الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية

الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية 10%

الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية مؤلف:
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 377

الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية
  • البداية
  • السابق
  • 377 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 117807 / تحميل: 13463
الحجم الحجم الحجم
الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية

الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

قارورة دفعها إليّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال الحسينعليه‌السلام : يا اماه وأنا أعلم إني مقتول مذبوح ظلماً وعدواناً وقد شاء الله عزوجل أن يرى حرمي ورهطي مشرّدين واطفالي مذبوحين مأسورين مقيّدين وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً.

قالت ام سلمة: واعجباً فأنّى تذهب وأنت مقتول؟

قالعليه‌السلام : يا اماه إن لم أذهب اليوم ذهبت غداً وإن لم أذهب في غد ذهبت بعد غد وما من الموت والله بد وإني لأعرف اليوم الذي اقتل فيه والساعة التي اقتل فيها والحفرة التي ادفن فيها كما اعرفك وانظر إليها كما أنظر إليك وإن أحببت يا اماه أن أريك مضجعي ومكان أصحابي فطلبت منه ذلك فأراها تربته وتربة أصحابه وأمرها أن تحتفظ بها في قارورة فإذا رأتها تفور دماً تيقّنت قتله ....(١) وكبر خروجه على نساء بني عبدالمطلب فاجتمعن للنياحة فمشى فيهن الحسين وسكّتهن وقال: انشدكن الله أن تبدين هذا الأمر معصية لله ولرسوله فقلن: ولمن نستبقي النياحة والبكاء فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله وعلي وفاطمة والحسن وزينب واُم كلثوم فننشدك الله جعلنا الله فداءك من الموت يا حبيب الأبرار من أهل القبور واخبرته بعض عماته أنها سمعت هاتفاً يقول:

وإن قتيل الطف من آل هاشم

اذل رقاباً من قريش فذلّت

فصبّرها الحسين وعرفها أنّه أمر جار وقضاء محتوم(٢) .

هؤلاء المعترضون والمشفقون ومثلهم معهم خفي عليهم الهدف الأساس من ثورة الحسين. فمن ثم راحوا يحاورونه في جدوى هذه النهضة عليه وعلى الاُمّة كما أنّهم بصّروه طبقاً لرؤيتهم للأحداث مقدمات ونتائج بما سوف يلاقيه من طغيان الجبابرة وعنتهم وأخذهم كل أحد بالقهر والشدّة وإن كان من أهل البيت للاحتفاظ بمقاليد الحكم بأيديهم.

وكان الحسينعليه‌السلام عالماً بخفاء الحقيقة على جلّهم ولم يفصح عن هدفه

____________________

(١) المقرم، مقتل المقرم، ص١٥١.

(٢) نفسه، ص١٥٤.

٢١

إلاّ لفئة قليلة من الناس عرف بهم صدق النيّة ومضاء العزيمة كما أنّه كشف لبعضهم جانباً مما يلحق به من الاذى في سبيل الله واخبرهم عن علمه بذلك كقوله السالف لأخيه عمرو لسيدتنا ام سلمةعليها‌السلام . وما زال المعترضون موقنين بأنّ خروج الحسين منحصر في المطالبة بحقه والهدف الاكبر منه قلب نظام الحكم الاُموي.

ولم يخرج الحسين لذلك على الأطلاق لأنه هدف غاية في التفاهة والصغر ولو كان الحسين أراده لتوخّى أسبابه، ولسلك السبل المؤدية إليه.

خلا أننا بإمكاننا أجمال هدفه الأكبر بجملة واحدة هي بمثابة الكوّة التي تفتح على عالم فسيح وهي: (قلب نظام الأخلاق).

ذلك أنّ الأمة اكتسبت جراء سلوك حكامها معها والرعية على دين ملوكها والناس بملوكهم أشبه منهم بآبائهم صفات مسترذلة واخلاقاً حقيرة وعادات سيئة تنافي ما بناه الاسلام لها من اخلاق وما شاده من مثل عليا وطلب من المسلم التحلي بها لتتم صياغة شخصيّته مطابقة لمضمونها.

وانساقت الأمة بدون وعي منها وراء هؤلاء الحكام حتّى أوشك أن يحل بها الذي حلّ بالأمم قبلها فاستحالت إلى كائنات ظاهرها الإسلام وباطنها أخلاق الحكام ...

والفرق بين الهدفين يمكن أن نصوّره بما يلي:

قلب نظام الحكم

لو أراد الإمام هذا الهدف لسعى سعيه إليه وحينئذ تنحصر الفائدة من هذا في تأسيس دولة إسلامية مشابهة لدولة أبيه هذا مع فرض النجاح وليس من المستبعد بل قريب جدّاً أن يواجه ما واجه أبوه من الناكثين والقاسطين والمارقين فما نفدت جنود إبليس بعد.

وحينئذ تثار في وجهه المتاعب ويكتض طريقه بالمصاعب وبملأ هؤلاء واولئك قلبه قيحاً ويُجرّع نغب التهمام انفاساً من أشباه الرجال، وتكون الخاتمة معلومة شهادة في محراب أو موتاً على الفراش.

٢٢

ويأتي خلفه فتجري الأحداث معه كجريها مع سلفه في حلقة مفرغة إلى ما شاء الله.

وتخرج الاُمّة من هذه التجارب بيد فارغة لم تكتسب إلاّ فوائد ليست بذات أثر في مقابل التضحيات وهي منوطة بالزمن وتنتهي بانتهائه.

قلب نظام الأخلاق

ويحتاج الإمام من أجل تحقيق هذا الهدف المنشود إلى إحداث زلزال في ضمير الاُمّة الباطن وعقلها الكامن يؤدي إلى تحريك ضميرها بنبض الحياة فيفجرها بالندم والحزن ويخرجها من واقعها الادبي المتداعي إلى واقع خلقي رفيع دعامته الجهاد وركائزه المواقف المدبّجة باللوامع الخلقية الشريفة من قبيل التضحية والفداء ونكران الذات وهكذا وحينئذ تكون هذه الهزّة التي حدثت على حين انسياق وغفلة من الاُمّة بمثابة قوّة الدفع لها ولن تقتصر على الجيل المعاصر أو التالي له بل تكون صالحة لكل الأجيال التي تأتي بعده تمدّها بالحركة النازعة صوب الكمال المطلوب على أن يكون هذا الزلزال من القوّة والتنوع بحيث يرادف الحياة فيجري في الأجيال خلفاً عن سلف وصاغراً عن كابر وهكذا دواليك وحينئذ يكون بيد الأجيال جذوة متقدة تضيء حوالك الزمن وأداة استنهاض واثارة إذا طرأت على الاُمّة ظروف ماثلت تلك الظروف التي عاصرت الزلزال الأوّل.

ويكون بالإمكان فيما إذا ايقضت الظروف الحرجة وعي الاُمّة صياغة دستور ثوري منه يكرر الثورات بتكرر الظروف الحالكة. شريطة أن تتعهد هذا التفاعل فئة من الناس كالمجاهدين مثلاً أو الخطباء فتسايره راعية وموجهة وشارحةً كما يفعل الزارع بزرعه.

ويتم شحن الاُمّة بطاقئة الخارقة عن طريق الشرح والتمثيل والصياغة الحيّة. ولا مانع من تمثيل بعض مشاهده بأدوار مسرحية تجسّد للأذهان جانباً مما حدث على الصعيد الواقعي.

وكان هدف الحسين إحداث هذا الزلزال في ضمير الأمة لفاعليّته وأثره الكبير وحيويته الخالدة فليس بالإمكان نسخ النهضة الحسينيّة بمواقف بشرية وإن كانت

٢٣

في قمة المأساويّة في مستقبل الزمان كما استحال ذلك في ماضيه.

والهدف الأول يفتقر إلى هذا الأثر وإن احتوى على أثر محدود ربما امتد إلى قرن أو قرنين بل أكثر ولكنه يضعف عن مواكبة الزمن الأسلامي من هنا عافه الحسين مع قدرته عليه ولو أراده لتحقّق على يديه وبلغه كما فعل الكثير من الثوار الذين قلبوا نظاماً وإقاموا آخر غيره.

اتضح لنا الفرق بينهما ونحن من أجل إيضاح الهدف الثاني وإقامة الدليل عليه لا مناص لنا من القاء نظرة شاملة على وضع الجزيرة العربية الخلقي قبل الإسلام كما يقتضينا ذلك أن نعرف الصيغة الخلقية التي جاء بها الإسلام ودعى الاُمّة إلى التحلي أو العمل بها ومن ثم نلم بالتغيير الشامل الذي أحدثته إنظمة الحكم في أخلاق الاُمّة بخاصة الحكم الاُموي وبعد هذه الجولة المضنية سوف نتعرف على النهضة الحسينية ونتصل بأهدافها اتصالاً مباشراً إن شاء الله.

نظرة على الوضع الخلقي العام

جاء الإسلام والوضع الخلقي في الجزيرة بين الأفراط والتفريط فهو يتذبذب بين حاتم الطائي وقيس بن عاصم وأمثالهما وبين رجل مثل مادر الذي يضرب به المثل في البخل فيقال: ابخل من مادر.

وقس عليهما عنترة العبسي في الشجاعة وأبا حية النميري(١) في الجبن وهلم جراً.

ويبدو للباحث في السلوك العام لسكان الجزيرة قبل الإسلام هذان الطرفان ماثلين بوضوح ولا يخلو جانب من جوانب الحياة فيها من وجودهما على نحو من

____________________

(١) أبو حية النميري: كان له سيف ليس بينه وبين الخشبة فرق وكان يسميه لعاب المنية فقال جار له: اشرفت عليه ليلة وقد انتضاه وشمّر وهو يقول: أيها المغتر بنا والمجترئ علينا بئس والله ما اخترت لنفسك خير قليل وسيف صقيل لعاب المنية الذي سمعت به مشهور ضربته لا تخاف نبوته اخرج بالعفو عنك وإلاّ دخلت بالعقوبة عليك إني والله أن ادعُ قيساً نملاً الأرض خيلاً ورجلاً يا سبحان الله ما أكثرها وأطيبها! ثمّ فتح الباب فإذا كلب قد خرج فقال: الحمد لله الذي مسخك كلباً وكفاني حرباً. ابن قتيبة، عيون الأخبار، ج١ ص١٦٨.

٢٤

الأنحاء. فبينما تجد الناس فيها يتسابقون في اُمور تافهة مخزية وضيعة ويعامل الفائز فيها معاملة البطل فيرفع على الأكتاف ويهتف بحياته الناس.

تجد إلى جانب ذلك سباقاً تهتز مشاعر الانسان بالأريحية من تصوره وإليك هذين النموذجين للمتسابقين:

النموذج الأول:

أبو عثمان حدثنا الأصمعي قال: تجاعر حيان من العرب أي خرئوا فاختار كل حي منهم رجلاً وكان سبقهم من ذلك جزوراً قال: فاطعما من الليل طعاماً كثيراً حتّى اندحّت بطونهما قال: ثم اصبحوا فاجتمع الناس قال: فجاء أحدهما فوضع أمراً عظيماً فهال ذلك أصحاب الآخر وجبنوا وخشوا أن يغلبوا فقال صاحبهم:

لا تعجلوا ابشروا قال: فجاء صاحبهم إلى ما وضع صاحبه ثمّ جلله ثمّ تنحّى ناحية فوضع مثله قال: فغلب فاخذه أصحابه فحملوه على أعناقهم فقال: بأبي أنتم أما إذا كان الظفر لنا فأشبعوني من أطايبها يعني من أطايب الجزور(١) .

النموذج الثاني:

قالت الخنساء وقد قيل لها: ما مدحت أخاك حتّى هجّنت أباك فقالت:

جارى أباه فاقبلا وهما

يتعاوران مُلاءة الحضر

حتى إذا نزت القلوب وقد

لزّت هناك العذر بالعذر

وعلا هتاف الناس أيهما

قال المجيب هناك لا أدري

برزت صفيحة وجه والده

ومضى على غلوانُه يجري

أولى فأولى أن يساويه

لو لا جلال السن والكبر

وهما كأنهما وقد برزا

صقران قد حطّا على وكر(٢)

والناظر إلى جلال هذا السباق حيث يأبى الولد أن يساوي والده لجلال السن والكبر وحمق ذلك السباق يخيّل له أنّهما من اُمّتين وليسا لأمة واحدة وكذلك تجد طرفي الإفراط والتفريط ماثلين في نظرتهم الخاصة إلى الاُنثى من الأولاد فبينما تجد

____________________

(١) أبو عبيدة التيمي، النقائض، ج١ ص١١.

(٢) أمالي المرتضى، ج١ ص٩٨.

٢٥

صعصعة جدّ الفرزدق يحيى الوئيدات وأحيا قبل مبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مائة وأربع جوار وكان من حديث صعصعة أنّه كلما ولدت أمرأة جارية يكفل ابنتها لئلا توئد(١) .

ونجد حطان بن المعلّى يقول:

انزلني الدهر على حكمه

من شامخ عال إلى خفض

وغالني الدهر بوفر الغنا

فليس لي مال سوى عرضي

لولا بنيّات كزغب القطا

رددن من بعض إلى بعض

لكان لي مضطرب واسع

في الارض ذات الطول والعرض

وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

لو هبّت الريح على واحد

لامتنعت عيني من الغمض

نجد بأزاء هذين المثلين قيساً بن عاصم نزع الله الرحمة من قلبه فما ولدت له بنت إلاّ وأدها...(٢) . وإليك نماذج لهذين الطرفين لتقف على واقع الحال.

صعصعة بن ناجية

كان يشتري البنت ممن يريد وأدّها خشية الإملاق فاحيا ستاً وتسعين موءوده إلى زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي ذلك يقول الفرزدق مفتخراً:

ومنا الذي اختير الرجال سماحة

وخيراً إذا هبّ الرياح الزعازع

ومنا الذي قاد الجياد على الوجى

لنجران حتّى صبّحتها النجائع

ومنا الذي اعطى الرسول عطيّة

أسارى تميم والعيون دوامع

ومنا الخطيب لا يعاب وحامل

اغرّ إذا التفت عليه المجامع

ومنا الذي أحيا الوئيد وغالب

وعمرو ومنا حاجب والأقارع

اولئك آباني فجئني بثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامع

...(٣)

روى أبو عبيده عن عقال بن شبّه قال: قال صعصعة: خرجت باغياً ناقتين لي

____________________

(١) أبو عبيدة، النقائض، ج١ ص٢٦٤.

(٢) الأغاني، ج١٤ ص٦٩.

(٣) الآلوسي، بلوغ الارب، ج٣ ص٤٥.

٢٦

فرفعت لي نار فسرت نحوها وهممت بالنزول فجعلت النار تضيء مرة وتخبو اُخرى فلم تزل تفعل ذلك حتّى قلت: اللهم لك علي إن بلغتني هذه النار أن لا أجد أهلها يوقدونها لكربة إلاّ فرجتها عنهم، قال: فلم أسر إلاّ قليلاً حتى أتيتها، فإذا حي من بني أنمار وإذا بشيخ يوقدها في مقدم بيته والنساء قد اجتمعن إلى إمرأة ما خض قد حبستهن ثلاث ليال، فسلمت فقال الشيخ: من أنت؟ فقلت: أنا صعصعة بن ناجية فقال: مرحباً بسيدنا، فيم أنت با ابن أخي؟ قلت: في بغاء ناقتين لي، قال: قد وجدتهما، بعد أن أحيا الله بهما أهل بيت من قومك وقد تجنّاهما وعطفت أحداهما على الاُخرى وهما شأنك في أدنى الإبل، قال: فيم توقد نارك منذو الليلة قال: أوقدتها لأمرأة ماخض قد حبستنا منذ وثلاث ليال قال: فقال النساء: قد جاء الولد فقال الشيخ: إن كان غلاماً فوالله ما أدرى ما أصنع به، وإن كانت جارية فلا اسمعن صوتها إلاّ قتلتها فقلت يا هذا ذرها فإنّها بنتك ورزقها على الله، فقال: اقتلها فقلت: انشدك الله، فقال: إني أراك بها حفيّاً فاشترها مني، قلت إني اشتريتها منك فقال: ما تعطيني؟ قلت: اعطيك احدى ناقتي قال: لا قلت: ازيدك الاُخرى فنظر إلى جملي الذي تحتي فقال: لا إلاّ أن تزيدني جملك هذا فإني أراه حسن اللون شاب السن، فقلت: هو لك على أن تبلغني أهلي، قال: قد فعلت فابتعتها منه واخذت عليه عهدالله وميثاقه ليحسنن برها وصلتها ما عاشت حتى تبين عنه أو يدركها الموت فلما برزت من عنده قلت: اللهم هذه مكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، ثمّ قلت: اللهم إنّ لك على أن لا أسمع برجل من العرب يريدان يئد بنتاً له إلاّ اشتريتها بلقوحه وجمل فبعث الله عزوجل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد احييت مائة موءودة إلاّ أربعاً لم يشاركني في ذلك أحد حتّى أنزل الله عزوجل تحريمه في القرآن وفي رواية أخرى: إنّه جاء الإسلام وقد أحيا ثلاثمائة وستين مؤودة ...(١) .

وأخرج الطبراني عن صعصعة بن ناجية المجاشعي قال: قلت يا رسول الله إني عملت أعمالاً في الجاهليّة فهل فيها من أجر؟! احييت ثلاثمائة وستين من الموئودة اشتري كل واحدة منهن بناقتين عشراوين وجمل فهل لي من ذلك من أجر؟

____________________

(١) ابن الجوزي، المنتظم، ج٥ ص٢٦٤.

٢٧

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لك أجره إذ منّ الله تعالى عليك بالإسلام ...

وقد ذكر الفرزدق إحياء جده الموءودة في كثير من شعره. كما قال:

ومنا الذي منع الوائدات

وأحيا الوأيد فلم يوأد

....(١)

وما أشد الفرق والإختلاف بين صعصعة وقيس بن عاصم هذا في إحيائه ثلاثمائة وستين موءودة وهدا في وأده لبناته ...

قيس بن عاصم

ذكر أخباره أبوالفرج في الأغاني وقال: هو شاعر فارس شجاع حليم، كثير الغارات، مظفر في غزواته، أدرك الجاهليّة والإسلام فساد فيهما وهو أحد من وأد بناته في الجاهليّة.

وفد قيس بن عاصم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسأله بعض الأنصار عما يتحدّث به عنه من الموءودات التي وأدهن من بناته فأخبر أنّه ما ولدت له بنت قط الاوأدها ثمّ أقبل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحدثه فقال له:

كنت أخاف سوء الأحدوثة والفضيحة في البنات فما ولدت لي بنت قط الاوأدتها وما رحمت منهن موءودة قط الابنية لي ولدتها أمها وأنا في سفر فدفعتها أمها إلى أخوالها فكانت فيهم وقدمت فسألت عن الحمل، فأخبرتني المرأة أنّها ولدت ولداً ميّتاً، ومضت على ذلك سنون حتى كبرت الصبيّة ونفعت فزارت أمها ذات يوم، فدخلت فرأيتها وقد ضفرت شعرها وجعلت في قرونها شيئاً من خلوق ونظمت عليها ودعاً وألبستها قلادة جزع وجعلت في عنقها مخنقة بلح، فقلت من هذه الصبية فقد أعجبني جمالها وكيسها فبكت ثم قالت:

هذه ابنتك كنت خبّرتك أني ولدت ولداً ميتاً وجعلتها عند أخوالها حتى بلغت هذا المبلغ فأمسكت عنها حتى اشتغلت عنها، ثمّ أخرجتها يوماً فحفرت لها حفيرة فجعلتها فيها وهي تقول: يا أبت ما تصنع بي؟! وجعلت اقذف عليها التراب

____________________

(١) الآلوسي، بلوغ الارب، ج٣ ص٤٦.

٢٨

وهي تقول:

يا أبت امفطي أنت بالتراب؟! أتاركي أنت وحدي ومنصرف عني؟ وجعلت اقذف عليها التراب ذلك حتى واريتها وانقطع صوتها فما رحمت أحداً ممن واريته غيرها.

فدمعت عينا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال: إن هذه لقسوة وأن من لا يرحم لا يرحم أو كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

ومن عجيب أمرهم وتناقض حالهم أن يجبر أحدهم الجراد لأنه نزل بساحته ويقري الضبع ويحميها لأنها لجئت إلى خيمته على حين يقتل بعضهم الآخر الطفل الصغير بوحشيه متناهية تؤذي القلب والضمير.

رهن الأسلع بن عبدالله العبسي بني ذببان ثلاثة من بنيه وأربعة من بني أخيه حين مشى في الصلح حتى يصطلحوا وجعلهم على يدي سبيع بن عمرو من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان فمات سبيع وهم عنده: فلما حضرته الوفاة قال لابنه مالك بن سبيع إن عندك مكرمة لا تبيد إن احتفظت بهؤلاء الأغيلمه وكأني بك لو قد متُّ قد اتاك خالك حذيفة فعصر عينيه وقال: هلك سيدنا ثمّ خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم فلا شرف بعدها فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم فلما ثقل جعل حذيفة يبكي ويقول: هلك سيدنا فوقع ذلك له في قلب مالك فلما هلك سبيع أطاف بابنه مالك واعظمه فقال له: يا مالك إني خالك وأنا أسنّ منك فادفع إلي هؤلاء الصبيان ليكونوا عندي إلى أن ننظر في أمرنا ولم يزل به حتى دفعهم إلى حذيفة باليعمرية (واليعمرية ماء بواد من بطن نخل من الشربة لبني ثعلبة).

فلما دفع مالك إلى حذيفة الرهن جعل يبرز كل يوم غلاماً فينصبه غرضاً ثم يرمي ويقول: ناد أباك فينادي أباه حتى يخرقه النبل وقال لواقد بن جنيدب ناد أباك فجعل ينادي يا عماه خلافاً عليهم أن يأبس أباه والأبس القهر والتحمل على المكروه وقال لابن جنيدب بن عمر بن الأسلع ناد حُبينه فجعل ينادي يا عمراه باسم أبيه

____________________

(١) ابوالفرج الاصفهاني، الأغاني، ج١٤ ص٦٩.

٢٩

حتى قتل وقتل عتبة بن قيس بن زهير(١) .

وهذه القسوة إن حققت لا تجامع ذلك الرفق بالجراد والضبع.

ولا يعدم الباحث في مجتمع الجزيرة قبل الإسلام عشرات النماذج المتذبذبة بين طرفي الإفراط والتفريط مما طبع الجزيرة بطابع خاص حمل الأمم على ازدراء سكانها وتجريدهم من محاسنهم لغلبة القسوة البالغة على حياتهم وربما الصقوا بهم إحياناً مساوئ غيرهم.

فهذا الجيهاني(٢) يقول عنهم: يأكلون اليرابيع ويتعاورون ويتساورون ويتهاجون ويتفاحشون وكأنهم قد سلخوا من فضائل البشر لبسوا أهب الخنازير قال: ولهذا كان كسرى يسمّي ملك العرب: سگان شاه أي ملك الكلاب قال: وهذا لشدّة شبههم بالكلاب وإجرائها والذئاب وإطلائها.

ولقد ابدع ابو حيّان التوحيدي وأتى بالقول الفصل والحق الذي لا غبار عليه في ردّه المفحم على الجيهاني فقال: أتراه لا يعلم لو نزل ذلك القفر وتلك الجزيرة وذلك المكان الخاوي وتلك الفيافي والموامي كل كسرى كان في الفرس وكل قيصر كان في الروم وكل يَلهُور كان في الهند(٣) .

وكل يقفور كان بخراسان وكل خاقان كان بالترك وكل اخشاد(٤) كان بفرغانه وكل صبهبذ من اسكندر واردوان ما كانوا يعدون هذه الأحوال لأن من جاع أكل ما وجد وطعم ما لحق وشرب ما قدر عليه حباً وطلباً للبقاء وجزعاً من الموت وهرباً من الفناء، أترى أنوشروان إذا وقع إلى فيافي بني أسد وبرّ وبار(٥) .

____________________

(١) أبو عبيدة، النقائض، ج١ ص٩٣ بتصرف.

(٢) محمد بن أحمد وزير السامانيين قال عنه ابن النديم: أنه من رؤساء المتكلمين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الزندقة ويصنّفون في نصرة الاثنينية.

(٣) لقب لكل عظيم من ملوك الهند.

(٤) اخشاد واخشيد لقب كان لملوك فرغانه.

(٥) وبار أرض واسعة ببلاد اليمن.

٣٠

وسفوح طيبة(١) ورمل يبرين وساحة هبير(٢) وجاع وعطش وعري اما كان يأكل اليربوع والجرذان! وما كان يشرب بول الجمل وماء البئر وما أسن في تلك الوهدات؟ أو ما كان يلبس البرجد(٣) والخميصة والسمل من الثياب وما هو دونه واخش بلى والله ويأكل حشرات الأرض وبنات الجبال وكل ما حمض ومر وخبث وضر(٤) .

وهذا كلام متين منتزع من واقع الحال إذ كل من قطن تلك الديار وعاش في تلك الربوع فلا مناص له من التكيف وفقاً لما تمليه الحياة المادية فيها فما تلك الطباع براجعة إلى حقيقة الجنس بل إلى الوضع الاقتصادي والحياة المادية لتلك البلاد.

وبمثل ما نبزهم به الجيهاني من خشونة المطعم وبؤس العيش نبزهم استاذه كسرى انوشروان فقد قال للنعمان: ( قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذّاتها فافضل طعام ظفريه ناعمهم لحوم الأبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها ....(٥)

نظرت بعين الحقد قوماً فعبتهم

باكلهم إذ لم تجد فيهم وصما

أجل نحن قوم نحسن الطعن في الوغى

وأنتم فريق يحسن القضم والهضما

ومن عاد لا يهتم إلاّ ببطنه

فقد قلد الانعام واتبع البهما

وهل تورث العلياء يوماً مآكل

أجاد بها الطاهي وروّقها طعما

فهل أنت في فالوذج تحكم الورى

وهل أنت في لوزينج تقهر الخصما

أتجعل كاس الأكل طاسك في الوغى

وتشحذ من لوزينج للعدى سهما(٦)

____________________

(١) بلد عند زرود.

(٢) رمل قرب زرود بطريق مكة.

(٣) البرجد كساء غليظ صوف أحمر والخميصة كساء أسود مربع له علمان والسمل من الثياب الخلق البالي.

(٤) أبو حيان التوحيدي، الأمتاع والموانسة، ص٧٩.

(٥) أحمد الهاشمي، جواهر الأدب، ج١ ص٢٢٤.

(٦) أحمد الصافي النجفي، الديوان الامواج، ص٩٥.

٣١

لقد عمّت هؤلاء رحمة الله وشملتهم عنايته حين بعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. يقول الإمام أميرالمؤمنينعليه‌السلام :

.. تأملوا في حال نشتتهم وتفرقهم ليالي كانت الأكاسرة والقيا صره أرباباً لهم يحتازونهم عن ريف الآفاق وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح ومهافي الريح ونكد المعاش فتركوهم عالة مساكين أخوان دبر ودبر أذل الامم داراً واجد بهم قراراً لا يأوون إلى جناح دعوة.

يعتصمون بها ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزّها فالأحوال مضطربة والأيدي مختلفة والكثرة متفرقة في بلاء أزل وإطباق جهل! من بنات مؤودة وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة وغارات مشنونة فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حيث بعث إليهم رسولاً فعقد بملته طاعتهم وجمع على دعوته الفتهم كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها وأسالت لهم جداول نعيمها والتفتّ الملة بهم في عوائد بركتها فاصبحوا في نعمتها غرقين، وعن خضرة عيشها فكهين ...(١) .

أشار الإمامعليه‌السلام إلى حقيقة ما كانوا عليه قبل الإسلام وما صاروا اليه بعده فقد اشرق في جزيرتهم وهم عاكفون على أخلاقهم عكوفهم على أصنامهم لا يلقون بالاً لنصيحة ناصح ولا يصيخون السمع لصوت مصلح.

وكان فيهم قوم حكماء من قبيل ذي الأصبع العدواني وقس بن ساعدة وأمثالهما عملوا على إصلاح أوضاعهم فما تسنّى لهم ذلك حتى جاء الإسلام وانطلقت دعوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسري في محيطهم سريان الجذوة المتقدة في الحطب الجزل أو البرق اللامع في معتكر الظلام.

وقطعت الدعوة أشواطها في خطين متوازيين أحدهما بمنزلة الأساس للآخر. عقيدة التوحيد وما يتفرع عنها من الاُصول وما يتبعها من الشرايع والأحوال.

والمناهج الأخلاقية المرتكزة عليها والتي تستمد مادتها الاُولى من ذلك الوهج الساطع المتمثل في نور الوحدانيّة.

____________________

(١) الشيخ محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، ج٣ ص١٤٠.

٣٢

واضحت جزيرة العرب من أقصاها إلى أقصاها مغمورة به يضيء لها ما أدلهم من حياتها.

فكانت بمنزلة المريض وكانت الرسالة المحمدية هي الطبيب الذي أقام العلاج لوضع الجزيرة على دعامتين الأولى الوقاية من الأخلاق القديمة وطرحها من حياة الناس والعمل على محوها من عرصة الوجود لأنها السبب الاكبر في مئآسي الجزيرة وسقوط شأنها وتفاهة قدرها عند سكانها وعند الناس.

والثانية كيفية العلاج وذلك بوضع صيغة معتدلة للأخلاق الواجب اتخاذها والصفات التي يجب على الاُمة الالتزام بها.

وإنما الأمم الأخلاق مابقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ورب خلق كريم يعدل عند الناس فتحاً من الفتوح بخاصة إذا كان من قائد مقتدر كما جرى لسيف الدولة بن حمدان فقد:

خرج الأمير سيف الدولة في طلب بني كلاب ومن انضاف إليها فلحق حلة من بني نمير رئيسها مماغث فاحتوى عليها فخرجت إليه ابنة مماغث مسفرة حافية كالشمس الطالعة وابو فراس يسايره فصفح لها عن الحلة وأمر برد ما أخذ منها فكتب إليه أبو فراس يداعبه:

وما انس لا انس يوم المغار

محجبة لفظتها الحجب

دعاك ذووها بسوء الفعال

لما لا تشاء وما لا تحب

فوافتك تعثر في مرطها

وقد رأت الموت من عن كثب

وقد خلط الخوف لما طلعت

دلّ الجمال بذل الرعب

تسارع في الخطو لا خفة

وتهتز في المشي لامن طرب

فلما بدت لك دون البيوت

بدالك منهن جيش لحب

فكنت أخاهن إذ لا أخ

وكنت أباهن إذ ليس أب

ومازلت مذ كنت تأتي الجميل

وتحمي الحريم وترعى النسب

فولين عنك يفدينها

ويرفض من ذيلها ما أنسحب

ينادين بين خلال البيوت

لا يقطع الله نسل العرب

أمرت وأنت المطاع الكريم

ببذل الأمان ورد السلب

٣٣

وقد رحن من مهجات القلوب

بأوفرغنم واغلى نشب

فإن هن يا ابن السراة الكرام

رددن القلوب رددنا النهب(١)

هكذا يكون ظفر القائد الشريف إذا شاهد النساء وقد خلاهن الأهل والحماة أمّا ظفر النذن الذليل المهان فهو كظفر ابن سعد وجنوده بخيام الحسينعليه‌السلام .

وعلى العيس من بنات على

نوح كل لفظها تعديد

سلبتها ايدي الجفات حلالها

فخلا معصم وعطل جيد

وعليها السياط لما تلوّت

اخلفتها اساور وعقود(٢)

قال أميرالمؤمنينعليه‌السلام :

بعثه والناس ضلال في حيرة وخابطون في فتنة قد استهوتهم الأهواء واستزلّتهم الكبرياء واستخفتهم الجاهلية الجهلاء حيارى في زلزال من الأمر وبلاء من الجهل فبالغصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النصيحة ومضى على الطريقة ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة(٣) .

بعثهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حال كون الناس ضالين عن طريق الحق في جهرة من أمر الدين وكانت حركاتهم على غير نظام وكانوا في فتنة وضلال جذبتهم الأهواء الباطلة والآراء العاطلة إلى مهاوي الهلاك وقادهم التكبر والتجبر إلى الخطأ والخطل والهفوة والزلل وجعلتهم الجاهلية الجهلأ أخفّاء العقول سفهاء الحلوم حالكونهم حائرين تائهين مغمورين لا يهتدون إلى وجوه مصالحهم وبلاء من الجهل أي ابتلاء بالقتل والعادات ناشئاً عن جهالتهم لعواقب الاُمورات فبالغ صلّى الله عليه في النصيحة للأمة ومضى على الطريقة المستقيمة ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة التي دعا إلى سبيل الله بهما امتثالاً لأمر الله وهو قوله تعالى: ادعوا إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة الآية(٤) .

رسم الإمام أميرالمؤمنين الملامح الظاهرة للوضع الأخلافي العام في الجزيرة

____________________

(١) أبو فراس الحمداني، الديوان، ص٢٠.

(٢) شعر السيد جعفر الحلي، الديوان، ص١٤٥.

(٣) مغنية، في ظلال نهج البلاغة، ج٢ ص٦٦.

(٤) السيد الخوئيرحمه‌الله ، منهاج البراعة، ج٢ ص١٥٣ بتصرف.

٣٤

العربية وما كانوا عليه من الاقتتال وتنازع البقاء لا يأوون إلى أدب ولا يستضيئون بنور حكمه حتى بعث الله سبحانه ذلك النور المتوهج منهم وتفجر في جزيرتهم فعلمهم بعد جهل واعزهم بعد ذل ورفعهم بعد ضعة وارشدهم بعد ضلال وجمعهم بعد فرقة واقتتال.

( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ) الآية.

الاسلام وخطّته في تهذيب الأخلاق

عمد الإسلام في خطته الإصلاحية لتهذيب الأخلاق في الجزيرة العربية مهد انطلاقه وفي العالم إلى انتهاج الطريق الوسط فشنّ حملة شعواء لا هوادة فيها على أخلاق الجاهلية الاُولى من قبيل الوأد والقتل والعصبيّة العمياء والتفاخر بالأعراق وهتك الاعراض وسبي النساء واتخاذهن سلعة للمزايدة وقضاء الوطر وعضلهن وغير ذلك ثم شرع في سن القوانين الأخلاقية وإقامة القواعد السلوكيّة لابنائه وأمر بالسير عليها واعتمادها في الحياة العامة والخاصه.

على أنّه لم يهمل من السلوك السائد في الجزيرة ما كان حسناً سليماً بل وضع له خطة حكيمة تردّه إلى الوسطية القائمة بين طرفي الأفراط والتفريط علماً منه بأنّ الفضائل ليست تحصل لأصحابها إلاّ بعد أن تطهر النفوس من الرذائل التي هي أضدادها أعنى شهواتها الرديئة الجسمانيّة ونزواتها الفاحشة البهيمية فإن الإسلام إذا علم أنّ هذه الأشياء ليست فضائل بل هي رذائل تجنبها وكره أن يوصف بها وإذا ظن أنها فضائل لزمها وصارت له عادة وبحسب التباسة وتدنسه بها يكون بعده من قبول الفضائل(١) .

والإسلام اختلف مع الفلاسفة فنظر إلى الإنسان نظرة مجردة فلم ينظره ملحوظاً من زاوية الخير ولا زاوية الشر وعلى هذا الأساس شرع في تهذيبه ذلك إن العلماء اختلفوا في الطبايع فزعم قوم وهم الرواقيون إن الناس كلهم يخلقون اخياراً

____________________

(١) مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، ص٣٣.

٣٥

بالطبع ثم بعد ذلك يصيرون اشراراً بمجالسة أهل الشر والميل إلى الشهوات الردينة التي لا تقمع بالتأديب.

وقال قوم آخرون:

إنّ الناس خلقوا من الطينة السفلى وهي كدر العالم فهم لأجل ذلك أشرار بالطبع وإنما يصيرون اخياراً بالتأديب والتعليم إلاّ أنّ منهم من هو في غاية الشر لا يصلحه التأديب ومنهم من ليس في غاية الشر فيمكن أن ينتقل من الشر إلى الخير بالتأديب من الصبا ثم بمجالسة الأخيار والإسلام تجاوز هذين القولين واعتبرهما خطأً محضاً لأنه يرى بنور الوحي الذي صاغه أن ليس شيء من الأخلاق طبيعياً للإنسان ولا نقول أنّه غير طبيعي وذلك إنّا مطبوعون على قبول الخلق بل ننقل بالتأديب والمواعظ أما سريعاً وأما بطيئاً(١) .

واعتبر الإسلام الإنسان ساعة يولد مجرّداً عن كل نعت وصفة سواءاً كانت إلى الخير أم الشر وعبّر عن ذلك بالفطرة وعلى هديها عالج الإنسان فيما له أو عليه. والحديث الشريف يثبت لنا ذلك واليكَه:

.. كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.

وهذا الحديث اختلفت سياقاته وهو مستفيض مشهور فمن جملة هذه السياقات مضافاً إلى ما تقدم: كل إنسان تلده امه على الفطرة أبواه يهودانه أو ينصرّانه أو يمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم.

ومنها أيضاً: ما من مولود يولد على الفطرة وابواه يهودانه أو ينصرّانه كما تنتجون الأبل فهل تجدون منها جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها قالوا: يا رسول الله أرأيت من يموت صغيراً قال: الله أعلم بما كانوا عاملين(٢) .

____________________

(١) راجع مسكوية، تهذيب الأخلاق، ص٥١ و٥٢ بتصرف.

(٢) راجع الكتب التالية: صحيح البخاري، ج٢ ص١٢٥، سنن أبي داود، ٤٧١٤ و٤٧١٧، مجمع الزوائد، ج٧ ص٢١٨، مسند أحمد بن حنبل، ج٢ ص٢٣٣ وص٢٧٥ وص٢٨٢ وج٣ ص٣٥٣، مسند الحميدي، رقم ١١١٣، تجريد التمهيد، ص٢٥٨، مسند أبي حنيفة، ص٦ وغيرها.

٣٦

وجاء عن طريق أئمة أهل البيتعليهم‌السلام عن الحسين بن نعيم الصحّاف قال: قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام : أيكون الرجل مؤمناً قد ثبت له الإيمان ثم ينقله الله بعد الإيمان إلى الكفر.

قال: إنّ الله هو العدل وإنما بعث الرسول ليدعو الناس إلى الإيمان بالله ولا يدعو أحداً إلى الكفر.

قلت: فيكون الرجل كافراً قد ثبت له الكفر فينقله الله بعد ذلك من الكفر إلى الإيمان.

قال: إنّ الله عزوجل خلق الناس على الفطرة التي فطرهم الله عليها لا يعرفون ايماناً بشريعة ولا كفراً بجحود ثم بعث الله الرسل إليهم يدعونهم إلى الإيمان بالله حجة لله عليهم فمنهم من هداه الله ومنهم من لم يهده(١) .

وعلى أساس من الفطرة النقيّة الواردة في الأحاديث السالفة أقام الإسلام قواعده الخلقية في تهذيب الإنسان فاعتبر الفضيلة وسطاً بين رذيلتين ومن هذه النظرة الواقعية أخذ الفلاسفة فكرتهم عن الفضائل والرذائل.

وينبغي علينا أن نلم بمعنى هذه الوسطية فقد أبان العلماء حقيقتها وأماطوا الستار عنها.

يقول الفيلسوف مسكوية: وينبغي أن تفهم من قولنا أن كل فضيلة فهي وسط بين رذائل ما أنا واصفه. إنّ الأرض لما كانت في غاية البعد من السماء قيل إنها وسط وبالجملة المركز من الدائرة هو على غاية البعد من المحيط وإذا كان الشيء على غاية البعد من الشيء فهو من هذه الجهة على القطر.

فعلى هذا الوجه ينبغي أن يفهم معنى الوسط من الفضيلة إذ كانت بين رذائل بعدها منها أقصى البعد ولهذا إذا انحرفت الفضيلة عن موضعها الخاص بها أدنى انحراف قربت من رذيلة أخرى ولم تسلم من العيب بحسب قربها من تلك الرذيلة التي تميل إليها ولهذا صعب جداً وجود هذا الوسط ثم التمسك به بعد وجوده أصعب(٢) .

____________________

(١) هاشم البحراني، البرهان، ج٣ ص٢٦٣.

(٢) مسكويه، تهذيب الأخلاق، ص٤٥.

٣٧

وهذا الذي يقوله الفيلسوف صحيح وإليه يعزى التغيّر الذي يطرأ على أكثر الناس بعد تغيير ظروفهم ويمكننا على ضوء هذه الفكرة الواقعية أن نفهم العصمة لأنها الثبات على هذا الوسط الصعب الذي قل من ثبت عليه كما قلّ من وفق إليه. ثمّ شرع الفيلسوف في بيان امهات الأخلاق وكيفية توسطها بين أضدادها فقال: أما الحكمة فهي وسط بين السفه والبله وأعني بالسفه هاهنا استعمال القوة الفكرية فيما لا ينبغي وكما لا ينبغي وسماه القوم الجربزة. واعني بالبله تعطيل هذه القوة واطراحها وليس ينبغي أن يفهم أن البله ههنا نقصان الحلقة بل ما ذكرته من تعطيل القوة الفكرية بالإرادة.

وأما الذكاء فهو وسط بين الخبث والبلاده فإن أحد طرفي كل وسط افراط والآخر تفريط أعني الزيادة عليه والنقصان منه فالخبث والدهاء والحيل الردئبة هي كلها إلى جانب الزيادة في ما ينبغي أن يكون الذكاء فيه وأما البلادة والبله والعجز عن إدراك المعارف فهي كلها إلى جانب النقصان من الذكاء إلى أن يقول:

وأما العفّة فهي وسط بين رذيلتين وهما الشره وخمود الشهوة وأعني بالشرة الأنهماك في اللذات والخروج فيها عما لا ينبغي وأعني بخمود الشهوة السكون عن الحركة التي تسلك نحو اللذة الجميلة التي يحتاج إليها البدن في ضروراته وهي ما رخص فيه صاحب الشريعة والعقل.

وأما الفضائل التي تحت العفة فإن الحياء وسط بين رذيلتين أحداهما الوقاحة والاُخرى الخرق وأنت تقدر على أن تلحظ أطراف الفضائل الاُخرى التي هي رذائل ......

وأما الشجاعة فهي وسط بين رذيلتين أحداهما الجبن والاُخرى التهور، وأما الجبن فهو الخوف في ما لا ينبغي أن يقدم عليه وأما السخاء فهو وسط بين رذيلتين أحداهما السرف والتبذير والاُخرى البخل والتقتير، أما التبذير فهو بذل ما لا ينبغي لمن لا يستحق وأما التقتير فهو منع ما ينبغي عن من يستحق.

أما العدالة فهي وسط بين الظلم والانظلام أما الظلم فهو التوصل إلى كثرة المقتنيات من حيث لا ينبغي وكما لا ينبغي ولذلك يكون للجائر أموال كثيرة لأنه يتوصل إليها من حيث لا يجب ووجوه التوصل إليها كثيرة أما المتظلم فمقتنياته

٣٨

وأمواله يسيره جداً لأنه يتركها من حيث يجب وأما العدل فهو في الوسط لأنه يقتني الأموال من حيث يجب ويتركها من حيث لا يجب. فالعدالة فضيلة يتصف بها الإنسان من نفسه ومن غيره من غير أن يعطي نفسه من النافع أكثر وغيره أقل. وأما في الضار فبالعكس وهي أن لا يعطي نفسه أقل وغيره أكثر لكن يستعمل المساواة التي هي تناسب مابين الأشياء ومن هذا المعنى اشتق اسمه أعني العدل(١) .

تبين لنا مما سبق أن الأصل الذي قامت عليه نظرية (وسطية الأخلاق والفضائل) سبق إليها الإسلام، وجاء الفلاسفة بعده شارحين باسهاب كيفيّة ذلك.

والناظر في تاريخ الإسلام وسيرة النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدرك إدراكاً تاماً أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اتخذ هذا المنهج مطبقاً إياه على الحياة الإسلامية في كل شأن من شئونها لكي تستقر شخصيّة الإنسان المسلم على الصيغة الادبية المطلوبة ديناً وفقهاً وشريعة.

خذ على سبيل المثال وقعة مؤتة فقد تحمل منها المسلمون خسائر جسيمة واهمها استشهاد قادتهم الثلاثة ورجوعهم القهقري من غير أن يصيبوا من عدوّهم مقتلاً واعتبر بعض المؤرخين هذه العودة هزيمة بل المجاهدون أنفسهم كانوا يعدّون أنفسهم منهزمين لأن الواجب فعله أنئذ الاقتداء بالقادة حتى الشهادة للجيش كله.

ولما رجعوا إلى المدينة صار المسلمون يحثون في وجوههم التراب ويقولون لهم يا فرارون فررتم في سبيل الله فصار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: بل هم الكرارون وفي لفظ أنهم قالوا: يا رسول الله نحن الفارّون فقال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل أنتم الكارّون أي الكرارون(٢) .

كان هؤلاء يرون حالتهم تدور بين أمرين لا ثالث لهما فأما التهور بمهاجمة العدو وإن فاقهم عدداً وعدة وأما الفرار من الزحف كما جرى لهم ولكن النبي ردّهم إلى الحق وإلى الوسطية المرغوب فيها خلقاً وديناً وأوضح لهم أنّ ما اعتبروه انهزاماً ما هو به وإنما هو فعل الحكيم الشجاع الذي آثر الرجوع إلى الفئة ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

(١) مسكوية، تهذيب الأخلاق، ص٤٥ وما بعدها.

(٢) راجع الكتب التالية، سيرة ابن هشام الحلبية، عيون الأثر، زاد المعاد، و السيرة النبوية لابن كثير وغيرها.

٣٩

تلكم الفئة ولم يعرض الجيش كله للتلف لأن في ذلك غنماً للعدو واي غنم وغرماً فادحاً على الإسلام وأهله ومن ثم مدحهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على فعلهم وقال لهم: ما صنعتم إلاّ ما ينبغي أن يصنعه أمثالكم وسماهم الكرار أو كما قال.

وهذه هي الوسيطة المطلوب تحققها في حياة المسلمين كافة وقد عبّر عنها القرآن الكريم خير تعبير فقال تعالى:( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (١).

والوسط مأخوذ من التوسط بين المقصر والغالى فالحق معه(٢) فالمقصر هو المفرّط والغالي هو المفرط وكلاهما مذموم والحق مع الوسط ولما كان الوسط مجانباً للغلو والتقصير كان محموداً أي هذه الاُمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ولا قصّروا تقصير اليهود وفي الحديث خير الاُمور أوسطها وفيه عن عليعليه‌السلام :

عليكم بالنمط الاوسط فإليه ينزل الغالي وإليه يرتفع النازل(٣) .

وجاء عن طريق أئمة أهل البيتعليهم‌السلام عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول: نحن نمط الحجاز فقلت وما نمط الحجاز؟ قال: أوسط الأنماط إن الله يقول: وكذلك جعلناكم امة وسطاً ثم قال: إلينا يرجع الغالي وبنا يلحق المقصر(٤) .

والتمثيل بالحجاز في غاية الدقة والمتانة لأنها سمّيت بذلك من الحجز بين الشيئين لأنها حجزت بين نجد وتهامة أو بين الغور والشام والبادية(٥) .

فهي حينئذ وسط بين طرفين وهذا ما رمى إليه الإمامعليه‌السلام وفسّره برجوع الغالي ولحوق المقصر بهما وهما الطرفان المحيطان بالوسط.

وهكذا ما يزال الباحث يعثر على آية أو رواية أو خبر يؤكذ هذا الإتجاه التهذيبي للإسلام في حمل الأمة على الاتصاف بالصفات الشريفة التي توسطت بين طرفين يضادانها.

____________________

(١) البقرة: ١٤٣.

(٢) الشيخ الطوسي، التبيان، ج٢ ص٦. والضمير في (معه) يرجع إلى الوسط لأنه ليس بالمقصر ولا ....

(٣) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج٢ ص١٥٤.

(٤) تفسير البرهان، ج١ ص١٦٠.

(٥) تاج العروس، مادة حجز.

٤٠

وعلى هذا المنوال المفيد والنهج الصحيح قطع الإسلام شوطاً بعيداً في تحرير الإنسان من قيود الجاهلية وأخلاقها المرفوضة.

وتم له في مدة قياسيّه بناء مجتمع ليس له نظير في مجتمعات العالم التي بنتها الاديان السابقة أو المدارس النظرية.

ولعل من المفيد أن نشير إلى نقطة الارتكاز التي استند إليها الإسلام في تحرير الإنسان وساعدته على تحقيق هدفه الاسمى في الإصلاح تلكم هي العناية القصوى بالكرامة البشرية. فقد اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بتكريم الإنسان يقول سبحانه وتعالى:( وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَى‏ كَثِيرٍ مِمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (1) .

كرّمهم بالعقل والنطق وحسن الصورة وتعديل القامة وامتدادها وسخر لهم سائر الأشياء وفضلهم على الخلق حتى الملائكة وإن كان في تفضيلهم على الملائكة اختلاف بين العلماء.

وفي الحديث عن جابر يرفعه قال: لما خلق الله آدم وذريّته قال الملائكة: يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة.

فقال تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان.

وفي المسئلة رأي وجيه ذهب إليه البغوي قال: والأولى أن يقال: عوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة.

قال الله تعالى:( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) . وروى عن أبي هريرة أنه قال: المؤمن من أفضل وأكرم على الله من الملائكة الذين عنده(2) .

وبهذا التكريم يحمل الإسلام الإنسان على الشعور بالكرامة فينزع إلى معالي الاُمور وعمل الخير وفعل الطيبات ويترفع عن الدنابا وخسائس الأخلاق والصفات.

لأنّ التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل فرع الأحساس بالذات وهو مفقود

____________________

(1) الاسراء: 70.

(2) البغوي، معالم التنزيل، ج3 ص125.

٤١

عند الإنسان حال كونه يشعر بالضعة والمهانة.

ومن جهلت نفسه قدره

رأي غيره منه ما لا يرى

وإذا لم يستهن بنفسه وصاحبه شعور بتكريم ذاته ارتفع عن حضيض الهوان إلى مصاف العوالم النورانيّة المكرمة.

ومن هذا المنطق الحر الكريم ساوى الإسلام بين أفراد النوع الإنساني مساواة مطلقة فلا تمييز بين أفراده كافة كما لا عبرة بالفروق الطبيعيّة من اللون والجنس والأصل واللغات.

ومثلها الفروق المصطنعة كالحسب والنسب والمكانة الاجتماعيّة وغير ذلك. وجعل التمايز حاصلاً في التقوى «إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم» وهي مجموع ما يكسبه الإنسان من الصفات الفاضلة ويتحلّى به من الأخلاق النبيلة.

وأقام مبادئة الإنسانيّة على هذا الأساس المتين (كلكم لآدم وآدم من تراب) ودستور ذلك كلّه يتقوم بالآية الكريمة:

يقول الدكتور الشكعة: أما وقد سوّى الإسلام بين الناس كافة وقضى على العرفية والمفاضلة بالأحساب والأنساب بين الناس وجعل الفضل لصاحب الفضل أياً كان نسبه أو عرقه أو لونه، فإن فلسفة التوحيد التي جاء بها الإسلام كانت في حد ذاتها ذات أثر خطير في تحرير الإنسان، كل الإنسان من الخوف والجبن والطفاة والظلمة وأصحاب النفوذ وأرباب المال تحرراً كاملاً أنّه تحرّر في القول والعمل والفكر والطعام واللباس والتحرك ولكن في نطاق الالتزام بروح الإسلام.....

وينقل كلمة العالم الأنجليزي الأستاذ يورك القائل: (القانون المحمدي - يقصد الإسلامي - ملزم للجميع، من صاحب التاج إلى أحط فرد في الرعية أنّه قانون يقوم على أساس من أحكم شريعة وجدت في العالم .....(1)

وظل علم المساواة بين الناس كافة خفّاقاً على الرؤوس طيلة العهد النبوي وشطراً من خلافة الأول.

وأول من حرف البناء عن أسّه وأحدث شرخاً في هيكله عو عمر بن الخطاب

____________________

(1) الدكتور، الشكعة، معالم الحضارة الإسلامية، ص31.

٤٢

وذلك بما اتخذ من سياسة التفريق بين فئأت المسلمين وتفضيل بعضهم على بعض في العطاء.

وهذا الوضع الجديد ارسى دعائم المجتمع الطبقي حيث فضل قريشاً على الناس كافة والعرب على غيرهم والمهاجرين على الانصار والأوس على الخزرج والصريح على المولى وهكذا.

وما ينسب إليه من المواقف الدالّة على المساواة فليست تعبر عن سياسته العامة بل هي مواقف فردية أفرزتها ساعة من ساعات النخوة عنده.

نظير موقفه من عمرو بن العاص وابنه حين شكاه ذلك القبطي في مسئلة السباق الذي جرى بينهما فقد ضرب ابن عمرو القبطي حين سبقه قائلاً أنا إبن الأكرمين فشكاه إلى عمر فما كان من عمر إلاّ إحضار الأطراف جميعاً وأمر القبطي بالقصاص وقال قولته المشهورة متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احراراً؟!

وهذا موقف ممتاز حقاً ولكنه إلى جانب نظائر له كان فيها عمر عوناً للقوي على الضعيف. والرجل نفسه يعتبر الواجهة التي تختفي ورائه مراكز القوى في ذلك العهد.

وبسلطانه صال معاوية وجال ومثله فعل الاشعث ابن قيس وغيرهما. ومن الاُمور العجيبة التي عزيت إليه ذلك الموقف الغريب فقد قال له أحد مستمعيه بعد خطاب لعمر: والله لو رأينا فيك أعوجاجاً لفوّمناه بسيوفنا(1) .

وهذا القول مناقض تماماً لوجوب الطاعة لولاة الأمر عند القوم برهم وفاجرهم وحرمة القيام عليهم بالسيف وعلى هذا الأساس منع عبدالله بن عمر أولاده ومواليه من نقض بيعة يزيد وهددهم بالصيلم(2) .

وروى راويهم أبو هريرة: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببرّه، ويليكم الفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم(3) .

____________________

(1) الشكعة، معالم الحضارة الإسلامية، ص31.

(2) البداية والنهاية، ج8 ص218، الطبقات، ج4 ص183.

(3) الشكعة، معالم الحضارة الإسلامية، ص46.

٤٣

وفي رواية المجمع زيادة قوله: وصلوا وراءهم..(1) .

وفي رواية اُخرى: أنقاتلهم يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا ما أقاموا الصلاة(2) .

فكيف يرفع هذا الرجل عقيرته بالسيف في وجه عمر وهو أبو حفص الذي لا يقعقع له بالشنان الرواية لا شك واهية.

وحينئذ لا مناص من نبذ أحد القولين.

أما روايه السيف أو حديث أبي هريرة والواقع أنّ سياقات هذا الحديث كثيرة ولكنها غير ثابتة وللعلماء فيها رأي مشهور وهو وضعها في العهد الأموي لصالحه ولتخدير الاُمة والاستحواذ عليها وللحيولة بينها وبين ممارسة حقها الطبيعي في الإنكار والثورة على الطغاة ولو صحت هذه الأحاديث لبطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولأقتصر على فئة خاصة من الناس ولكان حكم الجهاد منسوخاً أو مقصوراً على الكفار وحدهم.

أجل أقام الإسلام مجتمع المساواة التامة بين أفراد النوع الإنساني وساعدت عقيدة التوحيد على تحرير الإنسان من العبودية والذل لغير الله سواء كان خليفة أو ملكاً مهما كانت صفته. لا إله إلاّ الله.

وفي هذا المجتمع المتكافئ أشاع الإسلام مبادئه الأخلاقية المؤلفة من قسمين فضائل ورذائل ودعا إلى التحلي بالاولى والتخلي عن الثانية وإليك قائمة بأسمائها نقلاً عن كتاب: روح الدين الأسلامي للأستاذ عفيف طبّاره.

الفضائل ...

الاول: الاستقامة وإصلاح النفس وتزكيتها.

قال سبحانه وتعالى:( إِنّ الّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنّةِ الّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) (3) .

____________________

(1) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 5 ص 18.

(2) مجمع الزوائد: ج 5 ص 218.

(3) فصلت: 30.

٤٤

( إِنّ الّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (1) .

وجاء رجل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: اوصني يا رسول الله فأجابه الرسول بهذه الجملة الموجزة الرائعة: (قل آمنت بالله ثمّ استقم)(2) .

اصلاح النفس

قال الله تعالى:( فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (3) .

( يَا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنّكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَقُصّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتّقَى‏ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (4) .

تزكية النفس

قال الله تعالى:( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكّى ) (5) .

وقال سبحانه:( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسّاهَا ) (6) .

وقال تعالى:( ومن يتزكّى فإنّما يتزكّى لنفسه وإلى الله المصير ) (7) .

الإحسان

قال الله تعالى:( وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ ) (8) .

____________________

(1) الاحقاف: 13.

(2) صحيح مسلم، كتاب الايمان رقم 62، مسند أحمد، ج3 ص413، وج4 ص385، تفسير البغوي، ج3 ص355، والدر المنثور، ج2 ص220 وغيرهم.

(3) المائدة: 39.

(4) الاعراف: 35.

(5) الاعلى: 14.

(6) الشمس: 9 و10.

(7) فاطر: 18.

(8) القصص: 77.

٤٥

وقال سبحانه:( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) (1) .

وقال عزوجل:( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى‏ وَيَنْهَى‏ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ) (2) .

وقال تعالى:( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّهِ‏ِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ) (3) .

ويقول سبحانه: ( وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) (4) .

وقال تعالى:( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) (5) .

وقال جلت عظمته:( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) (6) .

التقوى

قال الله تعالى:( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنّ إِلاّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ ) (7) .

وقال سبحانه:( لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى‏ حُبّهِ ذَوي الْقُرْبَى‏ وَالْيَتَامَى‏ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ الْسّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرّقابِ وَأَقَامَ الصّلاَةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الّذِينَ صَدَقُوْا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ ) (8) .

وقال سبحانه: ( أَلاَ إِنّ أَوْلِيَاءَ اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الّذِينَ آمَنُوا ِ

____________________

(1) الاسراء: 7.

(2) النحل: 90.

(3) النساء: 125.

(4) لقمان: 22.

(5) الانعام: 160.

(6) النحل: 89.

(7) آل عمران: 102.

(8) البقرة: 177.

٤٦

وَكَانُوا يَتّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى‏ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الآخِرَة ) (1) .

وقال تبارك وتعالى:( وَمَن يَتّقِ اللّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ) (2) .

وقال تعالى:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن تَتّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً ) (3) .

وقال تعالى: ( وَتَزَوّدُوا فَإِنّ خَيْرَ الزّادِ التّقْوَى ) (4) .

الصبر

قال تعالى:( إِنّمَا يُوَفّي الصّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (5) .

وقال سبحانه أيضاً:( وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (6) .

وقال سبحانه:( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (7) .

وقال تعالى:( وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا فَإِنّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ ) (8) .

وقال تعالى:( وَلَنَبْلُوَنّكُمْ حَتّى‏ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ ) (9) .

وقال سبحانه:( وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالّثمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ * الّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنّا للّهِ‏ِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (10) .

____________________

(1) يونس: 63 - 64.

(2) الطلاق: 2 - 3.

(3) الانفال: 29.

(4) البقرة: 197.

(5) الزمر: 10.

(6) النحل: 96.

(7) السجدة: 24.

(8) آل عمران: 186.

(9) محمد: 31.

(10) البقرة: 155 - 157.

٤٧

العفو

قال تعالى:( وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (1) .

وقال سبحانه:( وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السّيّئَةَ ) (2) .

وقال عز اسمه:( وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ الْسّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ ) (3) .

وقال تعالى:( وَجَزاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّهِ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِم مِن سَبِيلٍ * إِنّمَا السّبِيلُ عَلَى الّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور ) (4) .

وقال تبارك وتعالى:( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ ) .

الصدق

قال تعالى:( يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين ) (5) .

وقال سبحانه:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَقُولُوا قَوْلاَ سَدِيداً ) (6) .

ويقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتّى يكتب عندالله صديقاً واياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عندالله كذّاباً).

____________________

(1) التغابن: 14.

(2) الرعد: 22.

(3) فصّلت: 34.

(4) الشورى: 40 - 43.

(5) التوبة: 199.

(6) الاحزاب: 70.

٤٨

ومن أنواع الصدق الأمانة التي هي من ارفع الصفات في الإنسان.

قال تعالى: ( وَالّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) (1).

ومن أنواع الصدق أيضاً صدق الوعد الذي هو من الصفات الحميدة التي يتحلّى بها الانسان.

قال تعالى:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْماعِيلَ إِنّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نّبِيّاً ) (2) .

 الاصلاح بين الناس

قال تعالى:( إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) (3) .

وقال تعالى:( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) (4) .

وقال سبحانه:( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا ) (5) .

وقال عزّ اسمائه:( لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَجْوَاهُمْ إِلّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) (6) .

 التعاون

قال تعالى:( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى‏ وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (7) .

____________________

(1) المؤمنون: 8.

(2) مريم: 54.

(3) الحجرات: 10.

(4) الحجرات: 9.

(5) النساء: 35.

(6) النساء: 114.

(7) المائدة: 2.

٤٩

الايثار

قال تعالى:( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) .

الكلام الحسن

قال تعالى:( وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ الشّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ) (2) .

وقال تعالى:( وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً ) (3) .

وقال تعالى:( وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) (4) .

وقال تعالى:( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لإِنفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (5) .

معاشرة الأخيار

قال الله تعالى:( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) (6) .

وقال تعالى:( فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلّى‏ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاّ الْحَيَاةَ الدّنْيَا ) (7) .

وقال سبحانه:( لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادّونَ مَنْ حَادّ اللّهَ

____________________

(1) الحشر: 9.

(2) الاسراء: 53.

(3) لقمان: 19.

(4) لقمان: 19.

(5) آل عمران: 159.

(6) الكهف: 28.

(7) النجم: 29.

٥٠

وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) (1) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك أما إن يحذيك وأما إن تبتاع منه وأما إن تجد منه ريحاً طيبه، ونافخ الكير إما إن يحرق ثوبك وأما إن تجد منه ريحاً خبيثة ).

الاستئذان والتحية

قال تعالى:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى‏ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا عَلَى‏ أَهْلِهَا ذلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ * فَإِن لّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتّى‏ يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى‏ لَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) (2) .

وقال تعالى:( وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدّوهَا ) (3).

وهذه هي الفضائل الخلقية التي أمر الله عباده الصالحين بالتحلي بها وحثهم على التمسك بها بل هي إن حققت روح الدين وجوهر الشريعة لأنها ترفع المسلم العامل بها من حضيض التراب إلى مصاف الملائكة ومدارج منازلها ومحالّ رتبها ....

وقد اسعف المسلمين الحظ في حياة النبي فكان لهذه الفضائل سوق رائجة بينهم ولكن تضائل العمل بها بل أوشكت على الدثور بعد وفاته وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.

____________________

(1) المجادلة: 22.

(2) النور: 27 - 28.

(3) النساء: 86.

٥١

الرذائل

وأولها بل اضرّها على الانسان واشدّها فتكاً بحياته الأخلاقية الانقياد لهوى النفس.

الانقياد لهوى النفس

قال الله تعالى:( وَلَوِ اتّبَعَ الْحَقّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السّماوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنّ ) (1) .

وقال تعالى لداود:( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى‏ فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِنّ الّذِينَ يَضِلّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) (2) .

وقال تعالى:( فَإِن لّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنّمَا يَتّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلّ مِمّنِ اتّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ) (3) .

وقال سبحانه:( وَإِنّ كَثِيراً لَيُضِلّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (4) .

وقال تعالى:( وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَى‏ * فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) (5) .

الكبرياء

قال تعالى:( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الّذِينَ يَتَكَبّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَإِن يَرَوْا كُلّ آيَةٍ لاَيُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرّشْدِ لاَيَتّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيّ

____________________

(1) المؤمنون: 71.

(2) ص: 26.

(3) القصص: 50.

(4) الروم: 29.

(5) النازعات: 41.

٥٢

يَتّخِذُوهُ سَبِيلاً ) (1) .

وقال تعالى:( قَالَ الْمَلأ الّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِن رَبّهِ قَالُوا إِنّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) (2) .

وقال تعالى:( قَالَ الْمَلأَ الّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنّكَ يَاشُعَيْبُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنّ فِي مِلّتِنَا ) (3) .

وقال تعالى:( أَلَيْسَ فِي جَهَنّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبّرِينَ ) (4) .

وقال تعالى:( فَأَمّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدّ مِنّا قُوّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّ اللّهَ الّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ«15» فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى‏ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ ) (5) .

وقال تعالى:( وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأََرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ) (6) .

وقال تعالى:( وَلاَ تُصَعّرْ خَدّكَ لِلنّاسِ وَلاَ تَمْشِ في الأَرْضِ مَرَحاً إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (7) .

الخمر والقمار

قال الله تعالى في تحريم الخمر والقمار:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالأََزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنّمَا يُرِيدُ الشّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدّكُمْ عَن ذِكْرِ

____________________

(1) الاعراف: 146.

(2) الاعراف: 75 - 77.

(3) الأعراف: 88.

(4) الزمر: 60.

(5) فصلت: 15 - 16.

(6) الاسراء: 37.

(7) لقمان: 18.

٥٣

ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) (1) .

الكذب والخيانة وخلف الوعد

وهذه الأشياء الثلاثة من فصيلة واحدة. قال الله تعالى عن الكذب:( إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ ) (2) .

ومثله:( إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفّارٌ ) (3) .

وقال تعالى:( وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذا حَلاَلٌ وَهَذا حَرَامٌ لّتَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَليلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (4) .

الخيانة

قال تعالى:( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَتَخُونُوا اللّهَ وَالرّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (5) .

وقال تعالى:( إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ خَوّاناً أَثِيماً ) (6) .

خلف الوعد

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذ وعد أخلف وإذا اؤتمن خان )(7) .

____________________

(1) المائدة: 80 - 81.

(2) غافر: 28.

(3) الزمر: 3.

(4) النحل: 116 - 117.

(5) الانفال: 27.

(6) النساء: 107.

(7) اخرجت الحديث الكتب التالية: صحيح البخاري ومسلم وسنن البيهقي الكبرى وشرح السنة للبغوي، تاريخ الخطيب البغدادي، مسند أحمد، تفسير ابن كثير وغيرها كثير.

٥٤

شهادة الزور

وهي من أنواع الكذب أيضاً قال الله تعالى:( فَاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّورِ ) (1) .

وقال تعالى:( وَالّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزّورَ ) (2) .

البهتان

ومن ضروب الكذب التي حرّمها القرآن البهتان قال الله تعالى:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى‏ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (3) .

النميمة

والنميمة من ضروب الكذب أيضاً قال الله سبحانه:( وَلاَ تُطِعْ كُلّ حَلاّفٍ مَهِينٍ * هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ) (4) .

الهزء بالآخرين والسخرية منهم

وسماها المؤلف احترام الغير ولكن آثرت العنوان اعلاه لأنّ احترام الغير يدخل في قسم الفضائل.

قال الله تعالى:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسَى‏ أَن يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِن نِسَاءٍ عَسَى‏ أَن يَكُنّ خَيْراً مِنْهُنّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الأسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيَمانِ وَمَن لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ) (5) .

____________________

(1) الحج: 30.

(2) الفرقان: 72.

(3) الحجرات: 6.

(4) القلم: 10 - 11.

(5) الحجرات: 11.

٥٥

الظن السيّئ والتجسس والغيبة

قال الله تعالى:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ ) (1) .

الزنا

قال الله تعالى:( وَلاَ تَقْرَبُوا الزّنَى‏ إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) (2) .

الغضب

قال الله تعالى:( وَالضّرّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ ) (3) .

وقال تعالى:( وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) (4) .

الحسد

قال الله تعالى:( وَلاَ تَتَمَنّوْا مَا فَضّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى‏ بَعْضٍ لِلرّجَالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ وَسْأَلُوا اللّهَ مِن فَضْلِهِ ) (5) .

وقال تعالى:( وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) (6) .

وقال عزوجل:( وَدّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الْحَقّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى‏ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ ) (7) .

____________________

(1) الحجرات: 12.

(2) اسراء: 32.

(3) آل عمران: 134.

(4) الشورى: 37.

(5) النساء: 32.

(6) الفلق.

(7) البقرة: 109.

٥٦

اللغو

ويدخل فيه الثرثرة والهزل والباطل من القول والفعل وكل ما توجب المروءة الغاءه وهو ما سماه الله لغواً، قال الله تعالى:( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالّذِينَ هُمْ عَنِ اللّغْوِ مُعْرِضُونَ ) (1) .

وقال عزوجل:( وَإِذَا سَمِعُوا اللّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) (2) .

وقال تعالى:( وَإِذَا مَرّوا بِاللّغْوِ مَرّوا كِرَاماً ) (3) .

الشراهة

قال سبحانه وتعالى:( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنّهُ لاَيُحِبّ الْمُسْرِفِينَ ) (4) .

وقال تعالى:( وَالّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ ) (5) .

هذه هي امهات الأخلاق مابين فضائل يجب التحلي بها أو رذائل يجب التخلي عنها رفع منارها الإسلام وأنزلها الله آيات تتلى على سيد البشر ذي الخلق العظيم والقائل: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وقد ذكرنا لكل واحدة منها الآيات الدالّة عليها والمرشدة إليها هذا مع العلم بأن حشداً كريماً من الآيات لم نذكرها روماً للإختصار.

أما السنة الشريفة فقد زخرت بذلك وامتلأت الصحاح والمسانيد وكتب الحديث عند الطوائف الإسلامية كافة بفيض غامر منها بلغ عشرات الألوف.

وفي كل ذلك دعوة قويمة لأمة الإسلام إن تجعل منها دستوراً لحياتها

____________________

(1) المؤمنون: 1 - 3.

(2) القصص: 55.

(3) الفرقان: 72.

(4) الأعراف: 31.

(5) محمد: 12.

٥٧

ومدرسة تقوّم بها ذاتها وتبني شخصيتها على هداها.

وفعلاً تم لها ذلك على يد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصحابته الكرام وعاشت الاُمة تحت كنف نبيها وبفضل رعايته وكريم إرشاده أفضل مراحل حياتها وما هي الادورة من دورات الزمن وإذا بذلك الضوء يخبو وتلك الشمس تغيب وذلك الكون المنير من الأدب والخلق الرفيع الذي أقامه النبي يختفي معه تحت الرغام وصحّت كلمة انس ابن مالك: ما كدنا ننفض ايدينا من تراب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى أنكرنا قلوبنا وبدأ من هذه القلوب الانقلاب على الاعقاب.

الانقلاب على الأعقاب

فارق النبي المسلمين إلى الرفيق الأعلى وفريق منهم يتربص بالخلاف تلك الساعة المشومة ولقد كانت تبدر بوادر من هؤلاء والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يزال على قيد الحياة لذلك نجده مبادراً إلى درء هذا الخطر والوقوف بوجه المتربصين بالإسلام ساعة الوفاة.

فاستقبلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطة الانقلاب المزمع اجرائه من القوم بعد وفاته بإجراء فعال لوانه اطيع ولكن المهاجرين وفي مقدمتهم عمر حالوا بينه وبين التنفيذ. من ذلك تسريح جيش اسامة بن زيد.

عمد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى توجيهه خارج المدينة وضم إليه جل الذين تحدثهم أنفسهم بالانقلاب ومنهم الشيخان أبوبكر وعمر وهما القطبان الذان اتّجهت اليهما الانظار لقربهما من النبي أولاً ولمسئلة الصهر التي ربطت بينهما وبين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعلقة قوية جداً فكانت احداث الانقلاب تدور عليهما.

ولا بديل عن بني هاشم بغيرهما وكان النبي يعلم ذلك تارة بالوحي وأخرى بالنظر الحكيم الفاحص من ثم راحصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلح على تجهيز جيش اسامة ولعن من تخلف عنه والعبارة النبوية رويت هكذا: جهّزوا جيش اسامة لعن الله من تخلف عن جيش اسامة(1) .

____________________

(1) تحاشى الرواة ذكر هذه الجملة وفيها لعن من تخلف وقد اعياني الفحص عنها حتى وجدتها في هامش محي الدين على مقالات الإسلاميين، ج1 ص35.

٥٨

والمدافعون عن الشيخين انكروا وجود أبي بكر في الجيش ويزعمون أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استبقاه. ولكن البلاذري نص على وجودهما في جيش اسامة قال: وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد رأى توجيه اسامة بن زيد في سرية إلى الذين حاربهم أبوه يوم مؤتة، وأمره أن يوطئهم الخيل وعقد له لواءاً وضم إليه أبابكر وعمر فيمن ضم فمرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أن ينقّذ الجيش فأوصى بانفاذه فقال: انفذوا جيش اسامة(1) .

ومن الرواة الذين نصّوا على وجود أبي بكر وصاحبه عروة ابن الزبير ذكر صاحب الكنز عن عروة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قطع بعثاً قبل مؤتة وأمر عليهم اسامة بن زيد وفي ذلك البعث أبو بكر وعمر فكان اناس من الناس يطعنون في ذلك لتأمير رسول الله اسامة عليهم... الحديث(2) .

واخفق البعث الاُسامي لأن القوم اعلنوا العناد والعصيان لعلمهم بالغاية من هذا البعث ولتبيتهم نبة الانقلاب وتربصهم بذلك وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واجراء آخر وهو كتاب يوم الخميس فقد أراد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يضع بيد الوصي حجة لا تمكن مناقشتها أو الارتياب بها حيث قال قبل وفاته بساعات واللفظ للبخاري: اُئتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً فتنازعوا ....(3)

رزية يوم الخميس!!

وسماها ابن عباس رزية وبالغ فيها فقال: كل الرزية وبكى حتى بل دمعه الحصى في رواية صحيح مسلم وفي أخرى بسنده أيضاً ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ(4) .

وحيّرت دموع ابن عباس الحافظ ابن حجر فراح يستخرج الاحتمالات قائلاً:

____________________

(1) البلاذري، انساب الاشراف، ج1 ص493. والقضية مشهورة ذكرها كل من كتب في السيرة وحورها الرواة بالحذف والاضافة.

(2) المتقى الهندي، كنز العمال، ج10 ص570 رقم الحديث 30264.

(3) راجع صحيح البخاري، ج6 ص11 مطابع الشعب 1378.

(4) صحيح مسلم بشرح النووي، ج11 ص89 وص94.

٥٩

يحتمل لكونه تذكر وفاة رسول الله فتجدد له الحزن عليه ويحتمل أن يكون انضاف إلى ذلك ما فات في معتقده من الخير الذي كان يحصل لو كتب ذلك الكتاب ولهذا اطلق في الرواية الثانية أنّ ذلك رزية ثم بالغ فيها فقال: كل الرزية(1) .

أجل أنها لرزية عظمى وفاجعة كبرى ومصيبة لا تعدلها مصيبة وهي التي أدت إلى ضلال الأمة بعد نبيّها وانقلابها على أعقابلها فقتلت نفسها وخرّبت ديارها وازهقت نفوسها واحربت أموالها وصيّرتها شيعاً وأحزاباً وقسمتها إلى ثلاث وسبعين فرقة بعد نبيّها كل فرقة تلعن اختها وتتبرء منها وقد حذرهم النبي من ذلك.

وصار المسلم يستبيح دم المسلم ويصون دم الذمي والمعاهد بل يعتبر قتل الخنزير افساداً في الأرض ودم المسلم جائزاً سفكه مباحاً إهراقه.

وهدمت الكعبة ورميت بالعذرة وابيحت المدينة ثلاثة أيام لغربان الشام فجرى ما جرى من القتل والنهب والفساد مما يطول شرحه.

ألا يحق لابن عباس أن يبلّ بدموعه الحصى وقد شاهد بام عينيه شطراً من هذه المآسي وماله لا يعدها رزية ويبالغ فيها وقد اعربت عن التدبير المبيّت للأنقضاض على حق أهل البيت كما افصحت عن النوايا وكشفت عن خطة الإنقلاب التي كان القوم قد بيّنوها.

وكان الكتاب اجراءاً مضاداً لما يضمرون ولكن حيل بينه وبين كتابته وتولّى كبر ذلك عمر.

وليته اكتفى بالمنع ولم ينسب إلى ساحة قدس النبي الهذيان والهجر. فأحدث بذلك صدعاً لا يراب في الصف الإسلامي إلى اليوم.

ويعتبر موقفه هذا ردّاً على رسول الله وجرأة على مقامه الشريف حين جعل من نفسه وصياً على الاُمة ادعاءاً وتبرعاً.

وفتح عمر بهذه الكلمة الباب على مصراعيه لهم فاقتحموا مقام النبوة المنيع فجوزوا على النبي الخطأ والهذيان والهجر والإجتهاد قال الخطابي: ومعلوم

____________________

(1) فتح الباري، ج7 ص739.

٦٠

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377