الغدير في الكتاب والسنة والأدب الجزء ٣

الغدير في الكتاب والسنة والأدب0%

الغدير في الكتاب والسنة والأدب مؤلف:
الناشر: دارالكتب الإسلامية
تصنيف: الإمامة
الصفحات: 418

الغدير في الكتاب والسنة والأدب

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: العلامة الشيخ الأميني
الناشر: دارالكتب الإسلامية
تصنيف: الصفحات: 418
المشاهدات: 51110
تحميل: 1987


توضيحات:

الجزء 1 المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 9
المقدمة
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 418 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 51110 / تحميل: 1987
الحجم الحجم الحجم
الغدير في الكتاب والسنة والأدب

الغدير في الكتاب والسنة والأدب الجزء 3

مؤلف:
الناشر: دارالكتب الإسلامية
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

بقية شعراء الغدير

في القرن الثالث

١١ - أبو إسماعيل العلوي

وجدّي وزير المصطفى وابن عمِّه

عليٌّ شهاب الحرب في كلِّ ملحمِ

أليس ببدر كان أوّل قاحم

يطير بحدّ السيف هام المقحَّمِ!؟

وأوَّل صلّى ووحَّد ربَّه

وأفضل زوّار الحطيم وزمزمِ

وصاحب يوم الدوح إذ قام أحمد

فنادى برفع الصوت لا بتهمهمِ

: جعلتك منّي يا عليُّ؟ بمنزل

كهارون من موسى النجيب المكلّمِ

فصلّى عليه الله ما ذرَّ شارقٌ

وأوفت حجور البيت أركب محرمِ(١)

(الشاعر)

أبو إسماعيل محَّمد بن عليِّ بن عبد الله بن العبّاس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن الإمام أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم.

هو من فروع دوح الخلافة، ومن مفاخر العترة الطاهرة، كان يرفل في حلّة المجد الضافية، طافحاً عليه الشرف الظاهر، والسؤدد المعلوم، بين حسبٍ زاكٍ، و ونسبٍ وضئٍ، أحمديُّ المأثرة، علويُّ المنقبة، عبّاسيُّ الشهامة، إلى فضائل كثيرة ينحسر عنها البيان.

قال المرزباني في (معجم الشعراء) ص ٤٣٥: شاعرٌ يكثر الإفتخار بآبائه رضوان الله عليهم، وكان في أيّام المتوكّل وبعده دهراً، وهو القائل:

_____________________

١ - معجم الشعراء للحافظ المرزباني ص ٤٣٥.

١

وإنّي كريمٌ من أكارم سادةٍ

أكفّهمُ تندي بجزل المواهبِ

همُ خير من يحفى وأفضل ناعلٍ

وذروة هضب العرب من آل غالبِ

همُ المنُّ والسلوى لدانٍ بودّهم

وكالسمِّ في حلق العدوِّ المجانبِ

وله:

بعثت إليهم ناظري بتحيَّةٍ

فأبدت لي الأعراض بالنظر الشزرِ

فلمّا رأيت النفس أوفت على الرَّدى

فزعت إلى صبري فأسلمني صبري

أمّا إذا افتخر أبو إسماعيل بآبائه فأيُّ أحد يولده أولئك الأكارم من آل هاشم فلا يكون حقّاً له أن يطأ السماء برجله؟ وأيّ شريف يكون المحتبي بفناء بيته قمر بني هاشم أبو الفضل ثمّ لا تخضع له قمَّة الفلك مجداً وخطراً؟ فإن افتخر المترجم بهؤلاء فقد تبجَّح بنجوم الأرض وأعلام الهدى، ومنار الفضل وسُوى الإيمان.

مَن تلق منهم تلق كهلاً أو فتىً

علم الهدى بحر الندى المورودا

وهذا جدُّه أبو الفضل العبّاس الثاني كان كما قال الخطيب في تاريخ بغداد ١٢ ص ١٣٦: عالماً شاعراً فصيحاً من رجال بني هاشم لساناً وبياناً وشعراً، ويزعم أكثر العلويَّة: إنّه أشعر ولد أبي طالب؛ وكان في صحابة هارون ومن شعره يذكر إخاء أبي طالب (عم النبيِّ) لعبد الله (أبي النبيِّ لأبيه وأمِّه) من بين إخوته:

إنّا وإنَّ رسول الله يجمعنا

أبٌ وأُمٌّ وجدٌّ غير موصومِ

جاءت بنا ربَّة من بين أسرته

غرّاء من نسل عمران بن مخزومِ

حزنا بها دون من يسعى ليدركها

قرابة من حواها غير مسهومِ

رزقاً من الله أعطانا فضيلته

والناس من بين مرزوق ومحرومِ

جاء إلى باب المأمون فنظر إليه الحاجب ثمَّ أطرق فقال له: لو أذن لنا لدخلنا، ولو اعتذر إلينا لقبلنا، ولو صرَّفنا لانصرفنا، فأمّا اللفتة بعد النظرة لا أعرفها(١) ثمَّ أنشد:

وما عن رضاً كان الحمار مطيَّتي

ولكنَّ من يمشي سيرضى بما ركب

ومن درر كلمه الحكميَّة قوله:

_____________________

١ - هذه الجملة حكيت عن تاريخ الخطيب في تذكرة السبط ٣٢ بغير هذه الصورة.

٢

إعلم أنَّ رأيك لا يتَّسع لكلِّ شيئ، ففرِّغه للمهمِّ.

وأنَّ مالك لا يغني الناس كلّهم، فخصَّ به أهل الحقِّ.

وأنَّ كرامتك لا تطيق العامَّة، فتوخَّ بها أهل الفضل.

وأنَّ ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجتك وإن دأبت فيهما، فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك من ذلك.

فإنَّ ما شغلك من رأيك في غير المهمِّ إزراءٌ بالمهمِّ.

وما صرفت من مالك في الباطل فقدته حين تريده للحقِّ.

وما عمدت من كرامتك إلى أهل النقص أضرّك في العجز عن أهل الفضل.

وما شغلك من ليلك ونهارك في غير الحاجة أزرى بك في الحاجة.

وأخو العبّاس هذا: الفضل بن الحسن الذي يأبِّن جدَّه أبا الفضل شهيد الطفِّ سلام الله عليه بقوله:

أحقّ الناس أن يُبكى عليه

فتىً أبكى الحسين بكربلاءِ

أخوه وابن والده عليٍّ

أبو الفضل المضرَّج بالدِّماءِ

ومن واساه لا يثنيه شيءٌ

وجاد له على عطشٍ بماءِ

ذكرها له المؤرِّخ الهندي أشرف علي في كتابه المطبوع [روض الجنان في نيل مشتهى الجنان] وشطَّرها زميلنا العلّامة المتضلّع الشيخ محمد علي الأوردبادي حيِّاه الله فقال:

أحقٌّ الناس أن يُبكى عليه

بدمع شابه علق الدماءِ

بجنب العلقميِّ سريّ فهرٍ

فتىً أبكى الحسين بكربلاءِ

أخوه وابن والده عليٍّ

هزير الملتقى ربُّ اللواءِ

صريعاً تحت مشتبك المواضي

أبو الفضل المضرَّج بالدماءِ

ومن واساه لا يثنيه شيءٌ

عن ابن المصطفى عند البلاءِ

وقد ملك الفرات فلم يذقه

وجاد له على عطشٍ بماءِ

وكان شاعرنا المترجم من رجاحة العقل، ورصافة العارضة، في جانب عظيم

٣

مثيل جدِّه تجري كلماته مجرى الحكم والأمثال منها قوله في رجل من أهله:

إنّي لأكره أن يكون لعلمه فضلُ على عقله، كما أكره أن يكون للسانه فضلٌ على علمه(١) .

١٢ - الوامق النصراني

أليس بخمٍّ قد أقام «محمَّدٌ»

«عليّاً» بإحضار الملا في المواسمِ

فقال لهم: مَن كنت مولاه منكُمُ

فمولاكمُ بعدي «عليّ بن فاطمِ»

فقال: إلهي كن وليَّ وليِّه

وعاد أعاديه على رغم راغمِ

ويقول فيها:

أما ردّ عمراً يوم سلع بباتر

كأنَّ على جنبيه لطخ العنادمِ(٢)

وعاد ابن معدي نحو أحمد خاضعاً

كشارب أثل في خطام الغمايمِ(٣)

وعاديت في الله القبايل كلّها

ولم تخش في الرَّحمن لومة لايمِ

وكنت أحقّ الناس بعد محمد

وليس جهول القوم في حكم عالمِ(٤)

(ما يتبع الشعر)

ربما يستغرب القارئ ما يجده من مدايح النصارى لأمير المؤمنين عليه السلام وهم لا يعتنقون الإسلام فضلاً عن الإعتقاد بالخلافة الإسلاميَّة، ولا غرابة في ذلك فإنَّه جريٌ منهم مع الحقايق الراهنة، وسيرٌ مع التاريخ الصحيح، فإنّ المنصف مهما اعتنق

_____________________

١ - كامل المبرد ١ ص ٥٦.

٢ - السلع: جبل بالمدينة. العندم: الدم والبقم.

٣ - أثل: شجر عظيم لا ثمر له ج أثلة. الخطام: كل ما وضع في فم البعير ليقتاد به. الغمايم جمع الغمامة: خريطة فم البعير. كناية عن نهاية الذلة والخضوع.

٤ - مناقب إبن شهر آشوب ١ ص ٢٨٦، ٥٣٢.

٤

مبدءً غير الإسلام فإنَّه لا يسعه إنكار ما اكتنف مولانا من الفضايل: من نفسيّات كريمة، وعلوم جمَّة، وخوارق لا تحصى؛ وبطولة وبسالة، وما قال فيه نبيُّ الإسلام، الذي لا يعدو عند غير المسلم أن يكون عظيماً من عظماء العالم، وحكيماً من حكمائه، بل أعظم رجالات الدهر كلّهم، لا يرمي القول على عواهنه، فلا بدَّ أن يكون من يثبت له هو صلى الله عليه وآله وسلم تلك الفضايل عظيماً كمثله أو دونه بمرقاة.

كما أنّك تجد الثناء المتواصل على النبيِّ الأعظم أو وصيِّه في كتب لفيف من النصارى واليهود ككتاب.

١ - أقوال محمد تأليف المستر ستنلي لين بول.

٢ - محمد والقرآن تأليف المستر جون وانتبورت.

٣ - محمد والقرآن تأليف الأستاذ مونته.

٤ - عقيدة الإسلام تأليف غولد يسهر.

٥ - العالم الإسلامي تأليف ماكس مايرهوف.

٦ - تاريخ العرب تأليف الأستاذ هوار.

٧ - مفكّري الإسلام تأليف كاداود وفو الافرنسي.

٨ - مهد الإسلام تأليف ألاب لامنس.

٩ - خلاصة تاريخ العرب تأليف سديو الافرنسي.

١٠ - حياة محمد تأليف السير ويليام ميور الانكليزي.

١١ - سيرة محمد تأليف السير وليم موير.

١٢ - مدنيّات الشرق تأليف ألمسيو غروسه.

١٣ - الكياسة الإجماعيَّة تأليف الدكتور وغسطون كرسطا الايطالي.

١٤ - محمد والإسلام تأليف حنادا قنبرت.

١٥ - حياة محمد تأليف المستر دكالون سل.

١٦ - محمد والإسلام تأليف المستر بوسرت اسمت.

١٧ - عرب اسبانيا تأليف ألمسيو دوزي.

١٨ - عن الشرع الدولي تأليف الدكتور نجيب ارمنازي.

٥

١٩ - المعلّم الأكبر تأليف المستر هر برت وايل

٢٠ - الابطال تأليف توماس كارليل الانكليزي

٢١ - الإسلام خواطر وسوانح تأليف هنري دي كاستري الفرنسي

٢٢ - حاضر العالم الإسلامي تأليف لوتروب ستو دارد الاميركي

٢٣ - حِكَم النبيِّ محمد تأليف تولستوي الروسي

٢٤ - مصير المدنيَّة الإسلاميَّة تأليف هو كنيك الفيلسوف الاميركي

٢٥ - سرّ تطوّر الإسلام تأليف غوستاف لوبون الفرنسي

٢٦ - الآراء والمعتقدات تأليف غوستاف لوبون الفرنسي

٢٧ - الحضارات تأليف غوستاف لوبون الفرنسي

٢٨ - التمدّن الإسلامي(١) تأليف غوستاف لوبون الفرنسي

٢٩ - الإسلام ومحمد تأليف والافتنرت

٣٠ محمد والحضارة(٢) تأليف عبد المسبيح أفندي وزير

وغير ذلك مئات من كتبهم حول الإسلام أو نبيّه. وما ذلك إلّا أنّ ما وصفوه من صفات الفضيلة حقايق ناصعة لا يسترها التمويه، ولا يأتي على ذكرها الحدثان، و ذكريات خالدة يحدَّث بها الملوان، ما قام للدهر كيان، وبما أنَّ حديث «الغدير» من هاتيك الحقايق تجد الناس إلباً واحداً في روايته، يهتف به الموالي، ويعترف به الناصب، وينشده المسلم، ويشدو به الكتابيّ.

(الشاعر)

بُقراط بن أشوط الوامق الأرميني النصراني، بطريق(٣) بطارقة أرمينيَّة، و قائدهم الأكبر، وأميرهم المقدَّم في القرن الثالث، عدَّه إبن شهر آشوب في «معالم العلماء» من مقتصدي المادحين لأهل البيت عليهم السَّلام.

قال اليعقوبي في تاريخه ٣ ص ٢١٣، وابن الأثير في الكامل ٧ ص ٢٠: إنَّه

_____________________

١ - طبعت ترجمته بالفارسية بطهران في ٨٠٤ صحيفة.

٢ - مقال نشر في جريدة الاستقلال سنة ١٩٢٧ م.

٣ - البطريق: القائد الحاذق بالحرب وشيء ونها. معرب.

٦

وثب في سنة ٢٣٧ أهل آرمينية بعاملهم يوسف بن محمد فقتلوه، وكان سبب ذلك أنَّ يوسف لما سار إلى أرمينية خرج إليه بطريقٌ يقال له: بقراط بن أشوط. ويقال له: بطريق البطارقة. يطلب الأمان فأخذه يوسف وابنه نعمة فسيَّرهما إلى باب الخليفة «المتوكّل» فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخي بقراط بن أشوط وتحالفوا على قتل يوسف ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة وهو صهر بقراط على ابنته فأتى الخبر يوسف ونهاه أصحابه عن المقام بمكانه فلم يقبل فلمّا جاء الشتاء ونزل الثلج مكثوا حتّى سكن الثلج ثمَّ أتوه وهو بمدينة «طرون»(١) فحصروه بها فخرج إليهم من المدينة فقاتلهم فقتلوه وكلَّ من قاتل معه، وأمّا من لم يقاتل معه فقالوا: له انزع ثيابك وانج بنفسك عرياناً ففعلوا ومشوا حفاةً عراةً فهلك أكثرهم من البرد وسقطت أصابع كثير منهم ونجوا، وكان ذلك في رمضان، وكان يوسف قبل ذلك قد فرَّق أصحابه في رساتيق عمّاله فوجَّه إلى كلِّ طائفة منهم طائفة من البطارقة فقتلوهم في يوم واحد، فلمّا بلغ المتوكّل خبره ووجَّه بغا الكبير إليهم طالباً بدم يوسف فسار إليهم على الموصل والجزيرة فبدأ بأرزن(٢) وبها موسى بن زرارة و له إخوته إسماعيل وسليمان وحمد وعيسى ومحمد وهرون فحمل بغا موسى بن زرارة إلى المتوكّل وأباح على قتله يوسف فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفاً وسبى منهم خلقاً كثيراً فباعهم.

وهناك جمعٌ آخرون من النصارى مدح أمير المؤمنين عليه السلام منهم: شاعرهم زينبا إبن إسحق الرسعني الموصلي النصراني.

ذكر له البيهقي في [المحاسن والمساوي] ١ ص ٥٠، والزمخشري في [ربيع الأبرار]، وأبو حيّان في تفسيره [البحر المحيط] ٦ ص ٢٢١، وأبو العبّاس القسطلاني في [المواهب اللدنيَّة]، وأبو عبد الله الزرقاني المالكي في [شرح المواهب] ٧ ص ١٤، والمقري المالكي في [نفح الطيب] ١ ص ٥٠٥. والشيخ محمد الصبّان في [إسعاف الراغبين] ١١٧ نقلاً عن إمامهم أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي(٣) قوله(٤) :

_____________________

١ - موضع بأرمينية.

٢ - أرزن: مدينة من أرباض أرمينية.

٣ - رضي الدين المولود ٦٠١ والمتوفى ٦٨٠ والمترجم في نفح الطيب ١ ص ١٥٠٥.

٤ - وذكره له شيخنا الفتال في «روضة الواعظين» ١٤٣، وإبن شهر آشوب في «المناقب» ٢ ص ٢٣٧.

٧

عديُّ وتيمُ لا اُحاول ذكرها

بسوءٍ ولكنّي محبٌّ لهاشمِ

وما تعتريني في عليّ ورهطه

إذا ذكروا في الله لومة لائمِ

يقولون: ما بال النصارى تحبّهم

وأهل النهى من أعرب وأعاجمِ؟!

فقلت لهم: إنّي لأحسب حبَّهم

سرى في قلوب الخلق حتى البهايمِ

وذكر الخطيب الخوارزمي في المناقب ٢٨، وإبن شهر آشوب في مناقبه ١ ص ٣٦١، والأربلي في كشف الغمّة ٢٠ لبعض النصارى قوله:

عليٌّ أمير المؤمنين صريمة

وما لسواه في الخلافة مطمعُ

له النسب الأعلى وإسلامه الذي

تقدَّم فيه والفضايل أجمعوا

بأنَّ عليّاً أفضل الناس كلّهم

وأورعهم بعد النبيّ وأشجعُ

فلو كنت أهوى ملّة غير ملّتي

لما كنت إلّا مسلماً أتشيَّعُ

وذكر شيخنا عماد الدين الطبري في الجزء الثاني من كتابه «بشارة المصطفى» لأبي يعقوب النصراني قوله:

يا حبَّذا دوحة في الخلد نابتةٌ

ما في الجنان لها شبهٌ من الشجرِ

المصطفى أصلها والفرع فاطمةٌ

ثمَّ اللقاح عليُّ سيِّد البشرِ

والهاشميّان سبطاها لها ثمرٌ

والشيعة الورق الملتفّ بالثمرِ

هذا مقال رسول الله جآء به

أهل الروايات في العالي من الخبرِ

إنّي بحبِّهمُ أرجو النجاة غداً

والفوز مع زمرة من أحسن الزمرِ

أشار بها إلى ما أخرجه الحفّاظ(١) عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنَّه قال: أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعليٌّ لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، وأصل الشجرة في جنَّة عدن وسائر ذلك في سائر الجنَّة.

هذا لفظه عند العامَّة وأمّا عند مشايخنا فهو: خُلق الناس من أشجار شتّى و خُلقتُ أنا وعليُّ بن أبي طالب من شجره واحدة، فما قولكُم في شجرة أنا أصلها، وفاطمة

_____________________

١ - الحاكم في «المستدرك» ٣ ص ١٦٠، وإبن عساكر في تاريخه ج ٤ ص ٣١٨، ومحب الدين في «الرياض» ٢ ص ٢٥٣، وابن الصباغ «في الفصول» ص ١١، والصفوري في «نزهة المجالس» ٢ ص ٢٢٢.

٨

فرعها، وعليُّ لقاحها، والحسن والحسين ثمارها، وشيعتنا أوراقها، فمن تعلّق بغصن من أغصانها ساقته إلى الجنَّة، ومن تركها هوى في النار.

وممَّن مدحه عليه السلام من متأخِّري النصارى عبد المسيح الأنطاكي المصري بقصيدته العلويَّة المباركة ذات ٥٥٩٥ بيتاً ومنها قوله ص ٥٤٧ فيما نحن فيه:

للمرتضى رتبةٌ بعد الرَّسول لدى

أهل اليقين تناهت في تعاليها

ذو العلم يعرفها ذو العدل ينصفها

ذو الجهل يسرفها ذو الكفر يكميها

وإنَّ في ذاك إجماعاً بغير خلا

ف في المذهب مع شتّى مناحيها

وإن أقرَّبها الإسلام لا عجب

فإنَّه منذ بدء الوحي داريها

وإن تنادى جموع المسلمين بها

فقد وعت قدرها من هدي هاديها

بل جاوزتهم إلى الأغيار فانصرفت

نفوسهم نحوها بالحمد تطريها

وذي فلاسفة الجحّاد معجبة

بها وقد أكبرت عجباً تساميها

وردَّدت بين أهل الأرض مدحتها

فيه وقد صدقت وصفاً وتشبيها

كذا النصارى بحبِّ المرتضى شغفت

ألبابُها وشدت فيه أغانيها

فلست تسمع منها غير مدحته الغـ

ـرّاء ما ذكرته في نواديها

فارجع لقسّانها بين الكنائس مع

رهبانها وهي في الأديار تأويها

تجد محبَّته بالإحترام أتت

نفوسها وله أبدت تصبّيها

وانظر إلى الديلم الشجعان خائضة الحـ

ـروب والترك في شتّى مغازيها

تلف استعاذتها بالمرتضى ولقد

زانت بصورته الحسنا مواضيها

وآمنت أنّ ترصيع السيوف بصو

رة الوصيِّ ينيل النصر منضيها

م - وفي الآونة الأخيرة نظم الأستاذ بولس سلامة قاضي أمّة المسيح ببيروت بعد ما قرأ كتابنا هذا «الغدير» قصيدته العصماء تحت عنوان «عيد الغدير» في ٣٠٨٥ بيتاً، و فيها تحليلٌ وتدقيق، وإعرابٌ عن حقايق ناصعة. وجريٌ مع التاريخ الصحيح، طبعت في ٣١٧ صفحة).

٩

نعرات الجاهلية الأولى

( إِنّ الّذِينَ ارْتَدّوا عَلَى‏ أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ

الْهُدَى‏ الشّيْطَانُ سَوّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى‏ لَهُمْ )

ربما يجد الباحث في بعض تآليف المستشرقين في التاريخ الإسلامي رمزاً من النزاهة في الكتابة والأمانة في النقل وخلوَّ كلِّ محكيٍّ عن أيِّ مصدر (هبه غير وثيق) من التحريف والتصرُّف فيه، وتجرُّده عن سوء صنيع الكتبة، وبعده من الإستهتار، وهذا جمال كلّ تأليف وشأن كلّ مؤلِّف مهما كان شريف النفس، وهو حقُّ كلِّ رائد، و الرائد لا يكذب أهله.

غير أنَّ في القوم من ألّف وسخف فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذا كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. فكأنَّ الجهل لم يمت بعدُ وقد مات أبو جهل، ولهب الضلال لم يخمد بعدُ وقد اتَّقد أبو لهب في درك الجحيم، وكأنَّ الدنيا ترجع إلى ورائها القهقري، وعاد الإسلام كشمس كادت تكون صلاءً(١)

جاء من القوم بعد لأي مِن الدهر مَن يدعو الناس إلى الجاهليَّة الأولى وإلى حميَّتها البائدة، ولا بُقيا للحميَّة بعد الحرائم(٢) نهض يبشِّر عن مسيح مركَّب من طبيعتين: (إلهيَّة وبشريَّة) ويحسب نفسه قد أبهر في تأليفه وأتى بأمر جديد، فأخذ كالمتفلسف يتتعتع ويتلعثم، ويحرِّف الكلم عن مواضعه، ويُؤوِّل الكتاب الكريم برأيه الضئيل، ويتحكَّم في الحديث بفكرته الخائرة، ويرى النبيَّ الأعظم من المبشِّرين بنصرانيَّته الصحيحة التي ليست هي إلّا الضَّلال المحض، وهو مع ذلك مائنٌ في نقله، خائنٌ في حكايته، غاشٌّ في نصحه، مدنِّسٌ في كتابته، مهاجمٌ على قدس صاحب الرِّسالة

_____________________

١ - مثل يضرب في قلة الانتفاع بالشيء

٢ - الحريمة ما فات من كل مطموع فيه.

١٠

مجانبٌ عن الحقِّ والحقيقة، كلّ ذلك باسم كتاب «حياة محمد»

ألا؟ وهو الأستاذ إميل در منغم.

إنَّ الرجل لَمّا شاهد أنَّ الإسلام علا هتافه اليوم، ودوَّخ أرجاء العالم صيته، وأطَّلت سمائه على الأرض كلّها شرقاً وغرباً، وشعَّ نوره في كلِّ طللٍ ووَهَد، وعمَّت أشعَّته كلّ طارفٍ وتليد، وملأ الكون صراخ قومه بالثناء البالغ على الإسلام المقدَّس ونبيِّه الأقدس، وكثر إعجابهم بكتابه السماويِّ، وقانونه الإجتماعيِّ، وشرعه السويِّ، وحكمه السياسيِّ، ودستوره الإصلاحيِّ، ومشعبه الحقِّ المشعب.

عزَّ عليه كما عزَّ على سلفه الغوغاء أن يشاهد هذا السلطان العالميَّ العظيم، وهذه السيطرة الباهرة، وهذه الشرعة العادلة الجبّارة القاهرة للأكاسرة والتابعة والقياصرة والفراعنة، الحاكمة على آراء الأقباط والأقسَّة وآباء الكنائس وزعماءِ البيع ومعتقداتهم.

عزَّ عليه أن يرى في بيئته الغربيَّة بزوغ الإسلام الشرقيِّ، وتنوُّر أفكار المثقَّفين من قومه بلمعات القرآن العربيِّ المجيد، وانتشار معارف الإسلام الخالدة في عواصم أوروبا كالسيل الجارف لأُصول الضَّلال، وأهواء الغرب، وما هناك من فساد الخلايق، ومضلّات البدع.

عزَّ عليه أن يسمع بأُذنيه من قلب العالم الأوربيِّ بألسنة فلاسفتها نداء أنَّ محمداً قاوم الوثنيَّة بعزم واحد طول الحياة ولم يتردَّد لحظة واحدة بينها وبين عبادة الواحد الأحد(١) .

أو أن يسمع عن آخر منهم وهو ينادي: إنَّ القرآن هو القانون العامّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو صالحٌ لكلِّ مكان وزمان(٢)

أو أن يسمع عن ثالث من قومه وقد ملأ الدنيا صوته وهو يقول: استقرَّت قواعد الإسلام على أساس مكين من الآيات البيِّنات التي أنزلت تباعا وكان ختامها:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (٣)

_____________________

١ - كلمة الكونت هنري دي كاستري.

٢ - كلمة مسيو سنايس.

٣ - كلمة الدكتور نجيب الارمنازى.

١١

أو أن يسمع بأُذنيه القرآن العزيز وهو يُتلى في الإذاعات كلّ يوم بكرةً وعشيّا، وتقرع آية مسامع خلق الدنيا دون كتاب قومه وكتاب أيِّ ملّة.

م - ونادى لسان الكون في الأرض رافعاً

عقيرته في الخافقين ومنشدا

: أعبّاد عيسى إنَّ عيسى وحزبه

وموسى جميعاً يخدمون محمدا(١)

فهناك تعصَّب الرجل وتشزَّر، وشزر إلى الإسلام وكتابه ونبيِّه، ونظر إليها بصدر عينه(٢) وتشذَّر للدفاع عن نحلته والذبِّ عن مبدءه الباطل؛ فعلى نحيمه بصدرٍ واغرٍ على الحقِّ، وهو يشوب ولا يروب(٣) وشرع يدعو إلى النصرانيَّة باسم الإسلام وحياة محمد، ويرى النبيَّ محمداً جاء بكتاب عربيٍّ كما لو كان نصرانيّاً ذاكراً أنَّه واحداً من الأنبياء ص ١٠٠.

ويرى للنصرانيَّة أثراً في محمد ويزعم أنَّ النصارى قد أيقظت شعور النبيِّ الدينيِّ قبل بعثه ص ١٠٠. ويجد في القرآن أُصول النصرانيَّة ص ١٠٦.

ويرى تأييد روح القدس لعيسى ذاتيّاً دون موسى ومحمد.

ويعتقد لعيسى من عصمة ما لم تكن لمحمَّد ويراه قد جاء في القرآن(٤) ١٠٧ ويرى النصرانيَّة تشمل الإسلام وتضيف إليه بعض الشيء ١١٨.

ويرى المسيح ابن الله الوحيد بمعنىً عرفانيٍّ يُلائم الذوق الخرافيَّ ١١٠.

ويرى القرآن يدعو إلى النصرانيَّة الصحيحة وهو القول بألوهيَّته وبشريَّته و كون الطبيعين في شخص واحد ١٠٧، ١١٢.

ويعزو آراءه السخيفة جلّها إلى القرآن المقدّس، ويرى القرآن لم يحط بكلِّ ما هو حقٌ في الأمر ١٠٩.

ويرى آخر مصحف اعتمد عليه صنع الحجّاج بن يوسف الثقفي، وإمكان تلاوة المصحف الشريف على غير ما هو عليه.

_____________________

١ - من أبيات للشاعر المفلق أبي الوفاء راجح الحلي المتوفى ٦٢٧).

٢ - مثل مشهور يضرب.

٣ - الشوب: الخلط. والروب: الاصلاح. مثل يضرب.

٤ - ليته دلنا على الآية الدالة عليه.

١٢

ويرى علماء التوحيد قائلين بأُلوهيَّة المسيح ١٠٩.

ويرى الهوَّة بين المسلمين والنصارى نتيجة سوء التفاهم.

ويرى التباعد بين الملّتين من فكرة مفسِّري القرآن وعلماء الإسلام.

ويرى العقل والتاريخ يستغربان عدم صلب المسيح.

ويرى اعتقاد المسلمين بعدم صلب المسيح باطلاً والآية الدالّة عليه غامضة ١١١.

ويؤوِّل قوله تعالى:( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ) . بما يلائم تعاليم النصرانيَّة ١١٢.

ويعدّ من ضلال جزيرة العرب إنكار ألوهيَّة المسيح والقول ببشريَّته فحسب ١١٣.

ويرى النبيَّ قد وضع نفسه فوق جميع المعتقدات ما دام على غير علم بالنصرانيَّة الصحيحة ١١٤.

ويعبِّر عن النبيِّ الأعظم بــ (البدويِّ الحمس) ١١٥.

فهذه جملةُ من خرافاته الراجعة إلى التبشير والدعوة إلى النصرانيَّة، وبها يقف الباحث على غاية الكاتب وقيمة كتابه، ويعرف أنَّه يحطُّ في هواه، ويحطب في حبله(١) جاهلاً يأنّ حماة الدين (دين البدويِّ الحمس) نابهون يحومون حول الحمى، ويعرفون حول الصلبان الزمزمة(٢) ويدافعون عن بيضة الإسلام المقدَّسة كلَّ سخبٍ وصخبٍ ولغطٍ وكذبٍ وإفكٍ وقول زور؛ وينزِّهون ساحته عن أرجاس الجاهليَّة وأنجاسها،( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) .

ولو أردت الوقوف على الحقيقة في كلِّ ما لفَّقه الرجل من إفكٍ شائنٍ فعليك بكتاب الهدى إلى دين المصطفى، وكتاب الرحلة المدرسيَّة وغيرهما من تآليف شيخنا العلم المجاهد الحجَّة الشيخ محمد جواد البلاغي النجفي وما ألفَّه غيره من أعلام الأُمَّة.

تسافل الشرق أو انحطاط العرب

لا أحسب أنَّ بسطاء الأُمَّة الإسلاميَّة فضلاً عن أعلامها تخفى عليهم الغايات المتوخّاة في أمثال هذه الكتب المزوَّرة، ولا تأمرهم أحلامهم قطُّ بنشر ما خطِّته تلكم

_____________________

١ - مثل ساير.

٢ - مثل يضرب لمن يروم الشيء ولا يظهر مرامه.

١٣

الأقلام المستأجرة لزعانفة الجاهليَّة، ولا يحسب أيُّ حامل حساسات الحيابين جنبيه إنَّ في تلكم التآليف فائدة طائلة قصرت عنها يد الشرق التي هي عاصمة علم الدنيا، و مرتكز لواء كلِّ فضيلة ومحمدة إجتماعيَّة.

ولا يهجس في خلد أيَّ محنَّك أنَّ في طيِّ تلكم الكلم مقيلاً من ظلِّ الحقيقة، أو أنَّ أحداً من أولئك الأساتذة المستشرقين قد أتى بفكرةٍ صالحةٍ جديدةٍ في إصلاح المجتمع من شؤون إجتماعيَّة. أخلاقيَّة. سياسيَّة. أدبيَّة. روحيَّة لم يأت بها نبيُّ الإسلام في كتابه وسنّته، حاشا نبيّ الإصلاح المبعوث لتتميم مكارم الأخلاق.

فما حاجة الأُمَّة العربيَّة الآخذة بناصية الشرق إلى ترجمة هذه التآليف الفارغة عن أدب الدين، أدب العلم. أدب النزاهة. أدب العفَّة. أدب الصدق والأمانة. أدب الحقِّ والحقيقة؟!

وما هذا الأنحطاط والتسافل البالغ في العروبة، وقد أصبحت «العياذ بالله» في مسيس الحاجة إلى هذه الكتب المخزية تأليف كلِّ خائرٍ بائرٍ، تأليف من صفرت يداه عن كلِّ خير، والضلال سجيَّته وقرواه؟!

كيف تفتقر الأُمَّة الإسلاميَّة (ولا تفتقر ولن تفتقر) إلى تلك الكتب!؟ ولها كتابها العربيُّ المقدَّس، كتابها الإجتماعيُّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتابها الذي لا ريب فيه، هدىً للمتَّقين، كتابها الباحث عن الآداب الاجتماعيَّة وشؤون الصالح العام التي قوامها الحكمة، وأساسها العدل والإحسان، وجامعها العفَّة و القداسة والحنان.

وكيف تفتقر وهي حاملة السنَّة النبويَّة؟! تلك السنَّة الطافحة بغرر الحكم الإجتماعيَّة، والأحكام الحقوقيَّة، والجزائيَّة، والمدنيَّة، والدفاعيَّة، وما به انتظام الكون في قمع المظالم، وصيانة الحقوق، ودستور المعاش والمعاد، وحفظ الصحَّة، والمصالح العامَّة، ومباني الترقّي، ومنقذات البشر من مخالب الجهل والضلال، ودروس التقدُّم في عالم الرشد والصلاح.

تلك السنَّة المؤسَّسة للحياة السياسيَّة، وروح الوحدة الإجتماعيَّة، والجوامع الأخلاقيَّة، والفضايل النفسيَّة، والحقوق النوعيَّة والشخصيَّة التي عليها مدار نظام حياة

١٤

النوع الأنسانيِّ، وتدبير شؤون المجتمع البشريِّ في جميع أدوار الدنيا، وقرونها المتكثِّرة.

وكيف تفتقر؟! وبين يديها برنامج الأصلاح الحيويِّ المشتمل لموجبات الأمن والدعة والسلام والوءام والنزوع إلى كلِّ صالح، والإنحياز عن كلِّ ما يفكّك عُرى المدنيَّة الصحيحة، والحضارة الراقية، والدين المبين، ألا وهو كتاب نهج البلاغة (للإمام أمير المؤمنين تأليف الشريف الرضي) الذي تراه فلاسفة الدنيا دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق.

يا أمه اثكليه

هلمَّ معي أيّها الشرقيُّ الإسلاميُّ نسائل أستاذ فلسطين محمد عادل زعيتر [وهو يدبُّ مع القراد(١) وقد أساء القول وأساء العمل] عن ترجمة هذا الكتاب [حياة محمد] الطافح بالضَّلال.

نسائله عن جنايته الكبيرة على الأُمَّة العربيَّة بقوله في مقدِّمة ترجمته: قد تجنّى المستشرقون على الحقائق في سيرة الرسول الأعظم لا ريب، وقد كان تجنّيهم هذا عاملاً في زهد كتّاب العرب عن نقل ما ألَّفوه إلى العربيَّة على ما يحتمل، ولكن عطل اللغة العربيَّة من ذلك يُعدُّ نقصاً في حركتنا العلميَّة على كلِّ حال.

كيف عطل اللغة العربيَّة ممّا جنته يد الجاهليَّة وقد تجنَّت على الحقائق يُعدُّ نقصاً في حركتنا العلميَّة التي تدور مع الكتاب والسنَّة؟! وهما مدار علم العالم، و بصيرة كلّ متنوِّر، ومرمى كلّ مثقَّف، وضالَّة كلّ حكيم، ومقصد كلّ فيلسوف شرقيّ أو غربيّ. وهذا نفس المؤلِّف يقول في مقدِّمة الكتاب: وأهمّ المصادر لتبيان حياة محمد هو القرآن وكتب الحديث والسيرة، والقرآن أصحّ هذه المصادر وإن كان أو جزها.

ليته كان يتبع كتّاب العرب في زهدهم عن نقل ما ألَّفته يد الضلال إلى العربيَّة، ويتوقّى قلمه عن نشر كلم الفساد في المجتمع الإسلاميِّ من دون أيّ تعليق عليها، وأيّ تنبيه للقارئ بفسادها وهو يقول: لا يظنّ القارئ أنَّني أُشاطر المؤلِّف جميع ما ذهب إليه من الأُمور التي أرى الحقيقة غابت عنه في كثير منها.

_____________________

١ - مثل يضرب للرجل الشرير.

١٥

اُثكليه يا أُمَّه؟ بأيّ ثمن بخس أو خطير باع شرف أُمَّته، وعزَّ نحلته، و عظمة قومه، وقداسة كتابه وسنَّته؟!.

ولأيِّ مرمىً بعيد جعل نفسه مع [إميل در منغم] في بردة أخماس(١) ؟! وجاء يعاند الإسلام بنشر تلكم الأباطيل والأضاليل المضادَّة مع نحلته، ويشوِّه سمعة مصره العزيزة، وجامعها الأزهر، وأساتذتها النزهاء، وكتّابها القادرين بنشر تلك التافهات المضلّة في مطابعها المأسوف عليها وهو يقول في المقدِّمة: المؤلِّف مع ما ساده من حسن النيّة لم تخل سوانحه وآراؤه من زلّات.

ليتني أدري وقومي: ما حاجتنا إلى حسن نيّة مؤلِّه المسيح عيسى بن مريم وجاعله إبن الله الوحيد؟! وما الّذي يُعرب عن حسن نيّته؟! وكلّ صحيفة من كتابه أهلك من ترَّهات البسابس(٢) وقلّت صحيفة ليست فيها هنات تنمّ عن سوء طويَّته، وفساد نيَّته، وخبث رأيه.

نعم: والّذي أراه «والمؤمن ينظر بنور الله» إنَّ المترجم راقه ما في الكتاب من الأكاذيب والمخاريق المعربة عن النزعات والأهوآء الأمويّة فبذلك غدا الذئب للضبع(٣) وجاء وقد أدبر غَريره وأقبل هريرة(٤) ووافقَ شنٌّ طبقة.

نعم: راقه سلقه أهل بيت النبيِّ الطاهر بسقطات القول وكذب الحديث وسرد تاريخ مفتعل يمسُّ كرامة النبيِّ الأقدس وناموس عترته ممّا يلائم الروح الأمويَّة الخبيثة، ويمثِّل آل الله للملأ بصورة مصغَّرة، ويشوِّه سمعتهم بما لا يتحمَّله ناموس الطبيعة، وشرف الإنسانيَّة، من شراسة الخلق، وسيّئ العشرة، وقبح المداراة. قال:

كانت فاطمة عابسةً دون رقيَّة جمالاً، ودون زينب ذكاءً، ولم تدار فاطمة حينما أخبرها أبوها من وراء الستر أنَّ عليَّ بن أبي طالب ذكر اسمها، وكانت فاطمة تعدُّ عليّاً دميماً محدوداً مع عظيم شجاعته، وما كان عليٌّ أكثر رغبة فيها من رغبتها فيه مع ذلك ص ١٩٧.

_____________________

١ - ضرب من برود اليمن. وهو مثل يضرب للرجلين تحابا وتقاربا وفعلا فعلاً واحداً.

٢ - الترهات: الطرق الصغار، البسابس جمع بسبس: الصحراء الواسعة.

٣ - مثل يضرب لقريني سوء.

٤ - الغرير: الخلق الحسن. الهرير ما يكره من سوء الخلق.

١٦

وكان عليٌّ غير بهيِّ الوجه لعينيه الكبيرتين الفاترتين وانخفاض قصبة أنفه و كبر بطنه وصلعه، وذلك كلّه إلى أنَّ عليّاً كان شجاعاً تقيّاً صادقاً وفيّاً مخلصاً صالحاً مع توانٍ وتردّد..

وكان عليٌّ ينهت فيستقي الماء لنخيل أحد اليهود في مقابل حفنة تمر فكان إذا ما عاد بها قال لزوجته عابساً: كلي وأطعمي الأولاد..

وكان عليٌّ يحرد بعد كلِّ منافرة ويذهب لينام في المسجد وكان حموه يُربِّته على كَتفه ويعظه ويُوفِّق بينه وبين فاطمة إلى حين، وممّا حدث أن رأى النبيّ إبنته في بيته ذات مرَّة وهي تبكي من لكم عليٍّ لها.

إنَّ محمداً مع امتداحه قدم عليّ في الإسلام إرضاءً لإبنته كان قليل الإلتفات إليه. وكان صهر النبيِّ الأمويّان: عثمان الكريم وأبو العاصي أكثر مدارةً للنبيِّ من عليٍّ. وكان عليٌّ يألم من عدم عمل النبيِّ على سعادة إبنته، ومن عدّ النبيِّ له غير قَوّامٍ بجليل الأعمال، فالنبيُّ وإن كان يفوِّض إليه ضرب الرقاب كان يتجنَّب تسليم قيادةٍ إليه. ص ١٩٩.

وأسوأ من ذلك ما كان يقع عند مصاقبة عليٍّ وفاطمة لعدوّاتهما أزواج النبيِّ وتنازع الفريقين، فكانت فاطمة تعتب على أبيها متحسّرةً لأنّه كان لا ينحاز إلى بناته.

إلى غير ذلك من جنايات تاريخيَّة سوَّد بها الرجل صحيفة كتابه.

ما أساء من أعقب

أنا لا ألوم المؤلِّف - جدع الله مسامعه - وإن جاء بأُذني عناق(١) إذ هو من قوم حناق على الإسلام، وهو مع ذلك جرفٌ منهال وسحابٌ منجال(٢) ينمُّ كتابه عن عُجَره وبُجَره. وإنَّما العتب كلّ العتب على المترجم الجاني على الإسلام والشرق والعرب - وهو يحسب نفسه منها - نعم: جدب السوء يلجئ إلى نجعة سوء(٣) والجنس إلى الجنس يميل.

_____________________

١ - أي جاء بالكذب والباطل، مثل ساير.

٢ - مثل يضرب. يراد أنه لا يطمع في خيره

٣ - مثل دائر. يعني أن الأمور كلها تنشأ كل في الجودة والرداءة.

١٧

كلّ ما في الكتاب من تلكم الأقوال المختلقة، والنسب المفتعلة إن هي إلّا كلم الطائش، تخالف التاريخ الصحيح، وتضادّ ما أصفقت عليه الأُمَّة الإسلاميَّة، وما أخبر به نبيّها الأقدس.

هل تناسب تقوّلاته في فاطمة مع قول أبيها صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة حورآء إنسيّة كلّما اشتقتُ إلى الجنَّة قبَّلتها؟!(١) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ابنتي فاطمة حورآء آدميَّة؟!(٢) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة هي الزهرة؟!(٣) .

أو قول أُمّ أنس بن مالك؟!: كانت فاطمة كالقمر ليلة البدر أو الشمس كفر غماماً، إذا خرج من السحاب بيضاء مشربة حمرة، لها شعرُ أسود، من أشدِّ الناس برسول الله صلّى الله عليه وسلّم شبهاً، والله كما قال الشاعر:

بيضاء تسحب من قيام شعرها

وتغيب فيه وهو جثلٌ أسحمُ(٤)

فكأنَّها فيه نهارٌ مشرقٌ

وكأنَّه ليلٌ عليها مظلمُ(٥)

ولقبها الزهراء المتسالم عليه يكشف عن جليَّة الحال.

وهل يساعد تلك التحكّمات في ذكاء فاطمة وخلقها قول أُمّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها: كانت فاطمة تحدِّث في بطن أُمِّها، ولَمّا ولدت فوقعت حين وقعت على الأرض ساجدةً رافعةً إصبعها؟!(٦)

أو يلائمها قولٌ عايشة: ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلّاً وهدياً وحديثاً برسول الله في قيامه وقعوده من فاطمة، وكانت إذا دخلت على رسول الله قام إليها فقبَّلها ورحَّب بها، وأخذ بيدها وأجلسها في مجلسه؟!(٧) .

_____________________

١ - تاريخ الخطيب البغدادي ٥ ص ٨٦.

٢ - الصواعق ص ٩٦، إسعاف الراغبين ص ١٧٢ نقلاً عن النسائي.

٣ - نزهة المجالس ٢ ص ٢٢٢.

٤ - جثل الشعر: كثر والتف واسود فهو جثل. سحم فهو أسحم: أسود.

٥ - مستدرك الحاكم ٣ ص ١٦١.

٦ - سيرة الملا، ذخاير العقبى ٤٥، نزهة المجالس ٢ ص ٢٢٧.

٧ - أخرجه الحافظ ابن حبان كما في ذخاير العقبى ٤٠ م - والحافظ الترمذي وحسنه، والحافظ العراقي في التقريب كما في شرحه له ولابنه ١ ص ١٥٠، وابن عبد ربه في العقد الفريد ٢ ص ٣، وابن طلحة في مطالب السئول ص ٧)، إسعاف الراغبين ١٧١.

١٨

م - وفي لفظ البيهقي في السنن ٧ ص ١٠١: ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم. الحديث ].

وهل توافق مخاريقه في الإمام عليّ صلوات الله عليه، وعدم بهاء وجهه، وعدُّ فاطمة له دميماً وكونه عابساً مع ما جاء في جماله البهيِّ: أنَّه كان حسن الوجه كأنَّه قمر ليلة البدر، وكأنَّ عنقه إبريق فضَّة(١) ضحوك السنِّ(٢) فإن تبسَّم فعن مثال اللؤلؤ المنظوم؟!(٣) .

وأين هي من قول أبي الأسود الدؤلي من أبيات له؟!

إذا استقبلتَ وجه أبي ترابِ

رأيتَ البدر حار الناظرينا(٤)

نعم:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله

فالناس أعداءٌ له وخصومُ

كضرائر الحسناء قلن لوجهها

حسداً وبغضاً: إنّه لدميمُ

أوَ يخبرك ضميرك الحرّ في عليّ ما سلقه الرجل به من (التواني والتردُّد)؟! و عليٌّ ذلك المتقحّم في الأحوال، والضارب في الأوساط والأعراض في المغازي والحروب؛ وهو الذي كشف الكرب عن وجه رسول الله في كلِّ نازلة وكارسة منذ صدع بالدين الحنيف، إلى أن بات على فراشه وفداه بنفسه، إلى أن سكن مقرَّه الأخير.

أليس عليٌّ هو ذلك المجاهد الوحيد الذي نزل فيه قوله تعالى:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ) . وقوله تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ ) ؟!(٥)

فمتى خلى عليٌّ عن مقارعة الرجال والذبِّ عن قدس صاحب الرِّسالة حتى يصحّ أن يُعزى إليه توان أو تردّد في أمر من الأمور؟! غير أنَّ القول الباطل لأحدَّ له ولا أمد.

_____________________

١ - كتاب صفين ٢٦٢، الاستيعاب ٢ ص ٤٦٩، الرياض النضرة ٢ ص ١٥٥، نزهة المجالس ٢ ص ٢٠٤.

٢ - تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي.

٣ - حلية الأولياء ١ ص ٨٤، تاريخ إبن عساكر ٧ ص ٣٥، المحاسن والمساوي ١ ص ٣٢.

٤ - تذكرة السبط ص ١٠٤.

٥ - راجع الجزء الثاني من كتابنا ص ٤٧، ٥٣ ط ثاني.

١٩

وهل يتصوَّر في أمير المؤمنين تلك العشرة السيِّئة مع حليلته الطاهرة؟! والنبيُّ يقول له: أشبهتَ خَلقي وخُلقي وأنت من شجرتي الّتي أنا منها(١)

وكيف يراه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أفضل أُمَّته أعظمهم حلماً، وأحسنهم خلقاً، ويقول: عليٌّ خير أُمَّتي أعلمهم علماً وأفضلهم حلماً؟!(٢)

ويقول لفاطمة: إنّي زوَّجتكِ أقدم أُمَّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً؟!(٣)

ويقول لها: زوّجتكِ أقدمهم سلماً، وأحسنهم خُلقاً؟!(٤)

يقول هذه كلّها وعشرته تلك كانت بمرئى منه ومسمع، أفك الدجّالون، كان عليٌّ عليه السلام كما أخبر به النبيُّ الصّادق الأمين.

وهل يقبل شعورك ما قذف به الرَّجل [فضَّ الله فاه] عليّاً بلكم فاطمة بضعة المصطفى؟! وعليٌّ هو ذاك المقتصّ أثر الرَّسول وملأ مسامعه قوله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة: إنَّ الله يغضب لغضبكِ، ويرضى لرضاكِ(٥)

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو آخذ بيدها: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي بضعةٌ منّي، هي قلبي وروحي التي بين جنبيَّ، فمن آذاها فقد آذاني(٦)

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة بضعةٌ منّي، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها(٧)

_____________________

١ - تاريخ بغداد للخطيب ١١ ص ١٧١.

٢ - الطبري، الخطيب، الدولابي. كما في كنز العمال ٦ ص ١٥٣، ٣٩٢، ٣٩٨.

٣ - مسند أحمد ٥ ص ٢٦، الرياض النضرة ٢ ص ١٩٤، ذخاير العقبى ص ٧٨، مجمع الزوائد ٩ ص ١٠١، ١١٤ وصحّحه ووثق رجاله.

٤ - أخرجه أبو الخير الحاكمي كما في الرياض النضرة ٢ ص ١٨٢.

٥ - مستدرك الحاكم ٣ ص ١٥٤ وصحّحه، ذخاير العقبى ص ٣٩، تذكرة السبط ١٧٥ مقتل الخوارزمي ١ ص ٥٢، كفاية الطالب ص ٢١٩، شرح المواهب للزرقاني ٣: ٢٠٢، كنوز الدقائق للمناوي ص ٣٠، أخبار الدول للقرماني هامش الكامل ١ ص ١٨٥، كنز العمال ٧ ص ١١١ عن الحاكم وابن النجار، تهذيب التهذيب ١٢ ص ٤٤٣، الإصابة ٤ ص ٣٧٨، الصواعق ١٠٥، الاسعاف ١٧١ عن الطبراني، ينابيع المودة ١٧٣.

٦ - الفصول المهمة ١٥٠، نزهة المجالس ٢ ص ٢٢٨، نور الأبصار ص ٤٥.

٧ - صحاح البخاري ومسلم والترمذي، مسند أحمد ٤ ص ٣٢٨، الخصايص للنسائي ص ٣٥، الإصابة ٤ ص ٣٧٨.

٢٠