أبو هريرة

أبو هريرة0%

أبو هريرة مؤلف:
تصنيف: شخصيات إسلامية
الصفحات: 224

أبو هريرة

مؤلف: السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي
تصنيف:

الصفحات: 224
المشاهدات: 29654
تحميل: 3555

توضيحات:

أبو هريرة
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 224 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 29654 / تحميل: 3555
الحجم الحجم الحجم
أبو هريرة

أبو هريرة

مؤلف:
العربية

زكريا:( فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربى رضياً ) وقال:( واولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وقال:( يوصيكم الله في أولادكم الذكر مثل حظ الانثيين ) وقال:( كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين ) .

ثم قالت: أخصكم الله بآية أخرج بها أبي؟: أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟! أم يقولون: أهل ملتين لا يتوارثان؟ الخطبة...

فانظر كيف اجتجت أولا على توريث الأنبياء بآيتي داود وزكريا الصريحتين بتوريثهما ولعمرى انهاعليها‌السلام اعلم بمفاد القرآن ممن جاؤوا متأخرين عن تنزيله فصرفوا الارث هاهنا الى وراثة الحكمة والنبوة دون الأموال تقديماً للمجاز على الحقيقة بلا قرينة تصرف اللفظ عن معناه الحقيقي المتبادر منه بمجرد الاطلاق وهذا مما لايجوز؛ ولو صح هذا التكلف لعارضها به أبو بكر يومئذ أو غيره ممن كان في ذلك الحشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم(١) على ان هناك قرائن تعين وراثة الأموال كما أفاده سيدنا علم الهدى

________________________

(١) لكنهم لم يعارضوها يومئذ به ولا بشئ سوى المصادرة اذ اجابها ابو بكر بقوله: يا ابنة رسول الله وما خلق الله خلقاً احب الي من رسول الله ابيكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولوددت أن السماء وقعت على الارض يوم مات ابوكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والله لان تفتقر عائشة احب الي من ان تفتقرى اتريننى اعطى الابيض والاحمر حقه واظلمك حقك؟ وانت بنت رسول الله وان هذا المال لم يكن للنبي وانما كان مالا من اموال المسلمين يحمل به النبي الرجال وينفقه في سبيل الله فلما توفي وليته كما كان يليه. قالت والله لا كلمتك ابداً، قال: والله لاهجرنك ابداً قالت: والله لأدعون الله عليك، قال: لأدعون الله لك. فلما حضرتها الوفاء اوصت ان لا يصلي عليها. الحديث أخرجه أبو بكر الجوهري بهذه الالفاظ في كتاب السقيفة وفدك (كما في ص٨٠ من المجلد الرابع من شرح النهج) وتراه ما عارضها فيما فهمته من التوريث في آيتي داود وزكريا وإنما عارضها بدعواه ان هذا المال لم يكن للنبي فلم تقنع منه إذ هي علم بشؤون أبيها ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

١٤١

في كتابه الشافي(١) .

واحتجت ثانياً على استحقافها الارث من أبيهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعموم آيات المواريث وعموم آية الوصية منكرة عليهم تخصيص تلك العمومات بلا مخصص شرعي من كتاب أوسنة، وما اشد انكارها على وجود المخصص في الكتاب إذ قالت: اخصكم الله بآية أخرج بها أبي ثم قالت. ام أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ فنفت بهذا الاستفهام التوبيخي وجود المخصص في السنة بل نفت وجوده مطلقاً، إذ لو كان ثمة مخصص لبينه لها النبي والوصي ويستحيل عليهما الجهل به لو كان في الواقع موجوداً ولا يجوز عليهما أن يهملا تبيينه لها لما في ذلك من التفريط في البلاغ والتسويف في الانذار والكتمان للحق والاغراء بالجهل والتعريض لطلب الباطل والتغرير بكرامتها والتهاون في صونها عن المجادلة والمجابهة والبغضاء والعداوة بغير حق وكل ذلك محال ممتنع على الانبياء واوصيائهمعليهم‌السلام .

وبالجملة: كان كلف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببضعته الزهراء واشفاقه عليها فوق كلف

________________________

(١) حيث اعتبر (اعلى الله مقامه) خوف زكريا من الموالي قرينة على انه انما اراد وراثة الاموال لان الموالي كانوا ورثته اذ لم يكن له ولد وكانوا من سفهاء الفسقة فلا يمكن ان يكونوا انبياء ولا حكماء ليخاف ان يرثوا مكانته من العلم والحكم والنبوة وإنما كان يخشى ان يرثوا امواله فيصرفوها في عيثهم وفسادهم فسأل ربه أن يهب له ولداً ليكون أحق بوراثه أمواله منهم - و اعتبر ايضاقدس‌سره شرط زكريا على ربه ان يجعل وارثه رضيا قرينة اخرى على ارادة ارث المال اذ لو اراد ارث النبوة لكان هذا الشرط لغواً وجهلا وكان جاريا فيه مجرى من يقول أللهم ابعث لنا نبيا واجعله صادقاً غير كاذب.

١٤٢

الآباء الرحيمة واشفاقهم على ابنائهم البررة يؤويها الى الوارف من ظلال رحمته ويفديها بنفسه(١) مسترسلا اليها بأنه، وكان يحرص بكل مالديه على تأديبها وتهذيبها وتعليمها وتكريمها حتى بلغ في ذلك كل غاية يزفها المعرفة بالله والعلم بشرائعه زقاً لا يألوا في ذلك جهداً ولا يدخر وسعاً حتى عرج بها إلى اوج كل فضل، ومستوى كل مكرمة فهل يمكن أن يكتم عليها أمراً يرجع إلى تكليفها الشرعي؟ حاشا لله وكيف يمكن أن يعرضها (بسبب الكتمان) لكل ما أصابها من بعده في سبيل الميراث بل يعرض الأمة للفتنة التي ترتبت على منع ارثها؟.

وما بال خليل النبوة، والمخصوص بالاخوة، يجهل حديث: نحن لا نورث (مع ما آتاه الله من العلم؛ والحكم، والسبق، والصهر؛ والقرابة والكرامة، والمنزلة، والخصيصة؛ والولاية، والوصاية، والنجوى) وما بال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يكتم ذلك عنه، وهو حافظ سره، وكاشف ضره، وباب مدينة علمه؛ وباب دار حكمته، واقضى أمته، وباب حطتها، وسفينة نجاتها وامانها من الاختلاف؟.. وما بال أبي الفضل العباس وهو صنو أبيه، وبقية السلف من أهليه، لم يسمع بذلك الحديث؟ وما بال الهاشميين كافة وهم عيبته وبيضته التي تفقأت عنه لم يبلغهم الحديث حتى فوجئوا به بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟. وما بال أمهات المؤمنين يجهلنه فيرسلن عثمان يسأل لهن ميراثهن من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟(٢) وكيف يجوز على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبين هذا الحكم لغير الوارث

________________________

(١) ذكرهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرة فقال: فداؤها أبوها فداؤها أبوها فداؤها أبوها (ثلاث مرات) في حديث أخرجه الامام أحمد بن حنبل ونقله عنه وعن غيره ابن حجر في الامر الثاني من الامور التي ذكرها في خاتمة الآية الرابعة عشر من الآيات التي اوردها في الفصل الاول من الباب الحادي عشر من صواعقه: ١٠٩.

(٢) فيما أخرجه ابو بكر الجوهري في كتاب السقيفة وفدك كما في: ص٨٣ من المجلد الرابع من شرح النهج الحميدي.

١٤٣

ويدع بيانه للوارث؟ ما هكذا كانت سيرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ يصدع بالأحكام فيبلغها عن الله عز وجل ولا هذا هو المعروف عنه في انذار عشيرته الاقربين، ولا مشبه لما كان يعاملهم به جميل الرعاية وجليل العناية.

بقى للطاهرة البتول كلمة استفزت بها حمية القوم؛ واستثارت حفائظهم بلغت بها ابعد الغايات، ألا وهي قولها: أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان تريد بهذا ان عمومات المواريث لا تتخصص بمثل ما زعمتم وإنما تتخصص بمثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا توارث بين أهل ملتين واذن فهل تقولون (إذ تمنعونني الارث من أبي): انى لست على ملته فتكونون (لو اثبتم خروجي من الملة) على حجة شرعية فيما تفعلون؟ فانا لله وانا اليه راجعون.

وبالجملة: أخفقت الزهراء يومئذ في طلبها بسبب هذا الحديث وقد انفرد الخليفة به فلم يروه على عهده احد سواه، وربما قيل بأنه قد رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان(١) .

نعم ذكروا أنه ترافع علي والعباس الى عمر أيام خلافته وكان عنده حينئذ عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد فقال لهم(٢) هل تعلمون ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة، فاضطر الرهط إلى التصديق، ولم يسعهم في تلك الظروف سوى الاذعان للخليفتين.

اما أبو هريرة فلم يكن تلك الايام في غيرها ولا نفيرها، ولا كان ممن يصغي اليهم أو يؤبه بهم وكان متهما في لهجته لا يجرأ مع وجود اولئك الاعلام على الحديث، ولا يرى في نفسه أهلية الانضواء الى من ينتصر الخليفة بروايته

________________________

(١) فيما نص عليه جماعة من الاثبات فراجع صفحة: ٩١ من المجلد الرابع من شرح النهج.

(٢) فيما اخرجه البخاري: ٢/١٢٤ من صحيحه في باب فرض الخمس.

١٤٤

لذلك لم ينبس في هذا الموضوع يومئذ ببنت شفة حتى ذهب معظم الصحابة وفتحت الامصار كالشام ومصر وافريقيا والعراق وفارس والهند وغيرها، واسلم اهلوها جميعاً، فدخل المسلمون في دور جديد قد نوه بنو أمية فيه باسم أبي هريرة، واشادوا بذكره، فاطلقوا عنه ربقة الخمول؛ وكسوه نضره بعد الذبول؛ فتسنى له حينئذ أن يقول ما شاء أن يقول، فكان هذا الحديث مما تزلف به إلى ساسة الامة وسوقتها، لما فيه من تأييد الخليفة المحبوب، تأييده لدى الرأي العام وجمهور المسلمين.

٢١ - أبو طالب أبى الشهادتين

قال أبو هريرة: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمه أبي طالب: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأفررت بها عينيك، فأنزل الله تعالى:( إنك لا تهدي من احببت ولكن يهدي من يشاء ) أ هـ.

وقال في مقام آخر: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمه عند الموت: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة فأبى، قال: فانزل الله تعالى الحديث(١) .

ان أبا طالب رضوان الله وبركاته ورحمته عليه قضى في مكة سنة عشر للبعثة قبل الهجرة بثلاث سنين؛ وقيل بل قضى سنة تسع؛ وقيل سنة ثمان قبل قدوم أبى هريرة إلى الحجاز بعشر سنين في أقل ما يفرض فأين كان أبو هريرة عن النبي وعمهعليه‌السلام ؟ وهما يتبادلان الكلام الذي ارسله عنهما كأنه رآهما بعينيه وسمع كلامهما بأذنيه؟ نعوذ بالله ممن لم يكن لدينه ولا لعقله على لسانه رقيب

________________________

(١) أخرجه والذي قبله مسلم في: ١/٣١ من صحيحه من طريقين عن يزيد بن كيسان عن ابي حازم عن ابي هريرة.

١٤٥

ان هذا الحديث مما ارتجله المبطلون تزلفاً لأعداء آل أبى طالب، وعلمت الدولة الأموية في نشره أعمالها، وقد كفانا السلف الصالح من أعلامنا مؤنة الاهتمام بتزييفه وتلك مؤلفاتهم تثبت إيمانه بادلة لا تجحد، وحجج لا تكابر نحيل عليها من أراد الوقوف على الحقيقة(١) من شأن عم رسول اللة ومربيه وكافله وحاميه المنادي:

________________________

(١) حسبك منها كتاب الحجة على الذاهب الى تكفير أبي طالب لمؤلفه الامام شمس الدين ابي على فخار بن الشريف معد الموسوي وهذا الكتاب طبع في المطبعة العلوية في النجف الأشرف سنة ١٣٥١ وعليه تعليقة شريفة للشريف العلامة البحاثة السيد الصادق الحسني الطباطبائي النجفي تصدى في آخرها لذكر المؤلفات في هذا الموضوع ومؤلفيها، فكان مما ذكره كتاب ولدي الأكبر ابي عبدالرؤوف عافاه الله وشافاه، قال الطباطبائي: وشيخ الأبطح أو ابو طالب للعلامة السيد محمد على آل شرف الدين الموسوي العاملي دام علاه طبع في بغداد سنة ١٣٤٩ قال وهذا الكتاب خير كتاب الف في هذا الموضوع حلل فيه نفسيه شيخ الأبطح وبين ماله من الفضل وكبير القدر في جميع أدوار حياته وبحق ظهر للوجود وحيداً في بابه تأريخاً فلسفياً علمياً جيد التبويب والترتيب مفرغا في قالب بديع متين، واسلوب جذاب، والفاظ قوية بليغة اثبت ايمان ابي طالبعليه‌السلام واسلامه بادلة قطعت الخصام براهين سطعت فأماطت عن وجه الحقيقة ستر الظلام ولذا لم يمض على طبعه اكثر من شهر واحد حتى انتشر في الاقطار الاسلامية جمعاء وبعد مضي خمسة اشهرمن تاريخ طبعه ترجمة في لكنهور (احدى حواضر الهند الكبرى) العالم الفاضل السيد ظفر مهدي الى اللغة الهندية (الاوردية) ونشر بتلك اللغة ايضاً (اولا) في الجزء: ٨, ٩, ١٠ من المجلد الخامس من مجلة سهيل يمن ثم طبعه ثانياً مستقلا. وتقديراً لجهود مؤلفه الجليل أتيت بكلمتي هذه كما قدر جهوده قبلي جمهور من الاماثل فقد اطلعت على الكتب التي جاءت للمؤلف من الاقطار في اطراء كتابه وهي كثيرة وفيها التفاريظ القيمة من العلماء الاعلام ومن ملوك الاسلام (فمنهم) من آتاه الله من فضله العلم والملك وجمع له بين السلطتين الدينية والزمنية عاهل اليمن الامام يحيى خلد الله ملكه. وأما تفاريظ الصحف في العراق وسوريا ومصر، فقد كانت حافلة بالشكر والثناء والمدح والاطراء كثر الله في رجال العلم والعمل امثال السيد المؤلف ولا حرم العالم الاسلامي من ثمرات جهوده وجزاه عن جده أبي طالب وعن الحقيقة خير جزاء المحسنين.

١٤٦

يا شاهد الله علي فاشهد

أني على دين النبي أحمد

ذي الأيادي التي هي من المسلمين طوق الهوادي، شيخ الأباطح وبيضة البلد:

لولاه ما شد أزر المسلمين ولا

عين الحنيفة سالت في مجاريها

آوي وحامي وساوي قيد طاقته

عن خير حاضرها طراً وباديها

ما كان ذاك الحفاظ المرأطة أر

حام وضرب عروق فارغاليها

بل للإله كما فاهت روائعه الـ

عصماء في كل شطر من قوافيها

ضاقت بما رحبت أم القرى برسو

ل الله من بعده واسود ضاحيها

فانصاع يدعو له بالخيرمبتهلا

بدعوة ليس بالمجبوه داعيها

لو لم تكن نفس عم المصطفى طهرت

ما فاه فوه بما فيه ينجيها

عاماً قضى عمه فيه وزوجته

قضاه بالحزن يبكيه ويبكيها

اعظم بايمان مبكي المصطفى سنة

أيامها البيض أدجى من لياليها

من صلبه انبثت الانوار قاطبة

فالمرتضى بدؤها والذخر تاليها(٢)

٢٢ - الانذار يوم الدار

أخرج الشيخان عن أبي هريرة(٣) قال: قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين

________________________

(١) ولأبي طالب اشعار كثيرة سائرة تثبت ايمانه.

(٢) هذه الابيات من القصيدة العلوية العصماء ذات البروج لناظم عقودها سلطان العلماء وامير الشعراء الشيخ عبد الحسين الصادقي العامليقدس‌سره .

(٣) راجع من صحيح البخاري: ٢/٨٦ في باب هل يدخل النساء والولد في الاقارب من كتاب الوصايا حيث أخرجه ثمة من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وابي سلمة عن أبي هريرة، واخرجه مسلم من طريق عبد الملك بن عمير ومن طريق الزهري عن ابن المسيب وابي سلمة عن ابي هريرة، وله طرق اُخر عن ابي هريرة في مسند احمد وغيره.

١٤٧

أنزل الله عليه:( وانذر عشيرتك الأقربين ) فقال: يا معشر قريش لا أغنى عنكم من الله شيئاً، يا بني عبدمناف لا أغنى من الله شيئاً، يا عباس لا أغنى عنك من الله شيئاً يا صفية لا أغنى عنك من الله شيئاً، يافاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئاً.

(قلت): هذه الآية إنما نزلت في مبدأ البعثة قبل الاسلام بمكة حيث كان أبو هريرة في اليمن، وإنما كان قدومه إلى الحجاز، واسلامه بعد نزولها بعشرين سنة تقريباً، وقد بتر أبو هريرة هذا الحديث وحرفه عن مواضعه جرياً على مقتضيات السياسة السفيانية وموجبات دعايتها ضد الوصي وسائر آل النبي فانهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جمع عشيرته الأقربين يوم نزول الآية وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباسرضي‌الله‌عنهم ، وأبو لهب تبت يداه. فدعاهم الى الله عز وجل وكان مما قاله يومئذ لهم: فأيكم يوازرني على أمري هذا على ان يكون أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي؟ فقال عليّ وهو إذ ذاك أصغرهم: أنا يانبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حينئذ برقبته فقال: ان هذا اخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي فيكم فاسمعوا له واطيعوا الحديث(١) .

________________________

(١) هذا الحديث من صحاح السنن كما بيناه في اول المبحث الثاني من المراجعات حيث فصلنا من أخرجه من اصحاب السنن والمسانيد وارباب السير والتواريخ من المسلمين وغيرهم فلا مندوحة لكل بحاثة عن (المراجعات) فان ثمة ما تشتهي الا نفس وتلذ الأعين.

١٤٨

٢٣ - لعب الحبشة في المسجد عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: بنا الحبشة يلعبون في المسجد عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بحرابهم دخل عمر فأهوى الى الحصى فحصبهم بها فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دعهم يا عمر الحديث(١) .

«قلت»: ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبعد عن اللعب، وأرفع عن العبث وأعرف بحرمات الله ورسوله من أن يوسع للجهال مجالا إلى اللهو في المسجد بمحضر منه، وأن أوقاته الشريفة المفعمة بالمهمات الأخروية والدنيوية لا تتسع للهو منها شيء، وحاشا لله أن يشغل مسجده الشريف بعبث أو لهو أو لغو «كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا».

٢٤ - النسخ قبل حضور وقت العمل

أخرج البخاري(٢) عن أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله في بعث فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن وجدتم فلاناً وفلاناً فاحرقوهما بالنار (قال): ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنا حين أردنا الخروج أني امرتكم ان تحرقوا فلاناً وفلاناً وان النار لا يعذب بها إلا الله تعالى فان وجدتموهما فاقتلوهما أ هـ.

(قلت): هذا الحديث باطل، لاشتماله على النسخ قبل حضور وقت العمل وذلك محال على الله تعالى وعلى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما هو مقرر في محله فان رسول الله حين قال: احرقوا فلاناً وفلاناً فانما قال ذلك عن الله عز وجل:( وما

________________________

(١) في باب اللهو بالحراب: ٢/١٢٠ من صحيحه في كتاب الجهاد والسير.

(٢) في باب لا يعذب بعذاب الله: ٢/١١٤ من صحيحه في كتاب الجهاد والسير.

١٤٩

ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى ) فكيف يمكن نسخ هذا القول قبل حضور وقت العمل به أليس نسخه والحال هذه مستلزماً للجهل؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

٢٥ - ايقاع الفعل في وقت لا يسعه

أخرج البخاري عن أبي هريرة يرفعه قال: خفف على داود القرآن فكان يأمر بدابته فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج، الحديث(١) .

(قلت): هذا محال من وجهين:

أحدهما: ان القرآن انما انزل على خاتم الانبياء والمرسلين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقبله لم يكن، فكيف يقرؤه داودعليه‌السلام .

أجابوا بأن المراد بالقرآن هنا إنما هو الزبور والتوراة وانه إنما سماه قرآنا لوقوع المعجزة بهما كوقوعها بالقرآن فيكون المراد به مصدر القراءة لا القرآن المنزل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) .

قلت: في هذه الجواب نظر، إذ حملوا فيه كلام أبي هريرة على ما لم يقصده والله أعلم.

ثانيهما: ان مدة اسراج الدابة لتضيق عن قراءة القرآن، سواء أريد به المنزل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم أريد به الزبور والتوارة، ومن المقرر بحكم الضرورة العقلية امتناع وقوع الفعل في وقت لا يسعه، وهذا مما لا سبيل الى التشكيك فيه أبداً.

________________________

(١) راجعه في باب قوله تعالى:( وآتينا داود زبورا ) : ٣/١٠١ من صحيحه في كتاب تفسير القرآن، وتجده ايضا في احاديث الانبياءعليهم‌السلام : ٢/١٦٤ من صحيحه في كتاب بدء الخلق.

(٢) تجد هذا الجواب في اول: ٨/٥٠٠ من ارشاده الساري عند انتهائه إلى هذا الحديث من شرح صحيح البخاري.

١٥٠

واذن لا يؤبه بما ذكره العلامة القسطلاني في هذا المقام من ارشاد ساري إذ قال(١) وقد دل هذا الحديث على ان الله تعالى يطوي الزمان لمن شاء من عباده كما يطوي المكان لهم (قال): قال النووي إن بعضهم كان يقرأ أربع ختمات بالليل واربعاً بالنهار، ولقد رأيت أبا الطاهر بالقدس الشريف سنة سبع وستين وثمان مائة وسمعت عنه إذ ذاك أنه كان يقرأ فيهما أكثر من عشر ختمات بل قال لي شيخ الاسلام البرهان ين أبي الشريف أدام الله النفع بعلومه عنه أنه كان يقرأ خمس عشرة ختمة في اليوم والليلة (قال): وهذا باب لا سبيل إلى ادراكه إلاّ بالفيض الرباني انتهى بلفظه.

(قلت): بل لا سبيل إلى امكانه إلا اذا امكن وضع الدنيا على سعتها في البيضة على ضيقها.

وأولو الألباب يعلمون ان طي الزمان وطي المكان كليهما مما لا حقيقة له، ولو فرض وقوعهما فلا وجه لطي الزمان هنا اذ بطيه يزداد الاشكال.

نعم لو قال بطي الكلام في هذا المقام لكان أنسب لمراده وان كان باطلا.

ولا يمكن أن يكون ما نقله في هذا الحديث عن داود معجزة لهعليه‌السلام لأن معجزات الانبياء خوارق للعادة وهذا خارق للعقل كما لا يخفي.

٢٦ - امة مسخت فأراً

أخرج الشيخان عن أبي هريرة مرفوعاً(١) قال: فقدت امة من بني

________________________

(١) في: ٧/١٨٢ حيث تكلم في شرح هذا الحديث فراجع وحين تكلم في شرحه ايضاً في: ٨/٥٠٠ اعاد هذه القصص وزاد ان رجلا من اليمن ختم القرآن في شوط واحد من اشواط الطواف أو في اسبوع فتأمل واعجب.

(٢) في: ٢/١٤٩ من الجزء الثاني من صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق، وفي باب الفأر وأنه مسخ: ٢/٥٣٦ من صحيح مسلم.

١٥١

اسرائيل لا تدري ما فعلت وإني لا أراها الا الفأر إذا وضع لها البان الابل لم تشرب وإذا وضع لها ألبان الشاة شربت(١) الحديث.

(قلت): هذا من السخافة بمثابة ترباً عنها الامة الوكعاء إلا أن تكون مدخولة العقل؛ لكن الشيخين يلبسان هذا المخرف على غثيثته(٢) ويحتجان به على سخافته ولو أن هذا لا يعود على الاسلام بوصمة لقلدناه حبله لكنها السنة المعصومة يجب الذود عن حياضها بكل ما أوتي المسلم من قوة علمية وعملية، فان هذه الخرافات من اعظم ما مني به الاسلام من الآفات فانا لله وانا اليه راجعون.

٢٧ - المكروه عليه فاعتذر بسماعه من الفضل

أخرج مسلم من طريق عبد الملك بن ابي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر قال: سمعت ابا هريرة يقص في قصصه(٣) : من أدركه الفجر جنباً فلا يصم، قال: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحرث لأبيه(٤) فأنكر ذلك فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة فسأله عبد الرحمن عن ذلك قال: فكلتاهما قالت كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصبح جنباً غير حلم(٥) ثم

________________________

(١) اين أولو الألباب ينظرون إلى هذا التخريف في أصل الدعوى وفي دليلها وقد لا يخفى أن الدليل أظهر في السخافة من جهات شتى.

(٢) أي فساد عقله.

(٣) لا يخفي ازدراؤه بأبي هريرة إذ جعله قصاصاً، والقصاص في اللغة ما يقرأ القصص في مجتمعات الناس ليأخذ منهم الجزاء عليها واكثر القصاصين مخرفون.

(٤) هكذا هو في جميع النسخ وهو صحيح ومعناه ذكره ابو بكر لأبيه عبد الرحمن فقوله لأبيه بدل من عبد الرحمن لاعادة حرف الجر.

(٥) ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجل وأفضل وأكمل مما يظنون وحاشاه أن يصبح جنبا ولا سيما في ايام الصوم والأنبياء ولايجوز عليهم الاحتلام لأنه من تلاعب الشيطان وهم منزهون عنه.

١٥٢

يصوم قال فانطلقنا حتى دخلنا على مروان وهو والي المدينة من قبل معاوية فذكر ذلك له عبد الرحمن فقال مروان: عزمت عليك الا ما ذهبت الى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول(١) قال فجئنا أبا هريرة فذكر عبد الرحمن له ذلك فقال أبو هريرة أهما قالتا لك؟ قال: نعم، قال هما اعلم؛ ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك الى الفضل بن العباس فقال: سمعت ذلك من الفضل ولم اسمعه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول الحديث.(٢) .

قلت: من المعلوم ان الفضل بن العباس قد توفي على عهد أبي بكر(٣) وهذه القضية انما كانت على عهد معاوية(٤) وبهذا تسنى لأبي هريرة أن يقول سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولو كان الفضل حياً ما اجترأ عليه.

٢٨ - حديثان متناقضان

أخرج البخاري(٥) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً لا

________________________

(١) أراد مروان بهذا النصح لأبي هريرة اشقاقا عليه من الفضيحة إذا لم يتدارك خطأه قبل أن يتسع الفتق.

(٢) تجده في باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو مجنب: ١/٤١٢ من صحيح مسلم في كتاب الصوم فراجع.

(٣) هذا هو الصحيح، وقيل مات على عهد عمر وعلى كل فقد قبل هذه الواقعة باجماع اهل الاخبار فراجع ترجمته في الاستيعاب والاصابة واسد الغابة وطبقات ابن سعد وغيرها.

(٤) حيث كان مروان واليا على المدينة من قبل معاوية كما سمعت النص عليه في هذا الحديث.

(٥) في باب لا هامة: ٤/١٥ من صحيحه في أواخر كتاب الطب، وأخرجه مسلم ايضا في باب لا عدوى ولا طيرة في: ٢٥٨ والتي بعدها من الجزء الثاني من صحيحه.

١٥٣

عدوى ولا صفر(١) ولا هامة(٢) قال فقال اعرابي يا رسول الله فما بال الابل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمن اعدى الأول؟.

أورد البخاري هذا الحديث ثم روى بعده بلا فصل عن أبي سلمة أنه سمع أبا هريرة فيما بعد يحدث فيقول قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يوردن ممرض على مصح فقال أبو سلمة يا أبا هريرة ألم تحدث أنه لا عدوى قال فانكر حديثه الأول(٣) ورطن بالحبشية(٤) .

(قلت): هذا شأن من لا تتسابر خيلاه(٥) وكفى بهذا بلاغاً للناس:( ولينذروا به وليذكّر اولو الألباب ) .

٢٩ - مولودان يتكلمان بالمغيبات

أخرج الشيخان(١) عن أبي هريرة مرفوعاً من حديث قال فيه‎: وكان

________________________

(١) لعله نفى لما يتوهم من حصول الدواهي في شهر صفر او في آخر اربعاء منه.

(٢) الهامة: بتخفيف الميم على الافصح طائر كان اهل الجاهلية يزعمون ان روح الميت وقيل عظامه تنقلب هامة، فابطل الاسلام هذه الخرافة، وقد يقال ان الهامة هنا هي البومة يتشاءمون بها، فأبطل هذا التشاؤم.

(٣) قد اتسع الخرق (بانكاره) على الراقع إذ لا محل بعده لتأويل الحديثين بحملهما على وجه يرتفع به تناقضهما كما لا يخفى.

(٤) إنما رطن بالحبشية حيث ارتجت عليه العربية فأخذ من جميع نواحيه فلم يجد سبيلا إلا الرطانة.

(٥) أي لا تسير في طريق واحد والمراد انه لا يوثق بأقواله لتناقضها.

(٦) راجع باب: واذكر في كتاب مريم: ٢/١٦٧ من صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق واخرجه ايضا في: ٢/٤٩ وفي: ١/١٤٣، اما مسلم فاخرجه في: ٢/٣٧٧ من صحيحه في باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها من كتاب البر والصلة والآداب.

١٥٤

في بني اسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي فجاءته أمه فدعته فقال أجيبها أو أصلي؟ فقالت امه أللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات (قال وكان جريج في صومعته) فتعرضت له امرأة فأبى فأتت راعياً فأمكنته من نفسها فولدت غلاماً فقالت من جريج فاتوه فكسروا صومعته وانزلوه وسبوه فتوضأ!(١) وصلى ثم اتى الغلام فقال من أبوك يا غلام؟ فقال (الغلام ان أبى لهو) الراعي! قالوا نبني صومعتك من ذهب قال لا إلا من طين (قال أبو هريرة) وكانت امرأة ترضع ابنا لها من بني اسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة. فقالت: أللهم اجعل ابني مثله فترك ثديها واقبل على الراكب فقال: أللهم لا تجعلني مثله! ثم اقبل على ثديها يمصه قال (أبو هريرة) كأني انظر الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمص اصبعه! ثم مرت أم الغلام بأمة فقالت أللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك الغلام ثدي أمه فقال أللهم اجعلني مثلها! فقالت له أمه لم ذاك؟ فقال لها: الراكب جبار من الجبابرة وهذه الأمة يقول لها الناس سرقت زينب ولم تفعل! أ هـ.

(قلت): لم يكن جريج من الأنبياء، وكذلك هذان الطفلان، فلا يمكن أن تصدر على ايديهم خوارق العادات، فان الخوارق انما تكون من النبيين في مقام تعجيز البشر اثباتاً لنبوتهم كما هو مقرر في محله وكلام هذين المولودين واخبارهما بالمغيبات مما تأباه فطرة الله:( التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون ) .

٣٠ - توكيله بحفظ زكاة الفطرة ومجئ الشيطان في ثلاث ليالي ليسرق منها

أخرج البخاري بسنده(٢) الى ابي هريرة قال: وكلني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

________________________

(١) كأن ابا هريرة لم يعلم ان الوضوء لم يكن مشروعا قبل الاسلام.

(٢) في الصفحة الثانية من كتاب الوكالة وهي: ٢/ ٢٩ من صحيحه.

١٥٥

بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت والله لأرفعنك الى رسول الله قال أني محتاج وعليّ عيال ولي حاجة شديدة؛ قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يا أبا هريرة ما فعل اسيرك البارحة؟ فقلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته قخليت سبيله؛ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اما انه قد كذبك وسيعود قال فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك الى رسول الله قال: دعني فاني محتاج وعلي عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله؛ فأصبحث فقال لي رسول الله: يا أبا هريرة ما فعل اسيرك البارحة؟ قلت يا رسول الله شكاً حاجة شديدة وعيالا فرحمته! فخليت سبيله! قال:صلى‌الله‌عليه‌وآله اما أنه قد كذبك وسيعود، قال: فرصدته الثلاثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك الى رسول الله قال: دعني اعلمك كلمات ينفعك الله بها اذا آويت الى فراشك فاقرأ آية الكرسي فانك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح! فخليت سبيله فلما أصبحت قال لي رسول الله ما فعل أسيرك البارحة؟ فحكيت له القصة فقال أتعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قلت لا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك شيطان! أ هـ.

(أقول): هذه خرافة لا يصغى اليها الا من رك عقله، وطفئت شعلة ذهنه، تدهور أبو هريرة بها في مهواة سحيقة فان رحمة هذا السارق فرع تصديقه وفي تصديقه تكذيب لقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أما انه قد كذبك، يكرر ذلك ثلاث مرات.

وكبا أبو هريرة في هذا الحديث ليديه وفمه من جهة أخرى: اذ حلف بالله ليرفعنه الى رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحنث ولم يرفعه بل خلى عنه ورحمه أولا وثانياً وثالثاً، فهل كان الحنث بالإيمان على رأي أبي هريرة مباحاً؟.

وهناك سقطة ثالثة وعثرة لا تقال اذ لم يكن أبو هريرة وكيلا بالعطاء

١٥٦

وانما كان - فيما زعم - وكيلا يحفظ الزكاة(١) فكيف ترك هذا االسارق يأخذ منها؟! وهل يجوز للوكيل بحفظ الشئ أن يتسامح في حفظه أولا وثانياً وثالثاُ؟ وهل هذا التسامح من الأمانة في شئ؟!.

وما أغرب ما يحدثنا به أبو هريرة عن شياطينه - وكل ما انفرد به أبو هريرة غريب - تارة يزعم أنهم يسرقون الطعام لعيالهم وأخرى ان لهم ضراطاً اذا سمعوا الأذان، وثالثة أنهم يربطون بسارية المسجد فتراهم الناس موثوقين؛ الى غير ذلك من القصص التي يربأ أولو العقول الوافرة، والأذهان النيرة عن سماعها، نعوذ بالله من سبات العقل، وضعف التميز.

٣١ - اسلام امه بدعاء النبي، ودعاؤهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يحببهما إلى المؤمنين ويحبب المؤمنين اليهما

أخرج مسلم(٢) بسنده إلى أبي هريرة قال: كنت ادعو أمي إلى الاسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فاسمعتني في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أكره فأتيت رسول الله وانا ابكي قلت يا رسول الله اسمعتني امي فيك ما اكره فادع الله أن يهديها

________________________

(١) كما هو صريح قوله في اول هذا الحديث: وكلنى رسول الله بحفظ زكاة رمضان. وقد صرح الزركشي وغيره ان ابا هريرة ام يكن وكيلا بالعطاء بل بالحفظ خاصة فراجع: ٥/٢٣١ من ارشاد الساري للقسطلاني اثناء شرحه لهذا الحديث.

(٢) في باب فضائل ابي هريرة : ٢/٣٥٧ من صحيحه، واخرجه الامام احمد من حديث ابي هريرة في آخر: ٢/٣١٩ من مسنده، واخرجه ابن سعد في ترجمة ابي هريرة: ٥٤ من القسم الثاني من الجزء الرابع من طبقاته، ونقله ابن حجر العسقلاني في ترجمة اميمة بنت صفيح من اصابته عن مسلم ونقله في ترجمة ابي هريرة من الاصابة ايضا عن احمد بن حنبل والحديث موجود في الجمع بين الصحيحين والجمع بين الصحاح الستة.

١٥٧

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أللهم اهد ام أبي هريرة فخرجت مستبشراً فلما بلغت الباب فاذا هو مجاف(١) فسمعت ام وطء قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت يا أبا هريرة اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال فرجعت الى رسول الله وأنا أبكي من الفرح فقلت يا رسول الله ابشر قد استجاب الله دعوتك فهدى أم أبي هريرة فحمد الله واثنى عليه وقال خيراً قال قلت يا رسول الله ادع الله ان يحببني انا وأمي الى عباده المؤمنين ويحببهم الينا قال: فقال ررسول الله أللهم حبب عبيدك هذا وامه الى عبادك المؤمنين وحبب اليهم المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي ولايراني الا احبني أ هـ.

(قلت): في هذا الحديث نظر من وجوه:

أحدها أنه لم يروه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سوى أبي هريرة فهو اذن معطوف على سائر ما انفرد به.

ثانيها: أنه اذا كانت امه على الحال التي ذكرها من الاصرار على الشرك والامعان في الكفرتأبى الاسلام وتنال من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اذا دعيت اليه فبأي أمل هاجرت من اليمن وهي مسقط رأسها ومحل انسها الى المدينة الطيبة وهي دار هجرة النبي ومحل نصرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وهلا بقيت - وحالها هذه - في أوطانها عاكفة على أوثانها؟ اسوة بأهل اليمن في ذلك الزمن فماذا يقول اولياء أبي هريرة في الجواب عن هذا؟ وليخيروني هل لديهم عن أم أبي هرير شئ يسند الى غير ابي هريرة من هجرتها واسلامها وسائر شؤونها فان كان لديهم شئ من ذلك فليرشدونا اليه فاني كما يشهد الله لم اجد فيمن كانت له صحبة أحداً ذكر أم أبي هريرة بشئ ما سوى الخليفة الثاني حين عزل ابا هريرة عن البحرين فقال له ما رجعت بك أميمة الا لرعية الحمر وهذا لا يدل على اكثر من معرفة اسمها

________________________

(١) مأخوذ من اجاف الباب أي ردها.

١٥٨

اما أصحاب المعاجم والتراجم فقد يذكرونها معتمدين فيما ينقلونه من احولها على أبي هريرة لا غير كما لا يخفى.

ثالثها: ان أبا هريرة كان من اشد مساكين الصفة فاقة وفقراً يلتمس في الطريق صدقة تمسك رمقه كما مر عليك في أحواله على عهد النبوة وقد سمعت ثمة قوله رأيتني واني لأخر فيما بين منبر رسول الله الى حجرة عائشة مغشياً علي فيجئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى اني مجنون وما بي من جنون ما بي الا الجوع، وسمعت اعترافه بأنه وسائر أهل الصفة كانوا ضيوف الاسلام لا يأوون الى احد ولا على أحد اذ لم تكن لهم منازل يأوون اليها فكانوا ينامون في المسجد ويظلون فيه وكانت صفة المسجد مثواهم ليلا ونهاراً وأبو هريرة كان اشهر من سكن الصفة واستوطنها طول عمر النبي ولم ينقل عنها حتى مضىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لسبيله كما سمعت مفصلا بل كان عريف من سكن الصفة من القاطنين ومن نزلها من الطارقين، فمن أين له البيت الذي ذكره في حديثه هذا يا أولي الألباب؟.

رابعها: لو صح ما قاله ابو هريرة في هذا الحديث لكان من اعلام النبوة وآيات الاسلام وادلة أهل الحق حيث استجاب الله دعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على سبيل الفور فهدى الله به أم أبي هريرة وقلب حقيقتها فانها بينا كانت تمعن في الكفر وتسترسل في الضلال اذا هي من المؤمنات القانتات المؤدبات بالآداب الشرعية(١) واعلام النبوة كلها متواترة يحدث بها كبار الصحابة وصغارهم فما بالهم يعرضون عن هذه الآية فلم يروها منهم سوى أبي هريرة لو كانت صحيحة.

خامسها: لو صح ما زعمه أبو هريرة من دعاء النبي له ولأمه بأن يحببهما إلى المؤمنين ويحبب المؤمنين اليهما لأحبه أهل بيت النبوة وموضع الرسالة فانهم سادة المؤمنين وقادة أهل الملة والدين فما بال أئمتهم الاثنى عشر وسائر علمائهم

________________________

(١) يدلك على آدابها ما سمعته من غسلها ولبسها درعها قبل فتح الباب وعجلتها عن خمارها.

١٥٩

يرذلونه ويسقطون حديثه؟ ولا يأبهون بشئ مما انفرد به حتى قال أمير المؤمنينعليه‌السلام (١) : ألا إن أكذب الناس أو قال: أكذب الاحياء على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبو هريرة الدوسي.

ولو كان أبو هريرة في حبّ المؤمنين اياه وحبه اياهم كما زعم لما قال له عمر حين عزله عن البحرين(٢) : يا عدو الله وعدو كتابه سرقت مال الله الخ. فكيف يكون عدو الله كتابه محباً للمؤمنين كافة ومحبوبا منهم جميعاً؟ وقد ضربه عمر على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين ثدييه(٣) ضربة خر بها لأسته ، وضربه بالدرة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى أدمى ظهره وانتزع منه عشرة آلاف سرقها من مال المسلمين فأرجعها إلى بيت المال، وضربه مرة ثالثة حين قال له(٤) : أكثرت يا أبا هريرة من الرواية وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال له مرة متغيظاً لتتركن الحديث أولألحقنك بأرض دوس أو بأرض القردة(٥) .

وهناك نوادر كانت بينه وبين كل من عبد الله بن عباس وعائشة وغيرهما لا تجتمع مع تبادل المحبة بينه وبينهم أبداً.

نعم كانت المحبة متبادلة في آخر أمره بينه وبين آل أبي العاص وآل أبي معيط وآل أبي سفيان؛ حببه اليهم حديثه إذ وجدوا فيه ضالتهم المنشودة

________________________

(١) في هذا المعنى أخبار متواترة عن أئمة العترة الطاهرة وقد أرسل هذه الكلمة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام بالخصوص امام المعتزلة ابو جعفر الاسكافي كما في: ص٣٦٠ من المجلد الأول من شرح النهج الحميدي.

(٢) مر عليك حديث عزله في احواله أبي هريرة على عهد الخليفتين.

(٣) فيما اخرجه مسلم في: ١/٣٤ من صحيحه.

(٤) كما في: ص٣٦٠ من المجلد الأول من شرح النهج الحميدي.

(٥) اخرجه ابن عساكر من حديث السائب بن يزيد وهو الحديث: ٤٨٥٧ في: ٥/٢٣٩ من كنز العمال.

١٦٠