قاعدة لا ضرر ولا ضرار

قاعدة لا ضرر ولا ضرار0%

قاعدة لا ضرر ولا ضرار مؤلف:
تصنيف: علم أصول الفقه
الصفحات: 360

قاعدة لا ضرر ولا ضرار

مؤلف: آية الله السيد علي الحسيني السيستاني
تصنيف:

الصفحات: 360
المشاهدات: 49336
تحميل: 2787

توضيحات:

قاعدة لا ضرر ولا ضرار
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 360 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 49336 / تحميل: 2787
الحجم الحجم الحجم
قاعدة لا ضرر ولا ضرار

قاعدة لا ضرر ولا ضرار

مؤلف:
العربية

المعارض للعام المحكوم ـ بلسان معارض معه ـ بأن يثبت ما نفاه العامّ أو ينفي ما أثبته ، وانما يؤدي ذلك بلسان منسجم معه حيث يمثل نفسه على انه بيان لحدود الموضوع وعدم تحققه في المورد ـ مثلاً ـ ليتمثل انتفاءً الحكم في المورد انتفاءً طبيعياً باعتبار عدم تحقّق موضوعه ، فهو يتضمن نحواً من الالتواء وعدم الصراحة في أداء المعنى.

وحقيقة التخصيص على العكس فإنها عبارة عن تحديد العموم بأسلوب معارض معه وهو اسلوب الصراحة بأن ينفي ما يثبته العام أو يثبت ما ينفيه صريحاً ، من غير أن يلجأ إلى طريقةٍ غير مباشرة كان ينفي الموضوع لينتهي بذلك إلى نفي الحكم ، فالدليل المخصص ـ على خلاف الحاكم ـ يعكس معارضة محتواه مع العموم فيكون مفاده استعمالاً موافقاً لما يراد به تفهيماً من دون لف ودوران في عرض المعنى.

وبذلك يظهر ان الحاكم والمخصص أسلوبان مختلفان في أداء المعنى الواحد وتفهمه فقول الشارع ( لا يجب اكرام العالم الفاسق ) وقوله ( العالم الفاسق ليس بعالم ) كلاهما يدلان على معنى تفهيمي واحد وهو عدم وجوب اكرام العالم الفاسق ، لكنهما يختلفان في المراد الاستعمالي أي في اسلوب التعبير عن نفي الحكم حيث يؤديه الأَوّل صراحة والثاني على نحو الكناية من غير تصريح ، وذلك تفنن أدبي في اساليب إبراز المعنى الواحد.

هذا ولكن هناك اتجاه آخر في حقيقة الحكومة هو المعروف بين الاصوليين ، وهو ان قوام الحكومة بنظر أحد الدليلين إلى الدليل الآخر وسوقه قرينة شخصية لبيان المراد من ذلك الدليل سواء كان ذلك بلسان التنزيل كما في نفي الحكم بلسان نفي موضوعه أم لا كما لو جعل الحكم المضاف إلى العام منفياً عن حصّة أو فرد من الموضوع كأن يقال ( وجوب إكرام العلماء غير ثابت للفاسق أو لزيد ) لان هذا اللسان ناظر إلى اثبات الحكم للعامّ.

٢٤١

ولكن هذا الاتجاه ليس بصحيح عندنا وتوضيحه : ان لكل باب مورداً متيقناً له ، يكون أساساً في تحليل ذلك الباب ومأخذاً لملاكه وتحديده ، كموارد قصور القدرة اتفاقاً بالنسبة إلى باب التزاحم مثلاً ، فكل تحليل لأي باب إنما يصح ـ بعد تمامية تصوّره في حدّ نفسه ـ اذا أمكن شموله للمورد المتيقن للباب ، ولا ضير بعد ذلك لاندراج موارد أُخرى تحت الباب وعدم اندراجها ، والاّ لم يكن تحليلاً لذلك الباب وانما يكون تحديداً لظاهرة اُخرى.

وموارد التنزيل بالنسبة إلى الحكومة من هذا القبيل فانها هي القدر المتيقن لها فلا يصح أي تحليل للحكومة الاّ اذا تم اندراج موارد التنزيل فيه وليس بامكان احد أن ينكر تحقّق الحكومة في موارد نفي الحكم بنفي موضوعه من قبيل قوله ( العالم الفاسق ليس بعالم ) مثلاً.

والاتجاه المذكور غير قادر على ذلك ، لان لسان التنزيل لا يقتضي نظراً إلى دليل آخر أصلاً لا بالمطابقة ـ كما هو واضح ـ ولا بالالتزام ، لأَن دلالته عليه بالالتزام انما تتم لو كانت صحة هذا اللسان لغة أو بلاغة تقتضي نظره إلى دليل آخر ، وليس الأَمر كذلك ، فان صحة هذا اللسان لغة انما تتوقف على وجود تناسب بين المعنى الاستعمالي والمراد التفهيمي ـ كما هو شأن كل اعتبار ادبي ـ ولا تعلق لذلك بالنظر إلى دليل آخر. كما ان صحته بلاغة ـ بمعنى النكتة المصححة للعدول إلى هذا اللسان من اللسان الصريح ـ انما هي الحذر من مواجهة احساسات المخاطب ضد الكلام حيث يكون ثبوت الحكم لموضوعه بنحو عامّ مرتكزاً في ذهنه ولا أهمية لوجود دليل آخر وعدمه في ذلك. وسوف يتضح هذا من خلال التعرض للمصحح اللغوي والبلاغي لهذا اللسان ، ثم سنعود إلى بيان الموضوع بعد ذلك تفصيلاً.

الجهة الرابعة : في المصحّح اللغوي للسان التنزيل

٢٤٢

ان الاعتبار التنزيلي اعتبار أدبي يختلف فيه العنصر المعنوي عن العنصر الشكلي للكلام وكل اعتبار أدبي بحاجة إلى مصححين لغوي وبلاغي.

١ ـ فالمصحح اللغوي : هو العلاقة والتناسب بين المعنى الاعتباري ( المجازي ) والمعنى الحقيقي ، وذلك انه كلما عبّر عن معنى خاص بعنصر شكلي يختلف عنه فإنه لا بُدّ من تسانخ وتناسب بين الأمرين ليصح بذلك التعبير عن المعنى المراد بالشكل الخاص ، وبدون توفر ذلك لا يصح استعمال اللفظ في التعبير عن المراد لغة بل يكون خطأ وقد تعرضنا لمصحّح الاستعمال المجازي وحدوده بنحو عام في مباحث الألفاظ.

٢ ـ والمصحح البلاغي : ـ وقد يعبّر عنه بالنكتة البلاغية أو وجه العدول عن التعبير الحقيقي ـ وهو الجهة التي توجب اداء المعنى بنحو الاعتبار الأَدبي دون التصريح ، وذلك لان العدول عن التعبير الحقيقي وان كان يصح لغة من دون نكتة لوجود المصحح اللغوي للاستعمال ، الاّ أن مقتضى البلاغة اختيار التعبير الصريح في اداء المعنى ما لم يوجد دافع لاستعمال التعبير المجازي.

ويتضح الفرق بين المصححين في المثال الآتي :

اذا عبرنا عن زيد بالأَسد ، فالمصحح اللغوي لهذا التعبير هو التشابه بينهما في صفة الشجاعة ولكن المصحح البلاغي لذلك هو قصد تحقيق نفس الإحساس الموجود تجاه الأَسد بالنسبة إلى زيد.

والمصحح اللغوي لاسلوب التنزيل هو احدى نكتتين :

١ ـ النكتة الأولىٰ : التناسب الكائن بين التسبيب إلى عدم تحقّق الطبيعة في الخارج وبين المفاد الاستعمالي لصيغة النفي من انتفائها خارجاً ، فحيث كان المعنى المراد مصداقاً للتسبيب إلى عدم تحقّق الطبيعة صحّ ان

٢٤٣

يكون محتوىً لصيغة النفي على اساس التناسب المذكور. وأوضح مصداق للتسبيب إلى ذلك هو تحريم الطبيعة تحريماً مولوياً لا سيّما اذا انضم إلى ذلك تشريع اتخاذ وسائل اجرائية للصدّ من تحققها خارجاً كما هو مفاد مقطع ( لا ضرار ) من حديث ( لا ضرر ولا ضرار ) على ما سبق توضيحه.

ولكن لا ينحصر مصداقه بذلك ، بل يتحقق في الموارد التالية أيضاً :

١ ـ فصل الماهية الاعتبارية عن اثارها الوضعية التي تترتب عليها عقلاءً ـ كما في المورد الأَوّل من الموارد السابقة للنفي التنزيلي ، فهذا المعنى يكون مصداقاً للتسبيب إلى عدم الماهية خارجاً باعتبار ان مطلوبية مثل هذه الماهيات كالعقود والايقاعات ليست لذاتها ، بأن تكون في حدّ انفسها مما يدعو اليها قوة نفسية للانسان ـ كالغضب والشهوة ـ وانما هي لأجل تلك الآثار التي تترتب عليها فاذا فصلت عنها كان ذلك موجباً لزوال الرغبة ومؤدياً إلى انتفاء الماهية خارجاً.

ولأجل ذلك قلنا فيما تقدّم ان استعمال صيغة النهي في مثل هذا المورد ليس مجازاً لان فصل الطبيعة عن آثارها يوجب انزجار المكلف عنها بالامكان فيكون الزجر عنها زجراً حقيقياً طبعاً.

٢ ـ تحديد الماهية التي هي متعلق للأَمر المولوي ـ كما في المورد الثالث من الموارد السابقة للنفي التنزيلي ـ.

وهذا المعنى أيضاً يكون مصداقاً للتسبيب إلى عدم تحقّق الماهية ، وذلك من جهة ان الرغبة إلى الماهية في هذا المورد أيضاً ليست لذاتها وانما لأَجل امتثال الأَمر وتفريغ الذمة عن المأمور به ، فاذا حدد الشارع الماهية المأمور بها وأخرج منها حصة خاصة كان ذلك موجباً لزوال الرغبة عن تلك الحصة ومؤدياً إلى انتفائها خارجاً.

ولذلك أيضاً قلنا بان استعمال صيغة النهي في هذا المورد ليس مجازاً

٢٤٤

ـ نظير ما سبق في المورد السابق ـ بنفس النكتة.

ويجمع هذين الموردين أمران :

أوّلاً : ان كون محتوى النفي فيهما مصداقاً للتسبيب إلى عدم الماهية انما هو على أساس استلزامه لانتفاء السبب إلى تحقّق الماهية حيث كانت الرغبة اليها لا لنفسها وانما لجهة خاصة فأوجب محتوى النفي زوالها.

وثانياً : ان التسبيب فيهما تسبيب حقيقي ولو عرفاً ـ على خلاف المورد الثالث الآتي ـ وذلك من جهة ان إعدام العلّة سبب لعدم معلولها ، ومحتوى النفي فيهما موجب لعدم العلّة في تحقّق الماهية ـ وهي الباعث عليها والمرغب فيها ـ.

١ ـ هدم الحكم الموجب لتحقق الماهية التي هي مرغوب عنها في حدّ نفسها ، وفي قوّة الهدم بيان عدم وجود مثل هذا الحكم حيث يتوهّم أو يحتمل وجوده ، وذلك كما في المورد السادس من الموارد السابقة للنفي التنزيلي.

وهذه الجهة أيضاً مصداق للتسبيب إلى عدم تحقّق الماهية لأَن الماهية حيث كانت مرغوبة عنها لذاتها لم يكن هناك سبب لإيجادها ، الا ثبوت حكم موجب لها وحيث ان هدم الحكم أو بيان عدم وجوده يزيل هذا السبب كان ذلك مؤدياً إلى عدم ايجاد الماهية.

لكن هذا مصداق تنزيلي للتسبيب وليس حقيقياً ـ كما في الموردين الأَولين ـ لأَن السبب الحقيقي لعدم الماهية في هذه الحالة انما هي الرغبة الطبيعية عنها ، وانما كان وجود الحكم الموجب لها أو توهم وجوده مانعاً عن فاعلية تلك الرغبة ، وبهدم الحكم أو بيان عدمه يزول هذا العائق.

٢ ـ النكتة الثانية : تناسب واجدية حصة من الماهية لنقص أو فقدها لكمال ، فانّ ذلك يصحح نفي تحقّق الماهية بها تنزيلاً لوجودها منزلة

٢٤٥

عدمها ، ومن هذا القبيل نفي الانسانية عمن لم لكن له أخلاق فاضلة.

وتنطبق هذه النكتة أيضاً في موارد :

١ ـ اذا كان المنفي موضوعاً لحكم شرعي كما في المورد الثاني من الموارد السابقة للنفي التنزيلي ، وذلك كما لو قيل ( الفاسق ليس بعالم ) بعد ما قيل ( اكرم العالم ) فإن الفسق حيث كان صفة نقص في العالم صح نفي العالم في حالة وجوده تنزيلاً ، وهكذا قوله ( لا شك لكثير الشك ) فان كثرة الشك لما كانت توجب نقصاً في اعتبار الشك وقيمته صحّ نفي تحقّق أصل الشك معها.

٢ ـ اذا كان المنفي حصة من ماهية منهي عنها ـ كما في بعض أقسام المورد الثالث من الموارد المذكورة ـ ك‍ ( لا ربا بين الوالد والولد ) فان الحق العظيم الذي يثبت للوالد على الولد يوجب كون الزيادة ـ المسمّاة بالربا ـ كلا زيادة بالنسبة اليه.

٣ ـ اذا كان المنفي نفس الحكم الشرعي لعدم استحقاق العقوبة على مخالفته ـ كما في المورد الرابع من تلك الموارد ـ فان عدم الاستحقاق حيث انه صفة نقص في الحكم عرفاً صح نفيه تنزيلاً.

وتتجلى هذه النكتة في الحكومة بلسان الاثبات إذا كان المعنى المثبت صفة نقص كما لو قيل إن ( ولد الكافر كافر ) فإن إثبات تلك الصفة تنزيلاً يكون على أساس نقص مناسب لتلك الصفة وهي كون الانسان ولداً للكافر الذي يعد صفة نقص فيه.

وامّا اذا كان المعنى المثبت صفة كمال فتنطبق فيها نكتة أخرى هي عكس تلك النكتة وهي واجدية الشيء لكمال يناسب تلك الصفة كما لو قيل ان ( ولد المسلم مسلم ) فان كون الانسان ولداً لمسلم تعتبر صفة كمال فيه وهي تناسب الصفة المثبتة له من الاسلام.

٢٤٦

ويلاحظ ان هذه النكتة قابلة للتطبيق في بعض موارد النكتة الأُولى : فمثلاً يمكن أن يقال في ( لا صلاة الا بطهور ) ـ وهو مما يندرج في المورد الثاني منها ـ إن مصحح النفي فاقدية الصلاة في هذه الحالة لكمال وهي الاقتران بالطهارة.

فظهر مما ذكرنا : انه لا يمكن ان يكون ادّعاء اقتضاء لسان التنزيل للنظر إلى دليل آخر مبنيّاً على اقتضاء المصحح اللغوي للتنزيل لمثل هذا المعنى ، فان المصحح للتنزيل في كل اعتبار ادبي هو التسانخ بين المراد الاستعمالي والمراد التفهيمي وليس للنظر دخلٌ في ذلك.

الجهة الخامسة : في المصحح البلاغي للسان التنزيل.

قد ذكرنا في الأَمر السابق ان البلاغة تقتضي اختيار المتكلم للاسلوب الصريح في مرحلة أداء المعنى ورفض الأَساليب الملتوية والمعقدة ، لأَن الاسلوب الصريح أسلوب طبيعي وواضح في الأداء والتفهيم ، ولذلك لا بُدّ ان يكون العدول عن هذا الاسلوب واختيار اسلوب التنزيل والكناية في موارد الحكومة مبنياً على مصحح بلاغي من مراعاة جهة تتوفر في هذا الاسلوب دون الاسلوب المباشر الصريح.

وبما ان هذا الاسلوب أسلوب أدبي ، فنشير أوّلاً إلى النكتة العامة في الاعتبارات الأَدبية ثم نتعرض لتحليل النكتة في مقامنا هذا على ضوء ذلك :

١ ـ اما النكتة العامة في الاعتبارات الأَدبية فهي التصرف بمشاعر المخاطبين وعواطفهم واحساساتهم باختيار أسهل طرق التعبير وأحسنها واوفاها ، ليصل المتكلم من خلالها إلى مقاصده بصورة لا تجرح ولا تمسّ تلك الأحاسيس والعواطف ، بل ليستفيد منها في الوصول إلى مقاصده تلك. وهذه الجهة هي فلسفة البلاغة وسرّها. ولا بدّ في ذلك من ملاحظة الحالات النفسية للمخاطبين فيما يتعلق بالموضوع بنحو عام ليتسنى التفاعل معها

٢٤٧

تفاعلاً مناسباً ولأجل هذا المعنى كان علم البيان في الحقيقة من العلوم النفسية.

وقد يقتضي ما ذكرنا اختيار أساليب مختلفة حسب اختلاف المقامات ، ولذلك عرف هذا العلم بانه ( علم يعرف به أداء المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة وخفائها ) الاّ ان الصحيح ان يقال في التعريف ( بطرق مختلفة في التأثير في النفس شدّة وضعفاً ) لان سرّ الاختلاف في الاسلوب ليس اختلاف الأَساليب في مستوى الوضوح وانما منشأه اختلافها في الوقع والتأثير النفسي المطلوب حصوله في نفس المخاطب ونوعه.

فالتعبير الحقيقي والتشبيه والاستعارة مثلاً أساليب تختلف في درجة اثارة المعنى في نفس المخاطب كما لو قيل ( زيد شجاع ) أو ( زيد كالأَسد ) أو ( جاء الاسد ) ، فإثارة الاستعارة للاحساس بشجاعة زيد أقوى من اثارة التشبيه كما ان اثارة التشبيه بدورها أقوى من إثارة التعبير الحقيقي.

واما النكتة الموجبة لاختيار أسلوب الكناية من قبل الشارع في مقام بيان تحديد الحكم فهي ترتكز على أمرين :

أحدهما : اختلاف هذا الاسلوب عن أسلوب التصريح في نوع إثارة المعنى. ويظهر ذلك فيما لو استخدمنا هذين الاسلوبين في مقابل فكرة عامة مخالفة لمحتواهما ، فأسلوب التصريح ـ بلحاظ انه يمثل المعنى على ما هو عليه ـ يكون جارحاً لتلك الفكرة معارضاً لها ، ولذا قلنا إن لسانه لسان المعارضة مع العامّ واذا كان المخاطب بالكلام مقتنعاً بتلك الفكرة المخالفة وكان الترابط بين الحكم والموضوع ـ مثل ـ في ذهنه ترابطاً وثيقاً ، فان مواجهته بهذا الاسلوب يثير احساسه ضد مؤدّى الكلام طبعاً فيوجب انكاره أو استنكاره له ، من جهة كون ذلك مجابهة واضحة مع ما ارتكز في ذهنه من الارتباط بينهما.

٢٤٨

واما اسلوب الكناية فإنه يثير المعنى بنحو لا يمسّ باعتقاد المخاطب ومشاعره واحساسه ، لان مظهره مظهر المسالمة والاعتراف بتلك الفكرة حيث إنه ينفي تحقّق الموضوع مثلاً ليترتب عليه انتفاء الحكم انتفاءً طبيعياًً ، وبذلك يخيّل المتكلم لمخاطبه بانه لا يعارض اعتقاده بثبوت الحكم للموضوع ، بنحو عامّ بل يقرّه عليه ويعترف له به حتى كانه لو كان الموضوع متحققاً في المورد لثبت الحكم.

وبذلك يكون المعنى أوقع في نفس المخاطب وأقرب إلى قبوله واذعانه.

وبهذا يظهر اختلاف هذين الاسلوبين في نوع التأثير الاحساسي.

الأَمر الثاني : اختلاف المواضيع التشريعية التي يتعرض لها الدليل الحاكم أو المخصص في ارتكاز فكرة مخالفة لمؤداه في ذهن المخاطب وعدمه.

فقد يكون المخاطب بالدليل خالي الذهن عن اية فكرة عامة مقابلة ، أو يكون له فكرة مقابلة إلا انها غير مرتكزة في ذهنه ، فتزول بمجرّد اطلاعه على الدليل ـ حتى وان كان له مستند في تلك الفكرة من عموم أو اطلاق ـ.

ففي هذه الحالة لا مصحح بلاغي للتعبير بلسان الحكومة حتى وان كان هناك عموم أو اطلاق على خلاف مؤدى الدليل ـ بل المناسب ان يعبّر المتكلم بلسان صريح بعدم وجوب اكرام العالم الفاسق مثلاً لو كان الدليل الأول هو ( اكرم العلماء ) ، ولا موجب لأَن ينفي عنه العلم لينتج عدم وجوب اكرامه.

وقد يكون المخاطب بالدليل ذا ارتكاز ذهني في الموضوع على خلاف مؤدى الدليل ـ والمراد بالارتكاز الفكرة الثابتة في الذهن الراسخة في عمقه بحيث يصعب رفع اليد عنه احساساً ، وان اطّلع على دليل على

٢٤٩

خلافه ـ.

وفي هذه الحالة يعدل المتكلم البليغ عن النفي الصريح للحكم إلى لسان النفي غير المباشر ، تجنّباً عن إثارة مشاعر المخاطب وأحاسيسه واختياراً لأحسن طرق التعبير مع الجمهور وأسهلها ، لجلبهم إلى المقاصد المنشودة حيث يشتدّ الارتباط الاحساسي في اذهانهم ويصعب تفكيك شمول الحكم وعزله عن بعض الحصص.

ويلاحظ أن منشأ الارتكاز الذهني لا يكون امراً ادراكيّاً محضاً كقيام عموم أو اطلاق ، لأَنّ ذلك بمجرده لا يستدعي مقاومة ذهنية للمخاطب في مقابل الدليل الحاكم ، بل يرتفع الاعتقاد الإدراكي بقيام ذلك.

وانما يكون منشأه امراً احساسياً يستوجب ثبوت المعنى في نفس المخاطب واستقراره في ذهنه وتعلقه به ، وذلك لأَحد أمور :

١ ـ شدة مناسبة الحكم والموضوع في الأَذهان ، كما لو اراد الشارع تحديد حكم وجوب اكرام العالم وكان المجتمع يرى انه لا يمكن ان يكون هناك عالم لا يجب اكرامه لما في نفوسهم من احساس الاحترام والتقدير بالنسبة إلى العلماء. وحينئذٍ لما كان الشارع لا يريد أن يجابه مثل هذه المرتكزات الذهنية بصورة علنية فانه يقول ( الفاسق ليس بعالم ).

ويمكن تخريج كثير من الامثلة السابقة في الامر الثاني على هذه النكتة وذلك من قبيل ( لا طلاق الا باشهاد ) فان استعمال هذا الاسلوب في هذه الجملة ربما كان بلحاظ شدّة المناسبة بين الطلاق الانشائي والطلاق الشرعي. وكذلك نفي المتعلق في ( لا صلاة الا بفاتحة الكتاب ) ربما كان باعتبار شدة التناسب بين الصلاة وبين المطلوبية شرعاً ، وهكذا نفي الحكم في ( رفع ما لا يعلمون ) ربما كان باعتبار ما انغرس في الاذهان من أن الحكم الشرعى يوجب الموافقة له عقلاً.

٢٥٠

٢ ـ اشتهار ثبوت الحكم للموضوع بالدعايات ووسائل النشر والاعلام ونحوها مما يوجب تلقيناً نفسياً للمجتمع. ولعل هذه الجهة هي الموجبة لاستعمال هذا الاسلوب في مواضيع كان محتوى الدليل فيها مخالفاً لما هو المشهور لدى العامة ك‍ ( لا طلاق إلا باشهاد ) فإن العامة ترى صحة الطلاق بلا اشهاد.

٣ ـ أن يكون العموم الملحوظ لدى المخاطب ذا لسان آبٍ عن التخصيص كما قد يقال في قوله تعالى :( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ) (١) ففي هذه الحالة لا يناسب استخدام الاسلوب الصريح وهو اسلوب التخصيص ، باعتبار منافاته مع لسان العامّ. بل لا بُدّ من اختيار أسلوب الحكومة المنسجم معه كما مرّ ذلك.

فهذه بعض مناشئ الارتكاز الذهني بين الحكم وموضوعه.

فمثل هذه العوامل والاسباب هي التي تقتضي أن يعبر الشارع عن مقصوده بلسان غير مباشر حتى لا يصطدم بالمشاعر والاحاسيس والمرتكزات الذهنية المحترمة لدى الجمهور.

فهذه هي النكتة العامة لأسلوب الحكومة.

لكن هذه النكتة إنما هي فيما كان مصبّ النفي أو الاثبات فيها نفس الحكم أو ما يرتبط به كالموارد الخمسة الأُولى من موارد السلب التنزيلي التي سبق ذكرها في الأَمر الأَوّل ، وأما حيث يكون مصب ذلك امرا خارجياً مسبباً عن الحكم كالحرج والضرر ـ وهو المورد السادس من تلك الموارد ـ فإنه لا تتأتى فيه هذه النكتة كما هو واضح. بل لا يبعد ان تكون النكتة في العدول إلى لسان التنزيل في مثل ذلك بيان عدم تناسب ثبوت الحكم المسبّب إلى

__________________

(١) يونس ١٠ / ٣٦.

٢٥١

الحرج والضرر مع المصلحة العامة.

الجهة السادسة : في اقتضاء لسان التنزيل ( وهو لسان الحكومة ) نظر الدليل إلى ارتكاز ذهني للمخاطب على خلافه ـ لا إلى عموم أو اطلاق ـ.

قد ظهر مما ذكرنا أن اسلوب التنزيل ـ وهو لسان الحكومة باعتبار مصححه البلاغي ـ يقتضي نظر المتكلم إلى ارتكاز ذهني مخالف للدليل ، حيث إن اختيار الاسلوب غير المباشر بالذات ، إنما هو لعدم مجابهة هذا الارتكاز وذلك جرياً على النكتة العامة للاعتبارات الأدبية من اختيار الاسلوب المناسب مع مشاعر المخاطب واحساسه.

وبذلك يتضح بان الفكرة المخالفة التي ينظر الدليل الحاكم إلى ردِّها إنما هي الاعتقاد المرتكز في ذهن المخاطب ، وليس معنى متمثلاً في الأَدلّة بحسب مقام الاثبات من عموم أو اطلاق ، كما اشتهر لدى الاصوليين حيث قالوا ان قوام الحكومة بوجود عموم أو اطلاق يكون الدليل الحاكم ناظراً اليه ؛ اذ يرد على ذلك :

أوّلاً : ان مصحح هذا الاسلوب كما ذكرناه في تحليل الموضوع ليس النظر إلىٰ دليل آخر ، وانما إلى ارتكاز مخالف سواء كان عليه دليل من عموم أو اطلاق أو غيرهما أم لا ؟ ومجرد وجود العموم أو الاطلاق لا يصحح اختيار هذا اللسان والعدول عن التعبير الصريح من قبل البليغ لأَن هذا الاسلوب اسلوب ادبي يتضمن اثبات الشيء أو نفيه تنزيلاً ، والاسلوب الأَدبي انما تصححه نكتة بلاغية تتعلق بكيفية التأثير في المخاطب ، ومجرد النظر إلى دليل آخر ليس كذلك كما هو واضح.

وثانياً : انه يصح استعمال هذا اللسان بالبداهة اللغوية حتى فيما لم يكن هناك عموم أو اطلاق اذا كان هناك ارتكاز ذهني للعرف يخالف بعمومه مؤدى الدليل ، اما من جهة تصور الإجماع الحجة أو لشدة تناسب الحكم

٢٥٢

والموضوع أو لغير ذلك من عوامل الارتكاز الذهني.

ومن هنا صحّ قولهعليه‌السلام ( لا طلاق الا باشهاد ) مثلاً رغم ورود الأَمر بالإشهاد في الآية عقيب ذكر الطلاق مما يمنع عن تحقّق إطلاق لها في ذلك ، قال تعالىٰ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) (١) ثم قال في الآية التالية :( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ ) (٢) .

فهذا يؤكد أنّه ليس مصحح هذا الاسلوب ومقتضاه وجود عموم أو اطلاق ، بل العبرة بالارتكاز الذهني للمخاطب ولو كان على خلاف الدليل كما في الطلاق باعتبار اشتهار فتوى العامة فيه.

وثالثاً : انه قد يكون صدور الدليل المتضمن لهذا الاسلوب على أساس عدم وجود دليل على الحكم فلا يعقل ثبوت مفاده مع وجود الدليل عليه وذلك كما في ( رفع ما لا يعلمون ) ( وكل شيء لك حلال ).

وهكذا يتضح انه لا تتوقف صحة استعمال هذا الاسلوب على وجود عموم أو اطلاق فلا يكون صدور الحاكم لغواً لو لم يكن هناك دليل محكوم في رتبة سابقة ـ على ما هو المعروف منهم بين الاعلام ـ.

نعم هنا نكتة أخرى هي أن ردّ الارتكاز الذهني ـ ولو بنحوغير صريح ـ يستبطن نفي ما يكون حجة على هذا الارتكاز لدى المخاطب ـ بما في ذلك العموم والاطلاق ـ فيما اذا كان المتكلم مطلعاً عليه فيكون تحديد ذلك ملحوظاً بنحو غير مباشر في لسان التنزيل ، إلا ان هذا اللحاظ غير المباشر

__________________

(١) الطلاق ٦٥ / ١.

(٢) الطلاق ٦٥ / ٢.

٢٥٣

ليس هو المصحح لهذا الاسلوب كما هو واضح.

الجهة السابعة : في مدى اشتراك الحكومة والتخصيص في الأحكام.

قد ظهر بما ذكرنا ان الحكومة والتخصيص متحدان بحسب المحتوى ، وانما يختلفان في أسلوب أداء المعنى ، حيث انه اسلوب مسالم للعموم في الأَوّل ، ومعارض معه في الثاني. ويتفرع على هذه الجهة اشتراك الحاكم والمخصص في الأَوصاف والأَحكام المنوطة بمحتوى الدليل دون الأحكام المنوطة باسلوبه.

توضيح ذلك : ان الاحكام التي تثبت للدليل المخصّص أو العامّ على قسمين :

١ ـ القسم الأَوّل : ما يكون منوطاً بمحتوى الدليل ، وهو القسم الأَكبر منها لأن اكثر الأَحكام المذكورة للخاص في المباحث المختلفة انما تثبت له باعتبار واقعه من اخراج بعض افراد العام عن تحته وفيما يلي بعض امثلة ذلك :

منها : اتصاف المخصص المنفصل بكونه معارضاً مع العام ، فان التعارض كما اشرنا من قبل انما هو وصف للدليل بلحاظ مدلوله التفهيمي لا باعتبار لسانه ومعناه الاستعمالي.

ومنها : تأثير المخصص في تحديد ظهور العامّ حيث يكون متصلاً ، وفي تحديد حجيته حيث يكون منفصلاً فان هذا التأثير انما هو بلحاظ محتواه المصادم للعامّ ، لا باعتبار أسلوبه كما هو واضح. وكذلك القول في مدى اعتبار ظهور العام وحجيته مع الشك في المخصص المتصل أو المنفصل.

ومنها : امتناع تخصيص الأحكام العقلية ، وسرّ الامتناع ان التخصيص يرجع إلى أوسعية مقام الاثبات عن مقام الثبوت في الحكم المخصّص ،

٢٥٤

والحكم العقلي ليس له مقامان إثبات وثبوت ، واستلزام التخصيص لذلك أيضاً بلحاظ محتواه لا بلحاظ مفاده الاستعمالي.

ومنها : امتناع تخصيص العام في اكثر افراده من جهة لزوم التناسب بين التعبير في مقام الاثبات وبين مقام الثبوت فلا يناسب التعبير بالعموم اثباتاً ، الاّ حيث يثبت الحكم لما يناسب العموم في الواقع وتخصيص العام بهذه الكثرة ينقض التناسب المذكور.

ومنها : كون التخصيص أهون وجوه التصرف في الظاهر ولذا يتعين حيث يدور الأَمر بينه وبين حمل الأَمر على الاستحباب في مثل ( يستحب إكرام العلماء ) و ( اكرم العالم العادل ) ووجه ذلك : استلزامه رفع اليد عن اصالة العموم واصالة العموم اضعف الظهورات المنعقدة للكلام ، بخلاف حمله على الاستحباب فإنه مستوجب لرفع اليد عن ظهور الأَمر في الوجوب وهو ظهور قوي.

فهذا القسم من احكام المخصص يشترك معه فيها الدليل الحاكم ، لأَنها منوطة بمحتوى الدليل وهو متحد فيهما ، ولو لم تثبت تلك الأحكام للحاكم كان مرجعه إلى تأثير أسلوب الدليل في تحقّق الوصف أو الحكم المنوط بمحتواه أو في عدم تحققه وهو امر غير معقول.

وبذلك يظهر النظر في جملة من كلمات المحقق النائيني (قده) حيث فصل بين موارد الحكومة والتخصيص في جملة من المواضيع السابقة :

منها : تفصيله بينهما في تحقّق التعارض بين الدليلين حيث قال بتحققه في موارد التخصيص دون الحكومة ـ وسيأتي توضيح ذلك ـ.

ومنها : ما يظهر من بعض كلماته في بحث حجية الظن(١) من انه اذا

__________________

(١) لاحظ أجود التقريرات ٢ : ٧٧.

٢٥٥

شكّ في التخصيص أمكن الرجوع إلى العام وذلك كما لو قال ( اكرم العلماء ) وشك في انه هل قال ( لا تكرم العالم الفاسق ) أو لا. ولكن اذا شك في الحكومة لم يمكن الرجوع إلى العام كما لو شك في انه هل قال ( العالم الفاسق ليس بعالم ) أم لا ، وكأن مبنى ذلك أن التمسك بالعام في مورد الحكومة المشكوكة يكون من قبيل الشبهة المصداقية لنفس العامّ ولا يجوز التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية لنفسه اتفاقاً.

٢ ـ والقسم الثاني : ما يكون منوطاً بالاسلوب الاستعمالي للدليل ، وله أمثلة :

منها : امتناع تخصيص العام حيث يكون لسانه بدرجة من القوة يأبى عن التخصيص كما قيل به في قوله( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ) (١) وقوله ( ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً )(٢) فان هذا الحكم منوط بأسلوب الدليل المخصص لأنّه من جهة كونه أسلوب معارضة مع العام ، يكون كاسرا لقوة لسانه فيكون استخدامه في تحديد العام أمراً مستهجناً.

ومنها : إمكان كون المخصص عقليا فإن هذا الامكان باعتبار أن العقل إنما يدرك الواقع بصورته التي هو عليه كما هو شأن الدليل المخصص ـ حيث ان لسانه موافق لواقعه ـ.

ومنها : عدم نظر المخصص إلى فكرة مخالفة من ارتكاز ذهني للمخاطب أو عموم أو اطلاق الا في حالات خاصة كان يكون المنفي هو الحكم العام نحو ( وجوب اكرام العلماء لا يثبت في حقّ زيد ).

ووجه عدم نظره : أن الأسلوب الصريح أسلوب طبيعي لا يختص

__________________

(١) يونس ١٠ / ٣٦.

(٢) لاحظ جامع الأحاديث ـ أبواب النجاسات ـ الباب ٢٣ الحديث ٥ : ٤٤٣ ـ ج ١ : ٥٠ ـ ٥١.

٢٥٦

بقصد نفي فكرة مخالفة كما يختص الأسلوب الكنائي بذلك من جهة مصححه البلاغي.

وهذا القسم من أحكام المخصص لا يشترك فيها معه الدليل الحاكم لأنّه منوط بأسلوبه ، والدليل الحاكم يختلف عن المخصص في الأسلوب فان أسلوبه أسلوب كنائي غير مباشر.

ففي المثال الأول : يجوز تحديد العامّ الآبي عن التخصيص بلسان الحكومة ، لأن لسانه لسان مسالم للعموم فلا يكسر شوكة لسان العموم حتى يكون مستهجناً. وبذلك أجبنا فيما سبق عما قيل من استهجان تخصيص ( لا ضرر ) لانه حكم امتناني ، مع أن تفسيره بنفي الحكم الضرري موجب لتخصيصه لا محالة كما سبق التعرض له.

وفي المثال الثاني لا يجوز كون الحاكم عقلياً لأن اسلوب الحكومة تعبير عن الشيء بغير ما هو عليه لأنّه اعتبار أدبي ، والأعتبار الأدبي اما اعطاء حد شيء لشيء آخر أو سلب حد الشيء عن نفسه ، وهذا يغاير كيفية ادراك العقل.

وربما يظهر من كلمات بعض الأَعاظم ـ في مبحث الاستصحاب ـ نفي امكان كون الحاكم عقلائياً ـ أيضاً ـ لكن قد يقال في دفع ذلك ان الفكرة الذهنية للعقلاء كما يمكن ان تكون على امر حقيقي فكذلك يمكن ان تكون على امر اعتباري كما قد يقال بذلك في اعتبار الامارات علماً.

وفي المثال الثالث : يكون الدليل الحاكم بمقتضى مصححه البلاغي مقتضياً للنظر إلى فكرة مخالفة كما تقدّم توضيحه سابقاً.

ويتفرع على هذا الفرق بين الحاكم والمخصص توفر الحاكم على مزية دلالية عامة ، من حيث اقتضاء اسلوبه للنظر إلى الله ليل المخالف ـ ولو

٢٥٧

بنحو غير مباشر ـ ولأجل ذلك يتقدم أحد العامين من وجه على الآخر اذا كان بأسلوب الحكومة من غير حاجة إلى مزية اخرى ، وهذا بخلاف المخصص فانه لا يستتبع اسلوبه المباشر أية مزية دلالية وانما يكون تقدمه رهين وجود مزايا خارجة عن مقتضاه الطبيعي توجب أظهريته على العام فيتقدم بملاك الأظهرية.

الجهة الثامنة : في وجه تقدّم الحاكم على المحكوم.

إن في وجه تقدّم الحاكم على المحكوم وجوها ثلاثة :

الوجه الأوّل : ما ذكره المحقق النائيني والسيد الاستاذ0 من أنّه لا تعارض بين الحاكم والمحكوم أصلاً وذلك بأحد تقريبين :

الأول : ما في كلمات المحقق النائيني ومن وافقه(١) من عدم معقولية المعارضة بين الحاكم والمحكوم من جهة أن المحكوم يثبت حكماً على تقدير ، غير متعرض لثبوت ذلك التقدير ونفيه ، وأما الدليل الحاكم فهو ناظر إلى إثبات ذلك التقدير ونفيه.

وتوضيحه : ان التعارض بين الدليلين فرع تعرّضهما لنقطة واحدة ، والحاكم والمحكوم ليسا كذلك اذ كل منهما يتعرض لما لا يتعرض له الآخر ، فان الحاكم مثلاً يتعرض لوجود الموضوع أو لنفيه وأما المحكوم فهو يتعرض لاثبات الحكم لموضوعه على نحو القضية الحقيقية ، وهذا المقدار لا تعرض فيه لوجود الموضوع في المورد وعدمه لان القضية الحقيقية في قوة القضية الشرطية ، وكما أن القضية الشرطية لا تتعرض لوجود الشرط ، وانما تفيد ثبوت التالي عند ثبوت الشرط ، فكذلك القضية الحقيقية لا تتعرض لوجود الموضوع وانما مفادها ثبوت الحكم عند تحقّق الموضوع.

__________________

(١) لاحظ أجود التقريرات ٢ : ٥٠٥ ـ ٥٠٦ ، ونظيره مصباح الأصول ٢ : ٥٤٢ إلا أنّه خصه بالحكومة علىٰ عقد الوضع.

٢٥٨

ويرد عليه : إن التعارض بين الدليلين ليس بحسب المراد الاستعمالي فيهما قطعاً ، وإلاّ لم يقع التعارض بين القول المثبت لمعنى مع القول النافي له بلسان المجاز أو الكناية ، كما لو قيل ( زيد بخيل ) و ( زيد كثير الرماد ) أو ( زيد جبان ) و ( زيد أسد ) لأن كل منهما بحسب المراد الاستعمالي يتعرض لما لا يتعرض له الآخر.

وانما العبرة في التعارض بالمراد التفهيمي من الدليلين وهو مختلف في الحاكم والمحكوم ، فإن الحاكم وان كان ينفي ما هو موضوع للمحكوم استعمالاً ـ مثلاً ـ الا ان المراد به تفهيماً نفي نفس الحكم الذي يثبته المحكوم فهما متعارضان.

يضاف إلى ذلك انّ هذا لا يتم في قسم من قسمي الحكومة لدى هؤلاء وهو حيث يكون الحاكم متعرضاً لعقد الحمل من المحكوم ، فإنه حينئذٍ يتعرض لنفس ما يثبته المحكوم أو ينفيه كما هو واضح.

الثاني : ما قد يظهر من بعض كلمات السيد الأستاذ (قده) من ان الدليل الحاكم شارح للمراد من المحكوم ومبين للمراد منه والشارح لا يعارض المشروح.

ويرد عليه :

أوّلاً : إن مبنى إدعاء الشارحية هو الاعتقاد بأن الحاكم ناظر إلى المحكوم ومسوق للتعرض له ، وقد سبق عدم تمامية هذا الرأي بل أوضحنا ان الحاكم انما ينظر إلى الارتكاز الثابت في ذهن المخاطب على الارتباط بين الحكم وموضوعه بنحو عامّ ، وهذا النظر هو مصحح لسانه التنزيلي دون النظر إلى اطلاق وعموم.

وثانياً : ان الشارحية انما هي سمة لأسلوب الدليل الحاكم ولسانه واما واقعه ومحتواه فهو كالمخصّص واقع في المعارضة مع العام حيث إنهما جميعاً يقتضيان كون مقام الاثبات في الدليل العام اوسع من مقام الثبوت

٢٥٩

على خلاف المراد التفهيمي للدليل المزبور.

وبذلك يتّضح أنّه لا يتم تقديم الحاكم على اساس عدم معارضته مع المحكوم وشرحه له.

نعم : لو فسرنا التعارض بالتنافي في الحجية ـ كما ذهب إليه المحقق الخراساني ـ لم يكن هناك تعارض بين الحاكم والمحكوم كسائر موارد الجمع العرفي لكن حجية أحد الدليلين فيهما في طول حجية الآخر ، لكن عدم التعارض بين الدليلين بهذا المعنى لا يغني عن وجود نكتة دلالية مثلاً تفرض تقديم أحد الدليلين على الآخر ، بل هومتفرع على وجود مثل هذه النكتة.

الوجه الثاني : أن يقال إن الحاكم مسوق لتحديد المحكوم لكونه ناظراً إليه مباشرة فهو قرينة شخصية قد نصبها المتكلم على مراده بالمحكوم.

وهذا الوجه مبني على الرأي المعروف لدى الأصوليين من تقوم الحكومة بنظر الحاكم إلى الدليل المحكوم وقد سبق انه غير تام.

الوجه الثالث : ما هو المختار وهو ان اسلوب الحكومة وإن لم يكن مسوقاً للنظر إلى أي دليل آخر بل هو ناظر بالاصالة إلى ارتكاز ذهني عامّ مخالف لمؤدى الدليل لكنه ناظر بنحو غير مباشر إلى نفي ما يكون حجة على هذا الارتكاز المخالف ، وبذلك يستبطن تحديد تلك الحجة متى كانت عموماً أو اطلاقاً ، وهذه مزية دلالية تستوجب تقديمه على تلك الحجة وتحديدها به.

بقي هنا امران :

الأَمر الأَوّل : انه قد يوحي كلمات كثير من الأصوليين ان الدليل الحاكم بموجب نظره إلى المحكوم يوجب تقدمه عليه مطلقاً بلا استثناء وشذوذ ، وهذا لا يخلو عن غلوّ وافراط ، فان هناك جملة من الحالات تطرأ على هذا الأسلوب ـ كما تطرأ على اسلوب التصريح ـ لا يجوز فيها تقديمه

٢٦٠