التربية والتعليم في الإسلام

التربية والتعليم في الإسلام0%

التربية والتعليم في الإسلام مؤلف:
الناشر: مجمع البحوث الإسلامية
تصنيف: مكتبة الأسرة والمجتمع
الصفحات: 221

التربية والتعليم في الإسلام

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الدّكتور علي شريعتمداري
الناشر: مجمع البحوث الإسلامية
تصنيف: الصفحات: 221
المشاهدات: 62091
تحميل: 3677

توضيحات:

التربية والتعليم في الإسلام
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 221 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 62091 / تحميل: 3677
الحجم الحجم الحجم
التربية والتعليم في الإسلام

التربية والتعليم في الإسلام

مؤلف:
الناشر: مجمع البحوث الإسلامية
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الأهداف التربويّة في الإسلام

١٢١

١٢٢

الأهداف التربويّة في الإسلام

وردت الأهداف التربوية بأشكال متنوّعة في القرآن الكريم ونهج البلاغة، وكذلك في المصادر الإسلامية الموثوقة الأُخرى التي تكفّلت بنقل الأحاديث والأخبار عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام . ونحن لا نستطيع أن ننقل جميع تلك الأهداف في هذا الكتاب، لذلك نضطرّ إلى انتقاء بعضها لنتحدث حول الأبعاد التربوية لكلّ منها.

عبادة الله هدف تربوي أساس

إنّ الهدف التربوي الأساس للرسالة الإسلامية هو عبادة الله وحده، قال تعالى:

( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالْإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ ) ، (الذاريات: 56).

وعبادة الله - كما نعلم - تعني التسليم له، وطاعته. ومن يعبد الله، فإنّه يخضع له بكلّ وجوده، ويتحرّك في خطّ معرفته، جاء في سورة الفاتحة قوله تعالى:( إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِين ) ، فالقول بأنّ الله وحده يستحقّ العبادة، وما على الإنسان إلاّ التسليم له، والاستعانة به فقط، يثير أشياء جوهرية أُخرى أيضاً.

ذكرنا - مراراً - بأنّ الله مَظهر الحكمة والعدل والإحسان والقدرة. ومن يعبد الله، ويسير على منهج التوحيد، فإنّه يساهم في تيارٍ، دعائمهُ: العقل، والمحبّة، والدعوة إلى العدالة، والتقوى، والإيثار، فعبادة الله - من جهة - تعني العيش الإيماني، والتحرك

١٢٣

في إطار التوحيد.

ومن يخضع لله الحكيم العادل الرحيم، ويقبل عبوديّته، فقد حكّم أسمى الدوافع الإنسانية في وجوده. ونحن نعلم بأنّ معرفة الله، وعبادته، والإيمان به هي الأهداف الجوهرية الأصلية للنظام العقائدي في الإسلام، والأهداف التربوية في الإسلام من نحو: التقوى، والدعوة إلى العدالة، وطلب العلم، وحب العقل، والإيثار، هي أسمى الأهداف التي لا تهيّئ مستلزمات تنمية الإنسان وكماله في حياته الشخصية فحسب، بل وتبعث على تنمية الحياة الجماعية أيضاً.

من جهة أُخرى، فإنّ معرفة الله وعبادته كيان راسخ لا يكفل تحرّك الإنسان المتواصل صوب التنمية والكمال فحسب، بل ويحول دون انحراف الفرد والجماعة بنحو يبعث على الإطمئنان.

إنّ من يرتبط بالله، فقد حرّر نفسه من الخسّة والدناءة، والظلم، والهوى والهوس أو النزوات الزائفة التافهة، والأنانية. ويسلِّم لله، فيعتق نفسه من رِبقة الطاغوت، ومسّ القوى الشيطانية الشريرة.

إنّ المحفّز لسلوك الشخص العارف بالله هو فقط التقرّب إلى الله، والسير على منهج التوحيد، لذلك فإنّ ما يقوم به، يقوم به خالصاً لوجه الله. وبما أنّ منهج الله - بنحو تام - يريد خير البشرية وصلاحها، لذلك فإنّ أعماله كفيلة بسعادته وسعادة الآخرين، يقول الإمام عليعليه‌السلام في خطبته حول خلق الكون:

«أوّل الدين معرفتهُ، وكمالُ معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه...».

في ضوء ما تقدّم، يتبيّن لنا أنّ عبادة الله تعني السير على منهج التوحيد، ذلك السير الأمين المتواصل نحو الأبدية، ذلك السير الذي يكفل تنمية الفرد والجماعة في جميع المراحل، ذلك السير الذي تُكتسح فيه كل ألوان الوضاعة والانحطاط، وتترسّخ فيه المُثُل والقيم الأساسية، ذلك السير الذي تتحقق فيه العدالة والإيثار في العلاقات

١٢٤

الإنسانية بنحو تام، ويذيق الإنسان طعم السعادة الأبدية ولقاء ربّه ومعبوده، قال تعالى:

( يَا أَيّهَا الإنسان إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى‏ رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) ، (الإنشقاق: 6).

وفي هذا المجال، يذكر المرحوم آية الله المطهّري في الجزء الثاني من كتاب (النظرة الكونية التوحيدية) (ص22، ص23) نقاطاً رائعة أرى نقلها هنا مفيداً، يقول المرحوم المطهّري:

(إنّ النظرة الكونيّة التوحيدية مدعومة بقوّة المنطق والعلم والاستدلال، ففي كل ذرّة من ذرّات العالم دليل على وجود الله الحكيم، وكل ورقة من أوراق الأشجار دفتر في معرفة الله. وهذه النظرة تمنح الحياة معنىً وروحاً وهدفاً، لأنّها تجعل الإنسان في مسار من الكمال لا يتوقف عند حد معيّن أبداً، بل يسير قُدُماً نحو الأمام. ولهذه النظرة قوّة جذب.. وهي تهب الإنسان نشاطاً ودفئاً، وتعرض أهدافاً سامية مقدّسة، وتصنع من الأشخاص أُناساً مضحّين. وهذه النظرة الكونية هي النظرة الوحيدة التي يكون للالتزام، ومسؤولية الأشخاص بعضهم أمام بعض، مفهومهما ومعناهما في ظلّها. وكذلك فهي النظرة الوحيدة التي تنتشل الإنسان من التردّي في حضيض العبث والضياع والعدم).

التقوى

التقوى هدف تربوي جوهري. قال تعالى:( والعاقبة للتقوى ) . والتقوى تعني الحفظ والوقاية. وعندما تستعمل هذه الكلمة بخصوص الإنسان في المجال الأخلاقي والتربوي، فهي تعني: حفظه، والتحكّم بنفسه، وإدارة شؤونه، وجعل سلوكه وممارساته في المسار العقلي.

إنّ الهدف الأساس للتربية والتعليم هو تأهيل الإنسان ليكون مديراً لنفسه، ومسيطراً على نزواته وأهوائه النفسانية، ومبعداً عن نفسه كلّ ما هو غير منطقي وغير

١٢٥

عقلي، ومنجزاً ما يليق بإنسانيته.

نحن نعلم بأنّ الاستقلال لدى أفراد النوع الإنساني يشكّل أحد الأبعاد الأساسية للشخصيّة. ولابدّ أن يملك الإنسان ناصية الأُمور بيده شئنا أم أبينا، ينظّم برنامجاً لنفسه، ينجز أعماله في أوقات معيّنة، يختار لنفسه أصدقاء وزملاء صالحين، يجعل علاقاته مع الآخرين بشكل إنساني معقول، يتّخذ قراره بنفسه حول دراسته، يبادر إلى انتخاب المهنة التي يريدها، يدوّن لنفسه معايير في المجال الأخلاقي والاجتماعي، يحدّد هدفه في الحياة، يعيّن فلسفته ومنهجيّته، ينجز كلّ ما عليه من تكاليف في كلّ مرحلة من مراحل النمو، يتعلّم المهارات الأساسية في معاشرته للآخرين، يؤدّي دوره في الحياة رجلاً كان أو امرأة، وشاباً كان أو شابّة، وأخيراً يجدّ في سبيل رُقِيِّه وتكامله.

والآن يجب أن نلحظ أننا كيف يمكن أن نربّي الإنسان الذي يستطيع القيام بالأعمال المارّ ذكرها، وأعمال أُخرى، ضرورية، فهل هو ينجز أعماله شخصيّاً أم يتدخل الآخرون لإنجاز أعماله؟

متى يستطيع الإنسان أن يدير شؤونه شخصياً؟

هل يمكن أن يتمتع بالاستقلال بكلّ ما للكلمة من معنى؟

هل إنّ اضطلاعه بإدارة شؤونه شخصياً، يحظى بقبول والده ووالدته المربّين؟

كما ذكرنا فيما سبق، فإنّ الهدف الأساس للتربية والتعليم هو تربية وإعداد مثل هذه الشخصية، لكنْ يجب أن نلتفت إلى أنّ كثيراً من الأشخاص، سواء كانوا من بين الآباء والأُمّهات أو من بين المربّين والقادة والمسؤولين في المجتمع، لا يتركون الناس أحراراً في إدارة شؤونهم على الصعيد العملي، إذ يعتقد بعض الأشخاص بأنّه يجب إدارة شؤونهم على الصعيد العملي، إذ يعتقد بعض الأشخاص بأنّه يجب إدارة شؤون الناس وتوجيههم في كلّ مرحلة من مراحل النمو، وهم يرون بأنّ الناس أنفسهم غير كفوئين في إدارة شؤونهم بأنفسهم. لا يعتقد بعض المربّين أيضاً بأنّه يجب إدارة شؤون الطلاّب وتوجيههم.

ويتصوّر البعض بأنّ الإنسان في مرحلة الطفولة تدار شؤونه من قِبَل والديه،

١٢٦

وفي المرحلة الابتدائية تدار من قِبَل المعلّم، وفي مرحلة البلوغ يدير القانون والمربّون شؤونه، وبعد التخرّج ومزاولة العمل الوظيفي، فإنّ المقرّرات القانونية لعمله هي التي تتولّى الإشراف عليه، لذلك فإنّ قضيّة الإشراف الذاتي، أو السيطرة على النفس، أو ضبطها، كلّ ذلك غير مطروح في حياة الإنسان.

هذا التصوّر الخاطئ ينعكس في علاقات الوالدين مع ولدهما، وعلاقات المربّي مع الطالب. إنّ الوالدين يشرفان على جميع ممارسات ولدهما من دافع التعلّق به حيناً، ومن أجل تربيته وإعداده حيناً آخر. فهما قد شَرَعا في الإشراف عليه منذ ولادته، ويريد أن يظلّ هذا الإشراف مستمرّاً لشهور وسنين بعد ولادته، وعندما يرغب ابنهما أن يأكل الطعام أو يشرب الماء أو ينظّف نفسه، يمنعانه من القيام بمثل هذه الأعمال، ويتولّيان القيام بها بدلاً عنه.

إنّ التربية الأخلاقية للطفل في هذه المرحلة تتحقق من خلال الأمر والنهي، أو إفعلْ ولا تفعل. فالطفل ليس من حقّه أن يعرف علّة قيامه بالفعل الفلاني أو عدم قيامه به، بل عليه أن يكون أداة طيّعة فقط، فيأخذ بما يُؤمر به، وينتهي عمّا يُنهى عنه.

هذا الطفل نفسه يدخل المدرسة، ويرى المعلّم أنّ من واجبه تربيته وتعليمه، بيد أنّه يفتقد إلى تصوّر واضح مشرق عن التربية والتعليم، حيث يعلم أشياء محدودة، يروم تزريقها في ذهنه. وما على الطفل إلاّ أن يكون مستعدّاً، ويتقبّل من المعلم ما يملي عليه، ويحفظ ذلك. وعند الامتحان، إمّا أن ينسى معلوماته أو يكتبها على ورقة الامتحان. فدور الطفل في المدرسة، إذاً، هو دور المنفعل أو المتقبّل، وعمله - كما قلنا - هو قبول ما يطرحه المعلّم دون نقاش، وليس له دور غير ذلك. والتربية الأخلاقية تطبّق على نفس النسق أيضاً. ينظر المعلّم إلى أشياء على أنّها جيّدة، فيطلب من الطالب القيام بها. وكذلك ينظر إلى أشياء أُخرى على أنّها رديئة، فيمنع الطالب من القيام بها. وكما أنّ الافتراض السائد يقتضي أن يكون الطفل

١٢٧

تحت إشراف أبويه في البيت، وهما اللّذان يتوليّان شؤونه، كذلك الطالب في المدرسة، فإنه تحت إشراف المعلّم دائماً، وهو الذي يتولّى شؤونه. وممّا يؤسف له هو أنّ هذا الوضع قد يستمرّ في الإعدادية، وكما قلنا، فإنّ الطالب بعد تخرّجه، يكون تحت إشراف القانون.

فلا ذلك الضرب من التعليم مؤثّر في تحصيل المعلومات، ولا هذا الضرب من التربية مؤثّر في التنمية الأخلاقية للطالب. والأشخاص الذين يتربّون على هذه الوتيرة، يُحتمل انّهم سوف يحرمون من الاستقلال حتى آخر عمرهم، إذ لابدّ أن تدار شؤونهم من قِبَل الآخرين.

لذا يجب تأهيل الطفل وتربيته منذ بداية حياته بشكل يستطيع أن يقف على قدميه وحده، وما يستطيع أن يفعله في البيت، يجب أن يقوم به بذاته، فلو استطاع - مثلاً - أن يقوم ويملأ القدح ماءً، ويشرب ذلك الماء، فيجب تركه ليُنْجِز هذا العمل بنفسه. فالأُم التي تتصوّر بأنّ منع الطفل من القيام بهذا العمل، وإعطاءها الماء له دليل على حبّها له وتعلّقها به، هي أُمّ غير مصيبة في عملها، فهي لا تقدّم أيّ خدمة لولدها، بل وتحول دون نمّوه الأساس واستقلاله.

وفي حقل التربية الأخلاقية أيضاً، يملك الطفل استعداداً لإدراك بعض المسائل، فهو يستطيع أن يدرك، مثلاً، لماذا يضرب جارَه الصغير مثله؟ ويستطيع أن يتوقّع ماذا تكون نتيجة هذا العمل، فيمتنع من القيام به. وبمقدار ما تسمح به تجربته وإدراكه، ينبغي مساعدته حتى يتوقّع هو نفسه ماذا تكون نتيجة أعماله وممارساته، فما ينبغي فعله، ينجزه، وما لا ينبغي، يتركه.

وينطبق هذا الأمر نفسه على المرحلة الابتدائية، فما يستطيع أن ينجره الطفل أو يتعلّمه، يجب عليه أن يبادر إلى ذلك شخصيّاً، فلو استطاع أن يرتّب بعض الأعداد ويجمعها، فعلى المعلّم أن يتركه، ليقوم بهذا العمل وحده. ولو استطاع أن يستفيد من تجاربه ويعرف مفهوم الجمع، فعلى المعلّم أيضاً أن يفسح له المجال ليقوم

١٢٨

بهذا العمل وحده. صحيح أنّ للمعلّم دوراً أساسياً في بداية المرحلة الدراسية، بيد أنّ هذا الأمر لا يتطلّب أن نتصوّر بأنّ التعليم يتحقّق بواسطته. وما هو إلاّ الطالب حيث يقوم بتعلّم الأمور، ويوسّع تجاربه، ذلك يجب أن يكون له دور فاعل في عملية التعلّم.

وفي مجال التربية الأخلاقية والاجتماعية، يجب أن يؤدّي المعلّم - أيضاً - دور الدليل والمرشد، فيمكنه أن يُعين الطفل من خلال توفير الفرص له؛ ليدرك بنفسه جودة بعض الأعمال أو رداءتها في الظروف المتنوّعة، ويرى نتائجها، وعن هذا الطريق يعمل في حقل تنميته الأخلاقية. وكلّما كبر الشخص، ودخل مراحل لاحقة من النمو، فهو يستطيع أن يتولّى إدارة شؤونه بنفسه. وللوالدين، والمعلّم، والقانون، دور الدليل والمرشد.

إنّ الملفت للنظر هو أنّ الإنسان - حتى لو كان في مرحلة الطفولة - لا يخضع لإشراف والديه أو إشراف الآخرين في جميع الأوقات واللحظات. وسواء كان الطفل لا يزال غير قادر على المشي، أو كان قادراً، فإنّ الأُم أو المشرف - في أوقات متنوّعة - مشغولان بعملهما، ولذلك فهما إمّا يغفلان عن الإشراف عليه، أو يعجزان عن ذلك، فما هو التكليف إذاً في مثل هذه الحالات؟ فلو تربّى الطفل على الاتّكال على أُمّه، أو على المشرف في إدارة شؤونه، فماذا عساه أن يفعل لو كان وحده؟

وبناءاً على ذلك، يقال بأنّه يجب تربية الأطفال من البداية بشكل هم يتولّون فيه إدارة شؤونهم. وعندما يستطيع الإنسان أن يمشي أو يذهب إلى المدرسة، أو يمارس عملاً في مؤسّسة ما، فعند ذلك يخرج من دائرة إشراف الآخرين عليه.

والمعلّم في الابتدائية لا يستطيع أن يراقب الطفل في جميع اللحظات، وكذلك الوضع في الإعدادية. والقانون هو الآخر، ليس له سيطرة على الأشخاص دائماً، لذلك فإنّ الإنسان قادر أن يدير شؤونه بنفسه، فعليه أن يقوم بذلك.

والرسالة التي لها دور تربويّ، عليها أن تذعن لهذه الحقيقة، فتعمل على تربية الإنسان بهذا النسق.

١٢٩

فالتقوى - كما مرّ بنا - تعني السيطرة على النفس وتولّي شؤونها ذاتياً، والإنسان المتّقي يراقب سلوكه، لاخوفاً من الآخرين، ولا خوفاً من القانون، بل لأنّه يعرف أنّ عليه أن يعمل بصورة منطقيّة معقولة. وهذا المعنى للتقوى وبُعدها التربوي، كان يدور في خلدي، من هذا المنطلق، جمعت آيات من القرآن، ونصوصاً من نهج البلاغة حول التقوى، لكي يتسنى لي أن أنقلها عند تأليف هذا الكتاب.

كنت ذات يوم مشغولاً بمطالعة الجزء الأوّل من كتاب (پرتوي از قرآن): (قبس من القرآن) فرأيت أنّ المجاهد الكبير المرحوم آية الله الطالقاني، له رأي يحمل هذا المضمون نفسه، في الجزء الثالث من الصفحة الرابعة والخمسين من الكتاب، وذلك ضمن تفسيره لقوله تعالى:

( الم * ذلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتّقِينَ ) ، (البقرة: 1 - 2).

يقول فيه: (إنّ الضمير الفاعل الواعي الذي يقي الشهوات والعواطف والغضب من التمرد والاصطدام بحقوق الآخرين هو وقاية النفس الإنسانية، وصاحبها هو المتّقي. هذا الضمير موجود في كلّ نفس مع الاختلاف من شخص إلى آخر).

وللمرحوم آية الله مطهّري مناقشة دقيقة حول مفهوم التقوى وآثارها، ضمن مقالة له تحت عنوان: (التقوى) مطبوعة في كتاب (عشر مقالات) من قِبَل (منشورات الحكمة). يقول في الصفحة الرابعة من الكتاب حول التقوى في العرف الشرعي: (التقوى في عرف الشرع تعني وقاية النفس من أن ينجرّ الإنسان إلى المعصية، فيترك الممنوعات والمحرّمات). ويقول في الصفحة السابعة من الكتاب المذكور تتمّة للبحث: (لذلك فإنّ التقوى - بالمعنى العام للكلمة - ضرورة في حياة كل شخص يريد أن يكون إنساناً يعيش بتوجيه عقله، ويتبع مبادئ معيّنة).

وجاء حول التقوى الدينية قوله أيضاً: (إنّ التقوى الدينية والإلهيّة تعني أنّ الإنسان يصون نفسه من كلّ شيءٍ حدّده الدين في الحياة، على أنّه خطأ وذنب وقبح، فلا يرتكب شيئاً من ذلك).

١٣٠

بإيجاز، فإنّ ما يُستشفّ من التقوى هو أنّها السيطرة على النفس، أي: السيطرة على نزواتها، ومراقبة ممارستها. وكما قلنا - فيما سبق - فإنّ هدف التربية والتعليم هو تربية الشخصية التي تستطيع أن تسيطر على نفسها، وتجعل نزواتها وعواطفها تحت إشرافها، لتعمل وفقاً للمعايير المنطقية والعقلية.

وبالنظر إلى أنّ الأُسس الإسلامية - كما ذكرنا فيما مضى أيضاً - في كلّ مجال، ولا سيّما في مجال التربية والأخلاق، تدعم حكم العقل، لذلك يمكن القول بأنّ التقوى الدينيّة، أو بعبارة أصح: التقوى الإسلامية مؤيّدة للتقوى بصورة عامّة. من جهة أُخرى، فإنّ التقوى المنبثقة من النظام التوحيدي أقوى من التقوى العاديّة.

وهنا يُثار هذا السؤال في حقل الأخلاق، وهو: هل إنّ المعايير الأخلاقية تستطيع أن توجّه الناس وتحول دون انحرافهم بدون التوكؤ على الأُسس الدينية؟

يعتقد البعض بأنّ للأخلاق أن توجّه الناس بدون التوكؤ على الدين أيضاً. وهذا صحيح إلى حدّ ما، لأننا نلتقي بأشخاص غير متدينين يمتنعون من فعل ما هو قبيح، ويجدّون في فعل ما هو حسن. في مقابل هؤلاء، نلتقي بأشخاص آخرين لهم ميول دينية كما يبدو عليهم، بيد أنّ في عملهم شطحات وزلاّت كثيرة.

أمّا فيما يخصّ الفريق الأوّل، فينبغي أن نضع في الحسبان استعداد هؤلاء للانحراف. فالإنسان يخضع لنزواته الشخصية إلى حدٍّ بعيد، ويمكن أن تجرّه الماديّات إلى الانحراف. وفي واقعنا المعاصر، نرى بعض القادة الوطنيّين في ما يسمّى بالدول الديمقراطية أو الإشتراكية يبتلون بالانحراف من الناحية المالية والاقتصادية، مع أنّهم في مناصب يقلّ معها احتمال انحرافهم، وهم موضع ثقة شعوبهم، إذ لولا هذه الثقة لما تمّ انتخابهم، مع ذلك فإنّ طبيعة النفس الإنسانية في المجال العاطفي والنزوات الشخصية تجرّ هؤلاء إلى الانحراف. وفي المجتمعات التي لا تسود فيها سلطة المال، فإنّ حب المنصب والتسلّط يسوق القادة والمسؤولين إلى حضيض الانحراف.

إنّ ما يمكن أن يحول دون الانحراف هو ارتباط الإنسان بعالم الغَيْب الأبدي،

١٣١

أي: ارتباطه بالله بوصفه مَظهر العلم، والقدرة، والعدالة، والرأفة. ففي رحاب هذا الارتباط، يشعر الإنسان أنّه دائماً أمام القوّة الإلهيّة الدائمة، ولذلك قلّما يُبتلى بالانحراف.

في ضوء ما تقدّم، يمكن القول بأنّ التّقوى الدينية كيان قوي يحول دون انحراف الناس، ومن المفيد هنا الالتفات إلى هذه الآية الكريمة:

( أَفَمَنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى‏ تَقْوَىً‏ مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى‏ شَفا جُرُفٍ هَارٍ ) ، (التوبة: 109).

وأمّا ما يخصّ الفريق الثاني، فينبغي القول: إنّ هؤلاء متديّنون في ظاهرهم، وغير متدينين في صعيد الحقيقة والواقع، حيث لا يمتلكون رؤية واعية وإدراكاً صحيحاً للدين وأُسسه. فهم يقومون ببعض الأعمال من وحي التقليد والمجاراة للوسط الاجتماعي الذي يعيشون فيه، وليس لهم روح دينية. لقد ذُكرت التقوى في الآيات القرآنية بأشكال متنوّعة، فقد جاءت في الآية التالية بوصفها معياراً للأخلاق ومقياساً للتفاضل بين الناس:

( يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى‏ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ، (الحجرات: 13).

وقال جلّ من قائل:( .. إِن تَتّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً.. ) ، (الأنفال: 29).

ويقول الإمام عليعليه‌السلام في شأنها:

«فإنّ تقوى الله مفتاحُ سَداد، وذخيرةُ معاد، وعتْقٌ من كلّ مَلكَة، ونجاةٌ من كلِّ هَلَكة. بها يَنجَحُ الطّالب، وينجو الهارب، وتُنالُ الرغائب».

ووردت التقوى في سورة البقرة بوصفها خير زاد. قال تعالى:

( وَتَزَوّدُوا فإنّ خَيْرَ الزّادِ التّقْوَى‏ ) ، (البقرة: 197).

وجاءت في سورة المائدة بوصفها هدفاً للعدالة. قال تعالى:

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ للّهِ‏ِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ

١٣٢

عَلَى‏ أَلّا تَعْدِلُوا إِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَى‏ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ، (المائدة: 8).

ويوصي الإمام عليعليه‌السلام الناس بالتقوى في خطبة من خطبه الحكمية، منبّهاً على دورها في توجيه أعمالهم، وترسيخ سلوكيّاتهم، فيقول في (ص620) من نهج البلاغة:

«أُوصيكم عبادَ الله بتقوى الله، فإنّها الزمامُ والقِوام، فتمسّكوا بوثائِقها، واعتصموا بحقائقها، تَؤُلْ بكم إلى أكنان الدَّعَة، وأوطان السَّعة، ومعاقلِ الحرز، ومنازل العزّ..».

وفي فقرة من خطبة أُخرى، يتطرّق إلى آثارها ونتائجها، فيقول:

(فإنّ تقوى الله دواءُ داءِ قلوبكم، وبَصرُ عمى أفئدتكم، وشِفاءُ مرضِ أجسادِكم، وصلاحُ فسادِ صدورِكم، وطهورُ دنَسِ أنفسِكم، وجِلاءُ عشا أبصاركم...).

نلحظ في هذه الفقرة أنّهعليه‌السلام يتحدّث حول نتائج التقوى في مجال علاج الأمراض الروحية، وزوال عمى القلوب، واجتثاث فساد العقول والأفكار، وتزكية النفس وتهذيبها، ويصف التقوى في كلماته القصار من نهج البلاغة بأنّها رئيس الأخلاق، فيقول: «التُّقى رئيسُ الأخلاق».

التقوى والحريّة

للتقوى علاقة حميمة مع الحريّة، وربّما يمكننا القول بأنّ التقوى ركيزة الحريّة ودعامتها. ولقد تحدّثت عن موضوع الحريّة في كتابي: (من هو المثقّف؟). وتوضيحاً للعلاقة القائمة بين الحريّة والتقوى، من المناسب أن ننقل هنا شطراً من ذلك الحديث:

نحن نعلم أنّ بعض الكتّاب يعرّف الحريّة بأنّها: تعني أنّ لكلّ أحد أن يفعل ما يشاء بشرط أن لا يُزعج الآخرين.

١٣٣

ثمّة إشكالات على هذا التعريف:

الأوّل: لا يستطيع الإنسان أن ينساق وراء نزواته وميوله في حالات متنوّعة، إذ ليست جميع نزواته ذات قيمة. فقد يكون عرضة لرغبات ونزوات متضاربة في ظروف متباينة.

بكلمة بديلة: إنّ تنوّع الرغبات وعدم استقرارها يمنع من أن يستسلم الإنسان لها. ولو فرضنا أنّ الإنسان حيوان يمكن أن يعيش منفرداً، ففي مثل هذه الحالة أيضاً، لا يمكن للإنسان السير وراء الرغبات بسبب تغيّرها ووجود التضارب فيما بينها.. مبدئيّاً، فإنّ إشباع الرغبات لا يُسعد الإنسان دائماً.

سنرى فيما بعد أنّ الحريّة تعني - من جهة - إزالة العراقيل، والقضاء على الديكتاتوريّين المستبدّين الذين يصادرون حريّات الآخرين، من خلال فرض آرائهم وميولهم ومصالحهم عليهم. والآن يجب أن نلحظ فيما لو أُزيلت العوائق أو انمحت الحوائل، واستسلم المرء لنزواته ورغباته، فهل هو حرّ في مثل هذه الحالة؟ وهل يفيد من الحريّة؟

لا ريب أنّه أنقذ نفسه من عامل خارجي، بيد أنّه - من جهة أُخرى - ارتمى في أحضان عامل آخر لا تقلّ سلطته عن سلطة ذلك العامل، وفي الانجراف وراءه ضرر له، جاء في القرآن الكريم بأنّ الذين يطيعون هوى أنفسهم (رغباتهم)، أو شهواتهم العابرة، فإنّ صنعتهم خاسرة، وتجارتهم غير رابحة. لذلك يمكن القول بأنّه من غير الصحيح أن ينجرف الإنسان وراء رغباته ونزواته تحقيقاً للحريّة، فالانجراف وراء النزوات والرغبات يعني - من جهة - التنكّر للحريّة.

الثاني: إنّ شرط عدم إزعاج الآخرين الوارد في التعريف هو شرط غامض. ومن أجل تبيان هذا الغموض، واثبات عدم جدواه، أُلفت أنظار القرّاء إلى المثال التالي:

افرضوا أنّ أربعة من الطلاّب الجامعيّين يعيشون في غرفة واحدة، وهم جميعهم من أنصار الحريّة. لا ريب أنّ الحياة الجماعية لهؤلاء تحمل معها فوائد لهم، حيث

١٣٤

يستعذبون الحديث فيما بينهم، وأحدهم يفيد من معلومات الآخر، ويقسّمون الأعمال المنزلية فيما بينهم، ويدفعون إيجاراً أقل... وهكذا.

قلنا: إنّ هؤلاء من دعاة الحرية وأنصارها. والآن لنرى هل إنّ للحريّة، التي تعني: اشباع الرغبات بشرط عدم ازعاج الآخرين، معنى في قاموسهم؟ وهل هي قابلة للتطبيق؟

في الليلة الأُولى، وبعد الاستقرار في الغرفة، ونظراً إلى أنّهم طلاّب جامعيّون، فهم مصممّون على مطالعة دروسهم، وهو أمر معقول ومستساغ، فلنر كيف تطبّق الحريّة - التي تعني: إشباع الرغبات - في قضيّة قراءة الدروس؟

افرضوا أنّ أحدهم يقول: بأنّه يرغب أن يقرأ درسه ماشياً، والآخر يرغب أن يقرأ وهو مضطجع على فراشه، والثالث متعوّد أن يقرأ وهو يستمع إلى المذياع، والرابع لا يستطيع أن يقرأ إلاّ في جوٍّ هادئ يسوده الصمت والسكوت.

فمع أنّ الموضوع هو قراءة الدروس، هل يا ترى يستطيع كلُّ واحد من هؤلاء أن يعمل وفق رغبته؟

والنتيجة هي: بما أنّ رغبات هؤلاء الأربعة غير متماثلة، فلا محالة أنّه لا يستطيع كل واحد منهم أن يعمل حسب رغبته.

والقضية الأُخرى هي: أيّ واحد منهم يكون سبباً لإزعاج رفيقه الآخر؟

فهل هو الشخص الذي يقرأ ماشياً؟ أم الذي يقراً مضطجعاً؟

أم إنّ الثاني يزعج الأوّل؟

أم الثالث الذي يرغب أن يقرأ وهو يستمع إلى المذياع، يزعج الآخرين؟

أم إنّ الآخرين يزعجونه؟

فتلحظون، إذاً، أنّ مسألة إزعاج الآخرين غير واضحة، وليس لأيّ واحد من هؤلاء الحق أن يعتبر الآخر مزعجاً له.

في ضوء ذلك ترون أنّ الحريّة - بمعنى إشباع الرغبات، وعدم إزعاج الآخرين - ليس لها معنى في قاموس هذه المجموعة، ولا المجموعة الأكبر منها، وهي: المجتمع.

يقول الإمام الصادقعليه‌السلام : «الهوى عدوّ العقل»، فاتّباع الهوى لا ينسجم مع السلوك العقلي، فما معنى الحريّة، إذاً؟

للحريّة بُعدان: سلبي،

١٣٥

وإيجابي.

ففي البُعد السلبي - كما مرّ بنا - تعني الحرية إزالة العراقيل أو عدم وجودها، حيث يطمح الشخص أن ينقذ نفسه من شرّ شخص آخر يحول دون حريّته. وعندما يقال بأنّ تاريخ الإنسان كفاح في سبيل الحريّة، فإنّ هذا يعني: قطع يد المستبدّين والديكتاتوريّين من التحكّم في رقاب الناس.

والآن علينا أن ننظر، هل تتحقّق الحريّة عندما يُقضى على الشخص الذي يحدّ من حريّة الآخرين، أو على الدكتاتور؟ كما نرى، أنّ القضاء على مثل هذا الشخص لا يفضي إلى الحريّة بذاته. وهنا يأتي دور البُعد الإيجابي للحرية، فعندما يتخلّص الشخص من شرّ عامل خارجي، ويُحكم سيطرته على نزواته ورغباته، فعند ذلك تعني الحريّة بالنسبة إليه اتّباع العقل أو العمل بتعقّل.

في الحقل الاجتماعي أيضاً، عندما يسقط الدكتاتور، فلا تعني الحريّة أن يَعمل كلُّ شخص مايشاء، أو أن يكتب كلُّ أحد ما يشتهي، بل الحرية تعني أن تسلك الجماعة منهجاً عقلياً أو علمياً في تعاملها مع كل قضيّة، وذلك لأنّه لا وجود لأحد أفضل من الآخرين(*) من الناحية العلمية والفكرية في إدارة الشؤون الاجتماعية وعلاج المشاكل الجماعية.

لذلك يجب أن يكون الناس سادة على مصائرهم، وينبغي أن تتحقّق الحريّة على أيديهم. بيد أنّهم لابدّ لهم من سلوك المنهج العقلي أو العلمي في المسائل المتنوّعة، حتى يتسنّى لهم علاجها بأنفسهم. وهم أنفسهم يعيّنون حدود الحريّة عن طريق وضع القوانين.

إنّ الكاتب حرٌّ، بيد أنّ حريّته في تفكيره، وفي صحّة هذا التفكير، لا في سبابه وشتائمه، وتحريض الآخرين، وتصفية الحساب معهم من خلال تلقين

____________________

(*) هذا رأي مرفوض، لأنّ الواقع الاجتماعي يدفعه من حيث وجود من هو فاضل، ومن هو أفضل، ومن هو الأفضل.. وهكذا. المعرِّب.

١٣٦

الآخرين آراءه. فبسلوكه المنهج العلمي، يقوم بتحليل الظروف الاجتماعية المحيطة به وفقاً لاستعداده وتجاربه، حيث يحدّد المشاكل، ويأخذ بنظر الاعتبار إمكانيات المجتمع، ويقترح حلولاً أساسية، ويقدّم أهمّ حلّ يراه مناسباً للإمكانيات الاجتماعية المتوفّرة. فهذا هو معنى اتّباع العقل، أو العيش بتعقّل، أو كون الإنسان حرّاً.

في ضوء ما تقدم، يظهر لنا أنّ الحريّة تتحقّق في المجتمع من خلال سيادة الناس وحكمهم، وسلوك المنهج العقلي، من هذا المنطق، يقال بأنّ الحريّة تعني: اتّباع العقل أو انتهاج رؤية عقلية في شؤون الحياة.

لقد تحدثنا سابقاً حول رأي الإسلام في العقل، لذلك نُعرض عن تكرار ذلك في هذا الفصل،

يقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «صديق كلِّ امرئ عقله».

ويقول الإمام عليعليه‌السلام : «إنّ أغنى الغنى العقل».

لقد رأينا في مناقشة معنى التقوى بأنّها تعني - من جهة - السيطرة على النزوات والرغبات، واتّباع العقل. من هذا المنطلق، يمكن القول بأنّ التقوى - من جهة - هي نفسها الحريّة.

وفي فقرة من كلام مرّ بنا للإمام عليعليه‌السلام ، ورد البُعد السلبي والإيجابي للحريّة، في تعريف التقوى، يقول الإمام:

«فإنّ تقوى الله مفتاحُ سَداد، وذخيرةُ معاد، وعتقٌ من كلِّ ملكَةَ، ونجاة من كلِّ هلكة، بها ينجح الطالب، وينجو الهارب، وتُنال الرغائب..».

ونُقل في كتاب: تحف العقول (ص154) وصف الإمام عليعليه‌السلام للمتّقين، نكتفي هنا بذكر فقرات منه:

«فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل: منطقهم الصواب، وملبسُهم الاقتصاد، ومشيُهم التواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم...».

١٣٧

تعليم الحكمة هدف تربوي أساس

إنّ شمولية النظام التربوي في الإسلام، والترابط الموجود بين أبعاده المتنوّعة يفضيان إلى تداخل المواضيع وتكرارها.

وكما ألمحنا مراراً في هذا الكتاب، فإنّ النظام التربوي في الإسلام يشمل جميع أبعاد الحياة الإنسانية، لذلك عندما نتحدث حوله، أو نناقش خصائصه، لانجد مندوحة من الحديث حول البعد العقلي، والبعد الاجتماعي، والبعد الحركي، والبعد الثوري فيه. وحينما نتكلم حول أهداف النظام التربوي في الإسلام، وأساليبه، ومحتوياته، فإننا نضطرّ إلى تكرار بعض المواضيع.

على القرّاء الكرام الالتفات إلى شتّى المواضيع وفقاً لأرضية طرحها، وجهدنا هو أن نستفيد من الغنى الذي عليه الثقافة والتعاليم الإسلامية، وننقل الآيات والأحاديث غير المذكورة عند دراسة موضوع معيّن في مجالات متنوّعة. وأحياناً نجد أنّ أهميّة الموضوع في المجالات المتنوّعة تتطلّب تكرار حديث أو آية. لاحظوا الآيات التالية فيما يخصّ تعليم الحكمة:

( رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ، (البقرة: 129).

( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكّيكُمْ وَيُعَلّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) ، (البقرة: 151).

( لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) ، (آل عمران: 164).

( هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الْأُمّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) ، (الجمعة: 2).

لقد تمّ التأكيد في الآيات المذكورة - كما يُلحظ - على التزكية والتعليم والحكمة. وكما قلنا فيما سبق، فإنّ الإسلام يؤكّد أهميّة العلم والحكمة، ويعتبر رسالة

١٣٨

الأنبياء هي تعليم الحكمة، وواجب الناس هو طلب العلم.

إنّ كلمة الحكمة تعني الكلام المنطقي أو المعرفة الحقيقيّة. ولتعليم الكلام المنطقي أو المعرفة المبرهنة أهميّة خاصّة من الناحية التربوية، حيث يرى بعض المربّين أنّ عملية التربية والتعليم تعني تربية القابلية على إصدار الحكم الصحيح، أو الحكم مع الدليل. بكلمة بديلة: إنّ عمل المربّي هو مساعدة الشخص ليتعلّم ما هو منطقي، ويقرّ به، ويرفض ما هو بعيد عن المنطق. وبما أنّ تعلّم موضوع من المواضيع أو قبوله يتطلّب الحكم عليه، لذلك تشكّل تربية القابلية على إصدار الحكم المنطقي أساس التربية والتعليم وهدفهما. ولهذا المفهوم عن التربية والتعليم عدد من المواصفات الجوهرية منها:

اوّلاً: أنْ يكون معناه واضحاً بيّناً، فالمربّي في الروضة، والمعلّم، والمدّرس، والأُستاذ الجامعي، وأكثر الأشخاص الذين لهم باع في الخدمات التعليمية، كلّ أولئك يدركون معنى الحكم الصحيح، أو الحكم مقروناً بالدليل.

ثانياً: إنّ مفهوم الحكم المنطقي هو غير تحصيل المعلومات. ويُلحَظ - غالباً - أنّ بعض المربّين والأشخاص العاديّين لا يفرّقون بين التربية، وتحصيل المعلومات، ففي رأيهم، إنّ طلب المعرفة، وتصعيد مستوى المعلومات مرادفان للتربّي، بيد أنّ الواقع يحكي انّ التربية منفصلة عن تصعيد مستوى المعلومات. طبيعياً، ومن الناحية التربوية، فإنّ من يتعلّم أمراً، ينبغي عليه أن يجعل التعليم وسيلة لتربيته أو تربية الآخرين، ولكن في الصعيد العملي، فإنّ التعليم بشكلٍ، ينقل المعلّم فيه المواضيع إلى ذهن الطالب، فيصعّد من معلوماته، ولا يستفيد من التعليم كوسيلة للتربية.

ونلتقي في حياتنا بأشخاص على مستوى عالٍ من حيث المعلومات أو الحفظيات، بيد أنّهم ضعفاء جدّاً من حيث الفكر، أو من حيث كيفية التقويم وإصدار الحكم.

ثالثاً: إنّ عملية التربية والتعليم بوصفها تربية القابلية على الحكم المنطقي،

١٣٩

قابلة للتطبيق في كلّ مستوى، وكلّ مرحلة من مراحل النمو، فالمربّي في الروضة يستطيع أن ينمّي في الأطفال القابلية على الحكم المنطقي تدريجاً من خلال انتخاب القصص والألعاب المناسبة، حيث يطلب منهم أن يقدّموا سبباً لانتخابهم لقصّةٍ ما أو لعبة ما، وهو أيضاً يقدم لهم السبب الذي دعاه إلى اختيار لعبة أو قصّة خاصّة، وبواسطة هذا العمل، يربّي فيهم القابلية على الحكم وإبداءِ الرأي.

ونسجاً على نفس المنوال، فإنّ المعلّم في الابتدائية بمقدوره دعوة الطلاّب إلى الحكم والتقويم، وحثُّهم على امتلاك القابلية على الحكم الصحيح تدريجاً، وذلك من خلال طرح المواضيع العلمية المبسّطة، أو النصائح والأمثال، أو القصص التاريخية.

وفي المستويات الأُخرى من التعليم، وبعامّة، في جميع مراحل النموّ، على الشخص أن يحكم بصورة صحيحة.

إنّ الناس يبدون وجهات نظرهم ويحكمون ويقوّمون باستمرار سواء في أمور الحياة، أو في المسائل الاجتماعية والعلمية. ولو كان المربّون - منذ البداية - يهتمّون بهذا المفهوم من التربية والتعليم، لاستطاعوا أن يعينوا طلاّبهم في مجال تربية القابلية على الحكم الصحيح بسهولة. وفي هذا المجال، يذكر المرحوم آية الله مطهّري في (ص136) من كتاب (عشر مقالات) حديثاً أُثر عن السيد المسيحعليه‌السلام ضمن المقالة التي تتحدّث عن فريضة العلم، يقول فيه:

«خذوا الحقّ من أهل الباطل ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق. كونوا نقّاد الكلام».

ثمّة نقاط رائعة في هذا الحديث:

الأُولى: إنّ كلام الحق قيّم بذاته.

الثانية: يجب أن لا يكون المتكلّم عنصراً مؤثّراً في قبول الكلام أو رفضه.

بكلمة بديلة: يجب تدقيق الكلام ودراسته.

الثالثة: التأكيد على نقد الكلام.

وعلى الأشخاص أنفسهم أن يقوموا بنقد الكلام. كما لحظنا، أنّ كلمة الحكمة

١٤٠