المواسم والمراسم

المواسم والمراسم0%

المواسم والمراسم مؤلف:
الناشر: معاونية العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي
تصنيف: مكتبة التاريخ والتراجم
الصفحات: 85

المواسم والمراسم

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: السيد جعفر مرتضى العاملي
الناشر: معاونية العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي
تصنيف: الصفحات: 85
المشاهدات: 2215
تحميل: 2330

توضيحات:

المواسم والمراسم
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 85 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 2215 / تحميل: 2330
الحجم الحجم الحجم
المواسم والمراسم

المواسم والمراسم

مؤلف:
الناشر: معاونية العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

المواسم والمراسم

السيد جعفر مرتضى العاملي

١

مراجعة وضبط النص موقع معهد الإمامين الحسنينعليهما‌السلام

لإعداد الخطباء والمبلّغين

حيث أخذ الموقع على عاتقه مراجعة النصوص والروايات الواردة في الكتب الحسينيّة وضبطها قدر الإمكان ، من قبل كادر متخصص بالتحقيق والتقويم والتدقيق.

تنويه :

* اللون الأسود يشير إلى المتن.

* اللون القهوائي يشير إلى العناوين والأبواب والفصول.

* اللون الأحمر يشير إلى الآيات القرآنية.

* اللون الأزرق يشير إلى كلام المعصومعليه‌السلام .

* اللون الأخضر يشير إلى الشعر.

* اللون البرتقالي يشير إلى الهامش ورقمه في المتن.

* كلمة (موقع معهد الإمامين الحسنين) فيها إشارة إلى رأينا وتحقيقنا.

٢

المواسمُ والمراسم

المؤلِّف :

السّيد جعفر مرتضى العاملي

الناشر : معاونيّة العلاقات الدوليّة في منظمة الإعلام الإسلامي

التاريخ : ١٤٠٨ ه- - ١٩٨٧ م

الطبعة الثانية

٣

- أ -

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد ، فلم يكن ليدور في خلدي في يوم من الأيّام ، أن يكون موضوع الاحتفال بالمناسبات ، وإقامة المواسم ، موضوعاً للبحث أو مجالاً للتشكيك والنقض والإبرام ، من أيّ كان وفي أيّ من الظروف والأحوال ؛ فضلاً عن أن أبتلى أنا شخصياً بالبحث فيه ، وأجمع له الشواهد الدلائل.

ولكن … ما عشتَ أراكَ الدهر عجباً … فها أنا ذا لا أجد مناصاً من أن أتصدّى لهذا الموضوع ، وأصرف فيه شطراً من عمري الذي ما كنت أحبّ له أن يصرف في مثل هذه الاُمور الجانبيّة التي تجاوزت حدّ الوضوح ؛ لتكون من الضرورات والبديهات لدى سائر أبناء البشرية ، ممّن يتعاملون مع الاُمور بسلامة الفطرة وصفائها ، وبصحيح العقل ، وصريح الوجدان

نعم ، لقد رأيتني غير قادر على التخلّص ، ولا على التملّص من هذا الأمر ، بعد أن كانت ثمّة فئة اختارت لنفسها ليس فقط أن تثقل العقل بالقيود المرهقة ، وتعطّل دَور الوجدان ، وتمنع من تأثير الفطرة ، وإنّما تعدّت ذلك إلى اُسلوب التهويش والتشويش والعربدة ، وحتّى إيصال الأذى إلى الآخرين وهتك حرماتهم ما وجدت إلى ذلك سبيلاً ؛ حيث أدركَ مَن تسمّوا بالعلماء فيها أنهم لا يملكون من الأدلّة على ما يدّعون سوى الشعارات الفارغة ، وتوزيع التّهم الباطلة - وبلا حساب - ورمي الآخرين بالكفر تارةً ، وبالشرك اُخرى ، وبالابتداع في الدين ثالثة … وهكذا …

فكانت هذه الدراسة الموجزة التي اُريد لها أن تعطي صورة واضحة قدر الإمكان لِما يقوله هؤلاء الناس في هذه المسألة ، مع الإشارة إلى بعض موارد الخلل والضعف في تلكُم الأقاويل ، مع التأكّد على أنّ سلاحنا الأوّل والأخير هو الدليل القاطع والبرهان الناصع ، وعلى أنّ هدفنا هو خدمة الحق والدين ، والذبّ عن شريعة سيّد المرسلين ، وعلى أنّ تقوى الله سبحانه ، والخوف

٤

- ب -

من عقابه ، والأمل في ثوابه هو الذي لا بد وأن يهيمن على كلّ أقوالنا وأفعالنا ، بل وعلى كلّ حياتنا ووجودنا.

والله نسأل أن يهبَ لأولئك الذين يشغلوننا باُمور جانبية ، وغير ذات أهمية العقل قبل كلّ شيء ، ومعه الإنصاف ، وأن يمنّ عليهم بالتقوى ، والخوف من عقاب الله أوّلاً ، ثمّ الرجاء لثوابه ثانياً , وأن يمنّ علينا ، وعلى جميع إخواننا المؤمنين العاملين المخلصين بالتوفيق والتسديد في جميع ما نقول ونفعل ، إنّه ولي قدير ، وبالإجابة حري وجدير ، وهو خير مأمول وأكرم مسؤول.

إيران - قم المُشرّفة

٢٠ ربيع الأوّل ١٤٠٧ه- ق

جعفر مرتضى العاملي , عامله الله بلطفه وإحسانه

٥

تمهيد

الهداية القرآنيّة

قال الله سبحانه في كتابه في كتابه الكريم ، في مجال رسم الأسس والمنطلقات للدعوة الإلهية إلى سبيله :( ادْعُ إِلَى‏ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (١) .

فهذه الآية قد أعطت النظرة الشمولية للإسلام فيما يرتبط بسياسته الإعلامية ، ورسمت لهذه السياسة أسسها ومنطلقاتها بدقّة ، وبعمق يستوعب كلّ اتّجاهاتها ومناحيها ، ولسنا هنا في صدد بيان وتحديد ذلك ، ولكننا نشير إلى أمر ألمَحَت إليه الآية الكريمة ، ويهمّنا لفت النظر إليه ، والتوجيه نحو التأمّل فيه ، وهو : أنّ نهج القرآن وطريقته - كما ألمَحَت إليه الآية الشريفة - هو استثارة العقول ، ومحاكمة الناس إلى ضمائرهم ، وإرجاعهم إلى سليم الفطرة وإنصاف الوجدان …

ولم نجد القرآن قد حكم على أحد بالكفر أو بالفسق ، إلاّ ضمن ضوابط عامة ، يكون لكل أحد كامل الحرية في أن يطبّقها على نفسه أو لا يطبّقها.

أمّا أن يطبّقها على الآخرين بأشخاصهم وأعيانهم ، فليس له ذلك إلاّ في الحدود التي أجازها الإسلام ، ولم يرَ فيها ما يتنافى مع أيٍّ من اُصوله وقواعده ، أي في خصوص الموارد التي قبل بها الآخرون ، وأقرّوا بانطباقها على أنفسهم وفق الضوابط العامة التي يعرفها ويقرّ بها الجميع.

____________________

(١) سورة النحل / ١٢٥.

٦

وهذا على الرغم من أنّ الحقّ ربما يكون مرّ ، أو مخجلاً لكثير من اُولئك الذين اختاروا الانحراف عن جادّة الحق ، والابتعاد عن الطريقة القويمة ، والخطّة السليمة المستقيمة.

نعم ، لربما تمسّ الحاجة - وذلك كثير في القرآن أيضاً - إلى تصعيد التحدّي إلى حدّ التلويح أو التصريح بما لو لم يبادر إلى التلميح أو التصريح به لكان خطراً على الإسلام وعلى قواعده ومبانيه من الأساس ؛ ولكنها تكون حالات استثنائية - يعقبها الاستدلال والتفهيم مباشرة - ولا يمكن أن تتخذ الصفة الطبيعية التي يفترض جعلها أساساً للتحرّك في المجال العام للدعوة الإسلامية.

هذه كلها لو لم نقل إنّ المنطلق الإسلامي لكل حوار منصف وهادف وبنّاء هو قوله تعالى : ( وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى‏ هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ … )(١) ؛ حيث يريد سبحانه أن يهيّئ الطرف الآخر للبحث العلمي القائم على أساس الدليل الساطع والبرهان القاطع ، بعيداً عن أجواء التشنّج والانفعال والشكّ والريب ولعلّ هذا بالذات هو المقصود من المجادلة بالتي هي أحسن … حسبما نصّت عليه الآية آنفة الذكر.

عليٌّعليه‌السلام وأهل الشام

ونجد إلى جانب ذلك أنّ طريقة أئمتنا عليهم الصلاة والسّلام وخطّتهم لم تتعدَ هذا النهج ؛ وذلك تأسّياً منهم بالنبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والتزاماً منهم بالهداية القرآنية وعلى هذا الأساس ، فإننا نجد أنّ دعوة عليعليه‌السلام أصحابه إلى عدم سبّ أهل الشام ، ولكن بإمكانهم أن يصفوا أعمالهم ، معلّلاً ذلك بأنه أصوب في القول ، وأبلغ في العذر(٢) .

إنّ هذه الدعوة قد جاءت منسجمة كلّ الانسجام مع تعاليم القرآن الكريم ، وتوجيهاته السامية في مجال الهداية إلى سبيل الله ، والدعوة إلى دينه مع أنّهعليه‌السلام يستحل دماءهم ، ويباشر قتلهم ، حتّى لقد قيل : إنّهعليه‌السلام قد قتل منهم بنفسه عدّة مئات في ليلة واحدة ، وهي المسمّاة ب- (ليلة الهرير).

ولم يكن موقفه هذا , وهو الالتزام بالكلمة المهذّبة ، والعمل بالهدى القرآني الرائد خاصّاً بالذين حاربوه في صفين ، أو في الجمل ، والنهروان ، وإنما هو ينسحب على مجمل مواقفه في حياته( صلوات الله وسلامه عليه) وعلى أبنائه الأئمة الميامين الطيبين الطاهرين.

____________________

(١) سورة سبأ / ٢٤.

(٢) راجع : نهج البلاغة بشرح محمّد عبده ٢ / ٢٢١ ، وتذكرة الخواصّ / ١٥٤ ، وصفّين لنصر بن مزاحم / ١٠٣ ، والأخبار الطوال / ١٦٥.

٧

مواقف الحسينعليه‌السلام في نفس الاتّجاه

كما أنّ من الواضح أنّ أعظم مواجهة حادّة تعرّض لها الأئمةعليهم‌السلام وأشدّها إثارة ، هي تلك التي تعرّض لها سيّد شباب أهل الجنة السّبط الشهيد الحسين بن علي (صلوات الله وسلامه عليه) ، حينما قرّر أن يواجه الطاغوت ، وأن يقدّم نفسه وأبناءه ، وأهل بيته وأصحابه ، في سبيل الله والمستضعفين … فنجدهعليه‌السلام حينما يريد أن يستدلّ لموقفه من يزيد الطاغية ، ومن نظام حكمه ، ذلك الموقف الذي يعرف بدقّة نتائجه وآثاره ، نجده لا يذكر يزيد بن معاوية إلاّ بما عُرف وشاع عنه ، فيقول : (( إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا يختم ، ويزيد رجل شارب الخمور ، وقاتل النفس المحترمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله )).

فهوعليه‌السلام قد أعطى الميزان والضابطة ، والتعليل الواضح ، لكونهعليه‌السلام لا يحقّ له أن يبايع يزيد ولكنه يجعل ذلك ضمن قانون عام تكون نتيجته : إنّ هذا الصنف من الناس وهذه النوعية ، لا يحقّ لها أن تبايع تلك النوعية ، وذلك الصنف ، ملخّصاً ذلك بقوله : (( ومثلي لا يبايع مثله))(١) . ثمّ … وبما أنّ ذكر تلك الضابطة قد استلزم التصريح ببعض ما ربما يتوهّم منافاة التصريح به للهداية القرآنية … نجدهعليه‌السلام يشير إلى أنّ ذلك التوهّم مسوّغ له ما دام أنّ يزيد بن معاوية (( معلن بالفسق )) , ولا يتستر بذلك فكما لا مجال لأيّ ترديد أو خيار في اتخاذ ذلك القرار ، كذلك لا مجال للتواني ، ولا للترداد في الجهر به والإعلان عن مبرّراته ودوافعه …

الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء

وبعد ، فبالرغم من أنّ واقعة الطفِّ كانت من أبشع ما عرفه التاريخ البشري … فإننا لا نجد الإمام الحسين (عليه الصلاة والسّلام) فيها إلاّ ذلك الصابر المحتسب ، الذي لا تندّ منه حتّى ولو كلمة واحدة في غير المسار الطبيعي للهداية القرآنية التي تقدّمت الإشارة إليها.

بل إنّ كلماته في ذلك الموقف المصيري كانت تطفح بالحبّ والحنان ، وتفيض بالأدب والطهر والنبل ، والنزاهة عن كلّ سباب قبيح ، أو استرسال مشين ، رغم هول المصائب التي يواجهها ، وفداحة الكوارث التي يعاني منها … بل نجدهعليه‌السلام - كما كان - حتّى لأعدائه ، والذين يقتلون صحبه وولده ، ويريدون إزهاق نفسه ثمّ سبي نسائه - نجده - يبقى كالوالد الرحيم ، الذي تذهب نفسه عليهم حسرات ، والذي لا همّ له إلاّ هدايتهم ، وحملهم على المحجّة البيضاء ، وإرشادهم إلى سبيل الخير والفلاح والرشاد.

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرم / ١٣٩ ، عن مثير الأحزان لابن نما الحلي , والفتوح لابن أعثم ٥ / ١٨.

٨

الأئمةعليهم‌السلام والمواقف الحادّة

وإذا ما رأينا أحياناً بعض المواقف الحادّة والفاصلة للأئمةعليهم‌السلام ، فإنما هو في مقابل اُولئك الذين حاولوا ضرب أساس الإسلام ، وتقويض دعائمه ، من أمثال أبي الخطاب ، والمغيرة بن سعيد ، وأضرابهما من الغلاة والنواصب ولسنا في مجال استقصاء ذلك هنا.

الإسلام وظاهرة الجحود

وبعد أن تحقّق لدينا أنّ طريقة القرآن ، ونهج الإسلام إنّما هو الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن … وأنّ الأساس والمنطلق هو الحوار الموضوعي المنصف ، القائم على قاعدة :( وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى‏ هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ … )( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ )( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) وذلك في ظل العقل ، وحرية التعبير وحرية الموقف. وعرفنا كذلك أنّ الرفق والرضا والتفاهم وروح التعاون في البحث الموضوعي النزيه والهادف … هو الجوّ الطبيعي الذي يريده الإسلام ، ويرى أنّه يتهيّأ له في ظلّه تكريس وجوده ، وتأكيد واقعيّته وأصالته إذا عرفنا ذلك كلّه فإننا ندرك أنّ ما يدينه الإسلام ويرفضه ويسعى إلى إزالته ، هو حالة تكبيل العقل في الهوى والعواطف والشهوات ، والمصالح الشخصية والقبلية ، والأهواء والعصبيّات … فهو يرفض ويحارب ظاهرة :( وَجَحَدُوا بِهَا ) من أجل الحفاظ على بعض الامتيازات الظالمة التي جعلوها لأنفسهم ، أو استجابة لدواعٍ غير واقعية ولا أصلية ، أو من أجل الحصول على بعض الملذّات الزائلة والتمتّع بها ، أو من أجل الحفاظ على مركز اجتماعي ، أو على وضع اقتصادي ، أو سياسي معيّن ، وإن كان ذلك على حساب( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ) ، أو حتّى على حساب كلّ المثل والقِيَم الإنسانيّة ، وكل الضوابط والمعايير والأحكام الإلهية …

هذا ، بالإضافة إلى أنّ اُولئك الجاحدين بموقفهم الجحودي ذلك ، إنما يعاندون قناعاتهم ، ويضطهدون عقولهم( وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) فيجعلون عقولهم ووجدانهم وفطرتهم ، وكل النبضات الإنسانيّة الحيّة في وجودهم ، في سجن تلك الأهواء والمصالح ، ويثقلونها بالقيود ، ولتكون نتيجة ذلك هي إلقاءها في سلّة المهملات مع نفايات التاريخ. فيأتي الإسلام … ويقف في وجه هذا البغي ، ويعمل على تحطيم هذا الطغيان ، فيحرر العقل والفطرة من قيد الجمود هذا ، لينطلق إلى الحياة باحث ومنقّب ، وبعد ذلك مستنتج وصاحب قرار وتصميم ، حينما يستكشف كلّ معاني السموّ والخير والسعادة ، بعيداً عن النزوات البهيمية وصراع الشهوات ، ومزالق العواطف غير المتّزنة ولا المسؤولة

وهذا ما يفسّر لنا ما نجده في القرآن من كونه يؤنّب أشدّ التأنيب هذا النوع من الناس ، وينعى عليهم ارتكابهم تلك الجريمة النكراء في حق فطرتهم وإنسانيّتهم ، والأهمّ من ذلك في حقّ عقلهم ووجدانهم …

٩

الإسلام … والدعوة

إلى التعقّل ، والبصيرة في الدين

ولقد كان الإسلام ولا يزال يؤكّد ويردّد بأساليبه المتنوّعة ، وفي مختلف المناسبات على دور العقل والفطرة ، وعلى أهمية الضمير والوجدان ، والفكر والعلم.

ففيما يرتبط بأهمّية الفكر والعلم والعقل نجد العشرات ، بل المئات من الآيات القرآنية التي تشير إلى ذلك … وكمثال على ذلك نشير إلى الآيات التالية :

( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (١) .( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاّ الْعَالِمُونَ ) (٢) .( أَفَلاَ تَتَفَكّرُونَ ) (٣) .( أَوَلَمْ يَتَفَكّرُوا ) (٤) .( وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّماوَاتِ وَالأرْضِ ) (٥) .

( إِنّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ ) (٦) .( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) (٧) .

( لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (٨) .( لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (٩) .

( وَاتّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ ) (١٠) .( وَمَا يَذّكّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) (١١) .

وبالنسبة لعلاقة الدين بالفطرة ، فالله سبحانه يقول :( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١٢) .

____________________

(١) سورة الزمر / ٩.

(٢) سورة العنكبوت / ٤٣.

(٣) سورة الأنعام / ٥٠.

(٤) سورة الأعراف / ١٨٤ ، سورة الروم / ٨.

(٥) سورة آل عمران / ١٩١.

(٦) سورة الرعد / ٣ ، سورة الروم / ٢١ , سورة الجاثية / ١٣.

(٧) سورة البقرة / ٤٤ و ٧٦ ، سورة آل عمران / ٨٥ ، سورة الأنعام / ٣٢ ، سورة الأعراف / ١٦٩ ، سورة يونس / ١٦ ، سورة هود / ٥١ ، سورة يوسف / ١٠٩ ، سورة الأنبياء / ١٠ و٦٧ ، سورة المؤمنون / ٨٠ ، سورة القصص / ٦٠ ، سورة الصافات / ١٣٨.

(٨) سورة البقرة / ٧٣ و ٢٤٢ , سورة الأنعام / ١٥١ ، سورة يوسف / ٢ ، سورة النور / ٦١ ، سورة غافر / ٦٧ ، سورة الزخرف / ٣ ، سورة الحديد / ١٧.

(٩) سورة البقرة / ١٦٤ ، سورة الرعد / ٤ ، سورة النحل / ١٢ ، سورة الروم / ٢٤.

(١٠) سورة البقرة / ١٩٧.

(١١) سورة البقرة / ٢٦٩ ، سورة آل عمران / ٧.

(١٢) سورة الروم / ٣٠ و ٣١.

١٠

التجنّي والافتراء

وبعد … فإنّ كل ما تقدّم يعطينا أنّ ما ينتجه بعض الناس في دعوتهم إلى مذهبهم ، من أساليب فظّة وجافّة وقاسية ، من قبيل التفسيق تارة والتكفير اُخرى ، والرمي بالشرك أو الزندقة ثالثة ، وما إلى ذلك من افتراءات وتهجّمات ناشئة عن عدم فهمهم - هم - لمعنى الشرك والتوحيد ، وخلطهم بين المفاهيم التي هي من أوضح الواضحات ، وأنّ كل ذلك لا ينسجم مع الإسلام ، ولا يلائم تشريعاته ومناهجه ، بل الإسلام من ذلك كلّه بريء.

ويتّضح بعد هذا النهج عن الإسلام وعن تعاليمه ، حينما نعلم أنّ المسائل التي يطرحونها ما هي إلاّ مسائل اجتهادية ، يخالفهم فيها كثير إن لم يكن أكثر علماء الإسلام … بل إنّ الحقيقة هي أنّ ما يدعون إليه ويعملون على نشره لا يعدو عن أن يكون مجرد شعارات فارغة ، أو تحكّمات باطلة لا تستند إلى دليل ولا تعتمد على برهان بل إنّ بعضها يخالف صريح القرآن ، وما هو المقطوع به من سنّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرته ، والصحيح الثابت عن الصحابة والتابعين ، فضلاً عن مخالفته لصريح حكم العقل ، ومقتضيات الفطرة والجبلة الإنسانية.

لفت نظر ضروري

إنّ الموضوع الذي هو محل البحث هو مشروعية الأعياد ، والمواسم والمراسم ، والمآتم ، وجميع الاحتفالات التي تقام للذكرى في المناسبات المختلفة ، كعيد المولد النبوي الشريف ، وعيد الغدير ، وعاشوراء ، والاحتفال بعيد الاستقلال ، وبيوم العمال ، وغير ذلك … حتّى عيد الجيش ، ويوم الشجرة ، وحتى زيارة الأماكن المقدسة في مواسم معيّنة.

ولكن لربما نضطرّ في بحثنا هذا إلى تخصيص المولد النبوي الشريف بالذكر ، وذلك تبعاً لِما ورد في أدلّتهم ؛ ذلك لأنه هو المحور الذي تدور كلماتهم حوله عادة ، وإن كانوا يهدفون - ونقصد المانعين منهم - إلى ما هو أعمّ من ذلك ، كما صرّحوا به في مطاوي كلماتهم واستدلالاتهم ، وكما يظهر من عموم أدلّتهم ، التي رأوا أنّها كافية للدلالة على المنع من كل تجمّع في مكان معيّن ، في زمان معيّن ، فليلاحظ ذلك … والله هو الموفق وهو الهادي.

١١

الفصل الأوّل

المواسمُ والمراسمُ .

في سطور أوّل مَن احتفل بالمولد النبوي

يقولون : إنّ أوّل مَن احتفل بمولد النبي (عليه الصلاة والسلام) ، هو - كما يقال - الأمير أبو سعيد مظفر الدين الأربلي المتوفّى عام ٦٣٠ ه- ق(١) وكان يفد إلى العيد طوائف من الناس من بغداد ، والموصل ، والجزيرة ، وسنجار ، ونصيبين ، بل ومن فارس منهم العلماء والمتصوّفون ، والوعّاظ ، والقرّاء ، والشعراء ، وهناك يقضون في أربلاً من المحرم إلى أوائل ربيع الأوّل. وكان الأمير يقيم في الشارع الأعظم مناضد عظيمة من الخشب ، ذات طبقات كثيرة بعضها فوق بعض ، تبلغ الأربع والخمس ، ويزيّنه ويجلس عليها المغنّون والموسيقيّون ولاعبو الخيال حتّى أعلاها إلخ(٢) . وقد صنّف له ابن دحية كتاب : ( التنوير في مولد السراج المنير) لِما رأى من اهتمام مظفر الدين به ، فأعطاه الأمير ألف دينار غير ما غرم عليه مدّة إقامته(٣) . وقد أطنبوا في وصف حاكم أربل بالصلاح والخير ، والبر والتقوى كما يعلم من مراجعة ترجمته عندهم(٤) . ولكن السّيد رشيد رضا لا يوافق على ذلك ، ويقول : أوّل مَن أبدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي ، أحد ملوك الشراكسة في مصر(٥) . وقال غيره عن الموالد : أوّل مَن أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميّون ، أوّلهم المعز لدين الله ، توجّه من المغرب إلى مصر في شوال سنة ٣٦١ ه- … إلى أن قال : إلى أن أبطلها الأفضل ابن أمير الجيوش(٦) . وهذا … وقد قتل الأفضل في سنة ٥١٥.

____________________

(١) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ٢ / ٢٩٩ عن الزرقاوي ١ / ١٦٤ ، وراجع التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / ١١٥ ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٧٥ و٧٧ و٨٠ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١٣٧ و١٣٦ ، ولم يصرّح بالأوّلية ، وكذا في تاريخ ابن الوردي ٢ / ٢٢٨ ، وجواهر البحار ٣ / ٣٣٧ ، والسيرة الحلبيّة ١ / ٨٣ و٨٤ ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤ ، ومنهاج الفرقة الناجية / ١١٠ ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٤٥ ، لأبي بكر جابر الجزائري ، و٤٦ و٥٠ و٧٥.

(٢) وفيات الأعيان / طبعة سنة ١٣١٠ ه-.ق ١ / ٤٣٦و٤٣٧ ، وشذرات الذهب ٥ / ١٣٩ و١٤٠ عنه ابن شبهة وراجع السيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤و٢٥ ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / ١١٦ عن سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان ، وراجع رسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوع مع النعمة الكبرى على العالم / ٧٦ ، والبداية والنهاية ٢٣ / ١٣٧ ، وجواهر البحار ٣ / ٣٣٧و٣٣٨ ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلوّ والإجحاف / ٥٠ و٥١ عن الحادي للسيوطي. (٣) وفيات الأعيان ١ / ٤٣٧و٣٨١ ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / ١١٥و١١٦ ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي / ٧٥و٧٧و٨٠ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١٣٧ ، وجواهر البحار ٣ / ٣٣٨ ، عن روح السير لإبراهيم الحلبي ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤ ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / ٥٠ ، والقول الفصل / ٦٩ عن أحسن الكلام فيما يتعلّق بالسنّة والبدعة من الأحكام / ٥٢ ، والسيرة الحلبيّة ١ / ٨٣ و٨٤. (٤) وفيات الأعيان ١ / ٤٣٥- ٤٣٨ ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤ ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيّين / ١١٥ ، وحسن المقصد / ٧٥و٧٦و٨٠ والبداية والنهاية ٣ / ١٣٧ ، وشذرات الذهب ٥ / ١٣٨-١٤٠. (٥) راجع القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٢٠٥ عن الفتاوي ج٤.(٦) القول الفصل / ١٨و٦٨ عن كتاب أحسن الكلام فيما يتعلّق بالسنّة والبدعة من الأحكام / ٤٤و٤٥ للشيخ بخيت المطيعي ، وعن المحاضرات الفكرية ، المحاضرة العاشرة / ٨٤ ، وعن الإبداع في مضار الابتداع / ١٢٦ ، وعن كتاب المعز لدين الله / ٢٨٤ ، وراجع الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ٢ / ٢٩٩.

١٢

ويؤيّد هذا القول الأخير أيضاً ما ذكره المقريزي عن أعياد الخلفاء الفاطميين ، فليراجعه مَن أراد(١) .

والظاهر هو أنّه لا منافاة بين الأقوال السالفة ، لإمكان أن يكون مرادهم أنّ صاحب أربل أوّل مَن أحدثه في أربل ، واُولئك أوّل مَن أحدثه في القاهرة وفي مصر , نعم تبقى المنافاة بين ما تقدّم نقله عن السّيد رشيد رضا ، وما نقل عن غيره حول أوّل مَن أحدثه في مصر.

كما أنّ من الممكن أن يقصد البعض أنّ حاكم أربل أوّل مَن احتفل بالمولد احتفالاً عظيم ، وبهذه الصورة الخاصة التي كانت تكلّفه عشرات بل مئات الألوف من الدنانير ، حسبما صرّحوا به.

ومهما يكن من أمر فإنّ الاهتمام بالمولد كان أسبق من التواريخ المتقدّمة ، حيث نجدهم يقولون : كان ازدياد التعظيم للنبيعليه‌السلام بين أهل الصلاح والورع سبباً في أن صار يحتفل بمولده عام ٣٠٠ ه- وكان ذلك بدعة في نظر المتمسّكين بالعادات الإسلامية الأولى.

ويحكى عن الكرجي (المتوفّى عام ٣٤٣ - ٩٥٤م) وكان من الزهّاد المتعبّدين : أنه كان لا يفطر إلاّ في العيدين ، وفي يوم مولد النبيعليه‌السلام (٢) وقال السخاوي : لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة وإنما حدث بعد(٣) .

أمّا نحن فنقول : إنّ الاهتمام بالمناسبات والمواسم قد بدأ من عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن شخص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حسبما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى…

المولد عيد عند البعض ، وما يفعل فيه

قال القسطلاني : … ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولدهعليه‌السلام ، ويعملون الولائم ، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات ، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرّات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم … إلى أن قال : فرحم الله امرأً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياد ، ليكون أشدّ علة على مَن في قلبه مرض ، وأعياه داء.

ولقد أطنب ابن الحاج في المدخل في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء ، والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف ، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل(٤) وقال ابن عباد في رسائله الكبرى : … وأما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين ، وموسم من مواسمهم ، وكل ما يفعل فيه.

____________________

(١) الخطط للمقريزي ١ / ٤٩٠ ، ومنهاج الفرقة الناجية / ١١٠.

(٢) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ٢ / ٢٩٨.

(٣) السيرة الحلبيّة ١ / ٨٣ و٨٤ ، وراجع السيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤.

(٤) المواهب اللدنّية ١ / ٢٧ ، وراجع أيضاً السيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤ ، والسيرة الحلبيّة ١ / ٨٣و٨٤.

١٣

مما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك ، من إيقاد الشمع ، وإمتاع البصر والسمع ، والتزيّن بلباس فاخر الثياب ، وركوب فاره الدواب أمر مباح لا ينكر على أحد(١) .

وعن ابن حجر أنّه قال : وأمّا ما يعمل فيه فينبغي الاقتصار على ما يفهم منه الشكر لله تعالى من التلاوة ، والإطعام ، والصدقة ، وإنشاد شيء من المدائح النبويّة والزهدية … وأمّا ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك ، فما كان من ذلك مباح ، بحيث لا ينقص السرور بذلك اليوم ، لا بأس بإلحاقه به ؛ وأمّا ما كان حرام ، أو مكروه ، فيمنع. وكذا ما كان خلاف الأولى(٢) .

ابن تيميّة والغناء في العيد

وقد أوضح ابن تيمية أنّ العيد لا يختص بالعبادة ، والصدقات ونحوه ، بل يتعدّى ذلك إلى اللعب ، وإظهار الفرح أيضاً.

وقد رأى ابن تيميّة أنّ لذلك أصلاً في السنّة ، أي في الرواية التي تذكر أنه قد كان عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جوار يغنين ، فدخل أبو بكر فأنكر ذلك ، وقال : أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ؟ فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ لكل قوم عيد ، وإنّ عيدنا هذا اليوم(٣) .

وأضاف : إنّ المقتضي لما يفعل في العيد من الأكل والشرب ، واللباس والزينة ، واللعب والراحة ونحو ذلك ، قائم في النفوس كله ، إذا لم يوجد مانع ، خصوصاً نفوس الصبيان والنساء ، وأكثر الفارغين(٤) .

ولكننا نعتقد أنّ الرواية المتقدّمة لا أساس لها من الصحة ؛ لأن الروايات في ذلك متضاربة ومتناقضة ، ولأن أكثرها يدلّ على حرمة الغناء ، حيث لا يعقل أن يحلل الشارع ما يعتبره العقلاء من مزامير الشيطان… إلى آخر ما ذكرناه في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ٢ / ٣١٤ - ٣٢٩ ، فليراجع…

الغناء في العيد عند أهل الكتاب

والغريب في الأمر أننا نجد ابن كثير الحنبلي حينما وصل به الكلام إلى الحديث عن مريم أخت عمران ، التي كانت في زمان موسى ، يقول :

____________________

(١) راجع : القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ١٧٥.

(٢) تلخيص من رسالة حسن المقصد للسيوطي ، والمطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٩٠.

(٣) اقتضاء الصراط المستقيم / ١٩٤ - ١٩٥ , والرواية في / ١٩٣ عن الصحيحين وراجع : صحيح البخاري ١ / ١١١ طبعة الميمنية ، وصحيح مسلم ٣ / ٢٢ ، والسيرة الحلبيّة ٢ / ٦١ - ٦٢ ، وشرح مسلم للنووي بهامش إرشاد الساري ٤ / ١٩٥ - ١٩٧ ، ودلائل الصدق ١ / ٣٨٩ ، وسنن البيهقي ١٠ / ٢٢٤ ، واللمع لأبي نصر / ٢٧٤ ، والبداية والنهاية ١ / ٢٧٦ ، والمدخل لابن الحاج ٣ / ١٠٩ ، والمصنّف ١١ / ١٠٤ ، ومجمع الزوائد ٢ / ٢٠٦ عن الطبراني في الكبير.

(٤) اقتضاء الصراط المستقيم / ١٩٥.

١٤

… وضربها بالدف في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الأعياد عندهم ، دليل على أنه قد كان شرع مَن قَبلنا ضرب الدف في العيد(١) .

ثمّ نراه يحكم بجواز ذلك في الأعياد ، وعند قدوم الغياب ، تماماً على وفق ما استنبطه من رواية مريم ، وذلك استناداً للرواية المتقدمة التي استند إليها سلفه ابن تيميّة.

التهنئة في العيد

قال ابن حجر الهيثمي : وأخرج ابن عساكر ، عن إبراهيم بن أبي عيلة ، قال : دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد ، والناس يسلّمون عليه ويقولون : تقبّل الله منّا ومنك يا أمير المؤمنين فيردّ عليهم ولا ينكر عليهم.

قال بعض الحفّاظ الفقهاء من المتأخّرين : وهذا أصل حسن للتهنئة بالعيد والعام والشهر ، انتهى. وهو كما قال : فإنّ عمر بن عبد العزيز كان من أوعية العلم والدين ، وأئمة الحقّ والهدى إلخ(٢) .

وقبل ذلك نجد أنّ هذا النص قد قاله عمرو الأنصاري لأبي وائلة فيردّ عليه بنفس العبارة(٣) وليت شعري لماذا لا تكون تهنئة الشيخين لعلي يوم الغدير أساساً للتهنئة في العيد ؟!(٤) .

المولد في جميع الأقطار الإسلامية

وقال السخاوي : لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة ، وإنّما حدث بعد ، ثمّ لازال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات ، ويعتنون بقراءة مولده الكريم ، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم(٥) .

من خواصِّ المولد

قال ابن الجوزي : ومن خواصّه أنّه أمان في ذلك العام ، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام(٦) .

وحكى بعضهم : أنه وقع في خطب عظيم ، فرزقه الله النجاة من أهواله بمجرد أن خطر عمل المولد النبوي بباله(٧) .

____________________

(١) البداية والنهاية ١ / ٢٧٦.

(٢) الصواعق المحرقة / ٢٢٣.

(٣) مجمع الزوائد ٢ / ٢٠٦ عن الطبراني في الكبير.

(٤) راجع كتاب الغدير للعلاّمة الأميني ، الجزء الأوّل.

(٥) السيرة الحلبيّة ١ / ٨٣ - ٨٤ ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤ ، وراجع تاريخ الخميس ١ / ٢٢٣.

(٦) المواهب اللدنّية ١ / ٢٧ ، وتاريخ الخميس ١ / ٢٢٣ ، وجواهر البحار ٣ / ٣٤٠ عن أحمد العابدين ، والهيثمي والقسطلاني ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٤.

(٧) جواهر العلم ٣ / ٣٤٠.

١٥

استحباب القيام

وقد ذكروا : أنهم كانوا حينما يقرؤون المولد ، فإذا وصلوا إلى ذكر ولادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقومون وقوفاً ، احتراماً وإجلالاً وقد تكلّموا في حكم هذا القيام , فقال الصفوري الشافعي : مسألة القيام عند ولادته لا إنكار فيها ؛ فإنه من البدع المستحسنة.

وقد أفتى جماعة باستحبابه عند ذكر ولادته , وقال جماعة بوجوب الصلاة عند ذكره ؛ وذلك من الإكرام والتعظيم لهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإكرامه وتعظيمه واجب على كل مؤمن ولاشكّ أنّ القيام له عند الولادة من باب التعظيم والإكرام(١) .

وسيأتي من الحلبي الشافعي وغيره التأكيد على مشروعية القيام عند ولادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

النعمة الكبرى على العالم

هذا … وقد ألّف العديد من الكتب والرسائل ، ونشرت بحوث كثيرة تتحدّث عن مشروعية المولد النبوي ، وسائر المواسم والمراسم ، هذا عدا عن البحوث المبثوثة في الكتب المختلفة والمؤلّفة لأغراض اُخرى … وعلى هذا ، فليس كتاب التنوير لابن دحية ، ثمّ رسالة السيوطي المسمّاة ب- (حسن المقصد) ، ولا المولد الذي ألّفه ابن الدبيع هي البداية ولا النهاية في هذا المجال.

ولكن ما لفت نظرنا هنا هو ذلك الكتاب المطبوع باسم (النعمة الكبرى على العالم في مولد سيّد ولد آدم) ، والمنسوب إلى شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي الشافعي ، وهو اسم صاحب الكتاب المعروف المسمّى ب- (الصواعق المحرقة) ، حيث قد تضمّن هذا الكتاب كلمات منسوبة إلى أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليعليه‌السلام ، والحسن البصري ، وابن الجنيد البغدادي ، ومعروف الكرخي ، وفخر الدين الرازي ، والإمام الشافعي ، والسري السقطي.

ونحن نشكّ في نسبة تلك الكلمات إلى هؤلاء ؛ وذلك لأننا لم نعثر على شيء منها في المصادر الاُخرى التي في حوزتنا ، وإن كنّا لا ندّعي أننا بلغنا الغاية في الاستقصاء.

وعلى كل حال فإننا نكل أمر هذه المنسوبات وأمر الكتاب ومؤلّفه الحقيقي إلى الله ، فهو المطّلع على السرائر ، والمحيط بما في الخواطر …

____________________

(١) نزهة المجالس ٢ / ٨٠.

١٦

الفصل الثاني استدلالات لا تصح

بداية

نجد للمجوّزين لإقامة المواسم والمراسم استدلالات عديدة ، ولكننا لا نجد من بينها ما يجدي في إثبات ما يريدون إثباته ، ولا يصلح للاستدلال به ، ونحن نشير إلى طائفة من أدلّتهم تلك ، مع التذكير ببعض ما يرد عليها ، فنقول :

أبو لهب … وعتق ثويبة

إنّهم يذكرون أنّ أبا لهب حينما بُشّر بولادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله أعتق مولاته ثويبة ، فرأه العباس - وفي رواية اليعقوبي : رآه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله - بعد موته في المنام فأخبره أنّه يخفّف عنه العذاب كل يوم اثنين ؛ لعتقه ثويبة حينما بُشّر بذلك(١) .

قال القسطلاني : قال ابن الجزري : فإذا كان هذا أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمّه جوزي في هذا بفرحه ليلة مولد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فما حال المسلم الموحّد من اُمّتهعليه‌السلام الذي يُسرّ بمولده ، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبّته ؟ لعمري ، إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنّاتِ النعيم(٢) .

ورحم الله حافظ الشام شمس الدين محمد بن ناصر ، حيث قال :

إذا كان هذا كافرٌ جاء ذمّهُ

وتبّتْ يداه في الجحيمِ مخلّ--دا

أتى أنّه في يوم الاث-نينِ دائماً

يُخفّف عنه للسرورِ بأحم--دا

فما الظنُّ بالعبدِ الذي كان عمرهُ

بأحمدَ مسروراً ومات موحّدا(٣)

ولكن هذا الاستدلال لا يصحّ ؛ وذلك لأنّ إعتاق ثويبة قد كان بعد مولدهصلى‌الله‌عليه‌وآله بزمن طويل ، أي بعد ما هاجر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة ، بعد أن حاولت خديجة شراءها من أبي لهب لتعتقها ؛ بسبب ما يزعم من إرضاعها للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فرفض أبو لهب بيعها(٤) .

____________________

(١) راجع : السيرة النبويّة لابن كثير ١ / ٢٢٤ ، البداية والنهاية ١ / ٢٧٣ ، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٩ ، وفتح الباري ٩ / ١٢٤ ، وعمدة القاري ٢ / ٩٥ ، والسيرة الحلبيّة ١ / ٨٤و٨٥ ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٥ ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٩٠ ، وإرشاد الساري ٨ / ٣١ ، وهو ظاهر صحيح البخاري ٣ / ١٥٧ طبعة سنة ١٣٠٩ه- ، وجواهر البحار ٣ / ٣٣٨و٣٣٩ ، وتاريخ الاسلام للذهبي ٢ / ١٩ ، والوفاء / ١٠٧ ، ودلائل النبوة للبيهقي ١ / ١٢٠ ، وبهجة المحافل ١ / ٤١ ، وطبقات ابن سعد قسم ١ / ٦٧ - ٦٨ ، والمواهب اللدنّية ١ / ٢٧ ، وتاريخ الخميس ١ / ٢٢٢ ، وسيرة مغلطاي / ٨ ، وصفة الصفوة ١ / ٦٢ ، ونور الأبصار / ١٠ ، وإسعاف الراغبين بهامشه / ٨.

(٢) المواهب اللدنّية ١ / ٢٧ ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٩٠-٩١ ، وتاريخ الخميس ١ / ٢٢٢. (٣) السيرة النبويّة لزيني دحلان ١ / ٢٥ ، ورسالة السيوطي المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٩١.

(٤) أنساب الأشراف (سيرة النبي ص) / ٩٥-٩٦ ، والكامل لابن الأثير ١ / ٤٥٩ ، وطبقات ابن سعد ١ قسم ١ / ٦٧ ، والإصابة ٤ / ٢٥٨ ، وإرشاد الساري ٨ / ٣١ ، والسيرة الحلبيّة ١ / ٨٥ ، وراجع الوفاء / ١٠٧ ، وفتح الباري ٩ / ١٢٤ ، والاستيعاب بهامش الإصابة ١ / ١٦ ، وذخائر العقبى / ٢٥٩ ، وقاموس الرجال ١٠ / ٤١٧.

١٧

وتوجيه الحلبي لذلك : بأنّ من الممكن أن يكون أبو لهب قد أعتقها أوّلاً لكنه لم يذكر ذلك ولم يظهره ، ورفض بيعها لخديجة ؛ لكونها كانت معتوقة ، ثمّ عاد فأظهر ذلك …(١) .

هذا التوجيه غير وجيه ؛ لأنّ من غير المعقول أن لا يظهر الناس ولا يطّلعوا على عتقه لجاريته طيلة حوالي خمسين سنة ، كما أنّ هذه الجارية التي اعتقها لماذا بقيت عنده طيلة هذه المدّة المتمادية وهي خارجة عن ملكه ؟ ولماذا لم يظهر ذلك إلاّ بعد هجرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فما هو الداعي له للكتمان , ولا سيّما قبل النبوة ؟ وما الداعي للإظهار , ولا سيّما بعد الهجرة ؟

وأوردوا أيضاً على الرواية بأنها مرسلة ، وبأنه لا حجيّة في المنامات ، وبأنها مخالفة لظاهر القرآن الذي يقول عن الكفار :( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ) (٢) ولكن إذا ثبت أنّ الرائي هو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما هو مقتضى رواية اليعقوبي ، كان المنام حجّة.

كما أنّهم قد ناقشوا في هذا الاعتراض الأخير بما لا مجال لذكره ، فلتراجع المصادر المتقدّمة ، فالعمدة هو ما ذكرناه نحن آنفاً , ونذكر أخيراً أنّ فرحه لو كان استجابة لحاجة نفسية طبيعية ، ولم يكن لله ، فلماذا يثاب عليه ؟!

الاستدلال بفعل حاكم إربل

ونجد في كلماتهم أيضاً الاستدلال بفعل حاكم أربل ، الذي ابتكر عمل المولد على ذلك النحو المخصوص حسبما ذكروه ، وقد كان فاضلاً ورعاً ديّناً إلى آخر ما وصفوه به(٣) .

ولكنه استدلال لا يصحّ أيضاً ؛ لأن التشريع لا يصحّ من أحد إلاّ من صاحب الشريعة ، ولم يكن هذا الرجل من العلماء ، حتّى يحمل عمله على أنه قد استند فيه إلى دليل شرعي ، فلعلّه كان غافلاً عن اللوازم الفاسدة لمثل هذا العمل ، أو حتّى متعمّداً لها إلاّ إذا كان المقصود والاستدلال على هذا الأمر بالإجماع المتحقّق في زمانه ، وحضور العلماء وغيرهم لتلك المناسبات كما يظهر من سياق كلامه … ولسوف نشير إليه فيما يأتي إن شاء الله تعالى.

ولكنه أيضاً استدلال باطل عندنا ؛ لأننا نعتقد أنّ الإجماع بما هو هو لا حجيّة فيه ، إلاّ بسبب اشتماله على قول المعصومعليهم‌السلام ، أو قول أحد الأئمة المعصومين ؛ أمّا دون ذلك فلا اعتبار به ، ولكن المشهور عند أولئك المستدلّين بهذه الأدلّة هو حجيّته متى تحقّق ، حتّى ولو بعد عصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ ما تلاه من أعصار فيكون حجّة عليهم ، فراجع كتب الاُصول(٤) .

____________________

(١) السيرة الحلبيّة ١ / ٨٥.

(٢) راجع : فتح الباري ٩ / ١٢٤ - ١٢٥ ، وإرشاد الساري ٨ / ٣١ ، وعمدة القاري ٢٠ / ٩٥ ، والقول الفصل / ٨٤ - ٨٧.

(٣) راجع : رسالة حسن المقصد للسيوطي ، والمطبوعة مع كتاب النعمة الكبرى على العالم / ٨٠.

(٤) راجع : المستصفى , وفواتح الرحموت ، والأحكام في اُصول الأحكام ، وإرشاد الفحول - بحث الإجماع.

١٨

العقيقة … دليل آخر

قال السيوطي ما حاصله : إنّه ظهر له تخريج عمل المولد على أصل آخر ، وهو أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد عقّ عن نفسه بعد النبوة ، مع أنّه قد ورد أنّ جدّه عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته… فهذا يعني أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أراد إظهار الشكر على إيجاد الله تعالى إيّاه رحمة للعالمين ، وتشريفاً لاُمّته ، فيستحب لنا أيضاً - إظهاراً للشكر بمولده - بالاجتماع وإطعام الطعام ، ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرّات(١) . ولكن هذا لا يصلح للاستدلال أيضاً ؛ إذ لم يثبت أنّ ذلك كان منهصلى‌الله‌عليه‌وآله فرحاً وابتهاجاً بما ذكر ؛ فإنّ ذلك لا يعدو عن أن يكون استنباطاً استحسانياً قد يوافق الواقع وقد لا يوافقه هذا كلّه بالإضافة إلى عدم ثبوت أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد عقّ عن نفسه(٢) ، وعدم ثبوت أنّ عبد المطلب كان قد عقّ عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) … فلا بدّ من ثبوت ذلك بشكل قطعي ليتكلّم في دلالته على المدعّى أو عدم دلالته. مضافاً إلى أنّ العقيقة بنفسها مستحبة في الشرع ، وقد ثبت ذلك بالدليل القطعي ، ولكن لا يلزم من استحبابه والعمل بها جواز إقامة المراسم والمواسم في أوقات معيّنة وبكيفية خاصة… وحتى لو ثبت أنّ ذلك كان فرحاً واستبشاراً بمولدهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإلاّ لكرّرها بعد ذلك في كل عام ، كما يراد إثباته. فلعلّ للاستبشار بالعقيقة مرّة واحدة في العمر خصوصية عند الشارع.

الاستدلال بيوم عاشوراء

وقد نقل السيوطي عن أبي الفضل ابن حجر قوله عن عمل الموالد للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت ، وهو ما ثبت في الصحيحين ، من أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قَدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء ، فسألهم. فقالوا : هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ، ونجّى موسى ، ونحن نصومه شكراً لله تعالى فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( فأنا أحقّ بموسىعليه‌السلام منكم )) فصامه وأمر بصومه. وفي نصّ آخر : كان يوم عاشوراء يوماً تصومه اليهود ، تتخذه عيداً ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( صوموه أنتم))(٤) .

____________________

(١) راجع : رسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٩٠.

(٢) روى ذلك البيهقي في السنن الكبرى ٩ / ٣٠٠.

(٣) الرواية في تهذيب تاريخ دمشق ١ / ٢٨٣.

(٤) راجع : القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٧٨و٧٩ ، وسنن الدارمي ٢ / ٢٢ ، وصحيح البخاري ١ / ٢٢٤ ، وصحيح مسلم ٣ / ١٥٠و١٥٩ ، ومسند أحمد ٤ / ٤٠٩ ، وزاد المعاد ١ / ١٦٤فما بعدها ، وكشف الأستار ١ / ٤٩٠ ، ومجمع الزوائد ٣ / ١٨٥. وللحديث طرق متعددة ونصوص مختلفة ، وهو موجود في مختلف المصادر الحديثيّة عند أهل السنّة ، ولتراجع رسالة المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ٨٩ ، والسيرة النبويّة لدحلان ١ / ٢٥ ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين / ١١٤ ، وعجائب المخلوقات بهامش حياة الحيوان ١ / ١١٤ ، والمنتقى من أخبار المصطفى ٢ / ١٩٢ ، ومجمع الزوائد ٣ / ١٨٤ - ١٨٨ ، ومنحة المعبود ١ / ١٩٣.

١٩

قال ابن حجر : فيستفاد منه فعل الشكر لله تعالى على ما منّ به في يوم معيّن ، من إحداث نعمة أو دفع نقمة. ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة … وأيّ نعمة أعظم من نعمة بروز نبي الرحمة في ذلك اليوم(١) .

وقد ردّ البعض على هذا الاستدلال : بأنّ السلف الصالح لم يعملوا بهذا النص على الوجه الذي يفهمه منه من بعدهم ، وهذا يمنع من اعتبار هذا النهي صحيح ، فاستنباط ذلك من الحديث مخالف لِما أجمع عليه السلف من ناحية فهمه ، ومن ناحية العمل به ، وما خالف إجماعهم فهو خطأ(٢) .

ونقول : إنّ هذا الرد ليس صحيح ، كما سيتضح في الفصل الذي نردّ فيه على أدلّة المانعين… ولذا فلا حاجة إلى تكرار الكلام هنا ولكننا نودّ أن نشير هنا إلى أمر آخر لم نتعرّض له هناك ، وخلاصته :

إننا نعتقد أنّ ما ورد من الأحاديث التي تحثّ على صيام يوم عاشوراء لا يمكن أن تصح ، وقد بحثنا هذا الموضوع مفصّلاً في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ٣ / ١٠٤-١١٠ ؛ وذلك لأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يكره موافقة أهل الكتاب في كل أحوالهم ، حتّى قالت اليهود : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلاّ خالفنا فيه(٣) وفي الحديث : (( مَن تشبّه بقوم فهو منهم ))(٤) .

بالإضافة إلى التناقض الشديد بين الروايات المشار إليها …(٥) هذا عدا عن اسم عاشوراء إسلامي لا يعرف في الجاهلية(٦) .

ولسنا هنا في صدد تقصّي هذا البحث ، فمَن أراد المزيد فليراجع الصحيح من سيرة النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيأتي المزيد من الكلام حول يوم عاشوراء في فصل (لن يخدع السراب).

____________________

(١) تلخيص من رسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوع مع النعمة الكبرى على العالم / ٨٩ -٩٠ وراجع : التوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين / ١١٤ - ١١٥.

(٢) راجع : القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ٧٨ و٧٩.

(٣) راجع : المدخل لابن الحاج ٢ / ٤٨ ، والسيرة الحلبيّة ٢ / ١١٥ ، ومفتاح كنوز السنة عن عدد من المصادر ، ومسند أحمد ٣ / ٢٤٦ ، والجامع الصحيح للترمذي ٥ / ٢١٤ - ٢١٥ ، وصحيح مسلم ١ / ١٦٩ ، وسنن أبي داود ٢ / ٢٥٠ ، و١ / ٦٧ ، وسنن الدارمي ١ / ٢٤٥ وسنن النسائي ١ / ١٨٧.

(٤) المدخل لابن الحاج ٢ / ٤٨ ، وسنن أبي داود ٤ / ٤٤ ، ومسند أحمد ٢ / ٥٠ ، ومجمع الزوائد ١٠ / ٢٧١ ، عن الطبراني في الأوسط.

(٥) الصحيح من سيرة النبي ٣ / ١٠٥.

(٦) مجمع البحرين ٣ / ٤٠٥ ، والجمهرة في لغة العرب لابن دريد ٤ / ٢١٢ ، والنهاية لابن الأثير ٣ / ٢٤٠.

٢٠