الغدير في الكتاب والسنة والأدب الجزء ٩

الغدير في الكتاب والسنة والأدب0%

الغدير في الكتاب والسنة والأدب مؤلف:
الناشر: دارالكتب الإسلامية
تصنيف: الإمامة
الصفحات: 403

الغدير في الكتاب والسنة والأدب

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: العلامة الشيخ الأميني
الناشر: دارالكتب الإسلامية
تصنيف: الصفحات: 403
المشاهدات: 45409
تحميل: 4159


توضيحات:

الجزء 1 المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 9
المقدمة
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 403 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 45409 / تحميل: 4159
الحجم الحجم الحجم
الغدير في الكتاب والسنة والأدب

الغدير في الكتاب والسنة والأدب الجزء 9

مؤلف:
الناشر: دارالكتب الإسلامية
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الغدير

في الكتابْ و السّنّة و الأدبْ

الجزء التاسع

يتضمن تراجم جمع من أعاظم

الصَحابة رجال الدعوة الصالحة والبحث

عمّا لفَّقته يد الإفتعال من التاريخ المزوَّر. وما

ألَّفته سماسرة الجهل والدجل من الكتب. والإعراب

عن صحيح ما في قصَّة قتيل الصَحابة « عثمان »

وإخفاق ما هنالك من جلبة ولغط، أو مكاء

وتصدية والله وليُّ التوفيق

١

بسم الله الرّحمن الرّحيم

سُبحانَكَ! ما كانَ لنا أنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُوِنكَ مِنْ أولياءَ، فالحَقُّ و الحقَّ أقولُ، حَقيقٌ عليَّ أنْ لا أقولَ عَلى اللهِ إلّا الحقَّ، مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغيرِ عِلمٍ وَ لا هدىً و لا كِتابٍ مُنِير، وَ لَدينا كِتابٌ يَنطِقُ بِالحقِّ، كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَربيّاً، إذهبْ بِكتابي هذا فألقِهِ إلَيهمْ ثُمَّ تَولَّ عَنهُمْ، و قُلْ جاءَ الحَقُّ وَ زَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقاً، و لقَدْ وَصَّلنا لهُمُ القولَ لعلهُم يَتذكّرونْ، وَ لِيعلمَ الذينَ اُوتوا العِلمَ أَنَّهُ الحقُّ مِنْ ربِّك فَيُؤمِنُوا بهِ فَتُخبِتَ لَهُ قُلوبهُمْ، إنَّما كان قَولُ المـُؤمِنينَ إذا دُعُوا إلى اللهِ وَ رَسُولِهِ لِيحكم بينَهُمْ أنْ يقُولوا: سمِعنا وَ أَطعنا، ألذينَ يَستمِعُونَ القولَ فيتَّبعونَ أحسَنَهُ اُولئِكَ الذِينَ هَداهُمُ الله وَ أُولئِكَ هُم اُولوا الألبابِ.

يا قوم لا أسألكمْ عَليهِ مالاً إنْ أجري إلّا على الله، لا أسألكُمْ عَليهِ أجراً إلّا المودَّة فِي القُربى، وَ مَا عَلَينا إلَّا البَلاغُ المـُبينُ، إنَّما وَليُّكُمُ اللهُ وَ رَسولُه وَ الذينَ آمَنُوا الذينَ يُقيمونَ الصّلاةَ وَ يُؤتُونَ الزَّكاةَ وَ هُم راكِعُون. فَالحَمدُ لِلَّهِ وَ سلامٌ عَلى المـُرسلينَ.

الأمينى

٢

يتبع الجزء الثامن

_٤١_

الخليفة يخرج ابن مسعود من المسجد عنفاً

أخرج البلاذري في الأنساب ٥: ٣٦ قال: حدَّثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف وعوانة في إسنادهما: إنَّ عبد الله بن مسعود حين ألقى مفاتيح بيت المال إلى الوليد بن عقبة قال: مَن غيَّر غيَّر الله ما به. ومن بدَّل أسخط الله عليه، وما أرى صاحبكم إلّا وقد غيَّر وبدَّل، أيُعزل مثل سعد بن أبي وقاص ويولّى الوليد؟ وكان يتكلّم بكلام لا يدعه وهو:

إنَّ أصدق القول كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمَّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وشرَّ الاُمور محدثاتها، وكلّ محدَث بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار(١) .

فكتب الوليد إلى عثمان بذلك وقال: إنّه يعيبك ويطعن عليك، فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه فاجتمع الناس فقالوا: أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شيءٌ تكرهه، فقال: إنَّ له عليَّ حقّ الطاعة ولا اُحبُّ أن أكون أوَّل من فتح باب الفتن. وفي لفظ أبي عمر: إنَّها ستكون امور وفتن لا اُحبّ أن أكون أوَّل من فتحها. فردَّ الناس وخرج اليه(٢) .

قال البلاذري: وشيّعه أهل الكوفة فأوصاهم بتقوى الله ولزوم القرآن فقالوا له: جزيت خيراً فلقد علّمتَ جاهلنا، وثبَّت عالمنا، وأقرأتنا القرآن، وفقَّهتنا في الدين، فنعم أخو الإسلام أنت ونعم الخليل، ثمَّ ودَّعوه وانصرفوا، وقدم ابن مسعود المدينة وعثمان يخطب على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلمّا رآه قال: ألا إنّه قد قدمت عليكم دُويبة سوء من يمشي على طعامه يقيء ويسلح، فقال إبن مسعود: لست كذلك ولكني صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر ويوم بيعة الرضوان. ونادت عائشة: أي عثمان! أتقول هذا لصاحب

____________________

١ - هذه جملة من كلمة ابن مسعود وقد اخرجها برمتها ابو نعيم فى حلية الاولياء ١: ١٣٨ وهى كلمة قيمة فيها فوائد جمة.

٢ - الاستيعاب ١: ٣٧٣.

٣

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ ثمَّ أمر عثمان به فاُخرج من المسجد إخراجاً عنيفاً، وضرب به عبد الله ابن زمعة الأرض، ويقال: بل احتمله « يحموم » غلام عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الأرض فدُقَّ ضلعه، فقال عليٌّ: يا عثمان! أتفعل هذا بصاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقول الوليد بن عقبة؟ فقال: ما بقول الوليد فعلت هذا ولكن وجّهت زُبيد بن الصلت الكندي إلى الكوفة فقال له ابن مسعود: إنَّ دم عثمان حلال، فقال عليٌّ: أحلت عن زبيد على غير ثقة.

وفي لفظ الواقدي: إنَّ ابن مسعود لمـَّا استقدم المدينة دخلها ليلة جمعة فلمَّا علم عثمان بدخوله قال: يا أيُّها الناس انّه قد طرقكم الليلة دُويبةٌ، من يمشي على طعامه يقيء ويسلح، فقال ابن مسعود: لست كذلك ولكنني صاحب رسول الله يوم بدر، و صاحبه يوم بيعة الرضوان، وصاحبه يوم الخندق، وصاحبه يوم حنين. قال: وصاحت عائشة: يا عثمان! أتقول هذا لصاحب رسول الله؟ فقال عثمان: اسكتي. ثمَّ قال لعبد الله ابن زمعة: أخرجه إخراجاً عنيفاً، فأخذه ابن زمعة فاحتمله حتى جاء به باب المسجد فضرب به الأرض فكسر ضلعاً من أضلاعه، فقال ابن مسعود: قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان.

قال البلاذري: وقام عليٌّ بأمر إبن مسعود حتى أتى به منزله، فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي، وأراد حين برىء الغزو فمنعه من ذلك وقال له مروان: إنَّ ابن مسعود أفسد عليك العراق، أفتريد أن يُفسد عليك الشام؟ فلم يبرح المدينة حتّى توفّي قبل مقتل عثمان بسنتين، وكان مقيماً بالمدينة ثلاث سنين.

وقال قومٌ: إنّه كان نازلاً على سعد بن أبي وقاص، ولمـّا مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائداً فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربِّي. قال: ألا أدعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا آمر لك بعطائك؟(١) قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينيه وأنا مستغن عنه؟ قال: يكون لولدك، قال: رزقهم على الله. قال: إستغفر لي يا أبا عبد الرحمن، قال: أسأل الله أن

____________________

١ - قال ابن كثير فى تاريخه ٧: ١٦٣: كان قد تركه سنتين.

٤

يأخذ لي منك بحقي، وأوصى أن لا يصلّي عليه عثمان فدفن بالبقيع وعثمان لا يعلم فلمَّا علم غضب، وقال: سبقتموني به؟ فقال له عمّار بن ياسر: إنَّه أوصى أن لا تصلّي عليه.

فقال ابن الزبير(١) :

لأعرفنَّك بعد الموت تندبني

وفي حياتي ما زوَّدتني زادي

وفي لفظ ابن كثير في تاريخه ٧: ١٦٣: جاءه عثمان في مرضه عائداً فقال له: ما تشتكي؟ قال ذنوبي. قال فما تشتهي؟ قال: رحمة ربِّي. قال: لا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: ألا آمر لك بعطائك؟ - وكان قد تركه سنتين - فقال: لا حاجة لي.

فقال: يكون لبناتك من بعدك، فقال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إنِّي أمرت بناتي أن يقرأن كلَّ ليلة سورة الواقعة وإنِّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: مَن قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تصبه فاقةٌ أبداً.

وقال البلاذري: كان الزبير وصيّ ابن مسعود في ماله وولده، وهو كلّم عثمان في عطائه بعد وفاته حتّى أخرجه لولده، وأوصى ابن مسعود أن يصلّي عليه عمار بن ياسر، وقومٌ يزعمون انَّ عمّاراً كان وصيّه ووصيَّة الزبير أثبت.

وأخرج البلاذري من طريق أبي موسى القروي باسناده: انَّه دخل عثمان على ابن مسعود في مرضه فاستغفر كلّ واحد منهما لصاحبه، فلمّا انصرف عثمان قال بعض من حضر: إنَّ دمه لحلال. فقال إبن مسعود: ما يسرُّني انَّني سددت إليه سهماً يخطئه وأنَّ لي مثل اُحد ذهباً.

وقال الحاكم وأبو عمرو ابن كثير: أوصى ابن مسعود إلى الزبير بن العوام فيقال: إنَّه هو الذي صلّى عليه ودفنه بالبقيع ليلاً بايصائه بذلك إليه ولم يعلم عثمان بدفنه، ثمَّ عاتب عثمان الزبير على ذلك، وقيل: بل صلّى عليه عثمان، وقيل: عمّار(٢) .

وفي رواية توجد في شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٣٦: لمـّا حضره الموت قال: مَن يتقبّل منِّي وصيَّة اوصيه بها على ما فيها؟ فسكت القوم وعرفوا الذي يريد فأعادها فقال عمّار: أنا أقبلها، فقال ابن مسعود: أن لا يصلّي عليَّ عثمان. قال: ذلك لك، فيقال:

____________________

١ - كذا والصحيح كما فى شرح ابن ابى الحديد ١: ٢٣٦: فتمثل الزبير.

٢ - المستدرك ٣: ٣١٣، الاستيعاب ١: ٣٧٣، تاريخ ابن كثير ٧: ١٦٣.

٥

إنَّه لمـّا دفن جاء عثمان منكراً لذلك فقال له قائلٌ: إنَّ عمّاراً وليُّ الأمر. فقال لعمّار: ما حملك على أن لم تؤذنِّي؟ فقال: عهد إليَّ أن لا اوذنك. إلخ. وذكر كلَّ ما رويناه عن البلاذري مع زيادة، فراجع.

وفي لفظ اليعقوبي: إعتلَّ إبن مسعود فأتاه عثمان يعوده فقال له: ما كلام بلغني عنك؟ قال: ذكرت الذي فعلته بي إنَّك أمرت بي فوطئ جوفي فلم أعقل صلاة الظهر ولا العصر ومنعتني عطائي. قال: فانِّي اقيدك من نفسي فافعل بي مثل الذي فعل بك. قال: ما كنت بالذي أفتح القصاص على الخلفاء. قال: فهذا عطاؤك فخذه، قال: منعتنيه وأنا محتاجٌ إليه. وتعطينيه وأنا غنيٌّ عنه، لا حاجة لي به. فانصرف فأقام ابن مسعود مغاضباً لعثمان حتّى توفّي. تاريخ اليعقوبي ٢: ١٤٧.

وأخرج محمَّد بن إسحاق بن محمّد بن كعب القرظي: انَّ عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطاً في دفنه أبا ذر. شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٣٧.

وفي تاريخ الخميس ٢: ٢٦٨: حبس (عثمان) عبد الله بن مسعود وأبي ذر عطاءهما وأخرج أبا ذر إلى الربذة وكان بها إلى أن مات. وأوصى (عبد الله) إلى الزبير وأوصاه أن يصلّي عليه ولا يستأذن عثمان لئلّا يصلّي عليه، فلمّا دفن وصل عثمان ورثته بعطاء أبيهم خمس سنين.

وأجاب بأنّ عثمان كان مجتهداً ولم يكن من قصده حرمانه، إمّا التأخير إلى غاية أدباً، إمَّا مع حصول تلك الغاية أو دونها وصل به ورثته ولعلّه كان أنفع له.

وفي السيرة الحلبية ٢: ٨٧ من جملة ما انتُقم به على عثمان: انَّه حبس عبد الله ابن مسعود وهجره، وحبس عطاء اُبِّي بن كعب، وأشخص عبادة بن الصامت من الشام لمـّا شكاه معاوية، وضرب عمّار بن ياسر وكعب بن عبدة ضربه عشرين سوطاً ونفاه إلى بعض الجبال، وقال لعبد الرحمن بن عوف: إنَّك منافق. الخ.

قال الأميني؟ لعلّك لا تستكنه هذه الجرأة ولا تبلغ مداها حتّى تعلم أنَّ ابن مسعود مَن هو، فهنالك تؤمن بأنَّ ما فُعل به حوبٌ كبير لا يبرّر مَن ارتكب به أيّ عذر معقول فضلاً عن التافهات.

١ - أخرج مسلم وابن ماجة من طريق سعد بن أبي وقاص قال نزل قوله تعالى:

٦

ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيِّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما مِن حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين « الأنعام ٥٢ » في ستة نفر منهم عبد الله بن مسعود.

راجع تفسير الطبري ٧: ١٢٨، المستدرك للحاكم ٣: ٣١٩، تاريخ ابن عساكر ٦: ١٠٠، تفسير القرطبى ١٦: ٤٣٢، ٤٣٣، تفسير ابن كثير ٢: ١٣٥، تفسير ابن جزي ٢: ١٠، تفسير الدر المنثور ٣: ١٣، تفسير الخازن ٢: ١٨، تفسير الشربيني ١: ٤٠٤، تفسير الشوكاني ٢: ١١٥.

٢ - أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى ٣: ١٠٨ ط ليدن من طريق عبد الله بن مسعود نزول قوله تعالى: الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتّقوا أجر عظيم « آل عمران ١٧٢ » في ثمانية عشر رجلاً هو أحدهم.

وذكر ابن كثير والخازن في تفسيرهما: إنّ ابن مسعود ممّن نزلت فيهم الآية.

٣ - ذكر الشربيني والخازن نزول قوله تعالى: أمّن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة. في ابن مسعود وعمَّار وسلمان. يأتي تفصيله بُعيد هذا في ترجمة عمَّار.

٤ - عن عليّعليه‌السلام مرفوعاً: عبد الله يوم القيامة في الميزان أثقل من اُحد. وفي لفظ: والذي نفسي بيده لهما (يعني ساقي ابن مسعود) أثقل في الميزان من اُحد.

وفي لفظ: والذي نفسي بيده لساقا عبد الله يوم القيامة أشدُّ وأعظم من اُحد وحراء.

راجع مستدرك الحاكم ٣: ٣١٧، حلية الأولياء ١: ١٢٧، الاستيعاب ١: ٣٧١، صفة الصفوة ١: ١٥٧، تاريخ ابن كثير ٧: ١٦٣، الاصابة ٢: ٣٧٠، مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ٢٨٩، وقال: أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم رجال الصحيح غير امّ موسى وهي ثقة، ورواه من طريق البزّار والطبراني فقال: رجالهما رجال الصحيح. كنز العمّال ٦: ١٨٠، ١٨١، ج ٧: ٥٥ نقلاً عن الطبراني والضياء وإبن خزيمة وصحَّحه.

٥ - عن علقمة وعمر في حديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من سرَّه أن يقرأ القرآن

٧

غضّاً. أو: رطباً، كما اُنزل فليقرأه على قراءة ابن أمِّ عبد.

أخرجه أبو عبيد في فضائله. أحمد. الترمذي. النسائي. البخاري في تاريخه. إبن أبي خزيمة. إبن أبي داود. إبن الأنباري. عبد الرزاق. إبن حبان. الدارقطني إبن عساكر. أبو نعيم. الضياء المقدسي. البزّار. الطبراني. أبو يعلى. وغيرهم.

راجع سنن إبن ماجة ١: ٦٣، حلية الأولياء ١: ١٢٤، مستدرك الحاكم ٣: ٣١٨، الاستيعاب ١: ٣٧١، صفة الصفوة ١: ١٥٦، طرح التثريب ١: ٨٥، الاصابة ٢: ٣٦٩، مجمع الزوائد ٩: ٢٨٧، كنز العمّال ٦: ١٨١.

٦ - عن أبي الدرداء مرفوعاً في حديث: رضيت لاُمَّتي ما رضي الله لها وابن اُمِّ عبد، وسخطت لاُمّتي ما سخط الله لها وابن اُم عبد.

أخرجه البزار والطبراني ورجال البزّار ثقات كما قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ٢٩٠، ورواه الحاكم في المستدرك ٣: ٣١٧، ٣١٨ وأبو عمر في الاستيعاب ١: ٣٧١ ويوجد في كنز العمّال ٦: ١٨١ و ج ٧: ٥٦.

٧ - عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : آذنك على أن ترفع الحجاب وتسمع سِوادي(١) حتّى أنهاك. قال ابن حجر: أخرجه أصحاب الصحاح.

مسند أحمد ١: ٣٨٨، سنن ابن ماجة ١: ٦٣، حلية الأولياء ١: ١٢٦، الاستيعاب ١: ٣٧١، تاريخ ابن كثير ٧: ١٦٢، الاصابة ٢: ٣٦٩.

٨ - أخرج الترمذي من طريق عبد الله في حديث قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تمسّكوا بعهد إبن اُم عبد.

وفي لفظ أحمد: تمسّكوا بعهد عمّار، وما حدَّثكم إبن مسعود فصدِّقوه.

راجع مسند أحمد ٥: ٣٨٥، حلية الأولياء ١: ١٢٨، تاريخ ابن كثير ٢: ١٦٢، الاصابة ٢: ٣٦٩، كنز العمّال ٧: ٥٥.

٩ - سُئل عليٌّ (أمير المؤمنين) عن ابن مسعود قال: علم القرآن وعلم السنّة ثمَّ انتهى وكفى به علماً.

____________________

١ - كذا فى جميع المصادر والسواد بالكسر: السرار. يقال: ساودت الرجل اى ساورته. وحسبه ناشر حلية الاولياء غلطا فجعله فى المتن « سرارى » وقال فى التعليق: فى الاصلين: سوادى.

٨

راجع حلية الأولياء لأبي نعيم ١: ١٢٩، المستدرك للحاكم ٣: ٣١٨، الاستيعاب ١: ٣٧٣، صفة الصفوة ١: ١٥٧.

١٠ - أخرج الحاكم في المستدرك ٣: ٣١٥ من طريق حبة العرني قال: إنَّ ناساً أتوا عليّاً فأثنوا على عبد الله بن مسعود فقال: أقول فيه مثل ما قالوا وأفضل: من قرأ القرآن وأحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه، فقيهٌ في الدين، عالمٌ بالسنّة.

١١ - أخرج الترمذي باسناد رجاله ثقاتٌ من طريق حذيفة بن اليمان: إنَّ أشبه الناس هدياً ودلّاً وسمتاً بمحمَّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبد الله.

وفي لفظ البخاري: ما أعرف أحداً أقرب سمتاً وهدياً ودلّاً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من إبن اُم عبد، وزاد الترمذي: ولقد علم المحفوظون من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّ إبن ام عبد أقربهم إلى الله زلفى. وفي لفظ أبي نعيم: انّه من أقربهم وسيلة يوم القيمة. وفي لفظ أبي عمر: سمع حذيفة يحلف بالله ما أعلم أحداً أشبه دلّا وهدياً برسول الله من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه من عبد الله بن مسعود، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّه من أقربهم وسيلة إلى الله يوم القيامة.

وفي لفظ علقمة: كان يشبّه بالنبيِّ في هديه ودلّه وسمته.

راجع صحيح البخاري كتاب المناقب. مسند أحمد ٥: ٣٨٩، المستدرك ٣: ٣١٥، ٣٢٠ حلية الاولياء ١: ١٢٦، ١٢٧، الاستيعاب ١: ٣٧٢، مصابيح السنَّة ٢: ٢٨٣، صفة الصفوة ١: ١٥٦، ١٥٨، تاريخ ابن كثير ٢: ١٦٢، تيسير الوصول ٣: ٢٩٧ الاصابة ٢: ٣٦٩، كنز العمّال ٧: ٥٥.

١٢ - أخرج الشيخان والترمذي عن أبي موسى قال: قدمت أنا وأخي من اليمن وما نرى ابن مسعود إلّا أنّه رجلٌ من أهل بيت النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما نرى من دخوله و دخول اُمِّه على النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

راجع المستدرك للحاكم ٣: ٣١٤، مصابيح السنَّة: ٢: ٢٨٤، تيسير الوصول ٣: ٢٧٩ نقلاً عن الشيخين والترمذي، تاريخ ابن كثير ٧: ١٦٢، مرآة الجنان لليافعى ١: ٨٧، الاصابة ٨: ٣٦٩ قال: عند البخاري في التاريخ بسند صحيح.

١٣ - أخرج أحمد في مسنده ٤: ٢٠٣ من طريق عمرو بن العاصي قال: مات

٩

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يحبُّ عبد الله بن مسعود وعمّار بن ياسر.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ٢٩٠ بلفظ: مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو راض عنه. حكاه عن أحمد والطبراني فقال. رجال أحمد رجال الصحيح، وأخرجه ابن عساكر من طريق عثمان بن أبي العاص الثقفي كما في كنز العمّال: ٧: ٥٦.

١٤ - أخرج البخاري من طريق عبد الله بن مسعود قال: أخذت من في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبعين سورة وإنَّ زيد بن ثابت لصبيٌّ من الصبيان. وفي لفظ: أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت وله ذؤابة يلعب مع الغلمان. وفي لفظ: ما ينازعني فيها أحد.

حلية الأولياء ١: ١٢٥، والاستيعاب ١: ٣٧٣، تهذيب التهذيب ٦: ٢٨ وصحَّحه كنز العمّال ٧: ٥٦ نقلاً عن ابن أبي داود.

١٥ - أخرج البغوي من طريق تميم بن حرام(١) قال: جالست أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فما رأيت أحداً أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أحبُّ إليَّ أن أكون في صلاحه من إبن مسعود، الاصابة لإبن حجر ٢: ٣٧٠.

وأخرجه البخاري في تاريخه ١ قسم ٢ ص ١٥٢ ولفظه: أدركت أبي بكر وعمر وأصحاب محمَّد عليهم السَّلام فما رأيت أحداً. الخ.

١٦ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: كان عبد الله صاحبِ سواد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعني سرِّه.

وعن أبي الدرداء: ألم يكن فيكم صاحب السواد عبد الله؟.

وعن عبد الله بن شدّاد: إنَّ عبد الله كان صاحب السِواد والوساد والسواك والنعلين(٢) .

راجع طبقات ابن سعد ٣: ١٠٨، حلية الأولياء ١: ١٢٦، الاستيعاب ١: ٣٧١، صفة الصفوة ١: ١٥٦، طرح التثريب ١: ٧٥.

١٧ - عن أبي وائل قال إبن مسعود: إنِّي لأعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم و

____________________

١ - فى تاريخ البخارى: حذلم.

٢ - كان يلزم رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ ويحمل نعليه. قاله ابن حجر فى تهذيب التهذيب ٦: ٢٨.

١٠

ما في كتاب الله سورة ولا آية إلّا وأنا أعلم فيم اُنزلت ومتى نزلت. قال أبو وائل: فما سمعت أحداً أنكر ذلك عليه.

أخرجه الشيخان والنسائي كما في تيسير الوصول ٣: ٢٧٩، وأبو عمر في الاستيعاب ١: ٣٧٢، وذكره اليافعي في مرآته ١: ٨٧.

هذا ابن مسعود

وهذا علمه وهديه وسمته وصلاحه وزلفته إلى نبيِّ العظمةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أضف إلى ذلك كلّه سابقته في الإسلام وهو سادس ستة، وهجرته إلى الحبشة ثمَّ إلى المدينة، وشهوده بدراً ومشاهد النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّها، وهو أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة كما في رواية أبي عمر في الإستيعاب، ولعلّك لا تشكُّ بعد سيرك الحثيث في غضون السيرة والتاريخ في أنَّه لم يكن له دؤب إلّا على نشر علم القرآن وسنَّة الرسول وتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، وتثبيت القلوب، وشدِّ أزر الدين، في كلّ ذلك هو شبيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هديه و سمته ودلِّه، فلا تجد فيه مغمزاً لغامز، ولا محلاًّ للمز لامز، وقد بعثه عمر إلى الكوفة ليعلّمهم اُمور دينهم، وبعث عمّاراً أميراً وكتب إليهم: إنَّهما من النجباء من أصحاب محمَّد من أهل بدر، فاقتدوا بهما واسمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي(١) وقد سمعت ثناء أهل الكوفة عليه بقولهم: جُزيت خيراً، فلقد علّمت جاهلنا وثبَّتَ عالمنا، وأقرأتنا القرآن، وفقَّهتنا في الدين، فنعم أخو الإسلام أنت ونعم الخليل.

كان إبن مسعود أوَّل من جهر بالقرآن بمكّة، إجتمع يوماً أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطّ، فمن رجلٌ يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا. قالوا: إنّا نخشاهم عليك، إنَّما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال: دعوني فإنَّ الله سيمنعني، قال: فغدا ابن مسعود حتّى أتى المقام في الضحى، وقريشٌ في أنديتها، حتّى قام عند المقام ثمَّ قرأ: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. رافعاً بها صوته. ألرحمن علّم القرآن. قال: ثمَّ استقبلها يقرؤها. قال: وتأمَّلوه، فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن اُم عبد؟ قال: ثمَّ قالوا: إنَّه ليتلو بعض ما جاء به محمَّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقاموا إليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتّى بلغ منها ما شاء

____________________

١ - الاستيعاب ١: ٣٧٣، ج ٢ ٤٣٦، الاصابة ٢: ٣٦٩.

١١

الله أن يبلغ، ثمَّ انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون عليَّ منهم الآن. ولئن شئتم لاُغادينَّهم بمثلها غداً، قالوا: لا، حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون(١) .

وقد هذَّبته تلكم الأحوال وكهربته، فلم يُسق لمغضبة على باطل، ولم يحده طيشٌ إلى غاية، فهو إن قال فعن هُدى، وإن حدَّث فعن الصادع الكريم صدقاً، وإن جال ففي مستوى الحقّ، وإن صال فعلى الضلالة، وعرفه بذلك مَن عرفه من أوّل يومه، وكان معظماً مبجَّلاً لدى الصحابة وكانوا يحذرون خلافه والردَّ عليه ويعدُّونه حوباً قال أبو وائل: إنَّ ابن مسعود رأى رجلاً قد أسبل إزاره فقال: ارفع إزارك. فقال: و أنت يا ابن مسعود! فارفع إزارك. فقال: إنِّي لست مثلك إنَّ بساقي حموشة وأنا آدم الناس فبلغ ذلك عمر فضرب الرجل ويقول: أتردّ على ابن مسعود؟(٢) .

وأخرج أبو عمر بن الاستيعاب ١: ٣٧٢ بالاسناد عن علقمة قال: جاء رجلٌ إلى عمر وهو بعرفات فقال: جئتك من الكوفة وتركت بها رجلاً يحكي المصحف عن ظهر قلبه فغضب عمر غضباً شديداً وقال: ويحك ومن هو؟ قال عبد الله بن مسعود. قال: فذهب عنه ذلك الغضب وسكن وعاد إلى حاله وقال: والله ما أعلم من النّاس أحداً هو أحقُّ بذلك منه.

فلماذا يحرم هذا البدريّ العظيم عطاؤه سنين؟ ثمَّ يأتيه مَن سامه سوء العذاب وقد خالجه الندم ولات حين مَندم متظاهراً بالصلة فلا يقبلها ابن مسعود وهو في منصرم عمره، ويسأل ربّه أن يأخذ له منه بحقِّه، ثمَّ يتوجَّه إلى النعيم الخالد مُعرضاً عن الحطام الزائل، موصياً بأن لا يصلّي عليه من نال منه ذلك النيل الفجيع.

لماذا فُعل به هذا؟ ولماذا شُتم على رؤس الاشهاد؟ ولماذا اُخرج من مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مُهاناً عنفاً، ولماذا ضُرب به الأرض فدُقَّت أضالعه؟ ولما بطشوا به بطش الجبّارين؟.

كلّ ذلك لأنَّه امتنع عن أن يبيح للوليد بن عقبة الخالع الماجن من بيت مال

____________________

١ - سيرة ابن هشام ١: ٣٣٧.

٢ - الاصابة ٢: ٣٧٠، كنز العمّال: ٥٥.

١٢

الكوفة يوم كان عليه ما اُمر به، فألقى مفاتيح بيت المال لمالم يجد من الكتاب والسنَّة وهو العليم بهما مساغاً لهاتيك الإباحة ولا لأثرة الآمر بها، وعلم أنَّها سوف تتبعها من الأعطيات التي لا يقرّها كتاب ولا سنَّة، فتسلّل عن عمله وتنصّل، وما راقه أن يبوء بذلك الإثم، فلهج بما علم، وأبدى معاذيره في إلقاء المفاتيح، فغاض تلكم الأحوال داعية الشهوات، وشاخص الهوى الوليد بن عقبة، فكتب في حقّه ونمَّ وسعي، فكان من ولائد ذلك أن ارتكب من ابن مسعود ما عرفت، ولم تمنع عن ذلك سوابقه في الإسلام وفضائله وفواضله وعلمه وهديه وورعه ومعاذيره وحججه، فضلاً على أن يُشكر على ذلك كلّه، فأوجب نقمة الصحابة على مَن نال ذلك منه، وإنكار مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام وصيحة اُمّ المؤمنين في خدرها، ولم تزل البغضاء محتدمة على هذه وأمثالها حتّى كان في مغبَّة الأمر ما لم يحمده خليفة الوقت وزبانيته الذين جرَّوا إليه الويلات.

ولو ضرب المسيطر على الأمر صفحاً عن الفظاظة في الإنتقام، أو أعار لنصح صلحاء الاُمَّة اُذناً واعية، أولم يستبدل بجراثيم الفتن عن محنّكي الرجال، أولم ينبذ كتاب الله وسنَّة نبيّه وراء ظهره، لما استقبله ما جرى عليه وعلى من اكتنفه من الوأد والهوان لكنَّه لم يفعل ففعلوا، ولمحكمة العدل الآلهيِّ غداً حكمها البات.

ولابن مسعود عند القوم مظلمةٌ اُخرى وهي جلده أربعين سوطاً في موقف آخر، لماذا كان ذلك؟ لأنَّه دفن أبا ذر لمـّا حضر موته في حجَّته. وجد بالربذة في ذلك الوادي القفر الوعر ميتاً كان في الغارب والسنام من العلم والإيمان.

وجد صحابيّاً عظيماً كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُقرّبه ويُدنيه قد فارق الدنيا.

وجد عالماً من علماء المسلمين قد غادرته الحياة.

وجد مثالاً للقداسة والتقوى، فتمثَّل أمام عينيه تلك الصورة المكبَّرة التي كان يشاهدها على العهد النبويِّ.

وجد شبيه عيسى بن مريم في الاُمَّة المرحومة هدياً وسمتاً ونُسكاً وزُهداً وخُلقاً، طرده خليفة الوقت عن عاصمة الإسلام.

وجد عزيزاً من أعزّاء الصحابة على الله ورسوله وعلى المؤمنين قد أودى على مستوى الهوان في قاعة المنفى مظلوماً مضطهداً.

١٣

وجد في قارعة الطريق جثمان طيِّب طاهر غريب وحيد نازح عن الأوطان تصهره الشمس، وتسفي عليه الرياح، وذكر قول رسول الله: رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده، ويحشر وحده.

فلم يدع العلم والدين ابن مسعود ومن معه من المؤمنين أن يمرُّوا على ذلك المنظر الفجيع دون أن يمتثلوا حكم الشريعة بتعجيل دفن جثمان كلِّ مسلم فضلاً عن أبي ذر الذي بشَّر بدفنه صلحاء المؤمنين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنهضوا بالواجب فأودعوه في مقرِّه الأخير والعيون عبرى، والقلوب واجدة على ما ارتكب من هذا الإنسان المبجّل، فلمّا هبطوا يثرب نقم على ابن مسعود من نقم على أبي ذر، فحسب ذلك الواجب الذي ناء به ابن مسعود حوباً كبيراً، حتّى صدر الأمر بجلده أربعين سوطاً، وذلك أمرٌ لا يُفعل بمن دفن زنديقاً لطمّ جيفته فضلاً عن مسلم لم يبلغ مبلغ أبي ذر من العظمة والعلم والتقوى والزلفة، فكيف بمثل أبي ذر وعاء العلم، وموئل التقوى، ومنبثق الايمان، وللعداء مفعولٌ قد يبلغ أكثر من هذا.

أيّ خليفة هذا لم يُراع حرمةً ولا كرامة لصلحاء الاُمَّة وعظماء الصحابة من البدريِّين الذين نزل فيهم القرآن، وأثنى عليهم النبيُّ العظيم؟ وقد جاء في مجرمٍ بدريّ قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمـّا قال عمر: إئذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه: مهلاً يا ابن الخطّاب إنَّه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلَّ الله قد اطَّلع على أهل بدر فقال: إعملوا ما شئتم فانِّي غافرٌ لكم(١) واختلق القوم حديثاً لإدخال عثمان في زمرتهم لفضلهم المتسالم عليه عند الاُمَّة جمعاء، كأنَّ الرجل آلى على نفسه أن يُطلَّ على الاُمَّة الداعية إلى الخير، الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، بالذلِّ والهوان، ويُسرَّ بذلك سماسرة الأهواء من بني أبيه، فطفق بمراده، والله من ورائهم حسيب.

والمدافع إن أعوزته المعاذير تشبَّث بالطحلب فقال:(٢) حداه إلى ذلك الإجتهاد.

ذلك العذر العام المصحّح للأباطيل، والمبرِّر للشنايع، والوسيلة المتَّخذة لإغراء

____________________

١ - أحكام القرآن ٣: ٥٣٥.

٢ - راجع التمهيد للباقلانى ص ٢٢١، الرياض النضرة ٢٦ ١٤٥، الصواعق ص ٦٨، تاريخ الخميس ٢: ٢٦٨.

١٤

بسطاء الاُمَّة، وذلك قولهم بأفواهم، وانَّ ربَّك يعلم ما تكنُّ صدورهم وما يعلنون، وإنَّ الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.

٤٢

مواقف الخليفة مع عمّار

١ - أخرج البلاذري في الأنساب ٥: ٤٨ بالاسناد من طريق أبي مخنف قال: كان في بيت المال بالمدينة سفطٌ فيه حليٌّ وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حلّي به بعض أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلّموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه فخطب فقال: لنأخذنَّ حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت اُنوف أقوام: فقال له عليٌّ: إذاً تُمنع من ذلك ويُحال بينك وبينه. وقال عمّار بن ياسر: اُشهد الله إنَّ أنفي أوَّل راغم من ذلك. فقال عثمان: أعليَّ يا ابن المتكاء(١) تجترئ؟ خذوه، فاُخذ ودخل عثمان ودعا به فضربه حتى غُشي عليه ثمَّ اُخرج فحمل حتى اُتي به منزل اُمّ سلمة زوج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يصلِّ الظهر والعصر والمغرب فلمّا أفاق توضّأ وصلّى وقال: ألحمد لله ليس هذا أوَّل يوم اُوذينا فيه في الله، وقام هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان عمّار حليفاً لبني مخزوم فقال: يا عثمان أمّا عليّ فاتَّقيته وبني أبيه، وأمّا نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتّى أشفيتَ به على التلف، أما والله لئن مات لأقتلنَّ به رجلاً من بني اميَّة عظيم السُرَّة، فقال عثمان: وإنَّك لهاهنا يا ابن القسريَّة؟ قال: فإنَّهما قسريَّتان وكانت اُمّه وجدَّته قسريَّتين من بجيلة، فشتمه عثمان وأمر به فاُخرج، فأتى اُمَّ سلمة فاذا هي قد غضبت لعمّار، وبلغ عائشة ما صنع بعمّار فغضبت وأخرجت شعراً من شعر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله ثمَّ قالت: ما أسرع ما تركتم سنّة نبيِّكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبلَ بعدُ. فغضب عثمان غضباً شديداً حتّى ما درى ما يقول فالتجَّ المسجد وقال الناس: سبحان الله، سبحان الله. وكان عمرو بن العاص واجداً على عثمان لعزله إيّاه عن مصر وتوليته إيّاها عبد الله بن سعد بن أبي سرح فجعل يُكثر التعجب والتسبيح.

وبلغ عثمان مصير هشام بن الوليد ومن مشى معه من بني مخزوم إلى اُمِّ سلمة وغضبها لعمّار فأرسل إليها: ما هذا الجمع؟ فأرسلت إليه دع ذا عنك يا عثمان! ولا

____________________

١ - المتكاء: البظراء. المفضاة. التى لا تمسك البول. العظيمة البطن.

١٥

تحمل الناس في أمرك على ما يكرهون. واستقبح الناس فعله بعمّار وشاع فيهم فاشتدَّ إنكارهم له.

وفي لفظ الزهري كما في أنساب البلاذري ص ٨٨: كان في الخزائن سفطٌ فيه حليٌّ وأخذ منه عثمان فحلّى به بعض أهله فأظهروا عند ذلك الطعن عليه وبلغه ذلك فخطب فقال: هذا مال الله اُعطيه مَن شئت وأمنعه مَن شئت فأرغم الله أنف من رغم فقال عمّار: أنا والله أوَّل من رغم أنفه من ذلك. فقال عثمان: لقد اجترأت عليَّ يا ابن سميَّة؟! و ضربه حتّى غشي عليه فقال عمّار: ما هذا بأوَّل ما اوذيت في الله. وأطلعت عائشة شعراً من رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونعله وثياباً من ثيابه - فيما يحسب وهب - ثمَّ قالت: ما أسرع ما تركتم سنَّة نبيِّكم. وقال عمرو بن العاص: هذا منبر نبيِّكم وهذه ثيابه وهذا شعره لم يبلَ فيكم وقد بدَّلتم وغيَّرتم. فغضب عثمان حتّى لم يدر ما يقول.

٢ - قال البلاذري في الأنساب ٥: ٤٩ إنَّ المقداد بن عمرو وعمّار بن ياسر وطلحة والزبير في عدَّة من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتبوا كتاباً عدَّدوا فيه أحداث عثمان و خوَّفوه ربَّه وأعلموه أنَّهم مواثبوه إن لم يُقلع فأخذ عمّار الكتاب وأتاه به فقرأ صدراً منه فقال له عثمان: أعليَّ تقدم مِن بينهم؟ فقال عمّار: لأنّي أنصحهم لك. فقال: كذبت يا ابن سميَّة! فقال: أنا والله ابن سميَّة وابن ياسر. فأمر غلمانه فمدّوا بيديه ورجليه ثمَّ ضربه عثمان برجليه وهي في الخفين على مذاكيره فأصابه الفتق، وكان ضعيفاً كبيراً فغُشي عليه.

وذكره ابن أبي الحديد في الشرح ١: ٢٣٩ نقلاً عن الشريف المرتضى من دون غمز فيه.

وقال أبو عمر في الاستيعاب ٢: ٤٢٢: وللحلف والولاء الذين بين بني مخزوم وبين عمّار وأبيه ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمّار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتى انفتق له فتق في بطنه ورغموا وكسروا ضلعاً من أضلاعه، فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا: والله لئن مات لقتلنا به أحداً غير عثمان.

صورة مفّصلة

قال ابن قتيبة: ذكروا انَّه اجتمع ناسٌ من أصحاب رسول اللهعليه‌السلام كتبوا كتاباً

_١_

١٦

ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سُنَّة رسول الله وسنَّة صاحبيه.

٢ - وما كان من هبته خمس أفريقية لمروان وفيه حقُّ الله ورسوله، ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين.

٣ - وما كان من تطاوله في البنيان حتى عدّوا سبع دور بناها بالمدينة داراً لنائلة وداراً لعائشة وغيرهما من أهله وبناته.

٤ - وبنيان مروان القصور بذي خشب وعمارة الأموال بها من الخمس الواجب لِلَّه ولرسوله.

٥ - وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمّه من بني اميَّة من أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرَّسول ولا تجربة لهم بالامور.

٦ - وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلّى بهم الصبح وهو أميرٌ عليها سكران أربعة ركعات ثمَّ قال لهم: إن شئتم أن أزيدكم ركعة زدتكم.

٧ - وتعطيله إقامة الحدِّ عليه وتأخيره ذلك عنه.

٨ - وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء ولا يستشيرهم واستغنى برأيه عن رأيهم.

٩ - وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة.

١٠ - وما كان من إدراره القطائع والأرزاق والاعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبيِّعليه‌السلام ثمَّ لا يغزون ولا يذبّون.

١١ - وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، وانَّه أوَّل من ضرب بالسياط ظهور الناس، وإنَّما كان ضرب الخليفتين قبله بالدِرَّة والخيزران.

ثمَّ تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان وكان ممَّن حضر الكتاب عمّار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكانوا عشرة، فلمّا خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمّار جعلوا يتسلّلون عن عمّار حتى بقي وحده فمضى حتى جاء دار عثمان فاستأذن عليه فأذن له في يوم شات فدخل عليه وعنده مروان بن الحكَم وأهله من بني اُميَّة فدفع إليه الكتاب فقرأه فقال له: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم. قال: ومَن كان معك؟ قال: معي نفرٌ تفرَّقوا فرَقاً منك. قال: ومن هم؟ قال: اُخبرك بهم. قال: فلمَ

١٧

اجترأت عليَّ من بينهم؟ فقال مروان: يا أمير المؤمنين! إنَّ هذا العبد الأسود (يعني عمّاراً) قد جرَّأ عليك الناس وإنَّك إنْ قتلته نَكلتَ بهِ مَن وراءه. قال عُثمان: إضربوه. فضربوه وضربه عثمان معهم حتّى فتقوا بطنه فغشي عليه فجرُّوه حتى طرحوه على باب الدار، فأمرت به اُمّ سلمة زوج النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاُدخل منزلها وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفهم، فلمّا خرج عثمان لصلاة الظهر عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة فقال: أما والله لئن مات عمّار من ضربه هذا لأقتلنَّ به رجلاً عظيماً من بني اُميَّة فقال عثمان: لست هناك. قال: ثمَّ خرج عثمان إلى المسجد فإذا هو بعليّ وهو شاك معصوب الرأس فقال عثمان: والله يا أبا الحسن! ما أدري أشتهي موتك أم أشتهي حياتك؟ فوالله لئن متّ ما اُحبُّ أن أبقى بعدك لغيرك، لأنِّي لا أجد منك خَلفا ولئن بقيت لا أعدم طاغياً يتَّخذك سُلّماً وعضداً ويعدّك كهفاً وملجأ، لا يمنعني منه إلّا مكانه منك ومكانك منه، فأنا منك كالابن العاق من أبيه إن مات فجعه وإن عاش عقَّه، فإمّا سِلمٌ فنسالم وإمّا حربٌ فنحارب، فلا تجعلني بين السَّماء والأرض. فإنَّك والله إن قتلتني لا تجد منِّي خلفاً، ولئن قتلتك لا أجد منك خلفاً، ولن يلي أمر هذه الاُمَّة بادئ فتنة. فقال عليٌّ: إنَّ فيما تكلّمت به لجواباً ولكني عن جوابك مشغولٌ بوجعي فأنا أقول كما قال العبد الصالح: فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون. قال مروان: إنّا والله إذاً لنكسرن رماحنا ولنقطعن سيوفنا ولا يكون في هذا الأمر خيرٌ لمن بعدنا، فقال له عثمان: اسكت، ما أنت وهذا؟. الامامة والسياسة ١ ص ٢٩.

وذكره مختصراً ابن عبد ربِّه في العقد الفريد ٢: ٢٧٢ نقلاً عن أبي بكر بن أبي شيبة من طريق الأعمش قال: كتب أصحاب عثمان عيبه وما ينقم الناس عليه في صحيفة فقالوا: من يذهب بها إليه؟ قال عمّار: أنا. فذهب بها إليه فلمّا قرأها قال: أرغم الله أنفك قال: وبأنف أبي بكر وعمر قال: فقام إليه فوطئه حتى غشي عليه ثمَّ ندم عثمان وبعث إليه طلحة والزبير يقولان له: إختر إحدى ثلاث: إمّا أن تعفو، وإمّا أن تأخذ الأرش، وإمّا أن تقتصَّ، فقال: والله لا قبلت واحدةً منها حتّى ألقى الله.

٣ - قال البلاذري في الأنساب ٥: ٥٤: وقد روي أيضاً: انَّه لمـّا بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال: رحمه الله. فقال عمّار بن ياسر: نعم فرحمه الله من كلِّ أنفسنا. فقال

١٨

عثمان: يا عاضَّ أير أبيه أتراني ندمت على تسييره؟ وأمر فدفع في قفاه وقال: ألحق بمكانه فلمّا تهيَّأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى عليّ فسألوه أن يُكلّم عثمان فيه فقال له عليّ: يا عثمان! إتَّق الله فإنَّك سيّرت رجلاً(١) صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك، ثمَّ أنت الآن تريد أن تنفي نظيره، وجرى بينهما كلامٌ حتى قال عثمان: أنت أحقُّ بالنفي منه فقال عليٌّ: رُم ذلك إن شئت. واجتمع المهاجرون فقالوا: إن كنت كلّما كلّمك رجلٌ سيِّرته ونفيته فانَّ هذا شيءٌ لا يسوغ. فكفَّ عن عمّار.

وفي لفظ اليعقوبي: لمـّا بلغ عثمان وفاة أبي ذر قال: رحم الله أبا ذر. قال عمّار: نعم رحم الله أبا ذر من كلِّ أنفسنا. فغلظ ذلك على عثمان وبلغ عثمان عن عمّار كلام فأراد أن يسيِّره أيضاً، فاجتمعت بنو مخزوم إلى عليِّ بن أبي طالبعليه‌السلام وسألوه إعانتهم فقال عليٌّ: لا ندع عثمان ورأيه. فجلس عمّار في بيته، وبلغ عثمان ما تكلّمت بنو مخزوم فأمسك عنه. تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٠.

٤ - قال البلاذري في الأنساب ٥: ٤٩: إنَّ عثمان مرَّ بقبر جديد فسأل عنه فقيل: قبر عبد الله بن مسعود فغضب على عمّار لكتمانه إيّاه موته إذ كان المتولِّي للصَّلاة عليه والقيام بشأنه فعندها وطىء عمّاراً حتّى أصابه الفتق.

وذكره ابن أبي الحديد في شرحه ١: ٢٣٩ نقلاً عن الشريف المرتضى من دون غمز فيه.

وفي لفظ اليعقوبي: توفّي « ابن مسعود » وصلّى عليه عمّار بن ياسر وكان عثمان غائباً فستر أمره فلمّا انصرف رأى عثمان القبر فقال: قبر مَن هذا؟ فقيل: قبر عبد الله ابن مسعود، قال: فكيف دُفن قبل أن أعلم؟ فقالوا: ولي أمره عمَّار بن ياسر وذكر انَّه أوصى أن لا يُخبر به ولم يلبث إلّا يسيراً حتّى مات المقداد(٢) فصلّى عليه عمّار وكان أوصى إليه ولم يؤذن عثمان به فاشتدَّ غضب عثمان على عمّار وقال: ويلي على ابن السوداء أما لقد كنت به عليماً. تاريخ اليعقوبي ٢: ١٤٧.

وفي طبقات ابن سعد ٣: ١٨٥ ط ليدن: إنَّ عقبة بن عامر هو الذي قتل عمّاراً

____________________

١ - يعنى سيدنا ابا ذر الغفارى.

٢ - اتفقوا على انّه مات سنة ثلاث وثلاثين، وتوفى ابن مسعود قبله بسنة او اقل او اكثر.

١٩

وهو الذي كان ضربه حين أمره عثمان ابن عفّان.

قال الأميني: هذه أفاعيل الخليفة في رجل نزل فيه القرآن شهيداً على طمأنينته بالايمان والرضا بقنوته آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة، في رجل هو أوّل مسلم إتَّخذ مسجداً في بيته يتعبَّد فيه(١) في رجل تضافر الثناء عليه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشفوعاً بالنهي المؤكّد عن بغضه ومعاداته وسبّه وتحقيره وانتقاصه بألفاظ ستقف عليها إنشاء الله تعالى. وقد أكبرته الصحابة الأوَّلون ونقمت على من آذاه وأغضبه وأبغضه، وفُعل به كلّ تلكم المناهي ولم يؤثر عن عمّار إلّا الرضا بما يُرضي الله ورسوله والغضب لهما والهتاف بالحقِّ والتجهُّم أمام الباطل رضي الناس أم غضبوا، ولم يزل على ذلك كلّه منذ بدء أمره الذي اوذي فيه هو وأبواه، فكان مرضيّاً عند الله ايمانهم وخضوعهم وبعين الله ما قاسوه من المحن فعاد ذكرهم ورداً لنبيِّ الاسلام فلم يزل يلهج بهم ويدعو لهم ويقول:

اصبروا آل ياسر! موعدكم الجنَّة. من طريق عثمان بن عفان(٢) .

ويقول: ابشروا آل ياسر! موعدكم الجنَّة. من طريق جابر(٣) .

ويقول: أللهمَّ اغفر لآل ياسر وقد فعلت. رواه عثمان أيضاً(٤) .

وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمّار وبأبيه واُمِّه - وكانوا أهل بيت اسلام - اذا حميت الظهيرة يعذِّبونهم برمضاء مكّة فيمرّ بهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيقول: صبراً آل ياسر! موعدكم الجنَّة. صبراً آل ياسر! فإنَّ مصيركم إلى الجنَّة(٥) .

نعم: كان عمّارا هكذا عند مفتتح حياته الدينيَّة إلى منصرم عمره الذي قتلته فيه

____________________

١ - طبقات ابن سعد ٣: ١٧٨ ط ليدن، وذكره ابن كثير فى تاريخه ٧: ٣١١.

٢ - أخرجه الطبرانى كما فى مجمع الزوائد ٩: ٢٩٣ فقال: رجاله ثقات، وأخرجه الطبرانى عن عمّار، والبغوى وابن مندة والخطيب وأحمد وابن عساكر عن عثمان كما فى كنز العمال ٦: ١٨٥.

٣ - مجمع الزوائد نقلا عن الطبرانى ٩: ٢٩٣ فقال: رجاله رجال الصحيح غير ابراهيم وهو ثقة.

٤ - مسند احمد ١: ٦٢، مجمع الزوائد ٩: ٢٩٣ فقال: رجاله رجال الصحيح. واخرجه البيهقى والبغوى والعقيلى والحاكم فى الكنى وابن الجوزى وابن عساكر كما فى كنز العمال ٧: ٧٢.

٥ - سيرة ابن هشام ١: ٣٤٢، حلية الاولياء ١: ١٤٠، طرح التثريب ١: ٨٧، واخرجه الحارث والضياء والحاكم والطيالسى والبغوى وابن مندة وابن عساكر كما فى كنز العمال ٧: ٧٢.

٢٠