة ١٨): الاحتياط في هذه الرسالة على قسمين:

الأول: الاحتياط الوجوبي، وهو الاحتياط الذي ليس معه فتوى بالسعة ويتخير المكلف بين العمل به والرجوع لمجتهد آخر، الاعلم فالاعلم مع الامكان، على التفصيل المتقدم.

١٥

الثاني: الاحتياط الاستحبابي، وهو الاحتياط الذي معه فتوى بالسعة، كما لو قيل: يجوز كذا والأحوط استحباباً تركه. أو قيل: الأحوط استحباباً ترك الشيء الفلاني وإن كان الظاهر جواز فعله. ويحسن من المكلف العمل بالاحتياط المذكور وإن كان له تركه والعمل على السعة.

(مسألة ١٩): قد يرد الاحتياط الوجوبي في بعض المستحبات، كما إذا قيل: الأحوط وجوباً في سجود الشكر السجود على المساجد السبعة. والمراد بذلك: أن سجود الشكر وإن كان مستحباً يجوز تركه من أصله إلا أن من أراد الإتيان به لا يحرز صحته إلا بالسجود على المساجد السبعة، فلو سجد على الجبهة فقط جاز إلا انه لا يحرز مشروعية سجوده وتحقق وظيفة سجود الشكر المستحب به.

(مسألة ٢٠): قد ترد في الرسالة العبارات التالية: الظاهر كذ، أو: الاظهر كذ، أو: لا يبعد كذ. والمراد بالجميع الفتوى بالامر المذكور. كما قد ترد العبارة التالية، وهي: الأولى كذ، والمراد بذلك رجحان الامر المذكور - ولو من غير جهة الشرع - من دون أن يكون لازم.

(مسألة ٢١): إن كثيراً من المستحبات المذكورة في هذه الرسالة يبتني استحبابها على ذكر العلماء لها أو ورود بعض الاخبار بها وإن لم تكن معتبرة السند، فيحسن الإتيان بها برجاء المطلوبية، وكذا الحال في المكروهات، فيحسن الترك لها برجاء الكراهة، ولا يجوز في المقامين الجزم بالاستحباب والكراهة.

هذ، وقد ورد في الاخبار الكثيرة المعتبرة عن الائمة (عليهم السلام) أن من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له أجر ذلك وإن لم يكن الامر على ما بلغه، ومن هنا لا ينبغي الزهد في العمل من أجل ضعف الدليل على استحبابه، لان المهم هو تحصيل الثواب. ومنه سبحانه نستمد العون والتوفيق.

١٦

كتاب الطهارة

وفيه مقاصد:

المقصد الأول

في الماء وأحكامه

ينقسم الماء إلى قسمين:

الأول: الماء المطلق، وهو ما يصح إطلاق لفظ الماء عليه من دون إضافة، كماء المطر وماء البحر وماء النهر وماء الابار والعيون والماء المقطر. فإنه يصح في جميع ذلك أن يقال: هذا ماء.

الثاني: الماء المضاف، وهو ما لا يصح إطلاق لفظ الماء عليه إلا بالاضافة والتقييد، ومنه الماء المعتصر من بعض الاجسام كماء الليمون وماء الرمان وماء العنب، فإنه لا يصح أن يقال: هذا ماء، بل لابد أن يقال: هذا ماء الرمان أو ماء العنب أو نحو ذلك. ومنه الماء الذي يخلط به جسم آخر بقدر معتدّ به بحيث لا يصح إطلاق لفظ الماء عليه إلا مقيَّداً به ومضافاً إليه، كماء السكر وماء الملح. ومحل الكلام هو الأول، وأما الثاني فلا يذكر إلا تبع.

إذا عرفت هذ، فيقع الكلام في ضمن فصول:

١٧

الفصل الأول

في طهارة الماء ونجاسته

الماء طاهر بالاصل، وهو بجميع أقسامه ينجس بملاقاة النجاسة إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته. وأما إذا لم يتغير بها فإنما ينجس بالملاقاة إذا كان قليلاً دون الكرّ ولم يكن له مادة، أما إذا بلغ الكرّ أو كان له مادة فإنه لا ينجس بملاقاة النجاسة من دون تغير. وهو المسمى بالماء المعتصم. هذا في غير المطر. أما المطر، فيأتي الكلام فيه في الفصل الثاني.

(مسألة ١): إنما ينجس الماء القليل بملاقاة النجاسة مع استقراره، أما إذا كان متدافعاً بحيث يصدق عليه الجريان عرفاً باتجاه معيّن فلا ينجس منه إلا موضع الملاقاة، دون ما قبله. فإذا جرى من الاعلى للاسفل، ولاقى الاسفل النجاسة لم ينجس الاعلى، وإذا اندفع من الاسفل للاعلى - كما في النافورات - ولاقى الاعلى النجاسة لم ينجس الاسفل، وكذا إذا جرى من اليمين للشمال ولاقى جانب الشمال النجاسة لم ينجس من جانب اليمين، وهكذ.

(مسألة ٢): الماء القليل كما ينجس بملاقاة النجس ينجس بملاقاة المتنجس بجميع أقسامه.

(مسألة ٣): الكُرّ بحسب الحجم سبعة وعشرون شبراً مكعب. والأحوط وجوباً القياس بالشبر المقارب لربع المتر. وأما الكرّ بحسب الوزن فهو أربعمائة وأربعة وستون كيلو غراماً ومائة غرام، والأحوط استحباباً ما يزيد على ذلك قليلاً حتّى يبلغ أربعمائة وسبعين كيلو غرام.

١٨

(مسألة ٤): المراد بالماء الذي له مادة هو المتصل بغيره بحيث إذا نقص أمدّه، سواء جرى عليه، كالماء الذي تجري عليه الحنفية التي تأخذ من المخازن الكبيرة، أم نبع فيه، كماء الابار والعيون. ولابدّ فيها من اتصال المادة بالماء، ولا يكفي تقاطرها وترشحها عليه من دون اتصال.

(مسألة ٥): المادة إنما تمنع الماء من التنجس بملاقاة النجاسة إذا بلغت وحدها كر، ولا يكفي كرّية مجموع المائين، فإذا كانت المادة ثلاثة أرباع الكُر مثلاً وجرت على ماء يبلغ نصف كُر لم تمنع من تنجسه، بل ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير.

نعم، مع استقرار المائين وعدم تدافع أحدهما على الاخر يكفي كرّية المجموع في اعتصامه وعدم تنجسه بملاقاة النجاسة، كما في الغديرين المتصل أحدهما بالاخر بساقية ضيقة، وكما في المخازن الصغيرة المتصل بعضها ببعض باُنبوب صغير. كما أن المجموع حينئذٍٍ يصلح أن يكون مادة عاصمة، فإذا جرى منه على الماء القليل لم ينجس ذلك الماء بملاقاة النجاسة من دون تغير.

(مسألة ٦): لابد في التغير - الذي ينجس معه الماء وإن كان كر، أو كان له مادة - من أن يكون بأحد الصفات الثلاث - وهي اللون والطعم والرائحة - ولا يكفي التغير بغيرها كالثقل والثخانة وغيرهم. وكذا لابدّ من استناده للنجاسة، ولا يكفي استناده للمتنجس به، فإذا تنجس الدبس مثلاً بملاقاة الميتة، ثم وقع في الماء الكثير فغيَّر طعمه لم ينجس. إلا أن يكون من الكثرة بحدّ يخرج الماء عن كونه ماءً مطلقاً ويجعله ماءً مضاف.

نعم، لو كان التغير بوصف النجاسة الذي يحمله المتنجس تنجس الماء على الأحوط وجوب، كما لو أنتن المتنجس بملاقاة الميتة ثم وقع في الماء الكثير فأنتن الماء. أو لاقى الدمَ المتنجس فغيّر لونه، ثم وقع ذلك المتنجس في الماء

١٩

الكثير فتأثر الماء بلون الدم الذي يحمله المتنجس.

(مسألة ٧): لابدّ في تنجس الماء بالتغير من استناده لملاقاة النجاسة، ولا يكفي فيه التغير بسبب مجاورة النجاسة أو نحوها من دون ملاقاة.

(مسألة ٨): إذا تغير جانب من الماء الكثير بملاقاة النجاسة ولم يتغير الجانب الاخر لم ينجس الجانب غير المتغير إذا كان كراً أو متصلاً بالمادة.

(مسألة ٩): إذا شك في كُرية الماء فلا مجال للبناء على كُرّيته حتى لو كان معلوم الكُرّية سابقاً واُخذ منه حتى شك في بقاء كُرّيته، بل الأحوط وجوباً البناء على عدم كُرّيته، فينجس بملاقاة النجاسة ولو مع عدم التغير، ولا يكون مادة عاصمة للماء القليل.

(مسألة ١٠): إذا شك في أن للماء مادة بنى على عدم كونه ذا مادة. نعم إذا علم بسبق اتصاله بالمادة ثم احتمل انقطاعها عنه، بنى على أن له مادة.

(مسألة ١١): إذا تنجس الماء القليل لم يطهر بإضافة الماء إليه وإن بلغ الكُرّ، كما أن الكُرّ إذا تنجس بالتغير لم يطهر بزوال التغير عنه بنفسه أو بعلاج.

وينحصر تطهير الماء النجس غير المتغير - قليلاً كان أم كثيراً - باتصاله بالكُرّ الطاهر مع استقرار المائين، أو مع جريان الكُرّ الطاهر وتدافعه عليه، أما مع تدافع الماء النجس على الكُرّ الطاهر فلا يكفي الاتصال في تطهير النجس بتمامه، وإنما يطهر منه خصوص ما صار مع الطاهر واستقر معه بعد التدافع.

٢٠