الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق7%

الأمالي شيخ الصدوق مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 780

الأمالي شيخ الصدوق
  • البداية
  • السابق
  • 780 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 441663 / تحميل: 8643
الحجم الحجم الحجم
الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

يا مصطفي محمّد وناصره، صل على محمّد وآل محمّد، واغفر لي كل ذنب أذنبته ونسيته وهو عندك في كتاب مبين. ثم تقول مائة مرة: أتوب إلى الله.

وكبر بعد المغرب والعشاء الآخرة وصلاة الغداة وصلاة العيد كما تكبر أيام التشريق، تقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أبلانا. ولا تقل فيه: ورزقنا من بهيمة الانعام، فإن ذلك إنما هو في أيام التشريق(١) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله الطيبين الطاهرين

______________

(١) الهداية: ٥٢، بحار الانوار ٩١: ١٢٧/٢٤.

١٦١

[ ٢٢ ]

المجلس الثاني والعشرون

وهو يوم العيد

غرة شهر شوال سنة سبع وستين وثلاثمائة

١٦١/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح ابن عقبة، عن علقمة بن محمّد الحضرمي، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: قال الله جل جلاله: عبادي كلكم ضال إلا من هديته، وكلكم فقير إلا من أغنيته، وكلكم مذنب إلا من عصمته(١) .

١٦٢/٢ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن قتيبة، عن حمدان ابن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن علقمة، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فادعى عليه سبعين درهما ثمن ناقة، فقال له النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا أعرابي، ألم تستوف مني ذلك؟ فقال: لا. فقال له النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: إني قد أوفيتك. قال الاعرابي: قد رضيت برجل يحكم بيني وبينك.

______________

(١) بحار الانوار ٥: ١٩٨/١٦.

١٦٢

فقام النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم معه، فتحاكما إلى رجل من قريش. فقال الرجل للاعرابي: ما تدعي على رسول الله؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه. فقال: ما تقول يا رسول الله؟ فقال: قد أوفيته. فقال القرشي: قد أقررت له يا رسول الله بحقه، فإما أن تقيم شاهدين يشهدان بأنك قد أوفيته، وإما أن توفيه السبعين التي يدعيها عليك.

فقام النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مغضبا يجر رداءه، وقال: والله لاقصدن من يحكم بيننا بحكم الله تعالى ذكره، فتحاكم معه إلى أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال للاعرابي: ما تدعي على رسول الله؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه. فقال: ما تقول يا رسول الله. قال: قد أوفيته. فقال يا أعرابي، إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: قد أوفيتك، فهل صدق؟ قال: لا، ما أوفاني. فأخرج أميرالمؤمنين عليه السلام سيفه من غمده وضرب عنق الاعرابي. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا علي، لم قتلت الاعرابي؟ قال: لانه كذبك يا رسول الله، ومن كذبك فقد حل دمه ووجب قتله. فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا علي، والذي بعثني بالحق نبيا، ما أخطأت حكم الله تبارك وتعالى فيه، فلا تعد إلى مثلها(١) .

١٦٣/٣ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن قتيبة، عن حمدان ابن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح، عن علقمة، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، وقد قلت له: يا بن رسول الله، أخبرني من تقبل شهادته ومن لا تقبل شهادته. فقال: يا علقمة، كل من كان على فطرة الاسلام جازت شهادته.

قال: فقلت له: تقبل شهادة المقترف للذنوب؟ فقال: يا علقمة، لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادات الانبياء والاوصياء (صلوات الله عليهم) لانهم هم المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه

______________

(١) بحار الانوار ٤٠: ٢٤١/١٨.

١٦٣

بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة، وإن كان في نفسه مذنبا، ومن اغتابه بما فيه فهو خارج عن ولاية الله عزّوجلّ داخل في ولاية الشيطان.

ولقد حدثني أبي، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام: أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: من اغتاب مؤمنا بما فيه، لم يجمع الله بينهما في الجنة أبدا، ومن اغتاب مؤمنا بما ليس فيه، فقد انقطعت العصمة بينهما، وكان المغتاب في النار خالدا فيها وبئس المصير.

قال علقمة: فقلت للصادق عليه السلام: يا بن رسول الله، إن الناس ينسبوننا إلى عظائم الامور، وقد ضاقت بذلك صدورنا. فقال عليه السلام: يا علقمة، إن رضا الناس لا يملك، وألسنتهم لا تضبط، فكيف تسلمون مما لم يسلم منه أنبياء الله ورسله وحججه عليهم السلام؟ ألم ينسبوا يوسف عليه السلام إلى أنه هم بالزنا؟ ألم ينسبوا أيوب عليه السلام إلى أنه ابتلى بذنوبه؟ ألم ينسبوا داود عليه السلام إلى أنه تبع الطير حتى نظر إلى امرأة أوريا فهواها؟ وأنه قدم زوجها أمام التابوت حتى قتل ثم تزوج بها؟ ألم ينسبوا موسى عليه السلام إلى أنه عنين وآذوه حتى برأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيها؟ ألم ينسبوا جميع أنبياء الله إلى أنهم سحرة طلبة الدنيا؟ ألم ينسبوا مريم بنت عمران عليهما السلام إلى أنها حملت بعيسى من رجل نجار اسمه يوسف؟

ألم ينسبوا نبينا محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى أنه شاعر مجنون؟ ألم ينسبوه إلى أنه هوى امرأة زيد بن حارثة فلم يزل بها حتى استخلصها لنفسه؟ ألم ينسبوه يوم بدر إلى أنه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء؟ حتى أظهره الله عزّوجلّ على القطيفة وبرأ نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم من الخيانة، وأنزل بذلك في كتابه:( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (١) ، ألم ينسبوه إلى أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم ينطق عن الهوى في ابن عمه علي عليه السلام؟ حتى كذبهم الله عزّوجلّ، فقال سبحانه:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ

______________

(١) آل عمران ٣: ١٦١.

١٦٤

الْهَوَىٰ ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (١) ألم ينسبوه إلى الكذب في قوله: إنه رسول من الله إليهم؟ حتى أنزل الله عزّوجلّ عليه:( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ) (٢) ، ولقد قال يوما: عرج بي البارحة إلى السماء. فقيل: والله ما فارق فراشه طول ليلته.

وما قالوا في الاوصياء عليهم السلام أكثر من ذلك، ألم ينسبوا سيد الاوصياء عليه السلام إلى أنه كان يطلب الدنيا والملك، وأنه كان يؤثر الفتنة على السكون، وأنه يسفك دماء المسلمين بغير حلها، وأنه لو كان فيه خير ما أمر خالد بن الوليد بضرب عنقه؟ ألم ينسبوه إلى أنه عليه السلام أراد أن يتزوج ابنة أبي جهل على فاطمة عليها السلام، وأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم شكاه على المنبر إلى المسلمين، فقال: إن عليا يريد أن يتزوج ابنة عدو الله على ابنة نبي الله، ألا إن فاطمة بضعة مني، فمن آذاها فقد آذاني، ومن سرها فقد سرني، ومن غاظها فقد غاظني؟

ثم قال الصادق عليه السلام: يا علقمة، ما أعجب أقاويل الناس في علي عليه السلام! كم بين من يقول: إنه رب معبود، وبين من يقول: إنه عبد عاص للمعبود! ولقد كان قول من ينسبه إلى العصيان أهون عليه من قول من ينسبه إلى الربوبية.

يا علقمة، ألم يقولوا لله عزّوجلّ: إنه ثالث ثلاثة؟ ألم يشبهوه بخلقه؟ ألم يقولوا: إنه الدهر؟ ألم يقولوا: إنه الفلك؟ ألم يقولوا: إنه جسم؟ ألم يقولوا: إنه صورة؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

يا علقمة، إن الالسنة التي تتناول ذات الله تعالى ذكره بما لا يليق بذاته كيف تحبس عن تناولكم بما تكرهونه! فاستعينوا بالله واصبروا، إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين، فإن بني اسرائيل قالوا لموسى عليه السلام:( أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ) ، فقال الله عزّوجلّ: قل لهم يا موسى:( عَسَىٰ

______________

(١) النجم ٥٣: ٣، ٤.

(٢) الانعام ٦: ٣٤.

١٦٥

رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (١) .

١٦٤/٣ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن معقل القرميسيني، قال: حدّثنا جعفر الوراق، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الاشج، عن يحيى بن زيد بن علي، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين عليهما السلام، قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذات يوم وصلى الفجر، ثم قال: معاشر الناس، أيكم ينهض إلى ثلاثة نفر قد آلوا(٢) باللات والعزى ليقتلوني، وقد كذبوا ورب الكعبة. قال فأحجم الناس وما تكلم أحد، فقال: ما أحسب عليّ بن أبي طالب فيكم؟ فقام إليه عامر بن قتادة فقال: إنه وعك في هذه الليلة ولم يخرج يصلي معك، أفتأذن لي أن أخبره؟ فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: شأنك، فمضى إليه فأخبره، فخرج أميرالمؤمنين علي عليه السلام كأنه أنشط من عقال(٣) ، وعليه إزار قد عقد طرفيه على رقبته، فقال: يا رسول الله، ما هذا الخبر؟ قال: هذا رسول ربي يخبرني عن ثلاثة نفر قد نهضوا إلي لقتلي، وقد كذبوا ورب الكعبة. فقال علي عليه السلام: يا رسول الله، أنا لهم سرية وحدي، هو ذا ألبس علي ثيابي. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: بل هذه ثيابي، وهذه درعي، وهذا سيفي، فدرعه وعممه وقلده وأركبه فرسه.

وخرج أميرالمؤمنين عليه السلام، فمكث ثلاثة أيام، لا يأتيه جبرئيل بخبره، ولا خبر من الارض، فأقبلت فاطمة بالحسن والحسين على وركيها، تقول: أوشك أن ييتم هذين الغلامين، فأسبل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عينه يبكي، ثم قال: معاشر الناس، من يأتيني بخبر علي ابشره بالجنة. وافترق الناس في الطلب لعظم ما رأوا بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وخرج العواتق، فأقبل عامر بن قتادة يبشر بعلي عليه السلام، وهبط جبرئيل على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فأخبره بما كان فيه، وأقبل أميرالمؤمنين

______________

(١) بحار الانوار ٧٠: ٢/٤، والآية من سورة الاعراف ٧: ١٢٩.

(٢) أي حلفوا.

(٣) أي حل وهو يقال للآخذ بسرعة في أي عمل كان.

١٦٦

علي عليه السلام ومعه أسيران ورأس وثلاثة أبعرة وثلاثة أفراس. فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: تحب أن أخبرك بما كنت فيه يا أبا الحسن؟ فقال المنافقون: هو منذ ساعة قد أخذه المخاض، وهو الساعة يريد أن يحدثه! فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: بل تحدث أنت - يا أبا الحسن - لتكون شهيدا على القوم.

قال: نعم - يا رسول الله - لما صرت في الوادي، رأيت هؤلاء ركبانا على الاباعر، فنادوني: من أنت؟ فقلت: أنا عليّ بن أبي طالب ابن عم رسول الله. فقالوا: ما نعرف لله من رسول، سواء علينا وقعنا عليك أو على محمّد، وشد علي هذا المقتول، ودارت بيني وبينه ضربات، وهبت ريح حمراء سمعت صوتك فيها يا رسول الله وأنت تقول: قد قطعت لك جربان(١) درعه، فاضرب حبل عاتقه. فضربته فلم أحفه(٢) ، ثم هبت ريح صفراء، سمعت صوتك فيها يا رسول الله، وأنت تقول: قد قلبت لك الدرع عن فخذه، فاضرب فخذه. فضربته وكزته وقطعت رأسه ورميت به. وقال لي هذان الرجلان: بلغنا أن محمّدا رفيق شفيق رحيم، فاحملنا إليه ولا تعجل علينا، وصاحبنا كان يعد بألف فارس.

فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يا علي، أما الصوت الاول الذي صك مسامعك فصوت جبرئيل عليه السلام، وأما الآخر فصوت ميكائيل عليه السلام، قدم إلي أحد الرجلين. فقدمه، فقال: قل لا إله إلا الله، واشهد أني رسول الله، فقال: لنقل جبل أبي قبيس أحب إلي من أن أقول هذه الكلمة. فقال: يا علي، أخره واضرب عنقه. ثم قال: قدم الآخر. فقال: قل لا إله إلا الله، واشهد أني رسول الله، فقال: ألحقني بصاحبي. قال: يا علي، أخره واضرب عنقه. فأخره، وقال أميرالمؤمنين عليه السلام ليضرب عنقه، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال: يا محمّد، إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: لا تقتله فإنه حسن الخلق سخي في قومه.

______________

(١) الجريان: جيب القميص.

(٢) الاحفاء: المبالغة في الاخذ.

١٦٧

فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا علي، أمسك، فإن هذا رسول ربي عزّوجلّ يخبرني أنه حسن الخلق سخي في قومه. فقال المشرك تحت السيف هذا رسول ربك يخبرك! قال: نعم. قال: والله ما ملكت درهما مع أخ لي قط، ولا قطبت وجهي في الحرب، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: هذا ممن جره حسن خلقه وسخاؤه إلى جنات النعيم(١) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله الطاهرين وسلم كثيرا

______________

(١) الخصال: ٩٤/٤١، بحار الانوار ٤١: ٧٣/٤.

١٦٨

[ ٢٣ ]

المجلس الثالث والعشرون

وهو يوم الاثنين

لليلتين خلتا من شوال سنة سبع وستين ثلاثمائة

١٦٥/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي، قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا علي ابن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن يونس بن عبد الرحمن، عن المغيرة بن توبة، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: لما أشرف أميرالمؤمنين عليه السلام على المقابر، قال: يا أهل التربة، ويا أهل القربة، أما الدور فقد سكنت، وأما الازواج فقد نكحت، وأما الاموال فقد قسمت، فهذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: لو أذن لهم في الكلام لاخبروكم أن خير الزاد التقوى(١) .

١٦٦/٢ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن يزيد، عن إسماعيل بن مسلم السكوني، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال علي عليه السلام: ما من يوم يمر على ابن آدم إلا قال له ذلك اليوم: يا بن آدم، أنا يوم جديد، وأنا عليك شهيد، فقل في خيرا، واعمل

______________

(١) كامل الزيارات: ٣٢٠/٧، بحار الانوار ١٠٢: ٢٩٦/١٠.

١٦٩

في خيرا، أشهد لك به يوم القيامة، فإنك لن تراني بعده أبدا(١) .

١٦٧/٣ - حدّثنا محمّد بن عليّ رحمه الله، قال: حدثني عمي محمّد بن أبي القاسم، قال: حدّثنا هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام: إن للمرء المسلم ثلاثة أخلاء: فخليل يقول له: أنا معك حيا وميتا، وهو عمله، وخليل يقول له: أنا معك حتى تموت، وهو ماله، فإذا مات صار للورثة، وخليل يقول له: أنا معك إلى باب قبرك ثم أخليك، وهو ولده(٢) .

١٦٨/٤ - حدّثنا جعفر بن عليّ الكوفي، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ بن عبدالله ابن المغيرة، عن جده عبدالله بن المغيرة، عن إسماعيل بن مسلم السكوني، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال علي عليه السلام: ما أنزل الموت حق منزلته من عد غدا من أجله(٣) .

١٦٩/٥ - حدّثنا محمّد بن علي، عن عمه محمّد بن أبي القاسم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام: أن أميرالمؤمنين عليه السلام خطب بالبصرة، فقال بعد ما حمد الله عزّوجلّ وأثنى عليه، وصلى على النبي وآله: المدة وإن طالت قصيرة، والماضي للمقيم عبرة، والميت للحي عظة، وليس لامس إن مضى عودة، ولا المرء من غد على ثقه، الاول للاوسط رائد، والاوسط للآخر قائد، وكل لكل مفارق، وكل بكل لاحق، والموت لكل غالب، واليوم الهائل لكل آزف، وهو اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

ثم قال عليه السلام: معاشر شيعتي، اصبروا على عمل لا غنى بكم عن ثوابه،

______________

(١) بحار الانوار ٧١: ١٨١/٣٥، و ٧٧: ٣٧٩/٣.

(٢) الخصال: ١١٤/٩٢، معاني الاخبار: ٢٣٢/١، بحار الانوار ٨٢: ١٧٤/٩.

(٣) الزهد: ٨١/٢١٧، بحار الانوار ٦: ١٣٠/٢٢، و ٧٣: ١٦٦/٢٨.

١٧٠

واصبروا عن عمل لا صبر لكم على عقابه، إنا وجدنا الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله عزّوجلّ، اعلموا أنكم في أجل محدود وأمل ممدود ونفس معدود، ولا بد للاجل أن يتناهى، وللامل أن يطوى، وللنفس أن يحصى، ثم دمعت عيناه وقرأ:( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ، كِرَامًا كَاتِبِينَ ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ) (١) .

١٧٠/٦ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي أيوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: جمع الخير كله في ثلاث خصال: النظر، والسكوت، والكلام، فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكل سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، فطوبى لمن كان نظره عبرة، وسكوته فكرة، وكلامه ذكرا، وبكى على خطيئته، وأمن الناس شره(٢) .

١٧١/٧ - حدّثنا الحسين بن أحمد رحمه الله، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا إبراهيم بن هاشم، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: اغتمنوا الدعاء عند خمسة مواطن: عند قراءة القرآن، وعند الاذان، وعند نزول الغيث، وعند التقاء الصفين للشهادة، وعند دعوة المظلوم، فإنها ليس لها حجاب دون العرش(٣) .

١٧٢/٨ - حدّثنا محمّد بن(٤) القاسم الاسترابادي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن محمّد بن علي، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن

______________

(١) بحار الانوار ٧٧: ٣٨٠/٤، والآية في سورة الانفطار ٨٢: ١٠ - ١٢.

(٢) المحاسن: ٥/١٠، ثواب الاعمال: ١٧٧، الخصال: ٩٨/٤٧، معاني الاخبار: ٣٤٤/١، بحار الانوار ٧١: ٢٧٥/٢، و ٣٢٤/١٥، و ٧٧: ٤٠٦/٣٧، و ٧٨: ٥٤/٩٨، و ٩٣: ٣٣٢/١٨، وتقدم في المجلس (٨) الحديث (٢).

(٣) بحار الانوار ٩٣: ٣٤٣/١.

(٤) زاد في النسخ: أبي، والصواب حذفها، انظر: نوابغ الرواة: ٢٩٩.

١٧١

علي، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: كم من غافل ينسج ثوبا ليلبسه، وإنما هو كفنه، ويبني بيتا(١) ليسكنه، وإنما هو موضع قبره(٢) .

١٧٣/٩ - وقيل لامير المؤمنين عليه السلام: ما الاستعداد للموت؟ قال: أداء الفرائض، واجتناب المحارم، والاشتمال على المكارم، ثم لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، والله ما يبالي ابن أبي طالب أوقع على الموت، أم وقع الموت عليه(٣) .

١٧٤/١٠ - وقال أميرالمؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: أيها الناس، إن الدنيا دار فناء، والآخرة دار بقاء، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفي عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففي الدنيا حييتم(٤) ، وللآخرة خلقتم، إنما الدنيا كالسم يأكله من لا يعرفه، إن العبد إذا مات قالت الملائكة: ما قدم؟ وقال الناس: ما أخر؟ فقدموا فضلا يكن لكم، ولا تؤخروا كلا يكن عليكم، فإن المحروم من حرم خير ماله، والمغبوط من ثقل بالصدقات والخيرات موازينه، وأحسن في الجنة بها مهاده، وطيب على الصراط بها مسلكه(٥) .

١٧٥/١١ - حدّثنا أحمد بن محمّد رحمه الله، قال: حدّثنا أبي، عن محمّد بن عبد الجبار، عن أبي أحمد محمّد بن زياد الازدي، عن أبان بن عثمان، عن ثابت بن دينار، عن سيد العابدين عليّ بن الحسين، عن سيد الشهداء الحسين بن علي، عن سيد الاوصياء أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، قال: قال رسول

______________

(١) في نسخة: بناء.

(٢) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٩٧/٥٤ تنبيه الخواطر ٢: ١٥٨، بحار الانوار ٦: ١٣٢/٢٧، و ٧٣: ٨٨/٥٦.

(٣) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٩٧/٥٥، تنبيه الخواطر ٢: ١٥٨، بحار الانوار ٧١: ٢٦٣/١.

(٤) في نسخة: حبستم.

(٥) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٩٨/٥٦، بحار الانوار ٧٣: ٨٨/٥٦.

١٧٢

الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: الائمة من بعدي اثنا عشر، أولهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الارض ومغاربها(١) .

١٧٦/١٢ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن محمّد القبطي، قال: قال الصادق جعفر ابن محمّد عليه السلام: أغفل الناس قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في عليّ بن أبي طالب عليه السلام يوم مشربة(٢) أم إبراهيم، كما أغفلوا قوله فيه يوم غدير خم، إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان في مشربة أم إبراهيم وعنده أصحابه، إذ جاء علي عليه السلام فلم يفرجوا له، فلما رآهم لا يفرجون له قال: يا معشر الناس، هؤلاء(٣) أهل بيتي تستخفون بهم وأنا حي بين ظهرانيكم، أما والله لئن غبت عنكم فإن الله لا يغيب عنكم، إن الروح والراحة والبشر والبشارة لمن ائتم بعلي وتولاه، وسلم له وللاوصياء من ولده، حقا علي أن أدخلهم في شفاعتي لانهم أتباعي، فمن تبعني فإنه مني، سنة جرت في من إبراهيم عليه السلام، لاني من إبراهيم وإبراهيم مني، وفضلي له فضل، وفضله فضلي، وأنا أفضل منه، تصديق ذلك قول ربي:( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٤) . وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وثئت(٥) رجله في مشربة أم إبراهيم حتى عاده الناس(٦) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله وسلم تسليما

______________

(١) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٦٥/٣٤، كمال الدين وتمام النعمة: ٢٨٢/٣٥، بحار الانوار ٣٦: ٢٢٦/١.

(٢) المشربة: الغرفة.

(٣) في النسخ: هذا، وما أثبتناه من البصائر، وفي بشارة المصطفى: هذا علي من أهل بيتي وتستخفون بهم... والرواية في البشارة عن الشيخ الصدوق، فلعل في نسخ الامالي سقطا.

(٤) آل عمران ٣: ٣٤.

(٥) يقال: وثئت رجله، أو وثئت: أي أصابها وهن، دون الخلع والكسر.

(٦) بصائر الدرجات: ٧٣/١، فضائل الشيعة: ٦٩/٢٨، بشارة المصطفى: ٢٠، بحار الانوار ٣٦: ٢٤٨/٦٥، و ٣٨: ٩٥/١٢.

١٧٣

[ ٢٤ ]

المجلس الرابع والعشرون

يوم الاربعاء

الرابع من شوال سنة سبع وستين وثلاثمائة

١٧٧/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، عن يوسف بن الحارث، عن محمّد بن مهران، عن عليّ بن الحسن، قال: حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن معاوية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذا كان يوم القيامة زين عرش رب العالمين بكل زينة، ثم يؤتى بمنبرين من نور طولهما مائة ميل، فيوضع أحدهما عن يمين العرش، والآخر عن يسار العرش، ثم يؤتى بالحسن والحسين عليهما السلام، فيقوم الحسن على أحدهما، والحسين على الآخر، يزين الرب تبارك وتعالى بهما عرشه كما يزين المرأة قرطاها(١) .

١٧٨/٢ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى الدقاق رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد ابن أبي عبدالله الكوفي، قال: حدّثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن

______________

(١) إرشاد القلوب: ٢٩٤، بحار الانوار ٤٣: ٢٦١/٣، والقرط: ما يعلق في شحمة الاذن من در أو ذهب أو فضة أو نحوها.

١٧٤

يزيد النوفلي، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان جالسا ذات يوم إذ أقبل الحسن عليه السلام، فلما رآه بكى، ثم قال: إلي يا بني، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى، ثم أقبل الحسين عليه السلام، فلما رآه بكى، ثم قال: إلي يا بني، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليسرى، ثم أقبلت فاطمة عليها السلام، فلما رآها بكى، ثم قال: إلى يا بنية، فأجلسها بين يديه، ثم أقبل أميرالمؤمنين عليه السلام، فلما رآه بكى، ثم قال: إلي يا أخي، فما زال يدنيه حتى أجلسه إلى جنبه الايمن، فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما ترى واحدا من هؤلاء إلا بكيت، أو ما فيهم من تسر برؤيته!

فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: والذي بعثني بالنبوة، واصطفاني على جميع البرية، إني وإياهم لاكرم الخلق على الله عزّوجلّ، وما على وجه الارض نسمة أحب إلي منهم. أما عليّ بن أبي طالب فإنه أخي وشفيقي، وصاحب الامر بعدي، وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة، وصاحب حوضي وشفاعتي، وهو مولى كل مسلم، وإمام كل مؤمن، وقائد كل تقي، وهو وصيي وخليفتي على أهلي وأمتي في حياتي وبعد مماتي، محبه محبي، ومبغضه مبغضي، وبولايته صارت أمتي مرحومة، وبعداوته صارت المخالفة له منها ملعونة، وإني بكيت حين أقبل لاني ذكرت غدر الامة به بعدي حتى إنه ليزال عن مقعدي، وقد جعله الله له بعدي، ثم لا يزال الامر به حتى يضرب على قرنه ضربة تخضب منها لحيته في أفضل الشهور شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

وأما ابنتي فاطمة، فإنها سيدة نساء العالمين من الاولين والآخرين، وهي بضعة مني، وهو نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي، وهي الحوراء الانسية، متى قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهر(١) نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لاهل الارض، ويقول الله عزّوجلّ لملائكته: يا

______________

(١) أي تلالا وأشرق.

١٧٥

ملائكتي، انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي، قائمة بين يدي ترتعد فرائصها(١) من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أشهدكم أني قد أمنت شيعتها من النار. وإني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذل بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها(٢) ، وأسقطت جنينها، وهي تنادي: يا محمّداه، فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث، فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية، تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة، وتتذكر فراقي أخرى، وتستوحش إذا جنها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن، ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة، فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة( إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) ، يا فاطمة( اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) (٣) .

ثم يبتدئ بها الوجع فتمرض، فيبعث الله عزّوجلّ إليها مريم بنت عمران، تمرضها وتؤنسها في علتها، فتقول عند ذلك: يا رب، إني قد سئمت الحياة، وتبرمت بأهل الدنيا، فألحقني بأبي. فيلحقها الله عزّوجلّ بي، فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم علي محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة، فأقول عند ذلك: اللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وأذل من أذلها، وخلد في نارك من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك: آمين.

وأما الحسن فإنه ابني وولدي، ومني، وقرة عيني، وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيد شباب أهل الجنة، وحجة الله على الامة، أمره أمري، وقوله قولي، من تبعه فإنه مني، ومن عصاه فليس مني، وإني لما نظرت إليه تذكرت ما يجرى عليه من الذل بعدي، فلا يزال الامر به حتى يقتل بالسم ظلما وعدوانا، فعند ذلك تبكي الملائكة

______________

(١) الفرائص: جمعه فريصة، وهي لحمة بين الكتف والصدر ترتعد عند الفزع.

(٢) في نسخة: جبينها، وفي اخرى: جنبتها.

(٣) آل عمران ٣: ٤٢، ٤٣.

١٧٦

والسبع الشداد لموته، ويبكيه كل شئ حتى الطير في جو السماء، والحيتان في جوف الماء، فمن بكاه لم تعم عينه يوم تعمي العيون، ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب، ومن زاره، في بقيعه ثبتت قدمه على الصراط يوم تزل فيه الاقدام.

وأما الحسين فإنه مني، وهو ابني وولدي، وخير الخلق بعد أخيه، وهو إمام المسلمين، ومولى المؤمنين، وخليفة رب العالمين، وغياث المستغيثين، وكهف المستجيرين، وحجة الله على خلقه أجمعين، وهو سيد شباب أهل الجنة، وباب نجاة الامة، أمره أمري، وطاعته طاعتي، من تبعه فإنه مني، ومن عصاه فليس مني، وإني لما رأيته تذكرت ما يصنع به بعدي، كأني به وقد استجار بحرمي وقبري(١) فلا يجار، فأضمه في منامه إلى صدري، وآمره بالرحلة على دار هجرتي، وأبشره بالشهادة، فيرتحل عنها إلى أرض مقتله وموضع مصرعه أرض كرب وبلاء وقتل وفناء، تنصره عصابة من المسلمين، أولئك من سادة شهداء امتي يوم القيامة، كأني أنظر إليه وقد رمي بسهم فخر عن فرسه صريعا، ثم يذبح كما يذبح الكبش مظلوما. ثم بكى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وبكى من حوله، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، ثم قام صلّى الله عليه وآله وسلّم: وهو يقول: اللهم إني أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي، ثم دخل منزله(٢) .

١٧٩/٣ - حدّثنا أحمد بن هارون الفامي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله بن جعفر بن جامع الحميري، قال: حدّثنا أبي، عن أحمد بن محمّد بن يحيى(٣) ، عن محمّد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام: أن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام دخل يوما إلى الحسن عليه السلام، فلما نظر إليه بكى، فقال له: ما يبكيك يا أبا عبدالله؟ قال: أبكى لما يصنع بك. فقال له الحسن عليه السلام: إن الذي يؤتى إلي سم يدس إلي فاقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبدالله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدعون أنهم من

______________

(١) في نسخة: وقربي.

(٢) بحار الانوار ٢٨: ٣٧/١.

(٣) كذا والظاهر أنه أحمد بن محمّد بن عيسى، انظر معجم رجال الحديث ١٠: ١٤٣.

١٧٧

أمة جدنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وينتحلون دين الاسلام، فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحل ببني أمية اللعنة، وتمطر السماء رمادا ودما، ويبكي عليك كل شئ حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار(١) .

١٨٠/٤ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا أحمد ابن محمّد بن عيسى(٢) ، قال: حدّثنا العباس بن معروف، (عن عبدالله بن المغيرة)(٣) ، قال: حدّثنا أبوحفص العبدي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذا سألتم الله عزّوجلّ فاسألوه لي الوسيلة. فسألت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الوسيلة، فقال: هي درجتي في الجنة، وهي ألف مرقاة، ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد شهرا، وهي ما بين مرقاة جوهر إلى مرقاة زبرجد، ومرقاة ياقوت إلى مرقاة ذهب إلى مرقاة فضة، فيؤتى بها يوم القيامة حتى تنصب مع درجة النبيين، فهي في درج النبيين كالقمر بين الكواكب، فلا يبقى يومئذ نبي ولا صديق ولا شهيد إلا قال: طوبى لمن كانت هذه الدرجة درجته، فيأتي النداء من عند الله عزّوجلّ، يسمع النبيين وجميع الخلق: هذه درجة محمّد.

فاقبل وأنا يومئذ متزر بريطة(٤) من نور، علي تاج الملك وإكليل الكرامة، وعلي ابن أبي طالب أمامي، وبيده لوائي، وهو لواء الحمد، مكتوب عليه: لا إله إلا الله، المفلحون هم الفائزون بالله. وإذا مررنا بالنبيين قالوا: هذان ملكان مقربان لم نعرفهما ولم نرهما، وإذا مررنا بالملائكة قالوا: هذان نبيان مرسلان، حتى أعلو الدرجة وعلي يتبعني، حتى إذا صرت في أعلى درجة منها، وعلي أسفل مني بدرجة، فلا يبقى

______________

(١) اللهوف في قتلى الطفوف: ١١، بحار الانوار ٤٥: ٢١٨/٤٤.

(٢) في النسخ: أحمد بن محمّد بن يحيى، وما أثبتناه من العلل، والمعاني، وانظر معجم رجال الحديث ٨: ٨٠ و ٩: ٢٤١.

(٣) أثبتناه من المعاني والعلل، وانظر معجم رجال الحديث ٩: ٢٤١، و ١٠: ٣٤٢.

(٤) الريطة: كل ثوب لين رقيق.

١٧٨

يومئذ نبي ولا صديق ولا شهيد إلا قال: طوبى لهذين العبدين، ما أكرمهما على الله! فيأتي النداء من قبل الله جل جلاله، يسمع النبيين والصديقين والشهداء والمؤمنين: هذا حبيبي محمّد، وهذا وليي علي، طوبى لمن أحبه، وويل لمن أبغضه وكذب عليه.

ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: فلا يبقى يومئذ أحد أحبك - يا علي - إلا استروح إلى هذا الكلام، وابيض وجهه، وفرح قلبه، ولا يبقى أحد ممن عاداك أو نصب لك حربا أو جحد لك حقا إلا اسود وجهه واضطربت قدماه.

فبينا أنا كذلك إذا ملكان قد أقبلا إلي، أما أحدهما فرضوان خازن الجنة، وأما الآخر فمالك خازن النار، فيدنو رضوان فيقول: السلام عليك يا أحمد. فأقول: السلام عليك أيها الملك، من أنت؟ فما أحسن وجهك وأطيب ريحك! فيقول: أنا رضوان خازن الجنة، وهذه مفاتيح الجنة، بعث بها إليك رب العزة، فخذها يا أحمد. فأقول: قد قبلت ذلك من ربي، فله الحمد على ما فضلني به، ادفعها إلى أخي عليّ بن أبي طالب. ثم يرجع رضوان، فيدنو مالك فيقول: السلام عليك يا أحمد. فأقول: السلام عليك أيها الملك من أنت، فما أقبح وجهك، وأنكر رؤيتك! فيقول: أنا مالك خازن النار، وهذه مقاليد النار، بعث بها إليك رب العزة، فخذها يا أحمد. فأقول: قد قبلت ذلك من ربي، فله الحمد على ما فضلني به، ادفعها إلى أخي عليّ بن أبي طالب.

ثم يرجع مالك، فيقبل علي ومعه مفاتيح الجنة ومقاليد النار حتى يقف على عجزة جهنم وقد تطاير شررها، وعلا زفيرها، واشتد حرها، وعلي آخذ بزمامها، فتقول له جهنم: جزني يا علي، فقد أطفأ نورك لهبي. فيقول لها علي: قري يا جهنم، وخذي هذا، واتركي هذا، خذي هذا عدوي، واتركي هذا وليي، فلجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي من غلام أحدكم لصاحبه، فإن شاء يذهبها يمنة، وإن شاء يذهبها يسرة، ولجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي فيما يأمرها به من جميع الخلائق(١) .

وصلّى الله على سيدنا محمّد وآله

______________

(١) بصائر الدرجات: ٤٣٦/١١، تفسير القمي ٢: ٣٢٤، معاني الاخبار: ١١٦/١، علل الشرائع: ١٦٤/٦، بحار الانوار ٧: ٣٢٦/٢.

١٧٩

[ ٢٥ ]

المجلس الخامس والعشرون

مما أملاه علينا بطوس بمشهد الرضا عليّ بن موسى (صلوات الله عليه وعلى آبائه)

يوم الجمعة السابع عشر من ذي الحجة سنة سبع وستين وثلاثمائة

١٨١/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه، قال: حدّثنا علي ابن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن حماد، عن عبدالله بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن يزيد(١) ، قال: سمعت أبا عبدالله الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام يقول: يخرج رجل من ولد ابني موسى، اسمه اسم أميرالمؤمنين عليه السلام، فيدفن في أرض طوس وهي بخراسان، يقتل فيها بالسم، فيدفن فيها غريبا، من زاره عارفا بحقه أعطاه الله عزّوجلّ أجر من أنفق من قبل الفتح وقاتل(٢) .

١٨٢/٢ - حدّثنا أحمد بن زياد الهمداني رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم ابن هاشم، قال: حدّثنا محمّد بن عيسى بن عبيد، قال: حدّثنا محمّد بن سليمان البصري، عن أبيه، عن إبراهيم بن أبي حجر الاسلمي، قال: حدّثنا قبيصة، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت وصي الاوصياء ووارث علم الانبياء أبا جعفر محمّد بن علي

______________

(١) كذا، وفي البحار: الحسين بن زيد.

(٢) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٢٥٥/٣، من لا يحضره الفقيه ٢: ٣٤٩/١٦٠٠، بحار الانوار ١٠٢: ٣٣/٩.

١٨٠

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

وحدثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه، قال: حدثني أبوسعيد الحسن بن عليّ العدوي، قال: حدّثنا عليّ بن عيسى الكوفي، قال: حدّثنا جرير ابن عبد الحميد، عن الاعمش، وزاد بعضهم على بعض في اللفظ، وقال بعضهم ما لم يقل بعض، وسياق الحديث لمندل بن عليّ العنزي، عن الاعمش، قال: بعث إلي أبوجعفر الدوانيقي في جوف الليل أن أجب، قال: فبقيت متفكرا فيما بيني وبين نفسي، وقلت: ما بعث إلي أميرالمؤمنين في هذه الساعة إلا ليسألني عن فضائل علي عليه السلام، ولعلي إن أخبرته قتلني، قال: فكتبت وصيتي، ولبست كفني، ودخلت عليه، فقال: ادن، فدنوت وعنده عمرو بن عبيد، فلما رأيته طابت نفسي شيئا، ثم قال: ادن، فدنوت حتى كادت تمس ركبتي ركبته، قال: فوجد مني رائحة الحنوط، فقال: والله لتصدقني أو لاصلبنك. قلت: ما حاجتك، يا أميرالمؤمنين؟ قال: ما شأنك متحنطا؟ قلت: أتاني رسولك في جوف الليل أن أجب، فقلت: عسى أن يكون أميرالمؤمنين بعث إلي في هذه الساعة ليسأنلي عن فضائل علي عليه السلام فلعلي إن أخبرته قتلني، فكتبت وصيتي، ولبست كفني.

قال: وكان متكئا، فاستوى قاعدا، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، سألتك بالله يا سليمان كم حديثا ترويه في فضائل علي؟ قال: فقلت: يسيرا، يا أميرالمؤمنين. قال: كم؟ قلت: عشرة آلاف حديث، وما زاد.

فقال: يا سليمان، والله لاحدثنك بحديث في فضائل علي عليه السلام تنسى كل حديث سمعته، قال: قلت: حدثني، يا أميرالمؤمنين. قال: نعم، كنت هاربا من بني أمية، وكنت أتردد في البلدان، فأتقرب إلى الناس بفضائل علي، وكانوا يطعموني ويزودوني حتى وردت بلاد الشام، وإني لفي كساء خلق ما علي غيره، فسمعت الاقامة وأنا جائع، فدخلت المسجد لاصلي، وفي نفسي أن أكلم الناس في عشاء يعشوني، فلما سلم الامام دخل المسجد صبيان، فالتفت الامام إليهما، وقال: مرحبا بكما، ومرحبا بمن اسمكما على اسمهما، فكان إلى جنبي شاب، فقلت: يا شاب، ما الصبيان من الشيخ؟ قال: هو جدهما، وليس بالمدينة أحد يحب عليا غير هذا الشيخ،

٥٢١

فلذلك سمى أحدهما الحسن، والآخر الحسين، فقمت فرحا، فقلت للشيخ: هل لك في حديث أقر به عينك؟ قال: إن أقررت عيني أقررت عينك.

قال: فقلت: حدثني والدي، عن أبيه، عن جده، قال: قعودا عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، إذا جاءت فاطمة عليها السلام تبكي، فقال لها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما يبكيك، يا فاطمة؟ قالت: يا أبه، خرج الحسن والحسين، فما أدري أين باتا؟ فقال لها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يا فاطمة، لا تبكي، فالله الذي خلقهما هو ألطف بهما منك. ورفع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يده إلى السماء، فقال: اللهم إن كانا أخذا برا أو بحرا فاحفظهما وسلمهما، فنزل جبرئيل عليه السلام من السماء، فقال: يا محمّد، إن الله يقرئك السلام، وهو يقول: لا تحزن ولا تغتم لهما، فإنهما فاضلان في الدنيا، فاضلان في الآخرة، وأبوهما أفضل منهما، هما نائمان في حظيرة بني النجار، وقد وكل الله بهما ملكا.

قال: فقام النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فرحا ومعه أصحابه حتى أتوا حظيرة بني النجار، فإذا هم بالحسن معانقا للحسين عليهما السلام، وإذا الملك الموكل بهما قد افترش أحد جناحيه تحتهما وغطاهما بالآخر، قال: فمكث النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يقبلهما حتى انتبها، فلما استيقظا حمل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الحسن، وحمل جبرئيل الحسين فخرج من الحظيرة وهو يقول: والله لا شرفنكما كما شرفكم الله عزّوجلّ. فقال له أبوبكر: ناولني أحد الصبيين أخفف عنك.

فقال: يا أبا بكر، نعم الحاملان، ونعم الراكبان، وأبوهما أفضل منهما.

فخرج حتى أتى باب المسجد، فقال: يا بلال، هلم علي بالناس، فنادى منادي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المدينة، فاجتمع الناس عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المسجد، فقام على قدميه، فقال: يا معشر الناس، ألا أدلكم على خير الناس جدا وجدة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الحسن والحسين، فإن جدهما محمّد، وجدتهما خديجة بنت خويلد.

يا معشر الناس، ألا أدلكم على خير الناس أبا وأما؟ فقالوا: بلى يا رسول الله. قال: الحسن والحسين، فإن أباهما علي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وأمهما

٥٢٢

فاطمة بنت رسول الله.

يا معشر الناس، ألا أدلكم على خير الناس عما وعمة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الحسن والحسين، فإن عمهما جعفر بن أبي طالب الطيار في الجنة مع الملائكة، وعمتهما أم هانئ بنت أبي طالب.

يا معشر الناس، ألا أدلكم على خير الناس خالا وخالة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الحسن والحسين، فإن خالهما القاسم بن رسول الله، وخالتهما زينب بنت رسول الله، ثم قال(١) بيده هكذا يحشرنا الله.

ثم قال: اللهم إنك تعلم أن الحسن في الجنة، والحسين في الجنة، وجدهما في الجنة، وجدتهما في الجنة، وأباهما في الجنة، وأمهما في الجنة، وعمهما في الجنة، وعمتهما في الجنة، وخالهما في الجنة، وخالتهما في الجنة، اللهم إنك تعلم أن من يحبهما في الجنة، ومن يبغضهما في النار.

قال: فلما قلت ذلك للشيخ، قال: من أنت يا فتى؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أعربي أنت، أم مولى؟ قال: قلت: بل عربي. قال: فأنت تحدث بهذا الحديث وأنت في هذا الكساء! فكساني خلعته، وحملني على بغلته - فبعتهما بمائة دينار - فقال: يا شاب، أقررت عيني، فوالله لاقرن عينك، ولارشدنك إلى شاب يقر عينك اليوم، قال: فقلت: أرشدني. قال: لي أخوان، أحدهما إمام، والآخر مؤذن، أما الامام فإنه يحب عليا عليه السلام منذ خرج من بطن أمه، وأما المؤذن فإنه يبغض عليا عليه السلام منذ خرج من بطن أمه.

قال: قلت: أرشدني، فأخذ بيدي حتى أتى باب الامام، فإذا أنا برجل قد خرج إلي، فقال: أما البغلة والكسوة فأعرفهما، والله ما كان فلان يحملك ويكسوك إلا أنك تحب الله عزّوجلّ ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فحدثني بحديث في فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

______________

(١) في نسخة: ثم أشار، وكلاهما بمعنى.

٥٢٣

قال: فقلت: أخبرني أبي، عن أبيه، عن جده، قال: كنا قعودا عند النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، إذا جاءت فاطمة عليها السلام تبكي بكاء شديدا، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما يبكيك، يا فاطمة؟ قالت: يا أبه، عيرتني نساء القريش، وقلن: إن أباك زوجك من معدم(١) لا مال له. فقال لها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: لا تبكي، فوالله ما زوجتك حتى زوجك الله من فوق عرشه، وأشهد بذلك جبرئيل وميكائيل، وإن الله عزّوجلّ اطلع على أهل الدنيا فاختار من الخلائق أباك فبعثه نبيا، ثم اطلع الثانية فاختار من الخلائق عليا، فزوجك إياه، واتخذه وصيا، فعلي أشجع الناس قلبا، وأحلم الناس حلما، وأسمح الناس كفا، وأقدم الناس سلما، وأعلم الناس علما، والحسن والحسين ابناه، وهما سيدا شباب أهل الجنة، واسمهما في التوراة شبر وشبير لكرامتهما على الله عزّوجلّ.

يا فاطمة لا تبكين، فوالله انه إذا كان يوم القيامة يكسى أبوك حلتين، وعلي حلتين، ولواء الحمد بيدي، فأناوله عليا لكرامته على الله عزّوجلّ.

يا فاطمة لا تبكين، فإني إذا دعيت إلى رب العالمين يجئ علي معي، وإذا شفعني الله عزّوجلّ شفع عليا معي.

يا فاطمة لا تبكين، إذا كان يوم القيامة ينادي مناد في أهوال ذلك اليوم: يا محمّد، نعم الجد جدك إبراهيم خليل الرحمن، ونعم الاخ أخوك عليّ بن أبي طالب. يا فاطمة، علي يعينني على مفاتيح الجنة، وشيعته هم الفائزون يوم القيامة غدا في الجنة.

فلما قلت ذلك، قال: يا بني، ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أعربي أنت، أم مولى؟ قلت: بل عربي. قال: فكساني ثلاثين ثوبا، وأعطاني عشرة آلاف درهم.

ثم قال: يا شباب، قد أقررت عيني، ولي إليك حاجة. قلت: قضيت إن شاء الله. قال: فإذا كان غدا فأت مسجد آل فلان كيما ترى أخي المبغض لعلي عليه السلام.

قال: فطالت علي تلك الليلة، فلما أصبحت أتيت المسجد الذي وصف لي، فقمت في الصف، فإذا إلى جانبي شاب متعمم، فذهب ليركع، فسقطت عمامته،

______________

(١) أي فقير.

٥٢٤

فنظرت في وجهه، فإذا رأسه رأس خنزير، ووجهه وجه خنزير، فوالله ما علمت ما تكلمت به في صلاتي حتى سلم الامام، فقلت: يا ويحك، ما الذي أرى بك؟ فبكى وقال لي: انظر إلى هذه الدار. فنظرت، فقال لي: ادخل. فدخلت، فقال لي كنت مؤذنا لآل فلان، كلما أصبحت لعنت عليا ألف مرة بين الاذان والاقامة، وكلما كان يوم الجمعة لعنته أربعة آلاف مرة، فخرجت من منزلي فأتيت داري، فأتكأت على هذا الدكان الذي ترى، فرأيت في منامي كأني بالجنة وفيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلي عليه السلام فرحين، ورأيت كأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن يمينه الحسن، وعن يساره الحسين، ومعه كأس، فقال: يا حسن، اسقني. فسقاه، ثم قال: أسق الجماعة فشربوا، ثم رأيته كأنه قال: اسق المتكئ على هذا الدكان. فقال له الحسن عليه السلام: يا جد، أتأمرني أن أسقي هذا وهو يلعن والدي في كل يوم ألف مرة بين الاذان والاقامة، وقد لعنه في هذا اليوم أربعة آلاف مرة بين الاذان والاقامة! فأتاني النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال لي: مالك - عليك لعنة الله - تلعن عليا، وعلي مني، وتشتم عليا، وعلي مني، فرأيته كأنه تفل في وجهي، وضربني برجله، وقال: قم غير الله ما بك من نعمة. فانتهبت من نومي فإذا رأسي رأس خنزير، ووجهي وجه خنزير.

ثم قال لي أبوجعفر أميرالمؤمنين: أهذان الحديثان في يدك؟ فقلت: لا.

فقال: يا سليمان حب علي إيمان، وبغضه نفاق، والله لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق.

قال: قلت: الامان يا أميرالمؤمنين. قال: لك الامان. قلت: فما تقول في قاتل الحسين عليه السلام قال: إلى النار وفي النار. قلت: وكذلك من يقتل ولد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى النار وفي النار. قال: الملك عقيم يا سليمان، أخرج فحدث بما سمعت(١) .

وصلّى الله على محمّد وآله

______________

(١) بشارة المصطفى: ١٧٠، بحار الانوار ٣٧: ٨٨/٥٥.

٥٢٥

[ ٦٨ ]

المجلس الثامن والستون

مجلس يوم الثلاثاء

لعشر بقين من جمادى الاولى سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٧١٠/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، قال: حدّثنا العباس بن معروف، عن سعدان بن مسلم، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: النوم راحة للجسد، والنطق راحة للروح، والسكوت راحة للعقل(١) .

٧١١/٢ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدثني أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: من لم يكن له واعظ من قلبه، وزاجر من نفسه ولم يكن له قرين مرشد، استمكن عدوه من عنقه(٢) .

٧١٢/٣ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، عن جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري الكوفي، قال: حدّثنا جعفر بن سهل، عن سعيد بن محمّد، عن مسعدة بن صدقة، قال: قال لي أبوالحسن موسى بن

______________

(١) بحار الانوار ٧١: ٢٧ ٦/٦.

(٢) بحار الانوار ٧٤: ١٨٧/٨.

٥٢٦

جعفر عليهما السلام: إن عيال الرجل اسراؤه، فمن أنعم الله عليه نعمة فليوسع على اسرائه، فإن لم يفعل أو شك أن تزول عنه تلك النعمة(١) .

٧١٣/٤ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رحمه الله، قال: حدثني أبي، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمّد بن مسلم ومنهال القصاب، جميعا، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: من أصاب مالا من أربع لم يقبل منه في أربع: من أصاب مالا من غلول أو ربا أو خيانة أو سرقة، لم يقبل منه في زكاة ولا في صدقة ولا في حج ولا في عمرة.

وقال أبوجعفر عليه السلام: لا يقبل الله عزّوجلّ حجا ولا عمرة من مال حرام(٢) .

٧١٤/٥ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رضي الله عنه، قا: حدّثنا أبي، عن جعفر بن محمّد بن ماك الكوفي، قال: حدثني محمّد بن أحمد المدائني، عن فضل ابن كثير، عن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، قال: من لقي فقيرا مسلما فسلم عليه خلاف سلامه على الغني، لقي الله عزّوجلّ يوم القيامة وهو عليه غضبان(٣) .

٧١٥/٦ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى رضي الله عنه قال: حدّثنا محمّد بن هارون الصوفي، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى الروياني، قال: حدّثنا عبد العظيم بن عبدالله الحسني، عن الامام محمّد بن علي، عن أبيه الرضا عليّ بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: دعا سلمان أبا ذر (رحمة الله عليهما) إلى منزله، فقدم إليه رغيفين، فأخذ أبوذر الرغيفين يقلبهما، فقال له سلمان: يا أبا ذر، لاي شئ تقلب هذين الرغيفين؟ قال: خفت أن لا يكونا نضيجين. فغضب سلمان من ذلك غضبا شديدا، ثم قال: ما أجرأك حيث تقلب هذين الرغيفين! فوالله لقد عمل في هذا الخبز الماء الذي تحت العرش، وعملت فيه الملائكة حتى ألقوه إلى الريح، وعملت فيه الريح حتى ألقته إلى السحاب، وعمل فيه

______________

(١) من لا يحضره الفقيه ٤: ٢٨٧/٨٦٣، بحار الانوار ٧٨: ٢٠٨/٧٤.

(٢) بحار الانوار ٩٦: ١٦٣/١.

(٣) بحار الانوار ٧٢: ٣٨/٣١.

٥٢٧

السحاب حتى أمطره إلى الارض، وعمل فيه الرعد والملائكة حتى وضعوه مواضعه، وعملت فيه الارض والخشب والحديد والبهائم والنار والحطب والملح، وما لا أحصيه أكثر، فكيف لك أن تقوم بهذا الشكر؟

فقال أبوذر: إلى الله أتوب، واستغفر الله مما أحدثت، وإليك أعتذر مما كرهت(١) .

٧١٦/٧ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن أيوب بن نوح، عن محمّد بن أبي عمير، عن بشر بن مسلمة، عن مسمع أبي سيار، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: من تصدق حين يصبح بصدقة، أذهب الله عنه نحس ذلك اليوم(٢) .

٧١٧/٨ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السعد آبادي، قال: حدّثنا أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن فضالة ابن أيوب، عن زيد الشحام، عن أبي عبدالله الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد ابن علي الباقر، عن أبيه عليهم السلام، قال: مرض النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم المرضة التي عوفي منها، فعادته فاطمة سيدة النساء عليها السلام ومعها الحسن والحسين عليهما السلام، قد أخذت الحسن بيدها اليمنى، وأخذت الحسين بيدها اليسرى، وهما يمشيان وفاطمة بينهما حتى دخلوا منزل عائشة، فقعد الحسن عليه السلام على جانب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الايمن، والحسين عليه السلام على جانب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الايسر، فاقبلا يغمزان ما يليهما من بدن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فما أفاق النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من نومه، فقالت فاطمة للحسن والحسين: حبيبي، إن جدكما قد غفا، فانصرفا ساعتكما هذه ودعاه حتى يفيق وترجعان إليه. فقالا: لسنا ببارحين في وقتنا هذا.

______________

(١) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٥٢/٢٠٣ (بزيادة)، بحار الانوار ٢٢: ٣٢٠/٨.

(٢) المحاسن: ٣٤٩/٢٧، بحار الانوار ٩٦: ١٢٦/٤٢.

٥٢٨

فاضطجع الحسن على عضد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الايمن، والحسين على عضده الايسر فغفيا، وانتبها قبل أن ينتبه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقد كانت فاطمة عليها السلام لما ناما انصرفت إلى منزلها، فقالا لعائشة: ما فعلت أمنا؟ قالت: لما نمتما رجعت إلى منزلها.

فخرجا في ليلة ظلماء مدلهمة ذات رعد وبرق، وقد أرخت السماء عزاليها(١) ، فسطع لهما نور، فلم يزالا يميشيان في ذلك النور، والحسن قابض بيده اليمنى على يد الحسين اليسرى، وهما يتماشيان ويتحدثان، حتى أتيا حديقة بني النجار، فلما بلغا الحديقة حارا، فبقيا لا يعلمان أين يأخذان، فقال الحسن للحسين: إنا قد حرنا، وبقينا على حالتنا هذه، وما ندري أين نسلك، فلا عليك أن ننام في وقتنا هذا حتى نصبح. فقال له الحسين عليه السلام: دونك يا أخي فافعل ما ترى، فاضطجعا جميعا، واعتنق كل واحد منهما صاحبه وناما.

وانتبه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من نومته التي نامها، فطلبهما في منزل فاطمة، فلم يكونا فيه، وافتقدهما، فقام النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم على رجليه، وهو يقول: إلهي وسيدي ومولاي، هذان شبلاي، خرجا من المخمصة والمجاعة، اللهم أنت وكيلي عليهما. فسطح للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم نور، فلم يزل يمضي في ذلك النور حتى أتى حديقة بني النجار، فإذا هما نائمان قد اعتنق كل واحد منهما صاحبه، وقد تقشعت السماء فوقهما كطبق، فهي تمطر كأشد مطر، ما رآه الناس قط، وقد منع الله عزّوجلّ المطر منهما في البقعة التي هما فيها نائمان، لا يمطر عليهما قطرة، وقد اكتنفتهما حية لها شعرات كآجام(٢) القصب وجناحان، جنان قد غطت به الحسن، وجناج قد غطت به الحسين، فلما أن بصر بهما النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تنحنح، فانسابت الحية وهي تقول: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك أن هذين شبلا نبيك، قد حفظتهما عليه ودفعتهما

______________

(١) أي انهمرت بالمطر.

(٢) الآجام: جمع أجمة، الشجر الكثير الملتف.

٥٢٩

إليه سالمين صحيحين.

فقال لها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: أيتها الحية، فمن أنت؟ قالت: أنا رسول الجن إليك. قال: وأي الجن؟ قالت: جن نصيبين، نفر من بني مليح، نسينا آية من كتاب الله عزّوجلّ فبعثوني إليك لتعلمنا ما نسينا من كتاب الله، فلما بلغت هذا الموضع سمعت مناديا ينادي: أيتها الحية، هذان شبلا رسول الله، فاحفظيهما من الآفات والعاهات ومن طوارق الليل والنهار، فقد حفظتهما وسلمتهما إليك سالمين صحيحين، وأخذت الحية الآية وانصرفت.

وأخذ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الحسن، فوضعه على عاتقه الايمن، ووضع الحسين على عاتقه الايسر، وخرج علي عليه السلام فلحق برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال له بعض أصحابه: بأبي أنت وأمي، ادفع إلي أحد شبليك، اخفف عنك. فقال: امض، فقد سمع الله كلامك، وعرف مقامك. وتلقاه آخر، فقال: بأبي أنت وأمي، ادفع إلي أحد شبليك، اخفف عنك. فقال: امض فقد سمع الله كلامك، وعرف مقامك.

فتلقاه علي عليه السلام، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ادفع إلي أحد شبلي وشبليك حتى اخفف عنك. فالتفت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الحسن عليه السلام، فقال: يا حسن، هل تمضي إلى كتف أبيك؟ فقال له: والله يا جداه، إن كتفك لا حب إلي من كتف أبي. ثم التفت إلى الحسين عليه السلام، فقال: يا حسين، هل تمضي إلى كتف أبيك؟ فقال له: والله يا جداه، إني لاقول لك كما قال أخي الحسن، إن كتفك لاحب إلي من كتف أبي.

فأقبل بهما إلى منزل فاطمة عليها السلام، وقد ادخرت لهما تميرات، فوضعتها بين أيديهما، فأكلا وشبعا وفرحا، فقال لهما النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: قوما الآن فاصطرعا. فقاما ليصطرعا، وقد خرجت فاطمة عليها السلام في بعض حاجتها، فدخلت فسمعت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو يقول: إيه يا حسن، شد على الحسين فاصرعه. فقالت له: يا أبه، واعجباه، اتشجع هذا على هذا، اتشجع الكبير على الصغير! فقال لها: يا بنية، أما ترضين أن أقول أنا: يا حسن، شد على الحسين فاصرعه، وهذا حبيبي جبرئيل يقول:

٥٣٠

يا حسين، شد على الحسن فاصرعه(١) .

٧١٨/٩ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى الدقاق رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن هارون الصوفي، قال: حدّثنا أبوتراب عبيد الله بن موسى الروياني، عن عبد العظيم بن عبدالله الحسني، قال: قلت لابي جعفر محمّد بن عليّ الرضا عليه السلام: يا بن رسول الله، حدثني بحديث عن آبائك عليهم السلام. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا، فإذا استووا هلكوا.

قال: قلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لو تكاشفتم ما تدافنتم.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بطلاقة الوجه وحسن اللقاء، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: من عتب على الزمان طالت معتبته.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: مجالسة الاشرار تورث سوء الظن با لاخيار.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن

______________

(١) بحار الانوار ٤٣: ٢٦٦/٢٥.

٥٣١

آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: قيمة كل امرئ ما يحسنه.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: المرء مخبوء تحت لسانه.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: ما هلك أمرؤ عرف قدره.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال يا أميرالمؤمنين عليه السلام: من وثق با لزمان صرع.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: خاطر بنفسه من استغنى برأيه.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: قلة العيال أحد اليسارين.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: من دخله العجب هلك.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: من أيقن بالخلف جاد بالعطية.

قال: فقلت له: زدني يا بن رسول الله. فقال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: من رضي بالعافية ممن دونه، رزق السلامة ممن فوقه، قال: فقلت له: حسبني(١) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله، وحسبنا الله ونعم الوكيل

______________

(١) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٥٣/٢٠٤، بحار الانوار ٧٧: ٣٨٣/١٠.

٥٣٢

[ ٦٩ ]

المجلس التاسع والستون

مجلس يوم الجمعة

الثالث والعشرين من جمادى الاولى سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٧١٩/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق عليهم السلام، قال: لما أسري برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى بيت المقدس حمله جبرئيل على البراق، فأتيا بيت المقدس، وعرض عليه محاريب الانبياء، وصلى بها، ورده فمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في رجوعه بعير لقريش، وإذا لهم ماء في آنية، وقد أظلوا بعيرا لهم، وكانوا يطلبونه، فشرب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من ذلك الماء وأهرق باقيه.

فلما أصبح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لقريش: إن الله جل جلاله قد أسرى بي إلى بيت المقدس وأراني آثار الانبياء ومنازلهم، وإني مررت بعير لقريش في موضع كذا وكذا، وقد أضلوا بعيرا لهم، فشربت من مائهم، وأهرقت باقي ذلك.

فقال أبوجهل: قد أمكنتكم الفرصة منه، فسلوه كم الاساطين فيها والقناديل؟ فقالوا: يا محمّد، إن هاهنا من قد دخل بيت المقدس، فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه. فجاء. جبرئيل عليه السلام فعلق صورة بيت المقدس، تجاه وجهه، فجعل

٥٣٣

يخبرهم بما يسألونه عنه، فلما أخبرهم قالوا: حتى تجئ العير ونسألهم عما قلت. فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: تصديق ذلك أن العير تطلع عليكم مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق(١) .

فلما كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العقبة، ويقولون: هذه الشمس تطلع الساعة. فبينما هم كذلك إذ طلعت عليهم العير حين طلع القرص يقدمها جمل أورق، فسألوهم عما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقالوا: لقد كان هذا، ضل جمل لنا في موضع كذا وكذا، ووضعنا ماء، فأصبحنا وقد أهريق الماء. فلم يزدهم ذلك إلا عتوا(٢) .

٧٢٠/٢ - حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشمي، قال: حدّثنا فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن عليّ الهمداني، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ الشامي، عن أبيه، قال: حدّثنا أبوجرير، قال: حدّثنا عطاء الخراساني، رفعه، عن عبد الرحمن بن غنم، قال: جاء جبرئيل عليه السلام إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بدابة دون البغل وفوق الحمار، رجلاها أطول من يديها، خطوها مد البصر، فلما أراد النبي أن يركب امتنعت، فقال جبرئيل عليه السلام: إنه محمّد، فتواضعت حتى لصقت بالارض.

قال: فركب، فكلما هبطت ارتفعت يداها، وقصرت رجلاها، وإذا صعدت ارتفعت رجلاها، وقصرت يداها، فمرت به في ظلمة الليل على عير محملة، فنفرت العير من دفيف البراق، فنادى رجل في آخر العير غلاما له في أول العير: يا فلان، إن الابل قد نفرت، وإن فلانة ألقت حملها، وانكسرت يدها، وكانت العير لابي سفيان.

قال: ثم مضى، حتى إذا كان ببطن البلقاء، قال: يا جبرئيل، قد عطشت، فتناول جبرئيل قصعة فيها ماء فناوله فشرب، ثم مضى فمر على قوم معلقين بعراقيبهم بكلاليب من نار، فقال: ما هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: هؤلاء الذين أغناهم الله بالحلال

______________

(١) الاورق من الابل: ما في لونه بياض إلى سواد.

(٢) بحار الانوار ١٨: ٣٣٦/٣٧.

٥٣٤

فيبتغون الحرام.

قال: ثم مر على قوم تخاط جلودهم بمخائط من نار، فقال: ما هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: هؤلاء الذين يأخذون عذرة النساء بغير حل.

ثم مضى فمر على رجل يرفع حزمة من حطب، كلما لم يستطع أن يرفعها زاد فيها، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا صاحب الدين يريد أن يقضي، فإذا لم يستطع زاد عليه.

ثم مضى حتى إذا كان بالجبل الشرقي من بيت المقدس، وجد ريحا حارة، وسمع صوتا قال: ما هذه الريح يا جبرئيل التي أجدها، وهذا الصوت الذي أسمع؟ قال: هذه جهنم، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: أعوذ بالله من جهنم. ثم وجد ريحا عن يمينه طيبة، وسمع صوتا، فقال: ما هذه الريح التي أجدها، وهذا الصوت الذي أسمع؟ قال: هذه الجنة. فقال: أسأل الله الجنة.

قال: ثم مضى حتى انتهى إلى باب مدينة بيت المقدس، وفيها هرقل، وكانت أبواب المدينة تغلق كل ليلة، ويؤتى بالمفاتيح وتوضع عند رأسه، فلما كانت تلك الليلة امتنع الباب أن ينغلق فأخبروه، فقال: ضاعفوا عليها من الحرس. قال: فجاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فدخل بيت المقدس، فجاء جبرئيل عليه السلام إلى الصخرة فرفعها، فأخرج من تحتها ثلاثة أقداح: قدحا من لبن، وقدحا من عسل، وقدحا من خمر، فناوله قدح اللبن فشرب، ثم ناوله قدح العسل فشرب، ثم ناوله قدح الخمر، فقال: قد رويت يا جبرئيل. قال: أما إنك لو شربته ضلت أمتك وتفرقت عنك. قال: ثم أم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مسجد بيت المقدس بسبعين نبيا.

قال: وهبط مع جبرئيل عليه السلام ملك لم يطأ الارض قط، معه مفاتيح خزائن الارض، فقال: يا محمّد، إن ربك يقرئك السلام ويقول: هذه مفاتيح خزائن الارض، فإن شئت فكن نبيا عبدا، وإن شئت فكن نبيا ملكا. فأشار إليه جبرئيل عليه السلام أن تواضع يا محمّد. فقال: بل أكون نبيا عبدا.

ثم صعد إلى السماء، فلما انتهى إلى باب السماء استفتح جبرئيل عليه السلام،

٥٣٥

فقالوا: من هذا؟ قال: محمّد. قالوا: نعم المجئ جاء فدخل فما مر على ملا من الملائكة إلا سلموا عليه ودعوا له، وشيعه مقربوها، فمر على شيخ قاعد تحت شجرة وحوله أطفال، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من هذا الشيخ يا جبرئيل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم. قال: فما هؤلاء الاطفال حوله؟ قال: هؤلاء أطفال المؤمنين حوله يغذوهم.

ثم مضى فمر على شيخ قاعد على كرسي، إذا نظر عن يمينه ضحك وفرح، وإذا نظر عن يساره خزن وبكى، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا أبوك آدم، إذا رأى من يدخل الجنة من ذريته ضحك وفرح، وإذا رأى من يدخل النار من ذريته حزن وبكى.

ثم مضى فمر على ملك قاعد على كرسي فسلم عليه، فلم ير منه من البشر ما رأى من الملائكة، فقال: يا جبرئيل، ما مررت بأحد من الملائكة إلا رأيت منه ما أحب إلا هذا، فمن هذا الملك؟ قال: هذا مالك خازن النار، أما إنه قد كان من أحسن الملائكة بشرا، وأطلقهم وجها، فلما جعل خازن النار أطلع فيها اطلاعة، فرأى ما أعد الله فيها لاهلها، فلم يضحك بعد ذلك.

ثم مضى حتى إذا انتهى حيث انتهى فرضت عليه الصلاة خمسون صلاة، قال: فأقبل فمر على موسى عليه السلام، فقال: يا محمّد، كم فرض على امتك؟ قال: خمسون صلاة. قال: ارجع إلى ربك فسله أن يخفف عن امتك. قال: فرجع ثم مر على موسى عليه السلام، فقال: كم فرض على امتك؟ قال: كذا وكذا. قال: فإن امتك أضعف الامم، ارجع إلى ربك فسله أن يخفف عن امتك، فإني كنت في بني إسرائيل فلم يكونوا يطيقون إلا دون هذا. فلم يزل يرجع إلى ربه عزّوجلّ حتى جعلها خمس صلوات، قال: ثم مر على موسى عليه السلام، فقال: كم فرض على امتك؟ قال: خمس صلوات. قال: ارجع إلى ربك فسله أن يخفف عن امتك، قال: قد استحييت من ربي مما ارجع إليه.

ثم مضى فمر على إبراهيم خليل الرحمن، فناداه من خلفه، فقال: يا محمّد، اقرأ امتك عني السلام، وأخبرهم أن الجنة ماؤها عذب، وتربتها طيبة، فيها قيعان

٥٣٦

بيض، غرسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فمر أمتك فليكثروا من غرسها.

ثم مضى حتى مر بعير يقدمها حمل أورق، ثم أتى أهل مكة فأخبرهم بمسيره، وقد كان بمكة قوم من قريش قد أتوا بيت المقدس فأخبرهم، ثم قال: آية ذلك أنها تطلع عليكم الساعة عير مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق، قال: فنظروا فإذا هي قد طلعت، وأخبرهم أنه قد مر بأبي سفيان، وأن إبله نفرت في بعض الليل، وأنه نادى غلاما له في أول العير: يا فلان، إن الابل قد نفرت، وإن فلانة قد ألقت حملها، وانكسرت يدها. فسألوا عن الخبر، فوجدوه كما قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم(١) .

٧٢١/٣ - حدّثنا محمّد بن القاسم الاسترآبادي، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد، قال: حدّثنا أبويحيى محمّد بن عبدالله بن يزيد المقري، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال كنت عند عليّ بن الحسين عليه السلام فجاءه رجل من أصحابه، فقال له عليّ بن الحسين عليه السلام: ما خبرك، أيها الرجل؟ فقال الرجل: خبري - يا بن رسول الله - أني أصبحت وعلي أربعمائة دينار دين لا قضاء عندي لها، ولي عيال ثقال ليس لي ما أعود عليهم به. قال: فبكى عليّ بن الحسين عليهما السلام بكاء شديدا، فقلت له: ما يبكيك، يا بن رسول الله؟ فقال: وهل يعد البكاء إلا للمصائب والمحن الكبار. قالوا: كذلك، يا بن رسول الله. قال: فأية محنة ومصيبة أعظم على حرمة(٢) مؤمن من أن يرى بأخيه المؤمن خلة فلا يمكنه سدها، ويشاهده على فاقة فلا يطيق رفعها! قال: فتفرقوا عن مجلسهم ذلك.

فقال بعضهم المخالفين(٣) وهو يطعن على عليّ بن الحسين عليهما السلام: عجبا لهؤلاء يدعون مرة أن السماء والارض وكل شئ يطيعهم، وأن الله لا يردهم عن شئ

______________

(١) بحار الانوار ١٨: ٣٣٣/٣٦.

(٢) في نسخة: حر، والحر: الجزء الظاهر من الوجه.

(٣) في نسخة: المنافقين.

٥٣٧

من طلباتهم، ثم يعترفون أخرى بالعجز عن إصلاح حال خواص إخوانهم. فاتصل ذلك بالرجل صاحب القصة فجاء إلى عليّ بن الحسين عليهما السلام فقال له: يا بن رسول الله، بلغني عن فلان كذا وكذا، وكان ذلك أغلظ علي من محنتي. فقال عليّ بن الحسين عليهما السلام: فقد أذن الله في فرجك، يا فلانة احملي سحوري وفطوري. فحملت قرصتين، فقال عليّ بن الحسين عليهما السلام للرجل: خذهما فليس عندنا غيرهما، فإن الله يكشف عنك بهما، وينيلك خيرا واسعا منهما.

فأخذهما الرجل، ودخل السوق لا يدري ما يصنع بهما، يتفكر في ثقل دينه وسوء حال عياله، ويوسوس إليه الشيطان: أين موقع هاتين من حاجتك؟ فمر بسماك قد بارت عليه سمكة قد أراحت(١) . فقال له: سمكتك هذه بائرة عليك، وإحدى قرصتي هاتين بائرة علي، فهل لك أن تعطيني سمكتك البائرة، وتأخذ قرصتي هذه البائرة؟ فقال: نعم. فأعطاه السمكة وأخذ القرصة، ثم مر برجل معه ملح قليل مزهود فيه، فقال له: هل لك أن تعطيني ملحك هذا المزهود فيه بقرصتي هذه المزهود فيها؟ قال: نعم. ففعل، فجاء الرجل بالسمكة والملح، فقال: أصلح هذه بهذا، فلما شق بطن السمكة وجد فيها لؤلؤتين فاخرتين، فحمد الله عليهما، فبينما هو في سروره ذلك إذ قرع بابه، فخرج ينظر من بالباب، فإذا صاحب السمكة وصاحب الملح قد جاءا، يقول كل واحد منهما له: يا عبدالله، جهدنا أن نأكل نحن أو أحد من عيالنا هذا القرص، فلم تعمل فيه أسناننا، وما نظنك إلا وقد تناهيت في سوء الحال، ومرنت على الشقاء، قد رددنا إليك هذا الخبز، وطيبنا لك ما أخذته منا. فأخذ القرصتين منهما.

فلما استقر بعد انصرافهما عنه قرع بابه، فإذا رسول عليّ بن الحسين عليهما السلام، فدخل فقال: إنه يقول لك: إن الله قد أتاك بالفرج، فأردد إلينا طعامنا، فإنه لا يأكله غيرنا، وباع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم قضى منه دينه،

______________

(١) أراح الشئ: أنتن.

٥٣٨

وحسنت بعد ذلك حاله.

فقال بعض المخالفين: ما أشد هذا التفاوت! بينا عليّ بن الحسين عليه السلام لا يقدر أن يسد منه فاقة، إذ أغناه هذا الغناء العظيم، كيف يكون هذا، وكيف يعجز عن سد الفاقة من يقدر على هذا الغناء العظيم؟

فقال عليّ بن الحسين عليهما السلام: هكذا قالت قريش للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: كيف بمضي إلى بيت المقدس ويشاهد ما فيه من آثار الانبياء من مكة، ويرجع إليها في ليلة واحدة من لا يقدر أن يبلغ من مكة إلى المدينة إلا في اثني عشر يوما؟ وذلك حين هاجر منها.

ثم قال عليّ بن الحسين عليهما السلام: جهلوا والله أمر الله وأمر أوليائه معه، إن المراتب الرفيعة لا تنال إلا بالتسليم لله جل ثناؤه، وترك الاقتراح عليه، والرضا بما يدبرهم به، إن أولياء الله صبروا على المحن والمكاره صبرا لما يساوهم فيه غيرهم، فجازاهم الله عزّوجلّ عن ذلك بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم، لكنهم مع ذلك لا يريدون منه إلا ما يريده لهم(١) .

وصلّى الله على محمّد وآله، وحسبنا الله ونعم الوكيل

______________

(١) روضة الواعظين: ١٩٦، بحار الانوار ٤٦: ٢٠/١.

٥٣٩

[ ٧٠ ]

المجلس السبعون

مجلس يوم الثلاثاء

السابع والعشرين من جمادى الاولى سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٧٢٢/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، قال: دعاء الرجل لاخيه بظهر الغيب يدر الرزق ويدفع المكروه(١) .

٧٢٣/٢ - حدّثنا الحسين بن إبراهيم بن ناتانه رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، قال: رأيت عبدالله بن جندب بالموقف، فلم أر موقفا أحسن من موقفه، ما زال مادا يديه إلى السماء ودموعه تسيل على خديه حتى تبلغ الارض، فلما صدر الناس قلت له: يا أبا محمّد، ما رأيت موقفا أحسن من موقفك. قال: والله ما دعوت إلا لاخواني، وذلك أن أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام أخبرني أنه من دعا لاخيه بظهر الغيب نودي من العرش: ولك مائة ألف ضعف،

______________

(١) بحار الانوار ٩٣: ٣٨٥/٩.

٥٤٠

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780