الخصائص العباسية

الخصائص العباسية0%

الخصائص العباسية مؤلف:
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدرية
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 378

الخصائص العباسية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: محمد إبراهيم الكلباسي النجفي
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدرية
تصنيف: الصفحات: 378
المشاهدات: 161855
تحميل: 6611

توضيحات:

الخصائص العباسية
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 378 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 161855 / تحميل: 6611
الحجم الحجم الحجم
الخصائص العباسية

الخصائص العباسية

مؤلف:
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدرية
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الخصائصالعبّاسيّة

لمؤلّفه

الحاج محمّد إبراهيم الكلباسي النجفي

انتشارات المكتبة الحيدريّة

١

بسم الله الرحمن الرحيم

٢

الإهداء

إليك يا معلّم البرّ والخير، والكرم والتقوى.

إليك يا مدرّس الوفاء والصفاء، والشهامة والإباء.

إليك يا ملهم المكارم والمحاسن، والأخلاق والآداب.

إليك يا ملقّن العزم واليقين، والصبر والثبات.

إليك يا مَنْ علّمتنا كيف نكون في ديننا بُصراء، وفي شريعتنا علماء حكماء، ولا نكون من الهمج الرعاع يميلون مع كلّ ريح.

إليك يا مَنْ علّمتنا كيف نعلوا على التهديد والتنديد، ونفوق الهوى والمغريات، ونزهد في المناصب ومباهج الحياة.

إليك يا مَنْ ألهمتنا كيف ندافع عن الحقّ والصدق، ونضحّي من أجل الله ودينه، وكتاب الله وأحكامه، و رسول الله وأهل بيته.

إليك يا مَنْ لقّنتنا كيف نكون مع الصادقين، مع الذين اصطفاهم الله واختارهم وزادهم بسطة في العلم والجسم، ولا نكون رؤوساً متناقرين متنافرين، وكباشاً متناطحين متشاجرين، وأئمة متناحرين متباغضين، كلّ يجرّ النار إلى قرصه، ويدعو الناس إلى نفسه، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه ومبرم خطابه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) .

وقال تعالى:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ) . وقال تعالى:( وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) . وقال تعالى:( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) .

إليك يا قمر بني هاشم، و يا قمر العشيرة.

٣

إليك يا حامل اللواء، ويا بطل العلقمي، وكبش الكتيبة.

إليك يا حامي الظعينة، ويا ساقي عطاشى كربلاء، ويا قائد الجيش، ويا ظهر الولاية والإمامة.

إليك يا باب الحوائج، ويا باب الإمام الحسينعليه‌السلام ، و يا أيها العبد الصالح.

إليك أيها الشهيد الصدّيق، المؤثر المواسي، الفادي الواقي، المستجار الساعي.

إليك يا أبا الفضل العبّاس، يابن أمير المؤمنين وابن سيّد الوصيِّين، ألف تحية وسلام.

إليك يا سيّدي وابن سيّدي أهدي ترجمة هذا الكتاب (الخصائص العبّاسيّة)، وأملي بك قبولك إيّاه، على ما فيه من نقص أو ضياع؛ فإنّها بضاعة مزجاة، وأنت ممّن يقبل اليسير، ويوفي الكيل،، ويجزل العطاء،( فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِين ) .

المُترجم

أوّل ربيع الميلاد / 1420 هـ

٤

بسم الله الرحمن الرحيـم

إجازة حديث، وشهادة اجتهاد

لقد حصل مؤلّف هذا الكتاب الخصائص العبّاسيّة شيخ العلماء العاملين، وسند الفقهاء الراشدين، حاوي دقايق المعقول والمنقول، وجامع الفروع والأصول، حجة الإسلام، ومرجع الخاص والعام، آية الله في الأنام، وحيد العصر ومجتهد الزمان الحاج محمّد إبراهيم الشهير بالكلباسي النجفي - نزيل الري - على إجازات متعددة في الفقه والحديث.

نقل باقتراح بعض المؤمنين وثلّة من رجال الدين صورة منها تخصّ إجازة رواية الحديث، تعمّ شهادة الاجتهاد في الفقه؛ وذلك دعماً لِما جاء في هذا الكتاب من مطاليب، وسنداً لِما رواه فيه من روايات أهل البيتعليهم‌السلام وأحاديثهم الشريفة التي نقلها المؤلِّف الكريم في شؤون مختلفة، وزوايا متفرّقة من هذا الكتاب.

والصورة هي ما أجازه بها شيخ العلماء والأفاحم، وسند الفقهاء الأعاظم، سلمان زمانه ولقمان عصره، حجة الإسلام آية الله الشيخ محمّد حسين النجفي الأصفهاني الفشاركي (أعلى الله مقامه)، ووقّع عليها اُستاذ الفقهاء والمجتهدين، وسيّد العلماء العاملين، مصدر الصلاح ومنبع الفلاح، محيي السنن وعلاّمة الزمن، آية الحقّ المبين، وحجة الإسلام والمسلمين، السّيد أبو الحسن الأصفهاني (أعلى الله مقامه).

وإليك صورة الإجازة:

٥

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي رفع قدر العلماء وفضّل مدادهم على دماء الشهداء، وأوطأهم أجنحة ملائكة السماء، وجعلهم ورثة الأنبياء، وأمناء على عباده بعد الحجج الأطهار، وصلّى الله على خازن علم الله، ومعدن حكمة الله، وحامل سرّ الله، صاحب الشرع القويم، وهادي الناس إلى صراط الله المستقيم، المبعوث على كافة الخلائق أجمعين، خاتم الأنبياء والمرسلين، محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله المصطفى الأمين، وعلى آله الغرّ الميامين سيّما بقية الله في الأرضين إلى يوم ينصب فيه الموازين.

وبعد، فلا يخفى على أولي الرشاد والسداد من العباد أنّ من أعظم مواهب الله سبحانه على الأنام في زمن غيبة الإمامعليه‌السلام وجود العلماء الأعلام، والفقهاء البررة الكرام، ولولاهم لاختلّ النظام، واضمحلّت الأحكام؛ فإنّ بيدهم أزمّة الاُمور، ومن ميامن أنفاسهم يسهل كلّ معسور، وهم المرجع في الأحكام، وبقولهم يعرف الحلال من الحرام.

فكم لهم من كتب التصنيف، وجمع وتأليف لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل، وترويج الدين، وإطفاء نار الغوائل؛ ولذا اشتاقت النفوس إلى تحصيل العلم وطلبه على ما فيه من تعبه وكربه، فنفروا عن جمعهم وأوطانهم، وتغرّبوا عن مسكنهم وبلدانهم، وجدّوا واجتهدوا في طلبه واكتسابه، وانتقاء درره من أصداف أربابه، حتّى تفقّهوا في الدين، وتروّوا من عيون الفقاهة واليقين؛ فشكر الله سعيهم الجميل بثوابه الجزيل.

وممّن قد جدّ وجد، وكدّ وأكد في تحصيل المطلب وتكميل الطلب حتّى فاز من مراتب العلم أعلاها، وحاز في درجات العمل أرفعها وأزكاها، نتيجة العلماء الأعلام، والفقهاء الكرام، والجهابذة العظام، والحجج بين الأعلام، ودرّ يتيمة الفقهاء الفخام، العامل

٦

الفاضل الباذل الكامل، الناهج مناهج الفضل والرشاد، والدارج مدارج الرشد والسداد، والسالك مسالك التحصيل عند أرباب التحقيق والتعميق والتدقيق، المهذّب الصفيّ والمولى الوفي، ذو الفهم العالي، والفكر الكافي، البالغ بجده الأكيد، وسعيه البليغ إلى منتهى الرشاد ودرجة الاجتهاد، الموفّق بتوفيق خالق الخلق والعباد، ذو المجد العلي، ذاك أخانا الوفي الشيخ محمّد إبراهيم - سلّمه الله تعالى - ابن العالم الفاضل الكامل، الناسك السالك، فخر العلماء العظام، وشيخ المشايخ الكرام، أبي المكارم وحاوي المفاخر، مولانا الجليل الآقا ميرزا عبد الرحيم دام ظلّه العالي.

فإنّه - زيد فضله العالي - بالغ فيما هو مراد من العلم والاجتهاد، وفائز بأسنى مراتب الرشاد والإرشاد، وأعلى منازل الصلاح والسداد، وقد وهبه الله تعالى القدرة على الاستنباط وقوة الاجتهاد، واستفادة الأحكام من الأخبار المرويّة المعتمدة، المبنية عليها عمل العلماء الأعلام في المؤلّفات والمصنّفات، فشكر الله سعيه الجميل، وأعطاه الله التوفيق لصرف عمره الشريف في هذا المقام الرفيع والعزّ المنيع، ولا زال مؤيّداً مسدّداً موفّقاً للجمع والتدوين، وكتابة رسائل مبنية على التحقيق والتدقيق، فأعطاه الله مزيد التوفيق، وأعانه على ما وجب عليه من الشكر لله (جلّ جلاله) بما منحه وأولاه، وخصّه وأولاه، فإنّ ذلك فضل الله يؤتيه مَنْ يشاء.

ثمّ إنّه - زيد فضله - استجاز منّي لحسن ظنّه بي فأجزته - تبرّكاً للانتظام في سلك الرواة الأعلام، ومبلّغي الأحكام - أن يروي عنّي كلّما صحّت لي روايته، ووضحت لي درايته من كتب الأخبار التي عليها المدار في الأعصار والأمصار، كالكافي والتهذيب والفقيه والاستبصار، وما أرويه عن مشايخي الكرام، وأساتيذي العظام (عليهم رضوان الله الملك العلاّم)، ومنهم: الشيخ الجليل، والعامل الكامل، والمحقّق المدقّق، والفقيه الوحيد، والنبيه السديد، شيخ العلماء

٧

والفقهاء، مرجع الأنام في الأقطار والأمصار، ومَنْ عليه الاعتماد في الإجازات والتصديقات، البحر القمقام، وعلم الأعلام، والعابد الناسك في بقعة خامس أصحاب الكساء، شيخنا وشيخ العلماء والمتعلّمين مولانا الشيخ زين العابدين، المازندراني الأصل، الحايري المسكن، والمعبد المدرس، والمسجَد والمرجَع (طيّب الله رمسه)، عن شيخه الأجل صاحب جواهر الكلام الشيخ محمّد حسن، عن اُستاذه العماد السّيد جواد، عن بحر العلوم، عن اُستاذه ذي الفضل الباهر الآقا محمّد باقر، عن والده الأكمل الأفضل محمّد أكمل، عن المجلسي، عن والده التّقي النقي مولانا محمّد تقي، عن بهاء الملّة والدين بإسناده المزبور في الأربعين المتّصلة بالأئمّة الطاهرين.

وأوصيته بملاحظة التقوى، ونهي النفس عن الهوى، ومراقبة الوقوف على الاحتياط في العمل والفتوى، وبيان الحلال والحرام عند الشبهات؛ فإنّه المنجي لسالكه عن ورطة الهلكات، وأن لا ينساني من صالح الدعوات في حياتي ومماتي عند مظانّ الإجابات، وعقيب الصلوات، كما لا أنساه إنشاء الله تعالى.

وكتب هذه الورقة مستخيراً من الله تعالى ولي كلّ حسنة، وذلك في الليلة الحادية عشرة من ربيع الثاني من سنة 1335 هجريّة، وأنا العبد الجاني محمّد حسين بن محمّد جعفر الفشاركي غفر الله له ولآبائه واُمّهاته، ولجميع المؤمنين والمؤمنات بمحمّد وآله الطاهرين.

بسم الله الرحمن الرحيم

قد صدر من أهله في محلّه: الأحقر أبو الحسن الموسوي الأصفهاني.

محل الخاتم الشريف

قد صدر من أهله في محلّه: الأحقر عبد الكريم الحائري.

محل الخاتم الشريف

٨

المدخـل

الحمد لله الذي خصّ بالبلاء عباده الأصفياء، وشرح صدورنا بمعرفة الأولياء، ونوّر قلوبنا بمحبّة الأزكياء، وزكّى نفوسنا بالرقّة والرجاء، وهذّب آماقنا بالدموع والبكاء، والصلاة والسّلام على محمّد أشرف الأنبياء وآله النجباء النقباء، سيّما خامس أصحاب الكساء وأنصاره المجاهدين النبلاء، الذين لم يرضوا دونه إلاّ ببذل الأرواح والدماء؛ خصوصاً مولانا أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام المعروف بالإيثار والوفاء، وحامل لواء الإمام الحسينعليه‌السلام في يوم عاشوراء، وصاحب الشجاعة والغيرة والجود والسخاء، ولعنة الله على أعدائهم بدوام الأرض والسماء.

الخصائص العبّاسيّة لماذا؟

يقول غريق بحر المعاصي محمّد إبراهيم الكلباسي: لمّا رأيت آثار الشيخوخة قد ظهرت عليّ، وعلامات الضعف والنقاهة قد بدت فيّ، فقواي الجسمية نحو الانحطاط، وشمس عمري تقرب من الأُفول والغروب، ولم أرَ في ديوان عملي عملاً صالحاً مقبولاً، ولا في ما سلف منّي أثراً خالصاً مفيداً، فكدت آيس لولا أن تداركتني رحمة ربّي.

وإذا بي أتذكّر ما روي متواتراً عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مثل أهل بيتي كسفينة نوح مَنْ ركبها نجا...». ولكن كيف لي الركوب في سفينتهم؟ وأنّى لي الكون معهم (صلوات الله عليهم أجمعين) بلا وجاهة ولا لياقة منّي، ولا وسيلة ولا واسطة من ذي وجاهة وكفاءة؟! هذا وهم نور الله في الأرض، وحجج الله على الخلق، وأصحاب البسط والقبض، ووديعة

٩

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخلفاؤه من بعده فينا، فخطر على بالي قوله تعالى:( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) .

ورأيت أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هو باب الإمام الحسينعليه‌السلام ، ومَنْ أستطيع بوسيلته التمسّك بحجزة خامس أهل الكساء وريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وألج عبره إلى سفينة نجاة أهل البيتعليهم‌السلام .

فكما إنّ الإمام عليّاً أمير المؤمنينعليه‌السلام باب علم مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكذلك أبو الفضلعليه‌السلام باب عناية أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام .

ولذلك قرّرت مع قلّة بضاعتي وضعف بياني أن أطرق باب الإمام الحسينعليه‌السلام وجهدي الضعيف، فأكتب من فضائل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ومناقبه، وما تيسّر لي انتقاؤه من كتب شتّى، وما سمح لي التوفيق بجمع ما تفرّق من خصائصه الكبرى، وأنا أعترف بقصوري وعجزي عن درك ساحل يمّه الوارف، ونَيل قليلٍ ممّا يحويه بحر جوده الجارف، وبلوغ وصف شيء ممّا يحمله من فضائل ومكارم.

ولكن ما لا يُدرك [ جلّه ] لا يُترك كلّه، والميسور لا يُترك بالمعسور؛ فرتّبته على مقدّمة وخصائص وخاتمة، وسمّيته (الخصائص العبّاسيّة)، وأهديته على وضاعته إلى كبير سماحته، راجياً من جنابه القبول والعفو عن التقصير والقصور، والوساطة لي عند أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام أوسع وأسرع، والنجاة في زمرتهم؛ فإنّه لا نجاة إلاّ بهم، ولا خلاص إلاّ عن طريقهم، ولا سعادة إلاّ باتّباع مسيرتهم وأخلاقهم، وانتهاج نهجهم وتعاليمهم، ورجائي منه القبول والوساطة؛ فإنّه خير مرجوّ ومأمول للوساطة والشفاعة.

١٠

المقدّمة

حبّ أهل البيت ومودّتهم

إنّ محبّة أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومودّتهم التي فرضها الله تعالى على عباده في كتابه ومحكم آياته، وجعلها أجراً لنبوّة سيّد رسله وخاتم أنبيائه، كما تشمل الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام تشمل ذراريهم الذين ساروا في طريقهم واتّبعوا نهجهم، وخاصّة مثل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام الذي أطاع إمامه وضحّى بنفسه من أجله، وقدّم دمه وقاءً لدمه.

ففي مجمع البيان عن ابن عبّاس قال: أنّه لمّا نزلت هذه الآية:( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، قالوا: يا رسول الله، مَنْ هؤلاء القربى الذين أمر الله بموالاتهم؟

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((علي وفاطمة وَوُلدهما)).

وفي الخصال عن عليعليه‌السلام قال: ((قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مَنْ لم يحبّ عترتي فهو لإحدى ثلاث: إمّا منافق، وإمّا لزنيّة، وإمّا حملت به اُمّه في غير طهر)).

وقال الفخر الرازي صاحب التفسير المعروف، في ذيل تفسير الآية المباركة( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، أقول: آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكلّ مَنْ كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل، ولا شكّ أنّ فاطمة وعلي والحسن والحسينعليهم‌السلام كان التعلّق بينهم وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أشدّ التعلّقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر.

١١

حديث الحبّ والبغض

وأتبرّك بنقل هذا الحديث الشريف الذي نقله صاحب تفسير الكشّاف، والفخر وغيرهما، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات تائباً، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير.

ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تُزفّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة.

ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد مات كافراً، ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة)).

وجاء في تفسير البيضاوي نقلاً عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((حرّمت الجنّة على مَنْ ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومَنْ اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه فأنا اُجازيه)).

الذرّيّة الطاهرة

هذا وقد ذكرت في كتابي (التذكرة العظيميّة) ستّين حديثاً ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وآلهعليهم‌السلام في فضائل الذريّة، ومناقب السّادة من بني الزهراء

١٢

وعليعليهما‌السلام ، وفي فرض محبّتهم وولايتهم على الناس، وقد طبع هذا الكتاب وانتشر عام (1346) هجريّة قمريّة، وهنا أذكر بعض الأحاديث الأخرى تبرّكاً وتيمّناً مكتفياً ومعتبراً بها.

منها: ما جاء في كتاب مودّة القربى، لشهاب الدين العلوي، أحد أعظم علماء العامّة نقلاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((أحبّوا الله لِما أرفدكم من نعمه، وأحبّوني لحبّ الله، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي)).

ومنها: أنّه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أنا أوّل الناس شأناً، ثمّ علي، ثمّ ذرّيتي، ثمّ مُحبّونا يدخلون الجنّة بغير حساب، لا يسألُنّ عن ذنبهم بعد المعرفة والمحبّة)).

ومنها: ما رواه ابن مسعود عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((حبّ آل محمّد يوم واحد خير من عبادة سنة، ومَنْ مات على حبّهم دخل الجنّة)).

ومنها: ما رواه أبو محمّد القمي نزيل الرّي في كتابه المسلسلات، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((مَنْ آذى شعرة منّي فقد آذاني، ومَنْ آذاني فقد آذى الله، ومَنْ آذى الله فعليه لعنة الله ملأ الأرض والسماء)).

ويعنيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالشعرة: مَنْ له قرابة إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله تجعله من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولو بمنزلة شعرة من جسمهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومنها: ما جاء في كتاب الصواعق المحرقة، عن الطبراني نقلاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((إنّ لله حرمات ثلاث، فمَن حفظها حفظ الله له دينه ودنياه، ألا وهي: حرمة الإسلام، وحرمتي، وحرمة رحمي وقرباي)).

خلاصة الكلام

وحاصل الكلام: إنّ هذه الأحاديث الشريفة التي ذكرناها وغيرها ممّا لم نذكرها وما أكثرها تفيد وجوب محبّة عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومودّة ذرّيته، وهو يشمل ذراريهم الذين انتهجوا نهجهم، وساروا بسيرتهم، وخاصّة أولئك الذين

١٣

أظهر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو وصيّه الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، أو كريمته فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، أو واحد من الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام علاقته به ومحبّته له، مثل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .

فإنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هو الذي كان أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يجلسه في حضنه، وينثر على وجناته وخده وهامته ويده قبلاته الحارّة من الحبّ والرحمة، ولثماته المستعرة من الحزن والأسى ممزوجة بدموعه الساخنة وعبراته السائلة، وكأنهعليه‌السلام ينبئ ببكائه ذلك عمّا سيجري على ولده هذا في نصرة إمامه من أعداء الإنسانية، ويرى ما سيصيبه في سبيل الله من بني اُميّة الظالمة الغاشمة، التي عزمت لولا إرادة الله على إبادة أهل البيت ودفن التوحيد والنبوّة.

وهو الذي كانت فاطمة الزهراءعليها‌السلام - على ما روي - تقول في حقّ أبي الفضل العبّاس ما تقوله من المدح والثناء، وتعتبره ولدها وتدعوه ابناً لها، وترى في يديه المقطوعتين في سبيل الله ونصرة ولدها الإمام الحسينعليه‌السلام كفاية لشفاعة اُمّة أبيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في يوم القيامة.

وهو الذي كان أخوه الإمام الحسينعليه‌السلام يخاطبه بقوله في غير مرّة: ((بنفسي أنت يا أخي)). ممّا يدلّ على عظيم مقام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند أخيه وإمامه الإمام الحسينعليه‌السلام .

ومن المعلوم أنّ مَنْ قد حاز على ما حازه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام من محبّة المعصومينعليهم‌السلام له، والزلفى عندهم، والحظوة لديهم حتّى أحبّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأحبّه أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأحبّته حبيبة رسول الله فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وأحبّته ابنتها الكبرى السيّدة زينبعليها‌السلام ، وأحبّه الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام ، والإمام الحسين الشهيدعليه‌السلام ، وباقي الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام ، فكيف لا يكون في مقامه [ ما ]

١٤

يستدعي وجوب محبّته على سائر الناس أجمعين؟!

وها نحن بدورنا المتواضع، وبضاعتنا المزجاة، نقدّم وبإخلاص ما تكنّه قلوبنا لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام من حبّ وولاء، ومودّة وعُلقة، مظهرين ذلك ما يتسنّى لنا من فضائل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ومناقبه، وسرد بعض ما امتاز بهعليه‌السلام من مميّزات، وانفرد به من خصائص، راجين عفوه عنّا وقبوله منّا؛ فإنّه من أهل بيت لا يخيب آملهم، ولا يحرم راجيهم إن شاء الله تعالى، وإليك تلكم الخصائص.

١٥

الخصّيصة الأُولى

النّسب الناصع

لا شكّ في أنّ الانتماء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنّسب يعدّ فخراً للإنسان وشرفاً، كيف لا ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو فخر البشرية وشرفها، وعزّ الإنسانية وسؤددها؟ فكيف بمَنْ انتمى إليه عن قرب، ومتّ إليه بصلة غير بعيدة؟! وذلك مثل العبّاس بن عليعليه‌السلام الذي ولد مباشرة وبلا فصل لنفس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووصيّه الأمين، الإمام أمير المؤمنين علي أبي طالبعليه‌السلام ، الذي قال في حقّه القرآن الحكيم:( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) .

وقال في شأنه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((مَنْ كنت مولاه فهذا علي مولاه)). أي مَنْ كنت سيّده وأولى به من نفسه بنصّ القرآن الحكيم فهذا علي سيّده من بعدي، وأولى به من نفسه بنصّ القرآن الحكيم.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((ما اجتبيته ولكن الله اجتباه)).

الرجل الذي لا يعرفه أحد

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ما رواه الفريقان أنّه قال: ((إنّ لأخي علي بن أبي طالبعليه‌السلام فضائل لا تحصى كثرة، وإنّ الجنّ والإنس لا يقدرون على إحصائها)).

١٦

وعن كتاب (مشارق الأنوار) إنّ أبا ذر خرج يوماً من عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فمرّ به في بعض الطريق عمر بن الخطاب، وكان عمر في طريقه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسأل أبا ذر عمّن كان عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له أبو ذر: كان عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجل لم أعرفه.

فلمّا جاء عمر ودخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رأى عنده علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فتنمّر في قلبه من أبي ذر ونقم عليه، ثمّ التفت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال - وهو يشكو أبا ذر ـ: يا رسول الله، ألست القائل في حقّ أبي ذر: ((ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر))؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((نعم، قلت ذلك في حقّه وإنّه لكذلك)).

فقال عمر: لقد سمعت اليوم منه كذبة؛ وذلك إنّي التقيت به وكان قد خرج لتوّه من عندك، فسألته عمّن كان من الرجال لديكم، فأجابني: بأنّه كان عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجل لم أعرفه، مع أنّه يعرف علي بن أبي طالب جيداً، فكيف يقول لم أعرفه؟!

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في جواب عمر: ((لقد صدق أبو ذر، إنّ علياً لم يعرفه أحد إلاّ الله وأنا)). وقد ذكر هذه الرواية الفريقان أيضاً.

ليلةُ القِربة

وعن كتاب (ينابيع المودة) للشيخ سليمان البلخي الحنفي، عن سعيد بن جبير أنّه قال: قلت لابن عباس (رضي الله عنه): أسألك عن اختلاف الناس في علي (رضي الله عنه).

قال: يابن جبير، تسألني عمّن كان له ثلاثة آلاف منقبة في ليلة واحدة، وهي: ليلة القِربة في قليب بدر؟! فقد سلّم عليه في تلك الليلة وحدها ثلاثة

١٧

آلاف من الملائكة من عند ربّهم.

ثمّ أضاف قائلاً: تسألني عن وصيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وصاحب حوضه، وصاحب لوائه في المحشر؟ والذي نفس عبد الله بن عباس بيده، لو كانت بحار الدنيا مداداً، وأشجارها أقلاماً، وأهلها كتّاباً، فكتبوا مناقب علي بن أبي طالبعليه‌السلام وفضائله ما أحصوها.

وعن أبي ذر: إنّ علياًعليه‌السلام قال في احتجاجه على أصحاب الشورى: ((هل فيكم مَنْ سلّم عليه في ساعة واحدة ثلاثة آلاف من الملائكة وفيهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ليلة قليب بدر، لمّا جئتُ بالماء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غيري؟)). قالوا: لا.

سقّاء بدر

هذا وقد ذكر المحدّث الجليل، والثقة النبيل، صاحب التأليفات القيّمة، والتصانيف المفيدة، الشيخ عباس القمّيرحمه‌الله في كتابه الثمين (مفاتيح الجنان) هذه القصّة، قائلاً: جاء في روايات عديدة إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لأصحابه ليلة بدر: ((مَنْ منكم يمضي في هذه الليلة إلى البئر فيستقي لنا؟)).

فصمتوا ولم يقدم منهم أحد على ذلك، فأخذ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام قِربة وانطلق يبغي الماء، وكانت ليلة ظلماء باردة ذات رياح حتّى ورد البئر، وكان عميقاً مظلماً فلم يجد دلواً يستقي به، فنزل في البئر وملأ القربة وارتقى، وأخذ في الرجوع فعصفت عليه عاصفة جلس على الأرض لشدّتها حتّى سكنت فنهض واستأنف المسير، وإذا بعاصفة كالأولى تعترض طريقه فتجلسه على الأرض، فلمّا هدأت العاصفة قام يواصل مسيره، وإذا بعاصفة ثالثة تعصف عليه فجلس على الأرض للمرّة الثالثة،

١٨

فلمّا زالت عنه قام وسلك طريقه حتّى إذا بلغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سأله قائلاً: ((يا أبا الحسن، لماذا أبطأت؟)).

فأجاب عليعليه‌السلام : ((يا رسول الله، عصفت عليّ عواصف ثلاث زعزعتني، فمكثت لكي تزول)).

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((وهل علمت ما هي تلك العواصف يا علي؟)).

فقال عليعليه‌السلام : ((وما كانت تلك يا رسول الله؟)).

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((كانت العاصفة الأولى جبرائيل ومعه ألف ملك سلّم عليك وسلّموا، والثانية كانت ميكائيل ومعه ألف ملك سلّم عليك وسلّموا، والثالثة كانت إسرافيل ومعه ألف ملك سلّم عليك وسلّموا، وكلهم قد هبطوا مدداً لنا)).

وإلى هذا المعنى أشار السّيد الحميري في قصيدته، قائلاً:

أقسمُ باللهِ وآلائهِ

والمرءُ عمّا قالَ مسؤولُ

إنّ عليَّ بن أبي طالبٍ

على التّقى والبرِّ مجبولُ

إلى أن قال:

ذاكَ الـذي سـلّمُ في ليلةٍ

عـلـيـه ميكالُ وجبريلُ

ميكالُ في ألفٍ وجبريلُ في

ألـفٍ ويـتـلوهُمْ سَرافيلُ

لـيـلةُ بـدرٍ مدداً أنزلوا

كـأنّـهـم طـيـرٌ أبابيلُ

سقّاء كربلاء

نعم، كما إنّ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام استقى للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر، فكذلك ابنه العبّاس بن عليعليه‌السلام استقى لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام يوم كربلاء، ولكن بفارق كبير وهو أنّ الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام

١٩

سلّم عليه جبريل وميكائيل وإسرافيل وآلاف من الملائكة المقرّبين، وحيّوه بتحيّات طيّبة مباركة من عند الله تبارك وتعالى، بينما ولده العبّاس بن عليعليه‌السلام أحاط به آلاف النبّالة الموكّلين بالمشرعة يرشقونه بالسهام والنبال، ويمنعونه من الماء، ويحولون بينه وبين إيصال القربة إلى الخيام، وهم يسمعون صراخ الأطفال العطاشى، وعويل النساء الظمأى.

هذا والفصل صيف قائظ، والطقس حار شديد الحرارة، والشمس وهّاجة تصهرهم بأشعتها المحرقة وترشقهم بشررها القاتل، ومع ذلك لم يرحموا أهل بيت نبيّهم، ولم يدعوا الماء يصل إلى خيامهم، فقد كمنوا وراء النخيل وغدروا بالسقاء واستهدفوا القربة وأراقوا الماء، وملائكة الرحمن تلعنهم وتلعن طاغيتهم يزيد، وتقدّس روح السقّاء وتحيّيه بتحية الرحمن:( سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) .

إذعـان واعتراف

وجاء في كتاب (الأنوار البهيّة) ما نصّه: حكي عن الشافعي أنّه قيل له: ما تقول في عليعليه‌السلام ؟

قال: ما نقول في حقّ مَنْ أخفت أولياؤه فضائله؛ خوفاً، وأخفت أعداؤه فضائله؛ حسداً، وشاع من بين ذين ما ملأ الخافقين؟!

وقال مثل ذلك ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدّمة شرحه على النهج عند القول في نسب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وذكر لمع يسيرة من فضائله قال: فأمّا فضائلهعليه‌السلام فإنّها قد بلغت من العظم والجلالة، والانتشار والاجتهاد، مبلغاً يسمج معه التعرّض لذكرها، والتصدّي لتفصيلها...

إلى أن قال: وما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه، ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنّه استولى بنو اُميّة على سلطان الإسلام في شرق

٢٠