قاعدة لا ضرر ولا ضرار

قاعدة لا ضرر ولا ضرار0%

قاعدة لا ضرر ولا ضرار مؤلف:
تصنيف: علم أصول الفقه
الصفحات: 360

قاعدة لا ضرر ولا ضرار

مؤلف: آية الله السيد علي الحسيني السيستاني
تصنيف:

الصفحات: 360
المشاهدات: 44113
تحميل: 2640

توضيحات:

قاعدة لا ضرر ولا ضرار
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 360 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 44113 / تحميل: 2640
الحجم الحجم الحجم
قاعدة لا ضرر ولا ضرار

قاعدة لا ضرر ولا ضرار

مؤلف:
العربية

عبدالله فيه اضافات كثيرة قيل إنّها نحو عشرة الآف(١) ، كما قيل إن لأَحمد ابن جعفر القطيعي الراوي عن ابنه عبد الله بعض الزيادات(٢) . وربما كانت روايتنا هذه مما الحقه عبد الله بن احمد بمسند ابيه(٣) فإنّه رواها أَوَّلاً عن غير أبيه قال حدثنا أبوكامل الجحدري ، حدثنا الفضيل بن سليمان قال : ( حدثنا موسى بن عقبة ، عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن عبادة قال : إن من قضاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الخ ، ثم نقلها عن أبيه ، عن الصلت بن مسعود ، عن الفضيل بن سليمان الخ ).

الجهة الثانية : في المقارنة بين حديث عبادة بن الصامت وحديث عقبة ابن خالد وأنه هل ينبغي توجيه الثاني بما يوافق الاول من حيث كون حديث لا ضرر ولا ضرار قضاءً مستقلاً لا ربط له بحديث الشفعة ولا بغيره ـ كما صنعه العلامة شيخ الشريعة (قده) ـ أم لا ، لعدم تمامية ما افاده بهذا الصدد ؟

الظاهر هو الثاني لعدة ملاحظات :

أولاها : ما تقدّم بيانه آنفاً من أن حديث لا ضرر مذكور في رواية عقبة مرتين : تارة عقيب حديث الشفعة واُخرى عقيب حديث منع فضل الماء ، ولا يمكن تخريج ذلك مع البناء علىٰ إنّه كان قضاء مستقلاً في رواية عقبة ـ كما هو كذلك في رواية عبادة ـ فإنّه لا معنىٰ لتكرار قضاء واحد في مجموعة واحدة ، فتكرر جملة لا ضرر ولا ضرار خير دليل علىٰ كونها مرتبطة بالحديثين المذكورين قبلها وذيلاً لهما ، ولو كانت قضاءً مستقلاً لاقتصر عقبة على

__________________

(١ و ٢) علوم الحديث ومصطلحه لصبحي صالح : ٣٩٥.

(٣) ومن هنا نسب جماعة من علماء العامة هذا الحديث أو بعض قطعه إلىٰ زيادات عبد الله في مسند أبيه ( منهم ) السيوطي في جمع الجوامع ـ كما جاء في كنز العمال الذي هو مرتب جمع الجوامع ٤ / ٦١ ـ ٦٢ ح ٩٥١٩ ، و ( منهم ) ابن تيمية صاحب منتقىٰ الأخبار ، لاحظ نيل الأوطار : ٥ / ٣٨٥ و ٣٨٨.

٤١

ذكرها مرة واحده عقيب احدهما كما هو واضح.

ثانيتها : إن الأنسب بمعنىٰ ( لا ضرر ولا ضرار ) وعدّه من أقضية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكون قد القي في مورد خاص ـ كما ورد في رواية عقبة ـ لا أن يكون كلاماً مستقلاً قد أُلقي ابتداءً كما تضمنه حديث عبادة ، وسيأتي لهذا توضيح في الجواب عن الوجه الثاني.

ثالثتها : إنّه لم يثبت ما ذكرهقدس‌سره من أن عقبة بن خالد قد روى اقضية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مجتمعة ـ كما فعل عبادة ـ ليتم ما استظهره (قده) بناءً علىٰ ذلك من ان الجمع بين حديث لا ضرر وحديث الشفعة جاء نتيجة للجمع بين اقضية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رواية عقبة لا لكونه ذيلاً له كما يوهمه ظاهر روايته.

فإنّ الذي ثبت روايته عن عقبة من القضايا العشرين التي رواها عبادة إنّما هي سبع قضايا فقط ، وهذا المقدار لا يدل بوجه علىٰ ما ادعاه ( ره ) من ان عقبة نقل أو تصدى لنقل اقضية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مجتمعة.

ومن الغريب ما افاده (قده) من معروفية الاقضية المذكورة لدى الخاصة عن طريق عقبة رغم انحصار الراوي عنه بمحمد بن عبد الله بن هلال ، وعدم ثبوت نقله لأغلبها ، وعدم رواية المنقول منها مجتمعاً في شيء من مصادر الحديث الموجودة بايدينا

فدعوىٰ اشتهار اقضية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لدى الخاصة من طريق عقبة تماثل دعوىٰ اشتهارها لدى العامة من طريق عبادة الذي تقدّم بيان ضعفه.

رابعتها : إنّهقدس‌سره استبعد تذييل قضاء النبىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في موردي حديث الشفعة ومنع فضل الماء بكبرى ( لا ضرر ولا ضرار ) مع عدم رواية عبادة لها قائلاً ان لازم ذلك أنّه روى جميع فقرات الحديث

٤٢

مطابقة للواقع إلا الفقرتين من غير خصوصية فيهما ولا تصور نفع له أو ضرر عليه في النقل للذيل وتركه.

ولكن هذا الاستبعاد في غير محله ، لأن مجرد عدم تصور نفع له في الترك أو ضرر عليه في النقل لا يقوم حجة علىٰ عدم وجود الذيل واقعاً ، إذ ترك نقل بعض الحديث قد ينشأ من عدم العناية به أو عدم التنبه له أو نسيانه إلىٰ غير ذلك من العوامل والاسباب ولا ينحصر بالنفع والضرر الشخصي.

خامستها : إن احاديثنا اوثق ـ نوعاً ـ في كيفية النقل من احاديث العامة واقرب إلىٰ الصحة والاعتبار ، وذلك مما اوضحناه في مبحث ( تاريخ تدوين الحديث ) من مباحث حجية خبر الواحد من ان تدوين الاحاديث عند العامة ، قد تأخر عن عصر صاحب الرسالةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما يزيد علىٰ مائة عام ، مما استتبع ذلك اتكاء رواتهم علىٰ الحفظ في نقل الروايات ، ومعلوم ان ذلك يفضي في حالات كثيرة إلىٰ إهمال خصوصيات الكلام ، لأن ذاكرة الرواة غير المعصومين لا تستوعب عادة جميع خصوصيات الرواية وملابساتها.

وهذه العلّة لا توجد في رواياتنا بالشكل الذي يوجد في روايات العامة ، لأن رواياتنا متلقاة عن أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وخصوصاً الصادقينعليهما‌السلام ، وقد تم تأليف الكثير من الأصول والكتب والمصنفات في عصرهما.

وعلى ضوء هذا فلا يستبعد في المقام أن يكون عدم ذكر كبرى لا ضرر ولا ضرار ـ في رواية عبادة ـ في ذيل حديثي الشفعة ومنع فضل الماء ، وذكرها مستقلاً مستنداً إلىٰ توهم بعض رواة تلك الرواية كونها قضاءاً مستقلاً ، ويكون ذكرها في رواية عقبة في ذيل الحديثين استدراكاً من الامامعليه‌السلام لما فات رواة العامة من الحديث ، وتكميلاً لما حدث فيه من النقص.

٤٣

فعلى هذا الاساس فرواية عقبة أحق بالاعتماد من حديث عبادة في كيفية النقل.

هذا كله مضافاً إلىٰ أن المقام داخل في كبرى دوران الأمر بين الزيادة والنقيصة ، إذ يدور أمر حديثي الشفعة ومنع فضل الماء بين أن يكونا مشتملين علىٰ كبرى لا ضرر ولا ضرار ـ كما في رواية عقبة ـ وعدمه ـ كما في رواية عبادة ـ ، ومقتضى ما ذهب إليه العلامة شيخ الشريعةقدس‌سره من ترجيح جانب الزيادة في امثال ذلك هو ترجيح رواية عقبة لا عبادة.

نعم ، هذا لا يتجه علىٰ المختار ـ علىٰ ما سيأتي توضيحه ـ من عدم ثبوت ترجيح جانب الزيادة عند دوران الامر بينها وبين النقيصة بل العبرة في الترجيح بتوفر القرائن والمناسبات التي تورث الاطمئنان. ولا يبعد ثبوت الزيادة إذا كانت جملة تامة الدلالة مع ورودها في خبر صحيح.

وكيف كان فقد ظهر بما تقدّم عدم تمامية هذا الوجه الذي ذكره (قده) كقرينة خارجيّة علىٰ كون الجمع بين حديثي الشفعة ومنع فضل الماء وكبرى لا ضرر من قبل الراوي.

الوجه الثاني : ما افاده المحقق النائينيقدس‌سره (١) من انّه لو كان ـ لا ضرر ولا ضرار ـ من تتمة قضية أُخرى في رواية عقبة لزم خلوّ رواياته الواردة في الاقضية عن هذا القضاء ، الذي هو من اشهر قضاياهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّه لو كان تتمة لقضية أُخرى لا يصحّ عدّه من قضاياهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مستقلاً.

و يرد عليه :

اولاً : إنّه لم يثبت كون هذا القضاء من أشهر قضاياه صلّى الله عليه

__________________

(١) رسالة لا ضرر تقريرات المحقق النائيني : ١٩٤.

٤٤

وآله في العصر الأَول ، وقياس العصور المتأخرة بالعصر الأَول في غير محله.

وثانياً : إن ما ذكره ( ره ) مبني علىٰ أن عقبة بن خالد قد روى جميع أقضية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو معظمها ، فيقال حينئذٍ إنّه إذا كان قد أورد ( لا ضرر ) في ذيل حديثي الشفعة ومنع فضل الماء ، فهذا يعني أنّه قد فاته أن ينقل قضاءاً مستقلاً من اشهر أقضية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع إنه نقل معظم أقضية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو بعيد.

ولكن قد ذكرنا فيما سبق إنّه لم تثبت رواية عقبة إلا للقليل من أقضية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يتجه الاستبعاد المذكور.

وثالثاً : أن كون ( لا ضرر ) قضاءاً لا ينافي وقوعه في ضمن مورد خاص حتىٰ يرجع عدم نقله في غير ذلك المورد من قبل عقبة إلىٰ عدم نقله له كقضاء ، بل يمكن أن يقال إنّ الانسب بعدّه قضاءاً أن يكون قد أُلقي في واقعة خاصة لا ابتداءاً ، لأنّ الكلام الابتدائي لا يعبّر عنه إنّه من قضايا المتكلم بل يقال إنه من حِكمه أو من جوامع كلمه.

ويشهد لهذا كلمات بعض متقدمي الأُصوليين كالشيخ في العدة والشهيد في تمهيد القواعد حيث ناقشا في استفادة العموم من الروايات المتضمنة لقوله ( قضىٰ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) علىٰ أساس أنها تحكي عن أحكام ذكرت في موارد جزئية فلا يمكن أن يستفاد منها العموم ، وأنها من جوامع كلمهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل هي قضاء في مورد خاص.

قال الشيخ في العدّة ـ بعد ما فرق بين عبارة ( قضىٰ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالشاهد واليمين ) وبين عبارة ( قضىٰ أن الخراج بالضمان وإن الشفعة للجار ) ، بأنه يفهم من الأَوّل حكاية فعل لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا غير ، ولكن السابق إلىٰ الفهم من الاخير أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال ذلك قولاً لا انّه عمل به فحسب ـ قال : إلا أنه وإن كان كذلك فهو لا يقتضي صحة

٤٥

التعلق به لأنّه لا يعلم إنّه قال ذلك بلفظ يقتضي العموم ، أو بقول يقتضي الخصوص ويفيد الحكم في تلك العين ، وإذا كان كذلك صار مثل الأول في انّه ينبغي أن يلحق بالمجمل ، وإذا ثبتت هذه الجملة فيما روى إنّه قضىٰ بالشاهد واليمين وان الخراج بالضمان لما قلناه ، إلا أن يدل ـ دليل علىٰ الحاق غيره به فيحكم به(١) .

وقال الشهيد الثاني في تمهيد القواعد(٢) : قول الصحابي مثلاً انّه نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن بيع الغرر وقضى بالشاهد واليمين ، لا يفيد العموم علىٰ تقدير دلالة المفرد المعرّف علىٰ العموم ، لأن الحجة في المحكي وهو كلام الرسول لا في الحكاية ، والمحكي قد يكون خاصاً فيتوهم عاماً ، وكذا قوله ( سمعته يقول قضيت بالشفعة للجار ) لاحتمال أن تكون ( ال ) للعهد ، كذا قال في المحصول وتبعه عليه مختصروا كلامه وغيرهم من المحققين ، إلىٰ آخر ما ذكره في ذلك.

الوجه الثالث : ما أشار اليه المحقق النائيني (قده) واوضحه السيد الاستاذقدس‌سره من أن حديث لا ضرر إنّما يمكن اعتباره ذيلاً لحديث الشفعة إذا كان مصححاً لجعل حق الشفعة بجسب مفاده ومحتواه ، ولكنه ليس كذلك لأن مفاده هو نفي الحكم الضرري اما ابتداءاً أو بلسان نفي الموضوع ، والضرر في مورد ثبوت حق الشفعة إنّما يأتي من قبل بيع الشريك حصته ، فلو كان ذلك مورداً لقاعدة ( لا ضرر ) لزم الحكم ببطلان البيع ، ولو كان الضرر ناشئاً من لزوم البيع لزم الحكم بثبوت الخيار بأن يكون له حق ردّ المبيع إلىٰ البائع ، وامّا جعل حق الشفعة له لجبران الضرر وتداركه بأن ينقل المبيع إلىٰ ملكه فهو انما يكون مستنداً إلىٰ قاعدة ( لا ضرر ) إذا كانت دالة

__________________

(١) عدة الأصول ١ / ١٤٧ مخطوط.

(٢) تمهيد القواعد ذيل القاعدة (٥٧).

٤٦

على جعل حكم يتدارك به الضرر ولكنها لا تدل علىٰ ذلك وإنما تدل علىٰ نفي الحكم الضرري(١) .

و يلاحظ عليه :

أول اً : إنّ ايراد هذه القاعدة بعد حديث الشفعة باعتبار تناسب الجملة الثانية منها أي قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( لا ضرار ) مع حق الشفعة بأن تكون حكمة لجعل حق الشفعة ـ علىٰ ما سيأتي توضيحه في الجواب عن الوجه الرابع ـ وعلىٰ هذا فلا يتوقّف ارتباط القاعدة بحديث الشفعة علىٰ تفسير ( لا ضرر ) بوجه يقتضي جعل الحكم الذي يتدارك به الضرر لكي يقال إن حديث لا ضرر لا يدل علىٰ ذلك.

وثانيا ً : إن مرجع الوجه المذكور إلىٰ انّه لمّا كان المختار في معنىٰ ( لا ضرر ) هو نفي الحكم الضرري دون غيره من المعاني التي سيأتي البحث عنها ، وهو لا يناسب الترابط بين الجملتين علىٰ ما هو ظاهر الكلام ، فلا بُدّ من رفع اليد عن هذا الظهور واعتبار الجمع بينهما من قبيل الجمع في الرواية ، وهذا الكلام لا يخلو عن غرابة ، لأنّه يمكن أن يقال بأنّ نفس ورود هذه الجملة في ذيل حديث الشفعة قرينة علىٰ كون معناها غير نفي الحكم الضرري ، ولا وجه لاختيار معنىٰ للجملة مسبقاً كأصل مفروض من دون ملاحظة القرائن المحتفة بها ، ثم الاعتراض علىٰ ترابط الجملة مع حديث الشفعة بعدم انسجام ذلك مع هذا المعنىٰ ، واستكشاف كون الجمع بينهما من قبيل الجمع في الرواية ، بل الأحرى أن يعكس الأمر فيجعل ظهور الكلام في ترابط الحديث مع قوله ( لا ضرر ولا ضرار ) المذكورة ذيلاً له من وجوه ضعف استظهار ذلك المعنىٰ من جملة ( لا ضرر ) كما هو واضح.

__________________

(١) رسالة لا ضرر تقريرات المحقق النائيني : ١٩٥ ، ومصباح الأصول ٢ / ٥٢١.

٤٧

وثالثا : إنّه لو فرضنا انّ قوله ( لا ضرر ) في قضية سمرة مثلاً بمعنىٰ نفي الحكم الضرري ، لا بمعنىٰ جعل الحكم الذي يتدارك به الضرر ، ولكن لا مانع من كونه في ذيل حديث الشفعة بهذا المعنىٰ الثاني إذا كان هذا الحديث بما له من الظهور السياقي لا يساعد مع المعنىٰ الأول ، فيختلف معناه بحسب اختلاف الموردين ، إذ لا موجب للالتزام بوحدة المراد منه في جميع الموارد ، حتىٰ يكون ظهوره في المعنىٰ الأول في سائر الموارد مقتضياً لارادته في ذيل حديث الشفعة أيضاً ليستلزم ذلك انفصاله عن معنىٰ هذا الحديث وسياقه فتدبر.

الوجه الرابع : ما افاده المحقق النائينيقدس‌سره وذكر بعضه في كلام السيد الأُستاذ (قده) أيضاً(١) ، وحاصله :

إنّ الترابط بين ( لا ضرر ) وبين جعل حق الشفعة إمّا بلحاظ كون الأول علة للثاني ، أو بلحاظ كونه حكمة لتشريعه وكلاهما باطل.

أما الأَول : فلأن الضرر إذا كان علّة للحكم بثبوت حق الشفعة فلا بُدّ أن يدور هذا الحكم مداره وجوداً وعدماً ، لأن هذا شأن العلّة كما في قولنا ( لا تاكل الرمان لأنّه حامض ) ، مع انّ هذا غير متحقق في المقام بلا اشكال فإن الحكم بالشفعة غير محدد بترتب الضرر الشخصي للشريك من البيع ، بل بين موارد ثبوت حق الشفعة وتضرر الشريك بالبيع عموم وخصوص من وجه ، فربّما يتضرر الشريك ولا يكون له حق الشفعة ، كما إذا كان الشركاء أكثر من اثنين ، وقد يثبت حق الشفعة بلا ترتب ضرر علىٰ أحد الشريكين ببيع الآخر ، كما إذا كان الشريك البائع مؤذياً وكان المشتري ورعاً باراً محسناً إلىٰ شريكه ، وربّما يجتمعان كما هو واضح.

اذاً لا يصح ادراج الحكم بثبوت

__________________

(١) رسالة لا ضرر تقريرات المحقق النائيني : ١٩٥ ، ومصباح الأصول ٢ / ٥٢١.

٤٨

الشفعة تحت كبرى ( لا ضرر ).

واما الثاني : فلأنّ وقوع الضرر علىٰ الشريك أمرٌ اتفاقي ، وعلّة التشريع وإن لم يعتبر كونها أمراً دائمياً ولكنه يعتبر أن تكون امراً غالبياً أو كثير الوقوع ، فإن الضرر الاتفاقي ليس بتلك المثابة من فسّر بحيث يجعل له حكم كلي لئلا يقع الناس فيه.

و يلاحظ عليهأوَّلاً : إن ما ذكر من عدم علّية ترتب الضرر بأن يكون تمام الموضوع للحكم بثبوت الشفعة وإن كان تاماً إلا أن ما ذكر من عدم كونه حكمة له أيضاً في غير محله فإنّ توجه الضرر إلىٰ الشريك بانتقال حصة شريكه إلىٰ شخص آخر ليس امراً نادراً ، بحيث لا يصلح أن يكون حكمة لتشريع حق الشفعة ، بل نفس الشركة في العين بحدّ ذاتها أمر يوجب كون الشركاء في معرض الضرر ببغي بعضهم علىٰ بعض ، كما أُشير اليه في الآية الكريمة( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) (١) بناءاً علىٰ تفسير الخلطاء بالشركاء المختلطة أموالهم كما عن جمع من المفسرين.

وقد ابطل في بعض القوانين الحديثة الوقف الذري معللاً بأنه يوجب ركود الملك وتقليل منافعه وصيرورته مثاراً للاختلاف والتضرر ، وقد أفتى جمع من الفقهاء بجواز بيع الوقف عند اختلاف الموقوف عليهم ، بحيث يخاف منه تلف الأموال والأنفس.

وقد علّل في بعض الروايات عدم ارث الزوجة من العقار بأنّ ذلك احتراز من تزوجها برجل آخر فيفسد الميراث علىٰ أهله ، ففي صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : لا ترث النساء من عقار الدور شيئاً ولكن يقوّم البناء والطوب وتعطى ثمنها أو ربعها ، قال : وإنّما ذلك

__________________

(١) سورة ص ٣٨ / ٢٤.

٤٩

لئلا يتزوجن فيفسدن علىٰ أهل المواريث مواريثهم(١) .

والحاصل انّ دعوىٰ ندرة توجه الضرر إلىٰ الشريك من عدم جعل حق الشفعة له لا يمكن المساعدة عليها.

ويشهد لذلك انّ كثيراً من فقهاء العامة قد علّلوا ثبوت الشفعة بدفع الضرر ، قال ابن رشد(٢) ( ذهب مالك والشافعي وأهل المدينة إلىٰ انّه لا شفعة إلا للشريك ما لم يقاسم ، وقال أهل العراق الشفعة مرتبة فأولى الناس بالشفعة الشريك الذي لم يقاسم ثم الشريك المقاسم إذا بقيت في الطرق أو في الصحن شركة ، ثم الجار الملاصق ، وقال أهل المدينة لا شفعة للجار ولا للشريك المقاسم ) ، ثم قال في ذكر احتجاج أهل العراق ( ومن طريق المعنىٰ لهم أيضاً إنّه لما كان المقصود بالشفعة دفع الضرر الداخل من الشركة ، وكان هذا المعنىٰ موجوداً في الجار وجب أن يلحق به ، ولأهل المدينة أن يقولوا وجود الضرر في الشركة أعظم منه في الجوار ).

واحتج السيد المرتضى (قده) علىٰ العامة في شمول الشفعة لغير الارضين لعموم العلّة ، وقال ( وممّا يمكن أن يعارضوا به إنّ الشفعة عندكم إنّما وجبت لازالة الضرر عن الشفيع ، وهذا المعنىٰ موجود في جميع المبيعات من الامتعة والحيوان ، فإذا قالوا حق الشفعة إنّما يجب خوفاً من الضرر علىٰ طريق الدوام ، وهذا المعنىٰ لا يثبت إلا في الارضين والعقارات دون العروض ، قلنا في الامتعة ما يبقى علىٰ وجه الدهر مثل بقاء العقارات والارضين كالياقوت وما أشبهه من الحجارة والحديث ، فيدوم الاستضرار بالشركة فيه ، وأنتم لا توجبون فيه الشفعة ، وبعد فإنّ ازالة الضرر الدائم أو

__________________

(١) الوسائل ٢٦ : ٢٠٨ ح ٣٢٨٤٢ باب ٦.

(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢٥٦ ـ ٢٥٧.

٥٠

المنقطع واجبة في العقل والشرع ، وليس وجوب إزالتها مختصّة بالمستمر دون المنقطع ، فلو كان التأذي بالشركة في العروض منقطعاً علىٰ ما ادعيتم لكانت ازالته واجبة علىٰ كل حال )(١) .

والحاصل انّ دفع الضرر صالح لأَن يكون حكمة لتشريع حق الشفعة ، وليس ذلك بأقلّ من تشريع الحج للتفقه في الدين وبسط أمر الولاية أو تشريع العدة لأَجل عدم اختلاط المياه ، أو تشريع غسل الجمعة لازالة ريح الآباط وغير ذلك من الامثلة المضروبة لما هو حكمة لجعل حكم شرعي.

وثانيا ً : إن لحاظ دفع الضررحكمة لتشريع حق الشفعة لا يمنع من اعتبار ( لا ضرر ولا ضرار ) كبرى كلية وقاعدة مستقلة في حد نفسها ، إذ لا مانع من أن يكون أمر واحد قد لوحظ حكمة بالنسبة إلىٰ جعل حكم مع انّه بنفسه موضوع لحكم آخر ، كما اتفق ذلك بالنسبة إلىٰ ال‍ ( لا حرج ) ، فإن عدم الحرج النوعي حكمة لعدم ايجاب السؤال مثلاً ـ كما دلّ عليه النص ـ في حين انّ الحرج الشخصي موجب لرفع كل حكم يلزم منه الحرج علىٰ المكلف.

وثالث اً : إنّ اعتبار ( لا ضرر ولا ضرار ) حكمة للحكم بثبوت الشفعة لا ينافي تفسيره بشيء من المعاني التي فسّر بها في كلمات الاعلام ، وذلك لأنّه ان فسّر بنفي الحكم الضرري أو بالنهي عن الاضرار بالغير فغاية الأمر أن هذا المعنىٰ لا يتأتى في مورد حديث الشفعة ، فلا بد أن يكون المقصود بقوله ( لا ضرر ولا ضرار ) في ذيل هذا الحديث مجرد نفي الضرر والضرار كحكمة للحكم بثبوت الشفعة ، وأمّا في غير هذا الحديث فلا مانع من تفسيره بغير ذلك فتأمل.

وإن فسر بما هو المختار من أنّ مفاد ( لا ضرر ) هو نفي التسبيب الى

__________________

(١) الانتصار : ٢١٥.

٥١

تحمل الضرر ، ومفاد ( لا ضرار ) التسبيب إلىٰ نفي الاضرار بالغير بما يشمل تحريم وتشريع ما يمنع من تحققه خارجاً وجعل الأَحكام الرافعة لموضوعه ، فعلى هذا القول يمكن تطبيق نفس هذا المعنىٰ علىٰ مورد حديث الشفعة بملاحظة الجملة الثانية أي ( لا ضرار ) باعتبار انّ الحكم بالشفعة بنفسه مثال للحكم الرافع لموضوع الاضرار بالغير كما اتضح ذلك مما تقدم.

ثم إنّ ما ذكرناه من كون الارتباط بين قوله ( لا ضرر ولا ضرار ) وبين جعل حق الشفعة للشريك إنّما هو بمناط كون ( لا ضرر ) حكمة لجعل هذا الحق ، لا مناص من الالتزام به لو كان الجمع بين حديث الشفعة ولا ضرر من قبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما هو الأَقرب ، وأما علىٰ الاحتمال الآخر الذي سبق ان ذكرناه من كون الجمع بينهما من قبل الامامعليه‌السلام ، فبالامكان أن يُخرّج الارتباط بينهما علىٰ وجه آخر ، وقد أشرنا اليه فيما مضى أيضاً وهو أن يكون ذكر ( لا ضرر ) بعد نقل قضاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالشفعة من باب الأخذ بشواهد السنة لكون قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( لا ضرر ولا ضرار ) كلاماً مشهوراً عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأراد الامامعليه‌السلام بذكره الاستشهاد لثبوت القضاء المذكور عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتوافقه مع ذلك الكلام الثابت عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقيناً.

هذا وقد تحصل من جميع ما تقدّم انّ الوجوه الأربعة التي ذكرت لدعوى عدم الارتباط بين قضاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالشفعة وبين قوله لا ضرر ولا ضرار ، خلافاً لظاهر رواية عقبة بن خالد ممّا لا يمكن المساعدة عليها.

٣ ـ حديث منع فضل الماء

وقد رواه الكليني عن محمّد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمّد بن عبد الله بن هلال ، عن عقبة بن خالد ، عن أبي عبد الله عليه

٥٢

السلام قال : قضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين أهل المدينة في مشارب النخيل إنّه لا يمنع نقع البئر ، وقضى بين أهل البادية إنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلأ ، وقال : لا ضرر ولا ضرار(١) .

والكلام في هذا الحديث من جهات :

الجهة الأولىٰ : في سنده ، وهو ضعيف علىٰ غرار ما تقدّم في سند حديث الشفعة فإن سندهما واحد ، وقد سبق انّ كلاً من ( محمّد بن عبد الله ابن هلال ) و ( عقبة بن خالد ) لم تثبت وثاقتهما عندنا وإن وثقهما بعض لرواية الاجلاء عنهما ، أو لكونهما من رجال كامل الزيارات وشبه ذلك مما تقدّم الاشكال فيه.

الجهة الثانية : في شرح مفادها اجمالاً ، أمّا قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في القضاء الأَول ( نقع البئر ) ففي النسخ التي رأيناها من الكافي ( نقع الشيء ) بدل ( نقع البئر ) وهو تصحيف كما نبّه عليه في الوافي(٢) ويشهد له مناسبة الحكم والموضوع ، مضافاً إلىٰ انّ الرواية مذكورة في كتب العامة وفيها ( نقع البئر )(٣) . قال ابن الأثير في النهاية(٤) في شرح الحديث : فيه نهى أن يمنع نقع البئر ـ أي فضل مائها ـ لأنّه ينقع به العطش أي يروي ( وشرب حتىٰ نقع أي روي ) وقيل النقع الماء الناقع وهو المجتمع ، ومنه الحديث لا يباع نقع البئر ولا رهو الماء وقال ( رهو الماء مجتمعه ).

وأما قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في القضاء الثاني ( لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلأ ) ففي المراد به وجوه :

__________________

(١) الكافي ٥ / ٢٩٣ ـ ٢٩٤ ح ٦.

(٢) الوافي المجلد ٣ الجزء ١٠ / ١٣٦.

(٣) لاحظ مسند أحمد بن حنبل ٥ / ٣٢٧ وسنن ابن ماجة ٢ / ٨٢٨ وموطأ مالك ٢ / ٧٤٥. ٢٤ ـ ٢٥. ٢٣.

(٤) النهاية ٥ / ١٠٨.

٥٣

الأول : إن الأَعراب لمّا كانوا ينزلون إلىٰ الماء والكلأ كانت طاثفة منهم تأتي إلىٰ الماء لحاجتها ، وطائفة تأتي إلىٰ الكلأ لحاجتها فإذا منعت الطائفة الأولىٰ من الماء امتنعت الطائفة الأُخرىٰ من الكلأ ، فكان ذلك منعاً لهم عن الكلأ أيضاً.

وهذا الاحتمال ذكره في الوافي(١) وهو بعيد أولاً لأنّ الحاجة إلىٰ الماء والكلأ مشتركة بين الجميع فلا وجه لفرض كونهم علىٰ طائفتين ، طائفة تحتاج إلىٰ الماء وطائفة تحتاج إلىٰ الكلأ.

وثانياً إنّ ظاهره أن مصب النهي هو المنع من الماء بلحاظ أنّ من عواقبه غالباً ترك الكلاء مع أن ظاهر الحديث الارتباط بين الجملتين في تعلق النهي.

الثاني : إنّ المراد أنّ أصحاب الماء لو منعوا فضل مائهم منعهم الله من الكلأ ذكره في الوافي أيضاً(٢) ، وهو بعيد كسابقه لأنّ ظاهر السياق اتحاد فاعل ( يمنع ) في الجملتين ـ أي انّ مانع الماء هو مانع الكلأ ـ ، وبما انّ ظاهر الجملة الأولىٰ انّ مانع الماء هم أصحابه فلا يناسب أن يكون مانع الكلأ هو الله تعالى.

الثالث : إنّ المراد إنّه لا يمنع قوم فضل مائهم عن الرعاة ، لأنّه مستلزم لمنعهم عن الكلأ المباح أيضاً ، فإنّ الرعاة إذا منعوا من الماء في ارض لم يأتوها للكلأ فقط ، لحاجتهم إلىٰ الماء والكلأ في وقت واحد ولا يسعهم التفكيك بينهما ، وهذا الوجه ذكره ابن حجر(٣) قائلاً ( والمعنىٰ أن يكون حول البئركلأ ليس عنده ماء غيره ، ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا تمكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر ، لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي ، فيستلزم

__________________

(١ و ٢) الوافي المجلد ٣ جزء ١٠ / ١٣٦.

(٣) فتح الباري ٥ / ٢٤ ـ ٢٥.

٥٤

منعهم من الماء منعهم من الكلأ ) قال ( وإلى هذا التفسير ذهب الجمهور ) وفرّع عليه إنّه لو لم يكن هناك كلأ يرعىٰ فلا نهي عن المنع لانتفاء العلّة ؛ لأَن هذا الوجه مبني علىٰ أن يكون قوله ( ليمنع به فضل كلأ ) علة للنهي عن منع فضل الماء بتقدير ( لا ) النافية فيه ، فيكون المعنىٰ ( لئلا يمنع به فضل كلأ ) وهذا هو الفارق بينه وبين الوجه الأَول ، فإنّ محصل الأَول أن مصب النهي هو المنع من الماء بلحاظ أن من عواقبه ترك الكلأ ، لا انّه علّة له ، بينما مفاد هذا الوجه أنه لا نهي عن منع الماء إلا إذا كان سبباً لمنع الكلأ ، ولذلك يكون هذا الوجه خلاف الظاهر جداً.

الرابع : إنّ المراد انه لا يمنع قوم فضل الماء المباح عن الرعاة لأجل أن يمنعوهم عن الكلأ المباح احتفاظاً به لانفسهم فالمنع عن الكلأ ـ علىٰ هذا الوجه ـ علّة للمنع من فضل الماء نفسه ، لا علّة للنهي عن منع فضل الماء كما في الوجه السابق وقد ذكر هذا المعنىٰ في الوافي(١) قائلاً ( قيل كان بعضهم يمنع فضل الماء من مواشي المسلمين حتىٰ لا تأكل مواشيهم العشب والكلأ الذي حول مائه ، فنهىعليه‌السلام عن المنع لأنّه لو منع لم ينزل حول بئره أحد فحرّموا الكلأ المباح حنيئذٍ ).

وحكى ابن حجر هذا الوجه في موضع آخر من فتح الباري(٢) عن المهلب قال : ( قال المهلب المراد رجل كان له بئر وحولها كلأ مباح ـ وهو بفتح الكاف واللام مهموز ما يرعى ـ فأراد الاختصاص به ، فيمنع فضل ماء بئره وأن ترده نِعَمُ غيره للشرب ، ولا حاجة به إلىٰ الماء الذي يمنعه وإنما حاجته إلىٰ الكلأ ، وهو لا يقدر علىٰ منعه لكونه غير مملوك له ، فيمنع الماء فيتوفر له الكلأ ، لأنّ النعم لا تستغني عن الماء بل إذا رعت الكلأ عطشت

__________________

(١) الوافي المجلد ٣ جزء ١٠ / ١٣٦.

(٢) فتح الباري ١٢ : ٢٩٦ طبعة اوفسيت لبنان علىٰ طبعة بولاق في مصر.

٥٥

ويكون ماء غير البئر بعيداً عنها ، فيرغب صاحبها عن ذلك الكلأ فيتوفر لصاحب البئر بهذه الحيلة ) ثم قال فمقتضى الحديث حينئذٍ انّه لا يمنع فضل الماء بوجه من الوجوه ، لأنّه إذا لم يمنع بسبب غيره كالمحافظة علىٰ الكلأ فأولى أن لا يمنع بسبب نفسه.

وهذا الوجه هو المنساق من ظاهر الحديث فهو صحيح.

الجهة الثالثة : في ارتباط النهي عن منع فضل الماء بقوله ( لا ضرر ولا ضرار ) المذكور بعده.

والكلام في هذه الجهة يقع تارة فيما يقتضيه ظاهر الحديث في نفسه ، وأُخرى فيما تقتضيه القرائن الخارجية.

أما ظاهر الحديث فمقتضاه الترابط بينهما علىٰ حذو ما تقدّم في حديث الشفعة لاتحادهما سياقاً ، وقد سبق انّ الظاهرمن مثل هذا السياق هو الارتباط بين الجملتين ، وكون الجمع بينهما إمّا من قبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو الامامعليه‌السلام دون الراوي.

واما القرائن الخارجية فقد اختار العلاّمة شيخ الشريعة وجمع من المحققين أن مقتضاها عدم الترابط بين الجملتين وكون الجمع بينهما من قبل الراوي كما سبق ذلك في حديث الشفعة.

ولكن يمكن لنا أن نقول ـ كما تقدّم نظيره في حديث الشفعة ـ : إنّ تكرار قوله ( لا ضرر ولا ضرار ) بعد حديث الشفعة وحديث منع فضل الماء جميعاً ، قرينة واضحة علىٰ الارتباط بينه وبين كل منهما ، فإنّه لو كان المجمع من قبل الراوي لما كان لذكرحديث ( لا ضرر ولا ضرار ) مرتين مبرر اصلاً.

بل يمتاز المقام عن حديث الشفعة في انّ قوله ( لا ضرر ولا ضرار ) ورد هنا معطوفاً بالفاء في جملة من نسخ الرواية ، والعطف بالفاء لا مصحح له لولا الارتباط بين الجملتين ، فهو مرجح احتمالي لصالح القول بالارتباط ، مع أن ورود العطف بالواو في بعض النسخ الأُخرىٰ ليس مرجحاً احتمالياً

٥٦

للقول بعدم الارتباط ، بل هومنسجم مع كلا القولين كما لا يخفى.

وربّما يقال ـ كما عن العلامة شيخ الشريعة (قده) ـ ( بأنّ ما في بعض النسخ من عطف قوله ( لا ضرر ولا ضرار ) علىٰ الجملة التي قبلها بالفاء تصحيف قطعاً ، لأن النسخ الصحيحة المعتمدة في الكافي متفقة علىٰ الواو(١) .

أقول : المذكور في النسخ المطبوعة للكافي هو العطف بالواو(٢) علىٰ الجملة التي قبلها ولكن المذكور في الوسائل والوافي وجملة من الكتب الناقلة لهذا الحديث ـ كالعوائد للنراقي والرسائل للشيخ الاعظم الانصاري وغيرهما ـ هو العطف بالفاء(٣) ، ولا يمكن القطع بصحة الأول وكون الثاني تصحيفاً ، فإنّ النسخ الموجودة بايدينا من الكافي لا تخلو من الغلط والتصحيف كما مر مثاله قريباً وهو تحريف ( نقع البئر ) ب‍ ( نقع الشيء ) في عامة نسخه ، ومنها النسخة التي وصلت إلىٰ المحدث الكاشاني وصاحب الوسائل.

ثم إنّ الوجوه التي ذكرت كقرائن خارجيّة علىٰ عدم الارتباط بين حديث منع فضل الماء وقوله ( لا ضرر ولا ضرار ) ، منها ما سبق بيانه في حديث الشفعة وهو وجهان :

أولهما : ما ذكره العلاّمة شيخ الشريعة (قده) من ادعاء انّ الجمع يين الجملتين إنّما كان من قبل عقبة في سياق الجمع بين قضايا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بقرينة التفكيك بينهما في حديث عبادة بن الصامت المنقول في كتب العامة.

ثانيهما : ما أفاده المحقق النائيني (قده) من انّه لو كان ( لا ضرر ) ذيلاً

__________________

(١) رسالة لا ضرر : ٢٣.

(٢) الكافي ٥ / ١٩٣ ط جديد ٦ / ٢٩٢ ذيل الحديث ٢.

(٣) الوافي المجلد ٣ الجزء ١٠ / ١٣٦ ، الوسائل ٢٥ : ٤٢٠ ح ٢. ومرآة العقول ١٩ : ٣٩٤ ح ٢. العوائد : ١٧ ٠ الرسائل ٢ : ٥٣٣ و ٥٣٤.

٥٧

لقضية أُخرى ، لزم خلو قضاياه ـ في رواية عقبة ـ عن هذا القضاء رغم انّه من اشهر قضاياه.

وقد تقدّم الكلام في تحقيق هذين الوجهين فلا موجب للاعادة.

و هناك وجهان آخران قد يستدلّ بهما لهذا المدعىٰ في خصوص المقام وهما :

الوجه الأول : إنّ حديث منع فضل الماء مذكور في بعض روايات الخاصة وكثير من روايات العامة من غير تذييل بقوله ( لا ضرر ولا ضرار ) ، وهذا يقوّي احتمال كون الجمع بينهما في رواية عقبة بن خالد من فعل الراوي من دون ارتباط بينهما في الاصل.

أمّا في روايات الخاصة فقد ورد في الفقيه(١) مرسلاً ( قال وقضىعليه‌السلام في أهل البوادي أن لا يمنعوا فضل ماء ولا يبيعوا فضل الكلأ ) هكذا في المطبوعة النجفية للفقيه ، وفي بعض النسخ ( لكي لا يمنعوا فضل الكلأ ) ولعلّه الصحيح.

وأمّا في روايات العامة فقد ورد في صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجة وموطأ مالك ومسند أحمد بن حنبل وغيرها(٢) .

ويمكن الجواب عنه اولا : بالنقض بقضية سمرة بن جندب ، فإنّها وردت مذيّلة بقوله ( لا ضرر ولا ضرار ) في رواية زرارة ، ولكنها خالية عن هذا الذيل في روايات العامة وفي بعض رواياتنا كما تقدّم ذلك مفصلاً.

وثانياً : بالحل ، وهو انّ رواية الصدوق مرسلة ولا اعتماد علىٰ مراسيله وإن كانت بصيغة جزمية ـ كما حقق في محله ـ ، مضافاً إلىٰ أن ( من لا يحضره الفقيه ) كتاب فقهي في الاساس يتضمن الفتوى بمتون الاحاديث ،

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه ٣ / ١٥٠ ح ٦٦٢.

(٢) لاحظ المعجم المفهرس لالفاظ الحديث النبوي مادة ( فضل ).

٥٨

فلا يلزم في مثله مراعاة نقل الحديث بتمامه إذا كان بعض فقراته لا يرتبط بما هو مقصود المؤلف كما في المقام ، فإنّ قوله ( لا ضرر ولا ضرار ) يجري مجرى التعليل الذي لا حاجة إلىٰ ذكره في مقام الافتاء بمضمون الرواية.

وأمّا روايات العامة فقد تقدّم الكلام في مدى ما يمكن الاعتماد عليه في مقابل رواياتنا عند الحديث عن رواية عبادة بن الصامت فلاحظ.

الوجه الثاني : إنّ مضمون حديث منع فضل الماء يأبى عن الالتزام بالترابط بينه وبين قوله ( لا ضرر ولا ضرار ) وذلك من جهتين :

الأولى : إنّ منع المالك فضل ماله عن الغير لا يعدّ ضرراً بالنسبة إلىٰ الغير ، وإنّما هو من قبيل عدم النفع ومعلوم إنّ عدم النفع لا يعد ضرراً.

الثانية : إنّ النهي في مورد الحديث تنزيهي قطعاً ، لعدم حرمة منع فضل المال عن الغير بالضرورة فلا يندرج ذلك تحت كبرى ( لا ضرر ولا ضرار ) بأيٍّ من معانيها.

والتحقيق انّ مرجع هاتين الجهتين إلىٰ جهة واحدة ، وهي عدم ثبوت حق للغير في الاستفادة من فضل الماء لأنّه إذا كان له حق في ذلك فإن منعه عنه يكون ضرراً عليه لأنّه تنقيص لحقه ، فلا يكون النهي عن منعه حينئذٍ نهياً تنزيهياً ، فيمكن تطبيق كبرى لا ضرر ولا ضرار علىٰ مورده ، وأمّا إذا لم يكن له حق في ذلك اتجه الاشكال في انطباق ( لا ضرر ) من الجهتين ـ موضوعاً وحكماً ـ فجهة الاشكال أساساً : انّه لا حق للغير في الاستفادة من فضل الماء.

والصحيح عدم اتجاه هذا الاشكال وتوضيحه : انّ الآبار التي كان أهل البادية ـ وهم الأعراب الرحّل ـ يستفيدون من مائها امّا انّها كانت من المباحات الاصلية ، أو ما هي في حكمها ، ـ كالآبار الموقوفة وقفاً عاماً لاستفادة الناس منها ـ كما لا يبعد أن ذلك كان هو الغالب فيها ، لعدم كونهم

٥٩

مستقرّين حولها وحينئذٍ فلا اشكال في انّه ليس لمن سبق إلىٰ شيء منها حق منع الغير عمّا فضل من استفادته ، اذ ليس له إلا حق السبق في الاستفادة فقط.

وإمّا انّها كانت من الاملاك الشخصية أو ما هي بحكمها ، وحينئذٍ فقد يتوهّم انّه لا اشكال في عدم استحقاق الغير الاستفادة من فضل مائها ، وانعقاد الضرورة علىٰ ذلك ، ولكن الذي يتضح بملاحظة كلمات الفريقين والمشهور بين المتقدمين ان للغير حق الشرب منها لنفسه ولماشيته ، وكون القول بعدم ثبوت هذا الحق له واستحباب البذل للمالك شاذاً بين القدماء.

قال الشيخ في الخلاف(١) : ( إذا ملك البئر بالاحياء وخرج ماؤها فهو احق بمائها من غيره بقدر حاجته وحاجة ماشيته ، وما يفضل عن ذلك يجب عليه بذله لغيره لحاجته اليه للشرب له أو لماشيته ، ولا يجب عليه بذله لسقي زرعه بل يستحب له ذلك ، وبه قال الشافعي ، وقال أبو عبيد بن خربوز يستحب له ذلك لسقي غيره وسقي مواشيه وسقي زرعه ، ولا يجب علىٰ حال ، ومن الناس من قال يجب عليه بذله بلا عوض لشرب الماشية ولسقي الزرع ، ومنهم من قال يجب عليه بالعوض ، فأما بلا عوض فلا ، ثم ذكر في الاستدلال علىٰ مختاره ثلاث روايات جميعها من طرق العامة ، ويشبه كلامه هنا كلامه في المبسوط.

وفي المختلف(٢) بعد نقل كلام الشيخ ما لفظه ( وبه قال ابن الجنيد والوجه : الاستحباب في الجميع وبه قال ابن البراج ، إذ لا يجب علىٰ الانسان بذل ماله لغيره ) ثم ذكر ما استدل به الشيخ وناقش فيه ، بأنّ هذه احاديث لم تثبت عندنا صحتها ، ولو ثبتت حملت علىٰ الكراهة.

__________________

(١) الخلاف ٢ / ١٢٩ ، ١٣٢.

(٢) مختلف الشيعة ٢ / ١٥.

٦٠