فرائد الاصول الجزء ١

فرائد الاصول0%

فرائد الاصول مؤلف:
تصنيف: علم أصول الفقه
الصفحات: 406

فرائد الاصول

مؤلف: الشيخ مرتضى الأنصاري
تصنيف:

الصفحات: 406
المشاهدات: 22462
تحميل: 6122


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 406 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 22462 / تحميل: 6122
الحجم الحجم الحجم
فرائد الاصول

فرائد الاصول الجزء 1

مؤلف:
العربية

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين الحمد لله الذي هدانا إلى شرائع الاسلام بتمهيد قواعد الاحكام، وأرشدنا إلى غاية المرام باتباع مسالك الافهام، ووفقنا لتحصيل فصول الاصول باتقان ضوابط شريعة خير الانام، وبلغنا إلى نهاية المسؤول بإحكام قوانين الاحكام.

والصلاة والسلام على المبعوث لاعلاء دعائم الاسلام و إعلان معالم الحلال والحرام، وآله وأصحابه البررة، مفاتيح الرحمة ومصابيح الظلام.

أما بعد، فيقول أقل خدام الشريعة، أحوج الورى، عبدالحسين بن محمد بن رضا التستري - عفى الله تعالى عنهما -: إن هذا تصنيف شريف، وتأليف منيف، من جملة تصانيف المولى القمقام، وقدوة الانام فحل الاعلام، وفريد الايام، الخائض في أسرار المدارك، والغائص في بحار المسالك، ممهد القواعد، وجامع المقاصد، كاشف رموز الدالائل، نخبة الاواخر والاوائل، مقباس مناهج غاية المرام، ومشكاة مسالك إرشاد العوام، مهذب القوانين المحكمة، ومحرر الاشارات المبهمة، منبع الفضل، وعين العدل، فاتح صحيفة السداد والرشاد، وخاتم رقيمة الفضل والفقاهة والاجتهاد، رئيس المحققين والمدققين من الاولين والآخرين، شمس الفقهاء والمجتهدين، مرتضى المصطفى، و مصطفى المرتضى، كهف الحاج، شيخنا واستاذنا، علم التقى، الحاج شيخ مرتضى الانصاري التستري - مد الله تعالى أطناب ظلاله على مفارق الانام، وعمر الله بوجوده الشريف دوارس شرع الاسلام، ما دامت الفروع مترتبة على الاصول، والشمس لها الطلوع والافول.

ثم إنه دام ظله العالى لما أودع فيه نقود الحقائق وفرائد درر الدقائق، وأدرج فيه من مهمات مسائل الاصول ما لم يذكر في أبواب ولا فصول، وأجاد ما أفاد فيه من المطالب الابكار ما لم تصل إليها نتائج الافكار، كثر رغبة المشتغلين إلى إدراكها، وإشتد ميل المحصلين إلى فهمها.

١

ولما كان بعضهم ما اهتدوا بنور التوفيق إلى ما فيه من التدقيق والتحقيق، سألوني أن أعلق عليه وأضيف إليه ما استفدته حين قراء‌تي عليه - دام ظله العالي - بيانا للكتاب وتقريبا للمدعى إلى الحق والصواب، وكان مع إختصاره وسهولة إستنساخه واكتثاره في غاية العزة والندرة، ولا يكاد أيدي الكتاب تكفي لكفايته، مع ما بهم من السعي في تكثير كتابته، وكان إنطباعه موجبا للشياع وباعثا على مزيد الانتفاع، فبادر بعض من ساعده التوفيق بعد إطلاعه إلى إكثاره باطباعه، ولامتياز ما فيه من المطالب وجودة ما احتوى من العجائب سمي ب‍ " فرائد الاصول " في تمييز المزيف عن المقبول.

رزقنا الله وإياه حسن المآب، إنه هو الكريم الوهاب، بحق محمد وآله الاطياب.

قال:بسم الله الرحمن الرحيم فاعلم أن المكلف إذا إلتفت إلى حكم شرعي، فإما أن يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن.

فإن حصل له الشك فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية الثابتة للشاك في مقام العمل، وتسمى بالاصول العملية.

وهي منحصرة في أربعة، لان الشك إما أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أم لا.

وعلى الثاني، فإما أن يمكن الاحتياط أم لا.

وعلى الاول، فإما أن يكون الشك في التكليف أو في المكلف به.

فالاول مجرى الاستصحاب، والثاني مجرى التخيير، والثالث مجرى أصالة البراء‌ة، والرابع مجرى قاعدة الاحتياط.

[ فالاول مجرى الاستحصاب، والثاني مجرى أصالة البراء‌ة، والثالث مجرى قاعدة الاحتياط، والرابع مجرى قاعدة التخيير.خ ل ].

[ وبعبارة أخرى: الشك إما أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا.

فالاول مجرى الاستصحاب، والثاني إما أن يكون الشك فيه في التكليف أو لا.

فالاول مجرى أصالة البراء‌ة، والثاني إما أن يمكن الاحتياط فيه أو لا.

فالاول مجرى قاعدة الاحتياط، والثاني مجرى قاعدة التخيير.نسخة ].

وما ذكرنا هو المختار في مجاري الاصول الاربعة، وقد وقع الخلاف فيها، وتمام الكلام في كل واحد موكول إلى محله.

فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة: الاول في القطع، والثاني في الظن، والثالث في الاصول العملية المذكورة التي هي مرجع عند الشك.

٢

٣

المقصد الاول في القطع

مقدمة

فنقول: لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه ما دام موجودا، لانه بنفسه طريق إلى الواقع.

وليس طريقيته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا.

ومن هنا يعلم أن إطلاق الحجة عليه ليس كإطلاق الحجة على الامارات المعتبرة شرعا، لان الحجة عبارة عن الوسط الذي به يحتج على ثبوت الاكبر للاصغر، ويصير واسطة للقطع بثبوته له، كالتغير لاثبات حدوث العالم.

فقولنا: (الظن حجة، أو البينة حجة، أو فتوى المفتي حجة)، يراد به كونه هذه الامور أوساطا لاثبات أحكام متعلقاتها.

فيقال: هذا مظنون الخمرية، وكل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه.

وكذلك قولنا: هذا الفعل مما أفتى المفتي بتحريمه، أو قامت البينة على كونه محرما، وكل ما كان كذلك فهو حرام.

وهذا بخلاف القطع، لانه إذا قطع بوجوب شئ فيقال: هذا واجب، وكل واجب يحرم ضده أو يجب مقدمته.

وكذلك العلم بالموضوعات.

فإذا قطع بخمرية شئ، فيقال: هذا خمر، وكل خمر يجب الاجتناب عنه.

ولا يقال: إن هذا معلوم الخمرية، وكل معلوم الخمرية حكمه كذا.

لان احكام الخمر إنما تثبت للخمر، لا لما علم أنه خمر.

والحاصل أن كون القطع حجة غير معقول، لان الحجة ما يوجب القطع بالمطلوب، فلا يطلق على نفس القطع.

هذا كله بالنسبة إلى حكم متعلق القطع، وهو الامر المقطوع.

وأما بالنسبة إلى حكم آخر، فيجوز أن يكون القطع مأخوذا في موضوعه، فيقال: إن الشئ المعلوم، بوصف كونه معلوما، حكمه كذا.

وحينئذ فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم لمتعلقه وإن لم يطلق عليه الحجة، إذ المراد

٤

بالحجة في باب الادلة ما كان وسطا لثبوت أحكام متعلقة شرعا، لا لحكم آخر.

كما إذا رتب الشارع الحرمة على الخمر المعلوم كونهاخمرا، لا على نفس الخمر، وكترتب وجوب الاطاعة عقلا على معلوم الوجوب، لاالواجب الواقعي.

وبالجملة فالقطع قد يكون طريقا للحكم ن وقد يكون مأخوذا في موضوع الحكم.

* * *

ثم ما كان منه طريقا لا يفرق فيه بين خصوصياته من حيث القاطع به وأسباب القطع وأزمانه، إذ المفروض كونه طريقا إلى متعلقه، فيترتب عليه أحكام متعلقه، ولا يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به، لانه مستلزم للتناقض.

فإذا قطع كون مائع بولا، من أي سبب كان، فلا يجوز للشارع أن يحكم بعدم نجاسته أو عدم وجوب الاجتناب عنه، لان المفروض أنه بمجرد القطع يحصل له صغرى وكبرى، أعني قوله: (هذا بول، وكل بول يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه).

فحكم الشارع بأنه لا يجب الاجتناب عنه مناقض له، إلا إذا فرض عدم كون النجاسة ووجوب الاجتناب من أحكام نفس البول، بل من أحكام ماعلم بوليته على وجه خاص من حيث السبب أو الشخص أو غيرهما، [ فخرج العلم حينئذ عن كونه طريقا ] ويكون مأخوذا في الموضوع.

وحكمه أن يتبع في إعتباره مطلقا أو على وجه خاص دليل ذلك الحكم الثابت الذي أخذ العلم في موضوعه.

فقد يدل على ثبوت الحكم لشئ بشرط العلم به، بمعنى إنكشافه للمكلف من غير خصوصية للانكشاف.

كما في حكم العقل بحسن إتيان ما قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه، وقبح ما يقطع بكونه مبغوضا، فإن مدخلية القطع بالمطلوبية أو المبغوضية في صيرورة الفعل حسنا أو قبيحا عند العقل لا يختص ببعض أفراده.

وكما في حكم الشرع بحرمة ما علم أنه خمر أو نجاسته بقول مطلق بناء على أن الحرمة والنجاسة الواقعيتين إنما تعرضان مواردهما بشرط العلم، لا في نفس الامر، كما هو قول بعض.

وقد يدل دليل ذلك الحكم على ثبوته لشئ بشرط حصول القطع به من سبب خاص او شخص خاص، مثل ما ذهب إليه بعض الاخباريين من عدم جواز العمل في الشرعيات بالعلم الغير الحاصل من الكتاب والسنة، كما سيجئ، وما ذهب إليه بعض من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق الله تعالى.

وأمثلة ذلك بالنسبة إلى حكم غير القاطع كثيرة، كحكم الشارع على المقلد بوجوب الرجوع إلى

٥

الغير في الحكم الشرعي إذا علم به من الطرق الاجتهادية المعهودة.

لا من مثل الرمل والجفر، فإن القطع الحاصل من هذه وإن وجب على القاطع الاخذ به في عمل نفسه، إلا أنه لا يجوز للغير تقليده في ذلك.

وكذلك العلم الحاصل للمجتهد الفاسق او غير الامامى من الطرق الاجتهادية المتعارفة، فانه لايجوز للغيرالعمل بها، وكحكم الشارع على الحاكم بوجوب بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له من الحس، لا من الحدس، إلى غير ذلك.

* * *

ثم من خواص القطع الذي هو طريق إلى الواقع قيام الامارات الشرعية والاصول العملية مقامه في العمل، بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الوضوعية، فإنه تابع لدليل ذلك الحكم.

فإن ظهر منه أو من دليل خارج إعتباره على وجه الطريقية للموضوع - كالامثلة المتقدمة - قامت الامارات والاصول مقامه.

وإن ظهر منه إعتبار القطع في الموضوع من حيث كونها صفة خاصة قائمة بالشخص لم يقم مقامه غيره.

كما إذا فرضنا أن الشارع إعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات الثنائية والثلاثية والاوليين من الرباعية.

فإن غيره، كالظن بأحد الطرفين أو أصالة عدم الزائد، لا يقوم مقامه إلا بدليل خاص خارجي غير أدلة حجية مطلق الظن في الصلاة وأصالة عدم الاكثر.

ومن هذا الباب عدم جواز أداء الشهادة إستنادا إلى البينة أو اليد على قول، وإن جاز تعويل الشاهد في عمل نفسه بهما إجماعا، لان العلم بالمشهود به مأخوذ في مقام العمل على وجه الطريقية، بخلاف مقام أداء الشهادة، إلا أن يثبت من الخارج أن كل ما يجوز العمل به من الطرق الشرعية يجوز الاستناد إليه في الشهادة، كما يظهر من رواية حفص الواردة في جواز الاستناد إلى اليد.

ومما ذكرنا يظهر أنه لو نذر أحد أن يتصدق كل يوم بدرهم ما دام متيقنا بحياة ولده، فإنه لا يجب التصدق عند الشك في الحياة، لاجل إستصحاب الحياة، بخلاف ما لو علق النذر بنفس الحياة، فإنه يكفي في الوجوب الاستصحاب.

* * *

ثم إن هذا الذي ذكرنا من كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقية وأخرى على وجه الموضوعية، جار في الظن أيضا.

فإنه وإن فارق العلم في كيفية الطريقية - حيث أن العلم طريق بنفسه، والظن المعتبر طريق بجعل الشارع، بمعنى كونه وسطا في ترتب أحكام متعلقه، كما أشرنا إليه سابقا - لكن الظن قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلقه، وقد يؤخذ موضوعا للحكم، [ سواء كان موضوعا على

٦

وجه الطريقية لحكم متعلقه أو لحكم آخر يقوم مقامه سائر الطرق الشرعية، فيقال حينئذ إنه حجة، وقد يؤخذ موضوعا لا على وجه الطريقة لحكم متعلقه أو لحكم آخر ولا يطلق عليه الحجة ح ]، فلا بد من ملاحظة دليل ذلك ثم الحكم بقيام غيره من الطرق المعتبرة مقامه، لكن الغالب فيه الاول.

٧

وينبغى التنبيه على أمور:

الامرالاول:هل القطع حجة سواء صادف الواقع أم لم يصادف

إنه قد عرفت أن القاطع لا يحتاج في العمل بقطعه إلى أزيد من الادلة المثبتة لاحكام مقطوعه، فيجعل ذلك كبرى لصغرى قطع بها فيقطع بالنتيجة.

فإذا قطع بكون شئ خمرا وقام الدليل على كون حكم الخمر في نفسها هي الحرمة فيقطع بحرمة ذلك الشئ.

لكن الكلام في أن قطعه هذا هل هو حجة عليه من الشارع وإن كان مخالفا للواقع في علم الله فيعاقب على مخالفته، أو أنه حجة عليه إذا صادف الواقع؟، بمعنى أنه لو شرب الخمر الواقعي عالما عوقب عليه، في مقابل من شربها جاهلا، لا أنه يعاقب على شرب ما قطع بكونه خمرا وإن لم يكن خمرا في الواقع.

ظاهر كلماتهم في بعض المقامات الاتفاق على الاول، كما يظهر، من دعوى جماعة الاجماع على أن ظان ضيق الوقت إذا أخر الصلاة عصى وإن إنكشف بقاء الوقت، فإن تعبيرهم بظن الضيق لبيان أدنى فردي الرجحان، فيشمل القطع بالضيق.

نعم حكي عن النهاية وشيخنا البهائي التوقف في العصيان، بل في التذكرة: (لو ظن ضيق الوقت عصى لو أخر إن إستمر الظن، وإن إنكشف خلافه فالوجه عدم العصيان)، إنتهى.

واستقرب العدم سيد مشايخنا في المفاتيح.

وكذا لا خلاف بينهم ظاهرا في أن سلوك المظنون الخطر أو مقطوعه معصية يجب إتمام الصلاة فيه ولو بعد إنكشاف عدم الضرر فيه، فتأمل.ويؤيده بناء العقلاء على الاستحقاق وحكم العقل بقبح التجري.

٨

وقد يقرر دلالة العقل على ذلك: بأنا إذا فرضنا شخصين قاطعين بأن قطع أحدهما بكون مائع معين خمرا وقطع الاخر بكون مائع آخر خمرا فشرباهما، فاتفق مصادفة أحدهما للواقع ومخالفة الاخر، فإما أن يستحقا العقاب، أو لا يستحقه أحدهما، أو يستحقه من صادف قطعه الواقع دون الاخر، أو العكس.

لا سبيل إلى الثاني والرابع، والثالث مستلزم لاناطة إستحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار، وهو مناف لما يقتضيه العدل، فتعين الاول.ويمكن الخدشة في الكل.

أما الاجماع، فالمحصل منه غير حاصل، والمسألة عقلية، خصوصا مع مخالفة غير واحد، كما عرفت من النهاية وستعرف من قواعد الشهيد، قدس سره، والمنقول منه ليس حجة في المقام.

وأما بناء العقلاء، فلو سلم فإنما على مذمة الشخص من حيث أن هذا الفعل يكشف عن وجود صفة الشقاوة فيه، لا على نفس فعله، كمن إنكشف لهم من حاله أنه بحيث لو قدر على قتل سيده لقتله، فإن المذمة على المنكشف، لا الكاشف.

ومن هنا يظهر الجواب على قبح التجري، فإنه لكشف ما تجري به عن خبث الفاعل لكونه جريئا عازما على العصيان والتمرد، لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى.

والحاصل: أن الكلام في كون هذا الفعل الغير المنهي عنه واقعا، مبغوضا للمولى من حيث تعلق إعتقاد المكلف بكونه مبغوضا، لا في أن هذا الفعل المنهى عنه باعتقاد ينبئ عن سوء سريرة العبد مع سيده وكونه جريئا في مقام الطغيان والمعصية وعازما عليه، فإن هذا غير منكر في هذا المقام، كما سيجئ، ولكن لا يجدي في كون الفعل محرما شرعيا، لان إستحقاق المذمة على ما كشف عنه الفعل لا يوجب إستحقاقه على نفس الفعل، ومن المعلوم أن الحكم العقلي بإستحقاق الذم إنما يلازم إستحقاق العقاب شرعا إذا تعلق بالفعل، لا بالفاعل.

وأما ما ذكر من الدليل العقلي فنلتزم بإستحقاق من صادف قطعه الواقع، لانه عصى إختيارا، دون من لم يصادف.

قولك: (إن التفاوت بالاستحقاق والعدم لا يحسن أن يناط بما هو خارج عن الاختيار)، ممنوع، فإن العقاب بما لا يرجع بالاخرة إلى الاختيار قبيح، إلا أن عدم العقاب لامر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم.

كما يشهد به الاخبار الواردة في أن: (من سن سنة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة كان له مثل وزر من عمل بها).

٩

فإذا فرضنا ان شخصين سنا سنة حسنة أو سيئة، واتفق كثرة العامل بأحدهما وقلة العامل بما سنه الاخر، فإن مقتضى الروايات كون ثواب الاول أو عقابه أعظم، وقد إشتهر: (أن للمصيب أجرين وللمخطئ أجرا واحدا).

والاخبار في أمثال ذلك في طرفي الثواب والعقاب بحد التواتر.

فالظاهر أن العقل إنما يحكم بتساويهما في إستحقاق المذمة من حيث شقاوة الفاعل وخبث سريرته مع المولى، لا في إستحقاق المذمة على الفعل المقطوع بكونه معصية.

وربما يؤيد ذلك أنا نجد من أنفسنا الفرق في مرتبة العقاب بين من صادف فعله الواقع و بين من لم يصادف.

إلا أن يقال: إن ذلك إنما هو في المبغوضات العقلائية من حيث أن زيادة العقاب من المولى وتأكد الذم من العقلاء بالنسبة إلى من صادف إعتقاده الواقع لاجل التشفي المستحيل في حق الحكيم تعالى، فتأمل، هذا.

وقد يظهر من بعض المعاصرين: (التفصيل في صورة القطع بتحريم شئ غير محرم واقعا، فرجح إستحقاق العقاب بفعله، إلا أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة، فإنه لا يبعد عدم إستحقاق العقاب عليه مطلقا أو في بعض الموارد نظرا إلى معارضة الجهة الواقعية للجهة الظاهرية، فإن قبح التجري عندنا ليس ذاتيا، بل يختلف بالوجوه والاعتبارات.

فمن إشتبه عليه مؤمن ورع بكافر واجب القتل، فحسب أنه ذلك الكافر و تجرى فلم يقتله، فإنه لا يستحق الذم على هذا الفعل عقلا عند من إنكشف له الواقع، وإن كان معذورا لو فعل.

وأظهر من ذلك ما لو جزم بوجوب قتل نبي أو وصي فتجرى ولم يقتله.

ألا ترى أن المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدو له فصادف العبد إبنه وزعمه ذلك العدو فتجرى ولم يقتله، أن المولى إذا إطلع على حاله لا يذمه على هذا التجري بل يرضى به، وإن كان معذورا لو فعل.

وكذا لو نصب له طريقا غير القطع إلى معرفة عدوه، فأدى الطريق إلى تعيين إبنه فتجرى ولم يفعل.

وهذا الاحتمال حيث يتحقق عند المتجري لا يجديه إن لم يصادف الواقع، ولذا يلزمه العقل بالعمل بالطريق المنصوب، لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب.بخلاف ما لو ترك العمل به، فإن المظنون فيه عدمها.

١٠

ومن هنا يظهر أن التجري على الحرام في المكروهات الواقعية أشد منه في مباحاتها، وهو فيها أشد منه في مندوباتها، ويختلف بإختلافها ضعفا وشدة كالمكروهات.

ويمكن أن يراعى في الواجبات الواقعية ما هو الاقوى من جهاته وجهات التجري) إنتهى كلامه رفع مقامه.

أقول: يرد عليه، أولا، منع ما ذكره من عدم كون قبح التجري ذاتيا، لان التجري على المولى قبيح ذاتا، سواء كان لنفس الفعل ولكشفه عن كونه جريئا [ كالظلم، بل هو قسم من الظلم ]، فيمتنع عروض الصفة المحسنة، وفي مقابله الانقياد لله سبحانه، فإنه يمتنع أن يعرض له جهة مقبحة.

وثانيا، أنه لو سلم أنه لا إمتناع في أن يعرض له جهة محسنة، لكنه باق على قبحه ما لم يعرض له تلك الجهة، وليس مما لا يعرض في نفسه حسن ولا قبح إلا بملاحظة ما يتحقق في ضمنه.

و بعبارة أخرى: لو سلمنا عدم كونه علة تامة للقبح، كالظلم، فلا شك في كونه مقتضيا له، كالكذب، وليس من قبيل الافعال التي لا يدرك العقل بملاحظتها في أنفسها حسنها ولا قبحها.

وحينئذ فيتوقف إرتفاع قبحه على إنضمام جهة يتدارك بها قبحه، كالكذب المتضمن لانجاء نبي.

ومن المعلوم أن ترك قتل المؤمن - بوصف أنه مؤمن في المثال الذي ذكره كفعله ليس من الامور التي تتصف بحسن أو قبح، للجهل بكونه قتل مؤمن.ولذا إعترف في كلامه بأنه لو قتله كان معذورا.

فإذا لم يكن هذا الفعل الذي تحقق التجري في ضمنه مما يتصف بحس أو قبح، لم يؤثر في إقتضاء ما يقتضي القبح، كما لا يؤثر في إقتضاء ما يقتضي الحسن لو فرض أمره بقتل كافر فقتل مؤمنا معتقدا كفره، فإنه لا إشكال في مدحه من حيث الانقياد وعدم مزاحمة حسنه بكونه في الواقع قتل مؤمن.

ودعوى: (أن الفعل الذي يتحقق به التجري وإن لم يتصف في نفسه بحسن ولا قبح لكونه مجهول العنوان، لكنه لا يمتنع أن يؤثر في قبح ما يقتضي القبح بأن يرفعه، إلا أن نقول بعدم مدخلية الامور الخارجة عن القدرة في إستحقاق المدح والذم، وهو محل نظر بل منع.

وعليه يمكن إبتناء منع الدليل العقلي السابق في قبح التجري)، مدفوعة - مضافا إلى الفرق بين ما نحن فيه وبين ما تقدم

١١

من الدليل العقلي، كما لا يخفى على المتأمل بأن العقل مستقل بقبح التجري في المثال المذكور.

و مجرد تحقق ترك قتل المؤمن في ضمنه، مع الاعتراف بأن ترك القتل لايتصف بحسن لا قبح، لا يرفع قبحه، ولذا يحكم العقل بقبح الكذب وضرب اليتيم إذا إنضم إليهما ما يصرفهما إلى المصلحة إذا جهل الفاعل بذلك.

ثم إنه ذكر هذا القائل في بعض كلماته: (أن التجري إذا صادف المعصية الواقعية تداخل عقابهما).

ولم يعلم معنى محصل لهذا الكلام، إذ مع كون التجري عنوانا مستقلا في إستحقاق العقاب لا وجه للتداخل إن أريد به وحدة العقاب، فإنه ترجيح بلا مرجح.

وسيجئ في الرواية أن على الراضي إثما وعلى الداخل إثمين، وإن أريد به عقاب زائد على عقاب محض التجري، فهذا ليس تداخلا، لن كل فعل إجتمع فيه عنوانان من القبح يزيد عقابه على ما كان فيه أحدهما.

* * *

والتحقيق أنه لا فرق في قبح التجري بين موارده وأن المتجري لا إشكال في إستحقاقه الذم من جهة إنكشاف خبث باطنه وسوء سريرته بذلك.

وأما إستحقاقه للذم من حيث الفعل المتجرى في ضمنه، ففيه إشكال، كما إعترف به الشهيد، قدس سره، فيما يأتي من كلامه.

نعم لو كان التجري على المعصية بالقصد إلى المعصية، فالمصرح به في الاخبار الكثيرة العفو عنه، وإن كان يظهر من أخبار أخر العقاب على القصد أيضا: مثل قوله صلى الله عليه وآله: (نية الكافر شر من عمله)، وقوله: (إنما يحشر الناس على نياتهم).

وما ورد من تعليل خلود أهل النار في النار وخلود أهل الجنة في الجنة بعزم كل من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية والطاعة لو خلدوا في الدنيا.

وماورد من: (أنه إذا إلتقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار.

قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول، قال: لانه أراد قتل صاحبه) ومنا ورد في العقاب على فعل بعض المقدمات بقصد ترتب الحرام، كغارس الخمر والماشي

١٢

لسعاية مؤمن.

وفحوى ما دل على أن الرضا بفعل كالفعل، مثل قوله عليه السلام: (الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى الداخل إثمان إثم الرضا وإثم الدخول) ويؤيده قوله تعالى: (إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله).

وما ورد أن: (من رضي بفعل فقد لزمه وإن لم يفعل).

وما ورد في تفسير قوله تعالى: (فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين)، من أن نسبة القتل إلى المخاطبين مع تأخرهم عن القائلين بكثير لرضاهم بفعلهم.

ويؤيده قوله تعالى: (تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)، وقوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم).

ويمكن حمل الاخبار الاول على من إرتدع عن قصده بنفسه، وحمل الاخبار الاخيرة على من بقي على قصده حتى عجز عن الفعل لا باختياره.

أو يحمل الاول على من إكتفى بمجرد القصد، والثانية على من إشتغل بعد القصد ببعض المقدمات، كما يشهد له حرمة الاعانة على المحرم، حيث عممه بعض الاساطين لاعانة نفسه على الحرام، ولعله لتنقيح المناط، لا للدلالة اللفظية.

* * *

وقد علم مما ذكرنا أن التجري على أقسام يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلتها.

أحدها مجرد القصد إلى المعصية، والثاني القصد مع الاشتغال بمقدماته، والثالث القصد مع التلبس بما يعتقد كونه معصية، والرابع التلبس بما يحتمل كونه معصية رجاء لتحقق المعصية به، والخامس التلبس به لعدم المبالاة بمصادفة الحرام، والسادس التلبس به رجاء أن لا يكون معصية وخوف أن يكون معصية.

ويشترط في صدق التجري في الثلاثة الاخيرة عدم كون الجهل عقليا أو شرعيا، كما في الشبهة المحصورة الوجوبية أو التحريمية، وإلا لم يتحقق إحتمال المعصية وإن تحقق إحتمال المخالفة للحكم الواقعي، كما في موارد أصالة البراء‌ة وإستصحابها.

ثم إن الاقسام الستة كلها مشتركة في إستحقاق الفاعل للمذمة من حيث خبث ذاته وجرأته

١٣

وسوء سريرته، وإنما الكلام في تحقق العصيان بالفعل المتحقق في ضمنه التجري.

وعليك بالتأمل في كل من الاقسام.

قال الشهيد، رحمه الله، في القواعد: (لا يؤثر نية المعصية عقابا ولا ذما ما لم يتلبس بها.

وهو مما ثبت في الاخبار العفو عنه.

ولو نوى المعصية وتلبس بما يراه معصية فظهر خلافها، ففي تأثير هذه النية نظر، من أنها لما لم تصادف المعصية صارت كنية مجردة وهي غير مؤاخذ بها، ومن دلالتها على إنتهاك الحرمة وجرأته على المعاصي.

وقد ذكر بعض الاصحاب أنه لو شرب المباح تشبها بشرب السكر فعل حراما.

ولعله ليس لمجرد النية، بل بإنضمام فعل الجوارح.

ويتصور محل النظر في صور: منها: ما لو وجد إمرأة في منزل غيره، فظنها أجنبية فأصبها، فبان أنها زوجته أو أمته.

ومنها: ما لو وطئ زوجته بظن أنها حائض فبانت طاهرة.

ومنها: لو هجم على طعام بيد غيره فأكله، فتبين أنه ملكه.

ومنها: لو ذبح شاة بظنها للغير بقصد العدوان، فظهرت ملكه.

ومنها: ما إذا قتل نفسا بظن أنها معصومة، فبانت مهدورة.

وقد قال بعض العامة: (نحكم بفسق المتعاطي ذلك، لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي، ويعاقب في الاخرة ما لم يتب عقابا متوسطا بين الصغيرة والكبيرة).

وكلاهما تحكم وتخرص على الغيب)، إنتهى.

١٤

الامرالثاني: هل القطع الحاصل من المقدمات العقلية حجة

إنك قد عرفت أنه لا فرق فيما يكون العلم فيه كاشفا محضا بين أسباب العلم.

وينسب إلى غير واحد من أصحابنا الاخباريين عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدمات العقلية القطعية الغير الضرورية، لكثرة وقوع الاشتباه والغلط فيها، فلا يمكن الركون إلى شئ منها.

فإن أرادوا عدم جواز الركون بعد حصول القطع، فلا يعقل ذلك في مقام إعتبار العلم من حيث الكشف، ولو أمكن الحكم بعدم إعتباره لجرى مثله في القطع الحاصل من المقدمات الشرعية طابق النعل بالنعل.

وإن أرادوا عدم جواز الخوض في المطالب العقلية لتحصيل المطالب الشرعية لكثرة وقوع الغلط والاشتباه، فلو سلم ذلك وأغمض عن المعارضة، لكثرة ما يحصل من الخطأ في فهم المطالب من الادلة الشرعية، فله وجه.

وحينئذ فلو خاض فيها وحصل القطع بما لا يوافق الحكم الواقعي لم يعذر في ذلك، لتقصيره في مقدمات التحصيل، إلا أن الشأن في ثبوت كثرة الخطأ أزيد مما يقع في فهم المطالب من الادلة الشرعية.

وقد عثرت، بعدما ذكرت هذا، على كلام يحكى عن المحدث الاسترابادي في فوائده المدنية، قال في عداد ما استدل به على إنحصار الدليل في غير الضروريات الدينية في السماع عن الصادقين عليهم السلام، قال: (الدليل التاسع مبني على مقدمة دقيقة شريفة تفطنت بتوفيق الله تعالى.

وهي أن العلوم النظرية قسمان، قسم ينتهي إلى مادة هي قريبة من الاحساس، و من هذا القسم علم الهندسة والحساب وأكثر أبواب المنطق.

وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء والخطأ في نتائج الافكار.والسبب في ذلك أن الخطأ في الفكر

١٥

إما من جهة الصورة أو من جهة المادة.

والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء، لان معرفة الصورة من الامور الواضحة عند الاذهان المستقيمة.

والخطأ من جهة المادة لا يتصور في هذه العلوم، لقرب المواد فيها إلى الاحساس.

وقسم ينتهي إلى مادة هي بعيدة عن الاحساس.

ومن هذا القسم الحكمة الالهية والطبيعية وعلم الكلام وعلم أصول الفقه والمسائل النظرية الفقهية وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق.

ومن ثم رفع الاختلافات والمشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الالهية والطبيعية وبين علماء الاسلام في اصول الفقه ومسائل الفقه وعلم الكلام وغير ذلك.

والسبب في ذلك أن القواعد المنطقية إنما هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادة.

إذ أقصى مايستفاد من المنطق في باب مواد الاقيسة تقسيم المواد على وجه كلي إلى أقسام.

وليست في المنطق قاعدة بها يعلم أن كل مادة مخصوصة داخلة في أي قسم من الاقسام، ومن المعلوم عند أولي الالباب إمتناع وضع قاعدة تكفل بذلك).

ثم إستظهر ببعض الوجوه تأييدا لما ذكره، وقال بعد ذلك: (فإن قلت: لا فرق في ذلك بين العقليات والشرعيات.

والشاهد على ذلك ما نشاهده من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في أصول الدين وفي الفروع الفقهية.

قلت: إنما نشأ ذلك من ضم مقدمة عقلية باطلة بالمقدمة النقلية الظنية أو القطعية ومن الموضحات لما ذكرناه من أنه ليس في المنطلق قانون يعصم عن الخطأ في مادة الفكر أن المشائيين إدعوا البداهة في أن تفريق ماء كوز إلى كوزين إعدام لشخصه وإحداث لشخصين آخرين.

وعلى هذه المقدمة بنوا إثبات الهيولى.

والاشراقيين إدعوا البداهة في أنه ليس إعداما للشخص الاول وإنما إنعدمت صفة من صفاته وهو الاتصال).

ثم قال: (إذا عرفت ما مهدناه من المقدمة الدقيقة الشريفة، فنقول: إن تمسكنا بكلامهم عليهم السلام فقد عصمنا من الخطأ، وإن تمسكنا بغيرهم

١٦

لم نعصم منه)، إنتهى كلامه.

والمستفاد من كلامه عدم حجية إدراكات العقل في غير المحسوسات وما تكون مباديه قريبة من الاحساس إذا لم يتوافق عليه العقول.

وقد إستحسن ما ذكره غير واحد ممن تأخر عنه، منهم السيد المحدث الجزائري، قدس سره، في أوائل شرح التهذيب، على ما حكي عنه.

قال بعد ذكر كلام المحدث المتقدم بطوله: (وتحقيق المقام يقتضي ما ذهب إليه.

فإن قلت: قد عزلت العقل عن الحكم في الاصول والفروع.

فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل؟ قلت: أما البديهيات فهي له وحده، وهو الحاكم فيها.

وأما النظريات فإن وافقه النقل وحكم بحكمه قدم حكمه على النقل وحده.

وأما لو تعارض هو والنقلي، فلا شك عندنا في ترجيح النقل وعدم الالتفات إلى ما حكم به العقل.

قال -: - وهذا أصل يبتنى عليه مسائل كثيرة.

ثم ذكر جملة من المسائل المتفرعة).

أقول: لا يحضرني شرح التهذيب حتى ألاحظ ما فرع على ذلك.

فليت شعري إذا فرض حكم العقل على وجه القطع بشئ كيف يجوز حصول القطع أو الظن من الدليل النقلي على خلافه.

و كذا لو فرض حصول القطع من الدليل النقلي كيف يجوز حكم العقل بخلافه على وجه القطع؟ وممن وافقهما على ذلك في الجملة المحدث البحراني في مقدمات الحدائق، حيث نقل كلاما للسيد المتقدم في هذا المقام واستحسنه، إلا أنه صرح بحجية العقل الفطري الصحيح وحكم بمطابقته للشرع ومطابقة الشرع له.

ثم قال: (لا مدخل للعقل في شئ من الاحكام الفقهية من عبادات وغيرها، ولا سبيل إليها إلا السماع عن المعصوم عليه السلام، لقصور العقل المذكور عن الاطلاع عليها).

ثم قال: (نعم يبقى الكلام بالنسبة إلى ما يتوقف على التوقيف، فنقول: إن كان الدليل العقلي المتعلق بذلك بديهيا ظاهر البداهة، مثل الواحد نصف الاثنين، فلا ريب في صحة العمل به.

وإلا فإن لم يعارضه دليل عقلي ولا نقلي فكذلك، وإن عاضره دليل عقلي آخر، فإن تأيد أحدهما بنقلي كان الترجيح

١٧

للمتأيد بالدليل النقلي، وإلا فإشكال.

وإن عارضه دليل نقلي، فإن تأيد ذلك العقلي بدليل نقلي كان الترجيح للعقلي، إلا أن هذا في الحقيقة تعارض في النقليات، وإلا فالترجيح للنقلي، وفاقا للسيد المحدث المتقدم ذكره وخلافا للاكثر.

هذا بالنسبة إلى العقلي بقول مطلق.

أما لو أريد به المعنى الاخص، وهو الفطري الخالي عن شوائب الاوهام الذي هو حجة من حجج الملك العلام وإن شذ وجوده في الانام ففي ترجيح النقلي عليه إشكال)، إنتهى.

ولا أدري كيف جعل الدليل النقلي في الاحكام النظرية مقدما على ما هو في البداهة من قبيل (الواحد نصف الاثنين).

مع أن ضروريات الدين والمذهب لم يزد في البداهة على ذلك.

والعجب مما ذكره في الترجيح عند تعارض العقل والنقل كيف يتصور الترجيح في القطعيين، وأي دليل على الترجيح المذكور.

وأعجب من ذلك الاستشكال في تعارض العقليين من دون ترجيح مع أنه لا إشكال في تساقطهما، وفي تقديم العقلى الفطري الخالي عن شوائب الاوهام على الدليل النقلي.

مع أن العلم بوجود الصانع إما أن يحصل من هذا العقل الفطري أو مما دونه من العقليات البديهية، بل النظريات المنتهية إلى البداهة.

والذي يقتضيه النظر، وفاقا لاكثر أهل النظر، أنه كلما حصل القطع من دليل عقلي فلا يجوز أن يعارضه دليل نقلي.

وإن وجد ما ظاهره المعارضة فلا بد من تأويله إن لم يمكن طرحه.

وكلما حصل القطع من دليل نقلي، مثل القطع الحاصل من إجماع جميع الشرائع على حدوث العالم زمانا، فلا يجوز أن يحصل القطع على خلافه من دليل عقلي، مثل إستحالة تخلف الاثر عن المؤثر.

ولو حصل منه صورة برهان كانت شبهة في مقابلة البديهة، لكن هذا لا يتأتى في العقل البديهي من قبيل (الواحد نصف الاثنين)، ولا في الفطري الخالي عن شوائب الاوهام.

فلا بد في مواردهما من إلتزام عدم حصول القطع من النقل على خلافه، لان الادلة القطعية النظرية في النقليات مضبوطة محصورة ليس فيها شئ يصادم العقل البديهي أو الفطري.

فإن قلت: لعل نظر هؤلاء في ذلك إلى ما يستفاد من الاخبار، مثل قولهم عليهم السلام: (حرام عليكم أن تقولوا بشئ ما لم تسمعوه منا)، وقولهم عليهم السلام: (ولو أن رجلا قام وليله وصام

١٨

نهاره وحج دهره وتصدق بجميع ماله ولم يعرف ولاية ولي الله فيكون أعماله بدلالته فيواليه، ما كان له على الله ثواب) وقولهمخ عليهم السلام: (من دان الله بغير سماع من صادق فهو كذا وكذا) إلى غير ذلك، من أن الواجب علينا هو إمتثال أحكام الله تعالى التي بلغها حججه عليهم السلام.

فكل حكم لم يكن الحجة واسطة في تبليغه لم يجب إمتثاله، بل يكون من قبيل (اسكتوا عما سكت الله عنه)، فإن معنى سكوته عنه عدم أمر أوليائه بتبليغه حينئذ.

فالحكم المنكشف بغير واسطة الحجة ملغى في نظر الشارع وإن كان مطابقا للواقع.

كما يشهد به تصريح الامام، عليه السلام، بنفي الثواب على التصدق بجميع المال، مع القطع بكونه محبوبا ومرضيا عند الله.

ووجه الاستشكال في تقديم الدليل النقلي على العقلي الفطري السليم ما ورد من النقل المتواتر على حجية العقل، وأنه حجة باطنة، وأنه مما يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان، ونحوها، مما يستفاد منه كون العقل السليم أيضا حجة من الحجج.

فالحكم المنكشف به حكم بلغه الرسول الباطني، الذي هو شرع من داخل، كما أن الشرع عقل من خارج.

ومما يشير إلى ما ذكرنا من قبل هؤلاء، ما ذكره السيد الصدر، رحمه الله، في شرح الوافية في جملة كلام له في حكم ما يستقل به العقل، ما لفظه: (إن المعلوم هو أنه يجب فعل شئ أو تركه أو لا يجب إذا حصل الظن أو القطع بوجوبه أو حرمته أو غيرهما من جهة نقل قول المعصوم، عليه السلام، أو فعله أو تقريره، لا أنه يجب فعله أو تركه أو لا يجب مع حصولهما من أي طريق كان)، إنتهى موضع الحاجة.

قلت: أولا، نمنع مدخلية توسط تبليغ الحجة في وجوب إطاعة حكم الله سبحانه.

كيف والعقل، بعدما عرف أن الله تعالى لا يرضى بترك الشئ الفلاني وعلم بوجوب إطاعة الله، لم يحتج ذلك إلى توسط مبلغ.

ودعوى إستفادة ذلك من الاخبار ممنوعة، فإن المقصود من أمثال الخبر المذكور عدم جواز الاستبداد بالاحكام الشرعية بالعقول الناقصة الظنية، على ما كان متعارفا في ذلك الزمان من العمل بالاقيسة والاستحسانات، من غير مراجعة حجج الله بل في مقابلهم عليهم السلام.

وإلا فإدراك العقل القطعي للحكم المخالف للدليل النقلي على وجه لا يمكن الجمع بينهما في غاية

١٩

الندرة بل لا نعرف وجوده، فلا ينبغي الاهتمام به في هذه الاخبار الكثيرة، مع أن ظاهرها ينفي حكومة العقل ولو مع عدم المعارض.

وعلى ما ذكرنا يحمل ما ورد من: (أن دين الله لا يصاب بالعقول).

وأما نفي الثواب على التصدق مع عدم كون العمل به بدلالة ولي الله، فلو أبقي على ظاهره دل على عدم الاعتبار بالعقل الفطري الخالي عن شوائب الاوهام، مع إعترافه بأنه حجة من حجج الملك العلام.

فلا بد من حمله على التصدقات الغير المقبولة، مثل التصدق على المخالفين، لاجل تدينهم بذلك الدين الفاسد، كما هو الغالب في تصدق المخالف على المخالف.

كما في تصدقنا على فقراء الشيعة، لاجل محبتهم لامير المؤمنين عليه السلام وبغضهم لاعدائه، أو على أن المراد حبط ثواب التصدق، من أجل عدم المعرفة لولي الله تعالى أو على غير ذلك.

وثانيا، سلمنا مدخلية تبليغ الحجة في وجوب الاطاعة.

لكنا إذا علمنا إجمالا بأن حكم الواقعة الفلانية لعموم الابتلاء بها قد صدر يقينا من الحجة مضافا إلى ما ورد من قوله، صلى الله عليه وآله، في خطبة حجة الوداع: (معاشر الناس ! ما من شئ يقربكم إلى الجنة ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به، وما من شئ يقربكم إلى النار ويباعدكم عن الجنة إلا وقد نهيتكم عنه) ثم أدركنا ذلك الحكم إما بالعقل المستقل وإما بواسطة مقدمة عقلية، نجزم من ذلك بأن ما إستكشفناه بعقولنا صادر عن الحجة، صلوات الله عليه، فيكون الاطاعة بواسطة الحجة.

إلا أن يدعى: أن الاخبار المتقدمة وأدلة وجوب الرجوع إلى الائمة، صلوات الله عليهم، تدل على مدخلية تبليغ الحجة وبيانه في طريق الحكم، وأن كل حكم لم يعلم من طريق السماع عنهم عليهم السلام ولو بالواسطة، فهو غير واجب الاطاعة.

وحينئذ فلا يجدي مطابقة الحكم المدرك لما صدر عن الحجة عليه السلام.

لكن قد عرفت عدم دلالة الاخبار.

ومع تسليم ظهورها فهو أيضا من باب تعارض النقل الظني مع العقل القطعي.

ولذلك لا فائدة مهمة في هذه المسألة، إذ بعدما قطع العقل بحكم وقطع بعدم رضاء الله جل ذكره بمخالفته، فلا يعقل ترك العمل بذلك ما دام هذا القطع باقيا، فكل ما دل على خلاف ذلك فمؤول أو مطروح.

نعم، الانصاف أن الركون إلى العقل فيما يتعلق بإدراك مناطات الاحكام لينتقل منها إلى

٢٠