الإمام الحسين (عليه السلام) قدوة الصديقين

الإمام الحسين (عليه السلام) قدوة الصديقين0%

الإمام الحسين (عليه السلام) قدوة الصديقين مؤلف:
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 178

الإمام الحسين (عليه السلام) قدوة الصديقين

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: السيد محمد تقي المدرسي
تصنيف: الصفحات: 178
المشاهدات: 50639
تحميل: 3715

توضيحات:

الإمام الحسين (عليه السلام) قدوة الصديقين
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 178 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 50639 / تحميل: 3715
الحجم الحجم الحجم
الإمام الحسين (عليه السلام) قدوة الصديقين

الإمام الحسين (عليه السلام) قدوة الصديقين

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الإمام الحسينعليه‌السلام

قدوة الصدِّيقين

المؤلّف: سماحة آية الله السيد محمّد تقي المدرّسي

١

٢

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

يظل الحديث عن الإمام الحسينعليه‌السلام يشغف القلوب، ويجذب النفوس، ويستهوي الأحرار، ويستقطب المؤمنين لماذا؟ إنّه الحسين، وما أدراك ما الحسين!

إنّه صاحب الفضائل والمناقب، صاحب المقامات والمعارج الذي يتمنّى الإنسان لو تكون له واحدة منها لتكفيه شرفاً ورفعة، وفخراً وعزة ...؛ فبمجرد أن تلقي ببصرك على جانب من سيرته المباركة وإذا بالمكارم والمآثر تسطع أمام ناظريك حتّى تحتار في تشخيص أيها أجلى وأبهى من غيرها؛ فتجده (سلام الله عليه) قمة سامقة في العلم، في العبادة، في العطاء، في الإيثار، في الشجاعة، في القيادة، ناهيك عن كونه قمة سامقة في الحسب والنسب أيضاً.

إنّه كله خير، وكله بركة، ولكن ثمة محور في حياة الإمامعليه‌السلام لا يمكن التغاضي عنه، وهو كربلاء؛ حيث إنها كانت مجمع فضائل الإمامعليه‌السلام ، وخلاصة معالم شخصيته؛

٣

لذا من أراد أن يقرأ الإمام الحسينعليه‌السلام لا يمكنه ذلك من دون الوقوف على كربلاء.

إنها ملحمة أهل بيت النبوة في مقارعة الطغيان ومواجهة الضلال، إنها الفرقان بين الحقِّ والباطل، إنها الميزان في تشخيص الإيمان من الشرك والنفاق؛ من هنا كان الحديث عن الإمام الحسينعليه‌السلام ، من أي زاوية، لا بدّ وأن يقرن بكربلاء؛ ولهذا صارت كربلاء الوجه البارز لحياة الإمامعليه‌السلام ، والباب الواسع الذي يدخله الناس إلى رحاب الحسينعليه‌السلام .

وقد وقف على أعتاب باب الحسينعليه‌السلام خلق كثير عبر التاريخ، كلهم يريد أن يدنو منه؛ لينهل من معارفه، ويكسب من علومه، ويتعلم من أخلاقه، ويقتفي بآثاره

ولا غرابة في ذلك أبداً؛ لأنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لم يكن اُسطورة تاريخية، وإنما هو نهج قد حفر في الأمة نهراً لا يمكن ردمه مهما توالت عليه أيدي الطغاة. وها نحن نعيش بعد أكثر من ألف وثلاثمئة سنة على استشهاده، ولم يخطر على بال أحد من مواليه لحظة أن ينسوه، وهم ينادون:أبد والله ما ننسى حسينا .

فذكره حديث لا يملّ منه، وفضائله دروس لا يُستغنى عنها، وكلماته مدرسة لا يمكن الغياب عنها؛ وهذا ما جعل أقلام العلماء والمثقفين تجري في تأليف آلاف الكتب عن شخصية الإمام في كل أبعادها، كما أن قريحة الشعراء لم تتوقف لحظة في الإفاضة بقصائد وأناشيد في رثائه ومدحه.

٤

ولا نبالغ إن قلنا: إنّ ما كُتب عن الإمام الحسينعليه‌السلام عبر التاريخ، وبلغات مختلفة، قلَّ نظيره لشخصية اُخرى إن لم نقل فاقها جميعاً؛ وذلك لأنّ الإمامعليه‌السلام هو محيي الشريعة، ومنار الفضيلة، والحجة على الخلق، وباب نجاة الأمة؛ فهو محط أفكار المفكرين، ومركز توجه المؤمنين.

وها نحن اليوم نقف على أعتاب باب الحسينعليه‌السلام ؛ بغية درك شيء من آفاق شخصيته، ومعرفة بعض أبعادها، متتلمذين عليها، آخذين منها درس الحياة؛ وإلى هذا عمدنا إلى جمع وترتيب مجموعة أحاديث سماحة آية الله السيد محمّد تقي المدرسي في هذا الخصوص؛ لما رأينا فيها من بصائر ورؤى تنفع العباد، فكان هذا الكتاب.

فإلى كلِّ من يبحث عن الحقيقة، وإلى كلِّ من يطلب الفضيلة، وإلى كلِّ من يريد الكلمة الطيبة نقدم هذا الكتاب، راجين من الله تعالى أن يتقبله منا بقبول حسن إنه ولي التوفيق.

القسم الثقافي في مكتب سماحة آية الله السيد محمّد تقي المدرسي

٢ / ربيع الأول / ١٤٢٢ هـ                

٥

ذلكم الإمام الحسينعليه‌السلام

١ - روى أبو العباس قال: كنت عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي، والنبيّ تارة يقبّل هذا واُخرى يقبّل هذا، إذ هبط عليه جبرئيل بوحي من رب العالمين، فلما سرى عنه قال:« أتاني جبرئيل من ربي فقال لي: يا محمّد، إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: لستُ أجمعهما لك، فافد أحدهما بصاحبه » .

فنظر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى إبراهيم فبكى، ثم قال:« إنَّ إبراهيم متى مات لم يحزن عليه غيري، واُم الحسين فاطمةُ، وأبوه علي ابن عمّي، لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي، وحزن ابن عمّي، وحزنت أنا عليه، وأنا اُوثر حزني على حزنهما. يا جبرئيل، يُقبض إبراهيم؛ فديت الحسين بإبراهيم » .

وقبض إبراهيم بعد ثلاث، فكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا رأى الحسين مقبلاً قبّله، وضمه إلى صدره، ورشف ثناياه، وقال:« فديت مَن فديته بابني إبراهيم » (١) .

٢ - عن سلمان الفارسي قال: دخلت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فإذا الحسين بن علي على فخذه، وهو يلثم فاه، ويقول:« أنت سيد ابن

____________________

(١) حياة الإمام الحسين بن علي - باقر شريف القرشي ١ / ٩٥، عن تاريخ بغداد ٢ / ٢٠٤.

٦

سيد، أنت إمام ابن إمام أخو إمام، وأبو الأئمة، وأنت حجة الله وابن حجته، وأبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم » (١) .

٣ - عن جابر بن عبد الله قال: مَن سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن عليعليه‌السلام ؛ فأني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:« مَن أحبَّ أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا » (٢) .

٤ - عن يعلي (ابن مرة) العامري أنه خرج مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى طعام دعوا له، قال: فاستمثل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمام القوم، وحسين مع غلمان يلعب، فأراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يأخذه فطفق الصبي يفر ها هنا مرة وها هنا مرة، فجعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يضاحكه حتّى أخذه.

قال: فوضع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إحدى يديه تحت قفاه والاُخرى تحت ذقنه ووضع فاه على فيه فقبّله، وقال:« حسينٌ منّي وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط » (٣) .

٥ - عن حذيفة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال:« لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث رجلاً من ولدي، اسمه كاسمي » .

فقال سلمان: من أي ولدك يا رسول الله؟

قال:« من ولدي هذا » . وضرب بيده على الحسين(٤) .

____________________

(١) حياة الإمام الحسين بن علي - باقر شريف القرشي ١ / ٩٥، عن المراجعات / ٢٢٨.

(٢) ذخائر العقبى - محب الدين الطبري / ١٢٩ - ١٣٠.

(٣) فرائد السمطين - للجويني ٢ / ١٣١.

(٤) ذخائر العقبى - محب الدين الطبري / ١٣٦ - ١٣٧.

٧

٨

الفصل الأوّل

على خطى الإمام الحسينعليه‌السلام

٩

١٠

الإمام الحسينعليه‌السلام منار التوحيد

هذه رايات الحزن ترفرف على ربوع بلاد الولاء، وأناشيد الثورة الحسينيّة المباركة تلهب مشاعر الحب عند المخلصين لأهل بيت النبوةعليهم‌السلام ...

بالرغم من مرور أربعة عشر قرناً ويزيد على نهضة السبط الشهيد فإنّ هناك المزيد من الحقائق التي لا بدّ أن نستوحيها منها، والبصائر التالية لمحة من تلك الحقائق:

١ - الإمام الحسين عليه‌السلام معلّم الحنفيّة

أوتدري لماذا منع بنو اُميّة - شأنهم شأن كل الجبابرة عبر التاريخ - من أن يتعلّم الناس أبعاد حقيقة الشرك، ومسؤولية الإنسان أمام الانحراف والفساد، أو الكفر والضلالة كما في الرواية عن الإمام الصادقعليه‌السلام :« إنَّ بني اُميّة اطلقوا للناس تعليم الإيمان ولم يطلقوا تعليم الشرك؛ لكي إذا حملوهم عليه لم يعرفوه » (١) ؟

ولماذا لم يحمل إلى المشركين يوم الحج الأكبر وبعد فتح مكة - لم يحمل إليهم - سورة البراءة التي أبعدتهم نهائياً عن الجزيرة العربية سوى

____________________

(١) الكافي - للمحدث الكليني ٢ / ٤١٥.

١١

الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بأمر من الله سبحانه، وكانت تلك من أعظم فضائله؟

ولماذا الشهادة بالتوحيد في كلمة لا إله إلاّ الله تبدء بالرفض، وكان علينا أن نعلنها صريحة صاعقة كل يوم عدة مرات: أشهد أن لا إله إلاّ الله؟ لكي نعرف الإجابة لا بدّ أن نتذكّر الحقيقة التالية: إن المنزلق الخطير للبشرية والذي يريد الشيطان إيقاع الناس فيه، هو تمني التوفيق بين الحق والباطل، بين الله سبحانه وبين الشركاء من دونه. لقد حسبوا أنّ من الممكن أن يتّخذوا عباد الله من دونه أولياء، ولم يعرفوا أن ذلك يعني إلغاء الإيمان بالله رأساً. قال الله تعالى:( أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَآءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً ) (الكهف/١٠٢).

وإنّما كان محور المعركة الكبرى بين الرسل والاُمم الضالة هو التوحيد، ورفض الآلهة التي اتّخذها الناس شركاء لربِّ العزة. ولم يكن أحد من أعداء الرسل ينفي الربوبيّة عن رب العرش سبحانه، ولكنهم كانوا يريدون اتّخاذ الآلهة معه.

وعندما رفض الأنبياءعليهم‌السلام المداهنة في أمر الآلهة، وأعلنوا البراءة منها، وقعت المعركة الكبرى التي انتصر الله لهم فيها، وخاب المشركون، وصاروا أحاديثَ تلاحقهم اللعنة أبداً.

لقد كانت رسالة الله الى نوحعليه‌السلام تتلخص في الكلمة التالية( أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) (هود/٢٦).

وتلك كانت صفوة رسالة الله إلى هودعليه‌السلام :( وإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ) (هود/٥٠).

١٢

وهي رسالة النبي صالحعليه‌السلام :( وإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) (هود/٦١).

وهي رسالة النبي إبراهيمعليه‌السلام :( وَإِذْ قَالَ إبراهيم لاَِبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) (الأنعام/٧٤).

ورفض النبي موسىعليه‌السلام طغيان فرعون وتبرأ منه، وقال له:( فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمَاً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (الشعراء/٢١). وهدّده فرعون بالسجن، وقال له:( قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لاَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) (الشعراء/٢٩). وكانت العاقبة أنّ الله تعالى نصر موسىعليه‌السلام وقومه، وأغرق الآخرين: ( وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الاَخَرِينَ ) (الشعراء/ ٦٥ - ٦٦).

وتتلخص رسالة النبي الأعظم محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في إعلان البراءة من المشركين: ( وَأَذَانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الاَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) (التوبة/٣).

ولم يداهنهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله طرفة عين، بل قال لهم بكلِّ صراحة:( قُلْ يَآ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلآ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلآ أَنَاْ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلآ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) (الكافرون/ ١ - ٦).

١٣

وإذا استطال الإمام عليعليه‌السلام وحطّم أصنام قريش المرصوصة حول الكعبة بأمر من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإذا تلى على المشركين في الموسم آيات البراءة منهم، فإنه خاض حرباً لا هوادة فيها ضد دعاة الشرك الذين تظاهروا بالإسلام؛ وكانت معركة الجمل ضد الناكثين، ومعركة صفّين ضد القاسطين، ومعركة النهروان ضد المارقين. كانت كل تلك المعارك دفاعاً عن التوحيد وقيم التوحيد.

ورفعت اُميّة راية الشرك المصبوغة بظاهر من طقوس الدين، وقاومها الأئمة الطاهرونعليهم‌السلام من أهل بيت الرسالة؛ فقد حاربهم الامام عليعليه‌السلام في صفّين بسيفه، وحاربهم بخطبه وتركها كلمة باقية في عقبه، فإذا بالإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام يحاربهم حيناً بالسيف وحيناً بالكلمة، وورثها الإمام الحسينعليه‌السلام حين حاربهم بالكلمة الصادعة، ثمّ بالقيام الإلهي، وختمت له بالشهادة.

وكانت البراءة من الشرك، ومعارضة الطغاة ميراث الأئمة الهادينعليهم‌السلام وشيعتهم ومواليهم، وستبقى هكذا حتّى يرث الله الأرض ومن عليها.

فلا زالت معركة التوحيد ضد الشرك قائمة، ولا زالت الفريضة التي لا يقبل الله من دونها من أحد عدلاً ولا صرفاً هي البراءة من الآلهة التي تُعبد من دون الله؛ فالكفر بالطاغوت هو الذي يطهّر القلب من حجاب الشرك، ويوفر له فرصة إشراق نور التوحيد عليه.

ألا تقرأ قوله سبحانه:( لآ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة/٢٥٦)؟

وما هو الطاغوت؟ أليس كلّ حجر أو بشر يُعبد من دون الله ثمّ يستسلم له الناس؟

١٤

وتفسير الطاغوت - كما في موسوعة بحار الأنوار - هو: الشيطان، والأصنام، وكلّ معبود غير الله، وكلّ مطاع باطل سوى أولياء الله. وقد عبّر الأئمةعليهم‌السلام عن أعدائهم في كثير من الروايات والزيارات بالجبت والطاغوت، واللات والعزى(١) .

وهذه المعركة الحامية تدور رحاها في البدء على صعيد القلب البشري؛ حيث يختار المؤمنون اجتناب طاغوت الهوى والشهوات، والتسليم لربِّ العالمين في العقيدة والفكر، والاستماع الى داعي الحق.

وقد قال ربنا سبحانه في صفة هؤلاء الصفوة:( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُواْ الاَلْبَابِ ) (الزمر/١٧ - ١٨).

ومن هنا فإنّه لا ينصر الله من ادّعى العلم والثقافة ثمّ آمن بالجبت والطاغوت، بل يلعنه لعناً وبيلاً، وقد قال سبحانه:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ اُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلآءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلاً * اُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) (النساء/٥١ - ٥٢). وهذه اللعنة تلحق كلّ أدعياء العلم الذين يشترون بدينهم ثمناً قليلاً، ويركعون أمام بلاط السلاطين، ويسجدون إجلالاً للمال والمقام.

وقد أمر الله المؤمنين بالكفر بالطاغوت، ولم يقبل إيمان طائفة زعموا أنهم يؤمنون بالله وبالرسالات الإلهية ولم يكفروا بالطاغوت، بل أرادوا أن

____________________

(١) بحار الأنوار ٢٤ / ٨٣.

١٥

يتحاكموا اليه. ومجرد التحاكم إليه دليل على رضاهم به، فقال الله تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ اُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ اُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ اُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ) (النساء/٦٠).

ولا يبلغ المرء ذروة الإيمان حتّى يصل كفره بالطاغوت إلى درجة البراءة من الذين يعبدون الطاغوت، وهم المشركون ولو كانوا أقرب الناس إليهم، وقد قال ربنا سبحانه:( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبراهيم وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَآؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغَضآءُ أَبَداً حتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُُ ) (الممتحنة/٤).

وهكذا كان تحطيم الأصنام البشرية والحجرية، ورفض جبروت الطغاة وجهادهم في الله جهاداً كبيراً، كان ذلك هو الفرض الأول والواجب الأهم لكل مَن شاء أن يسلك طريق الهدى، وإلاّ فإنه يبقى في ضلال بعيد.

ولقد علّم الإمام الحسينعليه‌السلام الذي انتهى إلى مقامه ميراث الأنبياءعليهم‌السلام ، وقام بأدائه بكلِّ شجاعة وإخلاص؛ علّم الناس درس الرفض، وأعطاهم معيار البراءة، وعلّمهم ما هو الشرك، وكيف يجب أن يطهّر البشر حياته منه حتّى يصبح مؤمناً حقاً. فلا مداهنة للطغاة، ولا سكوت أمام المجرمين، ولا تهرّب من واجب المعارضة ضد الظلم، ولا تهاون في فريضة القيام لله وإقامة القسط والشهادة للحقِّ، وما أمر به الله سبحانه في قوله:( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ ) (المائدة/٨).

١٦

وهذا هو الجانب الأهم من جانبي الإيمان، وهو الذي يحاول الناس التهرب منه؛ لأنه أشد وطأً وأعظم مسؤولية.

في عصر الإمام الحسينعليه‌السلام كان هناك الكثيرون ممن ادّعوا أنهم أنصار الإسلام، وقيادات الجهاد، وعلماء الدين، ولكنهم تراجعوا أمام مؤامرات بني اُميّة، بالرغم من علمهم بأنها تهدد كيان الإسلام؛ فهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، واستمرؤا العيش الرغيد.

وإنما الإمام الحسينعليه‌السلام بقيامه الإلهي فصل بين الحقِّ والباطل، وبين أنصار الحقِّ وأدعيائه، وبين خط الرسالة المحافظ على جوهر الدين وخط النفاق المتظاهر بالدين، وعلّم الناس أنّ كلَّ آيات الجهاد وحقائق الحنفية البيضاء، الرافضة للانحراف، وكل تعاليم الأنبياءعليهم‌السلام لا زالت قائمة، وستبقى قائمة عبر العصور، وأنّ الله لم ينزل قرآناً يُطبّق في عهد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم ينتهي ويصبح سفراً تاريخياً غير قابل للتنفيذ. كلا، إنه رسالة الله إلى البشرية كافة وفي كلِّ الأحقاب.

ولقد أعلن الإمام الحسينعليه‌السلام هذه الحقيقة في كلمته التي وجهها إلى العلماء، فجاء فيها:« أمّا بعد، فقد علمتم أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد قال في حياته: مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثمّ لم يغيّر [عليه] بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله » (٨) .

والذين يعرفون هذه الحقيقة من نهضة الإمام الحسينعليه‌السلام هم وحدهم حفظة جهاده، وورثة تضحياته، والقائمون على نهضته.

١٧

وهكذا يجدد المسلمون كلَّ عام، بل كل يوم ذكرى عاشوراء؛ لأنهم يعرفون أنّ عاشوراء ثورة لا تنتهي، وأنها جزء من حكمة الحياة، وأنّ المؤمن لا يعترف بسلطة الطاغوت أنّى كان، بل يقاومه ويكافحه، وأنه يستمد من ذكرى عاشوراء ونهضة الحسينعليه‌السلام وقود هذا الصراع المقدس؛ لأنّ الإمام الحسينعليه‌السلام زين السموات والأرض، ومصباح درب المجاهدين.

ولقد جاء في حديث شريف عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه مكتوب عن يمين العرش في خصوص الحسينعليه‌السلام أنه مصباح هدى وسفينة نجاة(١) .

وأي مصباح أبهر ضياء من مصباح الشهادة، أم أي سفينة أسرع وأوسع للناجين من سفينة الكفر بالطاغوت والقيام لله ضد الظالمين؟! ومن هنا فإنّ أيام عاشوراء هي من أيام الله؛ حيث هنا يعيش أولياء أهل البيتعليهم‌السلام روح كربلاء؛ حيث البطولة الإيمانية والجهاد في سبيل الله، وحيث ذكريات الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه الحافلة بالإيثار والفداء، إنّها أيام الرحمة الإلهية؛ حيث يتعرّض الصالحون فيها إلى نفحات الرب كما تستقبل الأرضي الطيبة غيث السماء.

إذاً تعالوا نستقبل - نحن أيضاً مع المؤمنين الصادقين - أيام عاشوراء هذا العام كما في كلِّ عام بروح الوالهين؛ لكي نتزوّد منها عزماً وعرفاناً واستقامة؛ لعلّ الله يرحمنا بفضله ويصلح ما فسد من أوضاعنا.

كيف نستقبل هذا الشهر الحرام، وكيف نتزود منه؟ في البصائر التالية إجابة على ذلك.

____________________

(١) بحار الأنوار ١ / ١٨٤.

١٨

٢ - الكلمة المسؤولة

القلب الطاهر ينبت الكلمة الطيبة، والكلمة الطيبة كما شجرة باسقة تؤتي اُكلُها كل حين بإذن ربها، بينما القلب الخبيث كالأرض النكدة لا تنبت إلاّ شجرة خبيثة، لا تزيد الناس إلاّ ضلالاً.

ونهضة الإمام الحسينعليه‌السلام كانت كلمة طيبة، ولا تزال ثمراتها المباركة تمثّل طعاماً هنيئاً للاُمة الإسلاميّة. وما المنبر الحسيني سوى مائدة هذه الثمرات المباركة، وأمّا خطباء المنبر الحسيني فهم فروع هذه الشجرة المباركة، ومجالس العزاء مدارس هذه الكلمات المباركات.

إنّ على خطباء المنبر الحسيني أن يعرفوا قدر موقعهم المتميّز، وإنّ أيَّ تقصير يصدر منهم سيكون ذا عواقب خطيرة. إنّ الاُمة الإسلاميّة تعاني من نقص حاد جداً في الثقافة الرساليّة التي تُستوحى من حقائق القرآن وبصائر السنة وواقعيات العصر، ولا يزال المنبر الحسيني هو أفضل وأصفى وأطهر وسيلة لبث هذه الثقافة، وعليهم أن يعرفوا بإن كلمتهم يتلقّاها الناس بقدر كبير من الثقة والرضا؛ باعتبارها من كلمات الإسلام الحق.

إنَّ أهم نقطة يجب أن يعرفها الناس اليوم هي مدى مسؤوليتهم عن واقعهم المتردّي، وأنهم لا ولن يتجاوزوا هذا الواقع إلاّ بجهد كلِّ فرد منهم، وأن الأفكار السلبية والكلمات الانهزامية هي المسؤولة عن كلِّ المآسي؛ لأنها تخدّر الناس وتُبرّر لهم سكوتهم وتقاعسهم، وعدم اهتمامهم بأوضاعهم.

إننا نعرف الثقافة الصحيحة بمدى بعثها للهمم، وشحذها للعزائم،

١٩

وقدرتها على توعية الناس بمسؤولياتهم الحياتية.

أمّا الثقافة الجبانة، والتي تبرّر المعاذير، وتخدّر الناس وتمنيهم بالغرور، وتزيّن لهم الحياة الدنيا، ولا تذكّرهم بأنّ الدنيا مجرد مزرعة، ودار فتنة وامتحان، فإنها ثقافة يزيدية لا تمتّ إلى المنبر الحسيني، ولا إلى روح عاشوراء بأية صلة.

وعلى الناس أن يختاروا المنبر الذي يجلسون إليه، والخطيب الذي يستمعون إليه؛ فلا يختاروا إلاّ من نطق باسم السبط الشهيد، وتحدّث عن نهج الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكان رافضاً للجبابرة والطغاة، وكان في سلوكه الشخصي مثلاً للمؤمن الموالي لأهل بيت النبوةعليهم‌السلام .

٣ - القيادة الربانيّة

والإمام الحسينعليه‌السلام أركز بنهضته راية الإسلام على أرض صلبة، وبيّن للناس مَن هو القائد الحقّ، ومَن هو المدّعي للقيادة بالباطل.

وقد أطلق في بداية نهضته كلمته المدوّية على مدى التاريخ، والتي أبان علة رفضه البيعة ليزيد عندما طالبه الحاكم الاُموي بها، فقال له بكل صراحة:« … إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المَّحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله … » (١) .

وهكذا علّمنا أنّ القيادة يجب أن تكون في أهل بيت النبوّة الذين طهّرهم الله من الدنس، وأذهب عنهم الرجس، وفيمن يسير في خطهم، ويكون على نهجهم.

واليوم، حيث تتعدد المذاهب وتتشتت القوى لا بدّ أن نبحث عن تلك

٢٠