ثورة الحسين (عليه السلام) ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية

ثورة الحسين (عليه السلام) ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية0%

ثورة الحسين (عليه السلام) ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 311

ثورة الحسين (عليه السلام) ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: الصفحات: 311
المشاهدات: 42849
تحميل: 5640

توضيحات:

ثورة الحسين (عليه السلام) ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 311 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 42849 / تحميل: 5640
الحجم الحجم الحجم
ثورة الحسين (عليه السلام) ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية

ثورة الحسين (عليه السلام) ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

ثورة الحسينعليه‌السلام

ظروفها الاجتماعيّة

وآثارها الإنسانيّة

تأليف

سماحة آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين

وثّق اُصوله وحقّقه وعلّق عليه

الاُستاذ سامي الغريري الغرّاوي

مؤسسة دار الكتاب الإسلامي

١

بسم الله الرحمن الرحيم

٢

ثورة الحسينعليه‌السلام

ظروفها الاجتماعيّة

وآثارها الإنسانيّة

تأليف

سماحة آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين

وثّق اُصوله وحقّقه وعلّق عليه

الاُستاذ سامي الغريري الغرّاوي

مؤسسة دار الكتاب الإسلامي

٣

٤

فهرس الموضوعات

مقدّمة الناشر 9

مقدّمة الطبعة الرابعة 11

المقدّمة 17

ملامح من ثورة الحسين عليه‌السلام 21

الفصل الأوّل : الظروف السياسيّة والاجتماعيّة 29

الحكم الاُموي كما صوّره خليفة اُموي 31

تمهيد 33

أ - منطق السّقيفة 34

ب - مبدأ عمر في العطاء 36

ج - الشورى 39

سياسية عثمان الماليّة والإداريّة 43

موقف عثمان من معارضيه 49

نتائج سياسة عثمان 55

موقف الإمام علي عليه‌السلام من الحكم بعد عثمان 59

إصلاحات الإمام عليه‌السلام وموقف المسلمين منها 63

سياسة معاوية الإرهاب والتجويع 73

إحياء النزعة القبلية واستغلالها 91

التحذير باسم الدين وشلّ الروح الثوريّة 109

آثار سياسة معاوية في المجتمع الإسلامي 125

موقف الحسن والحسين عليهما‌السلام من السياسة الاُمويّة 131

٥

الفصل الثاني: دوافع الثورة وأسبابها 135

لماذا لم يثر الحسين عليه‌السلام في عهد معاوية 137

الوضع النفسي والاجتماعي 140

شخصيّة معاوية 153

العهد والميثاق 159

شخصيّة يزيد 163

موقف الحسين عليه‌السلام من يزيد في حياة معاوية 165

موقف الحسين عليه‌السلام من البيعة ليزيد 167

بواعث الثورة عند الحسين عليه‌السلام 173

بواعث الثورة لدى الرأي العام 179

بواعث الثورة لدى الثائرين 182

الفصل الثالث: آثار الثورة في الحياة الإسلاميّة 185

تمهيد 187

تحطيم الإطار الديني 197

الشعور بالإثم 211

الأخلاق الجديدة 219

انبعاث الروح النضاليّة 235

ثورة التوّابين 239

ثورة المدينة 245

ثورة المختار الثقفي 249

ثورة مطرف بن المغيرة 253

٦

ثورة ابن الأشعث 255

ثورة زيد بن علي بن الحسين عليهم‌السلام 259

ثورة أبي السرايا 263

ماذا أفادت الاُمّة من انبعاث الروح النضاليّة؟ 266

خاتمة 269

الفهارس الفنيّة العامّة 273

فهرس الآيات 275

فهرس الأحاديث 277

فهرس المصادر المطبوعة والمخطوطة 281

٧

٨

مقدّمة الناشر

الحمد لله والصّلاة والسّلام على خير خلق الله أجمعين إمام المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين، القائل في حديثه الشريف: « مَنْ يرد الله به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدين »(1) .

الحمد لله أفاض على قلوب مَنْ يشاء من عباده فتفجّرت ينابيع الحكمة في أقوالهم وأفعالهم، وسالت أودية العلم بقدرها بأقلامهم ومدادهم، فملأت الدنيا علماً ونوراً، وصدقاً ويقيناً، واستبان للناس على ألسنتهم مكنون شريعة الله تعالى أصولاً وفروعاً، فسبحانه حين قال:( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُو الأَلْبَابِ ) (2) .

وبعد، فهذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم، الموسوم بـ (ثورة الحسين ظروفها الاجتماعيّة وآثارها الإنسانية) من عُصارة أفكار العلاّمة الشيخ ممد مهدي شمس الدين (قدس سرّه)، كتبه عندما كان يدرس ويدرّس في النجف الأشرف، وهو من الفريق الأوّل، أي خريجو المدارس العالية والمستنيرون والمثقّفون، وأعلام الهداية الذين

____________________

(1) انظر: صحيح البخاري 1/39 ح71، صحيح مسلم 2/718 ح1037.

(2) سورة البقرة/269.

٩

حبّب الله إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، اُولئك هم الراشدون من أعلام النجف الأشرف الذين لا يشتهون سوى الحقّ طلبة، ولا يبغون آيات الله عوجاً، وممّن يلتقطون الحكمة أنّى وجدوها.

وقد تُرجم هذا الكتاب إلى لغات عديدة نظراً لأهميّة الموضوع؛ لأنّه مختصّ بظروف ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام التي لا تُحصى ولا تُحصر، ولا تنقضي بمقال، وكلّ همّة عنها تسْتَقصر؛ لأنّها مرتبطة بالحبّ والاستشهاد الحسيني، وعلامة المحبّة أن تُوثر مطلوب محبوبك، بل حقّ العبادة أن يُقال: لا تشهد لك مطلوباً مع مطلوبه، فحبّ الله متوقف على حبّ رسوله، وحبّ رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله متوقف على حبّ آل بيته الكرام.

ولو أفردنا لثورتهعليه‌السلام ، لأفنينا في ذلك الطوامير، والدفاتر العراض؛ ففريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تَجلّى بثورة الإمام الحسينعليه‌السلام حين خاطب أهل الكوفة قائلاً: « وإنّي لم أخرج بطراً ولا أشراً، ولا مفسداً ولا ظالماً... وإنّما خرجت أطلب الصلاح في أمّة جدّي محمّد؛ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر »(1) .

وعلّق الدكتور أسعد علي على هذا قائلاً: « فالخروج يعني تجاوز القول إلى الفعل، وعبّر عن هذا التجاوز التنفيذي بفعل وصل فيه فاعله، وبصيغة التقرير الذي يؤكّد ما حصل فعلاً »(2) .

وقد تطابق على إيجاب هذه الفريضة الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل، ولسنا بصدد بيان ذلك(3) .

وبما أنّ مؤسسة دار الكتاب الإسلامي عُنيت بنشر التراث؛ لذا تنشر هذا السفر الجليل لرفد المكتبة الإسلاميّة والجامعات العلمية؛ لكي تستضاء بنوره.

____________________

(1) انظر: الفتوح - لابن أعثم 5/34، مناقب آل أبي طالب 3/241.

(2) انظر: أنصار الحسين - لمحمد مهدي شمس الدين/39.

(3) انظر: الإمام المجتهد يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية/317 وما بعدها.

١٠

مقدّمة الطبعة الرابعة

يُشرّفني ويُسعدني أن أقدّم إلى القرّاء الكرام الطبعة الرابعة من هذا الكتاب (ثورة الحسين ظروفها الاجتماعيّة وآثارها الإنسانيّة) بعد أن نفدت الطبعة الثالثة، وقد تلقّى القرّاء على اختلافهم هذا الكتاب لقاءً كريماً في كلّ إطلالة عليهم من خلال طبعاته الثلاث.

ولعل السّر في ذلك ما قاله عن هذا الكتاب من العلماء والمثقفين الذين نحترم علمهم وحيدتهم: « أنّه أفضل ما كُتب عن ثورة الحسين على الإطلاق ».

والحقّ أنّ ما كُتب عن ثورة الحسينعليه‌السلام - سوى هذا الكتاب - قد عالج تلك الثورة العظيمة وفقاً لأحد منهجين:

1 - منهج السّرد التاريخي المحض مع التركيز على عنصر المأساة فيها، وتعمد إبراز جانب الإثارة العاطفية منها.

وهذا منهج قديم في الكتابة عن هذه الثورة وغيرها، وهو استمرار لمنهج كُتّاب (المقتل) الذين كانوا يؤرّخون لبعض الثورات وحركات التمرّد في الإسلام من خلال التأريخ للأبطال البارزين في تلك الثورات وحركات التمرّد، أمثال (مقتل عثمان)، و (مقتل حجر بن

١١

عدي)، و (مقتل عبد الله بن الزبير).

وهذا النوع من الكتابة يعتبر في رأينا إحدى الحلقات التمهيديّة التي مرّت بها كتابة التأريخ عند المسلمين، تُضاف إلى الحلقات الأخرى؛ تدوين الحديث، ونشوء فئة من المحدّثين والأخباريين (أصحاب الأخبار)، وكُتّاب السيرة النبويّة(1) .

هذه الحلقات التي أدّت في النهاية إلى كتابة التأريخ الإسلامي وفقاً لمنهج « الحوليّات » عند محمد بن جرير الطبري وغيره.

2 - المنهج الجمالي التأريخي.

وكُتّاب هذا المنهج يسلّطون الأضواء على الفضائل أو الرذائل الشخصيّة لأطراف الصراع، فيفيضون في الحديث عن ما يتمتّع به طرفا الصراع من نبل أو خسّة، ويقدّم التأريخ الشخصي للشخصيّات شواهد جمّة على هذه المسلكية الأخلاقية، ويتوسّعون في الحديث عمّا يُميّز أحداث الثورة من رفعة في ميزان الأخلاق لدى فريق، أو إسفاف وحقارة في سلّم القيم لدى الفريق الآخر، هذا مع عناية بارزة بسرد أو تحليل الأصول الشخصيّة للخلاف العائلي بين الهاشميين والاُمويِّين في الجاهليّة وفي صدر الإسلام.

وإذا كان المنهج الأول استمراراً للمنهج القديم لكتّاب (المقتل) فإنّ هذا المنهج الثاني يُمثّل جانب الحداثة - كما يفهمها بعض المؤرّخين وكتّاب السيرة

____________________

(1) لاحظ كتابنا، أنصار الحسين - دار الفكر - بيروت سنة 1975 م، فقد فصّلنا فيه الحديث عن هذا الموضوع الذي وفّقنا إلى اكتشافه، ونأمل أن يتوفر بعض الباحثين عليه لدراسته، ونقّدر أنّ دراسة معمّقة ومستوعبة لهذا الموضوع قد تؤدّي إلى تغيير النظرية السائدة حول نشوء الكتابة التأريخيّة عند المسلمين، والتي تعتمد على أفكار فرائز روزنتال. لاحظ كتابه (علم التأريخ عند المسلمين)، منهرحمه‌الله .

١٢

المحدّثين - وهو منهج يستفيد كثيراً من الأساليب التي حفلت بها الثقافة الأوربية في هذا الحقل؛ إنّ من حيث التخطيط والأسلوب والزوايا التي ينظر منها الباحث إلى موضعه، أو من حيث الانتفاع بما يوفّره علم الاجتماع وعلم النفس، والدراسات الجمالية والأخلاقية لهذا النوع من البحث التأريخي من فرص التوسّع والتنوّع.

* * *

وقد كان المنهج الأول - في الماضي - يخدم أهدافاً تربوية وسياسية، وبالإضافة إلى الهدف الثقافي المحض الذي نقدّر أنّه لم يكن يحظى من كُتّاب المقتل القدماء بعناية ذات شأن؛ أمّا لدى المحدّثين من كُتّاب المقتل والسيرة الحسينيّة، فإنّ هذا المنهج يخدم أهدافاً ثقافية وتربوية فقط، بعد أن توارى الهدف السياسي منذ زمن طويل.

أمّا المنهج الثاني فإنّه يخدم أهدافاً ثقافية بالدرجة الأولى، وأهدافاً تربوية إلى حدّ ما دون أن يكون له فيما نقدّر أي مضمون سياسي، لكنّه يعاني في الوقت نفسه من عيب كبير؛ إذ إنّه يُعطي انطباعاً قويّاً بأنّ الثورة الحسينيّة ثمرة لخلاف عائلي وشخصي أضرمته المطامع السياسيّة، وغذّته - على مهل - طوال عقود كثيرة من السنين أحداث الصراع القبلي حول زعامة قريش ومكة.

وهذا انطباع خاطئ بلا شك؛ فإنّ حوافز الصراع الذي بلغ ذروته بالثورة الحسينيّة كانت من الجانب الحسيني ذات محتوى سياسي اجتماعي يستمد توجيهه العقيدي ومنهجيته التشريعية من الإسلام، وكانت من الجانب الأموي - جانب النظام - ذات محتوى سياسي اجتماعي يستمد توجيهه

١٣

المبدئي، وخطّ سيره من القيم القبائلية الجاهليّة من جهة، ومن طرائق الحكم البيزنطي من جهة ثانية، مع إسباغ صفة إسلاميّة على الممارسات التي يقوم بها النظام.

* * *

ولكنّ هذين المنهجين - مع الاعتراف بكلّ فضائلهما - يفشلان في تحقيق هدف معاصر له أهمية بالغة في تحقيق التكامل الحضاري، والوعي السياسي لدى الإنسان المسلم بوجه خاص، حيث إنّ الباحث لا يستطيع - وفقاً لهذا أو ذاك منهما - أن يفهم ويقدّم الثورة الحسينيّة إلى الإنسان الحديث على ضوء المعطيات المعاصرة في المسألة الاجتماعيّة، ولا يستطيع أن يكشف عناصر الديمومة والاستمرار في الثورة.

هذه العناصر التي تجعل من الثورة شيئاً ذا صلة بالحاضر الحيّ، قادراً على إغناء الحاضر، وتزويده بعناصر من الفكر والرويّة تجعل النضال في حقل المسألة الاجتماعيّة يجمع - إلى جانب الحداثة - الأصالة الضرورية للحفاظ على سلامة الشخصيّة الإنسانيّة من التشويه، أو الذوبان في غمرة المتغيّرات المتسارعة لحضارة ماديّة غير إنسانيّة، هي الحضارة الماديّة الحديثة.

إنّ النقص الذي يُعاني منه هذان المنهجان يتلافاه - فيما نعتقد - المنهج الذي وضع هذا الكتاب وفقاً له؛ فقد عالج ثورة الحسين من زوايا جديدة، وكشف عن أبعاد جديدة، وأعماق بكر فيها جعلتها - من خلال التفسير الذي قدّم هذا الكتاب - ذات مضمون يتّسق مع التطلّعات التي يحملها الإنسان المعاصر إلى مجتمع تسوده العدالة، وتحكم علاقاته الروح الإنسانيّة وكرامة الإنسان؛

١٤

وبذلك نأى بها عن أن تكون مجرّد مأساة سببها ظلم البشر، أو مظهراً لصراع عائلي وشخصي على السلطة والنفوذ، ولم يُهمل في الوقت نفسه جانب المأساة منها، والعوامل الشخصيّة فيها.

هذه العوامل التي لوّنت السلوك الثوري لهذا الفريق، والسلوك القمعي لذاك الفريق دون الاعتراف بأنّ هذه العوامل هي السبب الكامن وراء الثورة الحسينيّة، حيث إنّ هذا السبب يكمن في الإيديولوجيا التي وجّهت طرفي الصراع نحو الاختيارات المبدئية التي قادت كلاً منهما إلى الاختيار الأخير الذي تمثل في الثورة الحسينيّة.

ويبدو أنّ هذا الكتاب للسبب الذي ذكرنا قد لبّى حاجة حقيقية لدى المثقّفين بوجه عام، والمعنيين بدراسة التأريخ الثوري للإسلام بوجه خاص. والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل مباركاً ونافعاً، والحمد لله ربّ العالمين.

بيروت 2/3/1397 هـ - 20/2/1977 م

محمد مهدي شمس الدين

١٥

١٦

المقدّمة

إنّ أكثر ما استأثر باهتمام الناس من ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام هو جانب القصّة فيها ما اشتمل عليه من مظاهر البطولة النادرة، والسمو الإنساني المعجز لدى الثائرين وقائدهم العظيم، المتمثل في التضحية بكلّ عزيز من النفس والولد، والمال والدعة، والأمن في سبيل المبدأ والصالح العام، مع الضعف والقلّة، واليأس من النصر العسكري.

وما اشتمل عليه من مظاهر الجبن والخسّة والانحطاط الإنساني لدى السلطة الحاكمة، وممثلها وأدواتها في تنفيذ جريمتها الوحشية بملاحقة الثائرين واستئصالهم بصورة لم يشهد لها التأريخ مثيلاً.

وما اشتمل عليه من الأمثلة الفريدة على الحبّ، حبّ الثائرين لجلاّديهم، وإشفاقهم عليهم من السلطة الجائرة التي تستخدمهم، وتغرر بهم، وتدفعهم إلى حرب القوى التي تريد لهم الخير والصلاح، وحبّ الثائرين بعضهم لبعض بحيث يدفع كلاً منهم إلى طلب الموت قبل صاحبه؛ لئلا يرى صاحبه مقتولاً قبله.

يُقابل ذلك أبشع مظاهر الحقد والبغضاء لدى الحاكمين وأعوانهم، المتمثلة في حرمان الثائرين وأطفالهم حتى من الماء، وفي قتل الأطفال والنساء، إلى غير ذلك ممّا تعرضه قصّة هذه الثورة من أنبل ما في الإنسان في الفكر

١٧

والقول والعمل لدى الثائرين، وأحطّ ما فيه من غرائز لدى الحاكمين وأعوانهم، وما نتج من تقابل هذه النماذج المتضادة من المثل، والمبادئ، والعواطف، من مأساة دامية لا تزال تثير الأسى في قلب كلّ مَنْ سمعها أو قرأها.

وقد بلغ من قوّة تأثير الجانب القصصي المأساوي من هذه الثورة، بما له من دلالات مثيرة، أنّه فرض نفسه على معظم مَنْ كتب عنها - إن لم يكن كلّهم - فقصروا دراساتهم على هذا الجانب دون غيره.

ولكنّ الجانب القصصي - على ما له من مزايا تربوية وتوجيهية - ليس كلّ ثورة الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّ أحداث هذه الثورة، وكلّ ثورة، ليست معلّقة في الفراغ، وإنّما هي الجزاء الظاهر من عملية تأريخيّة واسعة النطاق.

فلكلّ ثورة جذور في نظام ومؤسسات المجتمع الذي اندلعت فيه، ولكلّ ثورة ظروف سياسية واجتماعية معينة، ولكلّ ثورة - وإن كانت فاشلة عسكرياً - آثار ونتائج، ولا يمكن أن تُفهم الثورة على وجهها ما لم تُدرس من جميع جوانبها؛ مقدّماتها ونتائجها، وهو ما هدفت إليه في هذا الكتاب؛ فقد حاولت فيه أن اُحلّل ثورة الحسينعليه‌السلام بدراسة ظروفها التي أحاطت بها، والملابسات التي أدّت إليها، والآثار التي نجمت عنها في الحياة الإسلاميّة.

وهو حلقة من سلسلة كتب آمل أن يوفّقني الله لإنجازها عن الثورات في التأريخ الإسلامي.

* * *

وأعتقد أنّ الثورات في التأريخ الإسلامي لم تحظ بالعناية التي تستحقها من المؤرّخين والباحثين؛ القدماء منهم والمتأخرين، بل انصبت عنايتهم على تأريخ السلطة الحاكمة التي تسبغ على نفسها صفة الشرعية.

أمّا الثورات - وهي

١٨

تُمثل الجانب الآخر من قصّة الحكم في الإسلام - فقد عولجت بصورة جانبية، وبروح معادية في كثير من الحالات.

وربّما كان السبب في ذلك هو أنّ المؤرّخ القديم كان - في الأعمّ الأغلب - يكتب ما يكتب مقيّداً بتوجيه، أو رغبة الحاكم الذي يعيش في ظلّه، وينفق عليه.

وقد يتعدّى توجيه الحاكم للمؤرّخ عصره الذي يعيش فيه إلى الأحداث والشخصيات الفكرية والسياسية الماضية التي لم تفقد تأثيرها على الوضع السياسي والاجتماعي في عصر المؤرّخ.

ويبدو أنّ المؤرّخين المحدّثين قيّدوا أنفسهم بالمنهج الذي اتّبعه القدماء في هذا الموضوع، أو ربّما كان الذعر الذي يثيره الحديث عن الثورة في مجتمع مستقر سبباً لدى بعضهم في تجنّب الحديث عن الثورات والثائرين، لاسيّما وأنّنا لم نبلغ بعد مرحلة من النضج الفكري نفرّق فيها بين السياسة والعلم، أو مرتبة من الأمانة تبعدنا عن أن نُكرّس البحث العلمي لأغراض السياسة.

ولكن - مهما تكن المبرّرات - فإنّ إهمال البحث الجاد المستوعب للثورات في التأريخ الإسلامي يجعل الصورة التأريخيّة مشوّهة وناقصة؛ لأنّ الثورة - كما قلت آنفاً - هي الوجه الآخر من الصورة التأريخيّة للمجتمع الإسلامي، ولا يمكن تكوين فكرة صادقة عن أوضاع المسلمين القديمة ما لم نحط بالصورة من وجهيها.

وآمل أن يوفقني الله سبحانه وتعالى لإنجاز سلسلة كتب عن الثورات في التأريخ الإسلامي تكشف عن ألوان من كفاح المسلمين - عبر التأريخ - في سبيل تحسين أوضاعهم على هُدى من الشريعة الإسلاميّة.

وعسى أن أكون قد وفّقت في هذا الكتاب - وهو أوّل ما يُنشر من حلقات هذه السلسلة - إلى الصواب في استنتاجاتي وأحكامي. والله وراء القصد.

محمد مهدي شمس الدين

١٩

٢٠