الحسين (عليه السلام) في الفكر المسيحي

الحسين (عليه السلام) في الفكر المسيحي0%

الحسين (عليه السلام) في الفكر المسيحي مؤلف:
الناشر: انتشارات الهاشمي
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 258

الحسين (عليه السلام) في الفكر المسيحي

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: أنطوان بارا
الناشر: انتشارات الهاشمي
تصنيف: الصفحات: 258
المشاهدات: 25247
تحميل: 4387

توضيحات:

الحسين (عليه السلام) في الفكر المسيحي
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 258 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 25247 / تحميل: 4387
الحجم الحجم الحجم
الحسين (عليه السلام) في الفكر المسيحي

الحسين (عليه السلام) في الفكر المسيحي

مؤلف:
الناشر: انتشارات الهاشمي
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الحسين (عليه السّلام) في الفكر المسيحي

١

٢

الحسين (عليه السّلام) في الفكر المسيحي

٣

جميع الحقوق محفوظة للمؤلِّف

ص. ب 26095 - الصفاة كويت

الطبعة الاُولى 1398 هـ - 1978 م - كويت

الطبعة الثانية 1400 هـ - 1980 م - كويت

طبعة مزيدة ومنقّحة

* * *

٤

الفصل الأوّل

٥

اسم الكتاب: الحسين (عليه السّلام) في الفكر المسيحي

المؤلّف: أنطوان بارا

عدد الصفحات: 367 صفحة

الناشر: انتشارات الهاشمي

المطبعة: نمونه

تاريخ النشر: 1984 م / 1404 هـ محرّم

حقّ الطبع محفوظ

٦

مقدّمة الكتاب

ضمير الأديان إلى أبد الدهور

الدكتور أسعد علي

- 1 -

إنّ للألم سرّاً يتّصل بينبوع السّرور، بل يتدفّق منه كما ينشق (الأمل) من حروف (الألم) بقليل من حركيّة التركيب والتواصل بين الحروف (ألم = أمل). هذا على مستوى التركيب اللغويّ الواضح.

أمّا على مستوى الرّوح الواسع كالرّيح فظاهر المظاهر خفيّ السّرائر يكتشفه أهل الذّوق في سِير الأنبياء والشهداء والصّالحين.

- 2 -

في الإنجيل - والإنجيل يعني: البشارة - صلّى السّيد المسيح (عليه السّلام) عشيّة تسليمه، وناجى الله قائلاً: «إن كان يُستطاع فَلتعبُر عنّي هذه الكأس، لكن ليس كمشيئتي بل كمشيئتك؛ أمّا الرّوح فمستعدٌّ، وأمّا الجسد فضعيف، ولكن كيف تتمّ الكتب

٧

فإنّه هكذا ينبغي أن يكون؟»(1) .

ضعفُ الجسد مصدر الألم، واستعداد الرّوح لتنفيذ المشيئة العليا، يصلها بينبوع السّرور الخالد.. فلا موت.. والنّصر الحقيقيّ لا يكون إلاّ انسجاماً مع التوجّه الينبوعي الطاهر.. وهل ينتصر مَن يخسر نفسه ولو ربح العالم(2) ؟

بهذا المقياس الانتصاري، ماذا يقول العالَم بثورة الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام)؟ هل انسجم الحسين مع التوجّه الينبوعيّ الطّاهر، فكان منتصراً في شهادته وشهادة آل بيته؟

فطن المؤرّخون والباحثون لرمزيّة الثورة الحسينيّة، واستعذبوا تكرار السّيرة الحسينيّة؛ استلهاماً لها واستقواءً بروح صاحبها(3)

- 3 -

يقول الباحث الشابّ السيّد أنطون بارا في بحثه الجديد (الحسين في الفكر المسيحيّ) ما خلاصته: لم يسجّل التاريخ شبيهاً لاستشهاد الحسين في كربلاء، فاستشهاد الحسين وسيرته عنوان صريح لقيمة الثبات على المبدأ، ولعظمة المثاليّة في أخذ العقيدة وتمثّلها.

____________________

(1) متّي 26 / 40 - 55.

(2) المصدر نفسه 16 / 26، فإنّه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟

(3) يلاحظ ما كتبه عباس محمود العقّاد، والشيخ عبد الله العلايلي، والشيخ محمّد مهدي شمس الدين، وكثيرون غيرهم.

٨

لذلك غدا حبّ الحسين الثائر واجباً علينا كبشر، وغدا حبّ الحسين الشهيد جزءاً من نفثات ضمائرنا.

فقد جاءت صيحة الحسين نبراساً لبني الإنسان في كلّ عصر ومصر، وتحت أيّة عقيدة انضوى؛ إذ إنّ أهداف الأديان هي المحبّة والتمسّك بالفضائل لتنظيم علاقة الفرد بربّه أوّلاً، وبأخيه ثانياً(1) .

إنّ بحث السيّد أنطون بارا بمجمل فصوله(2) يؤكّد حقيقة تجلّت له، وجسّدها بقوله: فقد كان الحسين (عليه السّلام) شمعة الإسلام أضاءت ممثّلة ضمير الأديان إلى أبد الدهور(3) .

إنّ هذه النتيجة مثيرة للغاية؛ لأنّها تحكم الماضي والمستقبل، ومقياس الحُكم فيها ثورة الحسين الواقعيّة.. ثمّ مثاليّة الرّمز في شخصيّته. فكيف يخرج هذا الحكم الذي يبدو وكأنّه انخطاف بالتأثّر حتّى الغلوّ؟ هل مثّل الحسين ضمير الأديان في الماضي؟ وهل يمثّله في المستقبل؟

- 4 -

ضمير الأديان بمقياس المسيحيّة وصيّتان:

____________________

(1) الحسين / 66.

(2) لاحظ عناوين الفصول: لمَن ثورة الحسين؟ ثورة الوحي الإلهي، فداء الحسين في الفكر المسيحي، معجزات الشهادة، في ضمير الإسلام، في المجتمع، في الزمن، حكمة اختلاف الشهادتين، أسباب ثورة الحسين، قريبة وبعيدة، في عهد يزيد، الخروج، آخر أقوال سيّد الشهداء ومواقفه، مقتله، الجزيرة التي أسقطت أميّة، المسيح هل تنبّأ بالحسين؟ كربلاء الأرض المقدّسة، ضمير الأديان أفضال وألقاب، سمو الشهادة في علم الجمال.

(3) الحسين / 65.

٩

أحبب الربّ إلهك بكل قلبك وكلّ نفسك وكلّ ذهنك. هذه هي الوصيّة العظمى والاُولى.

أحبب قريبك كنفسك. هذه هي الوصيّة الثانية التي تشبه الأولى. بهاتين الوصيّتين يتعلّق الناموس كلّه والأنبياء(1)

إنّ ضمير الأديان محبّة لله وتحابّ بين العباد، كما يُفهم من عبارة السيّد المسيح، فكيف يفهم ضمير الأديان من عبارة القرآن؟

- 5 -

آيات المحبّة في القرآن الكريم تؤكّد ضمير الأديان هذا، فضمير الأديان: محبّة وتحابّ، ومن صيغ التعبير عن هذه الحقيقة: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (2) .

قوم الله يحبّونه، وهو لذلك يحبّهم. فدينه المحبّة، ولا يقبل قوماً يرتدّون عن هذا الدين، أو يتقاعسون في تنفيذ أخلاقه التي أشارت إليها الآية: رحمة، وشدّة، وجهاداً، وشجاعة(3) .

هذا ضمير الأديان في الصّيغة الإسلاميّة، وفي الصّيغة المسيحيّة السّابقة.

____________________

(1) متّي 22 / 38 - 41.

(2) سورة المائدة / 54.

(3) تلاحظ رسالة: عبد الله خلف، حول حقيقة الحبّ في القرآن..

١٠

إنّها المحبّة والتحابّ، فكيف مثّله الحسين بن عليّ بالثورة؟

خير الأمم أمّة هَديت إلى الحقّ فَهَدت به والتزمته بالعدل(1) ، وما الحقّ الذي يجعل الاُمّة خير الاُمم؟

إنّه الإخلاص لله، والتعايش بالمعروف المطهّر من المنكر(2) .

النّصوص القرآنيّة تؤكّد مقاييس خير الاُمم بصيغة جديدة لدين الحبّ والتحابّ، فهل كانت ثورة الحسين تمثيلاً عمليّاً لضمير الأديان هذا؟

- 7 -

يقول الحسين (عليه السّلام): «إنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي، اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمَن قَبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين».

حلّلت هذا النصّ مرّة أمام أصدقاء من الشّعب والعلماء في بيروت سنة 1975، وناقشنا مبادئ الأديان المركّزة فيه، إنّما جاء تركيزها ميدانيّاً، فالحسين يقرّر واقعة خروجه للثورة، ويعلن غاية ثورته طلباً للإصلاح في اُمّة

____________________

(1) لاحظ نصوص الآيات الواضحة( وممّن خلقنا أمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون ) (سورة الأعراف / 181).

(2)( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ) (سورة آل عمران / 110)

( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ.... * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ ) (سورة الأعراف / 156 - 157).

١١

جدّه الذي بُعث للنّاس جميعاً، كما يعلن أصول ثورته الإصلاحيّة فهي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. حتّى يكون انسجام الإنسان مع الحقّ، فما هي دروس الثورة المعروفة في ضمير الأديان(1) والتي أوضحها الحسين بحبر جديد من دم الشهادة المحرّرة المنقذة؟

- 8 -

من دروس المعروف الخالدة في الثورة الحسينيّة: الحريّة، الإيثار، التطوّر، الإبداع.

ألا تمثّل هذه الدروس ضمير الأديان إلى أبد الدهور؟ ولكن كيف نفهمها في عصرنا كما أرادها الحسين بن علي في ثورته؟

أمثّل لذلك بمقاطع من (جامعة الحسين): أوّل دروس المعروف (الحريّة)، ويقابلها من مظاهر المنكر (العبوديّة)، فكلّ المظاهر التحكميّة أو التسلّطيّة أو الاستغلاليّة، إنّما هي مظاهر للعبودية وزبانيّة لها..

وثورة الحسين كانت وثبة شجاعة من أعماق سجون التسلّط في عصره ليخترق جدران العبوديّة مطلقاً هواء الحريّة بالفداء في فضاء الزمان؛ ليصل الهواء النقي ببعضه، من ماضٍ وحاضرٍ وآتٍ.. فالهواء حرّ من طبعه الحرّية ولا يستطيع الحياة بين جدران. الهواء الحرّ يُحيي، والهواء الحبيس يقتل.

____________________

(1) تأمّل التفاصيل في (جامعة الحسين بن علي) / 23 - 30 وقارن بالآيات المشار إليها (سورة الأعراف / 156، 157، 181)، وسورة آل عمران / 110.

١٢

حرّر الحسين، بوثبته الفدائيّة، هواء تتنفّسه النفوس الحرّة الشريفة؛ لأنّه أكّد عذوبة الموت، طلباً للإصلاح الإنسانيّ.

وإن كان الموت بهذا المستوى من العذوبة، فلماذا يستعبد الخوف الإنسان؟ لماذا لا يندفع كالسّهم الملتهب فيحترق ويخترق؟

إنّ الاحتراق الخارق حرّية فائقة المذاق. إنّه الشهادة التي تثمر الشهداء (أشهد أن لا إله إلاّ الله) عنوان جامعة الشهادة، أي الحرّية؛ لأنّ هذه العبارة تعني عدم الخضوع لغير الله والخضوع لله حرّية؛ لأنّ مَن يخضع لله يتقوّى بقوّته ويتحوّل بحوله.

والشهداء خرّيجو هذه الجامعة التي تصنع الأحرار وتدعو عشّاق الحريّة في كلّ سبيل(1) .

أمّا الدرس الثاني من دروس المعروف فهو الإيثار، ويقابل الإيثار من مظاهر المنكر الأنانيّة.

فكلّ الأعمال التي تجعل الآخرين وأشياءهم وقفاً لأنا الفرد المتسلّط، تعتبر من أشواك الأنانيّة أو من ثمارها الشائكة.

وثورة الحسين (عليه السّلام) إنّما هي خروج محبّ من أجل الجماعة، ولو كان هذا الخروج الثوريّ مودّياً بحياته وحياة أبنائه وبناته، إنّ الحسين يطلب الإصلاح في اُمّة جدّه، خير أمّة أخرجت للناس بثلاث مواقفها: الإيمان، والأمر،

____________________

(1) جامعة الحسين / 26 - 27 طبعة بيروت، 1975.

١٣

والنهي(1) ، تلك المواقف المكتوبة في التوراة والإنجيل(2) .

لقد آثر الحسين صلاح اُمّة جدّه - الإنسانيّة الهادية بالحقّ، العادلة به(3) - على حياته، فانطلق إلى كربلاء؛ ليكون عاشوراء، وليبقى الفداء ضمير الأديان المطوّر والمبدع(4) .

كذلك يفهم درس التطوّر في ثورة الحسين، وكذلك يفهم درس الإبداع فيها. وبمثل هذا الفهم يكون التحرّر من مظاهر المنكر جموداً وتخلّفاً وتقليداً أعمى.

- 9 -

أليس ضمير الأديان إيقاظاً مستمرّاً وتذكيراً دائماً بهذه المبادئ التي فداها الحسين في عاشوراء؟

أليست الحرّية والإيثار - كما فهمناهما من ثورة الحسين - جوهر وصيَّتَي الإنجيل العظميين؟

- 10 -

لقد أثار السيّد أنطون بارا في كتابه (الحسين في الفكر المسيحيّ) إثارات تدعو الإنسانيّة المعاصرة إلى مزيد من التأمّل؛ لمعرفة الحقّ الذي يحرّر كما يقول السيّد المسيح، فهل يتأمّل المعاصرون(5) ؟

____________________

(1) لاحظ نص الآية (110) من سورة آل عمران.

(2) لاحظ نص الآية (157) من سورة الأعراف.

(3) لاحظ الآية (181) من سورة الأعراف.

(4) جامعة الحسين / 27 - 28.

(5) لاحظ مثلاً كيف تنبّأ المسيح بالحسين / 295 وما بعدها. إنّ هذا يثير ما يقال: في نبوءة سليمان ومن قبله نوح، فما معنى إجماع الأنبياء على هذا؟

١٤

دمشق 21 / 5 / 1979

24 ج 2 سنة 1399 هـ

د. أسعد علي

* * *

١٥

١٦

مقدّمة الطبعة الثانية

سماحة الكاتب الإسلامي

السيّد محمّد بحر العلوم

بسم الله الرّحمن الرّحيم

أمرٌ رائع جداً أن يلتقي الفكران الإسلامي والمسيحي في قضيّة من أهمّ القضايا العقائديّة، وينتهي بهما المطاف إلى نتيجة واحدة هي الحق والعقيدة، والاستجابة لنداء الرسالة، والنضال في سبيلها بإيمان وشموخ.

فالمصدر لهذين الخطّين واحد، ومسارهما التاريخي لن يختلف، فمن الله تلك الرسالة السماويّة قد بعثت لمكارم الأخلاق تهدي الاُمّة وتنقذها من الجهالة والظلم.

فكانت رسالة المسيح (عليه السّلام)، وكانت رسالة محمد (صلّى الله عليه وآله) رسالتين هزّتا ضمير العالم، وأجّجتا فيه كلّ مشاعل الأمل، وأثّرتا فيه العطاء.

ولابدّ أن تكونا كذلك؛ لأنّهما رسالة السماء لإنقاذ البشريّة، فقد كان المجتمع في حينه ولا يزال بحاجة إلى هذا النبع الصافي لتزهر التربة بكلّ أنواع الخير: خلقاً، فضيلةً، كرامةً، وعيشاً رغيداً من أجل رفعة الإنسان وإبراز طاقاته الخلاّقة في بناء مجتمع صالح.

١٧

ولم يكن الإمام الحسين (عليه السّلام) إلاّ ذلك الامتداد الثرّ لرسالة جدّه رسول الإنسانيّة محمّد (صلّى الله عليه وآله)، ومن أجل تقويم تلك الرسالة نهض بموقفه المضحّي لتصحيح مسار الاُمّة، الذي انحرف نتيجة تحرّك الفئة الضّالة لاجتثاث تلك القيم الإنسانيّة التي جاء بها محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وكان تماماً ذلك الموقف الذي برز بقيادة المسيح (عليه السّلام) من قبل؛ لأجل تدعيم كلمة الحق في مجتمع تغلغل فيه الجهل، وانتشر فيه الظلام، فكان ما كان من تعنّت وتطاول على كرامة الرسالة السماويّة. فكادوا أن يغتالوا الشمس والحق، ولكنّ الله رفعه إلى سمائه حماية لإنسانه الخالد. هذا هو المسيح.

والحسين (عليه السّلام) بمسيرته الفدائيّة قد صافح السّيف، وعانق الرّماح، وأعطى القرابين تلو القرابين من أجل عقيدته، وبذلك يكون قد نال القسط الأوفر من الفداء والتضحية من يوم إسماعيل حتّى عهد المسيح؛ لذلك لم تحظِ ملحمة إنسانيّة في التاريخين القديم والحديث بمثل ما حظيت به ملحمة الاستشهاد في كربلاء من إعجاب ودرس وتعاطف. هكذا يقول الكاتب الفاضل (أنطون بارا) في كتابه (الحسين في الفكر المسيحي)، ويصفها بأنّها الاُولى والرائدة والوحيدة والخالدة في تاريخ الإنسانيّة مذ وجدت وحتّى تنقضي الدّهور، إذ هي خالدة خلود الإنسان الذي قامت من أجله.

إنّ العقيدة تصهر الإنسان لدرجة تجعله وحدة متلاحمة مع معاني الكمال والسمو، بحيث لا يمكن الفصل بينهما ولو بحدود شعرة.

وليس كبيراً على الحسين بن علي (عليه السّلام) رائد الإنسانيّة ومَثَلها الأعلى، أن يكون صاحب ثورة أُولى ورائدة ووحيدة وخالدة، بعد محمّد وعلي (عليهما الصّلاة والسّلام).

١٨

والحسين من محمّد كالرّوح من الجسد، والحسين من علي ولده الذي حمل كلّ خصائصه ومقوّماته الرائعة منذ أول يوم لامست عيناه نور الوجود، فالعقيدة مصبّ زاخر يبدأ من محمّد لعلي ثمّ الحسين، فإذا كان في هذا الامتداد، فهو من الرسالة الإسلاميّة ذلك اللبّ الأصيل، وإذا كان ذلك اللّب الرسالي الإسلامي الأصيل، فهو لا يختلف عن اللبّ الرسالي المسيحي، المسيح.

إنّها حلقة واحدة وإن تطاولت العصور، فهي من الله دعوة لهداية البشر.

ويمرّ زمان، ويأتي مَن تهمّه هذه الحقيقة ليشبك الروافد الرساليّة في مصبّ واحد. فإذا كان الاُستاذ جورج جرداق قد كتب بالأمس عن النبعة الصافية الإمام علي لعقيدة السّماء، ليؤكّد على هذا الارتباط بين المسيحيّة والإسلام، جاء اليوم الكاتب الأديب (أنطون بارا) ليمدّ الشراع ويسير نحو هذا المصبّ، ويكتب في ثورة الحسين من خلال مظلّة الفكر المسيحي، فشكراً وألف شكر لمَن يقوم بتوثيق الأواصر، وتدعيم المحبّة والاُلفة بين أنصار السّماء.

والكتاب حاز على إعجابي من خلال قراءتي له - وإن كنت أقف منه في بعض النقاط موقف الملاحظ - ولكن لا أرى المجال لذكرها؛ نظراً لعدم تأثيرها على شعوري بقيمة الكتاب اُسلوباً ومضموناً.

وأخيراً، أرجو للكاتب كلّ الخير والموفّقيّة في محاولته المبدعة، مبتهلاً إلى الله أن يدفع لنا بالنتاج تلو النتاج في هذا المضمار، وهو ولي التوفيق.

محمّد بحر العلوم - الكويت

23 / شوال - 1399 هـ - 14 / 9 / 1979 م

١٩

٢٠