قاعدة لا ضرر ولا ضرار

قاعدة لا ضرر ولا ضرار0%

قاعدة لا ضرر ولا ضرار مؤلف:
تصنيف: علم أصول الفقه
الصفحات: 360

قاعدة لا ضرر ولا ضرار

مؤلف: آية الله السيد علي الحسيني السيستاني
تصنيف:

الصفحات: 360
المشاهدات: 45033
تحميل: 2666

توضيحات:

قاعدة لا ضرر ولا ضرار
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 360 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 45033 / تحميل: 2666
الحجم الحجم الحجم
قاعدة لا ضرر ولا ضرار

قاعدة لا ضرر ولا ضرار

مؤلف:
العربية

الحكم ثابتاً للشيء في الشرائع السابقة ، بل يكفي ثبوته له عرفاً وعادة ـ كما اعترف به ـ فان للعرف أيضاً قانوناً وان لم يكن مدوناً ، واضافة النفي إلىٰ الإسلام يكفي في مصححه ثبوت الحكم في القانون العرفي كما هو واضح.

الثانية : انه لا يبعد القول بان الاضرار في العرف الجاهلي كان مباحاً ومجوّزاً وذلك بملاحظة عملهم الخارجي ، فقد كان يتعارف لديهم المعاملات الضررّية كالقمار والربا وغيرهما كما كان من عاداتهم وأد البنات والإغارة والنهب ، وكانت سيرتهم علىٰ وفق قانون ( الحق للقوة ) حيث كان القوي يظلم الضعيف ويغصب حقّه ، كما كانوا يضارون النساء كثيراً ، ولذلك ورد النهي عن مضارتهنَّ في جملة من الآيات القرآنية كقوله تعالىٰ :( وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ) (١) كما ورد التنديد بالظالم في كثير منها.

ولا ينافي ذلك حكم العقل بقبح الاضرار فان الأَحكام الحاكمة في العرف الجاهلي كان كثير منها علىٰ خلاف ما يحكم به العقل ، كما اُشير إلىٰ ذلك في كثير من الآيات الشريفة في مقام المحاجة معهم ولا يختص ذلك بإباحة الاضرار.

وعلى هذا فيكون المقصود بالحديث ان الجواز الثابت للاضرار في العرف الجاهلي غير ثابت له في الاسلام.

واما الشقّ الثاني : فيرد علىٰ ما ذكر في إبطاله : ان مجرد انحفاظ كون الجملة خبرية علىٰ تقدير تفسير الحديث بنفي الحكم الضرري لا يصلح ترجيحاً لهذا التفسير ، ومبطلاً لاحتمال النهي الا اذا لم يكن التفسير المذكور مقتضياً للتجوز في أية جهة اخرى بحيث تتطابق عليه الارادة الاستعمالية والارادة التفهيمية من جميع الجهات ، وإلاّ لو كان هذا التفسير يقتضي نحو

__________________

(١) الطلاق ٦٥ : ٦.

١٨١

تجوّز آخر في الحديث لكان الوجهان سواءً في مخالفتهما للأَصل ، فلا بُدّ من قرينة معينة لأَحدهما بعد وجود القرينة الصارفة عن ارادة المعنىٰ الحقيقي وهو نفي الضرر خارجاً.

وقد اتضح مما ذكرناه سابقاً : أن نفي الحكم الضرري معنىٰ مجازي للحديث لان المراد الاستعمالي به هو نفي وجود الطبيعي خارجاً ، لكنه استعمل بداعي التعبير عن عدم التسبيب التشريعي إلىٰ تحقّق الضرر ، وعليه فلا يرد الاعتراض المذكور.

البحث الرابع : في الوجهين الآخرين في تقرير هذا المسلك.

قد سبق ان ذكرنا ان هذا المسلك ينحل إلىٰ وجوه ثلاثة :

اولها واقواها : ان يراد بالحديث النهي التحريمي المولوي. وهذا الوجه هو المنساق من كلام من فسّر الحديث بالنهي من غير توضيح لنوعه. وانما كان أقوىٰ من الوجهين الآخرين لأنّه لا يتجه عليه اعتراض زائد عما يرد علىٰ اصل هذا المسلك بخلاف هذين الوجهين كما سوف يتضح ذلك.

الوجه الثاني : ان يراد بالنهي ما يعم النهي التحريمي المولوي والنهي الإِرشادي.

وقد ذكر ذلك الشيخ الانصارى (قده) في الرسائل حيث قال بعد ذكر احتمال النهي ( ولا بد ان يراد بالنهي زائداً علىٰ التحريم الفساد وعدم المضي ، للاستدلال به في كثير من رواياته علىٰ الحكم الوضعي دون محض التكليف ، فالنهي هنا نظير الأَمر بالوفاء بالشروط والعقود. فكل اضرار بالنفس أو بالغير محرّم غير ماض علىٰ من أضرَّه ، وهذا المعنىٰ قريب من الأَوّل بل راجع اليه )(١) .

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ / ٥٣٥ ؟ الرسائل ط رحمت الله ص ٣١٥.

١٨٢

و الكلام تارة في تصوير هذا الوجه واُخرى في مدى انسجامه مع ظاهر الكلام.

امّا من الناحية الأُولى : فقد يشكل هذا الوجه من جهة اقتضائه الجمع بين ارادة الحكم المولوي والإرشادي والجمع بين الحكمين يستلزم تعدد المراد التفهيمي بالنفي اي استعمال اللفظ في أكثر من معنى مجازي وهو خلاف الظاهر على الأَقل.

ولكن التحقيق عدم اتجاه هذا الاشكال لعدم الحاجة إلىٰ قصد معنيين بل يمكن ارادة النهي ، فإن معنى النهي بحقيقته وهو الزجر جامع بينهما ، الا أنه اذا كان محتواه الوعيد على الفعل كان نهياً مولوياً تحريمياً. واذا كان محتواه الارشاد إلى عدم ترتب الأَثر المرغوب من الشيء ـ من الأثر القانوني في موضوعات الأَحكام ، أو امتثال الحكم المتعلق بالطبيعة في متعلقاتها ـ كان ارشادياً ، ولا مانع من اجتماع الأَمرين كما في مورد تحريم الربا ، وعليه يمكن ارادة كلتا الحرمتين ، كما يمكن ارادة الحلّية التكليفية والوضعية جميعاً من الحكم بها في نحو( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) (١) .

نعم ، يشكل الوجه المذكور من جهة اُخرى وهي الجمع بين ارادة متعلق الحكمين ، وذلك لان الضرر على هذا التقدير لا بُدّ ان يكون ملحوظاً باللحاظين الاستقلالي والمرآتي في حال واحد. أما اللحاظ الاستقلالي فباعتبار الحكم التكليفي ، لان النهي التحريمي المولوي انما يتعلق بالإضرار بما هو اضرار. وأما اللحاظ المرآتي فباعتبار الحكم الوضعي لانه لا معنى لفساد الإضرار بذاته وانما يتجه الحكم عليه بالفساد إذا أخذ مرآة لماهية يعقل اتصافها بالفساد.

__________________

(١) البقرة ٢ : ٢٧٥.

١٨٣

والجمع بين اللحاظين وان لم يمتنع عقلاً إلا انه خلاف الظاهر جداً لأنّه يقتضي استعمال اللفظ في معنيين معاً ، نعم لو كان المنفي ماهية يمكن تعلق التحريم والفساد بها مباشرة احتمل الوجه المذكور معنىٰ للكلام.

واما من الناحية الثانية : فيلاحظ ان هذا الوجه يخالف ظهور الجملة من جهات ، مضافاً إلى ما سبق في اصل احتمال النهي.

منها : كون الضرر مرآة لما يكون ضرراً لكي يعقل ان يكون متعلقاً للحكم الوضعي ، ولا اشكال في مخالفة ذلك للظاهر إذ الظاهر هو تعلق النفي به نفسه.

ومنها : الجمع بين إرادة الضرر بنفسه وجعله مرآة لما ينطبق عليه وهو مخالفة اخرى للظاهر كما تقدّم ، ويتفرع على ذلك أنه يكون اسناد التحريم إلىٰ الضرر اسناداً مجازياً بلحاظ مرآتيته لما يصدق عليه ، وحقيقياً اخرى باعتبار ملحوظيته ذاتاً.

ومنها : تعميم الحكم للحكم الإرشادي بناءً على ان الأَصل في النواهي ان تكون مولوية كما هو المعروف بين الاُصولييّن فيكون خلاف الأَصل.

وهكذا يتضح مدى التكلّف الذي يتضمّنه هذا التقرير.

الوجه الثالث : ان يكون النهي نهياً سلطانياً كما ذهب اليه بعض الأعاظم(١) . وأوضحه بأن للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شؤوناً :

أحدها : تبليغ الأَحكام الإلهية وهو ما يعبر عنه بالنبوّة أو الرسالة باعتبار إنبائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن احكامه وارساله لذلك. وامره ونهيه فيما يتعلق بهذا الشأن يكون ارشاداً إلى امر الله ونهيه ، كما أن مخالفتهما تكون

__________________

(١) الرسائل للامام الخميني (قده) : ٥٠ وما بعدها.

١٨٤

مخالفة لله تعالىٰ لا للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وثانيها : الرئاسة العامة بين العباد لكونه وليّاً علىٰ الأُمة من قبل الله تعالىٰ وبهذا الشأن يكون لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حق الأَمر والنهي مستقلاً ، كتنفيذه جيش أسامة ونحوه. ويكون حكمه في ذلك حكماً سلطانياً تجب طاعته بما انه والٍ ورئيس كما تجب طاعة احكام الله تعالىٰ ، وقد قال تعالىٰ :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) (١) وجملة من الاحكام الكلية في الشريعة الاسلامية المقدّسة تستند إلىٰ هذا الشأن.

وثالثها : مقام القضاء بين المتنازعين وذلك بتطبيق الاحكام الكلية في مورد النزاع والحكم علىٰ ضوئها ، وتجب طاعته في ذلك بما انه قاض لا بما انه والٍ ورئيس. وحديث ( لا ضرر ولا ضرار ) انما يمثل حكماً سلطانياً من جهة رئاسته العامة ، فمفاده المنع عن الضر والضرار في حدود حكومته.

و قد استدل علىٰ ذلك بعدة أمور :

الأَوّل : انه قد ورد حكاية هذا الحديث في بعض روايات اهل السنّة بلفظ ( وقضىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ان لا ضرر ولا ضرار ) كرواية عبادة بن الصامت. ولفظ القضاء ـ كالحكم ـ ظاهر في كون المقضي به من احكامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إما بما هو قاض بين الناس أو بما انه وليّ علىٰ الأُمة لا تبليغاً عن الله تعالىٰ ، وبما أن المجعول حكم كلي لا يرتبط بمقام القضاء بين الناس فقط فينحصر ان يكون مصحّح اطلاقه هو كون ذلك حكماً سلطانياً صدر عنه من جهة ولايته العامة.

الثاني : ان الحديث قد ورد من طرقنا في ذيل قضية ( سمرة ) وهي لا تنسجم مع كون الحكم المذكور فيها حكماً الهياً أو قضائياً اما الأَول فلأنه

__________________

(١) النساء ٤ : ٥٩.

١٨٥

لم يكن الحكم هنا حكماً مشتبهاً في المورد لكي يخبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن الحكم الضرري منفي في الإسلام أو منهي عنه من قبله تعالى.

وأما الثاني : فلانه لم يكن هناك نزاع بين الرجل الانصاري وبين سمرة في حقّ أو مال. وانما كان مورد الحديث شكاية الأَنصاري ظلم سمرة له في الدخول في داره بدون استئذان ووقوعه لذلك في الضيق والمشقة ، واستنجاده بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما انه ولي علىٰ الأُمة في رفع هذا الظلم ومنع سمرة من ذلك ، فاستجاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لطلب الأَنصاري فأمر سمرة بالاستئذان أوّلاً ثم امر بقلع شجرته ثانياً منعاً لوقوع الضرر في حوزة حكومته ، وتحكيماً للعدل وقمعاً للظلم بين الرعية ، وهذا انما يناسب الحكم السلطاني.

الثالث : ان الحديث قد وقع تعليلاً للأَمر بالقلع في قضية سمرة مع انه لو اريد نفي الحكم الضرري أو النهي الأوّلي عن الاضرار لم يتجه كونه تعليلاً لذلك ، اذ هذان المعنيان لا يبرران الاضرار بالغير بالقلع. لأن القلع في حد نفسه اضرارٌ كما ان الأمر به حكم ضرري ، وانما يبرر ذلك اعمال الولاية قطعاً لمادة الفساد ودفعاً للضرر والضرار ، فلا بُدّ ان يكون مفاد ( لا ضرر ) حكماً سلطانياً حتىٰ ينسجم التعليل مع الحكم المعلل.

وهذا المعنىٰ هو اكثر ما وقع محلا للتركيز في كلامه (قده).

و لكن هذا الوجه غير تامّ أيضاً :

لان النهي عن الاضرار إنما يناسب ان يكون حكماً كلياً الهياً لا حكماً سلطانياً ، لان الاضرار بالغير ظلم عليه وقبح الظلم من القوانين الفطرية بل هو أوضح موارد التحسين والتقبيح العقليين ، فكيف تكون صفحة التشريع الإلهي خالية عن مثل هذا الحكم الفطري مع ان التشريعات الإلهيّة تفصيل وتوضيح للقوانين الفطرية فيكون في مستوىٰ حكم سلطاني وضعه النبي

١٨٦

صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وكأنّ منشأ العدول إلىٰ هذا الرأي ملاحظة ان حكمهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقلع انما كان حكماً سلطانياً في مورد قضية سمرة وقد علل بهذه الكبرىٰ فيقتضي كونها كذلك. وهذا غير تام كما سيأتي في نقد الأَمر الثالث.

واما الشواهد المذكورة فلا يتم شيء منها.

اما الأَوّل : ففيه ـ مضافاً إلىٰ عدم حجية شيء من روايات العامة التي عبّرت بالقضاء بما فيها رواية عبادة ، ومضافاً إلىٰ ورود القضاء بمعان متعدّدة ـ إن المنساق من التعبير بالقضاء علىٰ ما اعترف به هو الحكومة بين المتخاصمين ، ولذلك يفرّق بينه وبين الفتوى بأنّ الفتوى هي عبارة عن بيان الحكم بنحو كلي وامّا القضاء فهو الحكم في القضايا الشخصية التي هي مورد تشاجر ونزاع. وهذا المعنىٰ قابل لأَن يراد هنا علىٰ ان يكون المقصود هو انهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حكم في مورد جزئي بين المتخاصمين بانّه لا ضرر ولا ضرار ، فلا ينافي ذلك كون الحكم الكلي تشريعاً الهياً عاماً ، وقد سبق ان نقلنا كلام بعض الفقهاء في اقتضاء هذا التعبير للحكم به في مورد خاص.

يضاف إلىٰ ذلك : استبعاد الالتزام بالمعنى المذكور في جملة من موارد استخدام هذا التعبير من قبيل ( قضىٰ في الركاز الخمس ) مع أن الخمس ثابت في الغنيمة بالمعنى الأَعمّ بقوله تعالىٰ :( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ ) (١) الشامل للركاز.

واما الثاني : ففيه منع عدم وجود النزاع في أي حكم في مورد قضية سمرة ، فانّ الذي تمثّله هذه القضيّة تحقّق أمرين :

__________________

(١) الانفال ٨ : ٤١.

١٨٧

الأَوّل : وجود النزاع في شبهة حكمية حيث ان الأَنصاري كان لا يرى لسمرة حق الدخول في داره بلا استئذان ، ولكن سمرة كان يرى نفسه انه يجوز له ذلك ، لأنّه له حقّ الاستطراق إلىٰ نخلته وليس يريد الدخول في مكان لا حق له في استطراقه حتىٰ يحتاج إلىٰ الاذن من مالك الأَرض ، وقد احتج بذلك في كلامه مع الأَنصاري ومع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما تضمنت ذلك معتبرة ابن بكير وخبر ابن مسكان ، ففي معتبرة ابن بكير بعد ذكر طلب الأَنصاري من سمرة ان يستاذن اذا دخل ( فقال : لا أفعل هو مالي أدخل عليه ولا استأذن ، فأتىٰ الأنصاري رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فشكى اليه واخبره فبعث إلىٰ سمرة فجاء فقال له استأذن فأبىٰ ، فقال مثل ما قال للانصاري ). وفي خبر ابن مسكان بعد ذلك ( فقال : لا استأذن في طريقي وهو طريقي إلىٰ عذقي ، قال : فشكاه الانصاري إلىٰ رسول الله فأرسل اليه رسول الله فأتاه فقال له : انَّ فلاناً قد شكاك وزعم انك تمرّ عليه وعلىٰ أهله بغير اذنه فاستأذن عليه اذا أردت أن تدخل ، فقال : يا رسول الله استأذن في طريقي إلىٰ عذقي ! ).

الثاني : طلب الأَنصاري من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ان يحميه ويدفع عنه اذى سمرة ، وذلك لأنّه كان يرى موقفه في النزاع الواقع في استحقاق الدخول دون اذن وعدمه ، هو الحقّ ، وكان قد ضاق به الأَمر من تكرر صدور ذلك من سمرة واصراره علىٰ الدخول دون اذن.

وعلى ضوء هذا : فيمكن القول بان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مورد الأَمر الأوّل ـ من النزاع الذي نشب بينهما ـ حكم علىٰ وفق القانون الإلهي العامّ وأمر سمرة بالاستئذان ، وهذا القانون هو حرمة الاضرار بالغير ، بناء علىٰ مسلك النهي ، اذ كان دخوله بلا استئذان إضراراً بالأَنصاري ، أو محدودية حق الاستطراق بعدم لزوم الضرر بالغير ـ بناء علىٰ مسلك النفي ـ أو بكلا

١٨٨

الأَمرين بناء على المعنى المختار للحديث الجامع للنفي والنهي بلحاظ كلا الجملتين وهما لا ضرر ولا ضرار.

وبعد ترجيح موقف الأَنصاري في مورد النزاع واباء سمرة عن الالتزام بموجب الحكم القضائي وصلت النوبة إلى معالجة الأَمر الثاني بتنفيذ الحكم القضائي دفعاً للضرر عن الأَنصاري ، وقد استندصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك إلىٰ مادة قضائه المذكور ـ وهي ( لا ضرر ولا ضرار ) ـ فأمر بقلع نخلته.

وامّا الثالث : فيرد عليه :

أوّلاً : ان مفاد ( لا ضرار ) لا يبرر الأَمر بالقلع في حدّ ذاته سواء كان حكماً أوّلياً أو سلطانياً ، إذ لا فرق بين نوع النهي في عدم دلالته على تشريع مثل هذا الاضرار كما هو واضح. وعليه فليس في الالتزام بالوجه المذكور علاج لهذه النقطة. وكأنّه قد وقع الاشتباه فيما ذكر بين مرحلة اتخاذ الحاكم وسيلة لدفع الاضرار كقلع النخلة ، وبين الحكم بلزوم دفعه الذي يتكفّله القانون العامّ.

وثانياً : ان ( لا ضرار ) اذا كان بدلالته على النهي لا يبرر الأَمر بالقلع فانه يمكن تبريره بدلالته على تشريع اتخاذ الوسائل الاجرائية لمكافحة الاضرار ـ على ما تقدّم ايضاحه في ذكر المسلك المختار ـ فلا يقتضي ذلك رفع اليد عن كون الحكم قانونياً الهياً ، وسيأتي زيادة ايضاح للموضوع في التنبيه الأَوّل من تنبيهات القاعدة.

المسلك الثالث : ما ذهب اليه المحقق صاحب الكفاية من ان المراد بالحديث هو نفي الحكم بلسان نفي موضوعه ادعاءً(١) وملخص ما ذكره في

__________________

(١) كفاية الأصول ٣٨٠ ـ ٣٨٢.

١٨٩

توضيح معنى الحديث يرجع إلى نقاط ثلاث :

الأُولى : في معنى الضرر والضرار. وقد ذكر ان الضرر هو ما يقابل النفع من النقص في النفس أو الطرف أو العرض أو المال ، وقال ( ان الاظهر ان يكون الضرار جيء به تأكيداً كما يشهد به اطلاق المضار على سمرة وحكي عن النهاية ولم يثبت له معنى آخر غير الضرر ).

الثانية : في المراد التفهيمي بالجملتين. وقد ذكر ان تركيب ( لا ) النافية انما هو لنفي الطبيعة اما حقيقة أو ادعاءً ، كناية عن نفي الآثار كما هو الظاهر من مثل ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) و ( يا أشباه الرجال ولا رجال ). والمقام من قبيل الثاني فالمقصود هو نفي حكم الضرر ، لكن الحكم الذي أريد نفيه بنفي الضرر ـ كما صرّح به ـ هو الحكم الثابت للأفعال بعناوينها أو المتوهّم ثبوته لها كذلك في حال الضرر لا الحكم الثابت للضرر بعنوانه لوضوح ان الضرر علة لنفي الحكم ـ حسب مفاد الحديث ـ فلا معنى لأَن ينفي حكم نفسه ، بل يلزم من ذلك التناقض في مرحلة الجعل ووعاء التشريع.

الثالثة : في وجه ترجيح هذا المعنى على غيره مما فسر به الحديث. والذي يظهر من مجموج كلامه في وجه ذلك :

أوّلاً : إنَّ اقرب المجازات بعد عدم امكان ارادة نفي الحقيقة حقيقة هو نفيها ادعاءً تحفظاً على نوع المعنى المُفاد استعمالاً ـ لكن على نحو التنزيل والادعاء ـ فان في المسالك الاخرى عدولاً عن ذلك.

وثانياً : ان النفي الادعائي كثيراً ما يستعمل فيه هذا التركيب حتى كان هو الغالب فيه بخلاف غيره من المعاني.

و في النقاط الثلاث نظر.

اما النقطة الأُولى : فيرد عليها انه لا يصح القول بوحدة معنى الكلمتين

١٩٠

تماماً على ما اتّضح من الابحاث السابقة ، فانهما يتفقان في المعنى من جهة المادّة لكن يختلفان من جهة الهيئة لان ( الضرر ) ، اسم مصدر من الثلاثي المجرد و ( الضرار ) مصدر من باب المفاعلة من الثلاثي المزيد فيه وقد تقدّم تحقيق معناهما.

واما النقطة الثانية : فلأَن تصوير نفي الحكم بنفي موضوعه في الحديث يتوقّف على امرين :

الأَوّل : ان يكون المقصود بالضرر والضرار العمل المضر ، اذ لو اريد به نفس معناه لم يتم هذا الوجه لانه ان كان معنى اسم مصدري ـ كما هو الصحيح في كلمة ( الضرر ) ـ فانه لا معنى لنفي حكمه ، لأنّه لا حكم له والحرمة والضمان انما هما من آثار المعنى المصدري على ما هو واضح ، وان كان معنى مصدرياً كما هو الصحيح في كلمة الضرار ، فانه وان كان له حكم كالحرمة والضمان الا ان نفيهما ليس بمقصود ولا معقول كما تنبه له هو (قده).

والثاني : ان يكون نفي الحكم بلسان نفي موضوعه صحيحاً وان كان الموضوع متعلقاً للحكم لا موضوعاً له بالمعنى المصطلح وهو ما فرض وجوده ورتب عليه الحكم ك‍ ( المستطيع ) في قوله ( يجب الحج على المستطيع ).

لكن لا يتم شيء من هذين الأَمرين.

اما الأَوّل : فلأَن قصد العمل المضر من الضرر إما بنحو المرآتية أو بنحو آخر.

فان كان بنحو المرآتية ، ففيه :

أوّلاً : ان جعل العنوان مرآة للمعنون هو خلاف الظاهر ، لان ظاهر الكلام هو ان ما اخذ مرتبطاً بالحكم في القضية اللفظيّة بنفسه مرتبط معه في القضيّة اللبية. وبهذا يفقد هذا التفسير ما جعله ميزة له في النقطة الثالثة من

١٩١

ان فيه تحفظاً على الظاهر اللفظي من نفي الطبيعة لكن ادعاءً بخلاف تفسيره بنفي الحكم الضرري مثلاً ، فانه يقتضي ارادة نفي سبب وجود الطبيعة ـ وهو الحكم الضرري ـ لانفسها.

وثانياً : انه لا يمكن جعل الضرر مرآة للعمل المضر ، لان مرآتية شيء لشيء ليست جزافية بل أقل ما يعتبر فيها نحو اتحاد بين المفهومين وجوداً ـ كما في العنوان والمعنون ـ وليست نسبة الضرر إلى العمل المضر كالوضوء من هذا القبيل ، بل هي من قبيل نسبة المعلول إلى العلة.

وان كان على غير المرآتية كالسببية والمسببية فهو أبعد منها استظهاراً لأن المرآتية فيما يقال أخف مراحل المجاز.

وأما الثاني ، ففيه :

أوّلاً : ان الحكم ليس من قبيل لواحق وجود متعلقه خارجاً حتى ينفى بلسان نفيه بل وجود المتعلق خارجاً مسقط للحكم لا مثبت له فهو متأخر عنه رتبة لا متقدم عليه ، وهذا بخلافه بالنسبة إلى موضوعه فانه من قبيل آثار وجوده الخارجي عرفاً لأَن علاقة الموضوع بالحكم علاقة العلّة بالمعلول فهو متقدم على الحكمة رتبة ، ولذا يصحّ نفيه بلسان نفيه ك‍ ( لا طلاق إلا لمن اراد الطلاق ) كما يصح نفي الأثر التكويني بلسان نفي مؤثره ك‍ ( يا اشباه الرجال ولا رجال ).

وثانياً : انه لو تم ذلك فانه يقتضي نفي حكم المتعلق ولو كان فعلاً تحريمياً فيما اذا كان في ارتكابه مضرة على المكلف ، ومن المعلوم انه لا يمكن الالتزام بذلك ، الا ان يتوسل في دفع ذلك بجهة اُخرى ككون الحديث في مقام الامتنان ، ودفع الحرمة عند الضرر خلاف الامتنان.

وأما النقطة الثالثة : فيرد عليها ما تقدّم من أن هذا التفسير لا يستدعي جعل نفي الطبيعة تنزيلاً فحسب على ما ذكر ، بل يقتضي التصرف في

١٩٢

( الضرر ) أيضاً بجعله معبراً عن العمل المضر كما مضى في نقد النقطة الثانية ، وبذلك يظهر أن كثرة النفي الادعائي في امثلة هذا التركيب لا تجدي في ترجيح هذا الوجه بعد اختلاف هذه الأَمثلة مع المقام في مدى حاجته إلىٰ التكلف والتأملّ.

المسلك الرابع : ـ في تفسير الحديث ـ ما نقله الشيخ الأَنصاري عن الفاضل التوني من ان مفاد الحديث نفي الضرر غير المتدارك فيرجع إلىٰ اثبات الحكم بالتدارك شرعاً(١) .

و تقريب ذلك علىٰ اساس جهتين :

الجهة الأولىٰ : ان الضرر المنفي يمكن أن يراد به في نفسه احد معان ثلاثة :

الأَوّل : كل نقص واقعي سواء كان متداركاً خارجاً أو محكوماً بالتدارك أم لا.

الثاني : النقص غير المتدارك خارجاً وذلك بلحاظ ان النقص اذا كان متداركاً لا يكون مصداقاً للضرر لتداركه بحكم القانون العقلائي والشرعي ، كبذل المثل أو القيمة في تلف الأَموال أو الديات في تلف الأَنفس والاطراف ، فانه يكون منتفياً بالنظر العرفي المسامحي ـ وان لم يكن كذلك بالنظر الدقي ـ ولذا يعبّر عن اداء العوض بالتدارك فيكون مثال الضرر المتدارك مثال معاوضة شيء بما يساويه قيمة ومالية ، فكما لا يصدق الضرر في هذه فكذلك في تضرّر صاحب المال في شيء. وكذا من أصيبت سيارته وأخذ عوض ما خسره من شركة التأمين لا يقال انه أصابه ضرر عرفاً.

الثالث : النقص غير المحكوم بلزوم تداركه قانوناً وشرعاً ، فان النقص

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ / ٥٣٢.

١٩٣

المحكوم بلزوم تداركه اذا كان للقانون قوة إجرائية تضمن تحقّق التدارك الخارجي ـ عادة ـ يمكن ان ينفى كونه ضرراً تنزيلاً وادعاءً وإن لم يتدارك خارجاً.

فهذه معان ثلاثة وحيث انه لا يمكن ان يكون الضرر المنفي بالحديث هو المعنىٰ الأَوّل للزوم مخالفة الواقع بعد وجود الضرر خارجاً ، مع انه خلاف المفهوم العرفي للضرر أيضاً كما يتضح مما ذكر في المعنىٰ الثاني ، وكذلك لا يمكن ان يكون هو المعنىٰ الثاني لعدم تدارك كل ضرر خارجاً فيتنافى مع عموم النفي ، فلا بد ان يراد المعنىٰ الثالث فيرجع إلىٰ اثبات حكم شرعي قاض بالتدارك في مورد كل ضرر.

الجهة الثانية : إنّه بناءً علىٰ هذا التفسير يكون مفاد ( لا ضرار ) الحكم بضمان من أضر بأحد في شيء وأما ( لا ضرر ) فهو باعتبار كون الضرر اسم مصدر لا يتضمن النسبة الصدورية ، يكون مفاده نفي لضرر مطلقاً سواء كان من قبل شخص معيّن أو كان لحادثة طبيعية أو غير ذلك ، فكلّ ضرر أصاب شخصاً في نفسه أو ماله ، فإنّه لا يذهب هدراً بل له ضامن لا محالة فإن كان بسبب شخص معيّن فيكون الضمان عليه ، وإلاّ فيكون الضمان علىٰ الإمام والدولة.

وبذلك يستفاد من الحديث ثبوت تأمين عام في الدولة الإسلامية بالنسبة إلىٰ أفراد المجتمع الإسلامي ، وقد حدث التأمين في المجتمع البشري أولاً بداعٍ إنساني تعاوني فكان مرجعه إلىٰ تحمّل الجماعة المشتركين في أداء حقّ التأمين للخسارة الواقعة علىٰ الشخص حتىٰ لا تكون الخسارة ثقلاً عليه. وإلىٰ ذلك يرجع ما يتعارف في بعض المجتمعات من التعاون بين أفراد القبيلة عند إرادة بعض أفرادها تأسيس عائلة جديدة حيث يهدي كل منهم ما يسد بعض حاجتها ، إلا أنّه أصبح فعلاً وسيلة لاستثمار

١٩٤

الآخرين.

ويمكن تأييد هذه الفكرة بجملة من الروايات الواردة في جملة من مصاديق الموضوع.

ففي الحديث عن أبي عبد اللهعليه‌السلام انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : أنا أولىٰ بكلّ مؤمن من نفسه وعلي أولىٰ به من بعدي. فقيل له : ما معنىٰ ذلك ؟ فقال قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ترك دَيناً أو ضياعاً فعليَّ ، ومن ترك مالاً فلورثته ، فالرجل ليست له علىٰ نفسه ولاية إذا لم يكن له مال وليس له علىٰ عياله أمر ولا نهي إذا لم يجرِ عليهم النفقة والنبي وأمير المؤمنينعليه‌السلام ومن بعدهما الزمهم هذا ، فمن هناك صاروا أولىٰ بهم من أنفسهم ، وما كان سبب اسلام عامة اليهود إلا من بعد هذا القول من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( أنّهم آمنوا علىٰ أنفسهم وعلىٰ عيالاتهم )(١) .

وفي الصحيح عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قضىٰ أمير المؤمنينعليه‌السلام في رجل وُجِدَ مقتولاً لا يُدرىٰ من قتله قال : ( إن كان عرف له أولياء يطلبون ديته أعطوا ديته من بيت مال المسلمين ، ولا يبطل دم امرئ مسلم لأنّ ميراثه للإمام فكذلك تكون ديته علىٰ الإمام ، ويصلّون عليه ويدفنونه. قال : وقضىٰ في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات أن ديته من بيت مال المسلمين(٢) ومثله أحاديث أُخرىٰ.

إلى غير ذلك ممّا دلّ علىٰ انّه لا يذهب دم امرئ مسلم هدراً ومثله ماله لأن حرمة ماله كحرمة دمه ـ كما في الحديث(٣) .

__________________

(١) اصول الكافي ١ / ٣٣٥ ـ ٣٣٦ ح ٦.

(٢) الوسائل ج ٢٩ ص ١٤٥ ـ ١٤٦ الحديث ٣٥٣٤٦.

(٣) الرسائل ج ١٢ ص ٢٩٧ الحديث ١٦٣٤٩.

١٩٥

هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب هذا القول وإن كان ما ذكرناه في مفاد ( لا ضرر ) مما لا يلتزم به القائل بهذا القول يقيناً ، لكنه لازم هذا الرأي بعد كون ( الضرر ) اسم مصدر شاملاً لكل ضرر يرد علىٰ الإنسان.

و يمكن أن يناقش في ذلك بوجوه :

الأوّل : ان ما ذكر في تعيين هذا المعنىٰ ليس بتام لأنّ نفي الضرر والضرار كما يمكن أن يكون بملاحظة جعل الحكم بالتدارك الذي يوجب انتفاءهما بقاء بنحو التنزيل ، فكذلك يمكن أن يكون بعناية التسبيب إلىٰ عدم الاضرار ـ فيكون مفاد الحديث هو النهي ـ أو بعناية عدم التسبيب الىٰ ضرر المكلفين ـ فيكون مفاده نفي الحكم الضرري ـ لأنّ هاتين الجهتين أيضاً مصححتان لنفي المعنىٰ علىٰ ما تقدّم ، فلا يتعين التفسير المذكور.

الثاني : إنّه إذا كان المدعى في ( لا ضرر ) أن معناه كمعنى ( لا ضرار ) وهو نفي الضرر الصادر من الغير بالنسبة إلىٰ الإنسان ليختص الحكم بالتدارك بالاضرار الصادر من الغير ، فهو معنىٰ معقول في نفسه لكن إنما يناسب مع ( لا ضرر ) لو كان الضرر مصدراً محتوياً علىٰ النسبة الصدورية ، حيث يمكن القول باختصاصه حينئذٍ بالاضرار الصادر عن الغير ، وأمّا علىٰ ما هو الصحيح من انّه اسم مصدر فلا وجه لتخصيصه بذلك بل ينبغي تعميمه لكل ضرر واقع علىٰ الشخص ـ ولو من جهة عوامل طبيعيّة ـ.

وإن كان المدعىٰ انّ معناه نفي كل ضرر واقع علىٰ الشخص من غير تدارك ـ كما أوضحناه ـ فهو ممّا لا يمكن الالتزام به لأنّه لم يثبت في الإسلام تدارك كل ضرر واقع علىٰ أي شخص مهما كان سببه ـ من العوامل الطبيعية وغيرها ـ بحيث يرجع إلىٰ تأمين عامّ من قبل الدولة كما لم يعرف مثل ذلك في عصرنا هذا عن شيء من القوانين البشرية. ( نعم ) يمكن الالتزام بضمان الدولة فيما لو قصرت فيما هو من وظائفها تجاه الناس كما لو لم تُجعل

١٩٦

الحواجز اللازمة لاجتياح السيول مثلاً مع توفر الامكانات الماديّة لديها.

الثالث : ان هذا المعنىٰ ليس بمنساق من الحديث ونحوه أصلاً بل الذي ينساق إلىٰ الذهن من نفي الماهيّة من قبل الشارع ، إمّا نفي التسبيب الشرعي إليها ـ إن كان نفيها في معرض توهّم تسبيب شرعي علىٰ ما أوضحناه في جملة ( لا ضرر ) فيرجع إلىٰ نفي الحكم الضرري. أو التسبيب إلىٰ انتفائها ـ كما هو الحال علىٰ مسلك النهي ـ ويشهد علىٰ ذلك ملاحظة موارد استعمال النفي في التعبير عن موقف شرعي كالأمثلة المتقدمة فيما سبق.

وأما الحكم بالتدارك فهو وإن كان مصححاً لنفي الضرر لكن لا يفي به الكلام من دون قرينة زائدة تدلّ عليه.

الرابع : ان هذا المعنىٰ لا يناسب موارد تطبيق الحديث من قبيل قضيّة سمرة ، فإنّه لم يحكم فيها بتدارك الضرر الواقع علىٰ الأنصاري لعدم كونه قابلاً للتدارك كما هو واضح.

هذا وقد يناقش في هذا المسلك بوجوه أُخرىٰ :

منها : ما ذكره السيد الأُستاذ (قده) من أن هذا المسلك يقتضي تقييد الضرر المنفي بغير المحكوم بتداركه والتقييد خلاف الأصل فلا يصار إليه(١) . ( ويرد عليه ) انّه ليس المقصود بهذا التفسير تقييد الضرر بغير التدارك ، بل المنفي هو مطلق الضرر لكن بملاحظة الحكم بتداركه ، فالحكم بالتدارك مصحح لنفيه مدلول عليه بدلالة الاقتضاء بعد تعذّر حمل النفي علىٰ النفي الخارجي للطبيعة ، وليس عدمه قيداً لها وبين الأمرين فرق واضح ففي كل نفي تنزيلي يكون فقدان كمال ما مصححاً لنفي المعنىٰ ، وليس عدم ذلك الكمال قيداً في المنفي فنفي الطبيعي عن حصته تنزيلاً

__________________

(١) لاحظ مصباح الأصول ٢ / ٥٢٩.

١٩٧

نفيٌ لوجوده في ضمنها مطلقاً ، بينما تقييده بعدمها يستبطن الاعتراف بكونها منه. والتنزيل بحاجة إلىٰ عناية دون حذف والتقييد بحاجة إلىٰ حذف دون عناية ، ونافي التنزيل هو أصالة الحقيقة أي ظهور الكلام في المعنىٰ الحقيقي ، وأما نافي التقييد فهو أصالة الاطلاق ـ أي ظهور الكلام في كون الطبيعة تمام الموضوع للنفي ـ.

ومنها : ما ذكره الشيخ الأنصاري (قده) ووافقه جمع من أن الضرر الخارجي لا يصحّ تنزيله منزلة العدم بمجرد حكم الشارع بلزوم تداركه ، وإنّما المنزل منزلة العدم الضرر المتدارك فعلاً(١) . ( ويرد عليه ) انّه إذا حكم الشارع بالتدارك وجعل لتنفيذ ذلك قوة إجرائيّة ـ كما أن لكلّ قانون من القوانين الاجتماعية بحسب التشريع قوة إجرائية طبعاً ـ فإنّه يكون التدارك حينئذٍ من نظر المقنن جارياً مجرىٰ الأمر الواقع فيصح اعتباره واقعاً تنزيلاً.

المسلك الخامس : ما يظهر من كلام الصدوق في الفقيه من أن المقصود بهذه الجملة أن إسلام الشخص واعتقاده الدين الإسلامي لا يوجب تنقيص شيء من حقوقه ، فكلّ حقّ كان ثابتاً له لو لم يكن مُسلِماً فإنّه يثبت له في حالة إسلامه كحقّ الإرث عن المورّث الكافر ، وبهذا الاعتبار استدلّ بهذا الحديث علىٰ ما ذهبت إليه الإماميّة وجمع من الصحابة والتابعين وعلماء العامة ـ خلافاً لأكثرهم كأئمة المذاهب الأربعة ـ من أن المسلم يرث من الكافر.

قال (قده) ( لا يتوارث أهل ملتين والمسلم يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم ، وذلك أن أصل الحكم في أموال المشركين انّها فيء للمسلمين

__________________

(١) لاحظ رسالة ( لا ضرر ) للشيخ الانصاري ملحقة بمكاسبه ص ٣٧٢ ، رسالة ( لا ضرر ) للعلامة شيخ الشريعة ص ٤١ ـ الفصل الثامن ـ ومصباح الأصول ٢ / ٥٢٩.

١٩٨

وأن المسلمين أحقّ بها من المشركين ، وأن الله عزّ وجلّ إنّما حرّم علىٰ الكفّار الميراث عقوبة لهم بكفرهم كما حرّم علىٰ القاتل عقوبة لقتله ، فأمّا المسلم فلأيّ جرم وعقوبة يحرم الميراث ؟ وكيف صار الإسلام يزيده شراً مع قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الإسلام يزيد ولا ينقص. ومع قولهعليه‌السلام لا ضرورة ولا إضرار في الإسلام. فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولا يزيده شراً. ومع قولهعليه‌السلام ( الإسلام يعلو ولا يُعلىٰ عليه )(١) فهو اعتبر مفاد هذا الحديث كمفاد قولهعليه‌السلام ( الإسلام يزيد ولا ينقص ).

و لتوضيح ذلك : لابدّ من بيان أمرين : كيفية تطبيق الحديث علىٰ هذا المعنىٰ ، وكيفيته انطباق المعنىٰ علىٰ هذا الموضوع.

أما الأول : فيمكن تطبيق الحديث علىٰ هذا المعنىٰ بأن يحمل لفظ ( في ) في الحديث علىٰ التعليل والسببيّة كما قيل في قوله تعالىٰ :( فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي ) (٢) وقوله :( لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ ) (٣) ، وما نسب إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ( أن امرأة دخلت النار في هرّة حبستها ) ، كما يحمل لفظ الإسلام علىٰ التدين بالدين الخاص ـ لا علىٰ نفس الدين ـ فيكون مفاد الحديث علىٰ هذا أنّه لا يدخل ضرر علىٰ المرء بإسلامه.

وعلىٰ هذا فيماثل مفاده مفاد الرواية الأُخرىٰ التي نقلها من طرقهم واحتجّ بها جماعة من فقهاء الفريقين علىٰ ثبوت الإرث ـ وهي ( الإسلام يزيد ولا ينقص ) ـ فإنّ الضرر في هذا الحديث بمعنىٰ النقص أيضاً كما مرّ ، بل يمكن الاستمداد بهذا الحديث في تفسير ( لا ضرر ) بذلك ردّاً للمتشابه إلىٰ

__________________

(١) الفقيه ٤ / ٢٤٣ ح ٧٧٨.

(٢) يوسف ١٢ / ٣٢.

١٩٩

المحكم لأنّ كلامهم يفسّر بعضه بعضاً.

لكن قد يشكل تفسير ( لا ضرار ) بذلك لأنّه يقتضي أن يكون معناه أن اعتقاد الإسلام لا يسبّب الإضرار بالغير وهذا معنىٰ بعيد ، لأنّ أحداً لا يتوهّم أن اعتقاد الإسلام يوجب الإضرار بالنسبة إلىٰ الغير. لكن يمكن أن يجاب عن ذلك : بأنّ المقصود بعدم تسبيبه للإضرار انّ هذا الاعتقاد لا يخوله الإضرار بالآخرين وسلب حقوقهم ، إذا كانوا ممّن يحترم ماله كالمسلم والذمّي والمعاهد.

وأمّا الثاني : وهو انطباق هذا المعنىٰ علىٰ المورد ، فقد يشكل من جهة أن عدم الإرث من المورث ليس ضرراً وإنّما هو من قبيل عدم النفع ، فلا مورد لتطبيق هذه الكبرى. لكن يمكن أن يجاب عن ذلك بأنّ الإرث وإن كان في حد ذاته انتفاعاً فعدمه ليس إلا عدم انتفاع لا ضرراً علىٰ الشخص ، إلا انّه باعتبار ثبوت حق الوراثة للشخص بالنسبة إلىٰ مال مورثه يمكن اعتبار الحكم بانتفاء هذا الحق من جهة اسلامه ضرراً ونقصاً ، كما يدلّ علىٰ ذلك تطبيق عنوان ( الإضرار ) و ( الضارة ) ونحوهما ك‍ ( الجور والحيف ) علىٰ وصية الميت إذا كانت تشمل أكثر أمواله ـ مثلاً ـ كما في قوله تعالىٰ :( مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ) (١) ، وفي الحديث ( قال عليعليه‌السلام ما أُبالي أضررت بولدي أو سرقتم ذلك المال )(٢) و ( قال عليعليه‌السلام من أوصىٰ ولم يحف ولم يضارّ كان كمن تصدّق به في حياته )(٣) وفيه أيضاً ( من عدل في وصية كان كمن تصدق بها في حياته ومن جار في وصيته لقىٰ الله

__________________

(١) النساء ٤ : ١٢.

(٢) الوسائل ج ١٩ كتاب الوصايا الباب ٥ ح ٢٤٥٥٥ ص ٢٦٤.

(٣) الوسائل ج ١٩ كتاب الوصايا الباب ٥ ح ٢٤٥٥٦ ص ٢٦٤.

٢٠٠