قاعدة لا ضرر ولا ضرار

قاعدة لا ضرر ولا ضرار0%

قاعدة لا ضرر ولا ضرار مؤلف:
تصنيف: علم أصول الفقه
الصفحات: 360

قاعدة لا ضرر ولا ضرار

مؤلف: آية الله السيد علي الحسيني السيستاني
تصنيف:

الصفحات: 360
المشاهدات: 46371
تحميل: 2701

توضيحات:

قاعدة لا ضرر ولا ضرار
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 360 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 46371 / تحميل: 2701
الحجم الحجم الحجم
قاعدة لا ضرر ولا ضرار

قاعدة لا ضرر ولا ضرار

مؤلف:
العربية

ولذا ورد ان غسل الحيض والجنابة واحد.

وهكذا يظهر أن مقتضى الآية فساد الوضوء والغسل في حالة كونهما ضرريّين.

وهناك تقرير آخر لدلالة الآية على هذا المعنى مبناه على القول بأن المراد بعدم وجدان الماء في الآية هو ما يعم كونه مضراً أو غير ميسر فيقال : ان التعبير بعدم وجدان الماء في حالة الضرر يدل على ان وجود الماء كأن لم يكن في هذه الحالة شرعاً ، ومقتضى ذلك عدم صحة الوضوء والغسل به فيها.

لكن المبنى المذكور ضيف لان اطلاق عام الوجدان في مورد المرض غير مناسب عرفاً فلا يقال مثلاً لمريض يضره استعمال الماء وهو على ضفة النهر انه غير واجد للماء كما هو واضح.

هذا وقد يعترض على التقرير الذي ذكرناه بوجوه :

الوجه الأَوّل : ان ظاهرالآية ان قوله :( وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا ) (١) جملة واحدة مستقلة عما قبلها ، وعليه يكون مفادها اشتراط الامر بالتيمم في المريض والمسافر أيضاً بعدم وجدان الماء. فلو كان المريض واجداً للماء يجب عليه الوضوء والغسل.

وقد ذهب إلى ذلك بعض علماء العامة ، ففي الخلاف ( المجدور والمجروح وما اشبههما ممّن به مرض مخوف يجوز له التيمم مع وجود الماء وهو قول جميع الفقهاء الاّ طاووساً ومالكاً فانهما قالا يجب عليهما استعمال

__________________

(١) المائدة ٥ / ٦.

٢٨١

الماء )(١) .

وفي بداية المجتهد لابن رشد نقل عن عطاء انه لا يتيمم المريض ولا غير المريض اذا وجد الماء(٢) .

وقد ذكر في وجهه ان الضمير في( لَمْ تَجِدُوا مَاءً ) (٣) يعود إلىٰ المريض والمسافر ايضاً.

ويؤيد ذلك عدة روايات من طرقنا تدل على تعين الغسل على المريض وان اصابه ما اصابه.

منها : ما رواه سليمان بن خالد وأبو بصير وعبدالله بن سليمان جميعاً عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ( انه سئل عن رجل كان في أرض باردة فتخوف إن هو اغتسل أن يصيبه عنت من الغسل كيف يصنع ؟ قال : يغتسل وان اصابه ما اصابه. قال : وذكر أنه كان وجعاً شديد الوجع فاصابته جنابة وهو في مكان بارد ، وكانت ليلة شديدة الريح باردة ، فدعوت الغلمة فقلت : لهم احملوني فاغسلوني ، فقالوا : نخاف عليك. فقلت ليس بدّ ، فحملوني ووضعوني على خشبات ثم صبوا عليَّ الماء فغسلوني )(٤) .

ونحوها صحيحة محمّد بن مسلم(٥) .

لكن يرد على هذا الاعتراض : انه لا يمكن الالتزام بالوجه المذكور.

اما أوّلاً : فلأَنه مخالف لاجماع المسلمين ولا يعتد بخلاف من ذكرنا ، كما هو مخالف للروايات الكثيرة التي دلت على عدم تعين الوضوء والغسل

__________________

(١) الخلاف ١ : ١٥١ مسألة ١٠٠.

(٢) بداية المجتهد ١ : ٦٦ ط ١٤٠١ ه‍.

(٣) المائدة ٥ / ٦.

(٤ ـ ٥) لاحظ جامع الأحادبث كتاب الطهارة أبواب التيمم الباب ٧ ج ٣ / ح ١٨ / ٣٢٦٢ ص ـ ٥٠ و ١٩ / ٣٢٦٣ ص ٥١.

٢٨٢

في حال المرض ، وهي مقدمة على تلك الروايات من جهتين :

إحداهما : تواتر هذه الروايات.

والجهة الاخرى : انه قد روى بعضها المتأخرون من رواة اصحابنا عمن بعد الصادقعليه‌السلام من الأَئمة ، كما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي عن الرضاعليه‌السلام في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح وجروح أو يكون يخاف على نفسه من البرد. قال : ( لا يغتسل يتيمم )(١) وقد اوضحنا في بحث تعارض الادلة وغيره أن المتأخرين من رواتنا من اصحاب الكاظم والرضاعليهما‌السلام ممّن ألفوا جوامع حديثية كانوا ينظرون في أسئلتهم للإمام المتاخر إلى ما روي عن الامام الباقر والصادقعليهما‌السلام فهي حاكمة على تلك الروايات ، ومقامنا من هذا القبيل.

وأما ثانياً : فلان هذا المعنى ليس ظاهراً من الآية أيضاً إذ لو اراد ذلك لم تكن حاجة بل لم يكن وجه لذكر المرض والسفر وما بعدهما حيث كان يكفي أن يقول( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) (٢) .

الوجه الثاني : ان الأَمر بالتيمم في حالة المرض والسفر بعد الأَمر بالوضوء والغسل أوّلاً بنحو عام ليس مفاده عرفاً الا عدم لزوم الوضوء والغسل في حصول الطهارة لا عدم كفايتهما في ذلك ، والسر فيه انه متى حدّد الحكم الالزامي بعذر من الأَعذار كالاضطرار والحرج ونحوهما ـ سواءاً كان التحديد تحديداً مباشراً أو تحديداً غير مباشر كما إذا كان بنكتة كون التفصيل قاطعاً للشركة ـ كما في المقام ـ فان المنساق عرفاً انتفاء الالزام في حالة العذر لا عدم مطلوبية الشيء في هذه الحالة ، فيقتضي عدم صحته واجزائه أصلاً ،

__________________

(١) المصدر السابق نفس الموضع ح ١٣ عن أبي عبد الله ١٣ / ٣٢٥٧ ، عن ابي الحسن الرضا ١٤ / ٣٢٥٨ ص ٤٩.

(٢) المائدة ٥ / ٦.

٢٨٣

فلو قيل مثلاً ( احفظ خطبة من نهج البلاغة وان كان عسراً فاقرأ صحيفة من القرآن ) فانه لا يستفاد منه الا عدم الالزام بحفظ الخطبة في صورة تعسره لا عدم اجزائه كما هو واضح.

والمقام من هذا القبيل لان المرض وعدم الوجدان اللذين اُخذا موضوعين للحكم الثاني ـ وهو الأَمر بالتيمم ـ إنّما هما من الاعذار لعدم الاتيان بمتعلق الامر الأَوّل ـ من الوضوء والغسل ـ وعليه فيستفاد من الآية اجزاء الطهارة المائية لمن يضره الماء.

ويرد على ذلك : ان ما ذكر انما يتم فيما اذا كان موضوع الحكم الثاني عنوان الحرج والعسر ونحوهما فيستظهر من الكلام ان متعلق الأَمر الأَوّل يؤثّر أثره المطلوب في حالة العذر ، وعنوان الضرر ليس من هذا القبيل عرفاً ، ولذا لو قال الطبيب للمريض ( يجب عليك لاستعادة نشاطك ان تمشي كل يوم مقدار كيلومتر ، وان كان يضرك ذلك فاستعمل العلاج الخاص ) فانه لا يقتضي ان المشي ينفعه في استعادة نشاطه من حالة تضرره به. وكذا في المقام فمن الجائز ان يكون الأَثر النفسي المطلوب من الطهارة المائية لا يحصل بها في حالة المرض والتضرر أصلاً.

الوجه الثالث : انه لا يبعد ان يكون ذكر المريض في الآية بملاحظة أن استعماله للماء حرج عليه لا مضرّ به ، وكذلك يكون ذكر المسافر باعتبار كون تحصيل الماء بالنسبة اليه حرجياً ، وعليه فالمقصود بذلك إخراج حالة الحرج في استعمال الماء أو في الوصول اليه.

ويشهد لذلك تعليل الترخيص في التيمم بقوله( مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) (١) .

__________________

(١) المائدة ٥ / ٦.

٢٨٤

وعلى هذا فلا ترتبط الآية بمحلّ البحث ، مضافاً إلى أن تحديد الأَمر بالوضوء والغسل بعدم الحرج لا يعني عدم صحتهما حينئذٍ لأَن تحديد الحكم بمثلهما لا يعني الا محدودية الالزام دون عدم صحة العمل كما تقدّم.

ويرد عليه :

أوّلاً : ان كون المرض كناية عن الحرج في استعمال الماء خلاف المتعارف في الاستعمالات ، فان المعهود فيها ان يكنى به عن الضرر.

وثانياً : انه لا وجه للاستشهاد على ذلك بذيل الآية ، لان ذلك مرتبط بأصل جعل الطهارات الثلاث لا بخصوص التيمم ـ كما تنبه له بعض المفسرين ـ فالمقصود به ان الله تعالى لم يأمر بها لكي يحرج عباده ويشق عليهم وانما امر بها لتطهيرهم.

الوجه الرابع : ان يقال انه لو سلمنا انَّ الآية الشريفة تدل على عدم وجوب الوضوء والغسل في حال المرض الا انه يكفي في مشروعيتهما إطلاق ادلة استحبابهما وحينئذٍ يترتب عليهما أثرهما وهو الطهارة من الحدث(١) .

ويرد عليه :

أوّلاً : انه لم يقم دليل على الاستحباب النفسي للوضوء والغسل فيما عدا الوضوء التجديدي والوضوء المشروع للحائض. على ما أوضحناه في علم الفقه.

وثانياً : انه لو فرض وجود الدليل على استحبابهما النفسي فلا اطلاق له بالنسبة إلى من يضرّه الماء فان الامر الاستحبابي بهما انما هو في الحصة التي يكون واجداً فيها لشرط الوجوب لا مطلقاً.

__________________

(١) لاحظ مصباح الأصول ٢ : ٥٥٢.

٢٨٥

وثالثاً : ان ما ذكر انما يتم فيما لو كان المستفاد من الآية مجرد تحديد وجوبهما بعدم الضرر. واما لو كان المستفاد منها تحديدهما بما أنهما شرطان للصلاة أو محصلان لما هو شرطها ـ من الطهارة ـ فانها حينئذٍ تكون دليلاً على الفساد عند فقدان الحد المذكور.

وبذلك ظهر انه لا اطلاق لدليل مشروعية الوضوء والغسل بالنسبة إلى من يضره الماء. فلا محل للبحث عن اجراء ( لا ضرر فيهما ) حتى يبحث عن أن المستفاد منها عام للجاهل بالضرر أو مختص بالعالم به.

البحث الثاني : في أنّه لو فرض اطلاق أدلة مشروعية الوضوء والغسل بالنسبة إلى من كان يضره استعمال الماء فهل يقتضي ( لا ضرر ) فسادهما مطلقاً أو بالنسبة إلى العالم بكونهما ضرريين فحسب أو لا يقتضي ذلك أصلا ؟

والصحيح هو الوجه الأخير. وتوضيح ذلك : ان الوضوء والغسل على الصحيح من موضوعات الأَحكام ، حيث إن كلا منهما جعل في مورده موضوعاً لترتب الطهارة الحدثية كما قد جعل غسل البدن بالماء موضوعاً للحكم بالطهارة الخبثية.

وعليه فلا يمكن نفي صحتهما بقاعدة ( لا ضرر ) لان مجرد الحكم بترتب الطهارة الحدثية عليهما ليس تسبيباً إلى الضرر ، كما لم يكن الحكم بترتب الطهارة الخبثية على غسل الماء بالبدن تسبيباً إلى الضرر وان كان استعمال الماء مضراً ، فان المقامين من واد واحد. نعم بينهما فرق من جهة ان ترتب الطهارة الخبثية على استعمال الماء لا يتوقّف على قصد القربة ، وترتب الطهارة على استعماله في الوضوء والغسل مشروط بقصد القربة.

لكن هذا الفرق ليس بفارق لان تحقّق قصد القربة بالوضوء والغسل لا يتوقّف على وجود أمر مولوي بهما ـ من الأَمر الاستحبابي أو الأَمر الغيري

٢٨٦

بناء على الصحيح من امكان التقرب بامتثال الأَمر الغيري خلافاً لما هو المشهور بين المتأخرين ـ حتى يكون انتفاء الأَمر النفسي بهذه القاعدة موجباً لفقدان قصد القربة. اذ قوام عبادية العمل باضافتها اضافة تذللية إلى الله تبارك وتعالى ، ويكفي في تحقّق هذا المعنى قصد التوصل بالوضوء والغسل إلى الغاية المترتبة عليهما ـ التي هي محبوبة لدى الشارع المقدس ـ وهي على المختار نفس الطهارة ، وأما بقية الغايات فهي في طولها ، كما يكفي أيضاً أن يقصد التوصل إلى تلك الغايات الطولية كإباحة الدخول في الصلاة والطواف.

يضاف إلى ذلك ان في اقتضاء ( لا ضرر ) لسقوط الاستحباب النفسي في مورد ثبوته تأملاً.

نعم مقتضاه انتفاء وجوبهما الغيري على نحو غير مباشر بمعنى أنه يوجب أوّلاً ارتفاع وجوب ذي المقدّمة ـ وهي الصلاة مع الطهارة المائية ـ فيما لم يكن الشخص متطهّراً وكان استعمال الماء مضراً له ، فبذلك ينتفي الوجوب المقدمي الغيري ، اذ على المشهور لا يمكن انتفاء وجوب المقدّمة مع بقاء وجوب ذيها ، ونتيجة ذلك عدم وجوب الصلاة مع الطهارة المائية ما لم يتوضأ المكلّف ولكن اذا توضأ فحيث انه قد حصلت الطهارة المائية فيجب عليه الصلاة مع الطهارة المائية ، اذ ليس ايجابها حينئذٍ تسبيباً إلى الضرر.

وبما ذكرنا يمكن ان يوجه بعض كلمات السيد الاستاذ (قده) في المقام ـ مع غض النظر عن بعض المناقشات في عبارته ـ(١) .

__________________

(١) لاحظ مصباح الأصول ٢ : ٥٥٢ ففيه ( فالوضوء الضرري وان كان وجوبه مرفوعاً بأدلة نفي الضرر إلاّ ان استحبابه باق بحاله فصحّ الاتيان بالوضوء الضرري بداعي استحبابه النفسي أو لغاية مستحبة وتحصل له الطهارة من الحدث وبعد حصولها لا مانع من الصلاة معها

٢٨٧

وعلى ما ذكرناه من عدم اقتضاء ( لا ضرر ) لفساد الوضوء والغسل الضرري مطلقاً لا يتجه ما قيل في توجيه قصور ( لا ضرر ) عن إثبات فسادهما في صورة الجهل كما ذكره جمع(١) من أن دليل ( لا ضرر ) وارد في مقام الامتنان على الامّة الإسلامية ، فلا يكون ( لا ضرر ) شاملاً لمورد يكون نفي الحكم فيه منافياً للامتنان ، والحكم ببطلان الطهارة المائية الضررية الصادرة حال الجهل من هذا القبيل ، فان الأَمر بالتيمم واعادة العبادات الواقعة معها مخالف للامتنان.

اذ لا حاجة إلى ذلك إلا على سبيل التنزّل عما ذكرناه. مع امكان المناقشة في ورود الحديث في مقام الامتنان فتأمل.

البحث الثالث : في ان حرمة الاضرار بالنفس هل توجب الحكم بفساد الوضوء والغسل المضرين في حال الجهل والعلم أو لا ؟

ويلاحظ أوّلاً : إنّه لم تثبت حرمة الإضرار بالنفس مطلقاً وإنما الثابت حرمته فيما يكون من قبيل هلاك النفس أو ما يلحق به ـ كما أوضحنا ذلك في بحث الوضوء من شرح العروة ـ وعليه فالكلام في هذا البحث فيما اذا كان الضرر اللازم من الوضوء والغسل كذلك.

ولتوضيح المقام لا بد من ايضاح امرين :

الأمر الأَوّل : ان نسبة ( الاضرار المحرّم ) إلى الوضوء والغسل الضرري نسبة الأَسباب والمسببات التوليدية كالالقاء والاحراق والرمي والقتل ونحو ذلك.

__________________

لحصول شرطها وهي الطهارة بلا حاجة إلى الاعادة. وكذا الحال في الغسل الضرري الخ.

(١) لاحظ مصباح الأصول : ٥٤٥ وغيرها.

٢٨٨

وفي متعلق الحرمة في الأَسباب والمسببات التوليدية احتمالات ثلاثة ـ كما تعرضنا له في مبحث مقدمة الحرام ـ :

الاحتمال الأَوّل : ان يكون مصب الحرمة إيجاد المسبّب التوليدي كالحرق والضرر. وحيث إن وجود المسبّب التوليدي مغاير مع وجود سببه كالالقاء للاحراق والوضوء للاضرار ، فيكون ايجاده أيضاً مغايراً معه لان الفرق بين الايجاد والوجود انما هو بمجرد الاعتبار. وعليه فيكون المحرم مغايراً وجوداً مع ما هوسبب له.

لا يقال : ان الاحكام التكليفية تتعلق بافعال المكلفين والمسبب التوليدي كالاحراق والاضرار ليس بفعل للمكلف بل الاحراق أثر النار بشرط المماسة مع الجسم ، والضرر اثر الماء بشرط المماسة مع البدن.

فانه يقال : ان هذا أمر غالبي وليس شرطاً اذ يكفي في صحة تعلّق الحكم التكليفي بأمر كونه مقدوراً للمكلف مع الواسطة.

الاحتمال الثاني : ان يكون مصب الحرمة السبب التوليدي وانما اخذ العنوان المسبّب عنه مرآة للسبب الذي يترتب عليه ، فيكون الالقاء والوضوء بانفسمهما متعلقين للحرمة.

الاحتمال الثالث : أن يكون مصب الحرمة العنوان الثانوي المسمى بالمسبب التوليدي مأخوذاً على نحو الموضوعية لكن مع عدّه من قبيل الاعتبارات المتأصلة ، فانّ تأصّل الامر الاعتباري كما يكون في الاحكام التكليفية والوضعية فكذلك يتحقق في جملة من الماهيات التي هي من قبيل موضوعات الأَحكام ومتعلقاتها كالغصب.

والأَظهر من هذه الاحتمالات هو الاحتمال الأَوّل كما بيناه في محله.

الأَمر الثاني : في حكم الوضوء والغسل حيث يترتب عليهما الضرر المحرّم.

٢٨٩

وذلك يختلف بحسب الاحتمالات السابقة في مصب الحرمة :

اما على الاحتمال الأَوّل : فيكون متعلق الحرمة أمراً لا اتحاد له بوجه معهما ، فإن كان مضراً بصحتهما فانما هو من جهة الاخلال بقصد القربة المعتبرة فيهما ، وهذا الاخلال لا يتصور في صورة الجهل بكونه مضراً على نحو الجهل المركب أو الاطمئنان لعدمه أو الغفلة عنه أو نسيانه. وأما مع العلم به أو ما في حكمه ففيه جهتان : جهة ترتب امرمحبوب عليه وهو الطهارة. وجهة ترتب امر مبغوض عليه وهو الاضرار المحرم ، ولا يبعد تمشي قصد القربة اذا اتى بها بداعي التسبيب إلى الجهة الأُولى.

واما على الاحتمال الثاني : فالمحرّم يكون نفس الوضوء والغسل فيدخل تحت عنوان النهي عن العبادة فيحكم بالفساد ـ على المشهور ـ لأَنّه لا اثر للتقرب بما هو مبغوض ذاتاً.

واما على الاحتمال الثالث : فان قلنا بان الوضوء والغسل من قبيل موضوعات الاحكام فقط فيلحق بالاحتمال الأَوّل حكماً ، وعلى القول بانهما من قبيل متعلقات الأَحكام يدخل في بحث اجتماع الأمر والنهي ، فان قلنا بالامتناع وتغليب جانب النهي فلا بُدّ من الحكم بالفساد في صورة العلم وأما في صورة الجهل فمبني على القول باقتضاء القول بالامتناع الفساد مطلقاً ، والمختار هو عدم الامتناع ، وعلى القول به فيفصل بين صورتي العلم والجهل كما سبق في الاحتمال الأَوّل.

التنبيه الخامس : في انّه هل يستفاد من ( لا ضرر ) جعل الحكم ، اذا كان يلزم الضرر لولا وجوده ـ كما يستفاد منه نفي الحكم اذا كان يلزم الضرر بوجوده ـ أم لا ؟. وعلى التقدير الأَوّل فهل هناك أمثلة فقهية تكون من هذا القبيل أم لا ؟

٢٩٠

وقد انكر المحقق النائيني (قده) الكبرى والصغرى معاً(١) واقر السيد الاستاذ (قده) بالكبرى ولكنه انكر الصغرى قائلاً : ( بأن الصغرى لهذه الكبرى غير متحقّقة فانّا لم نجد مورداً كان فيه عدم الحكم ضرراً حتى يحكم برفعه وثبوت الحكم بقاعدة لا ضرر )(٢) ويظهر من بعض الفقهاء منهم السيد الطباطبائي في ملحقات العروة الالتزام بهما معاً كما سيجيء نقل كلامه.

والكلام تارة في الكبرى واُخرى في الصغرى ، فهنا مقامان :

أما في المقام الأَوّل : فتقريب انكار الكبرى ان حديث ( لا ضرر ) لا ناظر إلى الأَحكام المجعولة في الشريعة المقدّسة ومقيد لها بعدم أدائها إلى الضرر على المكلّف ، وعدم الحكم ليس حكماً مجعولاً فلا يشمله الحديث. وليس المدعى انه لا يمكن جعل الحكم العدمي ـ فان الاباحة التكليفية حكم عدمي وليس عدم الحكم بحسب الدقة لانها تنشأ من قبل الشارع بعنوان إرخاء العنان بالنسبة إلى كل من الفعل والترك للمكلّف ، وكذلك الحلّية فانها بمعنى حل عقدة الحظر ومرجعها إلى هدم الحكم التحريمي المجعول ، كما انه ليس المدعى أنّه لا يمكن انشاء عدم الحكم بل هو امر ممكن كما في الحكم بعدم اشتغال الذمة ، وانما المقصود ان مجرد عدم جعل الحكم في مورد قابل لا يمكن عده حكماً حتى يكون مرفوعاً بحديث ( لا ضرر ).

والجواب عن ذلك : ان ما ذكر من نظر الحديث إلى الاحكام المجعولة في الشريعة محل منع لان مفاد الحديث هو عدم التسبيب إلى تحمّل الضرر ـ أي نفي وجود ضرر منتسب إلى الشارع المقدس بما هو

__________________

(١) تقريرات المحقق النائيني : ١١٩ وما بعده.

(٢) لاحظ جامع الأحاديث. الباب ٣.

٢٩١

مشرع ومقنّن ـ وهذا المعنى كما يصدق في موارد جعل الحكم الذي يلزم منه الضرر ـ سواء كان وضعياً أو تكليفياً ، وسواء كان الزامياً أو غير الزامي كالترخيص في الدخول لمن له حق الاستطراق بغير استئذان على نحو يوجب ذهاب حق التعيش الحر بالنسبة إلى صاحب الدار ، كما في قضية سمرة بن جندب ـ فكذلك يصدق في حالة عدم جعل الحكم احياناً فيعدّ نفس عدم جعل الحكم ممّن بيده التشريع تسبيباً منه إلى الضرر.

مثلاً : اذا فرض أن الشارع منع الزوجة المعدمة من الاكتساب اذا كان على نحو ينافي حقوق زوجها وفرض عدم جعل وجوب الانفاق عليها ، فيعدّ نفس هذا تسبيباً منه إلى تضررها ، أو سلب حقّ التعيش مع الكرامة بالنسبة اليها. وكذلك لو فرض أنّه حرِّم إضرار بعض الناس ببعض تكليفاً ولم يجعل حكماً اجرائياً يخوّل للسلطة مكافحة الاضرار والمنع عنه خارجاً.

والحاصل : ان عدم جعل الحكم المانع عن الضرر يعدّ تسبيباً منه اليه بعد فرض كمال الشريعة كما يدل عليه قوله تعالى( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (١) ويؤكده الروايات الدالة على انّه ما من واقعة الا ولها حكم(٢) وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( يا ايها الناس ما من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد امرتكم به ، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة الاّ وقد نهيتكم عنه )(٣) مضافاً إلى سلب حقّ التشريع عن غير الله تعالى.

وعليه فلا يقدح عدم صدق الحكم على مجرد عدم جعل الحكم بعد صدق التسبيب إلىٰ تحمل الضرر.

__________________

(١) المائدة ٥ / ٣.

(٢) جامع احاديث الشيعة ١ : ١٣٣ ـ ١٤٣ / ٣٠ ـ ٣٢.

(٣) ورد ذلك في صحيحة أبي حمزة الثمالي المذكورة في الوسائل ـ كتاب التجارة ـ أبواب مقدماتها ـ الباب ١٢ ج ١٧ : ٤٥ / ٢١٩٣٩.

٢٩٢

بل يمكن أن يقال : بان عدم الحكم في ذلك يعد حكماً كما يعدّ عدم القيام لأَحد الشخصين مع القيام للآخر مع تساويهما في الرتبة توهيناً للأَوّل ، وكذلك يعد عدم التقييد في الموضع القابل له اطلاقاً.

ويلاحظ : أن هذه الكبرى منتجة وإن انكرنا وجود صغرى لها ، بمعنى أنّه لم يوجد هناك مورد يكون ( لا ضرر ) فيه دليلاً على ثبوت الحكم ـ وذلك لأن نتيجة كون الكبرى مثبتة للحكم هي عدم حكومتها أي ( لا ضرر ) على ادلة حرمة الاضرار بالغير إذا كان عدم الاضرار بالغير ضرراً على المالك كما اذا تصرف المالك في ملكه بما اوجب الاضرار بجاره ، لان مقتضاه على هذا التقدير نفي كل من حرمة الاضرار بالغير وجواز التصرف في الملك ـ لكون الأُولى تسبيباً للضرر بالنسبة إلى المالك والثاني تسبيباً للضرر بالنسبة إلىٰ الجار ـ فيتعارض ( لا ضرر ) فيهما ويسقط.وتصل النوبة إلى أدلة حرمة الاضرار بالغير فيحرم بمقتضاها تصرف المالك في ملكه بما يضر بجاره ، فهذا مقدار من الانتاج للكبرى المذكورة ، ولو لم تثبت هذه الكبرى لكان ( لا ضرر ) نافياً لحرمة الإضرار بالغير دون جواز التصرف في الملك فتكون حاكمة على ادلة حرمة الاضرار كما يأتي توضيح ذلك في التنبيه الآتي.

واما في المقام الثاني : ـ وهو وجود صغرى لهذه الكبرى ـ فقد ذكر لها موردان :

المورد الأَوّل : الحكم بضمان التالف في غير الموارد التي يكون هناك سبب للضمان فيها ، كالاتلاف واليد العادية فان دليل الضمان فيها نفس أدلته دون قاعدة ( لا ضرر ). وقد عدّ(١) من موارد انحصار الدليل للضمان

__________________

(١) لاحظ تقريرات المحقق النائيني : ٢٢٠ و ٢٢١.

٢٩٣

بقاعدة ( لا ضرر ) ما اذا حبس الانسان حتى فات عمله ، أو حبسه حتى أبق عبده أو فتح شخص قفص طائر فطار ، بدعوى انه لولا الحكم بالضمان في مثل ذلك للزم الضرر على الشخص.

وقد انكر المحقق النائيني الحكم بالضمان فيها معللاً بعدم دلالة ( لا ضرر ) عليه فان دلالته عليه تبتني على القول بان المستفاد منه نفي الضرر غير المتدارك فيدل على الحكم بتدارك الضرر الواقع إما من قبل من سبب اليه ـ ان كان هناك انسان صار سبباً لوقوع الضرر ـ أو من بيت المال ان لم يكن كذلك(١) وبظهر من السيد الاستاذ (قده) موافقته معه في ذلك(٢) .

لكن الظاهر انّه لا وجه لانكار الضمان في ذلك فان ثبوته لا يبتني على مسلك الفاضل التوني في مفاد الحديث ـ من نفي الضرر غير المتدارك ـ الذي قد سبق ابطاله ـ بل يكفي فيه نفس ما دلّ على قاعدة الاتلاف لاندراجه تحتها ، فان حبس الحرّ ـ اذا كان كسوباً ـ يكون كحبس العبد والدابة ونحوهما ، تفويتاً لمنافعه المقدر وجودها لدى العقلاء فيكون ضامناً لعمله ، كما ان حبس الانسان اذا أدى إلى أن تشرد دابته أو يأبق غلامه أو يسيل الماء ـ المفتوح لجهة ـ مما يوجب خراب الدار والبستان ، أو يحترق ما في القدر أو ما في الدار بنارٍ كان قد اشعلها تحت القدر وكان قادراً عليها كل ذلك ونحوه يكون اتلافاً للمال عقلاءً.

ولا حاجة إلى قاعدة ( لا ضرر ) في ذلك بل يفي بجعل الضمان قاعدة ( لا ضرار ) بالمعنى الوسيع الذي ذكرناه الذي هو امضاء للقاعدة العقلائية لانها تستبطن تشريع احكام رادعة عن تحقيق الإضرار بالنسبة إلى الغير ، فالحكم بالضمان على من أضر ، من اوضح اسباب الردع عن الاضرار

__________________

(١) لاحظ المصدر السابق.

(٢) لاحظ مصباح الأصول ٢ : ٥٦٠.

٢٩٤

الصادر من الحابس ونحوه وبذلك يتضح انه لا يرد على اثبات الضمان بقاعدة ( لا ضرر ) في المقام ما ذكره السيد الاستاذ (قده) من ان الضرر اللازم على المتضرّر ـ المقتضى لجعل الضمان ـ معارض بالضرر المترتب على الحكم بالضمان على الحابس(١) لان ( لا ضرر ) من جهة مقابلته ب‍ ( لا ضرار ) لا اطلاق لها بالنسبة إلى نفي الضرر الذي يشرعه القانون من باب مكافحة الاضرار ـ كما سبق توضيحه في التنبيه الثاني ـ.

المورد الثاني : اثبات حق الطلاق للحاكم الشرعي بقاعدة ( لا ضرر ) و ( لا حرج ) فيما اذا صارت الزوجة محرومة عن حقوق الزوجية خارجاً ، مع مطالبتها لها وعدم طريق لاستيفائها ، بأن لم يمكن إجبار الزوج على الوفاء بها ولو بتعزيره إن تخلَّف عن أدائها ـ وذلك كما لو كان الزوج مفقوداً أو غائباً ولم يكن طريق لإجبار الزوج على طلاقها ـ.

فيقال حينئذٍ بأن لها ان تطالب الحاكم الشرعي بان يطلقها وعلى الحاكم الاستجابة لطلبها وطلاقه نافذ. وعمدة النظر في المقام إلى خصوص حق الانفاق.

وقد التزم بحق طلاق الحاكم في الموضوع السيد الطباطبائي في ملحقات العروة تمسكاً بقاعدتي ( لا ضرر ) و ( لا حرج ) مضافاً إلى الروايات الخاصّة. وقد ناقش المحقق النائيني في التمسك بهما فإنهما لا يثبتان حكماً وجودياً كما ناقش في الروايات التي استدل بها بانها غير معمول بها وهي معارضة بغيرها ـ وسيجيء تفصيل ذلك ـ كما استبعد كلامه جمع آخر من المتأخرين.

ونحن نجعل محل الكلام بعض فروض المسألة وهو ما لو امتنع الزوج

__________________

(١) المصدر السابق : ٥٦١.

٢٩٥

عن اداء النفقة لزوجته ، ونبحث.

تارة : في انه هل يمكن الحكم بثبوت حق الفسخ للزوجة بملاحظة طبيعة عقد النكاح في نفسه ؟

واخرى : في ثبوت حق الفسخ أو الطلاق للحاكم بملاحظة ( لا ضرر ، ولا ضرار ).

وثالثة : في ثبوت ذلك بملاحظة الأَدلة الخاصّة ، فهنا أبحاث ثلاثة :

البحث الأَوّل : في انّه هل يثبت حق الفسخ للزوجة عند عدم انفاق الزوج عليها بمقتضى تخلف الشرط الارتكازي الضمني ـ كما ذكره جمع في وجه ثبوت خيار الغبن ـ أم لا ؟

وتقريب ثبوته : ان ما تنشئه المرأة في عقد النكاح وان كان هو الزوجية الدائمة الا انها مقيدة بسبب الشرط الارتكازي ، بأن يبذل لها الزوج النفقة بحدودها الشرعيّة ، وليس للمنشأ اطلاق بالنسبة إلىٰ الزوجية بعد فسخها من ناحية اخلال الزوج بالنفقة. فان الزوجية المنشأة بحسب طبعها احداث علقة خاصة بين الرجل والمرأة ، حقيقتها المشاركة في الحياة على نحو خاص يشتمل على نحو قيمومة للزوج بالنسبة إلى الزوجة وتكفّل مؤونتها اللازمة ـ مضافاً إلى الاستمتاع الجنسي ـ قال الله تعالى :( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ).

وقد جاء في تفسير القرطبي(١) انه فهم العلماء من هذه الآية انه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواماً عليها واذا لم يكن قواماً عليها كان لها فسخ العقد لزوال المقصود الذي لاجله شرع النكاح. ثم نقل قول الشافعي ومالك. بذلك ومخالفة ابي حنيفة. وقد ورد في رواية ضعيفة عن سفيان بن عيينة عن

__________________

(١) القرطبي ٥ : ١٦٩.

٢٩٦

ابي عبد اللهعليه‌السلام في حديث انه قال ( فالرجل ليست له على نفسه ولاية اذا لم يكن له مال وليس له على عياله امر ولا نهي اذا لم يجر عليهم النفقة )(١) .

وليس المقصود الاستدلال بالآية والرواية ، بل المقصود ان المرتكز الذهني للزوجة انشاء الزوجية الدائمة بشرطها وشروطها والنفقة منها.

و يمكن الايراد عليه ـ مع غضّ النظر عن مخالفة الروايات الآتية لثبوت خيار الفسخ للزوجة في صورة الاخلال بالنفقة ـ بوجهين يمكن دفعهما :

الوجه الأَوّل : ان بين البيع والنكاح فرقاً ، فان قوام البيع بالمالين وقوام النكاح بالشخصين حتى أن المهر ليس من أركانه ، ولذا لو اخلّ به يصح العقد ويثبت مهر المثل ـ ففي البيع حيث ان النظر إلى المالين فيقتضي بحسب الشرط الارتكازي العقلائي عدم نقصان ما انتقل اليه عما انتقل عنه بحسب المالية ـ فيكون منشأ لخيار الغبن ـ كما يقتضي عدم كونهما معيبين ـ فيكون منشأ لخيار العيب ـ وهكذا بالنسبة إلى سائر الشؤون الراجعة إلى المالين. ويمكن ادعاء مثل هذا الشرط الارتكازي في ما يرجع إلى الزوجين في النكاح ، بالنسبة إلى فقدان العيوب التي تختل بها الحياة الزوجية ، وقد حدّدها الشارع بعيوب خاصّة ، وكذا يأتي فيها خيار التدليس فيما يتعلّق بذلك.

واما ما لا يرجع إلى وصف الزوجين بل كان من الاحكام الثابتة في الشريعة الاسلامية ، كوجوب إنفاق الزوج على الزوجة فلا يمكن عده من الشروط الارتكازية العقلائية.

__________________

(١) كتاب الكافي ـ الأصول ـ كتاب الحجة الباب ١٠٣ ( باب ما يجب من حق الإمام على الرعية ) ١ : ٣٣٥ و ٣٣٦ / ٦.

٢٩٧

كيف وفي بعض المجتمعات البدوية يشترك الزوجان في تحصيل النفقة كما هو الغالب في اهل الريف الذين يكون شغلهم الزراعة والفلاحة وتربية المواشي ، وكذا في بعض المجتمعات المتحضرة ـ كما يقال ـ التي يكون لكلّ من الزوجين فيها شغل كالطبابة والتعليم ونحوهما. بل نقل عن بعض المجتمعات البدوية ان الزوجة هي التي تتكفل النفقة.

وعلى هذا فلا يمكن عدّ الانفاق من الشروط الارتكازية للنكاح.

الوجه الثاني : ان الشرط الارتكازي انما يؤثر في تحقّق الخيار عند التخلّف في صورة نفوذه عند التصريح به فان مرجع اشتراط الانفاق على النحو الذي يقتضيه هذا التقريب هو جعل الخيار عند التخلف ، ومقتضى ما عللوا به عدم صحة شرط الخيار في النكاح عدم صحة جعل الخيار ولو بتخلف الوصف أو الشرط الا ما دل عليه النصّ قال الشيخ الأنصاري ( في بحث خيار الشرط بعد ذكر عدم دخوله في النكاح اتفاقاً )(١) . ولعلّه لتوقف ارتفاعه شرعاً على الطلاق وعدم مشروعية التعامل فيه.

وقد يحكم ببطلان اصل النكاح الذي جعل فيه شرط الخيار ، وقد علل ذلك السيد الاستاذ (قده) بانّ شرط الخيار يرجع إلى تحديد الزوجية بما قبل الفسخ لا محالة ، وهو ينافي قصد الزواج الدائم أو المؤجل إلى أجل معلوم ، وهذا بخلاف سائر الشروط الفاسدة فإنها بحسب الارتكاز العرفي لا ترجع في خصوص النكاح إلى جعل الخيار على تقدير التخلف ، وانما ترجع إلى تعليق الالتزام بترتب الآثار على وجود الشرط وفسادها لا يسري إلى العقد(٢) .

__________________

(١) لاحظ المكاسب : ٢٣٣.

(٢) العروة الوثقى مع تعليقة الخوئي ( ره ) ٢ : ٦٣٨ مسألة ٣٨٥٥.

٢٩٨

ويمكن الجواب عن الوجه الأَوّل : بأنه لا يعتبر في تأثير الشرط الارتكازي ان يكون شرطاً ارتكازياً لدى جميع المجتمعات والملل والنحل ، ولا اشكال في أن الإنفاق كان أمراً ملحوظاً في عقد النكاح في المجتمع الإسلامي والمجتمع العربي قبل الإسلام ، بل قد اختلف فقهاء الخاصة والعامة في كون اليسار من الامور الدخيلة في الكفاءة وعدمه على قولين مشهورين(١) وسوف يظهر ارتكازية هذا الشرط مما يأتي في جواب الوجه الثاني.

وعن الوجه الثاني : بانه لا اجماع على عدم ثبوت خيار تخلف الوصف والشرط في النكاح وانما قام الاجماع على عدم صحة اشتراط الخيار فيه ، كيف وقد التزم بثبوت خيار الفسخ للزوجة عند الاعسار أو انكشافه جمع من فقهاء الفريقين ، ولذلك لو قدّر قيام الاجماع المذكور أيضاً فلا ينبغي الشك في عدم شموله للمقام.

اما فقهاؤنا فقال المحقق في الشرائع : لو تجدّد عجز الزوج عن النفقة هل تتسلّط الزوجة على الفسخ فيه روايتان اشهرهما انه ليس لها ذلك ، وعقبه في الجواهر(٢) بقوله ( لا بنفسه ولا بالحاكم وفي المسالك انه المشهور ). ونقل العلامة في المختلف(٣) في بحث اعتبار اليسار في الكفاءة عن ابن ادريس انه قال : ( والأولى ان يقال ان اليسار ليس بشرط في صحة العقد ، وانما للمرأة الخيار اذا لم يكن موسراً بنفقتها وليس العقد باطلاً بل الخيار لها ) ثم

__________________

(١) لاحظ اختلاف فقهائنا في الجواهر ٣٠ : ١٠٣ والحدائق ط الأولىٰ ٦ : ١٤٤. واختلاف فقهاء العامة في المغني لابن قدامة ٧ : ٣٧٦ و ٣٧٧ والخلاف للشيخ الطوسي ٤ : ٢٧١ و ٢٧٢.

(٢) الشرائع ٢ : ٣٠٠ ، جواهر الكلام ٣٠ : ١٠٥.

(٣) كتاب النكاح : ٥٧٦.

٢٩٩

قال العلاّمة ( وهو الوجه عندي واما اعتبار اليسار فلو نكحت المرأة ابتداء لفقير عالمة بذلك صح نكاحها اجماعاً ولو كانت الكفاءة شرطاً لم يصح ) ـ إلى ان قال ـ ( نعم أثبتنا لها الخيار دفعاً للضرر عنها ودفعا للمشقة اللاحقة بها بسبب احتياجها مع فقره إلى مؤونة يعجز عنها ، ولا يمكنها التزوّج بغيره ، فلو لم يجعل لها الخيار كان ذلك من اعظم الضرر عليها وهو منفي اجماعاً ). وذكر في مسألة الاعسار المتأخر(١) بعد نقل قول المشهور من عدم خيار للزوجة في الفسخ ـ ( قال ابن الجنيد بالخيار لرواية عن الصادق ولاشتماله على الضرر إذ لا يمكنها الانفاق فلو لم يجعل لها الخيار لزم الحرج المنفي بالاجماع ) وقد توقف العلاّمة نفسه في هذه المسألة وقد نقل في الحدائق(٢) ان السيد السند في شرح النافع مال إلى قول ابن الجنيد من ثبوت حق الفسخ كما نقل عن ظاهر المسالك التوقّف. والغرض : انه لا اجماع في المقام بين الخاصة على عدم الخيار للزوجة.

واما العامة ففي المغني لابن قدامة(٣) ( ان الرجل اذا منع امرأته النفقة لعسرته وعدم ما ينفقه فالمرأة مخيرة بين الصبر عليه وبين فراقه ، وروي نحو ذلك عن عمر وعلي وأبي هريرة وبه قال سعيد بن المسيب والحسن ، وعمر ابن عبد العزيز وربيعة وحماد ، ومالك ، ويحيى القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، والشافعي ، وإسحاق ، وابو عبيد ، وابو ثور ، وذهب عطاء والزهري ، وابن شبرمة ، وابو حنيفة ، وصاحباه إلى انها لا تملك فراقه بذلك ولكن يرفع يده عنها لتكتسب ).

__________________

(١) المصدر السابق ٥٨٢.

(٢) الحدائق ٢٤ : ٧٧ ـ ٧٨.

(٣) المغني ٩ : ٢٤٤.

٣٠٠