كمال الدين وتمام النعمة

كمال الدين وتمام النعمة8%

كمال الدين وتمام النعمة مؤلف:
المحقق: علي أكبر الغفاري
الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة
تصنيف: الإمام المهدي عجّل الله فرجه الشريف
الصفحات: 686

كمال الدين وتمام النعمة المقدمة
  • البداية
  • السابق
  • 686 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 143207 / تحميل: 8005
الحجم الحجم الحجم
كمال الدين وتمام النعمة

كمال الدين وتمام النعمة

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

على حقيقتها ـ ومن أوتى ذلك عرف الفرق بين وعد الرّحمن ووعد الشيطان ، وعضّ على الأول بالنواجذ وطرح الثاني وراءه ظهريا.

وقد فسر حبر الأمة عبد الله بن عباس الحكمة بالفقه في القرآن أي معرفة ما فيه من الهدى والأحكام بأسراره وحكمه ، ومن فقه ما ورد في الإنفاق وفوائده وآدابه من الآيات ـ لا يكون وعد الشيطان له الفقر وأمره إياه بالبخل مانعا له من البذل والإنفاق.

والآية الكريمة رافعة شأن الحكمة بأوسع مالها من المعاني ، وهادية إلى استعمال العقل في أشرف ما خلق له.

( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) أي ومن يوفقه الله لهذا النوع النافع من العلم ، ويرشده إلى هداية العقل ، ووجيهه الوجهة الصحيحة ـ فقد هدى إلى خيرى الدنيا والآخرة ، فهو يسخر القوى التي خلقها الله له من سمع وبصر وشعور ووجدان في النافع من الأشياء ، ويعدّها لتنفيذ ما يرغب فيه ، ثم بعدئذ يفوض الأمر إلى بارئه الذي فطره وسوّاه ، ومنه مبدؤه وإليه منتهاه ، وبهذا لا يستسلم لوساوس الشيطان ، ولا يقض مضجعه ما يجده من مكدرات الحياة وآلامها ، ولا ما تسوقه إليه من محنها وأرزائها ، اعتقادا منه أن كل شىء بقضاء الله وقدره ، وبهذا يستريح باله ، وتهدأ ثائرته ، ويجد في قلبه بردا وسلاما لمزعجات الليالى والأيام.

( وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ) أي ولا يتعظ بالعلم ويتأثر به ، ويجعل الإرادة مصرفة له ، خاضعة لمشيئته ، إلا ذوو العقول السليمة ، والنفوس التي تغوص في بحر الحقائق ، وتستخرج منها ما هو نافع في هذه الحياة ، وبه سعادتها ، وتجعله سلما ترقى به في معارج الفلاح لتصل به إلى خير العقبى ـ حشرنا الله في زمرة أولئك

٤١

( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (270) )

تفسير المفردات

النذر في اللغة : العزم على التزام شىء خاص فعلا أو تركا. وفي الشرع التزام طاعة تقربا إلى الله تعالى ، والظلم : وضع الشيء في غير موضعه.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه تعالى حكم النفقة والبذل في سبيله ـ عمم الحكم هنا في كل نفقة ، سواء أكانت في طاعة أم في معصية ، وبين أن الله عليم بها ومجاز عليها.

إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، فعلينا أن نختار لأنفسنا أفضل ما نحب أن يعلمه ربنا عنا.

الإيضاح

( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ) في خير أو شر ، صادرة عن إخلاص أو عن رياء ، أتبعت بمنّ أو أذى أو لم تتبع بذلك ، سرا كانت أو علانية.

( أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ ) فى طاعة أو في معصبة فهو قسمان :

(1) نذر قربة وبرّ ، وهو ما قصد به التزام الطاعة قربة لله تعالى كأن ينذر بذل مقدار معين من المال ، أو صلاة نافلة ، كقوله إن شفى الله مريضى فلله علىّ أن أتصدق بكذا.

(2) نذر لجاج وغضب ، وهو ما يقصد به حث النفس على شىء أو منعها عنه ، كقولك إن كلمت فلانا فعلىّ كذا.

٤٢

واتفق الأئمة على وجوب الوفاء بالأول ، وهو مخير في الثاني بين الوفاء بما التزمه ، وكفارة يمين.

وكل هذا إن كان النذر في طاعة ، لأنه لا يتقرب إلى الله إلا بالطاعة ، فإن نذر فعل معصية جرم عليه فعله ، فقد أخرج النسائي عن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «النذر نذران ، فما كان من نذر في طاعة الله تعالى فذلك لله تعالى ، وفيه الوفاء ، وما كان من نذر في معصية الله تعالى فذلك للشيطان ، ولا وفاء فيه ، ويكفره ما كفر اليمين».

ومن نذر مباحا فعله ، لأن فسخ العزائم من ضعف الإرادة ، ومن ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم من نذرت أن تضرب بالدّف وتغنى يوم قدومه بالوفاء.

( فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ ) ويجازى عليه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وهذا ترغيب وترهيب ، ووعد ووعيد.

( وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) أي وما للذين ظلموا أنفسهم ولم يزكوها من رذيلة البخل ، أو من رذيلة المن والأذى ، وظلموا الفقراء والمساكين بمنع ما أوجبه الله لهم وظلموا الأمة بترك الإنفاق في مصالحها العامة ـ من أنصار لهم ينصرونهم يوم الجزاء ، فيدفعون عنهم بجاههم أو بمالهم ، وهذا كقوله : «ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ».

وفي هذا عبرة أيّما عبرة لأولئك الباخلين بمالهم من المسلمين على المصالح العامة التي فيها خير للأمة ، وفيها سعادتها وعزها ، فالمال هو قطب الرحى ، وعليه تدور مصالح الأمم في هذا العصر عصر المال ، ومن ثم تدهورت الأمم الإسلامية وصارت في أخريات الأمم مدنية ورقيّا وحضارة وتقدما ، وفشا الجهل بين أفرادها ، وأصبحت في فقر مدقع ، وقد كان في مكنتهم أن ينشلوها من وهدتها ، ويرفعوها من الحضيض الذي وصلت إليه يبذل شيء من المال الذي يعود عليهم وعلى أمتهم بالخير العميم ، والفضل الكبير ، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

٤٣

( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) )

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه أن الله يعلم ما تنفقون ويجازيكم عليه إن خيرا وإن شرا ـ بيّن هنا سبيل إعطاء الصدقات ، وما يتبع في ذلك من السر والعلانية ، وأيهما الأفضل.

الإيضاح

( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) أي إن تظهروا الصدقات فنعم عملا إظهارها ، لما فيه من الأسوة الحسنة ، فيقتدى بالمتصدق كثير من الناس ، ولأن الصدقة من شعائر الإسلام التي لو أخفيت لتوهم منعها.

( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) أي وإن تعطوها الفقراء خفية فهو أفضل ، لما في ذلك من البعد عن شبهة الرياء ، ولما دلت عليه الآثار والأحاديث ، أخرج أحمد عن أبي أمامة «أن أباذر قال : يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال : صدقة سرّ إلى فقير ، أو جهد من مقلّ ثم قرأ الآية». وروى الطبراني مرفوعا «إن صدقة السر تطفئ غضب الرب» وروى البخاري : إن من السبعة الذين يظلّهم الله في ظله يوم القيامة ، إذ لا ظل إلا ظله «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».

وعن ابن عباس رضي الله عنهما : صدقة السر في التطوع نفضل على علانيتها سبعين ضعفا ، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمس وعشرين ضعفا ، وهكذا الحكم في جميع الفرائض والتطوع.

وقال أكثر العلماء : إن أفضلية السر على العلانية إنما هى في التطوع

٤٤

لا في الفريضة ، فإن إظهارها أفضل لإظهار شعيرة من شعائر الدين ، وقوة الدين بإظهار شعائره ، ولما في ذلك من القدوة الحسنة ، ولأن احتمال الرياء بعيد في أداء الفرائض ، بل قالوا أيضا : إن الإظهار أفضل لمن يرجو اقتداء الناس به في صدقته ولو كانت تطوعا.

والمخلص في صدقته لا يعسر عليه حين الصدقة في المصالح العامة ـ أن يجمع بين إخفاء الصدقة الذي يسلم به من منازعة الرياء ، وبين إبدائها الذي يكون مدعاة للأسوة والاقتداء ، بأن يرسل حوالة مالية لجمعية خيرية ولا يذكر لها اسمه أو يذكره لرئيسها أو أمين صندوقها فحسب ، وقد جرت عادة الجميعات أن تشيد بمثل هذه الصدقة بلسان أعضائها أو بلسان الجرائد والمجلات ونحوها ، وذلك أوسع طرق الشهرة وأبعدها مدى في عصرنا.

وقد فهم من قوله (الفقراء) ولم يقل فقراءكم أعنى المسلمين ـ أن صدقة التطوع تعطى للمسلم والكافر والبر والفاجر ، لأن الله كتب الرحمة والإحسان في كل شىء فقد ورد في الصحيحين : «فى كل ذى كبد حرّى أجر» أي في جميع الأحياء وتمنع الزكاة التي هى أحد أركان الإسلام عن الكافر. ومثلها زكاة الفطر.

كما فهم من التصريح به أن الإخفاء مظنة الالتباس والاشتباه ، إذ يدعى الغنىّ الفقر ، ويقدم على قبول الصدقة سرا ولا يفعل ذلك عند الناس ، فعلينا أن نجزى ونعطى الفقراء حقا لا مدعى الفقر.

( وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ ) أي ويمحو عنكم بعض ذنوبكم ، لأن الصدقة لا تكفر جميع الذنوب.

( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) أي فما تفعلونه في صدقاتكم من الإسرار والإعلان ، فالله خبير به ، عليم بأمره ، ومجازيكم عليه ، وفي هذا ترغيب في إعطاء الصدقات سرا.

٤٥

وقد روى أنه لما نزل قوله( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ) الآية قالوا يا رسول الله : أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت الآية( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ ... ) إلى آخرها.

( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) )

تفسير المفردات

الهدى ضربان : هدى التوفيق إلى طريق الخير والسعادة ، وهو على الله تعالى ، وهدى الدلالة والإرشاد إلى الخير وهو على النبي صلى الله عليه وسلم ، وابتغاء وجه الله طلب مرضاته ، أحصروا منعوا وحبسوا في طاعته لغزو أو تعلم علم ، ضربا في الأرض أي سيرا فيها للكسب والتجارة ، والتعفف إظهار العفة وهى ترك الطلب ومنع النفس مما تريد ، والسيما العلامة التي يعرف بها الشيء ، وإلحافا أي إلحاحا وهو أن يلازم السائل المسئول حتى يعطيه.

المعنى الجملي

بعد أن أرشد في الآية السابقة إلى إيتاء الصدقات للفقراء عامة مسلمين وغيرهم ، بين هنا أنه لا ينبغى التحرج من إعطاء الفقير غير المسلم الصدقة لكفره ، لأن الصدقة لسد خلّته ، ولا دخل لها بإيمانه ، إذ من شأن المؤمن أن يكون خيره عاما ، وأن يسبق سائر الناس بالفضل والجود

٤٦

أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا ألا نتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية.

وأخرج ابن جرير وغيره أن ناسا من الأنصار لهم صهر وقرابة من المشركين ، كانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم ، ويريدونهم أن يسلموا فنزلت الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تصدّقوا إلا على أهل دينكم» فأنزل الله تعالى( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ) الآية.

الإيضاح

( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ) أي لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين ، إن أنت إلا بشير ونذير ، وما عليك إلا الإرشاد والحث على الفضائل والنهى عن الرذائل كالمنّ والأذى وإنفاق الخبيث.

( وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) أي إن أمر الناس في الاهتداء مفوّض إلى ربهم ، بما وضعه لسير عقوبهم وقلوبهم من السنن ، فهو الذي يوفقهم إلى النظر الصحيح الذي يكون من ثمرته العمل الموصل إلى سعادتهم.

( وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ) أي وما تنفقوا من خير فنفعه عائد إليكم فى الدنيا والآخرة.

أما في الدنيا فلأنه يكفّ شر الفقراء ويدفع عنكم أذاهم ، فإن الفقراء إذا ضاقت بهم الحال وحزبهم الأمر تألبوا على الأغنياء وسلبوهم ونهبوا أموالهم وآذوهم على قدر ما يستطيعون ، ثم سرى شرهم إلى غيرهم ، فتختل نظم المجتمع ، ويفقد الأمن فى الأمة.

وأما في الآخرة فلأن ثوابه لكم ، ونفعه الديني راجع إليكم لا للفقراء ، فلا تمنعوا الإنفاق على فقراء المشركين.

( وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ ) أي إنكم لا تنفقون لأجل جاه ولا مكانة

٤٧

عند المنفق عليه ، وإنما تنفقون لوجه الله ، فلا فرق بين فقير وفقير إذا كان مستحقّا يتقرب بإزالة ضرورته إلى الرزّاق الكريم الذي لم يحرم أحدا من رزقه لأجل عقيدته ، وهذا كقوله : «كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ».

( وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) أي يوف إليكم في الآخرة لا تنقصون منه شيئا ، فأنتم على استفادتكم من الإنفاق في رقىّ أنفسكم ، وتثبيتها في مقامات الإيمان والإحسان ، وإرادة وجه الله وابتغاء مرضاته ـ لا يضيع عليكم ما تنفقون ، بل توفونه ولا تظلمون منه شيئا.

وفي هذا إرشاد من الله لعباده أن يكملوا أنفسهم ، ويبتغوا أن يراهم الله كملة يعملون الحسن لأنه حسن تتحقق به حكمته ، وتقوم به سنته في صلاح البشر.

ثم بين أحق الناس بالصدقة فقال :

( لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ) أي اجعلوا ما تنفقون للذين ذكر الله صفاتهم الخمس التي هى من أجلّ الأوصاف قدرا :

(1) الإحصار في سبيل الله ، والمراد به حبس النفس للجهاد أو العمل في مرضاة الله ، إذ هم لو اشتغلوا بالكسب لتعطلت المصلحة العامة التي أحصروا فيها ، وحبسوا أنفسهم لها ، وتجب نفقتهم في بيت المال ، ومنه الإحصار لتعلم الفنون العسكرية فى العصر الحديث ، فإن حبس الشخص نفسه في الأعمال المشروعة التي تقوم بها المصالح العامة كالجهاد وطلب العلم ، وكان يستطيع الكسب في أوقات فراغه لم يحلّ له الأخذ من الصدقة.

(2) العجز عن الكسب والضرب في الأرض للتجارة ونحوها بسبب المرض أو الخوف من العدو ، وهذا هو المقصود بقوله :( لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ ) .

٤٨

(3) التعفف والمبالغة في التنزه عن الطمع مما في أيدى الناس ، فإذا رآهم الجاهل بحقيقة حالهم ظنهم أغنياء ، وهذا ما عناه سبحانه بقوله :( يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ) .

(4) أن لهم سيما خاصة تترك معرفتها إلى فراسة المؤمن الذي يتحرى بالإنفاق أهل الاستحقاق إذ صاحب الحاجة لا يخفى على المتفرس مهما تستر وتعفف ، ولا يختص ذلك بخشوع وتواضع ، ولا برثاثة في الثياب ، فربّ سائل يأتيك خاشع الطرف والصوت رثّ الثياب ، تعرف من سيماه أنه غنى وهو يسأل الناس تكثرا ، وكم رجل يقابلك بطلاقة وجه ، وحسن بزّة فتحكم عليه في لحن قوله ، وأمارات وجهه أنه فقير عزيز النفس ، وهذا ما أشار إليه بقوله :( تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ ) .

(5) ألا يسألوا الناس شيئا مما في أيديهم سؤال إلحاح كما هو شأن الشحاذين وأهل الكدية ، وقد يكون المعنى ـ أنهم لا يسألون أحدا شيئا لا سؤال إلحاف ولا سؤال رفق واستعطاف.

أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ، ترده اللقمة واللقمتان ، والتمرة والتمرتان ، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن له فيتصدق عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس».

والسؤال محرم لغير ضرورة ، روى أبو داود والترمذي من حديث عبد الله ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا تحلّ الصدقة لغنىّ ولا لذى مرّة سوىّ» والمرة بكسر الميم القوة ، والسوىّ هو السليم الأعضاء ، والمراد به القادر على الكسب.

وروى أحمد وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم ، قالوا يا رسول الله وما يغنيه؟ قال : ما يغدّيه أو يعشّيه».

٤٩

وروى أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا ، فليستقلّ منه أو ليستكثر».

وروى أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدّق منه ويستغنى به عن الناس ، خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه».

فمن يعلم أنه يسأل لنفسه تكثرا كالشحاذين الذين جعلوا السؤال حرفة وهم قادرون على العمل ـ لا يعطي شيئا ، فقد رأى عمر رضى الله عنه سائلا يحمل جرابا فأمر أن ينظر فيه فإذا هو خبز ، فأمر أن يؤخذ منه ويلقى إلى إبل الصدقة.

وقد روى أن هذه الآية نزلت في أهل الصّفة وهم أربعمائة من فقراء المهاجرين رصدوا أنفسهم لحفظ القرآن الكريم والجهاد في سبيل الله ، ولم يكن لأكثرهم مأوى ، لذلك كانوا يقيمون في صفّة المسجد (موضع منه مظلّ) وقد هاجروا بدينهم وتركوا أموالهم فحيل بينهم وبينها ، فهم محصورون في سبيل الله بهذه الهجرة ، ومحصورون بحبس أنفسهم على حفظ القرآن.

وقد كان حفظه حينئذ من أفضل العبادات على الإطلاق ، لأنهم ما كانوا يحفظونه إلا للفهم والاهتداء والعمل به ، وحفظ الدين بحفظه ، وكانوا يحفظون بيان النبي صلى الله عليه وسلم له بسنته القولية وسنته العملية.

وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوما على أصحاب الصفة ، فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال : «أبشروا يا أصحاب الصفة ، فمن بقي من أمتى على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفقائى».

ولا يحل لأهل التكايا ومشايخ الطرق أن يأكلوا أموال الناس ، لأنهم لم ينقطعوا لتعلم علم ولا غزو في سبيل الله ، بل قصارى أمر الأولين أن يأكلوا الصدقات والأوقاف ليعبدوا الله في هذه التكايا ، فهى لهم كالأديار للنصاري وهم فيها كالرهبان ، وإن كان بعضهم قد يتزوج.

٥٠

وكذلك مشايخ الطرق الذين ينزلون بجماعتهم بلدا بعد آخر ، ويكلفون من يستضيفونه الذبائح والشيء الكثير من الطعام ، ثم لا يخرجون إلا مثقلين بالمال والهدايا ، بل قد يسلبون وينهبون باسم الدين وفي معرض الكرامات ، فهؤلاء الأوغاد يشبهون أنفسهم بأهل الصفة ، ويزعمون أن لأكلهم أموال الناس بالباطل ـ أصلا في الكتاب والسنة «كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلّا كذبا».

( وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ) فلا يخفى عليه حسن النية والإخلاص له فى العمل ، ولا تحرى النفع به وإيتاؤه أحق الناس به ، فهو يجازى عليه بحسب هذا.

ولا يخفى ما في هذا من الترغيب في الإنفاق ، ولا سيما على مثل هؤلاء الذين تقدم ذكرهم.

( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) )

المعنى الجملي

بعد أن رغب سبحانه في الآيات السالفة في الإنفاق وبين فوائده للمنفقين والمنفق عليهم ، وللامة التي يتعاون أفرادها ويكفل أقوياؤها ضعفاءها ، وأغنياؤها فقراءها ، ويقوم فيها القادرون بالمصالح العامة التي تجعل الأمة عزيزة الجانب محوطة بالكرامة فى أعين الأمم الأخرى ، كما بين آداب النفقة والمستحقين لها ، وأحق الناس بها إلى نحو من هذا.

بين هنا فضيلة الإنفاق في جميع الأوقات والأحوال ومضاعفة الأجر على ذلك.

الإيضاح

المعنى ـ إن الذين ينفقون أموالهم في جميع الأزمنة وفي سائر الأحوال ، ولا يحجمون عن البذل إذا لاح لهم وجه الحاجة إلى ذلك ، لهم ثوابهم عند ربهم

٥١

فى خزائن فضله ، ولا خوف عليهم حين يخاف الباخلون من تبعة بخلهم بالمال وحبسه حين الحاجة إلى بذله في سبيل الله ، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من صالح العمل الذي يرجون به ثواب الله.

ذاك أن نفوسهم قد سمت وبلغت حدا من الكمال لم يبق لسلطان المال معه موضع فى قلوبهم ، وأصبحت مرضاته الشغل الشاغل لهم ، فلا يستريح لهم بال إلا إذا سدوا خلّه محتاج أو آسوا جراح مكلوم ، أو أشبعوا بطن جائع ، أو جهزوا جيشا يسدّون به ثغرة فتحها عدو ، وهؤلاء هم المؤمنون حقا الذين يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا.

وإنما قدم الليل على النهار ، والسر على العلانية للإيماء إلى تفضيل صدقة السر على صدقة العلانية ، وجمع بين السر والعلانية للإيماء إلى أن لكل منهما موضعا تقتضيه المصلحة قد يفضل فيه سواه ، إذ الأوقات والأحوال لا تقصد لذاتها.

وقد روى أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق إذ أنفق أربعين ألف دينار ، عشرة بالليل وعشرة بالنهار ، وعشرة بالسر ، وعشرة بالعلانية.

وأخرج ابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس أنها نزلت في علىّ كرم الله وجهه كانت له أربعة دراهم فأنفق بالليل درهما ، وبالنهار درهما ، وسرا درهما ، وعلانية درهما ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما حملك على هذا؟ قال : حملنى أن أستوجب على الله الذي وعدنى ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن ذلك لك».

( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275)

٥٢

يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281))

تفسير المفردات

يأكلون : أي يأخذون ويتصرفون فيه بسائر أنواع التصرفات ، والربا لغة الزيادة يقال ربا الشيء يربو إذا زاد ، ومنه الرابية لما علا من الأرض فزاد على ما حوله ، والخبط : الضرب على غير اتساق ، يقال ناقة خبوط إذا وطئت الناس وضربت الأرض بقوائمها ، ويقال للرجل يتصرف في الأمور على غير هدى : هو يخبط خبط عشواء [العشواء الناقة الضعيفة البصر] والمسّ : الجنون ، يقال مسّ الرجل فهو ممسوس إذا جنّ ، والموعظة : العظة والزجر ، والمحق : نقص الشيء حالا بعد حال كمحاق القمر ، ويربى : يزيد ويضاعف ، لا يحب : أي لا يرتضى ، والكفار : المقيم على الكفر المعتاد له ، والأثيم : المنهمك في ارتكاب الآثام ، اتقوا الله : أي قوا أنفسكم عقابه ، وذروا : أي اتركوا ، فأذنوا : أي فاعلموا ، بحرب من الله : أي بغضب منه ، وحرب من رسوله بمعاملتكم معاملة البغاة وقتالكم بالفعل في عصره ، واعتباركم أعداء له في كل عصر ، لا تظلمون : أي لا تفعلون

٥٣

الظلم بغرمائكم بأخذ الزيادة ، ولا تظلمون بنقص شىء من رأس المال ، العسر : الإعسار ويكون بفقد المال أو كساد المتاع ، والنظرة : الانتظار ، والميسرة : اليسار والسعة.

المعنى الجملي

كان الكلام قبل هذا في آيات الصدقة ، والمتصدق يعطى المال من غير عوض ابتغاء وجه الله ـ وهنا ذكر الكلام على الربا لأن المرابى يأخذ المال بلا عوض يقابله.

وقبل أن نفسر الآيات الكريمة نشرح المقصود بكلمة الربا في الإسلام ونذكر ما كان معروفا منه عصر التنزيل ، وفيم يكون؟ حتى نتفهمه حق الفهم ، ثم نذكر بعدئذ أسرار النهي عنه في الإسلام.

الربا ضربان : ربا النسيئة ، وربا الفضل

فالأول : يكون بإقراض قدر معين من المال لزمن محدود كسنة أو شهر مع اشتراط الزيادة في نظير امتداد الأجل ، وهو المستعمل الآن في المصارف المالية ، وهو الذي نص القرآن الكريم على تحريمه ، وكان متعارفا في الجاهلية وقت التنزيل ، قال ابن جرير : إن الرجل كان يكون له على الرجل مال إلى أجل ، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه فيقول الذي عليه المال : أخر عنى دينك وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك ، فذلك هو الربا أضعافا مضاعفة ، فنهاهم الله عزّ وجل في إسلامهم عنه ا ه.

والتعامل بهذا النوع من الكبائر ، وقد ورد في الحديث «لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده»

والثاني : يكون في بيع الشيء بنظيره مع زيادة أحد العوضين على الآخر كأن يبيعه إردبا من القمح الهندي بثلاث عشرة كيلة من القمح البلدي ، أو أقة عنب مصرى بأقة وربع من عنب أزمير ، أو قنطارا من فحم انجلترا بقنطار ونصف من فحم إيطاليا وهكذا الحكم في جميع المكيلات والموزونات والنقدين (الذهب والفضة) لما جاء فى الخبر من قوله صلى الله عليه وسلم «لا تبيعوا الذهب بالذهب ، والورق بالورق

٥٤

(الفضة) والبرّ بالبرّ والتمر بالتمر ، والشعير بالشعير ، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين يدا بيد».

والتعامل به محرم أيضا لكنه أقل إثما من سابقه.

أسرار تحريم الربا

زعم كثير من المسلمين الذين ذهبوا إلى بلاد الغرب ، بلاد المدنية والحضارة ، ونهلوا من مناهل العلم هناك ، أن تحريم الربا في الإسلام هو العقبة الكئود في مجاراة الأمم الإسلامية للبلاد الغربية في الثروة التي هى مناط العزة والقوة في العصر الحديث ، ويحتجون بأن المسلمين ما منوا بالفقر وذهبت أموالهم إلى أيدى الأجانب إلا بتحريم الربا ، فإنهم لاحتياجهم إلى الأموال يأخذونها من الأجانب بالربا الفاحش ، ومن كان منهم غنيّا لا يعطى ماله بالربا ، فمال الفقير يذهب ، ومال الغنى لا ينمو ، وهم يريدون بذلك أن الدين قد وقف عقبة كاداء في أهم مسألة عمرانية اجتماعية.

وهذه حجة أوهى من بيت العنكبوت ، وأوهام يزينها لهم الشيطان لم يمحصوها حق التمحيص ، فإن المسلمين في هذا العصر لا يحكّمون الدين في شىء من أعمالهم ومكاسبهم ، إذ لو حكموه لما استعانوا بالربا ، ولما جعلوا أموالهم غنائم لغيرهم ، فإن كانوا تركوا الربا لأجل الدين ، فهل هم تركوا الصناعة والتجارة لأجل الدين؟ فالأمم جميعا قد سبقتنا إلى إتقان ذلك ، فلما ذا لانتقن سائر المكاسب لنعوّض على أنفسنا ما فاتنا من الكسب المحرم ، وديننا يدعونا إلى السبق في إتقان كل شىء؟.

وفي الحق أن المسلمين قد نبذوا الدين وراءهم ظهريا ، فلم يبق منه إلا تقاليد وعادات ورثوها من آبائهم وأجدادهم ، فالدين لم يكن عاثقا لهم عن الرقى ، بل هو خير الأديان في الدعوة إلى العمل ، والحث على الكسب كما قال تعالى : «فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ » وقال : «فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ ».

٥٥

فالأمة الإسلامية ما ارتفعت إلا بالدين ، وما سقطت بعد ما ارتفعت إلا بترك الدين مع الجهل بالسبب الذي أفضى بها إلى ذلك ، إلى أن صارت تجعل علة الرقى سببا فى الانحطاط ، فلو اتبعت حكوماتنا وأفرادنا أوامر الدين وتركت التعامل بالربا مع الأجانب لما ضاعت ثروتنا ، ولا ذهب ملكنا ، وكان الدين وحده هو العاصم لنا.

فالربا مسألة اجتماعية كبيرة اتفقت في حكمها الأديان الثلاثة : اليهودية والنصرانية والإسلام ، لكن اختلف فيها أهل الأديان. فاليهود كانوا يرابون غيرهم ، والنصارى يرابى بعضهم بعضا ويرابون سائر الناس ، والمسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة ردحا طويلا من الدهر ، ثم قلدوا غيرهم فيها ، ثم انتشرت بينهم في العصر الحديث فى أكثر الأقطار ، والسر في هذا أنهم قلدوا حكامهم في هذه السبيل ، بل كثيرا ما ألزم الحكام الرعية بالتعامل بالربا أداء للضرائب التي يفرضونها عليهم.

فالأديان لم تستطع أن تقاوم ميل الجماهير إلى أكل الربا حتى صار كأنه ضرورة يضطرون إليها.

ويمكن أن نلخص الأسباب التي لأجلها حرّم الدين الربا فيما يلى :

(1) إنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب الصحيحة كأنواع الحرف والصناعات ، لأن رب المال إذا تمكن بعقد الربا من إنماء ماله خف عليه الكسب وسهلت لديه أسباب العيش ، فيألف الكسل ، ويمقت العمل ، ويتجه همه إلى أخذ أموال الناس بالباطل ، وتزداد شراهته في الاستيلاء على كل ما يستطيع أن يبتزه من أموالهم ، فلا يرأف بفقير ، ولا يشفق على بائس ، ولا يرحم مسكينا ، وقد جرت عادة المرابين بأن يزداد طمعهم حين الأزمات كقحط في البلاد ، أو حروب تشتد فيها الحاجة إلى الأقوات ، فيضطر الفقراء إلى الاستدانة من هؤلاء الطغاة الذين يستنزفون دماءهم. ويستأثرون بالبقية الباقية من أموالهم.

(2) إنه يؤدى إلى العداوة والبغضاء والمشاحنات والخصومات ، إذ هو ينزع

٥٦

عاطفة التراحم من القلوب ، ويضيع المروءة ويذهب المعروف بين الناس ، ويحل القسوة محل الرحمة ، حتى إن الفقير ليموت جوعا ولا يجد من يجود عليه ليسد رمقه ، ومن جرّاء هذا منيت البلاد ذات الحضارة التي تعاملت بالربا بمشاكل اجتماعية ، فكثيرا ما تألب العمال وغيرهم على أصحاب الأموال ، وأضربوا عن العمل الفينة بعد الفينة ، والمرة بعد المرة.

ومنذ فشا الربا في البلاد المصرية ضعفت فيها عاطفة التعاون والتراحم ، وأصبح المرء لا يثق بأقرب الناس إليه ، ولا يقرضه إلا بمستند وشهود ، بعد أن كان المقرض يستوثق من المقترض ولو أجنبيّا عنه بألا يحدّث أحدا بأنه اقترض منه ، وما كان المقرض في حاجة في وصول حقه إليه إلى مطالبة بله محاكم ومقاضاة.

(3) إن الله جعل طريق التعامل بين الناس في معايشهم أن يستفيد كل منهم من الآخر في نظير عوض ، لكن في الربا أخذ مال بلا عوض ، وهذا نوع من الظلم لأن للمال حقا وحرمة فلا يجوز لغير مالكه الاستيلاء عليه قهرا بطريق غير مشروع. قال صلى الله عليه وسلم «حرمة مال الإنسان كحرمة دمه».

ولا ينبغى اعتبار القدر الزائد بسبب الربا عوضا من بقاء رأس المال في يد المدين زمنا لو كان فيه في يد الدائن لاستفاد منه بطريق وسائل الكسب كتجارة وزراعة ونحوها لأن هذا ربما لا يحصل ، وإن حصل فربما لا تتحقق الاستفادة ، أما أخذ الزائد في الربا فمتيقن ، ولا يجوز مقابلة المحتمل الحصول بالمؤكد المتيقن.

(4) إن عاقبته الخراب والدمار ، فكثيرا ما رأينا ناسا ذهبت أموالهم ، وخربت بيوتهم بأكلهم الربا ، وفي حديث ابن مسعود عند أحمد وابن ماجه وابن جرير «إن الربا وإن كثر فعاقبته تصير إلى قلّ».

والسر في هذا أن المقترضين يسهل عليهم أخذ المال من غير بدل حاضر ويزين لهم الشيطان إنفاقه في وجوه من الكماليات التي كان يمكن الاستغناء عنها ، ويغريهم

٥٧

بالمزيد من الاستدانة ، ولا يزال يزداد ثقل الدين على كواهلهم حتى يستغرق أموالهم ، فإذا حل الأجل لم يستطيعوا الوفاء وطلبوا التأجيل ، ولا يزالون يمطلون ويؤجلون والدين يزيد يوما بعد يوم حتى يستولى الدائنون قسرا على كل ما يملكون ، فيصبحون فقراء معدمين ، صدق الله( يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ) .

وهاكم نبذة من مقال للدكتور محمد عبد الله دراز عضو جماعة كبار العلماء ألقاه فى مؤتمر القانون الإسلامى في شهر يوليو سنة 1951 وقد جاء فيها : أن سنة القرآن فى معالجته للأمراض التي تأصلت في الشعوب وتوارثتها الأجيال ، خلفا عن سلف ألا يأخذها بالعنف والمفاجأة ، بل يتلطف في السير بها إلى الصلاح على مراحل حتى يصل إلى الغاية المرجوة.

فكلنا يعرف ما كان منه في شأن الخمر وأنه لم يبطله بجرة قلم ، بل لم يحرّمه تحريما كليا إلا في المرحلة الرابعة من الوحى ، أما المرحلة الأولى التي نزلت في مكة فإنها رسمت الوجهة التي سيسير فيها التشريع ، وأما المراحل الثلاث التي نزلت بالمدينة فكانت أشبه بسلم أولى درجاته بيان مجرد لآثار الخمر ، وأن إثمه أكبر من نفعه ، والدرجة الثانية تحريم جزئى له ، والثالثة تحريمه التحريم الكلى القاطع.

فهل يطيب لكم أن تدرسوا معى المنهج التدريجي الذي سلكه القرآن في مسألة الربا؟

إنه لمن جليل الفائدة أن نتابع هذا السير لنرى انطباقه التامّ على مسلكه في شأن الخمر ، لا في عدد مراحله فحسب ، بل حتى في أماكن نزول الوحى وفي الطابع الذي تتسم به كل مرحلة منها.

نعم ، فقد تناول القرآن حديث الربا في أربعة مواضع أيضا ، وكان أول موضع منها وحيا مكيّا والثلاثة الباقية مدنية ، وكان كل واحد من هذه التشريعات الأربعة متشابها تمام المشابهة لمقابله في حديث الخمر.

٥٨

ففى الآية المكية يقول الله جلت حكمته «وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله» هذه كما ترونها موعظة سلبية : أن الربا لا ثواب له عند الله ، نعم ولكنه لم يقل إن الله ادخر لآكله عقابا ، وهذا بالضبط نظير صنيعه في آية الخمر المكية (16 ـ 67) حيث أومأ برفق إلى أن ما يتخذ سكرا ليس من الرزق الحسن دون أن يقول إنه رجس واجب الاجتناب ، ومع ذلك فإن هذا التفريق في الأسلوب كان كافيا وحده في إيقاظ النفوس الحية ، وتنبيها إلى الجهة التي سيقع عليها اختيار المشرع الحكيم.

أما الموضع الثاني فكان درسا وعبرة قصها علينا القرآن من سيرة اليهود الذين حرم عليهم الربا فأكلوه وعاقبهم الله بمعصيتهم ، وواضح أن هذه العبرة لا تقع موقعها إلا إذا كان من ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين ، ولكنه حتى الآن تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنصّ الصريح ، ومهما يكن من أمر فإن هذا الأسلوب كان من شأنه أن يدع المسلمين في موقف ترقب وانتظار لنهى يوجه إليهم قصدا في هذا الشأن ، نظير ما وقع بعد المرحلة الثانية في الخمر (2 ـ 219) حيث استشرفت النفوس إذ ذاك إلى ورود نهى صريح ، وقد جاء هذا النهى بالفعل في المرحلة الثالثة ، ولكنه لم يكن إلا نهيا جزئيا في أوقات الصلاة (4 ـ 43).

وكذلك لم يجىء النهى الصريح عن الربا إلا في المرتبة الثالثة ، وكذلك لم يكن إلا نهيا جزئيا عن الربا الفاحش الربا الذي يتزايد حتى يصير أضعافا مضاعفة (2 ـ 130) وأخيرا وردت الحلقة الرابعة التي ختم بها التشريع في الربا ، بل ختم بها التشريع القرآنى كله على ما صح عن ابن عباس ، وفيها النهى الحاسم عن كل ما يزيد على رأس ما الدين حيث يقول الله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ، وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ. وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ،

٥٩

وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » (2 ـ 278 ـ 281).

هذه أيها السادة والسيدات نصوص التشريع القرآني في الربا مرتبة على حسب تسلسلها التأريخي.

وإنكم لترون الآن أن الفئة التي تزعم أن الإسلام يفرق بين الربا الفاحش وغيره (وهى الفئة من المتعلمين الذين ليس لهم رسوخ قدم في علوم القرآن) لم تكتف بأنها خالفت إجماع علماء المسلمين في كل العصور ، ولا بأنها عكست الوضع المنطقي المعقول حيث جعلت التشريع الإسلامى بعد أن تقدم إلى نهاية الطريق في إتمام مكارم الأخلاق يرجع على أعقابه ويتدلى إلى وضع غير كريم ، بل إنها قلبت الوضع التأريخي إذا اعتبرت النص الثالث مرحلة نهائية ، بينما هو لم يكن إلا خطوة انتقالية في التشريع لم يختلف فى ذلك محدّث ولا مفسّر ولا فقيه.

على أنا لو فرضنا المحال ووقفنا معهم عند هذا النص الثالث ، فهل نجد فيه ربحا لقضيتهم في التفرقة بين الربا الذي يقل عن رأس المال ، والربا الذي يزيد عليه أو يساويه؟ كلا ، فإنه قبل كل شىء لا دليل في الآية على أن كلمة الإضعاف شرط لا بد منه في التحريم ، إذ من الجائز أن يكون ذلك عناية بذم نوع من الربا الفاحش الذي بلغ مبلغا فاضحا في الشذوذ عن المعاملات الإنسانية من غير قصد إلى تسويغ الأحوال المسكوت عنها التي تقلّ عنها في الشذوذ. ومن جهة أخرى فإن قواعد العربية تجعل كلمة «أضعافا» فى الآية وصفا للربا لا لرأس المال كما قد يفهم من تفسير هؤلاء الباحثين ، ولو كان الأمر كما زعموا لكان القرآن لا يحرم من الربا إلا ما بلغ 600 خ من رأس المال. بينما لو طبقنا القاعدة العربية على وجهها لتغير المعنى تغيرا تاما بحيث لو افترضنا ربحا قدره واحد في الألف أو المليون لصار بذلك عملا محظورا غير مشروع بمقتضى النص الذي يتمسكون به.

٦٠

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

أبي الحسن صاحب العسكرعليه‌السلام أسأله عن الفرج، فكتب إليَّ: إذا غاب صاحبكم عن دار الظالمين فتوقّعوا الفرج

٤ - حدّثنا أبيرضي‌الله‌عنه قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثنا محمّد ابن عبد الله بن أبي غانم القزوينيُّ قال: حدّثني إبراهيم بن محمّد بن فارس قال: كنت أنا [ ونوح ] وأيوب بن نوح في طريق مكّة فنزلنا على وادي زبالة فجلسنا نتحدَّث فجرى ذكر ما نحن فيه وبعد الامر علينا فقال أيّوب بن نوح: كتبت في هذه السنة أذكر شيئاً من هذا، فكتب إليَّ: إذا رفع علمكم(١) من بين أظهركم فتوقّعوا الفرج من تحت أقدامكم(٢) .

٥ - حدّثنا محمّد بن الحسنرضي‌الله‌عنه قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله قال: حدَّثنا أبو جعفر محمّد بن أحمد العلويُّ، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفريِّ قال: سمعت أبا الحسن صاحب العسكرعليه‌السلام يقول: الخلف من بعدي ابني الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ فقلت: ولم جعلني الله فداك؟ فقال: لانكم لا ترون شخصه ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه، قلت: فكيف نذكره؟ قال: قولوا: الحجّة من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٦ - حدّثنا أبي؛ ومحمّد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله

____________

(١) « علمكم » اما بالتحريك أي من يعلم به سبيل الحق، أو بالكسر يعني صاحب علمكم.

(٢) قال العلامة المجلسيرحمه‌الله : « توقع الفرج من تحت الاقدام كناية عن قربه وتيسر حصوله، فإنَّ من كانت قدماه على شيء فهو أقرب الاشياء به ويأخذه إذا رفعهما، فعلى الاولين المعنى أنَّه لابدّ أن تكونوا في تلك الازمان متوقعين للفرج كذلك غير آيسين منه. ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من ظهور الامام أي يحصل لكم فرج اما بالموت والوصول إلى رحمة الله، أو ظهور الامام، أو رفع شر الاعادي بفضل الله. وعلى الوجه الثالث الكلام محمول على ظاهره فانه إذا تمت جهالة الخلق وضلالتهم لابدّ من ظهور الامامعليه‌السلام كما دلت الأخبار وعادة الله في الامم الماضية عليه ».

٣٨١

قال: حدّثني الحسن بن موسى الخشّاب، عن إسحاق بن محمّد بن أيّوب قال: سمعت أبا الحسن عليَّ بن محمّد [ بن عليِّ بن موسى ]عليهم‌السلام يقول: صاحب هذا الامر من يقول النّاس: لم يولد بعد(١) .

٧ - وحدّثنا بهذا الحديث محمّد بن إبراهيم بن إسحاق، عن محمّد بن معقل، عن جعفر بن محمّد بن مالك، عن إسحاق بن محمّد بن أيّوب، عن أبي الحسن عليِّ بن محمّدعليهما‌السلام أنَّه قال: صاحب هذا الامر من يقول النّاس: إنَّه لم يولد بعد.

٨ - حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفررضي‌الله‌عنه قال: حدّثنا عليُّ بن إبراهيم عن أبيه، عن عليِّ بن صدقة، عن عليِّ بن عبد الغفّار قال: لمّا مات أبو جعفر الثانيعليه‌السلام كتبت الشيعة إلى أبي الحسن صاحب العسكرعليه‌السلام يسألونه عن الامر، فكتبعليه‌السلام : الامر لي ما دمت حيّاً، فإذا نزلت بي مقادير الله عزَّ وجلَّ آتاكم الله الخلف منّي وأنّى لكم بالخلف بعد الخلف.

٩ - حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيُّرضي‌الله‌عنه قال: حدّثنا عليُّ بن - إبراهيم قال: حدّثني عبد الله بن أحمد الموصليُّ، عن الصقر بن أبي دلف قال: لمّا حمل المتوكّل سيّدنا أبي الحسنعليه‌السلام جئت لاسأل عن خبره قال: فنظر إليَّ حاجب المتوكّل(٢) فأمر أن أدخل إليه فأدخلت إليه، فقال: يا صقر ما شأنك؟ فقلت: خير أيّها الاستاذ فقال: اقعد، قال الصقر: فأخذني ما تقدَّم وما تأخّر(٣) وقلت: أخطأت في المجييء قال:

__________________

(١) تقدَّم الخبر في باب ما روى عن موسى بن جعفرعليهما‌السلام ص ٣٦٠.

(٢) في معاني الأخبار « فنظر إلى الرازقي وكان حاجباً للمتوكل واومأ إلى أن ادخل ».

(٣) كذا في جميع النسخ المخطوطة عندي وفي الخصال والمعاني أيضاً وفي المطبوع « فأخذ فيما تقدَّم وما تأخر ». وعليه فالمعنى اما أخذ بالسؤال عمّا تقدَّم وعما تأخر من الأُمور المختلفة لاستعلام حالي وسبب مجيئي، فلذا ندم على الذهاب إليه لئلّا يطلع على حاله ومذهبه، أو الموصول فاعل « أخذني » بتقدير أي اخذني التفكر فيما تقدَّم من الأُمور من ظنه التشبع بي وفيما تأخر ممّا يترتب على مجيئي من المفاسد (البحار)،

٣٨٢

فوحى النّاس عنه(١) ، ثمّ قال: ما شأنك وفيم جئت؟ قلت: لخبر مّا، قال: لعلّك جئت تسأل عن خبر مولاك؟ فقلت له: ومن مولاي؟ مولاي أمير المؤمنين، فقال اسكت مولاك هو الحقُّ لا تتحشمني فإنّي على مذهبك، فقلت: الحمد لله، فقال أتحبُّ أن تراه؟ فقلت: نعم، فقال: اجلس حتّى يخرج صاحب البريد، قال: فجلست فلمّا خرج قال: لغلام له: خذ بيد الصقر فأدخله إلى الحجرة الّتي فيها العلويُّ المحبوس وخلَّ بينه وبينه، قال: فأدخلني الحجرة وأومأ إلى بيت، فدخلت فإذا هوعليه‌السلام جالس على صدر حصير وبحذاه قبر محفور، قال: فسلّمت فردَّ [ عليَّ السلام ] ثمّ أمرني بالجلوس فجلست، ثمّ قال لي: يا صقر ما أتى بك؟ قلت: يا سيدي جئت أتعرف خبرك قال ثمّ نظرت إلى القبر وبكيت، فنظر إليَّ وقال: يا صقر لا عليك لن يصلوا إلينا بسوء فقلت: الحمد لله ثمّ قلت: يا سيّدي حديث يروي عن النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا أعرف معناه، قال: فما هو؟ قلت: قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا تعادوا الأيّام فتعاديكم » ما معناه؟

فقال: نعم الأيّام نحن، بنا قامت السماوات والأرض، فالسبت: اسم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والأحد أمير المؤمنين، والاثنين الحسن والحسين، والثلثاء عليُّ بن الحسين ومحمّد بن عليٍّ الباقر وجعفر بن محمّد [ الصادق ]، والاربعاء موسى بن جعفر وعليُّ بن موسى ومحمّد بن عليٍّ وأنا، والخميس ابني الحسن، والجمعة ابن ابني وإليه تجتمع عصابة الحق، وهو الّذي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، فهذا معنى الأيّام ولا تعادوهم في الدُّنيا فيعادوكم في الاخرة، ثمّ قالعليه‌السلام : ودع واخرج فلا آمن عليك(٢) .

١٠ - حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّرضي‌الله‌عنه قال: حدّثنا عليُّ بن إبراهيم قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد الموصلي قال: حدّثنا الصقر بن أبي دلف قال: سمعت عليَّ بن محمّد بن عليٍّ الرِّضاعليهم‌السلام يقول: إنَّ الامام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الّذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

__________________

(١) أي أشار إليهم أن يبعدوا عنه، أو على بناء التفعيل أي أعجلهم في الذهاب. وفي المعاني « فأوجئ النّاس عنه » بصيغة المجهول وأوجأ فلاناً عنه أي دفعه ونحاه.

(٢) في الخصال في ذيل الخبر بيان للمصنف وقال: الأيّام ليست بالائمة ولكن كنيعليه‌السلام بها عن الائمّة لئلّا يدرك معناه غير اهل الحق ثمّ ذكر لكلامه شاهدا من آيات القرآن.

٣٨٣

٣٨

( باب )

* (ما روى عن أبي محمّد الحسن بن على العسكريعليهما‌السلام ) *

* (من وقوع الغيبة بابنه القائمعليه‌السلام وإنّه الثاني) *

* (عشر من الائمّةعليهم‌السلام ) *

١ - حدّثنا عليّ بن عبد الله الورّاق قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد ابن إسحاق بن سعد الاشعريّ قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليٍّعليهما‌السلام وأنا أريد أن أسأله عن الخلف [ من ] بعده، فقال لي مبتدئاً: يا أحمد بن إسحاق إنَّ الله تبارك وتعالى لم يخلِّ الأرض منذ خلق آدمعليه‌السلام ولا يخلّيها إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزِّل الغيث، وبه يخرج بركات الارض.

قال: فقلت له: يا ابن رسول الله فمن الامام والخليفة بعدك؟ فنهضعليه‌السلام مسرعاً فدخل البيت، ثمّ خرج وعلى عاتقه غلامٌ كان وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: يا أحمد بن إسحاق لو لا كرامتك على الله عزَّ وجلَّ وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنَّه سُمّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكنّيه، الّذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الاُمّة مثل الخضرعليه‌السلام ، ومثلَه مثل ذي القرنين، والله ليغيبنَّ غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلّا من ثبته الله عزَّ وجلَّ على القول بإمامته وفّقه [ فيها ] للدُّعاء بتعجيل فرجه.

فقال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي فهل من علامة يطمئنُّ إليها قلبي؟ فنطق الغلامعليه‌السلام بلسان عربيٍّ فصيح فقال: أنا بقيّة الله في أرضه، والمنتقم من أعدائه، فلا تطلب أثراً بعد عين يا أحمد بن إسحاق.

فقال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسروراً فرحاً، فلمّا كان من الغد عدت إليه

٣٨٤

فقلت له: يا ابن رسول الله لقد عظم سروري بما مننت [ به ] عليَّ فما السنّة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ فقال: طول الغيبة يا أحمد، قلت: يا ابن رسول الله وإنَّ غيبته لتطول؟ قال: إي وربّي حتّى يرجع عن هذا الامر أكثر القائلين به ولا يبقى إلّا من أخذ الله عزَّ وجلَّ عهده لولايتنا، وكتب في قلبه الايمان وأيّده بروح منه.

يا أحمد بن إسحاق: هذا أمر من أمر الله، وسرٌّ من سرِّ الله، وغيب من غيب الله، فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين تكن معنا غداً في علّييّن.

قال مصنف هذا الكتابرضي‌الله‌عنه : لم أسمع بهذا الحديث إلّا من عليِّ بن عبد الله الورَّاق وجدت بخطّه مثبتاً فسألته عنه فرواه لي عن سعد بن عبد الله، عن أحمد ابن إسحاقرضي‌الله‌عنه كما ذكرته(١) .

* (ما روى من حديث الخضرعليه‌السلام (٢) ) *

١ - حدّثني محمّد بن إبراهيم بن إسحاقرضي‌الله‌عنه قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى البصريُّ قال: حدّثنا محمّد بن عطية قال: حدّثنا هشام ابن جعفر، عن حمّاد، عن عبد الله بن سليمان(٣) قال: قرأت في بعض كتب الله عزَّ وجلَّ أنَّ ذا القرنين كان عبداً صالحاً جعله الله حجّة على عباده ولم يجعله نبيّاً، فمكّن الله له في الأرض وآتاه من كلِّ شيء سبباً، فوصفت له عين الحياة وقيل له: من شرب منها لم يمت حتّى يسمع الصيحة وإنّه خرج في طلبها حتّى انتهى إلى موضع فيه ثلاثمائة وستّون عيناً و

__________________

(١) راجع تتمة احاديث هذا الباب فيما سيأتي ص ٤٠٧ عند قول المصنف: « رجعنا إلى ذكر ما روى عن أبي الحسن بن عليّ العسكري (ع).

(٢) ذكر المصنف هذا الفصل والّذي بعده استطرداداً بين باب أخبار أبي محمّد العسكريعليه‌السلام ولذا جعلناه ممتازاً عن أخبار الباب.

(٣) عبد الله بن سليمان مشترك بين خمسة ولم يوثق أحد منهم والخبر - كما ترى - مقطوع أي غير مروي عن المعصومعليه‌السلام .

٣٨٥

كان الخضر على مقدَّمته(١) ، وكان من أحبّ النّاس إليه فأعطاه حوتاً مالحاً، وأعطى كلّ واحد من أصحابه حوتاً مالحاً، وقال لهم: ليغسل كلُّ رجل منكم حوته عند كلِّ عين، فانطلق الخضرعليه‌السلام إلى عين من تلك العيون فلمّا غمس الحوت في الماء حيي وانساب في الماء، فلمّا رأى الخضرعليه‌السلام ذلك علم أنَّه قد ظفر بماء الحياة فرمى بثيابه وسقط في الماء فجعل يرتمس فيه ويشرب منه فرجع كلُّ واحد منهم إلى ذي القرنين ومعه حوته، ورجع الخضر وليس معه الحوت فسأله عن قصّته فأخبره فقال له: أشربت من ذلك الماء؟ قال: نعم، قال: أنت صاحبها وأنت الّذي خلقت لهذا العين فأبشر بطول البقاء في هذه الدُّنيا مع الغيبة عن الابصار إلى النفخ في الصور.

٢ - حدَّثنا عليّ بن أحمد بن عبد الله بن أبي عبد الله البرقيِّ قال: حدّثنا أبي، عن جده أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمزة بن حمران وغيره، عن الصادق جعفر بن محمّدعليهما‌السلام قال: خرج أبو جعفر محمّد بن عليٍّ الباقرعليهما‌السلام (٢) بالمدينة فتضجّر واتّكأ على جدار

__________________

(١) يعنى على مقدمة عسكر ذي القرنين وهو غريب لأنّ الخضر إذا كان معاصراً لموسىعليه‌السلام فكان على التقريب ١٥٠٠ عام قبل الميلاد، وذو القرنين سواء كان اسكندر أو كورش كان بعد موسىعليه‌السلام بقرون كثيرة، فإنَّ اسكندر في عام ٣٣٠ قبل الميلاد وكورش ٥٥٠ قبل الميلاد فلعل المراد بذى القرنين رجل آخر غيرهما هذا، وقد نقل ابن قتيبة في معارفه عن وهب بن منبه قال: « ذو القرنين هو رجل من الاسكندرية اسمه الاسكندروس وكان حلم حلماً رأى فيه أنَّه دنا من الشمس حتّى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها، فقص رؤياه على قومه، فسموه ذا القرنين وكان في الفترة بعد عيسىعليه‌السلام ». انتهى. وعلى أي حال تاريخ ذى القرنين والخضر في غاية تشويه والوهم والاضطراب ونحن لا نقول في حقهما إلّا ما قاله القرآن أو ما وافقه من الأخبار ونترك الزوائد لاهلها.

(٢) وهم الراوي، وإنّما هو عليّ بن الحسينعليهما‌السلام فاشتبه عليه كما قال

٣٨٦

من جدرانها متفكّراً إذ أقبل إليه رجل فقال له، يا أبا جعفر على م حزنك؟ على الدُّنيا فرزق [ الله عزَّ وجلَّ ] حاضر يشترك فيه البرُّ والفاجر: أم على الاخرة فوعد صادق يحكم فيه ملك قادر، قال، أبو جعفرعليه‌السلام : ما على هذا حزني إنّما حزني على فتنة ابن الزُّبير، فقال له الرَّجل: فهل رأيت أحداً خاف الله فلم ينجه، أم هل رأيت أحداً توكل على الله فلم يكفه؟ وهل رأيت أحداً استجار الله فلم يجره(١) ؟ فقال أبو جعفرعليه‌السلام : لا، فولّى الرَّجل، فقيل: من هو ذاك؟ فقال أبو جعفر: هذا هو الخضرعليه‌السلام .

قال مصنّف هذا الكتابرضي‌الله‌عنه : جاء هذا الحديث هكذا، وقد روى في خبر آخر أنَّ ذلك كان مع عليِّ بن الحسينعليهما‌السلام .

٣ - حدّثنا أبيرضي‌الله‌عنه قال: حدّثني سعد بن عبد الله؛ و

__________________

المصنفرحمه‌الله . وذلك لأنّه كانت فتنة ابن الزبير في سنّة ثلاث وستين وهو بمكة وأخرج أهل المدينة عامل يزيد « عثمان بن محمّد بن أبي سفيان » ومروان بن الحكم وسائر بني أمية من المدينة باشارة ابن الزبير وهو بمكة فوجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة في جيش عظيم لقتال ابن الزبير، فسار بهم حتّى نزل المدينة فقاتل أهلها وهزمهم وأباحها ثلاثة أيّام - وهي وقعة الحرة المعروفة - ثمّ سار مسلم بن عقبة إلى مكة قاصداً قتال عبد الله بن الزبير فتوفى بالطريق ولم يصل، فدفن بقديد وولى الجيش الحصين بن نمير السكوني، فمضى بالجيش وحاصروا عبد الله بن الزبير وأحرقت الكعبة حتّى انهدم جدارها وسقط سقفها وأتاهم الخبر بموت يزيد فانكفئوا راجعين إلى الشام. وبويع ابن الزبير على الخلافة سنّة خمس وستين وبني الكعبة وبايعة أهل البصرة والكوفة وقتل في أيّام الحجاج سنّة ٧٣.

هذا، ثمّ اعلم أنَّ أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام في أيّام ابن الزبير ابن ست عشرة سنّة، وفي وقعة الحرة ابن سبع أو ثمان سنين. فكيف يلائم هذا مع ما في المتن. بل كان ذلك مع عليّ بن الحسين عليهما السلام لأنّ فتنة ابن الزبير وخروجه وهدم البيت وبناءه الكعبة وقتله كلّها في أيّام السجاد عليه السلام.

(١) في بعض النسخ « استخار الله فلم يخره ».

٣٨٧

عبد الله بن جعفر الحميريّ قالا: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد ابن خالد البرقيُّ، عن أحمد بن زيد النيسابوريِّ قال: حدّثني عمر بن - إبراهيم الهاشمي، عن عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لمّا كان اليوم الّذي قبض فيه أمير المؤمنينعليه‌السلام إرتجَّ الموضع بالبكاء(١) ، ودهش النّاس كيوم قبض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجاء رجل باك وهو مسرع(٢) مسترجعٌ، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوَّة، حتّى وقف على باب البيت الّذي فيه أمير المؤمنين فقال: رحمك الله يا أبا الحسن كنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيمانا، وأشدَّهم يقيناً، وأخوفهم من الله عزَّ وجلَّ، وأعظمهم عناء(٣) ، وأحوطهم على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآمنهم على أصحابه، وأفضلهم مناقب، وأكرمهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله، وأشبههم به هدياً ونطقاً وسمتاً وفعلاً(٤) ، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن الاسلام وعن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعن المسلمين خيراً، قويت حين ضعف أصحابه، وبرزت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ همَّ أصحابه، كنت خليفته حقّاً لم تنازع ولم تضرع(٥) برغم المنافقين، وغيظ الكافرين، وكره الحاسدين، وضغن الفاسقين.

فقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتّعوا(٦) ، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، ولو اتّبعوك لهدوا، وكنت أخفضهم صوتاً، وأعلاهم

__________________

(١) ارتج أي اضطرب.

(٢) في بعض النسخ « متضرع ».

(٣) في بعض النسخ « أعظمهم غنى ». و « أحوطهم » أي أشدهم حياطة وحفظا وصيانة وتعهدا.

(٤) الهدى: الطريقة والسيرة. والسمت: هيئة أهل الخير. وفي نسخة « خلفا » مكان « نطقا »

(٥) أي تذل في بعض النسخ « تصرع » بالصاد المهملة.

(٦) التعتعة: التردد في الكلام من حصر أوعى.

٣٨٨

قوّتاً(١) وأقلهم كلاماً، وأصوبهم منطقاً، وأكبرهم رأياً، وأشجعهم قلباً، وأشدَّهم يقيناً، وأحسنهم عملاً، وأعرفهم بالامور.

كنت والله للدِّين يعسوباً [ أوّلا حين تفرَّق النّاس وآخراً حين فشلوا ] وكنت بالمؤمنين أبا رحيماً، إذ صاروا عليك عيالاً، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، وحفظت ما أضاعوا، ورعيت ما أهملوا، وشمّرت إذ خنعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، وأدركت إذ تخلّفوا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا.

كنت على الكافرين عذاباً صباً، وللمؤمنين غيثاً وخصباً، فطرت والله بنعمائها، وفزت بحبائها، وأحرزت سوابقها(٢) وذهبت بفضائلها، لم تفلل حجّتك(٣) ، ولم يزغ قلبك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك [ ولم تخن(٤) ].

كنت كالجبل [ الّذي ] لا تحرِّكه العواصف، ولا تزيله القواصف. وكنت كما قال النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ضعيفاً في بدنك، قويّاً في أمر الله عزَّ وجلَّ متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله عزَّ وجلَّ، كبيراً في الأرض، جليلاً عند المؤمنين، لم يكن لأحد فيك مهمز، ولا لقائل فيك مغمز، ولا لأحد فيك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة(٥) ، الضعيف الذَّليل عندك قويٌّ عزيز

__________________

(١) في الكافي « أعلاهم قنوتا » وفي بعض نسخه « قدما ».

(٢) في هامش بعض النسخ الجديدة « سوابغها ». والظاهر هو الصواب بقرينة النعماء والحباء. ولكن « بنعمائها » في بعض النسخ « بعنانها » و « حبائها » في بعض النسخ « بجنانها ».

(٣) في بعض النسخ « لم يفلل حدك ».

(٤) في بعض نسخ الكافي « لم تخر » من الخرور وهو السقوط.

(٥) المهمز: العيب والوقيعة والمغمز: المطعن والعيب أيضاً والهوادة: اللين والرفق والرخصة والمحاباة أي لا تأخذك عند وجوب حد الله على أحد محاباة ورفق.

٣٨٩

حتى تأخذ له بحقّة، والقويُّ العزيز عندك ضعيف ذليل حتّى تأخذ منه الحق، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء، شأنك الحقُّ والصدق والرفق وقولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم فيما فعلت(١) ، وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفئت النيران(٢) واعتدل بك الدِّين، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، وقوي بك الايمان، وثبت بك الاسلام والمؤمنون، وسبقت سبقاً بعيداً، وأتعبت من بعدك تعباً شديداً فجللت عن البكاء، وعظمت رزيّتك في السّماء، وهدَّت مصيبتك الانام فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. رضينا من الله عزَّ وجلَّ قضاه، وسلّمنا لله أمره، فو الله لن يصاب المسلمون بمثلك أبداً.

كنت للمؤمنين كهفاً وحصناً [ وقنة راسياً ] وعلى الكافرين غلظة وغيظاً، فألحقك الله بنبيّه ولا حرمنا أجرك ولا أضلّنا بعدك. وسكت القوم حتّى انقضى كلامه وبكى وأبكى أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمَّ طلبوه فلم يصادفوه.

٤ - حدّثنا المظفّر بن جعفر بن المظفّر العلويُّ العمريُّ السمرقنديُّرضي‌الله‌عنه قال: حدَّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود، عن أبيه محمّد بن مسعود، عن جعفر بن أحمد، عن الحسن بن عليِّ بن فضّال قال: سمعت؟ أبا الحسن عليّ بن موسى الرِّضاعليهما‌السلام يقول: أنَّ الخضرعليه‌السلام شرب من ماء الحياة فهو حىٌّ لا يموت حتّى ينفخ في الصور، وأنّه ليأتينا(٣) فيسلّم فنسمع صوته ولا نرى شخصه، وإنّه ليحضر حيث ما ذكر، فمن ذكره منكم فليسلّم عليه، وإنّه ليحضر الموسم كلَّ سنّة فيقضي جميع

__________________

(١) كذا في بعض النسخ وفي الكافي أيضاً لكن في أكثر النسخ « وعزم فأقلعت ».

(٢) في بعض النسخ « وأطفئت بك النّار ».

(٣) في بعض النسخ « ليلقانا ».

٣٩٠

المناسك، ويقف بعرفة فيؤمن على دعاء المؤمنين، وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته ويصل به وحدته.

٥ - وبهذا الاسناد قال: قال أبو الحسن عليُّ بن موسى الرِّضاعليهما‌السلام لمّا قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء الخضرعليه‌السلام فوقف على باب البيت وفيه عليٌّ وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد سجيّ بثوبه فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد « كلُّ نفس ذائقة الموت وإنّما توفون أجوركم يوم القيمة »، إنَّ في الله خلفاً من كلِّ هالك، وعزاءً من كلِّ مصيبة، ودركاً من كلّ فائت، فتوكّلوا عليه، وثقوا به، واستغفر الله لي ولكم فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : هذا أخي الخضرعليه‌السلام جاء يعزِّيكم بنبيكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٦ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاقرضي‌الله‌عنه قال: أخبرنا أحمد بن محمّد الهمدانيُّ قال: حدّثنا عليُّ بن الحسن بن عليِّ بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسن عليِّ بن موسى الرِّضاعليهما‌السلام قال: لمّا قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتاهم آت فوقف على باب البيت فعزّاهم به، وأهل البيت يسمعون كلامه ولا يرونه فقال عليُّ بن أبي طالبعليه‌السلام : هذا هو الخضرعليه‌السلام أتاكم يعزِّيكم بنبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وكان اسم الخضر(١) خضرويه بن قابيل بن آدمعليه‌السلام ، ويقال له: خضرون أيضاً ويقال له: جعدا، وإنّه إنّما سمّي الخضر لأنّه جلس على أرض بيضاء فاهتزَّت خضراء فسمي الخضر لذلك وهو أطول الادمييّن عمراً، والصحيح أنَّ اسمه بليا(٢) بن ملكان بن عامر بن أرفخشذ بن سام بن

__________________

(١) من كلام المصنف (ره).

(٢) في معافي الأخبار « تاليا ».

٣٩١

نوح(١) . وقد أخرجت الخبر في ذلك مسنداً في كتاب « علل الشرائع والاحكام والاسباب ».

٧ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاقرضي‌الله‌عنه قال: حدّثنا أبو أحمد عبد الله بن أحمد بن محمّد بن عيسى قال: حدّثنا عليُّ بن سعيد بن بشير قال: حدّثنا ابن كاسب قال: حدّثنا عبد الله بن ميمون المكّي قال: حدّثنا جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليِّ بن الحسينعليهم‌السلام - في حديث طويل - يقول في آخره: لمّا توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجاءت التعزية جاءهم آت يسمعون حسِّه(٢) ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته « كلُّ نفس ذائقة الموت وإنّما توفّون اجوركم يوم القيمة » إنَّ في الله عزاء من كلِّ مصيبة، وخلفاً من كلِّ هالك، ودركاً من كلِّ فائت فبالله فثقوا، وإيّاه فارجوا، فإنَّ المصاب من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال عليُّ بن أبي طالبعليه‌السلام : هل تدرون من هذا؟ [ قالوا: لا، قال: ] هذا هو الخضرعليه‌السلام .

قال مصنف هذا الكتابرضي‌الله‌عنه : إنَّ أكثر المخالفين يسلمون لنا حديث الخضرعليه‌السلام ويعتقدون فيه أنَّه حي غائب عن الابصار، وأنّه حيث ذكر حضر، ولا ينكرون طول حياته، ولا يحملون حديثه على عقولهم ويدفعون كون القائمعليه‌السلام وطول حياته في غيبته، وعندهم أنَّ قدرة الله عزَّ وجلَّ تتناول إبقاءه إلى يوم النفخ في الصور، وإبقاء إبليس مع لعنته إلى يوم الوقت المعلوم في غيبته، وأنّها لا تتناول إبقاء حجّة الله على عباده مدَّة طويلة في غيبته مع ورود الأخبار الصحيحة بالنص عليه بعينه

__________________

(١) كذا، وفي المعارف لابن قتيبة « بليا بن ملكان بن فالغ بن عامر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح ».

(٢) يعني صوته وفي بعض النسخ « صوته ».

(٣) في بعض النسخ « بغيبته »

٣٩٢

واسمه ونسبه عن الله تبارك وتعالى وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعن الائمّةعليهم‌السلام .

* (ما روى من حديث ذى القرنين) *

١ - حدّثنا أبيرضي‌الله‌عنه قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليِّ بن النعمان، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: إنَّ ذا القرنين لم يكن نبيّاً ولكنه كان عبداً صالحاً أحبَّ الله فأحبّه الله وناصح لله فنا صحه الله، أمر قومه بتقوي الله فضربوه على قرنه فغاب عنهم زماناً، ثمّ رجع إليهم فضربوه على قرنه الاخر، وفيكم من هو على سنّته.

٢ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن الحسن البزاز قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب بن يوسف قال: حدّثنا أحمد بن عبد الجبّار العطارديُّ قال: حدّثنا يونس بن بكير، عن محمّد بن إسحاق بن يسار المدنيِّ(١) ، عن عمرو ابن ثابت، عن سماك بن حارث، عن رجل من بني أسد قال: سأل رجل عليّاًعليه‌السلام : أرأيت ذا القرنين كيف استطاع أن يبلغ المشرق والمغرب؟ قال: سخر الله له السحاب، ومدَّ له في الاسباب، وبسط له النور، فكان اللّيل والنّهار عليه سواء.

٣ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطّاررضي‌الله‌عنه قال: حدّثنا أبي، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن محمّد بن اورمة قال: حدّثني القاسم بن عروة، عن يزيد الارجنيِّ(٢) ، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ ابن نباتة قال: قام ابن الكوَّا إلي أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالبعليه‌السلام وهو على المنبر فقال له: يا أمير المؤمنين أخبرني عن ذي القرنين أنبيٌّ كان أو ملك؟ وأخبرني عن قرنيه أذهب كان أو فضّة؟ فقال لهعليه‌السلام : لم

__________________

(١) محمّد بن اسحاق هو صاحب السيرة وجدّه كما في تهذيب التهذيب « يسار » ولكن ضبط في هامش السيرة لابن هشام « بشار »

(٢) يزيد بن قيس كان عامله على الري وهمدان.

٣٩٣

يكن نبيّاً ولا ملكاً ولا كان قرناه من ذهب ولا فضّة ولكنّه كان عبداً أحبّ الله فأحبّه الله، ونصح لله فنصحه الله، وإنّما سمّي ذا القرنين لأنّه دعا قومه فضربوه على قرنه فغاب عنهم حيناً، ثمَّ عاد إليهم فضرب على قرنه الاخر وفيكم مثله.

٤ - حدّثنا أبو طالب المظفّر بن جعفر بن المظفّر العلويُّ السمرقنديُّرضي‌الله‌عنه قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود، عن أبيه قال: حدّثني محمّد بن نصير قال: حدّثنا محمّد بن عيسى [ عن حمّاد بن عيسى ] عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفيِّ، عن جابر بن عبد الله الانصاريِّ قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنَّ ذا القرنين كان عبدا صالحا جعله الله عزَّ وجلَّ حجّة على عباده فدعا قومه إلى الله وأمرهم بتقواه، فضربوه على قرنه فغاب عنهم زماناً حتّى قيل: مات أو هلك بأيِّ وادسلك، ثمّ ظهر ورجع إلي قومه فضربوه على قرنه الاخر، وفيكم من هو على سنّته، وانَّ الله عزَّ وجلَّ مكن لذي القرنين في الأرض، وجعل له من كلِّ شيء(١) سبباً، وبلغ المغرب والمشرق، وإنَّ الله تبارك وتعالى سيجري سنّته في القائم من ولدي فيبلّغه شرق الأرض وغربها حتي لا يبقى منهلاً ولا موضعاً من سهل ولا جبل وطئه ذو القرنين إلّا وطئه، ويظهر الله عزَّ وجلَّ له كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرُّعب، فيملأ الأرض به عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً.

وممّا روي من سياق حديث ذي القرنين.

٥ - حدّثنا به محمّد بن إبراهيم بن إسحاقرضي‌الله‌عنه قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى بن سعيد البصريّ قال: حدّثنا محمّد بن عطيّة قال: حدّثنا عبد الله بن عمر [ و ] بن سعيد البصريُّ قال: حدّثنا هشام بن جعفر

__________________

(١) في بعض النسخ « وآتاه من كلّ شيء ».

٣٩٤

ابن حمّاد، عن عبد الله بن سليمان وكان قارئاً للكتب قال: قرأت في بعض كتب الله عزَّ وجلَّ إنَّ ذا القرنين كان رجلاً من أهل الاسكندريّة وأمه عجوز من عجائزهم وليس لها ولدٌ غيره يقال له: إسكندروس، وكان له أدب وخلق وعفّة من وقت ما كان غلاماً إلى أن بلغ رجلاً، وكان [ قد ] رأى في المنام كأنّه دنا من الشمس حتّى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها فلمّا قصَّ رؤياه على قومه سمّوه ذا القرنين، فلمّا رأى هذه الرُّؤيا بعدت همّته وعلا صوته وعزَّ في قومه.

وكان أول ما اجتمع عليه أمره أن قال: أسلمت لله عزَّ وجلَّ، ثمّ دعا قومه إلى الاسلام فأسلموا هيبة له، ثمّ أمرهم أن يبنوا له مسجداً فأجابوه إلى ذلك فأمر أن يجعلوا طوله أربعمائة ذراع، وعرضه مائتي ذراع، وعرض حائطه اثنين وعشرين ذراعاً، وعلوَّه إلى السّماء مائة ذراع، فقالوا له: يا ذا القرنين كيف لك بخشب يبلغ ما بين الحائطين؟ فقال لهم: إذا فرغتم من بنيان الحائطين فاكبسوه بالتراب حتّى يستوي الكبس مع حيطان المسجد فإذا فرغتم من ذلك فرضتم على كلِّ رجل من المؤمنين على قدره(١) من الذهب والفضّة، ثمَّ قطعتموه مثل قلامة الظفر وخلطتموه مع ذلك الكبس وعملتم له خشباً من نحاس وصفائح من نحاس تذيبون ذلك وأنتم متمكّنون من العمل كيف شئتم على أرض مستوية، فإذا فرغتم من ذلك دعوتم المساكين لنقل ذلك التراب، فيسارعون فيه من أجل ما فيه من الذَّهب والفضّة.

فبنوا المسجد وأخرج المساكين ذلك التراب وقد استقلَّ السقف بما فيه واستغنى، فجندهم أربعة أجناد في كلِّ جند عشرة آلاف، ثمّ نشرهم في البلاد، وحدث نفسه بالمسير، واجتمع إليه قومه فقالوا له: يا ذا القرنين ننشدك بالله ألّا تؤثر علينا بنفسك غيرنا، فنحن أحق برؤيتك وفينا كان

__________________

(١) أي على قدر حاله.

٣٩٥

مسقط رأسك، وبيننا نشأت وربيت، وهذه أموالنا وأنفسنا فأنت الحاكم فيها، وهذه أمّك عجوز كبيرة وهي أعظم خلق الله عليك حقّاً، فليس ينبغي لك أن تعصيها وتخالفها، فقال لهم: والله إنَّ القول لقولكم وإن الرأي لرأيكم ولكنني بمنزلة المأخوذ بقلبه وسمعه وبصره، يقاد ويدفع من خلفه، لا يدري اين يؤخذ به وما يراد به ولكن هلمّوا يا معشر قومي فادخلوا هذا المسجد وأسلموا عن آخركم ولا تخالفوا عليَّ فتهلكوا.

ثمَّ دعا دهقان(١) الاسكندريّة فقال له: اعمر مسجدي وعزَّ عنّي أمّي، فلمّا رأى الدِّهقان جزع أمّه وطول بكائها احتال لها ليعزِّيها بما أصاب النّاس قبلها وبعدها من المصائب والبلاء، فصنع عيداً عظيماً ثمّ أذَّن مؤذِّنه يا أيّها النّاس إنَّ الدِّهقان يؤذنكم لتحضروا يوم كذا وكذا، فلمّا كان ذلك اليوم أذن مؤذنه اسرعوا واحذروا أن يحضر هذا العيد إلّا رجل قد عرىٌّ من البلايا والمصائب، فاحتبس النّاس كلّهم وقالوا: ليس فينا أحد عري من البلاء ما منّا أحد إلّا وقد أصيب ببلاء أو بموت حميم، فسمعت أمُّ ذي القرنين هذا فأعجبها ولم تدر ما يريد الدِّهقان، ثمّ أنَّ الدهقان بعث مناديا ينادي فقال: يا أيّها النّاس إنَّ الدهقان قد أمركم أن تحضروه يوم كذا وكذا ولا يحضره إلّا رجل قد ابتلي وأصيب وفجع ولا يحضره أحد عرى من البلاء فإنّه لا خير فيمن لا يصيبه البلاء، فلمّا فعل ذلك، قال النّاس: هذا رجل قد كان بخل ثمَّ ندم فاستحيا فتدارك أمره ومحا عيبه، فلمّا اجتمع النّاس خطبهم:

فقال: يا أيّها النّاس إنّي لم أجمعكم لمّا دعوتكم له ولكنّي جمعتكم لاكلّمكم في ذي القرنين وفيما فجعنا به من فقده وفراقه فاذكروا آدم

__________________

(١) الدهقان: رئيس القرية ومقدم أصحاب الزراعة.

٣٩٦

عليه‌السلام فإنَّ الله عزَّ وجلَّ خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه جنته، وأكرمه بكرامة لم يكرم بها أحداً ثمَّ ابتلاه بأعظم بليّة كانت في الدُّنيا وذلك الخروج من الجنّة وهي المصيبة الّتي لا جبر لها، ثمّ ابتلى إبراهيمعليه‌السلام من بعده بالحريق وابتلى ابنه بالذبح، ويعقوب بالحزن والبكاء، ويوسف بالرق، وأيوب بالسقم، ويحيى بالذِّبح، وزكريا بالقتل، وعيسى بالاسر(١) وخلقاً من خلق الله كثيراً لا يحصيهم إلّا الله عزوجل.

فلمّا فرغ من هذا الكلام قال لهم: انطلقوا فعزّوا أمَّ الاسكندروس لننظر كيف صبرها فإنّها أعظم مصيبة في ابنها، فلمّا دخلوا عليها قالوا لها: هل حضرت الجمع اليوم وسمعت الكلام؟ قالت لهم: ما خفي عنّي من أمركم شيء ولا سقط عنّي من كلامكم شيء، وما كان فيكم أحدٌ أعظم مصيبة باسكندروس منّي، ولقد صبرني الله تعالى وأرضاني وربط على قلبي، وإنّي لارجو أن يكون أجري على قدر ذلك، وأرجو لكم من الاجر بقدر ما رزيتم من فقد أخيكم وأن تؤجروا على قدر ما نويتم في أمّه وأرجو أن يغفر الله لي ولكم ويرحمني وإياكم، فلمّا رأوا حسن عزائها وصبرها انصرفوا عنها وتركوها، وانطلق ذو القرنين يسير على وجهه

__________________

(١) إن قلت: أنَّ ذا القرنين كان قبل ميلاد عيسىعليه‌السلام بقرون فكيف يصح ذلك القول؟ وقلت أن قلنا أنَّه بعد الميلاد فكيف يلائم قوله في آخر الخبر « وكان عدة ما سار في البلاد من يوم بعثه الله عزَّ وجلَّ إلى يوم قبضه الله خمسمائة عام ».

قلنا: الامر في أمثال هذه القصص الغير المنقولة عن المعصوم سهل. وأوردها المصنف رحمه‌الله طرداً للباب نظير الذيول الّتي تداول في عصرنا في جميع المؤلفات من المؤلفين ولعل المصنف رحمه‌الله أوردها لاجل المواعظ البالغة الّتى ذكر في آخرها ولكن اعلم أنَّه (ره) لم يحتج بامثال هذه القصص وجلت ساحته عن الاحتجاج بها، ثمّ راجع في تحقيق ذي القرنين بحار الانوار ج ١٢ ص ٢٠٨ إلى ٢١٥ من الطبع الحروفي.

٣٩٧

حتى أمعن في البلاد يؤمُّ في المغرب، وجنوده يومئذ المساكين، فأوحى الله جلَّ جلاله إليه يا ذا القرنين أنت حجّتي على جميع الخلائق ما بين الخافقين من مطلع الشمس إلى مغربها، وحجّتي عليهم، وهذا تأويل رؤياك.

فقال ذو القرنين: يا إلهي إنّك قد ندبتني لامر عظيم لا يقدر قدره غيرك، فأخبرني عن هذه الاُمّة بأي قوَّة اكابرهم(١) ؟ وبأيِّ عدد أغلبهم، وبأية حيلة أكيدهم، وبأي صبر اقاسيهم، وبأي لسان اكلّمهم، وكيف لي بأن أعرف لغاتهم، وبأيِّ سمع أعي كلامهم، وبأيِّ بصر أنفذهم وبأيِّ حجّة اخاصمهم، وبأيِّ قلب أعقل عنهم، وبأيِّ حكمة ادبّر امورهم وبأيِّ حلم اصابرهم، وبأيِّ قسط أعدل فيهم، وبأيِّ معرفة أفضل بينهم، وبأيِّ علم أتقن امورهم، وبأيِّ عقل احصيهم، وبأي جند اقاتلهم؟ فإنّه ليس عندي ممّا ذكرت شيء يا ربّ، فقوني عليهم فانّك الرَّبُّ الرحيم الّذي لا تكلّف نفساً إلّا وسعها، ولا تحملها إلّا طاقتها.

فأوحى الله جلّ جلاله إليه أنّي سأطوقك ما حمّلتك، وأشرح لك فهمك فتفقه كلَّ شيء، وأشرح لك صدرك فتسمع كلَّ شيء، وأطلق لسانك بكلِّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلَّ شيء، وأكشف لك عن بصرك فتنفذ كلَّ شيء واحصي لك(٢) فلا يفوتك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأشدُّ [ لك ] ظهرك فلا يهولك شيء وألبسك الهيبة فلا يروِّعك شيء، وأسدَّدلك رأيك فتصيب كلَّ شيء، وأسخّرلك جسدك فتحسن كلَّ شيء، وأسخرلك النور والظلمة وأجعلها جندين من جنودك النور يهديك، والظلمة تحوطك، وتُحوشُ عليك الامم(٣) من ورائك.

__________________

(١) في بعض النسخ « اكاثرهم ».

(٢) في بعض النسخ « وأحضر لك ».

(٣) حاش الصيد: جاءه من حواليه لبصرفه إلى الحبالة (القاموس).

٣٩٨

فانطلق ذو القرنين برسالة ربّه عزَّ وجلَّ، وأيده الله تعالى بما وعده فمرَّ بمغرب الشمس فلا يمرُّ بامّة من الامم إلّا دعاهم إلى الله عزَّ وجلَّ فإنَّ أجابوه قبل منهم وإن لم يجيبوه أغشاهم الظلمة، فأظلمت مداينهم وقراهم وحصونهم وبيوتهم ومنازلهم، واغشيت أبصارهم، ودخلت في أفواههم وآنافهم وآذانهم وأجوافهم، فلا يزالون فيها متحيّرين حتّى يستجيبوا لله عزَّ وجلَّ ويعجّوا إليه حتّى إذا بلغ مغرب الشمس وجد عندها الاُمّة الّتي ذكرها الله تعالى في كتابه ففعل بهم ما فعل بمن مرَّ به [ من ] قبلهم حتّى فرغ ممّا بينه وبين المغرب ووجد جمعاً وعدداً لا يحصيهم إلّا الله وبأساً وقوَّة لا يطيقه إلّا الله عزَّ وجلَّ، والسنّة ومختلفة وأهواء متشتّتة وقلوباً متفرّقة، ثمّ مشى على الظلمة ثمانية أيّام وثمان ليال وأصحابه ينظرونه حتّى انتهى إلى الجبل الّذي هو محيط بالارض كلّها فإذا هو بملك من الملائكة قابض على الجبل وهو يقول: سبحان ربي من الان إلى منتهى الدَّهر، سبحان ربّي من أول الدُّنيا إلى آخرها، سبحان ربّي من موضع كفي إلى عرش ربي، سبحان ربي من منتهى الظلمة إلى النور، فلمّا سمع ذاك ذو القرنين خرّ ساجداً، فلم يرفع رأسه حتّى قواه الله تعالى وأعانه على النظر إلى ذلك الملك، فقال له الملك: كيف قويت يا ابن آدم على أن تبلغ إلى هذا الموضع ولم يبلغه أحدٌ من ولد آدم قبلك؟ قال ذو القرنين: قوّاني على ذلك الّذي قوَّاك على قبض هذا الجبل وهو محيط بالارض، قال له الملك: صدقت قال له ذو القرنين: فأخبرني عنك أيّها الملك؟ قال: إنّي موكّل بهذا الجبل وهو محيط بالارض كلّها، ولولا هذا الجبل لانكفأت الأرض بأهلها، وليس على وجه الأرض جبل أعظم منه، وهو أوّل جبل أثبته الله عزَّ وجلَّ(١) ، فرأسه ملصق بسماء الدُّنيا وأسفله في الأرض السابعة السفلى وهو محيط بها كالحلقة، وليس على وجه الأرض مدينة إلّا ولها عرق ألى

__________________

(١) في بعض النسخ « أسسه الله عزَّ وجلَّ ».

٣٩٩

هذا الجبل، فإذا أراد الله عزَّ وجلَّ أن يزلزل مدينة أوحى إلىَّ فحرَّكت العرق الّذي [ متّصل ] إليها فزلزلها.

فلمّا أراد ذو القرنين الرُّجوع قال للملك: أوصني، قال الملك: لا يهمنّك رزق غد، ولا تؤخّر عمل اليوم لغد، ولا تحزن على ما فاتك، وعليك بالرِّفق، ولا تكن جبّاراً متكبراً.

ثمَّ إن ذا القرنين رجع إلى أصحابه، ثمّ عطف بهم نحو المشرق يستقريء ما بينه وبين المشرق من الامم فيفعل بهم مثل ما فعل بأمم المغرب قبلهم حتّى إذا فرغ [ مـ ] ما بين المشرق والمغرب عطف نحو الرَّدم الّذي ذكره الله عزَّ وجلَّ في كتابه فإذا هو باُمّة « لا يكادون يفقهون قولاً » وإذا [ ما ] بينه وبين الردَّم مشحون من امة يقال لها: يأجوج ومأجوج أشباه البهائم يأكلون ويشربون ويتوالدون وهم ذكور وإناث، وفيهم مشابه من النّاس الوجوه والاجساد والخلقة، ولكنّهم قد نقصوا في الابدان نقصاً شديداً وهم في طول الغلمان، ليس منهم انثى ولا ذكر يجاوز طوله خمسة أشبار، وهم على مقدار واحد في الخلق والصورة، عراة حفاة لا يغزلون ولا يلبسون ولا يحتذون، عليهم وبرٌ كوبر الابل يواريهم ويسترهم من الحرّ والبرد(١) ، ولكلِّ واحد منهم اذنان أحدهما ذات شعر والاخرى ذات وبر، ظاهرهما وباطنهما، ولهم مخالب في موضع الاظفار، وأضراس وانياب كأضراس السباع وأنيابها. وإذا نام أحدهم افترش إحدى اذنيه والتحف بالاُخرى فتسعه لحافاً، وهم يرزقون تنّين البحر(٢) في كلِّ عام

__________________

(١) المروي عن أئمتنا: أنّهم اقوام وحشية غير متمدنين، بل يعيشون كالبهائم كما جاء في تفسير العياشيّ عن أبي بصير عن الباقرعليه‌السلام قال: « لم يعلموا صنعة البيوت » وفي تفسير القمي « لم يعلموا صنعة الثياب ». وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام « ورد على قوم قدأ حرقهم الشمس وغيرت اجسادهم وألوانهم حتّى صيرتهم كالظلمة ».

(٢) التنين نوع من الحيات

٤٠٠

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686