تنزيه الانبياء

تنزيه الانبياء0%

تنزيه الانبياء مؤلف:
تصنيف: النبوة
الصفحات: 189

تنزيه الانبياء

مؤلف: ابي القاسم علي بن الحسين الموسوي المعروف بالشريف المرتضى
تصنيف:

الصفحات: 189
المشاهدات: 20634
تحميل: 1921

توضيحات:

تنزيه الانبياء
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 189 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 20634 / تحميل: 1921
الحجم الحجم الحجم
تنزيه الانبياء

تنزيه الانبياء

مؤلف:
العربية

الذي بيناه يكون الكلام مختصا غير مشترك ، فصرنا بالظاهر اولى منهم ، وصار للمعنى الذي ذهبنا إليه الرجحان على معناهم. على أن معنى الآية والمقصود منها يدلان على ما ذكرناه ، حتى أنا لو قدرنا ما ظنه المخالف لكان ناقضا للغرض في الآية ومبطلا لفايدتها ، لانه تعالى خبر عن إبراهيم (ع) بأنه قرعهم ووبخهم بعبادة الاصنام ، واحتج عليهم بما يقتضي العدول عن عبادته. ولو كان مراده بالآية ما ظنوه من انه تعالى خلقهم وخلق اعمالهم ، وقد علمنا ان عبادتهم للاصنام من جملة اعمالهم ، فكأنه قال الله تعالى : والله خلقكم وخلق عبادة اصنامكم. لوجب ان يكون عاذرا لهم ومزيلا للوم عنهم ، لان الانسان لا يذم على ما خلق فيه ولا يعاتب ولا يوبخ. وبعد فلو حملنا الآية على ما توهموه لكان الكلام متناقضا من وجه آخر ، لانه قد أضاف العمل إليهم بقوله (وما تعملون). وذلك يمنع من كونه خلقا لله تعالى ، لان العامل للشئ هو من احدثه واخرجه من العدم إلى الوجود. والخلق في هذا الوجه لا يفيد إلا هذا المعنى ، فكيف يكون خالقا ومحدثا لما احدثه غيره وعمله؟ على ان الخلق إذا كان هو التقدير في اللغة ، فقد يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا كان مقدرا له ومدبرا. ولهذا يقولون خلق الاديم فيمن قدره ودبره ، وإن كان ما احدث الاديم نفسه. فلو حملنا قوله :( وما تعملون ) على افعالهم دون ما فعلوا فيه من الاجسام ، لكان الكلام على هذا الوجه صحيحا. ويكون المعنى : والله دبركم ودبر أعمالكم. وان لم يكن محدثا لها وفاعلا. وكل هذه الوجوه واضح لا إشكال فيه بحمد الله تعالى ومنه.

يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليهم السلام

تنزيه يعقوب عن ايقاع التحاسد بين بنيه : (مسألة) فان قيل : فما معنى تفضيل يعقوب عليه السلام ليوسف (ع) على اخوته في البر والتقريب والمحبة ، حتى اوقع ذلك التحاسد بينهم وبينه وأفضى إلى الحال المكروهة التي نطق بها القرآن ، حتى قالوا على ما حكاه الله تعالى عنهم :( ليوسف واخوه احب إلى ابينا منا

٤١

ونحن عصبة ان أبانا لفي ضلال مبين) فنسبوه إلى الضلال والخطأ. وليس لكم ان تقولوا ان يعقوب (ع) لم يعلم بذلك من حالهم قبل ان يكون منه التفضيل ليوسف (ع). لان ذلك لابد من ان يكون معلوما منه من حيث كان في طباع البشر من التنافس والتحاسد. (الجواب) : قيل ليس فيما نطق به القرآن ما يدل على ان يعقوب عليه السلام فضله بشئ من فعله وواقع من جهته ، لان المحبة التي هي ميل الطباع ليست مما يكتسبه الانسان ويختاره ، وإنما ذلك موقوف على فعل الله تعالى فيه. ولهذا ربما يكون للرجل عدة اولاد فيحب احدهم دون غيره ، وربما يكون المحبوب دونهم في الجمال والكمال. وقد قال الله تعالى :( ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ) وإنما أراد ما بيناه من ميل النفس الذي لا يمكن الانسان ان يعدل فيه بين نسائه ، لان ما عدا ذلك من البر والعطاء والتقريب وما اشبهه ، يستطيع الانسان ان يعدل بين النساء. فإن قيل فكأنكم قد نفيتم عن يعقوب عليه السلام القبيح والاستفساد واضفتموهما إلى الله تعالى فما الجواب عن المسألة من هذا الوجه؟. قلنا : عنها جوابان : احدهما لا يمتنع ان يكون الله تعالى علم ان اخوة يوسف عليه السلام سيكون بينهم ذلك التحاسد والفعل القبيح على كل حال ، وان لم يفضل يوسف (ع) عليهم في محبة ابيه له ، وإنما يكون ذلك استفسادا إذا وقع عنده الفساد وارتفع عند ارتفاعه ، ولم يكن تمكينا. والجواب الآخر أن يكون ذلك جاريا مجرى التمكين (الامتحان) والتكليف الشاق ، لان هؤلاء الاخوة متى امتنعوا من حسد اخيهم والبغي عليه والاضرار به وهو غير مفضل عليهم ولا مقدم ولا يستحقونه من الثواب ما يستحقونه إذا امتنعوا من ذلك مع التقديم والتفضيل ، فأراد الله تعالى منهم ان يمتنعوا على هذا الوجه الشاق. وإذا كان مكلفا على هذا الوجه فلا استفساد في تمييله بطباع ابيهم إلى محبة يوسف (ع) ، لان بذلك ينتظم

٤٢

هذا التكليف ويجري هذا الباب مجرى خلق إبليس ، مع علمه تعالى بضلال من ضل عند خلقه ، ممن لو لم يخلقه لم يكن ضالا. ومجرى زيادة الشهوة فيمن يعلم منه تعالى هذه الزيادة انه يفعل قبيحا لولاها لم يفعله. ووجه آخر في الجواب عن أصل المسألة : وهو أنه يجوز ان يكون يعقوب كان مفضلا ليوسف (ع) في العطاء والتقريب والترحيب والبر الذي يصل إليه من جهته ، وليس ذلك بقبيح لانه لا يمتنع ان يكون يعقوب (ع) لم يعلم ان ذلك يؤدى إلى ما ادى إليه ، ويجوز ان يكون رأى من سيرة اخوته وسدادهم وجميل ظاهرهم ما غلب في ظنه معهم أنهم لا يحسدونه ، وان فضله عليهم. فإن الحسد وإن كان كثيرا ما يكون في الطباع ، فإن كثيرا من الناس يتنزهون عنه ويتجنبونه ، ويظهر من احوالهم امارات يظن معها بهم ما ذكرناه. وليس التفضيل لبعض الاولاد على بعض في العطاء محاباة ، لان المحاباة هي المفاعلة من الحباء ، ومعناها ان تحبو غيرك ليحبوك. وهذا خارج عن معنى التفضيل بالبر ، الذي لا يقصد به إذا ما ذكرناه. فاما قولهم : ان ابانا لفي ضلال مبين. فلم يريدوا به الضلال عن الدين. وانما ارادوا به الذهاب عن التسوية بينهم في العطية ، لانهم رأوا ان ذلك اصوب في تدبيرهم. وأصل الضلال هو العدول. وكل من عدل عن شئ وذهب عنه فقد ضل. ويجوز ايضا ان يريدوا بذلك الضلال عن الدين ، لانهم خبروا عن اعتقادهم. ويجوز ان يعتقدوا في الصواب الخطأ. فإن قيل : كيف يجوز أن يقع من اخوة يوسف (ع) هذا الخطأ العظيم والفعل القبيح وقد كانوا انبياء في الحال؟ فإن قلتم لم يكونوا انبياء في تلك الحال ، قيل لكم وأي منفعة في ذلك لكم وانتم تذهبون إلى ان الانبياء عليهم السلام لا يوقعون القبائح قبل النبوة ولا بعدها؟. قلنا : لم تقم الحجة بأن اخوة يوسف (ع) الذين فعلوا به ما فعلوه كانوا انبياء في حال من الاحوال ، وإذا لم تقم بذلك حجة

٤٣

جاز على هؤلاء الاخوة من فعل القبيح ما يجوز على كل مكلف لم تقم حجة بعصمته ، وليس لاحد ان يقول كيف تدفعون نبوتهم. والظاهر أن الاسباط من بني يعقوب كانوا انبياء ، لانه لا يمتنع ان يكون الاسباط الذين كانوا انبياء غير هؤلاء الاخوة الذين فعلوا بيوسف (ع) ما قصه الله تعالى عنهم. وليس في ظاهر الكتاب ان جميع اخوة يوسف (ع) وما ساير اسباط يعقوب (ع) كادوا يوسف (ع) بما حكاه الله تعالى من الكيد. وقد قيل ان هؤلاء الاخوة في تلك الاحوال لم يكونوا بلغوا الحلم ولا توجه إليهم التكليف. وقد يقع ممن قارب البلوغ من الغلمان مثل هذه الافعال ، وقد يلزمهم بعض العقاب واللوم والذم ، فإن ثبت هذا الوجه سقطت المسألة ايضا ، مع تسليم ان هؤلاء الاخوة كانوا انبياء في المستقبل. تنزيه يعقوب عن التغرير بولده (مسألة) فإن قيل : فلم ارسل يعقوب (ع) يوسف مع اخوته ، مع خوفه عليه منهم ، وقوله :( واخاف ان يأكله الذئب وانتم عنه غافلون ) وهل هذا إلا تغرير به ومخاطرة؟. (الجواب) : قيل له : ليس يمتنع ان يكون يعقوب (ع) لما رأى من بنيه ما رأى من الايمان والعهود والاجتهاد في الحفظ والرعاية لاخيهم ، ظن مع ذلك السلامة وغلبة النجاة ، بعد أن كان خائفا مغلبا لغير السلامة. وقوي في نفسه أن يرسله معهم اشفاقا من ايقاع الوحشة والعداوة بينهم ، لانه إذا لم يرسله مع الطلب منهم والحرص ، علموا ان سبب ذلك هو التهمة لهم والخوف من ناحيتهم فأستوحشوا منه ومن يوسف (ع) ، وانضاف هذا الداعي إلى ما ظنه من السلامة والنجاة ، فأرسله. تنزيه يعقوب عن تكذيب الصادق : (مسألة) : فان قالوا : فما معنى قولهم ليعقوب (ع) :( وما انت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ) وكيف يجوز ان ينسبوه إلى انه لا يصدق الصادق ويكذبه؟. (الجواب) : انهم لما علموا على مرور الايام بشدة تهمة ابيهم لهم وخوفه على اخيهم منهم لما كان يظهر منهم من امارات الحسد والمنافسة ، ايقنوا بأنه (ع) يكذبهم فيما اخبروا به من أكل الذئب اخاهم ، فقالوا له إنك لا تصدقنا في هذا الخبر لما

٤٤

سبق إلى قلبك من تهمتنا وان كنا صادقين. وقد يفعل مثل ذلك المخادع المماكر إذا اراد ان يوقع في قلب من يخبره بالشئ صدقه ، لان القتل من أفظع مصائب الدنيا ، فيقول انا اعلم انك لا تصدقني في كذا وكذا. وان كنت صادقا ، وهذا بين. تنزيه يعقوب عن الحزن المكروه : (مسألة) فان قيل : فلم اسرف يعقوب (ع) في الحزن والتهالك وترك التماسك حتى ابيضت عيناه من البكاء والحزن ، ومن شأن الانبياء عليهم السلام التجلد والتصبر وتحمل الاثقال ، ولولا هذه الحال ما عظمت منازلهم وارتفعت درجاتهم؟ الجواب : قيل له ان يعقوب عليه السلام بلي وامتحن في ابنه بما لم يمتحن به احد قبله ، لان الله تعالى رزقه مثل يوسف عليه السلام احسن الناس واجملهم واكملهم عقلا وفضلا وادبا وعفافا ثم اصيب به اعجب مصيبة واطرفها ، لانه لم يمرض بين يديه مرضا يؤول إلى الموت فيسليه عنه تمريضه له ثم يأسه منه بالموت ، بل فقده فقدا لا يقطع معه على الهلاك فييأس منه ، ولا يجد إمارة على حياته وسلامته ، فيرجو ويطمع. وكان متردد الفكر بين يأس وطمع ، وهذا اغلظ ما يكون على الانسان وانكأ لقلبه ، وقد يرد على الانسان من الحزن ما لا يملك رده ولا يقوى على دفعه. ولهذا لم لا يكون احدنا منهيا عن مجرد الحزن والبكاء ، وانما نهي عن اللطم والنوح ، وان يطلق لسانه فيما يسخط ربه وقد بكى نبينا صلى الله عليه وآله على ابنه ابراهيم عند وفاته. وقال : العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول ما يسخط الرب ، وهو القدرة في جميع الآداب والفضائل على ان يعقوب (ع) انما ابدى من حزنه يسيرا من كثير ، وكان ما يخفيه ويتصبر عليه ويغالبه اكثر وأوسع مما اظهره. وبعد ، فإن التجلد على المصائب وكظم الغيظ والحزن من المندوب إليه ، وليس بواجب ولا لازم ، وقد يعدل الانبياء عن كثير من المندوبات الشاقة ، وان كانوا يفعلون من ذلك الكثير. حول الرؤيا التي رآها يوسف (ع) : (مسألة) فان قيل : كيف لم يتسل يعقوب (ع) ويخفف عنه الحزن ما يحققه من رؤيا ابنه يوسف ،

٤٥

ورؤيا الانبياء (ع) لا تكون إلا صادقة؟. (الجواب) قيل له في ذلك جوابان : احدهما ان يوسف (ع) رأى تلك الرؤيا وهو صبي غير نبي ولا موحى إليه ، فلا وجه في تلك الحال للقطع على صدقها وصحتها. والآخر ان اكثر ما في هذا الباب ان يكون يعقوب (ع) قاطعا على بقاء ابنه ، وان الامر سيؤول فيه إلى ما تضمنته الرؤيا ، وهذا لا يوجب نفي الحزن والجزع ، لانا نعلم ان طول المفارقة واستمرار الغيبة يقتضيان الحزن ، مع القطع على ان المفارق باق يجوز أن يؤول حال إلى القدوم؟ وقد جزع الانبياء عليهم السلام ومن جرى مجراهم من المؤمنين المطهرين من مفارقة اولادهم واحبائهم ، مع يقينهم بالالتقاء بهم في الآخرة والحصول معهم في الجنة. والوجه في ذلك ما ذكرناه.

يوسف بن يعقوب عليهما السلام

تنزيه يوسف عن الصبر على الاستعباد : مسألة : فان قيل : كيف صبر يوسف عليه السلام على العبودية ، ولم لم ينكرها ويبرأ من الرزق ، وكيف يجوز على النبي الصبر على ان يستعبد ويسترق؟ (الجواب) قيل له : إن يوسف عليه السلام في تلك الحال لم يكن نبيا على ما قاله كثير من الناس ، ولما خاف على نفسه القتل جاز ان يصبر على الاسترقاق. ومن ذهب إلى هذا الوجه يتناول قوله تعالى :( واوحينا إليه لتنبئنهم بامرهم هذا وهم لا يشعرون ) . على ان الوحي لم يكن في تلك الحال ، بل كان في غيرها. ويصرف ذلك إلى الحال المستقبلة المجمع على انه كان فيها نبيا. ووجه آخر :

٤٦

وهو أن الله تعالى لا يمتنع ان يكون امره بكتمان امره والصبر على مشقة العبودية امتحانا وتشديدا في التكليف ، كما امتحن ابويه ابراهيم واسحق عليهما السلام ، أحدهما بنمرود والآخر بالذبح. ووجه آخر : وهو انه يجوز ان يكون قد خبرهم بأنه غير عبد ، وأنكر عليهم ما فعلوا من استرقاقه ، الا أنهم لم يسمعوا منه ولا اصغوا إلى قوله ، وإن لم ينقل ذلك. فليس كل ما جرى في تلك الازمان قد اتصل بنا. ووجه آخر : وهو أن قوما قالوا انه خاف القتل ، فكتم أمر نبوته وصبر على العبودية. وهذا جواب فاسد لان النبي (ع) لا يجوز ان يكتم ما ارسل به خوفا من القتل ، لانه يعلم ان الله تعالى لم يبعثه للاداء إلا وهو عاصم له من القتل حتى يقع الاداء وتسمع الدعوة ، وإلا لكان ذلك نقضا للغرض. (مسألة) : فإن قيل : فما تأويل قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام وامرأة العزيز (ولقد همت به وهم بها لولا ان رآى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين). (الجواب) : ان الهم في اللغة ينقسم إلى وجوه : منها العزم على الفعل كقوله تعالى :( إذ هم قوم ان يبسطوا اليكم ايديهم فكف ايديهم عنكم ) اي ارادوا ذلك وعزموا عليه. قال الشاعر : هممت ولم افعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله ومثله قول الخنساء : وفضل مرداسا على الناس حلمه * وان كل هم همه فهو فاعله ومثله قول حاتم الطائي : ولله صلعوك يساور همه * ويمضي على الايام والدهر مقدما ومن وجوه الهم ، خطور الشئ بالبال وان لم يقع العزم عليه. قال الله تعالى :( إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا والله وليهما ) وانما اراد تعالى ان الفشل خطر ببالهم ، ولو كان الهم في هذا المكان عزما ، لما كان الله تعالى ولا هما لانه تعالى يقول :( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) وارادة المعصية ، والعزم عليها معصية. وقد تجاوز ذلك قوم حتى قالوا ان العزم على الكبيرة كبيرة وعلى الصغيرة صغيرة وعلى الكفر كفر. ولا يجوز ان يكون الله تعالى ولي من عزم على الفرار عن نصرة نبيه صلى الله عليه وآله واسلامه إلى السوء ، ومما يشهد ايضا بذلك قول كعب بن زهير : فكم فيهم من سيد متوسع * ومن فاعل للخير ان هم أو عزم ففرق كما ترى بين الهم والعزم. وظاهر التفرقة قد يقتضي اختلاف المعنى. ومن وجوه الهم ان يستعمل بمعنى المقاربة ، فيقولون هم بكذا وكذا اي كاد ان يفعله. قال ذو الرمة : أقول لمسعود

٤٧

بجرعاء مالك * وقد هم دمعي ان يلج اوائله والدمع لا يجوز عليه العزم ، وإنما اراد انه كاد وقرب. وقال ابو الاسود الدؤلي : وكنت متى تهمم يمينك مرة * لتفعل خيرا تقتفيها شمالكا وعلى هذا خرج قوله تعالى جدارا يريد ان ينقض اي يكاد. قال الحارثي : يريد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل ومن وجوه الهم الشهوة وميل الطباع ، لان الانسان قد يقول فيما يشتهيه ويميل طبعه إليه : ليس هذا من همي وهذا أهم الاشياء الي. والتجوز باستعمال الهمة مكان الشهوة ظاهر في اللغة. وقد روي هذا التأويل عن الحسن البصري قال : أما همها فكان اخبث الهم ، واما همه (ع) فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء. فإذا كانت وجوه هذه اللفظة مختلفة متسعة على ما ذكرناه نفينا عن نبي الله ما لا يليق به وهو العزم على القبيح ، واجزنا باقي الوجوه لان كل واحد منها يليق بحاله. فإن قيل : فهل يسوغ حمل الهم في الآية على العزم والارادة؟ ويكون مع ذلك لها وجه صحيح يليق بالنبي (ع)؟. قلنا : نعم ، متى حملنا الهم ههنا على العزم ، جاز أن نعلقه بغير القبيح ويجعله متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه ، كما يقول القائل : قد كنت هممت بفلان ، أي بأن اوقع به ضربا أو مكروها. تنزيه يوسف عن العزم على المعصية : فإن قيل : فأي فائدة على هذا التأويل في قوله تعالى :( لولا ان رأى برهان ربه ) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها؟. قلنا : يجوز ان يكون لما هم بدفعها وضربها ، اراه الله تعالى برهانا على انه ان اقدم على من هم به اهلكه اهلها وقتلوه ، أو أنها تدعي عليه المراودة على القبيح ، وتقذفه بأنه دعاها إليه وضربها لامتناعها منه ، فأخبر الله تعالى أنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل والمكروه ، أو ظن القبيح به أو اعتقاده فيه. فإن قيل : هذا الجواب يقضي لفظة (لولا) يتقدمها في ترتيب الكلام ، ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بضربها ، وتقدم جواب (لولا) قبيح ، أو يقتضي أن يكون (لولا) بغير جواب

٤٨

قلنا : اما جواب (لولا) فجائز مستعمل ، وسنذكر ذلك فيما نستأنفه من الكلام عند الجواب المختص بذلك ، ونحن غير مفتقرين إليه في جوابنا هذا ، لان العزم على الضرب والهم به قد وقع ، إلا انه انصرف عنه بالبرهان الذى رآه ، ويكون تقدير الكلام وتلخيصه : «ولقد همت به وهم بدفعها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك». فالجواب المتعلق بلولا محذوف في الكلام ، كما يحذف الجواب في قوله تعالى :( ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله رؤوف رحيم ) ، معناها : ولولا فضل الله عليكم ورحمته ، وأن الله رؤوف رحيم لهلكتم ، وملثه (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم) معناها لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا ولم تحرصوا على حطامها. وقال امروء القيس : فلو انها نفس تموت سوية * ولكنها نفس تساقط انفسا اراد فلو أنها نفس تموت سوية لتقضت وفنيت ، فحذف الجواب تعويلا على ان الكلام يقتضيه ويتعلق به. على أن من حمل هذه الاية على الوجه الذى لا يليق بنبى الله ، وأضاف العزم على المعصية إليه ، لا بد له من تقدير جواب محذوف. ويكون التقدير على تأويله : ولقد همت بالزنى وهم بمثله ، لولا أن رأى برهان ربه لفعله. فان قيل : متى علقتم العزم في الاية والهم بالضرب أو الدفع كان ذلك مخالفا للظاهر. قلنا : ليس الامر على ما ظنه هذا السائل ، لان الهم في هذه الاية متعلق بما لا يصح ان يتعلق به العزم والارادة على الحقيقة ، لانه تعالى قال :( ولقد همت به وهم بها ) فتعلق الهم في ظاهر الكلام بذواتهما ، والذات الموجودة الباقية لا يصح ان تراد ويعزم عليها ، فلا بد من تقدير امر محذوف يتعلق العزم به مما يرجع اليهما ويختصان به ورجوع الضرب والدفع اليهما كرجوع ركوب الفاحشة فلا ظاهر للكلام يقتضي خلاف ما ذكرناه ، ألا ترى ان القائل إذا قال : قد هممت بفلان فظاهر الكلام يقتضي تعلق عزمه وهمه إلى أمر يرجع إلى فلان ، وليس بعض الافعال بذلك اولى من بعض ، فقد يجوز ان يريد انه هم بقصده أو باكرامه أو بإهانته أو غير ذلك من ضروب الافعال ، على انه لو كان للكلام ظاهر

٤٩

يقتضى خلاف ما ذكرناه ، وان كنا قد بينا ان الامر بخلاف ذلك لجاز ان نعدل عنه ونحمله على خلاف الظاهر ، للدليل العقلي الدال على تنزيه الانبياء عليهم السلام عن القبائح. فإن قيل : الكلام في قوله تعالى :( ولقد همت به وهم بها ) خرج مخرجا واحدا. فلم جعلتم همها به متعلقا بالقبح؟ وهمه بها متعلقا بالضرب والدفع على ما ذكرتم؟ قلنا : أما الظاهر ، فلا يدل الامر الذي تعلق به الهم والعزم منهما جميعا ، وإنما اثبتنا همها به متعلقا بالقبيح لشهادة الكتاب ، والآثار بذلك. وهى ممن يجوز عليها فعل القبيح ، ولم يؤمن دليل ذلك من جوازه عليها كما أمن ذلك فيه (ع) ، والموضع إلى يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى :( وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين ) وقوله تعالى :( وراودته التى هو في بيتها عن نفسه ) وقوله تعالى حاكيا عنها (الآن حصحص الحق اناراودته عن نفسه وانه لمن الصادقين) وفى موضع آخر :( قالت فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) . والآثار واردة باطباق مفسري القرآن ومتأوليه ، على أنها همت بالمعصية والفاحشة ، وأما هو عليه السلام فقد تقدم من الادلة العقلية ما يدل على انه لا يجوز ان يفعل القبيح ولا يعزم عليه. وقد استقصينا ذلك في صدر هذا الكتاب. فأما ما يدل من القرآن ، على انه عليه السلام ما هم بالفاحشة ولا عزم عليها فمواضع كثيرة منها قوله تعالى :( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) وقوله تعالى( ذلك ليعلم انى لم اخنه بالغيب ) ولو كان الامر كما قال الجهال من جلوسه منها مجلس الخائن وانتهائه إلى حل السراويل وحوشي من ذلك ، لم يكن السوء والفحشاء منصرفين عنه ، ولكان خائنا بالغيب ، وقوله تعالى حاكيا عنها : (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) وفي موضع آخر : (انا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين) وقول العزيز لما رأى القميص قد من دبر (انه من كيدكن ان كيدكن عظيم) فنسب الكيد إلى المرأة دونه ، وقوله تعالى حاكيا عن زوجها لما وقف على ان الذنب منها وبراءة يوسف (ع) منه :

٥٠

(يوسف اعرض عن هذا واستغفري لذنبك انك كنت من الخاطئين) وعلى مذهبهم الفاسد ان كل واحد منهما مخطئ فيجب ان يستغفر فلم اختصت بالاستغفار دونه ، وقوله تعالى حاكيا عنه :( رب السجن احب الي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن اصب اليهن واكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن انه هو السميع العليم ) فالاستجابة تؤذن ببراءته من كل سوء ، وتنبئ أنه لو فعل ما ذكروه لكان قد يصرف عنه كيدهن. وقوله تعالى :( قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ) والعزم على المعصية من أكبر السوء ، وقوله تعالى حاكيا عن الملك : (اتونى به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال انك اليوم لدينا مكين أمين) ولا يقال ذلك فيمن فعل ما ادعوه عليه. فإن قيل : فأي معنى لقول يوسف : (وما أبرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربى غفور رحيم). قلنا : انما أراد الدعاء والمنازعة والشهوة ولم يرد العزم على المعصية ، وهو لا يبرئ نفسه مما لا تعرى منه طباع البشر. وفى ذلك جواب آخر اعتمده ابو على الجبائى واختاره ، وان كان قد سبق إليه جماعة من اهل التأويل وذكروه ، وهو ان هذا الكلام الذي هو «وما ابرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء» إنما هو من كلام المرأة لا من كلام يوسف عليه السلام. واستشهدوا على صحة هذا التأويل بأنه منسوق على الكلام المحكي عن المرأة بلا شك. ألا ترى انه تعالى قال :( قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وان الله لا يهدى كيد الخائنين وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء ) فنسق الكلام على كلام المرأة وعلى هذا التأويل يكون التبرؤ من الخيانة الذى هو ذلك «ليعلم انى لم اخنه بالغيب» من كلام المرأة لا من كلام يوسف (ع) ويكون المكنى عنه في قولها (انى لم اخنه بالغيب) هو يوسف (ع) دون زوجها ، لان زوجها قد خانته في الحقيقة بالغيب ، وانما ارادت انى لم اخن يوسف (ع) وهو غائب في

٥١

السجن ، ولم أقل فيه لما سئلت عنه وعن قصتي معه الا الحق ، ومن جعل ذلك من كلام يوسف (ع) جعله محمولا على انى لم اخن العزيز في زوجته بالغيب ، وهذا الجواب كأنه اشبه بالظاهر ، لان الكلام معه لا ينقطع عن اتساقه وانتظامه. فإن قيل : فأي معنى لسجنه إذا كان عند القوم متبرئا من المعصية متنزها عن الخيانة قلنا : قد قيل ان العلة في ذلك الستر على المرأة والتمويه والكتمان لامرها حتى لا تفتضح وينكشف أمرها لكل أحد ، والذى يشهد بذلك قوله تعالى :( ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ) وجواب آخر في الآية على ان الهم فيها هو العزم ، وهو ان يحمل الكلام على التقديم والتأخير ، ويكون تلخيصه «ولقد همت به ولولا ان رأى برهان ربه لهم بها» ويجرى ذلك مجرى قولهم : قد كنت هلكت لولا ان تداركتك ، وقتلت لولا انى قد خلصتك. والمعنى لولا تداركي لهلكت ولولا تخليصي لقتلت ، وإن لم يكن وقع في هلاك ولا قتل. قال الشاعر : ولا يدعنى قومي صريخا لحرة * لئن كنت مقتولا ويسلم عامر وقال الآخر : فلا يدعنى قومي ليوم كريهة * لئن لم اعجل طعنه أو اعجل فقدم جواب لئن في البيتين جميعا. وقد استبعد قوم تقديم جواب لولا عليها ، وقالوا لو جاز ذلك لجاز قولهم ، قام زيد لولا عمرو ، وقصدتك لولا بكر. وقد بينا بما اوردناه من الامثلة والشواهد جواز تقديم جواب لولا ، وان القائل قد يقول قد كنت قمت لولا كذا وكذا ، وقد كنت قصدتك لولا ان صدني فلان ، وان لم يقع قيام ولا قصد. وهذا هو الذي يشبه الآية دون ما ذكروه من المثال. وبعد ، فان في الكلام شرطا وهو قوله تعالى :( لو لا ان رأى برهان ربه ) ، فكيف يحمل على الاطلاق مع حصول الشرط؟ فليس لهم ان يجعلوا جواب لولا محذوفا ، لان جعل جوابها موجودا أولى. وليس تقديم جواب لولا بأبعد من حذفه جملة من الكلام. وإذا جاز عندهم الحذف لئلا يلزم تقديم الجواب جاز لغيرهم تقديم الجواب حتى لئن لا يلزم الحذف.

٥٢

فإن قيل : فما البرهان الذى رآه يوسف عليه السلام حتى انصرف لاجله عن المعصية ، وهل يصح ان يكون البرهان ما روي من ان الله تعالى اراه صورة ابيه يعقوب (ع) عاضا على اصبعه متوعدا له على مقاربة المعصية ، أو يكون ما روي من ان الملائكة نادته بالنهي والزجر في الحال فأنزجر. قلنا : ليس يجوز ان يكون البرهان الذي رآه فانزجر به عن المصعية ما ظنه العامة من الامرين اللذين ذكرناهما ، لان ذلك يفضي إلى الالجاء وينافي التكليف ويضاد المحنة ، ولو كان الامر على ما ظنوه لما كان يوسف عليه السلام يستحق بتنزيهه عما دعته إليه المرأة من المعصية مدحا ولا ثوابا ، وهذا من اقبح القول فيه (ع) ، لان الله تعالى قد مدحه بالامتناع عن المعصية واثنى عليه بذلك فقال تعالى :( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين ) ، فأما البرهان ، فيحتمل ان يكون لطفا لطف الله تعالى به في تلك الحال أو قبلها ، فاختار عنده الامتناع من المعاصي والتنزه عنها ، وهو الذي يقتضى كونه معصوما لان العصمة هي ما اختير (ما اختار) عنده من الالطاف ، التنزه عن القيح والامتناع من فعله. ويجوز ان يكون معنى الرؤية ههنا بمعنى العلم ، كما يجوز ان يكون بمعنى الادراك ، لان كلا الوجهين يحتمله القول. وذكر آخرون : ان البرهان ههنا انما هو دلالة الله تعالى ليوسف (ع) على تحريم ذلك الفعل ، وعلى ان من فعله استحق العقاب لان ذلك ايضا صارف عن الفعل ومقو لدواعي الامتناع منه وهذا ايضا جايز. تنزيه يوسف عن محبة المعصية : (مسألة) : فإن قيل : كيف يجوز ان يقول يوسف (ع) :( رب السجن احب الي مما يدعونني إليه ) ، ونحن نعلم ان سجنهم له معصية ومحنة ، كما ان ما دعوه إليه معصية ، ومحبة المعصية عند كم لا تكون الا قبيحة. (الجواب) : قلنا : في تأويل هذه الآية جوابان : احدهما : انه اراد بقوله (احب الي) اخف على واسهل ، ولم يرد المحبة التي هي الارادة على الحقيقة. وهذا يجري مجرى ان يخير أحدنا بين الفعلين ينزلان به ويكرههما ويشقان

٥٣

عليه ، فيقول في الجواب كذا احب إلى ، وانما يريد ما ذكرناه من السهولة والخفة. والوجه الآخر : انه اراد ان توطيني نفسي وتصبيري لها على السجن احب الي من مواقعة المعصية. فان قيل : هذا خلاف الظاهر لانه مطلق وقد اضمرتم فيه. قلنا : لابد من مخالفة الظاهر ، لان السجن نفسه لا يجوز ان يكون مرادا ليوسف (ع) ، وكيف يريده وانما السجن البنيان المخصوص ، وإنما يكون الكلام ظاهره يخالف ما قلناه ، إذا قرأ : رب السجن (بفتح السين) وان كانت هذه القراءة ايضا محتملة للمعنى الذي ذكرناه ، فكأنه أراد ان سجني نفسي عن المعصية احب إلى من مواقعتها. فرجع معنى السجن إلى ويشقان : بمعنى يثقلان فعله دون افعالهم ، وإذا كان الامر على ما ذكرناه ، فليس للمخالف ان يضمر في الكلام ان كوني في السجن وجلوسي فيه احب الي ، بأولى ممن اضمر ما ذكرنا ، لان كلا الامرين يعود إلى السجن ويتعلق به. فان قيل : كيف يقول السجن احب الي مما يدعونني إليه وهو لا يحب ما دعوه إليه على وجه من الوجوه ، ومن شأن هذه اللفظة ان تستعمل بين شيئين مشتركين في معناها. قلنا : قد تستعمل هذه اللفظة فيما لا اشتراك فيه ، ألا ترى ان من خير بين ما يكرهه وما يحبه ساغ له ان يقول : هذا احب الي من هذا ، وان يخير هذا احب الي من هذا ، إذا كان في محبته ، وإنما سوغ ذلك على احد الوجهين دون الآخر ، لان المخير بين الشيئين في الاصل لا يخير بينهما إلا وهما مرادان له أو مما يصح ان يريدهما. فموضوع التخيير يقتضى ذلك ، وان حصل فيما يخالف أصل موضوعه. ومن قال وقد خير بين شيئين لا يحب احدهما : هذا أحب الي ، انما يكون مجيبا بما يقتضيه اصل الموضوع في التخيير ، ويقارب ذلك قوله تعالى( قل اذلك خير ام جنة الخلد ) ونحن نعلم انه لا خير في العقاب ، وانما حسن القول لوقوعه التقريع

٥٤

والتوبيخ على اختيار المعاصي على الطاعات. وانهم ما أثروها إلا لاعتقادهم ان فيها خيرا ونفعا. فقيل أذلك خير على ما تظنوه وتعتقدونه أم كذا وكذا ، وقد قال قوم في قوله تعالى :( أذلك خير ) : أنه انما حسن لا شتراك الحالتين في باب المنزلة ، وان لم يشتركا في الخير والنفع كما قال تعالى :( خير مستقرا وأحسن مقيلا ) ومثل هذا المعنى يتأتى في قوله : رب السجن أحب إلي ، لان الامرين يعني : المعصية ودخول السجن ، مشتركان في أن لكل منها داعيا وعليه باعثا ، وان لم يكن مشتركا في تناول المحبة ، فجعل اشتراكهما في دواعى المحبة اشتراكا في المحبة نفسها ، وأجرى اللفظ على ذلك. فان قيل : كيف يقول وإلا تصرف عنى كيدهن اصب إليهن واكن من الجاهلين؟ وعندكم ان امتناع القبيح منه (ع) ليس مشروط بارتفاع الكيد عنه بل هو ممتنع منه وان وقع الكيد. قلنا أنما أراد يوسف (ع) انك متى لم تلطف بي لما تدعوني إلى مجانبة الفاحشة وتثبتني على تركها صبوت ، وهذا منه انقطاع إلى الله تعالى وتسليم لامره ، وانه لولا معونته ولطفه ما نجي من الكيد ، والكلام وان تعلق في الظاهر بالكيد نفسه فقال (ع) (والا تصرف عنى كيدهن) فالمراد به الا تصرف عني ضرر كيدهن لانهن انما أجرين بالكيد إلى مساعدته لهن على المعصية ، فإذا عصم منها ولطف له في الانصراف عنها كان الكيد مصروفا عنه من حيث لم يقع ضرره ، وما اجري به إليه ، ولهذا يقال لمن اجرى بكلامه إلى غرض لم يقع ما قلت شيئا. ولمن فعل ما لا تأثير له : ما فعلت شيئا. وهذا بين والحمد الله تعالى. تنزيه يوسف (ع) عن التعويل على غير الله : (مسألة) : فإن قيل : كيف يجوز على يوسف عليه السلام وهو نبي مرسل ان يعول في اخراجه من السجن على غير الله تعالى ويتخذ سواه وكيلا في ذلك ، في قوله للذي كان معه :( اذكرني عند ربك ) حتى وردت الروايات ان سبب طول حبسه (ع) انما كان لانه

٥٥

عول على غير الله تعالى؟. (الجواب) : قلنا : ان سجنه (ع) إذا كان قبيحا ومنكرا فعليه ان يتوصل إلى ازالته بكل وجه وسبب ، ويتشبث إليه بكل ما يظن أنه يزيله عنه ، ويجمع فيه بين الاسباب المختلفة ، فلا يمتنع على هذا ان يضم إلى دعائه الله تعالى ورغبته إليه في خلاصه من السجن ان يقول لبعض من يظن انه سيؤدي قوله :( اذكرني ونبه على خلاصي ) وانما القبيح ان يدع التوكل ويقتصر على غيره فأما ان يجمع بين التوكل والاخذ بالحزم فهو الصواب الذي يقتضيه الدين والعقل. ويمكن ايضا ان يكون الله تعالى اوحى إليه بذلك وأمره بأن يقول للرجل ما قاله. تنزيه يوسف عن إلحاق الاذى بأبيه : (مسألة) : فإن قيل : فما الوجه في طلب يوسف (ع) اخاه من إخوته ثم حبسه له عن الرجوع إلى ابيه مع علمه بما يلحقه عليه من الحزن ، وهل هذا الا اضرارا به وبأبيه؟. (الجواب) : قلنا : الوجه في ذلك ظاهر لان يوسف (ع) لم يفعل ذلك إلا بوحي من الله إليه ، وذلك امتحان منه لنبيه يعقوب عليه السلام وابتلاء لصبره ، وتعريض للعالي من منزلة الثواب ، ونظير لك امتحانه له (ع) بأن صرف عنه خبر يوسف (ع) طول تلك المدة حتى ذهب بالبكاء عليه ، وإنما امرهم يوسف (ع) بأن يلطفوا بأبيهم في ارساله من غير ان يكذبوه ويخدعوه. فان قيل : أليس قد قالوا سنراود عنه اباه وإنا لفاعلون ، والمراودة هي الخداع والمكر. قلنا : ليس المراودة ما ظننتم ، بل هي التلطف والتسبب والاحتيال ، وقد يكون ذلك من جهة الصدق والكذب جميعا ، فإنما امرهم بفعله على احسن الوجوه فإن خالفوه فلا لوم إلا عليهم. تنزيه يوسف عن الكذب وتهمة اخوته : (مسألة) : فان قيل : فما معنى جعل السقاية في رحل اخيه وذلك تعريض منه لاخيه بالتهمة ، ثم ان اذن مؤذنه ونادى بأنهم سارقون ولم يسرقوا على الحقيقة؟. (الجواب) : قلنا : أما جعله السقاية في رحل اخيه ، فالغرض فيه التسبب إلى احتباس اخيه عنده ، ويجوز ان يكون ذلك بأمر الله تعالى ، وقد روى أنه (ع)

٥٦

اعلم اخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسك به ، فقد خرج على هذا القول من ان يكون مدخلا على اخيه غما وترويعا بما جعله من السقاية في رحله ، وليس بمعرض له للتهمة بالسرقة ، لان وجود السقاية في رحله يحتمل وجوها كثيرة غير السرقة ، وليس يجب صرفه إليها الا بدليل. وعلى من صرف ذلك إلى السرقة من غير طريق اللوم في تقصيره وتسرعه ، ولا ظاهر ايضا لوجود السقاية في الرحل يقتضي السرقة ، لان الاشتراك في ذلك قائم ، وقرب هذا الفعل من سائر الوجوه التى يحتملها على حد واحد. فأما نداء المنادي بأنهم سارقون فلم يكن بأمره (ع) ، وكيف يأمر بالكذب وإنما نادى بذلك احد القوم لما فقدوا الصواع ، وسبق إلى قلوبهم انهم سرقوه ، وقد قيل ان المراد بأنهم سارقون انهم سرقوا يوسف (ع) من ابيه واوهموه انهم يحفظونه فضيعوه ، فالمنادي صادق على هذا الوجه ، ولا يمتنع ان يكون النداء بإذنه (ع). غير ان ظاهر القصة واتصال الكلام بعضه ببعض يقتضى ان يكون المراد بالسرقة سرقة الصواع الذي تقدم ذكره واحسوا فقده ، وقد قيل ان الكلام خارج مخرج الاستفهام ، وان كان ظاهره الخبر كأنه قال :( إنكم لسارقون ) فاسقط الف الاستفهام كما سقطت في مواضع قد تقدم ذكرها في قصة ابراهيم (ع). وهذا الوجه فيه بعض الضعف لان الف الاستفهام لا تكاد تسقط إلا في موضع يكون على سقوطها دلالة في الكلام ، مثل قول الشاعر : كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا تنزيه يوسف (ع) عن تعمده بعدم تسكين نفس أبيه : (مسألة) : فان قيل : فما بال يوسف (ع) لم يعلم اباه بخبره لتسكن نفسه ويزول وجده وهمه مع علمه بشدة تحرقه وعظم قلقه؟. (الجواب) : قلنا في ذلك وجهان : احدهما : ان ذلك كان له ممكنا وكان عليه قادرا ، فأوحى الله تعالى إليه بأن يعدل عن اطلاعه على خبره تشديدا للمحنة عليه وتعريضا للمنزلة الرفيعة في البلوى وله تعالى ان يصعب التكليف وان يسهله. والوجه الآخر : انه جائز أن

٥٧

يكون (ع) لم يتمكن من ذلك ولا قدر عليه فلذلك عدل عنه. تنزيه يوسف (ع) عن الرضا بالسجود له : (مسألة) : فان قيل : فما معنى قوله تعالى :( ورفع ابويه على العرش وخروا له سجدا ) وكيف يرضى بأن يسجدوا له والسجود لا يكون إلا لله تعالى؟. (الجواب) : قلنا في ذلك وجوه : منها : ان يكون تعالى لم يرد بقوله انهم سجدوا له إلى جهته ، بل سجدوا لله تعالى من أجله ، لانه تعالى جمع بينهم وبينه ، كما يقول القائل : انما صليت لوصولي إلى اهلي ، وصمت لشفائي من مرضي. وإنما يريد من اجل ذلك. فان قيل : هذا التأويل يفسده قوله تعالى :( يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ) قلنا : ليس هذا التأويل بمانع من مطابقة الرؤيا المتقدمة في المعنى دون الصورة ، لانه (ع) لما رأى سجود الكواكب والقمرين له كان تأويل ذلك بلوغه أرفع المنازل وأعلى الدرجات ونيله أمانيه واغراضه ، فلما اجتمع مع أبويه ورأياه في الحال الرفيعة العالية ونال ما كان يتمناه من اجتماع الشمل ، كان ذلك مصدقا لرؤياه المتقدمة. فلذلك قال :( هذا تأويل رؤياي من قبل ) . فلا بد لمن ذهب إلى أنهم سجدوا له على الحقيقة من أن يجعل ذلك مطابقا للرؤيا المتقدمة في المعنى دون الصورة ، لانه ما كان رأى في منامه ان اخوته وأبويه سجدوا له ، ولا رأى في يقظته الكواكب تسجد له. فقد صح ان التطابق في المعنى دون الصورة. ومنها : أن يكون السجود لله تعالى ، غير أنه كان إلى جهة يوسف (ع) ونحوه ، كما يقال : صلى فلان إلى القبلة وللقبلة. وهذا لا يخرج يوسف (ع) من التعظيم ، ألا ترى أن القبلة معظمة وإن كان السجود لله تعالى نحوها. ومنها : أن السجود ليس يكون بمجرده عبادة حتى يضاف إليه من الافعال ما يكون عبادة ، فلا يمتنع أن يكون سجدوا له على سبيل التحية والاعظام والاكرام ، ولا يكون ذلك منكرا لانه لم يقع على وجه العبادة التي يختص بها القديم تعالى وكل هذا واضح. تنزيه يوسف (ع) عن طاعة الشيطان : (مسألة) : فان قيل : فما معنى قوله تعالى حكاية عنه (ع) من بعد ان نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي ،

٥٨

وهذا يقتضي ان يكون قد اطاع الشيطان ونفذ فيه كيده ونزغه؟. (الجواب) : قلنا هذه الاضافة لا يقتضي ما تضمنه السؤال ، بل النزغ والقبيح كان منهم إليه لا منه إليهم. ويجري قول القائل : جرى بيني وبين فلان شر ، وإن كان من احدهما ولم يشتركا فيه. (مسألة) : فان قيل : فما معنى قوله عليه السلام للعزيز (اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم) وكيف يجوز ان يطلب الولاية من قبل الظالمين. (الجواب) : قلنا انما التمس تمكينه من خزائن الارض ليحكم فيها بالعدل وليصرفها إلى مستحقها ، وكان ذلك له من غير ولاية. وإنما سئل الولاية للتمكن من الحق الذي له ان يفعله. ولمن لا يتمكن من اقامة الحق أو الامر بالمعروف ان يتسبب إليه ويتصل إلى فعله ، فلا لوم في ذلك على يوسف عليه السلام ولا حرج.

أيوب عليه السلام

في أن ايوب عذب امتحانا ولم يعاقب : (مسألة) : فان قيل : فما قولكم في الامراض والمحن التي لحقت ايوب (ع) أو ليس قد نطق القرآن بأنها كانت جزاء على ذنب في قوله :( اني مسني الشيطان بنصب وعذاب ) والعذاب لا يكون إلا جزاء كالعقاب والآلام الواقعة على سبيل الامتحان لا تسمى عذابا ولا عقابا ، أو ليس قد روى جميع المفسرين ان الله تعالى انما عاقبه بذلك البلاء لتركه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وقصته مشهورة يطول شرحها؟. (الجواب) : قلنا : أما ظاهر القرآن فليس يدل على ان ايوب عليه السلام عوقب بما نزل به من المضار ، وليس في ظاهره شئ مما ظنه السائل ، لانه تعالى قال :( واذكر عبدنا ايوب إذ نادى ربه انى مسني الشيطان بنصب وعذاب ) والنصب هو التعب ، وفيه لغتان بفتح النون والصاد ، وضم النون وتسكين الصاد. والتعب هو المضرة التي لا تختص بالعقاب ، وقد تكون على سبيل الامتحان والاختبار. وأما العذاب فهو ايضا يجري مجرى المضار التى يختص اطلاق ذكرها بجهة دون جهة. ولهذا يقال للظالم

٥٩

والمبتدئ بالظلم انه معذب ومضر ومؤلم ، وربما قيل معاقب على سبيل المجاز. وليست لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب ، لان لفظة العقاب يقتضي ظاهرها الجزاء لانها من التعقيب والمعاقبة ، ولفظة العذاب ليست كذلك. فأما اضافته ذلك إلى الشيطان ، وإنما ابتلاه به فله وجه صحيح ، لانه لم يضف المرض والسقم إلى الشيطان ، وإنما أضاف إليه ما كان يستضربه من وسوسته ويتعب به من تذكيره له ما كان فيه من النعم والعافية والرخاء ، ودعائه له إلى التضجر والتبرم مما هو عليه ، ولانه كان ايضا يوسوس إلى قومه بأن يستقذروه ويتجنبوه ويستخفوه لما كان عليه من الامراض الشنيعة المنتنة ، ويخرجوه من بينهم. وكل هذا ضرر من جهة اللعين ابليس ، وقد روي ان زوجته (ع) كانت تخدم الناس في منازلهم وتصير إليه بما يأكله ويشربه ، وكان الشيطان لعنه الله تعالى يلقي إليهم ان داءه (ع) يعدي ، ويحسن إليهم تجنب خدمة زوجته من حيث كانت تباشر قروحه وتمس جسده ، وهذه مضار لا شبهة فيها. وأما قوله تعالى في سورة الانبياء :( وايوب إذ نادى ربه اني مسني الضر وأنت ارحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه اهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ) فلا ظاهر لها ايضا يقتضي ما ذكروه ، لان الضر هو الضرر الذي قد يكون محنة كما يكون عقوبة. فأما ما روي في هذا الباب عن جملة (جهلة) المفسرين فمما لا يلتفت إلى مثله ، لان هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربهم تعالى والى رسله عليهم السلام كل قبيح ومنكر ، ويقذفونهم بكل عظيم. وفي روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمله المتأمل علم انه موضوع الباطل مصنوع ، لانهم رووا ان الله تعالى سلط ابليس على مال ايوب عليه السلام وغنمه واهله ، فلما اهلكهم ودمر عليهم ورأى من صبره (ع) وتماسكه ، قال ابليس لربه يا رب ان ايوب قد علم انك ستخلف عليه ماله وولده فسلطني على جسده

٦٠