أبو هريرة

أبو هريرة0%

أبو هريرة مؤلف:
تصنيف: شخصيات إسلامية
الصفحات: 224

أبو هريرة

مؤلف: السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي
تصنيف:

الصفحات: 224
المشاهدات: 29409
تحميل: 3515

توضيحات:

أبو هريرة
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 224 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 29409 / تحميل: 3515
الحجم الحجم الحجم
أبو هريرة

أبو هريرة

مؤلف:
العربية

لدعايتهم الكاذبة وحببهم اليه سوابغ نعمهم عليه إذ أنعشوه بعد الخمول وأنالوه النضرة بعد الذبول، كان مروان بن الحكم يستخلفه على المدينة(١) كلما غاب عنها، وهو الذي زوجه بسرة بنت غزوان(٢) وما كان ليرمقها بطرفه لولا آل بي العاص وآل أبي سفيان، لما مرض مرض الموت كان مروان يبره ويصله وكان مشفقاً عليه فكان يدعو له بالشفاء حين يعوده وقد عاده في آخر أيام حياته فلما انصرف عنه أدركه إنسان فقال له(٣) : قضى أبو هريرة، وحين حمل نعشه كان مروان أمام الجنازة(٤) وكان أبناء عثمان يحملون النعش حتى بلغوا به البقيع فصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ونعاه إلى عمه معاوية فأمره أن يدفع إلى ورثته عشرة آلاف وان يحسن جوارهم، وهذه صورة تريك عطفهم عليه، ومزيد إحسانهم اليه، وتلمسك انقطاعه اليهم وعكوفه عليهم فهل كانوا في اصطلاح أبي هرير هم المؤمنين؟ الذين حببهم الله اليه، وحببه اليهم؟.

٣٢ - غلام أبي هريرة في هجرته !!!

أخرج البخاري(٥) بسنده إلى أبي هريرة، قال: لما قدمت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلت في الطريق:

ياليلة من طولها وعنائها

على أنها من دارة الكفر نجت

قال: وابق غلام لي في الطريق فلما قدمت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبايعته فبينا

________________________

(١) كما اخرجه في ترجمة أبي هريرة كل من ابن سعد في طبقاته وابن قتيبة في معارفه، ورواه احمد بن حنبل في مسنده كما بيناه إذ ذكرنا أيادي بني امية عليه.

(٢) تعرف ذلك من ترجمة بسرة في اصابة ابن حجر.

(٣) فيما اخرجه ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من طبقاته.

(٤) كما اخرجه ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من الطبقات.

(٥) في قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي: ٣/٥٥ من صحيحه واخرجه ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من طبقاته.

١٦١

أنا عنده إذ طلع الغلام فقال لي النبي: يا أبا هريرة هذا غلامك قلت هو لوجه الله فاعتقته أ هـ.

ان أبا هريرة ليحير الحواس، ويدهش مشاعر الناس بينا يقول نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لفلان وفلانة بطعام بطني أسوق بهم إذا ركبوا وأخدمهم اذا نزلوا؛ اذا هو يدعي انه يوم هجرته كان يملك غلاما فاعتقه لوجه الله؛ والظاهر أنه انما حدث بهذا في اواخر حياته حين كان مغموراً بنعمة مروان وآل أبي سفيان، فنسي حاله يوم الهجرة وقبلها وبعدها، حيث كان طاوياً خاوياً كاسفاً خاسفاً تئط امعاؤه وتنق أحشاؤه، مطروحاً عالى الطريق يعتمد على كبده من الجوع، ملتمساً صدقة من المارة تمسك رمقه، كما أفصح عنه اذ قال: والله الذي لا اله الاهو ان كنت لأعتمد على كبدي من الجوع وان كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع - الحديث - وقد مر عليك وفيه قعوده على الطريق يلتمس الصدقة، وقد قال في حديث آخر: رأيتني وأني لأخر فيما بين منبر رسول الله الة حجرة عائشة مغشياً علي، فيجيئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويري أني مجنون ومابي من جنون مابي الا الجوع الى كثير من كلماته الصريحة بأنه كان ممن لا يمضه الهوان ، ولا يؤلمه الامتهان، وان غاية ما يرجوه شبعة من طعام فمن أين له الغلام؟ وحاله هذه يا اولي الألباب؟:.

ولو قلنا لأبي هريرة: كيف عرفه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمجرد أن طلع لأحرجنا مقامه إذ لم تكن لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معرفة به سابقة، ولعل لأبي هريرة جلالة تستوجب الوحي إلى النبي في شأنه وشأن غلامه ؟!.

٣٣ - قصة خيالية ترمي الى حسن عواقب الصدقة

أخرج مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً، قال بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه كله

١٦٢

في تلك الحديقة واذا رجل قائم في الحديقة يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان للاسم الذي سمعه في الصحابة فقال له: لم تسألني عن اسمي؛ قال: اني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول له: اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها قال: أما اذا قلب هذا فاني انظر الى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، الحديث(١) .

وهذا مما تحكم العادة بامتناع وقوعه وتأباه نواميس الفطرة التي فطرت الأكوان عليها، لكن أبا هريرة أفتأته كرواية خيالية ترمي الى حسن عواقب الصدقة، وتقوله على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما هي عادته في قصصه الخيالية وغيرها فلا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

٣٤ - خيالية اخرى ترمي الى حسن عواقب الوفاء بالشرط

أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً: أنه ذكر رجلا من بني اسرائيل سأل بعض بني اسرائيل أن يسلفه الف دينار فقال: ائتني بالشهداء اشهدهم فقال: كفى بالله شهيداً، قال: فأتني بالكفيل. قال: كفى باللة كفيلا، قال: صدقت. فدفعها اليه الى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم النمس مركباً يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركباً فأخذ خشبة فنقرها فادخل فيها الف دينار وصحيفة منه الى صاحبه، ثم زجج موضعها ثم أتى بها الى البحر، فقال: اللهم انك تعلم أني كنت تسلفت فلاناً الف دينار فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا فرضي بك، وسألني شهيداً فقلت كفى بالله شهيداً فرضي بك؛ وأني اجهد أن أجهد مركباً ابعث اليه الذي له فلم اقدر واني استودعكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم أنصرف فخرج الرجل الذي

________________________

(١) أخرجه مسلم في باب الصدقة في المساكين: ٢/٥٣٣ من صحيحه.

١٦٣

كان اسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله؛ فاذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطباً فلما نشرها وجد المال والصحيفة - الحديث(١) - وهو في البعد الى حد السقوط عن درجة الاعتبار.

على ان القاء الف دينار في البحر مما لا يبيحه شرع ولا عقل ولا يستوجب براءة ذمة المدين لو لم يصل المال اليه والعقلاء يعدون هذا العمل منه سفهاً او جنوناً يستوجبان التحجير عليه، ولو فرض وقوع هذا الأمر في بني اسرائيل او غيرهم فرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يحدث به حتى يعلق عليه كلمة تستوجب عدم العمل على مقتضاه؛ اذ لو حدث به من غير تعليق عليه - كما في الحديث - لأغرى به المؤمنين من امته وذلك محال عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكن أبا هريرة صاغه كما تصاغ الروايات الخيالية؛ ومرماه الارتباط بالشرط، والوفاء بالعقد، ثم تقوله على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترويجا لبضاعته.

٣٥ - خيالية ثالثة ترمي الى عواقب شكر النعم وعواقب كفرها

اخرج البخاري(٢) عن أبي هريرة مرفوعاً قال: ان ثلاثة من بني اسرائيل ابرص واقرع واعمى بدا لله عز وجل ان يبتليهم(٣) فبعث اليهم ملكا

________________________

(١) أخرجه البخاري بهذه الالفاظ في باب الكفالة في القرض والديون: ٢/٢٦ من صحيحه وأخرجه أيضاً بألفاظ اخر في الاستقراض واللقطة والاستئذان والشروط والبيع والزكاة فراجع.

(٢) في: ٢/١٧٠ من صحيحه في باب ما ذكر عن بني اسرائيل في كتاب بدء الخلق.

(٣) بدا بفتح الباء الموحدة وفتح الدال المهملة المخففة بعدها الف مقلوبة عن واو بغير همز بمعنى سبق في علم الله الازلي ولم يكن ظاهراً للناس فاراد الله عز وجل اظهاره وهذا هو البداء الذي تقول به الشيعة الامامية واخطأ من رماهم بالدواهي، والحمد لله اذ وجدنا في حديث أبي هريرة دليلا عليه فان خصومنا لا يقنعهم حديث العترة الطاهرة.

١٦٤

فأتى الأبرص فقال: أي شئ أحب اليك؟ قال: لون حسن وجلد قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه فاعطى لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال احب اليك؟ قال: الابل، فاعطى ناقة عشراء فقال: يبارك لك فيها.

وأتى الأفرع فقال: أي شئ احب اليك؟ قال: شعر حسن وقد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب واعطى شعراً حسناً، قال: فأي المال احب اليك؟ قال: البقر فاعطاه بقرة حاملا وقال يبارك لك فيها.

وأتى الأعمى فقال: أي شئ احب اليك؟ قال: يرد الله إلي بصري قال: فمسحه فرد الله اليه بصره، قال: فاي المال احب اليك؟ قال الغنم، فاعطاه الله شاة والداً فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من ابل ولهذا واد من بقر ولهذا واد من الغنم.

ثم انه أتى الأبرص في صورته وهيئته - التي كان الابرص أولا عليها - فقال له: رجل مسكين تقطعت بي الجبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، اسألك بالذي اعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً اتبلغ عليه في سفري، فقال له: ان الحقوق كثيرة؛ فقال له: كأني اعرفك الم تكن ابرص يقذرك الناس فقيراً؟ فاعطاك الله. فقال: ورثت كابراً عن كابر، فقال: ان كنت كاذباً فصيرك الله الى ما كنت.

واتى الاقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا؛ فرد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: ان كنت كاذباً فصيرك الله الى ما كنت.

واتى الاعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل تقطعت بي الجبال في سفري، فلا بلاغ اليوم الا بالله ثم بك، اسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاة اتبلغ بها في سفري؛ فقال: كنت اعمى فرد الله بصري وفقيراً فاغناني فخذ ما شئت فو الله لا اجهدك اليوم بشئ اخذته لله فقال أمسك مالك فانما ابتليتهم فيد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك.

١٦٥

(قلت): هذا الحديث من منسوجات أبي هريرة وقد رقشه ووشاه فكان كأحدث رواية خيالية يمثلها المزخرفون على مسارحهم في عصرنا الحاضر يرمي بها الى عاقبتي شكر النعمة والكفر بها.

٣٦ - خيالية رابعة ترمي الى سوء عاقبة الظلم

أخرج الشيخان بسندهما إلى أبي هريرة(١) مرفوعاً قال: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الارض أ هـ.

وهذا الحديث مما انكرته عائشة على أبي هريرة فكان مما قالت له إذ بلغها: إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة فاذا حدثت عن رسول الله فانظر كيف تحدث(٢) .

(قلت): وهذا من رواياته الخيالية يرمي فيه الى سوء عواقب الظلم والعدوان.

٣٧ - خيالية خامسة ترمي الى حسن عواقب الرحمة

أخرج البخاري عن أبي هريرة(٣) يرفعه قال: غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي يلهث (قال) وكاد يقتله العطش فنزعت خفها واوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فشرب ففغر لها بذلك.

________________________

(١) راجع: ٢/١٤٩ من صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق وأول: ٢/٤٤٥ من صحيح مسلم في باب سعة رحمة الله من كتاب التوبة تجد الحديث.

(٢) هذا الرد مشهور عن عائشة وقد رواه عنها شارحو صحيح البخاري ومسلم عند انتهائهم إلى هذا الحديث في شروحهم فراجع: ٨٤ من المجلد السابع من ارشاد الساري.

(٣) في: ٢/١٥٠ من صحيحه وأخرجه ايضا في مواضع اخر.

١٦٦

٣٨ - رواية خيالية هدفها هدف سابقتها

وأخرج البخاري عن أبي هريرة يرفعه قال: بينما رجل يمشي في طريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فاذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش! قال فنزل الرجل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر الله له وغفر له بذلك - الحديث(١) -.

وقد تعلم أن هذا الحديث والذي قبله إنما هما من مخيلة أبي هريرة يمثل بهما حسن عواقب العطف والحنان ويحض بهما على البر والاحسان.

٣٩ - مسرف كافر غفر له

أخرج مسلم عن معمر قال: قال لي الزهري: ألا أحدثك بحديثين عجيبين(٢) ؟! اخبرني حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي قال: أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت اوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فو الله لئن قدر عليّ ربي(٣) ليعذبني عذابا ما عذب به أحداً ففعلوا ذلك به فقال الله للارض أدي ما اخذت فاذا هو قائم فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: مخافتك يارب ففغر له بذلك، قال الزهري: وحدثني حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي اطعمتها

________________________

(١) تجده في باب رحمة الناس بالبهائم: ٤/٣٦ من كتاب الادب وفي باب فضل سقي الماء: ٢/٣٥ من صحيحه في كتاب المساقاة فراجع.

(٢) يحق للزهري أن يعجب من هذين الحديثين واولو الألباب كلهم يعجبون منهما.

(٣) تأمل كلمته هذه تجدها صريحة بأنه كان لا يؤمن بان ربه قادر على بعثه بعد انجاز وصيته فهو كافر بذلك.

١٦٧

ولا هي ارسلتها تأكل من خشاش الأرض - الحديث -(١) .

(قلت): أما المرأة ذات الهرة فان كانت مؤمنة كانت - كما قالت عائشة. اكرم على الله من يعذبها في النار بهرة، وان كانت كافرة فانما تعذب بكفرها.

وأما ذلك المسرف فانه - على ما يقتضيه الحديث - لم يكن أهلا للمغفرة إذ لم يكتف بتمرده على الله تعالى طيلة حياته وتجاوزه الحد في موبقاته حتى مات مصراً على تمرده يائساً من روح الله فاراً من سلطانه الى حيث لا تناله - على زعمه - قدرة الله عز سلطانه التي احاطت بكل شئ ولذلك اوصى تلك الوصية البربرية فهو كافر بيأسه من رحمة الله وانكاره لقدرة الله عز وجل والكافر لا يستحق المغفرة، ولا هو لها اجماعا وقولا واحداً.

على أن اسلوب هذا الحديث انما هو اسلوب حكاية خيالية ترمي إلى عدم اليأس من رحمة الله ولو مع الاسراف وإلى عدم الأمن من عذاب الله ولو مع الايمان، وهاتان الحقيقتان في غنى عن روايات أبي هريرة وخيالاته لثبوتهما بنص الذكر الحكيم والفرقان العظيم:( ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) فالسنن المقدسة تبرأ أنوار اساليبها من هذا الحديث واسلوبه كما لا يخفى.

وايضاً لو فرض وقوع تلك الوصية من ذلك المسرف وفرض انها بمجردها كانت سبباً لمغفرة ذنوبه فرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يمكن أن يحدث بها حتى يعلق عليها كلمة تحضرها إذ لو حدث بها من غير تعليق - كما نقله أبو هريرة - لأغرى بها المسرفين من امته وهذا محال كما لا يخفى.

________________________

(١) تجده في: ٢/٤٤٤ من صحيح مسلم في باب سعة رحمة الله وانها سبقت غضبه من كتاب التوبة.

١٦٨

٤٠ - مذنب يتوب إلى الله ثم يؤوب الى ذنوبه يكرر ذلك فيقول الله له: إعمل ماشئت فقد غفرت لك

قال أبو هريرة: أذنب عبد ذنباً، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي فقال الله تبارك وتعالى: اذنب عبدي ذنباً فعلم ان له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قال: ثم عاد فأذنب؛ فقال: أي رب غفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي اذنب ذنباً فعلم ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فاذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: اذنب عبدي ذنباً فعلم ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك! الحديث(١) .

(قلت): وهذا كسابقه معناً ومرمىً واسلوباً نسجته يدا أبي هريرة من غزل مخيلته كحكاية العجائز والقصاصين يرمي به الى سعة مغفرة الله عز وجل وسعة مغفرة الله ورحمته في غنى عن الروايات الخيالية لثبوتها يحكم العقل والنقل كتابا وسنة ولاجماع الأمة عليها بل اجماع أهل الاديان كافة بل هي من ضروريات الاسلام وغيره من سائر الاديان.

وأنت تعلم ان ليس بين الله عز وجل وبين احد من خلقه هوادة في حمى حرّمه على العالمين، ألا تراه كيف يقول عز من قائل:( لو تقول علينا بعض الأقاويل لاخذنا منه بالميين ثم لقطعناه منه الوتين وما منكم من أحدعنه حاجزين ) فكيف يمكن بعدها ان يحابي هذا المذنب الراجع عن توبته مراراً فيقول له: اعمل ما شئت فقد غفرت لك، وبأي شئ استحق هذا الضعيف في ذات الله ان ينال هذه الهوادة التي ما نالها الصديقون والأنبياء والمرسلون.

________________________

(١) أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً في باب قبول التوبة من الذنب وان تكررت الذنوب والتوبة: ٢/٤٤٥ من صحيحه في كتاب التوبة.

١٦٩

وكم لأبي هريرة من هذه القصص الخيالية يحدث بها الطغاة يهويناً لجرائمهم وتعزية لهم عن موبقاتهم كقوله سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: حضر ملك الموت رجلا يموت فلم يجد فيه خيراً وشق عن قلبه فلم يجد فيه شيئاً ثم فك عن لحييه فوجد طرف لسانه لاصقاً بفكه بقول لا إله إلا الله فغفر الله له - الحديث(١) .

ومن سخافات هذا الرجل قوله: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف فلما قام رسول الله صلى عليه واله وسلم في مصلاه ذكر انه جنب الحديث(٢) .

نبرأ الى الله منه وممن يجيزه على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان في جميع اوقاته على طهور وكان الوضوء على الوضوء عنده نوراً على نور وانبياء الله كافة منزهون عن مضمونه معصومون عما هو دونه مما لا يليق بالصديقين وصالحي المؤمنين.

ومنها: حديثه(٣) في النهي عن تفضيل النبي على موسى وحديثه(٤) في أن من قال ان رسول الله خير من يونس بن متى فقد كذب.

وقد اجمعت الامة على تفضيله، وثبت ذلك بالنصوص الصريحة الصحيحة وقامت عليه الضرورة من دين الاسلام.

________________________

(١) أخرجه الخطيب في ترجمة سعد بن عبد الحميد: ١٢٥ من المجلد: ٩ من تاريخ بغداد.

(٢) أخرجه البخاري في باب إذا ذكر في المسجد انه جنب يخرج ولا يتيمم: ١/٤١ من صحيحه.

(٣) الذي أخرجه البخاري في الخصومات: ٢/٤٠ من صحيحه.

(٤) الذي أخرجه البخاري في باب قوله تعالى:( انا اوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح ) إلى قوله تعالى:( ويونس وهارون وسليمان ) في: ٢/٨٢ من صحيحه في كتاب تفسير القرآن.

١٧٠

وحديثه(١) بأنه لن يدخل احداً عمله الجنة «قال» قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا؟.

يضرب بهذا الحديث عرض الحائط لمخالفته كتاب الله عز وجل في كثير من آياته، وحسبك منها:( ان هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ) .

وحديثه(٢) في أنه ما بعث نبي الا ورعى الغنم وهذا في البعد الى حد السقوط.

ومثله حديثه(٣) في ان براهيمعليه‌السلام قد اختتن بالقدوم(٤) بعد ثمانين سنة من عمره.

وحديثه(٥) في ان عيسى بن مريمعليهما‌السلام رأى رجلا يسرق فقال له: أسرقت؟ فقال: كلا؟ والذي لا آله الا هو، فصدقه وكذب عينيه.

وحديثه: اذ خلق الله آدم فمسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها الى يوم القيامة امثال الذر ثم جعل بين عيني كلّ انسان منهم وبيعاً «أي بريقاً» من نور ثم عرضهم على آدم فقال آدم من هؤلاء يارب؟ قال: ذريتك فرأى آدم رجلا منهم أعجبه وبيص ما بين عينيه فقال يا رب من هذا؟ قال هذا ابنك داود، قال آدم: كم جعلت له من العمر؟ قال ستين سنة، قال: يارب

________________________

(١) الذي اخرجه البخاري في باب تمني المريض الموت من آخر كتاب المرضى: ٤/٦ من صحيحه.

(٢) الذي اخرجه البخاري في كتاب الاجارة: ٢/٢٢ من صحيحه.

(٣) الذي اخرجه البخاري في باب الختان: ٤/٦٥ من صحيحه في اواخر كتاب الاستئذان.

(٤) ولعل هذا القدوم كان على رأي أبي هريرة مما ورثه ابراهيم عن نوح وانه مما استعمله في صنع فلكه.

(٥) الذي أخرجه البخاري في باب: واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت: ٢/١٦٨ من صحيحه.

١٧١

زده من عمري اربعين سنة حتى يكون عمره مائة سنة، فقال الله عز وجل اذن يكتب ويختم فلا يبدل فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت لقبض روحه قال آدم: أو لم يبق من عمري أربعون سنة قال له ملك الموت أو لم تجعلها لابنك داود؟ قال: فجحد فجحدت ذريته! - الحديث -(١) .

ومثله حديثه(٢) عن آدم وموسى حيث مثلهما يتحاجان على كيفية تدل على انهما كانا من القدرية الجبرية، وقد ظهر فيها آدم على موسى فحجه الى كثير مما لايليق بالأنبياء، ويجب تنزيههم عنه.

وما اكثر حديثه في خوارق النواميس الطبيعية، وحسبك منها (مضافا الى ما سمعته آنفاً) حدثيان نجعلهما خاتمة هذا الفصل.

(أحدهما): حديثه اذ كان - فيما زعم - مع العلاء بن الحضرمي لما بعث في اربعة آلاف الى البحرين فانطلقوا حتى اتوا على خليج من البحر ما خاضه قبلهم أحد ولا يخوضه بعدهم احد!.

(قال أبو هريرة): أخذ العلاء بعنان فرسه فسار على وجه الماء وسار الجيش وراءه قال: فو الله ما ابتل لنا قدم ولاخف ولا حافر؟؟ الحديث(٣) .

________________________

(١) أخرجه الحاكم وصحصه في: ٢/٣٢٥ من المستدرك في كتاب التفسير في شرح: وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأورده الذهبي وصححه في تلخيص المستدرك.

(٢) الذي أخرجه البخاري في باب وفاة موسى: ٢/١٦٣ من صحيحه في كتاب بدء الخلق.

(٣) رواءه الشيخ الامام العلامة ابو بكر بن محمد الوليد الفهري الطرطوشي المعروف بابن ابي رندة المتوفى سنة اثنتين وخمسمائة في الاسكندرية في كتابه الذي افرده للدعاء ونقله عنه الشيخ كمال الدين الدميري في مادة البعوض من كتابه حياة الحيوان واشار الى هذه القصة صاحبا الاستعياب والاصابة في ترجمة العلاء وقالا انها مشهورة.

١٧٢

وهذا لو كان حقاً لرواه كل واحد من ذلك الجيش المؤلف من أربعة آلاف صحابي فكان في طليعة الأحاديث المتواترة فما باله لايسند إلا الى أبي هريرة يا أولي الألباب؟؟.

(ثانيهما): حديث المزود إذ قال: اصبت بثلاث مصيبات في الاسلام لم أصب بمثلهن: موت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكنت صويحبه، وقتل عثمان، والمزود قالوا: وما المزود يا أبا هريرة؟ قال: كنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سفر فقال: يا أبا هريرة أمعك شئ؟ قال قلت تمر في مزود، قال جئ به، فاخرجت تمراً فأتيته به، قال: فمسه ودعا فيه ثم قال: ادع عشرة، فدعوت عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم كذلك حتى اكل الجيش كله وبقي من تمر معي في المزود فقال: يا ابا هريرة إذا اردت ان تأخذ منه شيئاً فادخل يدك فيه ولا تكفه قال: فأكلت منه حياة النبي واكلت منه حياة أبي بكر كلّها وأكلت من حياة عمر كلها وأكلت من حياة عثمان كلها؟؟ فلما قتل عثمان انتهب ما في يدي وانتهب المزود، ألا أخبركم كم أكلت منه؟ أكلت منه اكثر من مائتي وسق!!!.

(قلت): لا ريب في ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يطعم الجم الغفير من الزاد اليسير في كثير من ايامه المباركة، وذلك من اعلام نبوته وآيات رسالته، لكن هذا الحديث بالخصوص مما صنعته يدا أبي هريرة مدلا على السواد من احزاب بني امية والغوغاء من اشياعهم العاكفين على قميص عثمان واصابع زوجته بالبكاء والعويل ليستنهض معروفهم ويجتدي برهم، وهذا من اساليبه المدهشة في تزلفه الى بني امية وامتياح فضلهم.

و مما يدلك على وضعه ان أبا هريرة كان يتلون فيه تلون الحرباء ويتطور في نقله على انحاء كما يعلمه متتبعوا طرق المزود في مسانيد السنة وكتبها(١) .

________________________

(١) حديث المزود اخرجه الامام احمد بن حنبل من طريقينن، وابو بكر البيهقي من طريقيين آخرين، واخرجه غيرهما من طرق اخر فليراجعها من اراد الوقوف على ما فيها من التهافت والتناقض الحاكمين بسقوطها، وقد اورد ابن كثير جملة منها في: ٦/١١٦ من البداية والنهاية.

١٧٣

ولأبي هريرة كيس وسع هذا المزود وغيره كان عيبة علمه يتناول منه ما يشاء متى شاء وكيف شاء وربما سئل عما يحدث فيقال له ابا هريرة سمعت هذا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيقول: لا هذا من كيس أبي هريرة(١) .

وعجائب أبي هريرة يضيق عنها املاؤنا هذا وحسبنا منها ما اوردناه حجة على ما اردناه والحمد لله.

١٢ - مسنده في حكم المرسل

كان من دأب أبي هريرة في حديثه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يسند اليه ما بلغه عنه بالواسطة لا يقيم عليها قرينة كما يسند اليه ما سمعه منه مشافهة لا يفرق بين هذا وذاك في شئ ما، وهذا ما جعل حديثه كله في حكم المرسل لايصلح حجة ولايقوم دليلا.

وإن كنت في ريب مما قلناه في دأبه فاني احيلك على قوله: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمه ابي طالب: قال لا إله إلاّ الله أشهد لك بها يوم القيامة قال : لولا أن تعيرني قريش الحديث(٢) .

وقد علم الناس أن أبا طالبعليه‌السلام إنما توفي قبل قدوم أبي هريرة الى الحجاز

________________________

(١) هذا نصه من حديث اخرجه عنه البخاري في اول كتاب النفقات: ٣/١٨٩ من صحيحه.

(٢) اخرجه مسلم في كتاب الايمان: ١/٣١ من صحيحه، وقد اوردناه وعلقنا عليه في الفصل السابق من هذا الاملاء.

١٧٤

بعشر سنين في أقل الروايات، فاين كان عن النبي وعمهعليهما‌السلام وهما يتبادلان الكلام الذي اسنده اليهما كأنه رآهما بعينيه وسمعهما بأذنيه؟!.

وقال: قام رسول الله حين انزل الله عليه:( وانذر عشيرتك الأقربين ) فقال يا معشر قريش لا اغني عنكم من الله شيئاً الحديث(١) .

واولو العلم باسرهم مجمعون على ان هذه الآية انما نزلت في مبدأ الدعوة الاسلامية قبل ظهورها في مكة، وأبو هريرة اذ ذاك في اليمن جاهلياً وانما اني الحجاز بعد نزول هذه الآية بنحو عشرين سنة، فاين كان عند نزولها ليقول: قام رسول الله حين نزول فقال: يا معشر قريش الى آخر حديثه الذي اسنده الى النبي، كأنه رآه قائماً بعينيه، وسمعه يبنذر عشيرته بأذنيه؟!.

وقال: كان النبي يدعو في القنوت فيقول: أللهم انج سلمة بن هشام، أللهم انج الوليد بن الوليد، أللهم انج عياش بن أبي ربيعة، أللهم انج المستضعفين من المؤمنين (الذين حبسهم المشركون عن الهجرة في حديث صحيح(٢) ).

ومن المعلوم بحكم الضرورة من اخبار السلف انه انما حبس هؤلاء عن الهجرة فقنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدعاء لهم قبل اسلام أبي هريرة بنحو سبع سنين، فاين كان عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليسند هذا الحديث كأنه بعينيه قانتاً وسمعه بأذنيه داعياً؟!.

قال: وقال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين اظهركم؟ فقيل: نعم، الحديث(٣) .

________________________

(١) اخرجه البخاري في: ٢/٨٦ من صحيحه ومسلم واحمد، وقد اوردناه وعلقنا عليه في الفصل السابق من الاصل.

(٢) اخرجه البخاري في باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة: ٢/١٠٥ من صحيحه.

(٣) أخرجه مسلم في باب قوله تعالى: ان الانسان ليطغى: ٢/٤٦٧ من صحيحه.

١٧٥

فان كان هذا القول واقعاً من أبي جهل فانه انما يكون قبل اسلام أبي هريرة وقبل قدومه من اليمن بنحو عشرين سنة فأين كان عن أبي جهل ليسنده اليه كأنه سمعه بأذنيه؟!.

واين كان عن وقعة الرجيع وعن أميرها عاصم بن ثابت الأنصاري المستشهد فيها ليحدث عنها وعنه حديث المشاهد لهما ؟؟(١) وقد كانت تلك الوقعة في صفر سنة اربع للهجرة قبل اسلامه بثلاث سنين تقريباً.

ومن وقف علىسيرة أبي هريرة المستمرة في حديثه علم ان دأبه ما قلناه وحسبك هذا القدر دليلا على ما ادعيناه.

وقد انتبه اليه أحمد أمين المصري البحاثة المعاصر اذ قال في كلام له(٢) حول أبي هريرة: ويظهر انه لم يكن يقتصر على ما سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بل يحدث عن رسول الله بما أخبره به غيره .

(قلت): واعترف بهذا أبو هريرة نفسه إذ حدث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأن من أدركه الفجر جنباً فلا يصم، فلما انكرت عائشة وأم سلمة عليه ذلك جعل الجناح فيه على الفضل بن العباس (وكان الفضل يومئذ ميتاً(٣) فقال

________________________

(١) حديثه عنهما ثابت في الصحاح فراجعه في كتاب الجهاد والسير: ٢/١١٧ من صحيح البخاري.

(٢) تجده في: ص٢٦٢ والتي بعدها من كتاب ( فجر الاسلام) في الفصل الثاني من الباب السادس.

(٣) فان هذه القضية كانت ومروان بن الحكم أمير على المدينة في عهد معاوية - كما جاء في حديث البخاري عنها في باب الصائم يصبح جنبا: ١/٢٢٥ من صحيحه وبه صرح شارحو الصحيح كالقسطلاني وغيره - وقد استشهد الفضل يوم اجنادين في خلافة أبي بكر وقيل بل يوم مرج الصفر سنة ١٣، وقيل يوم اليرموك سنة ١٥ في خلافة عمر. وقيل مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان عشرة ولم يبق حياً الى سنة العشرين اجماعا وقولا واحداً.

١٧٦

سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي وهذا (سواء كان حقاً أم باطلا) اعتراف منعه صريح بانه كان يسند الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما لا يسمعه منه كما ترى.

(فان قلت): أي مانع للعدل ان يسند الى النبي الحديث يسمعه من غيره مرفوعاً اليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(قلنا): لا مانع من ذلك غير ان الحديث في هذا الفرض لا يكون حجة ولا يوصف بالصحة (وان رواه العدل) وانما يكون مرسلا حتى تعزف الواسطة وتحرز عدالتها.

وبعبارة أخرى عدالة الراوي شرط في صحة حديثه، فلا بد من احرازها ولايمكن ذلك في الواسطة المجهولة.

ومجمل القول في هذا الفصل أن في حديث أبي هريرة مراسيل كثيرة لا يمكن الاحتجاج بها، وقد اشتبهت بمسانيده، اذ لم يفرق بينهما في شئ وهذا ما أوجب سقوط الجميع عملا بالقاعدة المقررة في الشبهات المحصورة.

١٣ - دعواه الحضور في وقائع لم يحضرها

وقد اضطرنا هذا الرجل الى الريب فيه بدعواه الحضور في وقائع لم يحضرها قطعاً.

وحسبك منها قوله: دخلت على رقية بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم امرأة عثمان وبيدها مشط، فقالت: خرج رسول الله من عندي آنفارٌ جلت شعره فقال لي: كيف تجدين أبا عبدالله؟ - يعني عثمان - قلت بخير قال: اكرميه فانه من اشبه أصحابي بي خلقاً، أخرجه الحاكم(١) ثم قال: حديث صحيح

________________________

(١) في احوال رقية: ٤/٤٨ من المستدرك.

١٧٧

الاسناد واهي المتن فان رقية ماتت سنة ثلاث من الهجرة عند فتح بدر وأبو هريرة انما اسلم بعد فتح خيبر.

(قلت): واورده الذهبي في تلخيص المستدرك ثم قال: صحيح منكر المتن فان رقية ماتت وقت بدر وأبو هريرة اسلم وقت خيبر.

وقال في سهو النبي: صلى بنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظهر أو العصر فسلم في ركعتين فقال له ذو اليدين: انقصت الصلاة أم نسيت؟ الحديث.

وذو اليدين هذا استشهد ببدر قبل ان يسلم أبو هريرة بزمان كما بينا في الفصل: ١١ من هذا الاملاء(١) .

وكم كان يتبجح فيقول: افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهباً ولا فضة انما غنمنا البقر والابل والمتاع والحوائط الحديث(٢) .

مع أنه لم يحضر الفتح إجماعاً وقولا واحداً، وإنما جاء بعد الفتح ولذا ارتبك شارحوا الصحيحين عند انتهائهم الى قوله: افتتحنا خيبر، فحملوا كلمته هذه على التجوز وان المراد جنسه من المسلمين(٣) .

وكم كان يحدث فيقول: شهدنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خيبر فقال لرجل معه ممن يدعي الاسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل اشد القتال حتى كثرت به الجراحة، فكاد بعض الناس ان يرتاب فوجد الرجل ألم

________________________

(١) فراجع منه الحديث ١٣.

(٢) أخرجه البخاري في باب غزوة خيبر: ٣/٣٧ من صحيحه.

(٣) راجع: ص١٤٥ من المجلد الثامن من شرحي البخاري المطبوعين معافي اثنى عشر مجلداً وهما ارشاد الساري للقسطلاني وتحفة الباري للانصارى تجد التأويل المذكور مع التصريح بأن أبا هريرة لم يحضر فتح خيبر، وكذلك فعل السندي فيما علقه على هذا الحديث من تعليقته المطبوعة في هامش الصحيح.

١٧٨

الجراحة فأهوى بيده الى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه الحديث(١) .

(قلت): هذا محل النظر من وجهين: احدهما دعواه انه شهد الوقعة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد عرفت انه لم يشهدها، ولذلك ارتبك شارحوا هذا الحديث فقالوا: اما قول أبي هريرة شهدنا مع رسول الله خيبر فمحمول على المجاز والمراد جنسه من المسلمين لأن الثابت انه جاء بعد أن فتحت خيبر انتهى بلفظ الشارح القسطلاني(٢) .

ثانيهما: ان الرجل الذي قتل نفسه انما هو قزمان بن الحرث حليف ظفر المنافق. كان يقاتل على الاحساب؛ وقضيته التي ذكرها أبو هريرة في حديثه هذا معروفة(٣) وقد قتل بأحد قبل اسلام أبي هريرة بدهر لكن أبا هريرة قد راب في أمره فخلط الحابل بالنابل.

________________________

(١) اخرجه البخاري في باب غزوة خيبر: ٣/٣٤ من صحيحه وفي باب ان الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر من كتاب الجهاد والسير: ٢/١٢٠ من الصحيح.

(٢) في باب ان الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر: ٦/٣٢٢ من ارشاد الساري.

(٣) وقد ذكرها الواقدي وابن اسحاق وغيرهما وترجمة ابن حجر في الاصابة وكثير من أصحاب المعاجم والتراجم، وقزمان هذا هو الذي كان في احد لا يدع للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه حتى قيل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومئذ ما أجزأ عنا أحدكما أجزأ فلان، فقال النبي: اما انه من أهل النار، فجرح جرحا شديداً فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الارض وذبا به بين ثديه ثم نحامل عليه فقتل نفسه الحديث، أخرجه البخاري بالاسناد الى سهل بن سعد في باب: لا يقول فلان شهيد، من كتاب الجهاد والسير: ٢/١٠١ من صحيحه.

١٧٩

وقد قال: رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم عليه رداء؛ الحديث -(١) .

(قلت): استشهد هؤلاء السبعون باجمعهم يوم بئر معونة فحزن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم وقنت شهراً يدعو في الصلاة على قاتليهم وكانت هذه الوقعة في صفر سنة أربع من الهجرة قبل اسلام أبي هريرة وقبل قدومه من اليمن فكيف يدعي رؤيتهم؟! وقال القسطلاني(٢) : ان السبعين الذين رآهم أبو هريرة غير اولئك السبعين والله تعالى أعلم.

وبالجملة: علمنا من تعقب أبي هريرة واستقراء حديثه انه كان كثيراً ما يحدث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما لم يسمعه منه. وكثيراً ما يحدث عن الوقائع التي لم يحضرها، وربما اجعى حضورها وربما سمع شيئاً من كعب الأخبار أو غيره فراقه فحدث به عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما فعل في حديث (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً في عرض سبعة اذرع)(٣) وهذا ما يضطر المؤمن الى اتقاء حديث هذا الرجل.

والعجب من أصحاب الصحاج يشحنون به مسانيدهم لا يلتفتون إلى لوازمه الباطلة ولا يأبهون بما يكتنفه من دلائل الوضع والاختلاف، ومن تتبع حديث الصحيحين عجب من بساطة الشيخين، واليك مثلا يلمسك هذه الحقيقة.

أخرج مسلم في باب فضائل أبي سفيان من طريق عكرمة بن عمار العجلي اليمامي: ان المسلمين كانوا لا ينظرون الى ابي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي

________________________

(١) اخرجه البخاري في: ٢/٦٠ منصحيحه وقد أوردناه في أحوال أبي هريرة على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هذا الاملاء.

(٢) في شرخ هذا الحديث: ٢/٢٢٠ من ارشاد الساري.

(٣) وقد فصلنا القول فيما يتعلق بهذا الحديث إذ أوردناه اول الفصل: ١١ من هذا الاملاء.

١٨٠