الإسلام دين الوسطيّة والاعتدال

الإسلام دين الوسطيّة والاعتدال0%

الإسلام دين الوسطيّة والاعتدال مؤلف:
الناشر: مؤسسة الرافد للمطبوعات
تصنيف: رسائل وأطاريح جامعية
الصفحات: 161

  • البداية
  • السابق
  • 161 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 34350 / تحميل: 4217
الحجم الحجم الحجم
الإسلام دين الوسطيّة والاعتدال

الإسلام دين الوسطيّة والاعتدال

مؤلف:
الناشر: مؤسسة الرافد للمطبوعات
العربية

سهولةُ الشريعة الإسلاميّة وسماحتُها في النصوص الشرعية:

قد بيّن الله تبارك وتعالى أنَّ الشريعة الإسلامية خالية من العُسر والحرج في آيات عديدة.

منها: قوله تعالى:( مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ ) (١) .

ومنها:( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ ) (٢) .

ومنها:( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (٣) .

فالشريعة الإسلامية هي الشريعة التي نفى الله عنها العسر والحرج؛ حتى تكون شاهدة على الأمم التي سبقتها، وهذا ما نجده في أقرب آية في القرآن إلى بحثنا - الوسطيّة - أعني قولَه تعالى:( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ ) (٤) .

فالمعلول واحد، وهو الشهادة على الناس مضموناً ولفظاً، وأما العلَّة التي من أجلها صارت الأمّة الإسلامية شاهدة على الناس، فقد عبّر القرآن الكريم عنها بالوسطيّة تارة، وبنفي العسر والحرج أُخرى؛ ولذا صارت

____________________

(١) المائدة/ ٦.

(٢) الحج/ ٧٨.

(٣) البقرة/١٨٥.

(٤) البقرة/ ١٤٣.

٤١

العلاقة بين العلّتين - الوسطية ونفي الحرج - للمعلول الواحد قويّة للغاية. فنفي العسر والحرج وعدم جعلهما في الشريعة الإسلامية دون غيرها، وهذا مما لم تتصف به الأمم السابقة، كاليهودية والنصرانيّة، وغيرهما.

قال صاحب الفصول: (إنَّ نفي الحرج لم يكن مطّرداً في جميع الأمم السابقة، بل بعضهم كُلّفوا بالتكاليف الشاقة، كما يدلّ عليه قوله تعالى :( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) (١) ،وقوله جلّ شأنه: ( لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ) (٢) ، وظاهر ما ورد من أنَّ بني إسرائيل إذا أصابهم البول قرّضوا أبدانهم بالمقاريض (٣) ، ولا ينافي ذلك أنهم كانوا أبسط منّا جسماً، وأتمَّ قوّةً، فنخرج تلك التكاليف في حقَّهم عن كونها شاقة مع ما ورد في حديث المعراج من قول موسى (عليه السلام) لنبيّنا في عدد الصلوات: (إنَّ أمتّك لا تطيق ذلك) (٤) ، فيشترك نفي الحرج بيننا وبينهم؛ لأنَّ المستفاد من الآيات والأخبار أن تلك التكاليف كانت بالنسبة إليهم شاقّة، وليس في الرواية على تقدير تسليمها ما يدلّ على طاقة غير أمته (صلّى الله عليه وآله)، ولو سلَّم فلعلَّ الوجه في عدم طاقتهم ذلك، كونهم مكلّفين بالمعاشرة، وترك الرهبانية، وتحصيل المعاش، وذلك منافٍ غالباً للقيام بوظائف الصلوات الكثيرة، بخلاف بعض الأمم السابقة، فإنَّ الرهبانية والعزلة كانت مشروعة في حقّهم، وربّما كانت أرزاقهم

____________________

(١) الأعراف/ ١٥٧.

(٢) البقرة/٢٨٦.

(٣) الطبرسي، الاحتجاج، ج١، ص ٣٢٨.

(٤) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج١، ص ١٥٥.

٤٢

تنزل عليهم من السماء، وكانت أبدانهم أصبر على الشدائد والبلاء، وذلك لا ينافي المقصود .

ومن هنا يظهر: أنَّ العُسرَ والحرج منفيَّان عن شريعتنا بالكلية، كما قررّناه أوّلاً، لا أنهما منفيان بالنسبة إلى أكثر الأحكام المفردة فيها، وإلاّ لم يتحقق الفرق؛ لثبوت مثله بالنسبة إلى تلك الشرائع أيضاً )(١) .

ويؤيد هذا المعنى - أعني اختصاص الأَّمة الإسلامية بنفي العسر والحرج عن شريعتها بالكليّة - ما ذكره الأعلام عند تعرّضهم لقاعدة نفي العسر والحرج، فبعد استدلالهم بالآيات والروايات استخلصوا إلى أنَّ هذا المعنى من مختصات الأمة الإسلامية وشريعتها.

قال المحقق البجنوردي: (... ويشهد بالمعنى الثاني - أي اختصاص رفع الأحكام الحرجيّة بهذه الأمّة - قوله (صلّى الله عليه وآله): (بعثت بالحنفية السمحة السهلة)، وقوله تعالى: ( رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ) والإصر: الحمل الثقيل الذي يحبس صاحبه مكانه لثقله، والمراد التكاليف الشاقة التي كلّف الله تعالى بها الأمم السابقة من التشديدات، وقد عصم الله هذهِ الأمّة من أمثال ذلك، وأنزل في شأنهم ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) ،فهذه الآية الكريمة مع الحديث الشريف تدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ رفع الأحكام الحرجية مخصوص بهذه الأمةِ؛ كرامةً لنبيّنا (صلّى الله عليه وآله) فلا يمكن أن يكون المراد من الحرج عدم القدرة والطاقة والعجز عن الامتثال بمثابةٍ يكون تكليفه في تلك الحالة

____________________

(١) الأصفهاني، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، ص ٣٣٥.

٤٣

قبيحاً، أو غير ممكن، فلا شكَّ في أن المراد من التكاليف والأحكام الحرجية - ولو كانت وضعيّة - هو أن يكون الحكم المجعول من طرف الشارع موجباً للضيق والعسر على النوع أو على الشخص... والحاصل: أنّه لا شكَّ في دلالة هذهِ الآيات وهذهِ الروايات المستفيضة على عدم جعل الأحكام الحرجية في الدين الحنيف الإسلامي... )(١) .

وهذا المعنى بعينه نجده في كلمات أهل اللغة عند تفسيرهم للحنفية والأحناف.

قال في مجمع البحرين: (الحنيف: المسلم المائل إلى الدين المستقيم. والجمع حنفاء، والحنيف: المسلم لأنّه تحنّف أي: تحرّى الدين المستقيم. والحَنَف محركة: الاستقامة، ومنه قوله (دين محمَّد حنيف) أي: مستقيم لا عوج فيه، و(الحنيف) عند العرب مَن كان على دين إبراهيم (عليه السلام)، وأصل الحنف الميل، ومنه (بعثت بالحنفية السهلة) أي: المستقيمة المائلة عن الباطل إلى الحق، ومثله: (أحب دينكم إلى الله الحنفية) أي: الطريقة الحنفية التي لا ضيق فيها....

(حنفاء): يعني مائلين عن جميع الأديان إلى دين الإسلام، مسلمين مؤمنين بالرسُلِ كلِّهم )(٢) .

وفي فيض القدير: (بعثت بالحنفية السمحة )أي: الشريعة المائلة عن كل دين باطل، قال ابن القيِّم: جمع بين كونها حنفية وكونها سمحة، فهي حنفية في التوحيد سمحة في العمل، وضد الأمرين الشرك وتحريم الحلال... وهما اللذان عابهما الله في

____________________

(١) البجنوردي، القواعد الفقهية، ج ١، ص ٢٥٣- ٢٥٤.

(٢) الطريحي، مجمع البحرين، ج ١، ص ٥٨٨.

٤٤

كتابه على المشركين في سورة الأنعام والأعراف (ومن خالف سُنّتي) أي طريقتي بأن شدّد وعقد وتبتّل وترهّب (فليس منّي) أي: ليس من المتّبعين لي العاملين بما بعثت به، الممتثلين لما أمرت به من الرفق واللين والقيام بالحق والمتساهلة مع الخلق... )(١) .

وصاحب هذا الكلام يعرّض بمن شدّد وتبتّل وترهّب مِن عند نفسه وصريح كلام الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) (أنَّ من خالف سُنّتي فليس منّي )، وهذا يعني أنّ اللازم على جميع المسلمين مراعاة سنته (صلّى الله عليه وآله) المتمثلة بالرفق واللين والمتساهلة، وتطبيق الشريعة الحقّة من دون زيادة أو نقيصة، فأنَّ أحكام الله لا تحتاج إلى زيادةٍ من المكلَّف، فهي دواء وصفه لعباده، وليس من المعقول أن يزيد المريض على وصف الحكيم، معلّلاً ذلك بسرعة الشفاء، أو حسنه، فالإسلام هو الشريعة التي رسمها الله تبارك وتعالى لعباده بأبهى صورة وأجملها، بعيدة من التحلّل والمشين، و التزّمت المقيت، وإنما هي أمر بين أمرين.

قال صاحب كتاب في ظلال التوحيد:

(الإسلام بين التزمت والتحلّل من القيود الشرعيّة، إنَّ بين المسلمين من يريد حصر الأمور الشائعة بما هو موجود في عصر الرسول الأكرم؛ لذا يعدُّ نخل الدقيق بدعةً؛ بحجةِ أنّه لم يكن في عصره (صلّى الله عليه وآله) أي نخلٍ !!

وبين مَن يريد التحلّل من كلِّ قيد ديني في مجال العمل، فلا يلتزم في حياتهِ بشيءٍ مما جاء به الإسلام !!

____________________

(١) المناوي، فيض القدير في شرح الجامع الصغير، ج ٣، ص ٢٦٥.

٤٥

فالإسلام لا هذا ولا ذلك، فهو يرفض التزمّت إذا كان العمل غير خارج من الأطر العامّة الواردة في الكتاب والسنة، كما يرفض التحلّل من كل قيّد .

فآفة الدين ليست منحصرةً بالثاني، بل آفة الأوّل ليست بأقلّ منه... علماً أنَّ من الأسباب التي أوجبت خلود الدين الإسلامي وأعطته الصّلاحية للبقاء مع اختلاف الظروف وتعاقب الأجيال، كونه ديناً جامعاً بين الدعوة إلى المادة، والدعوة إلى الروح، وديناً وسطاً بين المادية البحتة والروحيّة المحضّة، فقد آلف بتعاليمه القيمة بينهما مؤالفة تفي بحقِ كل منهما... )(١) .

وما أكثر الفِرَق الضالة التي ألحقت الأذى بالمسلمين، ممّن يحرم ويحلل، ناسباً ذلك إلى حنيفية إبراهيم (عليه السلام)، متجاهلاً سماحتها ولينها، وهذا الظلم العظيم والرد على الله العليَّ العظيم.

فمن حرّم شيئاً ونسبه إلى ملة إبراهيم فهو الظالم، والدليل عليه قوله تعالى:( فَبِظُلْمٍ مِنَ الّذِينَ هَادُوا حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِلّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً ) (٢) ، فالآية دلَّت على أنه كان لهم ظلم في معنى التحليل والتحريم ابتدعوه من عند أنفسهم وأهوائهم، وكانوا يُشدّدون على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، وتجد هذا جلياً عندما تقرأ قصة البقرة(٣) . وهذا بخلاف السيرة التي جاء بها الإسلام، فقد جاء بشعار (سيروا ولا تعسروا )(٤) ،

____________________

(١) السبحاني، في ظلال التوحيد، ص ١٢١.

(٢) النساء/١٦٠.

(٣) سورة البقرة/ ٦٧-٧١.

(٤) الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص ٥٥٠.

٤٦

(ودين الله يُسر )(١) ، (وبعثت بالحنفيّة )(٢) ، وما شاكل ذلك ممّا أطلعناك على جملة منه(٣) .

وهذه البدع والزوائد التي أضافها البعض في الفرق الضالة، هو ما ترفضه الفطرة السليمة والعقول النيّرة، وبخلافه الأوامر الإلهية الحقّة، فهو تفرضه الفطرة والعقل السليم.

قال صاحب كتاب دراسات في ولاية الفقيه:

(المعروف ما تعرفه الفطرة والعقول السليمة وأمر به الشرع لذلك، والمنكر ما تنكره العقول السليمة ونهى عنه الشريعة المطهرة... ولعلَّ المراد بالأغلال هو الأعم من الرسوم والقيود الخرافية الطائفية، ومن الأحكام الصعبة المشروعة في شريعة اليهود، أو التي حرمّها إسرائيل على نفسه. وفي الحديث عن أبي أمامة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (إنّي لم أُبعث باليهوديّة ولا بالنصرانيّة ولكن بُعثتُ بالحنفية السمحة) )(٤) .

واستشهد ابن العربي لهذا المعنى قائلاً:

(تعديل الأخلاق بالاقتصار على الأوساط والاعتدالات من الرياضات والمخالفات لصفاء الاستعداد وشرف النفس ونجابة جوهرها دون الإفراط فيها. والأخذ بالعزائم.

كما قال (صلّى الله عليه وآله): (بعثت بالحنفية السمحة السهلة) )(٥) .

____________________

(١) ابن حجر، فتح الباري، ج ١، ص ٨٧.

(٢) ابن حنبل، مسند أحمد، ج ٥، ص ٢٦٦.

(٣) انظر: ابن عطية الأندلسي، المُحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج ١، ص ٤٧٣- ٤٧٤.

(٤) المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه، ج ٢، ص ٨.

(٥) ابن العربي، تفسير ابن العربي، ج ٢، ص ١٨٢.

٤٧

وهذا ما نجده جليّاً في أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّهم لم يأتوا بشيءٍ إلاّ وأقاموا عليه البرهان والدليل، حتى صار شعارهم: (نحن أبناء الدليل حيث ما مال نميل )، فالدليل هو القاضي فيما يريدون، فإن وافق و إلاّ فلا عمل من دونه. ولو أنَّ جميع المسلمين اتبعوا هذا المعين الصافي لاهتدوا إلى لُباب هذا القمح، ومصفى هذا العسل، ونسائج هذا القزّ، لكن غلب على هواههم، وقادهم عنادهم(١) إلى ما فيه الخسران المبين.

قال الشيخ السبحاني:

(آلف القرآن بتعاليمه القيّمة بينهما - أي المادة والروح - مؤالفةً تفي بحقِ كل منهما، حيث يُفسح للإنسان أن يأخذ قسطه من كلٍّ منهما بقدر ما يصلحه، لقد غالت المسيحية (الغابرة) بالاهتمام بالجانب الروحيّ من الإنسان، حتى كادت أن تجعل كل مظهر من مظاهر الحياة المادّية خطيئة كبرى، فدعت إلى الرهبانيّة والتعزّب وترك ملاذ الحياة، والانعزال عن المجتمع والعيش في الأديرة وقلل الجبال والتسامح مع المعتدين.

كما غالت اليهودية في الانكباب على المادة، حتّى نسيت كُلَّ قيمة روحيّة وجعلت الحصول على المادة بأيِّ وسيلةٍ كانت المقصد الأسنى، ودعت إلى القوميّة الغاشمة .

لكن الإسلام أخذ ينظر إلى واقع الإنسان بما هو كائن ذو بعدين، فبالبعد المادي لا يستغني عن المادة ،وبالبعد الرّوحي لا يستغني من الحياة الرّوحية، فأولاهما عنايته، فدعا إلى المادة والالتذاذ بها، بشكل لا يُؤثِرُها على حياته الروحيّة، كما دعا إلى الحياة

____________________

(١) اقتباس من كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، نهج البلاغة، ج٣، ص ٧١.

٤٨

الروحيّة بشكلٍ لا يصادم فطرته وطبيعته .

وهكذا، فقد قرن بين عبادة الله وطلب الرزق وترفيه النفس، فندب إلى القيام بالليل وإقامة النوافل، وفي الوقت نفسه ندب إلى طلب المعاش وتوخّي اللذّة، قال سبحانه: ( وَالّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجّداً وَقِيَاماً ) (١) ،وقال أيضاً: ( قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ ) (٢) ،وقال عليٌّ أميرُ المؤمنين (عليه السلام): (للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يرمُّ معاشه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذتها) (٣) ... إنَّ من ملامح التشريع القرآني مرونته وقابليته للانطباق على جميع الحضارات الإنسانية، وما ذلك إلاّ لأنّه جاء بتشريعات خاصة لها دور التحديد والرقابة على سائر تشريعاته، وهذا التشريع أعطى للدين مرونةً ومنعطفاً جديداً .

قال سبحانه: ( مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ وَلكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (٤) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (لا ضرر ولا ضرار) (٥) .

فحدّد كلَّ تشريع بعدم استلزامه الضرر والضرار، فأوجب التيمم مكان الوضوء إذا كان استعمال الماء مضرّاً...، وجاء في الحديث عن الصّادع بالحقِّ أنّه قال : (بعثت

____________________

(١) الفرقان/ ٦٤.

(٢) الأعراف/ ٣٢.

(٣) الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، نهج البلاغة، ج ٤، ص ٩٣، خ ٣٩٠.

(٤) المائدة/ ٦.

(٥) البيهقي، السنن الكبرى، ج ٦، ص ٧٠.

٤٩

بالحنيفية السمحة )(١) .

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (إنَّ هذا الدين متين فاوغلوا فيه برفقٍ لا تكرهوا عبادة الله لعباد الله) (٢) .

... ومن ملامح التشريع القرآني العدالة، حيث تراها متجليّة في كافة تشريعاته، خاصة فيما يرجع إلى القانون والحقوق .

قال سبحانه :( وَلاَ تَعْتَدُوا إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ ) (٣) ... إلى غير ذلك من الآيات التي تدلُّ على أنَّ هيكل التشريع الإسلامي بُني على أساس العدل والقسط )(٤) .

ومحصَّل هذا الكلام:

أنَّ الدين الإسلامي - بكل تشريعاته - اِتخذ المسامحة وعدم العسر والحرج، وعدم الضرر والإضرار شعاراً له، فصارت الوسطيّة هي الحق الذي ندب إليه؛ ولذا قال رسول (صلّى الله عليه وآله): (إنّي لم أُبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكن بعثتُ بالحنيفية السمحة )(٥) .

____________________

(١) الطوسي، الأمالي، ص ٥٢٨.

(٢) الكليني، الكافي، ج ٢، ص ٨٦، ح ١.

(٣) البقرة/ ١٩٠، المائدة/ ٨٧.

(٤) السبحاني، رسائل ومقالات، ص ٤٨٩ - ٤٩٥، مقالة بعنوان: (واقع التشريع الإسلامي). ألقيت في المؤتمر العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية المنعقد في طهران عام ١٤١٩ هـ.

(٥) ابن حنبل، مسند أحمد، ج ٥، ص ٢٦٦.

٥٠

وقال أيضاً: (إنَّ الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلاَّ غلبه، فسَدّدوا وقاربوا )(١) .

وقال (صلّى الله عليه وآله): (يسّروا ولا تُعسّروا )(٢) .

إشكال ودفع:

بقي هنا إشكال يستحق الذكر والتعرّض له، والإجابة عليه، ذكره العلماء - قديماً وحديثاً - وأجابوا عنه.

وحاصله:

أنَّ هناك أشياء شاقّة وصعبة، بل بعضها بالغ إلى درجةٍ العُسرِ والحرج موجودة في الدين الإسلامي، مع أنَّ الآيات والروايات المتقدمة نفت العسر والحرج بكلّيته، فكيف يجمع بين هذه الأدلّة، وبين ما هو موجود في الواقع الخارجي من صعوبة بعض التكاليف؛ فإنَّ التعبير بمثل: (السماحة واليسر والحنيفية) لهذا الدين يتنافى مع عسر بعض التكاليف.

وليس المراد من هذه الأحاديث أنَّ في هذا الدين أشياء سهلة وأشياء صعبة بالغة حد الحرج؛ فأنّ (الدين) إن كان اسماً لكل فردٍ من التكاليف قضى بكون كلٍ منها سهلة، وإن كان اسماً للمجموع المُركّب يقتضي ذلك أيضاً؛ لأنَّ وجود الحرج في الدين يجعل المجموع المركب صعباً؛ إذ انضمام التكاليف السهلة للشديدة، لا يوجب سهولة الشديدة بل تبقى

____________________

(١) البخاري، صحيح البخاري، ج ١، ص ١٥.

(٢) الشافعي، كتاب الأم، ج ١، ص ٦٩.

٥١

الشديدة على شدتها، والسهلة السمحة على سماحتها وسهولتها، وحينئذٍ لا يصدق أمثال (إنَّ هذا الدين يُسر وسمح، وأنَّ الشريعة سهلة سمحاء )(١) .

فإنْ قُلتَ:

إنَّا لا نسلّم بالصغرى، أعني: وجود أحكام شاقّة فيها عسر وحرج.

كان الجواب:

إنَّ إنكار وجود أحكام شاقة وحرجية في الدين الإسلامي مكابرةٌ واضحة؛ فإنَّ مثل الصوم في اليوم الحار جدّاً، والثبات أمام العدو في الجهاد، والوضوء بالماء البارد، والحج مع كثرة الزّحام، كُلُّها مصاديق واضحة لما ندّعي.

إذن الإشكال على حاله فلا بدَّ من الجواب.

والجواب عنه:

إما بالتخصيص كما أجاب عنه المحقّق النراقي، ولم يقبله حيث قال: (فإنَّه كما لا إشكال في تخصيص سائر العمومات، حتى قيل: ما من عامٍّ إلاَّ وقد خُصَّ، فكذا هنا وإن كان جارياً في جميع التكاليف، مثل الزكاة والخمس والأنفاق وأمثالها وقلنا بكونها ضرراً، ولكن هذا التخصيص الكثير... بعيدٌ غاية البُعد )(٢) .

ومقصوده أنَّ الأدلة التي دلّت على نفي العسر والحرج بإطلاقها أو

____________________

(١) انظر: المراغي، العناوين الفقهية، ج ١، ٢٩٠.

(٢) النراقي، عوائد الأيام، ص ٦٣.

٥٢

عمومها مُخصصَّة، أو مقيدة بأدلّة أخرى على وجود أحكام فيها عسر وحرج، وليس المقصود من الأدلة أنَّ الدين بكلّيته لا عسر فيه ولا حرج، بل المقصود أن أكثره كذلك، وهذا لا ينافي وجود عسر وحرج في بعض التكاليف.

وقد اِختار هذا المحقّقُ جواباً غير المتقدّم قائلاً: (والحاصل أنا نقول: إنَّ المراد أنَّ الله تعالى لا يريد بعباده العسر والحرج والضرر، إلاّ من جهة التكاليف الثابتة بحسب متعارف الأوساط وهم الأغلبون، فالباقي منفي، سواء لم يثبت أصله أصلاً، أو يثبت، ولكن على نهجٍ لا يستلزم هذهِ الزيادة )(١) .

أو الجواب عنه: بأنّ التكاليف الشاقّة ظاهراً الموجودة في شريعتنا ترتفع مشقتها بما وعد الله عباده من الأجر الجميل، والثواب الجزيل (٢) .

ومقصوده:

أنَّ أمثال هذهِ التكاليف كأمثال صعود الجبال بأجرةٍ عالية ووعد جميل، فأنَّ مثل هذا العمل الشاق يصير سهلاً يسيراً لوجود العوض الخطير في قباله، ويؤيّدُ هذا المعنى ما رُوي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (من أنَّ امرأة حضرت عند الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فقالت: إنَّ لي والدة ضعيفة، وقد عَسُر عليها في أمر صلاتها شيء، وقد بعثتني إليكِ أسألُكِ فأجابتها فاطمة الزهراء(عليها السلام) عن ذلك، ثم ثنّت فأجابت، ثم ثلّثت [فأجابت] إلى أن عشّرت فأجابت، ثم خجلت من

____________________

(١) المصدر نفسه، ص ٦١.

(٢) المصدر نفسه، ص ١٩٠.

٥٣

الكثرة، فقالت فاطمة الزهراء(عليها السلام): هاتي وسلي عمّا بدا لك، أرأيتِ من أكترى يوماً يصعد إلى سطحٍ بحملٍ ثقيل، وكراؤه مائة ألف ديناراً أيثقل عليه؟ فقالت: لا، فقالت: أكتريت أنا لكلِّ مسألةٍ بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرشِ لؤلواً، فأحرى أن لا يثقل عليَّ... ) الخبر(١) .

فالرواية صريحة بأنَّ الذي خفّف الحمل والمشقة والعسر إنّما هو الأجر المترتب عليه، وما أوعد المكلف به، فهكذا الأمر هنا.

أو يجاب عنه:

بأنَّ أدّلة قاعدة نفي الحرج حاكمة على غيرها من أدلّة الاحتياط؛ لأنَّ أدلّة نفي الحرج أو الضرر ليس نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، على ما ذكره صاحب الكفاية(٢) ، بل لسانها نفي نفس الحكم الضرري، ونفي نفس الحكم الحرجي في الشريعة، وهذا المعنى هو الظاهر من أدلّة نفي الحرج والضرر، بقرينة ما في بعض الروايات من أنَّه: لا ضرر في الإسلام أو في الدين، فإنَّه ظاهر في نفي تشريع الحكم الضرري في دين الإسلام. وذهب إلى هذا الرأي الشيخ الأعظم الأنصاري(قدس سره)(٣) ، وتبعه على ذلك السيّد الخوئي (قدس سره)(٤) .

____________________

(١) الحر العاملي، الفصول المهمة في أُصول الأئمة، ج ١، ص ٦٠٠، ح ٥.

(٢) الآخوند الخراساني، كفاية الأصول،ص٧٢، ص٣١٣.

(٣) الشيخ الأنصاري، فرائد الأصول، ج ١، ص ٤٠٨.

(٤) السيد الخوئي، مصباح الأصول، ج ٢، ص ٢٢٨- ٢٣١.

٥٤

والإنصاف:

إنَّ ما ذهب إليه العلمان - الشيخ الأعظم والسيّد الخوئي (رحمهما الله) - هو الأنسب للسان الأدلة.

والخلاصة:

أنَّ كُلَّ حكمٍ يلزم من امتثاله العسر والحرج يكون مرفوعاً في الشريعة الإسلامية، بل غير مجعول من أساسه.

ومن هنا تتضح لنا العلاقة بين الوسطيّة وسماحة الشريعة؛ وذلك لأنَّ الدين يُسرٌ - كما تقدّم - واليُسر من الأمور ما كان بين حديِّ الإفراط والتفريط، أو هو الخفيف الليّن، أو الواسع(١) ، أو ما يكون نقيض العسر، أو ضده(٢) .

وقال ابن الأثير: ((يسر) فيه (إنَّ هذا الدين يسر): ضد العسر. أراد أنَّه سهل سمح قليل التشديد )(٣) .

واليسر هو الوسط، فالدين وسط، والأمة وسط، كما نطق به القرآن الكريم:( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (٤) .

____________________

(١) الخليل الفراهيدي، كتاب العين، ج ٧، ص ٢٩٥ - ٢٩٦.

(٢) الجوهري، الصحاح، ح٢، ص ٨٥٧.

(٣) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج ٥، ص ٢٩٥.

(٤) البقرة/ ١٤٣.

٥٥

٥٦

الفصل الثالث: الأدلة على الوسطيّة

* الدليل الأول: القرآن الكريم

* الدليل الثاني: السنة الشريفة

* الدليل الثالث: الاستقراء

٥٧

٥٨

الفصل الثالث:الأدلة على سلوك الشارع طريقة الوسطيّة

وأمّا الأدلة على أن الشارع سلك الوسطيّة في الأحكام والآداب، فيمكن الاستدلال عليه:

الدليل الأول: الكتاب الكريم

وقد استدل بآياتٍ كثيرة، منها:

الآية الأولى:

وهي قوله تعالى:( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً لِّتكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيكُونُ الرَّسول عَليكُم شَهيداً ) (١) .

ومفاد هذه الآية - كما في كثير من تفاسير الفريقين، وهو ما سنوافيك بنقل آراء البعض منهم - أنّ الله سبحانه وتعالى جعل الأمّة الإسلاميّة أمّة وسطاً بين اليهود والنصارى، أو وسطاً بمعنى عدلاً بين الإفراط والتفريط في الأمور، وليس المقصود فيها أن يكون كُلُّ واحدٍ من أفرادها موصوفاً بالعدالة؛ لأنّ واقع الأمر والموجود في الخارج يكذّب هذا المعنى، ومَن

____________________

(١) البقرة/ ١٤٣.

٥٩

الّذي يلتزم بأنّ كل فردٍ من أفراد الصحابة (كان خير أمةٍ أخرجت للناس)( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً ) ، أي عدلاً، ومن يلتزم بهذا؟!

إذن لا علاقة للآية المباركة بالأفراد، وإنّما المقصود منها مجموع الأمّة من حيث المجموع(١) ، ومن هنا يبطل الاستدلال بها على عدالة الصحابة، كما عن غير واحد من علماء الجمهور(٢) .

وينحصر الاستدلال بها على مجموع الأمّة بالنسبة إلى الأمّم السابقة، وهذا الوصف مستمر إلى يوم القيامة، فالآية الكريمة جعلت المسلمين أُمّةً وسطاً، وهذهِ الوسطيّة والعدليّة ممتدةٌ مع امتداد الأُمّة الإسلاميّة في كُلِّ عصرٍ وزمان، فالأمّة الإسلاميّة في مراحل لاحقة هي أمّة وسط في عقيدتها وشريعتها وتطبيقها للمنهج الإسلامي.

وفي مرحلتنا الراهنة، حينما نقول: إنّ الأمّة الإسلاميّة أمّة وسطاً، وأمّة عادلة، يصح إذا كان المقصود مجموع الأمّة، أمّا سراية الوسطيّة والعدليّة للأفراد فرداً فرداً فلا يصح(٣) .

وهذا الرأي ليس من مختصّات المذهب الإمامي، بل هناك مَن ذهب إليه من علماء الجمهور، فقد قال ابن زمنين في تفسيره:( أُمّة وسطاً ) :أي: عدلاً،

____________________

(١) اُنظر: الميلاني، عليّ، الصحابة في القرآن والسنة والتاريخ، ص٣١ - ٣٢.

(٢) اُنظر: الكاشاني، أبو بكر، بدائع الصنائع، ج٦، ص٢٧٠.

(٣) اُنظر: الميلاني، الصحابة في القرآن والسنة والتاريخ، ص٣٠.

٦٠