الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق7%

الأمالي شيخ الصدوق مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 780

الأمالي شيخ الصدوق
  • البداية
  • السابق
  • 780 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 441647 / تحميل: 8643
الحجم الحجم الحجم
الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

إلى عطية بن الأسود الحنفي أتباع عبد الكريم بن عجرد أنّ الأطفال قبل بلوغهم تجب البراءة منهم، فإذا بلغ الصبيّ دُعيَ إلى الإسلام فإنْ أجاب إليه ووصفه كان مسلماً، ومِن هؤلاء من قال بالقدَر بمعنى التفويض وليس لله في أعمال عباده رأي أو تصرّف، فهم الخالقون لأفعالهم والكفر والإيمان باستطاعتهم وحدهم، بينما يرى بعض العجاردة من أتباع عبد الكريم بن عجرد: أنّ الأعمال مخلوقة لله ولا مشيئة للعبد فيها، والقائل بذلك هم الشعيبية نسبة لرجل يدعى شعيب، وقد تخاصم هو وميمون، في مال كان لميمون عليه، فقال له شعيب: أعطيكه إنْ شاء الله، فردّ عليه ميمون على مذهبه في القدر لقد شاء الله أنْ تعطيني إيّاه، فقال له شعيب: لو شاء الله لم أقدر إلاّ أنْ أعطيكه.

وقد نسب كتاب الفرق والمذاهب إلى الميمونية والعجاردة أنّهم يجيزون نكاح بنات البنين وبنات البنات، وبنات بنات الأخوة والأخوات، ويدّعون أنّ الله لم يُحرّم البنات وبنات الأخوة والأخوات، كما يدّعون بأنّ سورة يوسف ليسَت من القرآن.

ومَن فِرَق الخوارج الأباظية ولهؤلاء آراء يُخالفون غيرهم بها، كما يتّفقون مع غيرهم من فِرَق الخوارج في بعض الآراء، ومِن فروعهم الحفصية أتباع حفص بن أبي المقدام أحد قادتهم، وذهبوا إلى أنّه بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمَن عرَف الله وكفَر بما سِواه من الرسل والجنّة والنار وعمل جميع المنكرات يكون كافراً ولا يُعَد مشركاً، وهؤلاء قد ذهبوا إلى أنّ عليّاً (عليه السلام) هو الحيران الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: ( كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ) ، والذين دعوه إلى الهدى هم أهل النهروان، وأنّ الله قد أنزل فيه قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ، وأنزل في قاتله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) .

وقد ادعى أحد الأباظيّين وهو يزيد بن أنيسة أنّ الله سيبعث رسولاً من العجَم وينزل عليه كتاباً من السماء يكتب في السماء، وينزل جملةً واحدة، وأضاف أنّ أهل الكتاب إذا شهدوا لمحمّد بالنبوّة نتولاّهم ويجوز وصفهم بالإيمان وإنْ لم يدخلوا دين الإسلام (1)، ويتّفق الأباظية بجميع

____________________

(1) انظر مقالات الإسلاميّين ص 170 و171.

٤١

فِرَقهم على أنّ مرتكب الكبيرة مخلّد في جهنّم، وفاعلها كافر لأنعم الله وليس مشركاً، وجوّز الضحاكيّة منهم أنْ تتزوّج المرأة المسلمة من كفّار قومهم في دار التقية، كما يجوز للرجل المسلم أنْ يتزوّج الكافرة من قومه في دار التقية، أمّا إذا كان حكمهم جائراً فلا يستحلّون ذلك، بينما قال جماعة منهم: إنّ المرأة المتزوّجة من كفّار قومنا لا نعطيها صفة الإسلام، ولا تجب الصلاة عليها إنْ ماتت، أمّا مخالفيهم فقد حكَم جماعة منهم بكفرهم وتوقّف آخرون فلَم يحكموا عليهم بكفر أو إيمان، وجميع المسلمين الذين لم يؤيّدوا حركتهم مخالفون في دار الكفر، ومن فِرق الخوارج ا لبيهسية أصحاب أبي بيهس هيجم بن جابر ولهم آراء شاذّة في الأُصول والفروع منها أنّ الشراب حلال في أصله ولم يأتِ فيه شيء من التحريم لا في قليله ولا في كثيره، ومنها أنّ الناس مشركون بجهلِ الدين وارتكاب الذنوب، ويجب على الله أنْ يظهر أحكامه في العصاة كما أظهرها في الشرك، ولو جاز إخفاءها لجاز في الشرك أيضاً.

ومنها أنّ الإمام إذا كفَر كفرت الرعية الغائب والشاهد حكمهم حكم الإمام، ومَن فعل شيئاً من المحرّمات التي توعّد الله عباده عليها وهو لا يعلم بحرمته كان كافراً.

ومِن فِرقهم الشبيبية أتباع شبيب بن يزيد (1)، وهؤلاء قد جوّزوا إمامة المرأة واستخلافها ولهم آراء أُخرى أكثر شذوذاً ممّا أوردناه (2).

ولهم فِرق أُخرى وآراء في الأُصول والفروع تدور حول مرتكب الذنب، وأحكام المخالفين لهم، ويبدو بعد التتبّع لآرائهم أنّ التكفير هو أوّل الصفات التي تجري على ألسنتهم، فكأنّ المقياس للدين هو آراؤهم ومتابعتهم على ضلالهم وجهلهم وقد كفّر بعضهم بعضاً لأقلّ مناسبة وأبسطها، وانقسموا على أنفسهم حتى في ساحات القتال مع أخصامهم الأمويّين، وقد عرف فيهم الحكّام والقوّاد الذين تولّوا قتالهم هذه الحالة، فاستغلّوها لتفريق كلمتهم وإضعافهم، فقد جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المجلّد الأوّل: إنّ الأزارقة كان من بينهم حدّاد يصنع لهم نِصالاً

____________________

(1) أحد القواد الذين قادوا حركة الخوارج في عهد عبد الملك بن مروان، وقد اشترك في جملة مِن المعارك هو وزوجته.

(2) انظر ص 179 و180 و181 من مقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري ج 1.

٤٢

مسمومة يرمون بها أصحاب المهلّب بن أبي صفرة، فشكا أصحاب المهلّب إليه أمر الحدّاد، فقال: أنا أكفيكم أمره، فوجّه إليه كتاباً فيه ألف دينار مع رجلٍ من أصحابه وأمره بإلقاء الكتاب والدنانير في معسكر الخوارج، وكتب فيه: أمّا بعد فإنّ نصالك قد وصلَت إلينا وقد وجّهت لك ألف دينار فاقبضها وزدنا من نِصالك، فأصاب الكتاب أحد الخوارج وسلّمه إلى قطري الذي كان يقود الخوارج في حربهم مع المهلّب، ولمّا قرأ الكتاب استدعى الحدّاد فقال له: ما هذا الكتاب والدنانير قال: لا أعلم بها، فأمر بقتله فجاءه أحد القوّاد ويُدعى عبد ربّه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة، فقال له: قتلتَ رجلاً على غير ثقةٍ وبيّنة، قال قطري: ما حال الألف دينار؟ قال: يجوز أنْ يكون أمرها كذباً ويجوز أنْ يكون حقّاً.

فقال له قطري: إنّ قتل رجلٍ فيه صلاح غير منكَر، وللإمام أنْ يحكُم بما يراه صالحاً وليس للرعية أنْ تعترض عليه، وكان من نتيجة ذلك أنْ تنكّر له عبد ربّه الصغير مع جماعة من الخوارج ونقموا عليه تسرّعه في هذا الأمر، ولمّا بلغ المهلّب خلافهم احتال لأنْ يزيده احتداماً فدسّ إليهم رجلاً نصرانيّاً وأمره أنْ يسجُد لقطري عندما يراه وأوصاه أنْ يقول له: إنّما سجدتُ لك لا لله، ولمّا فعل النصراني ما أوصاه به المهلّب أنكر عليه الخوارج ذلك وقالوا له: لقد عبدك النصراني من دون الله، وتلا عليه بعضهم الآية: ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) .

فقال قطري: لقد عبد النصارى عيسى بن مريم من دون الله فما ضرّ عيسى ذلك شيئاً، وأدّى الخلاف بينهم إلى قتْل النصراني، وتابَع المهلّب دسائسه بينهم بعد أنْ رأى أنّ ذلك أجدى عليه من السيف فوجّه إليهم رجُلاً يسألهم عن رجُلين خرجا مهاجرَين إليهم، فمات أحدهما في الطريق ووصل إليهم الثاني ولكنّه لم يكن كما يريدون، فأجاب فريق منهم أنْ الميّت من أهل الجنّة والذي بقيَ حيّاً كافر، وقال فريقٌ آخر: أنّهما معاً كافران واحتدم الخلاف بينهم شهراً كاملاً (1) ، ويجد المتتبّع في تاريخهم أمثال هذه الخلافات التي كانت تنشب بينهم لأبسط الأُمور، واستغلّ أخصامهم هذه الميزة التي برزت في حياتهم، فعملوا على إضعافهم وهزيمتهم من هذا الطريق، وبالفعل قد تمّ لهم ذلك وتوالت هزائمهم؛ بسبب ما كان يحدث بينهم من خلاف ونزاع وهم في ساحات القتال، مع

____________________

(1) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد ج (1) ص 401.

٤٣

أنّهم من أصبر الناس على الشدائد وأقواهم شكيمة في القتال وأصلبهم في دعوتهم التي نادوا بها، في عشرات السنين، وبجانب هذه الميزة التي برزت في تاريخهم يبدو أنّهم كانوا يحرصون على أنْ تكون لحركتهم الثورية الصبغة الدينيّة، فيحكمون على مخالفيهم في الرأي بالكفر ويقتلون ويُفسدون باسم الدين، ويُجادلون عن آرائهم ومعتقداتهم بظواهر بعض الآيات التي لم يصيبوا فيها إلاّ الجانب السطحي، ولم يُفكّروا فيها التفكير الذي يصيب المرمى والمقصد ويرشدهم إلى الحق من جميع جوانبه؛ لذلك فإنّهم لم يتوفّقوا في جميع مناظراتهم بالرغم من عنادهم وثباتهم على عقيدتهم، وطلاقة ألسنتهم واختيارهم لأفصح العبارات وأقواها تأثيراً على خصومهم، وقد أورد في شرح النهج بعض الآيات التي استدلّوا بها على تكفير أهل الذنوب من غير فرق بين ذنبٍ وآخر، حتى الخطأ في الرأي إذا أدى إلى مخالفة الواقع (1) .

ولذا فإنّ عليّاً (عليه السلام) في مناظراته معهم لم يحتجّ عليهم بالكتاب ولا بالحديث؛ لأنّهما يحتملان التأويل ومن الصعب رجوعهم إلى الصواب وهم يجدون من ظواهر بعض الآيات ما يؤيّد آراءهم، فاحتجّ عليهم بعمل الرسول مِن مرتكبي الكبائر، وأورَد لهم من الشواهد المتعدّدة ما يدلّ بصراحة لا تقبَل التأويل والتفسير، أنّه لم يعاملهم معاملة الكفّار والمشركين؛ لأنّه رجَم الزاني المحصَن وورّثه أهله، وقتَل القاتل وأجرى عليه أحكام المسلمين، وقطَع يد السارق وأعطاه حقّه من الفيء، ولم يمنعهم من حقوقهم التي جعلها الله لعامّة المسلمين، وكانت سيرة الرسول على ذلك طيلة حياته، ومضى عليها الخلفاء مِن بعده ولم يستطع الخوارج وغيرهم إنكار ذلك من سيرة الرسول والخلفاء من بعده.

ولقد أوضح لهم بهذا الأُسلوب من البيان أنّ الكفر لا يُحكم به على أحد، إلاّ إذا أنكر الوحدانيّة، أو الرسالة، أو أصلاً من أُصول الإسلام، أو ضرورياً من ضروريّات الدين، حيث يؤدّي إنكار ذلك الضروري إلى تكذيب الكتاب أو الرسول فيما أخبرا به، وفاعل الكبيرة، ما لَم يكن منكِراً لأحدِ هذه الأُمور يبقى على حكم الإسلام، فلقد جاء عنه أنّه قال لهم: (فإنْ أبَيتم أنْ تزعموا إلاّ أنّي أخطأت وضلَلت فلِم تضلّلون عامّة أُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) بضلالي وتأخذونهم بخطئي وتكفّرونهم بذنوبي: سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البُرء والسقْم، وتخلطون

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص 106.

٤٤

من أذنب بمَن لم يذنب، وقد علمتم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجَم الزاني المحصَن ثمّ  صلّى عليه وورّثه أهله، وقتل القاتل وورّث ميراثه أهله، وقطَع يد السارق وجلَد الزاني غير المحصن وأعطاهما نصيبهما مِن الفيء وانكحهما المسلمات، فأخذهم رسول الله بذنوبهم وأقام حق الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام ولم يخرج أسماءهم من بين أهله) (1) ، وهكذا كان غيره ممّن ناظرهم في الإسلام ينحو هذا المنحى العملي الذي لا يقبل التأويل والتشكيك، ولكنّهم تمسّكوا بنصوص القرآن ونظروها نظرة جانبية تعكس تفكيرهم واتجاههم، فلم يستجيبوا لهذا الأُسلوب البياني الذي يعكس الواقع الإسلامي، كما توحيه نصوص القرآن وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، لقد كفروا جميع المسلمين؛ لأنّهم لم ينسجموا معهم، واستدلّوا على تكفير أهل الذنوب بظواهر بعض الآيات.

منها قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) .

فاعتبَروا الكفر الوارد في الآية مترتّباً على ترك الحجّ باعتباره معصيةً لله سبحانه، وبقياس غيره عليه ينتج أنّ كلَّ كبيرة يكون فاعلها كافراً، ويبدو من ذلك أنّهم يُفسّرون القرآن بما يوافق آراءهم في الدين، ويحاولون التوفيق بين مبادئهم وبين الدين بهذا الفهم الخاطئ، فالآية الكريمة قد تناولت أوّلاً تشريع الحجّ على المسلمين من غير نظر فيها إلى الناحية العملية التي بسببها يتصف الإنسان بالطاعة والعصيان، ثمّ تعرّضت لحال مَن أنكر هذا التشريع ووصفته بالكفر والجحود، فالكفر الوارد في الآية معناه عدَم الإيمان بهذا التشريع الإلهي، وممّا لا ريب فيه أنّ عدَم الإيمان بذلك كفر عند جميع المسلمين.

ومنها قوله تعالى: ( إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) .

فقد استفادوا من هذه الآية أنّ اليأس باعتباره معصيةً لله سُبحانه بكون صاحبه كافراً، ولازم ذلك أنْ تكون صفة الكفر ثابتة لكلّ مَن يترك واجباً أو يفعل محرّماً، مع أنّ الآية ليس فيها أكثر من وصف اليائس من رحمة الله بالكفر، وإنّما وصف بذلك؛ لأنّه إمّا مكذّب للآيات التي تنصُّ

____________________

(1) انظر المجلّد الثاني من شرح النهج ص 306.

٤٥

على عفو الله وكرمه ولطفه بعباده، وإمّا مسرفٌ في المعاصي إلى حدٍّ حالت الذنوب بينه وبين الله، وأظلمت نفسه وانقطعت بينه وبين ربّه جميع الوسائل، أمّا المعصية بمجرّدها ما لم تستتبع أحد الأمرين فلا يلزمها اليائس، بل الغالب على العصاة أنّهم يرجون عفوَ الله ورضوانه ويؤمنون بالله وبما جاءت به رسله.

ومنها قوله تعالى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) .

وقد فهموا منها أنّ المرتكب للذنوب قد حكَم على نفسه بغير ما أنزل الله فيكون كافراً بنصّ الآية.

وهذه الآية كغيرها من الآيات التي لا تؤيّد مُدّعاهم؛ لأنّها نزَلَت في اليهود الذين حكموا بغير ما أنزل الله وحرفوا شرائعه وبدّلوا أحكامه، وقد وصفهم الله سبحانه بأنّهم سمّاعون للكذِب أكّالون للسُحت.

ومنها قوله تعالى: ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) .

وقد ادّعوا إنّ فاعل الكبيرة أسود الوجه عند الله فيكون كافراً بنصّ الآية، مع العلم بأنّ الآية واردة فيمَن كفَر بعد إيمانه، كما يبدو من قوله تعالى: ( أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) ، ولا سيّما بعد ملاحظة جملة من الآيات التي تنصّ على أنّ المعصية بمجرّدها لا تُوجِب خروج الإنسان عن الإسلام (1) ، ولكن الخوارج حاولوا أنْ تكون لآرائهم التي امتازوا بها الصبغة الدينيّة فأوّلوا القرآن على حسب أفهامهم ليستخدموا الدين لصالحهم، ولكنّهم أُصيبوا بالفشَل في جميع حالاتهم وابتعدوا عن الإسلام والقرآن وعن المسلمين أيضاً، بالرغم من ثباتهم في جميع مواقفهم وصمودهم في وجه الشدائد، ويمكن تلخيص الأسباب التي أدّت إلى فشلهم بالأُمور التالية:

الأوّل: أنّ مبدأ التكفير لأقلّ مناسبة هو المبدأ الذي تركّزت عليه جميع تحرّكاتهم واجتمعت عليه جميع فرقهم، بالرغم ممّا كان بينهم من خلاف في أكثر الآراء، فقد أجمعوا على تكفير عليّ (عليه السلام) وطلحة والزبير وجميع المسلمين، لأسبابٍ لم يقرّها الإسلام ولا مصدر لها من كتابٍ أو سنّة، فأراقوا الدماء ونهبوا الأموال واستحلّوا الإعراض باسم الدين

____________________

(1) انظر المجلّد الثاني من شرح النهج لابن أبي الحديد ص 307.

٤٦

والإسلام، وقد احتجّ عليهم عليّ (عليه السلام) بسيرة الرسول مع المسلمين، فأصرّوا على عنادهم وضلالهم ومضوا في طريقهم يفسدون في الأرض ويقتلون الآمنين، ووقَف المسلمون منهم موقفاً سلبيّاً في جميع المراحل التي مرّوا بها، بالرغم من النقمة الشديدة والفجوة التي كانت بين الحكّام وبين المسلمين في العصر الأموي، وعلى ما بين الحكّام والمسلمين من بعد، فالمسلمون فضّلوا البقاء تحت سلطان الأمويّين على مساندة الخوارج والثورة معهم.

الثاني: إنّهم على شدّتهم وصبرهم على الشدائد لم يكن لهم قيادة تفرض وجودها عليهم، ولم يخضعوا لأُمرائهم الذين تزعّموا حركاتهم وحروبهم، ففي أكثر مواقفهم كانت تنشب المعارك والخلافات بينهم لأبسط الأسباب، وكان ذلك من جملة العوامل التي تساعد الحكام على هزيمتهم، وقد ذكرنا سابقاً أنّ المهلّب بن أبي صفرة قد شغلهم بالخلافات واستغلّ هذه الظاهرة فيهم في المعارك التي نشبت بينهم وبينه.

الثالث: إنّهم مع إسرافهم في أحكامهم على المسلمين واستحلالهم لإراقة الدماء واستباحة الأعراض، ظهرت لهم بعض الاجتهادات المنافية لأُصول الإسلام، والتي يمكن تفسيرها بأنّها كانت محاولة لهدم الإسلام من أساسه، وعلى أساسها يسوغ وصفهم بالارتداد عن الدين، فقد ادعى أحد قادتهم وهو يزيد بن أنيسه أنّ الله سيبعث نبيّاً من العجَم بكتاب ينسخ شريعة محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، كما جوّز ميمون العجردي أحد أُمرائهم نكاح بنات الأولاد وبنات أولاد الإخوة والأخوات، وادّعى آخرون منهم أنّ سورة يوسف ليست من القرآن، إلى غير ذلك من الآراء التي كانت تختصّ بها كلّ فِرقة من فرقهم، مما جعل المسلمين يقفون منهم موقف الحذر والحيطة، ويرون انتصارهم خطراً على الإسلام ومبادئه.

لذا فإنّ معاركهم مع الحكّام لم تتّخذ طابعاً شعبيّاً تمثّل إرادة الأُمّة ورغباتها في الإصلاح وتطبيق العدالة والقانون، بل كانت ذات لونٍ واحد من بدايتها حينما خرجوا على عليّ (عليه السلام) إلى نهايتها، حينما خمد صوتهم وخلدوا إلى الهدوء والسكينة في الشطر الأول من عهد العباسيّين.

ولو قدر لبقيّة الحركات الثورية التي ظهرت في العصرين الأموي والعبّاسي، البقاء الطويل والامتداد الذي امتازت به ثورة الخوارج، لو قدر لها ذلك لكان من ثمارها استئصال الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، التي فرضها الإسلام على كلّ حاكمٍ يتولّى قيادة الأُمّة، فالحركات الثوريّة التي قام بها العلويّون في

٤٧

العصرين الأموي والعبّاسي كانت تهدف لتحرير الشعوب من ظلم الحاكمين، الذين قامت عروشهم على دماء الأبرياء واضطهاد الصُلحاء، وتسخير جميع الطبقات الكادحة لشهَواتهم وتثبيت عروشهم؛ ولذا فإنّها لم تُحرم في الغالب من تأييد العلماء ورجال الدين ومساندتهم لها حتى بالأموال، كما كان الحال من موقف أبي حنيفة مع ثورة زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، فالقائمون على توجيه تلك الانتفاضات التي كانت تحدث بين حينٍ وآخر من العلويّين وغيرهم في وجه الأمويّين والعبّاسيين، لم يتّخذوا هدفاً وغاية سوى تطبيق العدالة، وتعديل الانحراف الذي ظهر في سياسة الحكّام وجميع تصرّفاتهم، نعم يمكن أنْ يكونوا في حركاتهم لم يراعوا الظروف المناسبة، ولم يعدّوا العدّة الكافية؛ ولذا لم يحالفهم النجاح في أكثر حركاتهم في وجه الحكّام.

أمّا الخوارج فلو كانوا يطلبون العدالة وجدوها عند عليّ (عليه السلام)؛ لأنّه كان مثاليّاً في سيرته وسياسته ومواساته لأضعف أفراد الأُمّة، ولم يستطع حتى أعداؤه الألدّاء أنْ يتّهموه بالانحراف عن جادّة القرآن وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ومع كلّ ذلك فقد افتتحوا ثورتهم بخروجهم عليه وأعلنوا كفره واستحلّوا قتاله، وأخيراً تمّكنوا من اغتياله وهو ساجد لربّه.

ومجمل القول لقد وقف الخوارج في ناحية ووقف المسلمون كلّهم في ناحية، واختطّوا لأنفسهم طريقاً خالفوا فيه جميع المسلمين، فلقد حاولوا تطبيق جميع تصرفاتهم على الدين من الزاوية التي يفهمونها، وهي زاوية استيلائهم على الحكم وانتزاعه من أيدي القرشيّين، واستدلّوا بالآيات على صحّة تصرّفاتهم ونظريّاتهم حسب أفهماهم الخاطئة التي حاولوا فرضها على القرآن وعلى الدين فرضاً، فلَم تنسجم تصرّفاتهم مع آرائهم وأقوالهم.

فبينما نراهم يكفرون مرتكب الذنب الواحد نجدهم يقتلون عبد الله بن خباب الصحابي الجليل، ويبقرون بطن زوجته الحامل فيستخرجون منها حمْلها ويذبحونه على صدرها، ونجدهم أيضاً يجيزون نكاح بنات الإخوة والأخوات وبنات الأولاد، وفي نفس الوقت الذي قتلوا فيه عبد الله بن خباب وزوجته، يأبون أنْ يأكلوا من رُطَب قدّمه لهم بعض الذميّين تجنّباً للحرام وخوفاً من الله سُبحانه.

فالباحث في تاريخهم من جميع نواحيه يجدهم يتخطّون الواقع والمنطق والدين والعلم في جميع تصرّفاتهم وآرائهم؛ ولذلك كانوا منبوذين من جميع فِرَق المسلمين على اختلاف نزَعاتهم ومذاهبهم، ولم يستطيعوا في جميع حالاتهم ومواقفهم المتعدّدة في وجه

٤٨

الحكّام الأمويّين أنْ يربحوا عطف الشعوب، ولا أنْ يحقّقوا شيئاً من آمالهم وأمانيهم ومنيت حركاتهم بالفشَل بعد جهاد استمرّ عشرات الأعوام والسنين، ولو أنّهم بعد أنْ وصل الحكم إلى أيدٍ ملوّثة بالظلم والفساد وغير أمينة على أحقَر الأشياء فضلاً عن مقدّرات أُمّة بكاملها، لو أنّهم في هذه الحالة طالبوا بإصلاح الفاسد وتحقيق العدالة، والسير على المخطّط الذي وضعه الإسلام للحاكمين لعادت ثوراتهم على الإسلام والمسلمين بالخير والسعادة والازدهار، ولا سيّما بعد أنْ واصلوا كفاحهم الطويل، وصبَروا في أكثر معاركهم، وضحّوا بكلّ ما يملكون لتحقيق ما كانوا يهدفون إليه.

٤٩

الفصل الثالث: (في الفِرَق المنسوبة إلى الشيعة)

في هذا الفصل عرضٌ موجز للفِرق المنسوبة إلى الشيعة ومعتقداتها، وتاريخ ظهورها وأسباب انقراضها، ومقدار صِلتها بالشيعة الإمامية.

لقد كان ظهور الخوارج في الإسلام بدايةً لانقسامٍ جديد في صفوف المسلمين وتعدّد الفِرق الإسلامية، على حين أنّهم في تلك الفترة من تاريخهم لم يكن لهم ميزة تخصّهم من حيث المعتقدات في الفروع والأُصول، ولم يُظهروا فكرةً تُميّزهم عن غيرهم من المسلمين، سِوى النقمة على الحكّام الذين تولّوا قيادة المسلمين بعد انتهاء معركة صِفّين.

وعلى مرور الزمن وبعد اتساع حركتهم الثورية وانتشارها في أنحاء مختلفة من بلاد المسلمين ظهرت لهم بعض الآراء في الأُصول الإسلامية، كما ظهَرت لهم بعض التشريعات في الفروع، وبذلك قد أصبحوا فرقةً من الفرق الإسلامية غلَب عليهم اسم الخوارج، مع أنّهم في واقع الأمر فرقة من الجمهور يلتقون مع السنّة في الخلافة الإسلامية وبعض الأُصول الأخرى وأكثر الفروع، ولا يلتقون مع الشيعة الإمامية بشيء؛ لأنّهم بجميع فرقهم يتّفقون على كفر

٥٠

عليّ (عليه السلام) وأتباعه، بينما يقرّون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان ويرون رأي السنّة في الصحابة الأقدمين.

وقد ذكرنا أنّه لم يكن قبل ظهور الخوارج إلاّ فئتان من المسلمين: فئةٌ تدّعي أنّ النبيّ قد انتقل إلى ربّه ولم يستخلف أحداً من بعده، وترك للأُمّة حقّ اختيار الحاكم الذي تراه صالحاً لإدارة شؤونها، وقد اختارت أبا بكر، وهو بدوره قد عيّن من بعده عمر بن الخطّاب، وهكذا إلى أنْ انتهى الأمر إلى عليّ (عليه السلام)، والفئة الثانية وهُم الشيعة المتمسّكون بحرفية النصوص التي صدرت عن الرسول في مختلف المناسبات، على أنّ عليّاً هو الخليفة المختار من الله سبحانه، وقد أثبتها الشيعة والسنّة في كتبهم منذ عصور التدوين والتأليف الأولى، ولكن السنّة قد تأوّلوها تمشّياً مع المبدأ الذي اعتمدوه في اختيار الخليفة بعد الرسول.

وقد أثبتنا في الفصل الأوّل من فصول هذا الكتاب أنّ التشيّع بمعناه المعروف بين الفقهاء والمتكلّمين، في العصور المتأخّرة عن عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ولِد في حياة الرسول، وآمَن به جماعة من الصحابة، وبعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وقفوا إلى جانب عليّ ولم يُبايعوا لأبي بكر إلاّ بعد أنْ بايع عليّ (عليه السلام)، ولكنّ فكرة التشيّع بقيت حيّة في الأذهان تنمو وتنتشر كلّما انطلق المسلمون في تفكيرهم، وكلّما أمعنوا في دراسة القرآن والحديث، ومشت مع الإسلام جنباً إلى جنب، واتّسع مفهوم التشيّع في العصور المتأخّرة عن عصر الخلفاء الأربعة، بمعنى أوسع ممّا كان عليه بعد وفاة الرسول، وأصبح التديّن بإمامة الأئمّة الاثني عشر جزءاً من معناه؛ تمشّياً مع النصوص التي وصلت إليهم عن النبيّ والأئمّة من ولده (عليهم السلام).

وجاء في بعضها ما يؤكّد إمامة الاثني عشَر واحداً بعد واحد بأسمائهم وأوصافهم، وجاء في جملةٍ منها: أنّ الخلفاء من بعده اثنا عشر خليفة، وفي حديث مشهور بين الرواة والمحدّثين: (إنّ الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)، ولم يحدث انقسام في صفوف الشيعة في الإمامة إلاّ بعد مقتل الحسين (عليه السلام)، حيث بدأت الفرَق الشيعيّة تظهر بين صفوف الشيعة على حدّ زعم المؤلّفين القدامى في الفِرق الإسلامية، ومنذ أنْ انتقلت الإمامة لعليّ بن الحسين الملقّب بزين العابدين.

ويتّسع اسم الشيعة عند الذين كتبوا في الفرق الإسلاميّة والمذاهب، وعند الكتّاب العرب والمستشرقين لكلّ مبتدع في الدين، أو مشعوذ حاول إغراء بعض المغفّلين فتظاهر بولاء أهل البيت وصحبتهم؛ ليتوصّل إلى أهدافه عن هذا الطريق، فمن أنكر الكتاب والرسالة وجميع ما جاءت به الأديان، فهو

٥١

شيعي عند الكتّاب وأهل السنّة ما دام يدّعي أنّه محبٌّ لأهل البيت، مع العلم بأنّ آراء أهل البيت وعقيدة أهل البيت وشيعتهم لا انحراف فيها ولا التواء عن جادّة القرآن وتعاليم الرسول، وقد جاهدوا في سبيل مبادئ القرآن وتعاليم الإسلام طيلة حياتهم وقُتلوا وشُرّدوا في هذا السبيل، ولم تلاقِ أُمّةٌ من الأُمم ما لاقاه الشيعة وأئمّتهم من الحكّام، لا لشيء إلاّ لأنّهم لم يتخلّوا عن مبادئهم طرفة عين، ومع ذلك فكل مبتدعٍ في الدين أو مفترٍ عليه مهما كانت بدعته وافتراءاته، لا يخرج عن التشيّع؛ لأنّه كان يدّعي ولاء أهل البيت وينظر إليهم بعين الاحترام والتقديس، ولأجل ذلك فقد عدّوا أكثر الفِرَق الضالّة من الشيعة.

ومِن تلك الفرق السبائيّة المنسوبون لعبد الله بن سَبأ الذي أظهر الغلوّ في عليّ (عليه السلام)، وقد نفاه عليّ إلى المدائن بعد أنْ استتابه ووضَعه تحت الرقابة الشديدة، ولكن المؤلّفين في الفرَق يدّعون بأنّه رجع إلى مقالته الأُولى بعد وفاة عليّ (عليه السلام)، على أنّ جماعة من الباحثين المحدثين قد أثبتوا بما لا يقبَل الريب أنّ عبد الله بن سبأ شخصيّة وهميّة لا وجود لها في التاريخ، والبيانية الذين ادّعوا أخيراً إلوهيّة (بيان بن سمعان) (1).

والمُغيريّة أتباع المُغيرة بن سعيد العجلي، وقد ادعى النبوّة لنفسه بعد أنْ تظاهر في ولائه لأهل البيت ودسّ في أحاديثهم آلاف الروايات، ولمّا بلغ أمره الإمام الصادق (عليه السلام) لعنه وحذّر الشيعة مِن آرائه ومرويّاته.

والمنصوريّة أتباع منصور العجلي، وقد ادعى أنّ الإمام محمّداً الباقر أوصى إليه بالإمامة بعد أنْ رُفِع إلى السماء، وأنّه هو المعني بالآية من سورة الطور: ( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) ، وأتباعه ينكرون الجنّة والنار، ويدّعون أنّ الجنّة نعيم أهل الدنيا، والنار هي المِحَن والمصائب التي يلاقيها الإنسان في حياته، وقد تولّى قتل أبي منصور العجلي يوسف بن عمر الثقفي، كما جاء في التبصير في الدين

____________________

(1) وقد ظهر بيان بن سمعان بالعراق في المِئة الثانية هجريّة، وادّعى حلول جزء من الإله في عليّ (عليه السلام) ثمّ في محمّد بن الحنفية، ومنه انتقل إلى ولده أبي هاشم، وأخيراً ادّعاها لنفسه، وكانت نهايته على يد خالد بن عبد الله القسري عامل هشام بن الحكَم على الكوفة، انظر التعليق على كتاب التبصير في الدين للشيخ محمّد زاهد بن الحسن الكوثري ص 35.

٥٢

للإسفراييني (1).

والجناحيّة أتباع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيّار المعروف بذي الجناحين، والمنسوب إليهم أنّ روح الإله تحلّ في الأنبياء وتنتقل إلى الأئمّة واحداً بعد واحد، وإنكار المعاد والجنّة والنار، واستحلال الزنا والخمر واللواط وجميع المحرّمات وترك الواجبات، ويدّعون أنّ هذه الأُمور ترمز إلى أهل البيت، وأنّ صاحبهم عبد الله بن معاوية لا يزال حيّاً في جبَل من جبال أصفهان (2) وجاء في فِرَق الشيعة للنوبختي: أنّ الذي دسّ بين صفوف أصحاب عبد الله الغلوّ والتناسخ، وزيّن لهم ترك الواجبات وفعل المحرّمات هو عبد الله بن الحارث، من أصحاب عبد الله بن معاوية وأُسند ذلك إلى جابر بن جابر بن عبد الله الأنصاري، وجابر بن يزيد الجعفي وهما من أصحاب الأئمّة ورواة أحاديثهم (3).

الخطابيّة أتباع أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب الملقّب (بالأجدع)، وادّعى هؤلاء أنّ الأئمّة كانوا آلهة، وأنّ أولاد الحسَن والحُسين أنبياء الله وأحبّاءه، وأخيراً ادّعى أبو الخطّاب الإلوهيّة لنفسه، ولمّا بلغت أقواله الإمام الصادق (عليه السلام)، لعنه مع جماعة من المشَعوذين منهم المغيرة بن سعيد، وبشّار الأشعري، وحمزة البربري، والسري وغيرهم، وأمَر أصحابه بلعنهم والبراءة منهم، وأباح دماءهم وأموالهم (4) .

وقد أورد الشهرستاني في الملل والنحل، والنوبختي في الفرق، والأشعري في كتابه مقالات الإسلاميّين، والأسفرائيني في التبصير أقوالاً وآراءً لهؤلاء، كلّها صريحة في كفرهم وضلالهم، وكان الإمام الصادق حريصاً على التشهير بهم وبيان كفرهم وضلالهم؛ لئلاّ ينخدع بهم احد من البسطاء والمغفّلين.

الغرابية وهم القائلون بأنّ الله قد أرسل جبرئيل لعليّ (عليه السلام)، ولكنّه جاء إلى محمّد؛ لأنّه يشبهه كما يشبه الغراب الغراب، ومِن هؤلاء مَن يدّعي أنّ الله قد فوّض أمر تدبير الخلق لمحمّد (صلّى الله عليه وآله)، ومحمّد فوّض ذلك لعليّ (عليه السلام)، ويُنسب إليهم أنّهم يقولون: بأنّ عليّاً بعث محمّداً ليدعو الناس

____________________

(1) انظر ص 100 من التبصير وص 38 من فرق النوبختي.

(2) انظر التبصير في الدين لأبي المظفّر الأسفرائيني ص 110.

(3) انظر ص 35 من فرق الشيعة للنوبختي.

(4) انظر ص 43 من فرق الشيعة وص 111 من التبصير.

٥٣

إلى إلوهيّته فدعا لغيره.

النميريّة أتباع محمّد بن نصير النميري الذي ادّعى أنّ أبا الحسَن عليّاً الهادي (عليه السلام) قد بعثه نبيّاً، وأظهر القول بالتناسخ وإباحة المحرّمات، وادّعى الربوبيّة لأبي الحسَن العسكري (عليه السلام).

السبعية القائلون بأنّ الإمامة قد انتقلت من إسماعيل بن جعفر الصادق إلى ولده محمّد بن إسماعيل وأنّ أولي العزم سبعة منهم محمّد بن إسماعيل، وجنّة آدم هي إباحة المحرّمات، وأنّ شريعة محمّد بن عبد الله قد نُسِخت، واحتجّوا على ذلك بما جاء عن جعفر بن محمّد: (لو قام قائمنا علم القرآن جديداً) ، وهؤلاء هم الأصل للقرامطة (أتباع حمدان قرمط) (1).

لقد أوردنا هذه الأمثلة من الفِرَق التي يدّعي الكتاب أنّها فرق شيعيّة ويُحمّلون الشيعة أوزارهم وتبعاتهم، مع أنّه لو صحّ وجود هذه الفرق في التاريخ فالآراء والأقوال المنسوبة إليهم تدلّ بصدقٍ وصراحة تامّين، على أنّهم بعيدون عن الإسلام فضلاً عن التشيّع، ولو صحّ أنّهم كانوا في عداد الشيعة فذاك؛ لكي يتستّروا بالتشيّع لترويج آرائهم ومفترياتهم على الإسلام.

على أنّ هناك أمراً لابدّ من النظر إليه بعين الاعتبار، وهو أنّ حكّام الأمويّين والعبّاسيّين كانوا يبذلون كلّ ما في وسْعهم للتشويه على الأئمّة من أهل البيت، وإضعاف مركزهم في نفوس المسلمين، فدسّوا بين صفوفهم جماعة للتشويش عليهم ونشر البِدَع والخرافات بين معتقداتهم وآرائهم في الأُصول والفروع، وقد لعِب الحكّام دوراً بارزاً في هذه الناحية بقصد التشنيع عليهم، بعد أنْ فشلت جميع المحاولات التي بذلوها للحدّ من نشاطهم.

ومهما كان مصدر هذه الفرق التي يدّعي الكتّاب وجودها في التاريخ، وسَواء كان لها وجود بين المسلمين أم لم يكن، فقد نظَر إليها الكتاب نظرة أوّلية مجرّدة عن البحث والتحقيق، واعتبروها من الحقائق الثابتة التي لا تقبل الجدَل والنقاش وأضافوها إلى الشيعة الإمامية، واتخذوا من وجودها

____________________

(1) انظر الفرق للنوبختي، ومقالات الإسلاميّين للأشعري، والمِلل والنحِل للشهرستاني، وغيرهم من كُتُب الفرق الإسلامية.

٥٤

الموهوم وسيلة للتشنيع على أهل البيت وشيعتهم بدافع التعصّب الطائفي الموروث، مع العلم بأنّ الذين افترضوا وجودها في التاريخ لا ينكرون بأنّ هذه الفرق لم تتخطّ العصر الذي وجُدت فيه وماتت في مهدها، ومع ذلك فالكتّاب في هذا العصر لا يزالون يجترون تلك المخلّفات التي كانت من أبرز آثار الحكّام الأمويّين والعبّاسيّين، ويتاجرون بها لإشباع شهَواتهم وشهَوات أسيادهم أعداء الإسلام، وموقف الشيعة منهم، في هذا العصر وقبله وفي جميع العصور والمراحل التي مرّوا بها، صريحٌ لا عِوَج فيه ولا التواء ولا محاباة لأحدٍ من الناس، فلقد كفّروهم منذ أنْ سمِعوا بوجودهم في التاريخ. ولا يزالون في كلّ مناسبة يُعلنون في الصحف والكتب، ومِن على المنابر عقائدهم وأُصول دينهم ومذهبهم، وينادون بتكفير كل مَن يُخالف الأُصول الإسلامية، التي اتفق عليها جمهور المسلمين المستوحاة من كتاب الله وسنّة نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله)، ولا سيّما مَن يجعل خصائص الخالق للمخلوقين، وتواترت عن أئمّتهم النصوص بتكفير أصحاب هذه المقالات، والبراءة منهم ولعنهم على المنابر وفي جميع المناسبات.

وعسى أنْ يأتي اليوم الذي يلتقي فيه المسلمون بقلوبهم وعقولهم تاركين الأحقاد، والحزازات والمتاجرة بالتهم المفتعلة التي خلقتها السياسة والعناصر التي اندسّت بين صفوف المسلمين لتشتيت كلمتهم وطمس تعاليمهم، تلك التعاليم التي ملكَت القلوب والعقول، ودفعت بالمسلمين أشواطاً بعيدة إلى الإمام في أقلّ من نصف قرن من الزمن، هذا وفي الفصول الآتية التي وضعناها للمقارنة بين آراء الشيعة الإمامية في الأصول الإسلامية، وآراء غيرهم فيها كالمعتزلة والمرجئة والأشاعرة الذين يمثلون الجمهور الأكبر من المسلمين في جميع العصور، ومن هذه الفصول يتبيّن للقارئ أنّ الإمامية من أحرص المسلمين على تنزيه الله سُبحانه عن صفات المخلوقين، والإقرار له بما يليق بوحدانيته وقدرته، ومن أشدّها تحمّساً وإيماناً بنصوص القرآن الكريم، وأقساهم على المنحرفين عن نهج الإسلام الصحيح، وتعاليمه وأحكامه.

ولابدّ لنا ونحن نتحدّث عن الفرق الشيعيّة كما يُصوّرها كتّاب المذاهب والمعتقدات، أنّ نتحدّث حسب الإمكان عن بعض الفِرق الشيعية باعتبارها مصدراً لغيرها من الفِرق، التي يدّعيها مؤلّفو المذاهب والفِرق الإسلامية.

الكيسانيّة

أوّل هذه الفِرق الكيسانيّة، وهُم القائلون بإمامة محمّد بن الحنفيّة، الولد الأكبر لعليّ (عليه السلام)، بعد أخويه الحسَن والحسين (عليهما السلام) ويظهر من بعض

٥٥

المؤلّفين في الفِرَق أنّهم بين مَن يقول بإمامته بعد أبيه، وأنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) حاربا يزيد ومعاوية بإذنه، وبين مَن يقول بأنّه الإمام الشرعي بعدهما (1).

والمنسوب إلى الكيسانية أنّهم قد أضافوا إلى القول بإمامته أنّه المهدي المنتظر، الذي لم يمُت ولنْ يموت، وسيرجع إلى الناس فيملأ الأرض عدلاً بعد ما مُلئت جوراً، وأسرَف بعضهم إسرافاً يوجب الكفر والخروج عن الإسلام، فادّعى له الإلوهية وأنّه بعث حمزة البربري نبيّاً إلى الناس، كما ادعى جماعة من المنتسبين إليه بأنّه اختفى عن الناس في جبال رضوى، ويتغذّى من ألبان الغزلان التي تغدو وتروح في تلك الجبال، وقد أوكل الله أمر حراسته إلى السباع إلى أوان خروجه، ومن هؤلاء السيّد إسماعيل الحميَري وإليه يُنسب الشعر التالي:

يا شعب رضوى ما لِمَن بك لا يُرى

حـتى  مـتى تـخفى وأنتَ قريبُ

يـا  ابـن الوصيّ ويا سميّ محمّدٍ

وكَـنـيِّه  نـفسي عـليك تـذوبُ

لـو  غـاب عنّا عُمر نوح أيقنَتْ

مـنّا الـنفوسُ بـأنّه سـيؤوبُ

ويُنسب إليه أيضاً:

وما ذاق ابنُ خولة طعمَ موتٍ

ولا  ضمّت له أرضٌ عِظاما

وأنّ  لـه بـه لَمقيلَ صدْق

وأنـديـة تـحدّثه كـراما

وادّعى قومٌ من القائلين بإمامته أنّ الإمامة قد انتقلت بعد موته إلى ولد أبي هاشم عبد الله بن محمّد، وغالى فيه قومٌ كما غالوا في أبيه من قبل، فادعوا بقاءه حيّاً متخفيّاً عن الناس، وأنّه المهديّ الذي عَناه الرسول في أحاديث المهدي المرويّة عنه، بينما ذهب آخرون إلى وفاته وانتقال الإمامة إلى أخيه عليّ بن محمّد بن الحنفية، إلى غير ذلك من الأقوال التي ينسبها كتّاب الفِرَق إلى الكيسانية.

ومع أنّا نشك في أصل وجود هذه الفِرق؛ لأنّ محمّد بن الحنفية كان أتقى وأبَرّ من أنْ يدّعي الإمامة لنفسه، أو يسمح لأحدٍ يدين بإمامته، وقد سمِع من أبيه النصّ على الأئمّة

____________________

(1) انظر فرق الشيعة للنوبختي ص 23.

٥٦

بأسمائهم وأوصافهم، مع أنّا نشكُّ في أصل وجودها، فقد قيل في وجه تسميتهم بالكيسانية: أنّ أوّل من قال بإمامة محمّد بن الحنفيّة المختار بن عبيدة الثقفي، وكان يلقّب بكيسان، وجاء عن الأصبغ بن نُباتة أنّه قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين، وهو طفلٌ صغير يمسَح على رأسه بيده ويقول له: (يا كَيس)؛ فغلب عليه هذا الاسم، وكان من أمره أنّه دخل الكوفة مناصراً لمسلم بن عقيل حينما دخلها مُوفَداً من قِبَل الحسين (عليه السلام)، فقبض عليه ابن زياد وأدخله السجن، وبعد قتل الحسين (عليه السلام) حاول قتله مراراً فتشفّع به عبد الله بن عمر زوج أُخته إلى يزيد بن معاوية، فكتب إلى ابن زياد وأمره بإخلاء سبيله.

فالتحق بالحجاز وفيها عبد الله بن الزبير، قد تطلّعت نفسه إلى الخلافة بعد قتل الحسين، واستغلّ نقمة الشعوب الإسلامية على بني أُميّة بعدما ارتكبوا تلك الجريمة المنكرة مع الحسين وأهل بيته (عليهم السلام)، فبايع المختار لابن الزبير على أنْ تكون له ولاية الكوفة إنْ تمّ له الأمر، وبعد موت يزيد بن معاوية رجَع المختار إلى الكوفة وادّعى أنّه موفَد إليها من قِبَل ابن الحنفيّة الوصيّ الشرعي إلى الحسين (عليه السلام) ووليّ دمه، وأنّه استوزره وأوكل إليه أمر الطلب بثأر الحسين (عليه السلام). فوجد في الكوفة، ولا سيّما في الأوساط الشيعية، تقبّلاً لدعوته وتحمّساً في سبيلها، فبايعوه على الطلب بدم الحسين.

والتفّوا حوله، فمضى يتتبّعهم واحداً بعد واحد حتى قتَل أكثر مَن أخرجهم ابن زياد لحرب الحسين (عليه السلام)، فازداد الشيعة تمسّكاً به والتفافاً حوله وانقياداً لأوامره، ونسَب إليه المؤرّخون أنّه كان يدّعي أنّ الملائكة تأتيه بالأخبار والأوامر من محمّد بن الحنفيّة، وممّا حملهم على أنْ يصدّقوه على حدّ زعم المحدّثين أنّه قد عوّد بعض طيور الحمام في خلَواته على أنْ تلتقط الحبّ من أُذنيه، ولمّا اعتادت على ذلك كانت تأتيه إلى مجلسه العام وتحوم حول أُذنيه كما عوّدها في خلواته، فيدّعي أنّها الملائكة في صورة حمام أبيض تأتيه بالأخبار والأوامر من ابن الحنفيّة كما ذكرنا، وقد نسبوا إليه غير ذلك من أساليب الخداع والشعوذة، وقيل في سبب تسميتهم بذلك: أنّ المختار لُقّب بكيسان؛ لأنّ قائد جيشه أبا عمرة اسمه كيسان، وكان شديداً على قتَلَة الحسين (عليه السلام)، وفي نفس الوقت يدّعي إمامة محمّد بن الحنفيّة وأنّ المختار وصيّه، وأضافوا إلى ذلك أنّه

٥٧

يذهب إلى أنّ جبرائيل يأتي المختار بالأخبار من عند الله عزّ وجل (1).

ويروي أبو المظفر الأسفرائيني في كتابه التبصير في الدين: أنّ السبائيّة خدَعوا المختار وحملوه على دعوى النبوّة، وخلال معاركه مع مصعب بن الزبير أسَر جماعة من جُند مصعب، منهم سراقة بن مرداس البارقي، فلمّا أُدخل على المختار قال له: لم تهزمنا بجندك ولا أسرنا قومك ولكن الملائكة الذين جاؤوا لنصرك ونصر جندك هم الذين أسرونا وهزمونا، ثمّ طلب منه العفو وأقسم عليه بالملائكة الذين كانوا في جُنده فعفا عنه وأطلق سبيله، ولمّا رجع إلى مصعب أرسل إليه بالأبيات التالية:

ألا  أبـلِغ أبـا إسحق أنّي

رأيتُ البلَق دهماً مصمتاتِ

أُري عـينَيَّ مـا لم ترْأَياه

كـلانا  عـالمٌ بـالتُّرّهات

كفرتُ بوحيِكم وجعلتُ نَذراً

عـليّ  قتالكُم حتى المَماتِ

ونسبوا إليه القول بالبَداء وعلّلوا ذلك؛ بأنّه كان يُخبر أصحابه بأُمور يدّعي أنّها من وحي السماء، فإذا لم تقَع يقول لهم: (لقد بدا لربّكم وعدَل عمّا أخبرني به)، ثمّ يتلو عليهم قوله: ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (2) ، ويَنسب لهم الشيخ محمّد أبو زهرة في كتاب المذاهب الإسلامية القول بالتناسخ، وهو خروج الروح من جسَد وحلولها في جسَدٍ آخر، وأنّها تعذّب بانتقالها من حيوان إلى حيوان أدنى، ونعيمها بانتقالها من أسفل إلى أعلى، وفكرة الحلول والتناسخ لم تُعرَف إلاّ عن الحربيّة وهي الفرقة الحادية عشرة كما أحصاها أبو الحسن الأشعري، وهُم أتباع عبد الله بن عمرو بن حرب.

وقد ادعى هؤلاء أنّ أبا هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة قد نصّ على إمامة عبد الله بن حرْب من بعده، وتحوّلت روح أبي هاشم إليه بعد وفاته، ولمّا أظهر هذه المقالة تفرّق عنه أتباعه، وقالوا بإمامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر صاحب فكرة التناسخ

____________________

(1) انظر النوبختي ص 23 والكشّي ص 85.

(2) انظر التبصير في الدين ص 37 والمذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص 70، والعراق في ظلّ العهد الأموي ص 148.

٥٨

والحلول، واستحلال المحرّمات التي نصّ على تحريمها الكتاب والسنّة (1).

ومهما كان الحال فالذين كتبوا في الفرق الإسلامية متّفقون على أنّ هذه الفِرقة مصدرها المختار الثقفي، وهو الذي روّجها ودعا إليها وتستّر من ورائها؛ لإغراء الشيعة ليكونوا في جانبه، ولا سيّما بعد أنْ كانوا يُشكّلون القسم الأكبر من سكّان الكوفة، وقد تتبّع قتَلَة الحسين (عليه السلام) لهذه الغاية، ولكنّ المصادر الشيعيّة لا تقف منه هذا الموقف الذي وقفه المؤرّخون من أهل السنّة، وأيّدهم فيه أكثر كتّاب الفِرق.

ولا يستبعد الباحثون من الشيعة أن تكون تلك الحملات عليه كانت من وحي الأمويين والزبيريين؛ لأنّه وقف في وجه الفريقين، والسياسة وحدها كانت توجّه التاريخ لمصلحتها وأغراضها، وقد سخّر الأمويّون جماعة لوضع الأحاديث في أخصامهم بقصد التشنيع عليهم وتصويرهم بأبشع الصور، على أنّ العصر الذي وجد فيه المختار الثقفي كان خالياً من أمثال هذه المقالات، ولم تكن معروفة عند أحد من المسلمين العرب والأجانب، وقد عاش في الكوفة مهد التشيّع وبين معاصريه وأتباعه جماعة كانوا على صلة دائمة بالأئمّة، وفيهم مَن أدرك عليّاً (عليه السلام) وتخرّج من مدرسته، ولم تغِب عنهم آراؤه في الدين وأُصوله.

وقد بقيَ خمْس سنوات يكرّرها عليهم من على منبر الكوفة ولم تمضِ على وفاته أكثر من ثلاثين عاماً، فكيف والحالة هذه يقف المختار بينهم وأكثرهم من الشيعة ويدّعي النبوّة والوحي، وغير ذلك ممّا نُسِب إليه من الضَلال والكفر المبين، ولا ينكر عليه أحد من تلك الحشود الملتفّة حوله، وأكثرهم يَدين بولاء أهل البيت وفيهم الكثيرون ممّن عاصروا عليّاً، وظلّوا على صلة دائمة بالأئمّة من ولده؟!

وكلّ ذلك ممّا يُوجب التشكيك بتلك المرويّات في كتب التاريخ والفِرق، هذا بالإضافة إلى أنّ المرويّات عن الأئمّة الذين عاصروه تؤكّد براءته من كلّ ما يُنسب إليه، فقد جاء في رواية عبد الله بن شريك قال: (دخلنا على أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر يوم النحر، وهو متّكئ وقد أرسل في طلب الخلاف، فقعدتُ بين يديه إذ دخل عليه شيخٌ من أهل الكوفة، فتناول يده ليُقبّلها

____________________

(1) انظر مقالات الإسلاميّين للأشعري ج 1 ص 94 و95، والتبصير في الدين وغيرهما من كتب الفِرَق في طيّ أحاديثهم عن عبد الله بن معاوية.

٥٩

فمنعه من ذلك، ثمّ قال له: (مَن أنت؟)، قال: أنا أبو الحكَم بن المختار بن أبي عُبيدة الثقفي - وكان متباعداً من أبي جعفر (عليه السلام) - فمدّ يده إليه حتى كاد يقعده في حِجره بعد أنْ منعه يده، ثمّ قال: أصلحك الله، إنّ الناس قد أكثروا في أبي وقالوا والقول والله قولك، قال: (وأيّ شيءٍ يقولون؟)، قال: يقولون: إنّه كذّاب، ولا تأمرني بشيءٍ إلاّ قَبِلتُه، قال: (سُبحان الله، أخبرني أبي والله أنّ مهْر أُمّي كان ممّا بعث به المختار، أوَلم يبنِ دُورنا، وقتل قاتلينا وطلب بدمائنا؟ فرحمه الله، وأخبرني والله أبي، أنّه كان ليمرّ عند فاطمة بنت عليّ يُمهّد لها الفراش ويُثني لها الوسائد)، ومنها أصاب الحديث: (رحِم الله أباك رحِم الله أباك، ما ترَك لنا حقّاً عند أحد إلاّ طلبه، قتل قَتَلَتَنا وطلَب بدمائنا).

وجاء في رواية عمر بن عليّ بن الحسين: إنّ عليّ بن الحسين (عليه السلام) لمّا أُتيَ برأس عُبيد الله بن زياد ورأس عُمَر بن سعد خرّ ساجداً وقال: الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى الله المختار خيراً .

وفي رواية ابن أبي عمر عن هشام المثنّى، عن سديد أنّ أبا جعفر (عليه السلام) قال: (لا تسبّوا المختار فإنّه قتَل قَتَلَتَنا، وطلَب بثأرنا، وزوّج أراملنا، وقسّم فينا المال على العسرة) (1) .

وممّا لا نشكّ فيه أنّ المختار لو كان كما يُنسب إليه لم يخفَ حاله على الإمام زين العابدين وولده الإمام أبي جعفر محمّد الباقر (عليه السلام)؛ لأنّهما كانا على اتّصال دائمٍ بأهل الكوفة مقرّ قيادة المختار، ومنهما كان الشيعة يستمدّون أحكام دينهم، والإمام زين العابدين حينما ظهَر المختار كان يُراقب الحالة بالكوفة ويستقصي أخبارها، ولا سيّما بعد أنْ اشتعلت ثورة المختار؛ لأنّها كانت للانتقام مِن قَتَلَة أبيه وأعدائه وبدافع الثأر لِما لحِقَهم من قتلٍ وتشريد.

ولا يُمكن والحالة هذه أنْ تخفى عليه حالة المختار وشعوذاته المزعومة، ولو كان كما يصوّره كتّاب الفرق وبعض المؤّرخين يكون خارجاً عن الإسلام ومُنكراً لأُصوله وضروريّاته، ومَن كانت هذه حاله لا يُمكن أنْ يترحّم عليه الإمام ويدعو له بالخير ويثني عليه في مجالسه، ولم يُحدّث التاريخ عن الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم كانوا يُحابون أحداً من أعداء الدين لمصلحة تخصّهم، أو لعملٍ يحقّق لهم مغنماً بعيداً عن أهداف الدين وأغراضه، ومِن الجائز القريب أنْ يكون المختار قد تجاهر وأعلن بأنّ

____________________

(1) انظر أخبار الرجال لمحمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي ص 83 و84.

٦٠

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

يا مصطفي محمّد وناصره، صل على محمّد وآل محمّد، واغفر لي كل ذنب أذنبته ونسيته وهو عندك في كتاب مبين. ثم تقول مائة مرة: أتوب إلى الله.

وكبر بعد المغرب والعشاء الآخرة وصلاة الغداة وصلاة العيد كما تكبر أيام التشريق، تقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أبلانا. ولا تقل فيه: ورزقنا من بهيمة الانعام، فإن ذلك إنما هو في أيام التشريق(١) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله الطيبين الطاهرين

______________

(١) الهداية: ٥٢، بحار الانوار ٩١: ١٢٧/٢٤.

١٦١

[ ٢٢ ]

المجلس الثاني والعشرون

وهو يوم العيد

غرة شهر شوال سنة سبع وستين وثلاثمائة

١٦١/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح ابن عقبة، عن علقمة بن محمّد الحضرمي، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: قال الله جل جلاله: عبادي كلكم ضال إلا من هديته، وكلكم فقير إلا من أغنيته، وكلكم مذنب إلا من عصمته(١) .

١٦٢/٢ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن قتيبة، عن حمدان ابن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن علقمة، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فادعى عليه سبعين درهما ثمن ناقة، فقال له النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا أعرابي، ألم تستوف مني ذلك؟ فقال: لا. فقال له النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: إني قد أوفيتك. قال الاعرابي: قد رضيت برجل يحكم بيني وبينك.

______________

(١) بحار الانوار ٥: ١٩٨/١٦.

١٦٢

فقام النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم معه، فتحاكما إلى رجل من قريش. فقال الرجل للاعرابي: ما تدعي على رسول الله؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه. فقال: ما تقول يا رسول الله؟ فقال: قد أوفيته. فقال القرشي: قد أقررت له يا رسول الله بحقه، فإما أن تقيم شاهدين يشهدان بأنك قد أوفيته، وإما أن توفيه السبعين التي يدعيها عليك.

فقام النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مغضبا يجر رداءه، وقال: والله لاقصدن من يحكم بيننا بحكم الله تعالى ذكره، فتحاكم معه إلى أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال للاعرابي: ما تدعي على رسول الله؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه. فقال: ما تقول يا رسول الله. قال: قد أوفيته. فقال يا أعرابي، إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: قد أوفيتك، فهل صدق؟ قال: لا، ما أوفاني. فأخرج أميرالمؤمنين عليه السلام سيفه من غمده وضرب عنق الاعرابي. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا علي، لم قتلت الاعرابي؟ قال: لانه كذبك يا رسول الله، ومن كذبك فقد حل دمه ووجب قتله. فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا علي، والذي بعثني بالحق نبيا، ما أخطأت حكم الله تبارك وتعالى فيه، فلا تعد إلى مثلها(١) .

١٦٣/٣ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن قتيبة، عن حمدان ابن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح، عن علقمة، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، وقد قلت له: يا بن رسول الله، أخبرني من تقبل شهادته ومن لا تقبل شهادته. فقال: يا علقمة، كل من كان على فطرة الاسلام جازت شهادته.

قال: فقلت له: تقبل شهادة المقترف للذنوب؟ فقال: يا علقمة، لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادات الانبياء والاوصياء (صلوات الله عليهم) لانهم هم المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه

______________

(١) بحار الانوار ٤٠: ٢٤١/١٨.

١٦٣

بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة، وإن كان في نفسه مذنبا، ومن اغتابه بما فيه فهو خارج عن ولاية الله عزّوجلّ داخل في ولاية الشيطان.

ولقد حدثني أبي، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام: أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: من اغتاب مؤمنا بما فيه، لم يجمع الله بينهما في الجنة أبدا، ومن اغتاب مؤمنا بما ليس فيه، فقد انقطعت العصمة بينهما، وكان المغتاب في النار خالدا فيها وبئس المصير.

قال علقمة: فقلت للصادق عليه السلام: يا بن رسول الله، إن الناس ينسبوننا إلى عظائم الامور، وقد ضاقت بذلك صدورنا. فقال عليه السلام: يا علقمة، إن رضا الناس لا يملك، وألسنتهم لا تضبط، فكيف تسلمون مما لم يسلم منه أنبياء الله ورسله وحججه عليهم السلام؟ ألم ينسبوا يوسف عليه السلام إلى أنه هم بالزنا؟ ألم ينسبوا أيوب عليه السلام إلى أنه ابتلى بذنوبه؟ ألم ينسبوا داود عليه السلام إلى أنه تبع الطير حتى نظر إلى امرأة أوريا فهواها؟ وأنه قدم زوجها أمام التابوت حتى قتل ثم تزوج بها؟ ألم ينسبوا موسى عليه السلام إلى أنه عنين وآذوه حتى برأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيها؟ ألم ينسبوا جميع أنبياء الله إلى أنهم سحرة طلبة الدنيا؟ ألم ينسبوا مريم بنت عمران عليهما السلام إلى أنها حملت بعيسى من رجل نجار اسمه يوسف؟

ألم ينسبوا نبينا محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى أنه شاعر مجنون؟ ألم ينسبوه إلى أنه هوى امرأة زيد بن حارثة فلم يزل بها حتى استخلصها لنفسه؟ ألم ينسبوه يوم بدر إلى أنه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء؟ حتى أظهره الله عزّوجلّ على القطيفة وبرأ نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم من الخيانة، وأنزل بذلك في كتابه:( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (١) ، ألم ينسبوه إلى أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم ينطق عن الهوى في ابن عمه علي عليه السلام؟ حتى كذبهم الله عزّوجلّ، فقال سبحانه:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ

______________

(١) آل عمران ٣: ١٦١.

١٦٤

الْهَوَىٰ ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (١) ألم ينسبوه إلى الكذب في قوله: إنه رسول من الله إليهم؟ حتى أنزل الله عزّوجلّ عليه:( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ) (٢) ، ولقد قال يوما: عرج بي البارحة إلى السماء. فقيل: والله ما فارق فراشه طول ليلته.

وما قالوا في الاوصياء عليهم السلام أكثر من ذلك، ألم ينسبوا سيد الاوصياء عليه السلام إلى أنه كان يطلب الدنيا والملك، وأنه كان يؤثر الفتنة على السكون، وأنه يسفك دماء المسلمين بغير حلها، وأنه لو كان فيه خير ما أمر خالد بن الوليد بضرب عنقه؟ ألم ينسبوه إلى أنه عليه السلام أراد أن يتزوج ابنة أبي جهل على فاطمة عليها السلام، وأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم شكاه على المنبر إلى المسلمين، فقال: إن عليا يريد أن يتزوج ابنة عدو الله على ابنة نبي الله، ألا إن فاطمة بضعة مني، فمن آذاها فقد آذاني، ومن سرها فقد سرني، ومن غاظها فقد غاظني؟

ثم قال الصادق عليه السلام: يا علقمة، ما أعجب أقاويل الناس في علي عليه السلام! كم بين من يقول: إنه رب معبود، وبين من يقول: إنه عبد عاص للمعبود! ولقد كان قول من ينسبه إلى العصيان أهون عليه من قول من ينسبه إلى الربوبية.

يا علقمة، ألم يقولوا لله عزّوجلّ: إنه ثالث ثلاثة؟ ألم يشبهوه بخلقه؟ ألم يقولوا: إنه الدهر؟ ألم يقولوا: إنه الفلك؟ ألم يقولوا: إنه جسم؟ ألم يقولوا: إنه صورة؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

يا علقمة، إن الالسنة التي تتناول ذات الله تعالى ذكره بما لا يليق بذاته كيف تحبس عن تناولكم بما تكرهونه! فاستعينوا بالله واصبروا، إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين، فإن بني اسرائيل قالوا لموسى عليه السلام:( أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ) ، فقال الله عزّوجلّ: قل لهم يا موسى:( عَسَىٰ

______________

(١) النجم ٥٣: ٣، ٤.

(٢) الانعام ٦: ٣٤.

١٦٥

رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (١) .

١٦٤/٣ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن معقل القرميسيني، قال: حدّثنا جعفر الوراق، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الاشج، عن يحيى بن زيد بن علي، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين عليهما السلام، قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذات يوم وصلى الفجر، ثم قال: معاشر الناس، أيكم ينهض إلى ثلاثة نفر قد آلوا(٢) باللات والعزى ليقتلوني، وقد كذبوا ورب الكعبة. قال فأحجم الناس وما تكلم أحد، فقال: ما أحسب عليّ بن أبي طالب فيكم؟ فقام إليه عامر بن قتادة فقال: إنه وعك في هذه الليلة ولم يخرج يصلي معك، أفتأذن لي أن أخبره؟ فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: شأنك، فمضى إليه فأخبره، فخرج أميرالمؤمنين علي عليه السلام كأنه أنشط من عقال(٣) ، وعليه إزار قد عقد طرفيه على رقبته، فقال: يا رسول الله، ما هذا الخبر؟ قال: هذا رسول ربي يخبرني عن ثلاثة نفر قد نهضوا إلي لقتلي، وقد كذبوا ورب الكعبة. فقال علي عليه السلام: يا رسول الله، أنا لهم سرية وحدي، هو ذا ألبس علي ثيابي. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: بل هذه ثيابي، وهذه درعي، وهذا سيفي، فدرعه وعممه وقلده وأركبه فرسه.

وخرج أميرالمؤمنين عليه السلام، فمكث ثلاثة أيام، لا يأتيه جبرئيل بخبره، ولا خبر من الارض، فأقبلت فاطمة بالحسن والحسين على وركيها، تقول: أوشك أن ييتم هذين الغلامين، فأسبل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عينه يبكي، ثم قال: معاشر الناس، من يأتيني بخبر علي ابشره بالجنة. وافترق الناس في الطلب لعظم ما رأوا بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وخرج العواتق، فأقبل عامر بن قتادة يبشر بعلي عليه السلام، وهبط جبرئيل على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فأخبره بما كان فيه، وأقبل أميرالمؤمنين

______________

(١) بحار الانوار ٧٠: ٢/٤، والآية من سورة الاعراف ٧: ١٢٩.

(٢) أي حلفوا.

(٣) أي حل وهو يقال للآخذ بسرعة في أي عمل كان.

١٦٦

علي عليه السلام ومعه أسيران ورأس وثلاثة أبعرة وثلاثة أفراس. فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: تحب أن أخبرك بما كنت فيه يا أبا الحسن؟ فقال المنافقون: هو منذ ساعة قد أخذه المخاض، وهو الساعة يريد أن يحدثه! فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: بل تحدث أنت - يا أبا الحسن - لتكون شهيدا على القوم.

قال: نعم - يا رسول الله - لما صرت في الوادي، رأيت هؤلاء ركبانا على الاباعر، فنادوني: من أنت؟ فقلت: أنا عليّ بن أبي طالب ابن عم رسول الله. فقالوا: ما نعرف لله من رسول، سواء علينا وقعنا عليك أو على محمّد، وشد علي هذا المقتول، ودارت بيني وبينه ضربات، وهبت ريح حمراء سمعت صوتك فيها يا رسول الله وأنت تقول: قد قطعت لك جربان(١) درعه، فاضرب حبل عاتقه. فضربته فلم أحفه(٢) ، ثم هبت ريح صفراء، سمعت صوتك فيها يا رسول الله، وأنت تقول: قد قلبت لك الدرع عن فخذه، فاضرب فخذه. فضربته وكزته وقطعت رأسه ورميت به. وقال لي هذان الرجلان: بلغنا أن محمّدا رفيق شفيق رحيم، فاحملنا إليه ولا تعجل علينا، وصاحبنا كان يعد بألف فارس.

فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يا علي، أما الصوت الاول الذي صك مسامعك فصوت جبرئيل عليه السلام، وأما الآخر فصوت ميكائيل عليه السلام، قدم إلي أحد الرجلين. فقدمه، فقال: قل لا إله إلا الله، واشهد أني رسول الله، فقال: لنقل جبل أبي قبيس أحب إلي من أن أقول هذه الكلمة. فقال: يا علي، أخره واضرب عنقه. ثم قال: قدم الآخر. فقال: قل لا إله إلا الله، واشهد أني رسول الله، فقال: ألحقني بصاحبي. قال: يا علي، أخره واضرب عنقه. فأخره، وقال أميرالمؤمنين عليه السلام ليضرب عنقه، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال: يا محمّد، إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: لا تقتله فإنه حسن الخلق سخي في قومه.

______________

(١) الجريان: جيب القميص.

(٢) الاحفاء: المبالغة في الاخذ.

١٦٧

فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا علي، أمسك، فإن هذا رسول ربي عزّوجلّ يخبرني أنه حسن الخلق سخي في قومه. فقال المشرك تحت السيف هذا رسول ربك يخبرك! قال: نعم. قال: والله ما ملكت درهما مع أخ لي قط، ولا قطبت وجهي في الحرب، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: هذا ممن جره حسن خلقه وسخاؤه إلى جنات النعيم(١) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله الطاهرين وسلم كثيرا

______________

(١) الخصال: ٩٤/٤١، بحار الانوار ٤١: ٧٣/٤.

١٦٨

[ ٢٣ ]

المجلس الثالث والعشرون

وهو يوم الاثنين

لليلتين خلتا من شوال سنة سبع وستين ثلاثمائة

١٦٥/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي، قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا علي ابن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن يونس بن عبد الرحمن، عن المغيرة بن توبة، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: لما أشرف أميرالمؤمنين عليه السلام على المقابر، قال: يا أهل التربة، ويا أهل القربة، أما الدور فقد سكنت، وأما الازواج فقد نكحت، وأما الاموال فقد قسمت، فهذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: لو أذن لهم في الكلام لاخبروكم أن خير الزاد التقوى(١) .

١٦٦/٢ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن يزيد، عن إسماعيل بن مسلم السكوني، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال علي عليه السلام: ما من يوم يمر على ابن آدم إلا قال له ذلك اليوم: يا بن آدم، أنا يوم جديد، وأنا عليك شهيد، فقل في خيرا، واعمل

______________

(١) كامل الزيارات: ٣٢٠/٧، بحار الانوار ١٠٢: ٢٩٦/١٠.

١٦٩

في خيرا، أشهد لك به يوم القيامة، فإنك لن تراني بعده أبدا(١) .

١٦٧/٣ - حدّثنا محمّد بن عليّ رحمه الله، قال: حدثني عمي محمّد بن أبي القاسم، قال: حدّثنا هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام: إن للمرء المسلم ثلاثة أخلاء: فخليل يقول له: أنا معك حيا وميتا، وهو عمله، وخليل يقول له: أنا معك حتى تموت، وهو ماله، فإذا مات صار للورثة، وخليل يقول له: أنا معك إلى باب قبرك ثم أخليك، وهو ولده(٢) .

١٦٨/٤ - حدّثنا جعفر بن عليّ الكوفي، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ بن عبدالله ابن المغيرة، عن جده عبدالله بن المغيرة، عن إسماعيل بن مسلم السكوني، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال علي عليه السلام: ما أنزل الموت حق منزلته من عد غدا من أجله(٣) .

١٦٩/٥ - حدّثنا محمّد بن علي، عن عمه محمّد بن أبي القاسم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام: أن أميرالمؤمنين عليه السلام خطب بالبصرة، فقال بعد ما حمد الله عزّوجلّ وأثنى عليه، وصلى على النبي وآله: المدة وإن طالت قصيرة، والماضي للمقيم عبرة، والميت للحي عظة، وليس لامس إن مضى عودة، ولا المرء من غد على ثقه، الاول للاوسط رائد، والاوسط للآخر قائد، وكل لكل مفارق، وكل بكل لاحق، والموت لكل غالب، واليوم الهائل لكل آزف، وهو اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

ثم قال عليه السلام: معاشر شيعتي، اصبروا على عمل لا غنى بكم عن ثوابه،

______________

(١) بحار الانوار ٧١: ١٨١/٣٥، و ٧٧: ٣٧٩/٣.

(٢) الخصال: ١١٤/٩٢، معاني الاخبار: ٢٣٢/١، بحار الانوار ٨٢: ١٧٤/٩.

(٣) الزهد: ٨١/٢١٧، بحار الانوار ٦: ١٣٠/٢٢، و ٧٣: ١٦٦/٢٨.

١٧٠

واصبروا عن عمل لا صبر لكم على عقابه، إنا وجدنا الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله عزّوجلّ، اعلموا أنكم في أجل محدود وأمل ممدود ونفس معدود، ولا بد للاجل أن يتناهى، وللامل أن يطوى، وللنفس أن يحصى، ثم دمعت عيناه وقرأ:( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ، كِرَامًا كَاتِبِينَ ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ) (١) .

١٧٠/٦ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي أيوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: جمع الخير كله في ثلاث خصال: النظر، والسكوت، والكلام، فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكل سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، فطوبى لمن كان نظره عبرة، وسكوته فكرة، وكلامه ذكرا، وبكى على خطيئته، وأمن الناس شره(٢) .

١٧١/٧ - حدّثنا الحسين بن أحمد رحمه الله، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا إبراهيم بن هاشم، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: اغتمنوا الدعاء عند خمسة مواطن: عند قراءة القرآن، وعند الاذان، وعند نزول الغيث، وعند التقاء الصفين للشهادة، وعند دعوة المظلوم، فإنها ليس لها حجاب دون العرش(٣) .

١٧٢/٨ - حدّثنا محمّد بن(٤) القاسم الاسترابادي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن محمّد بن علي، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن

______________

(١) بحار الانوار ٧٧: ٣٨٠/٤، والآية في سورة الانفطار ٨٢: ١٠ - ١٢.

(٢) المحاسن: ٥/١٠، ثواب الاعمال: ١٧٧، الخصال: ٩٨/٤٧، معاني الاخبار: ٣٤٤/١، بحار الانوار ٧١: ٢٧٥/٢، و ٣٢٤/١٥، و ٧٧: ٤٠٦/٣٧، و ٧٨: ٥٤/٩٨، و ٩٣: ٣٣٢/١٨، وتقدم في المجلس (٨) الحديث (٢).

(٣) بحار الانوار ٩٣: ٣٤٣/١.

(٤) زاد في النسخ: أبي، والصواب حذفها، انظر: نوابغ الرواة: ٢٩٩.

١٧١

علي، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: كم من غافل ينسج ثوبا ليلبسه، وإنما هو كفنه، ويبني بيتا(١) ليسكنه، وإنما هو موضع قبره(٢) .

١٧٣/٩ - وقيل لامير المؤمنين عليه السلام: ما الاستعداد للموت؟ قال: أداء الفرائض، واجتناب المحارم، والاشتمال على المكارم، ثم لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، والله ما يبالي ابن أبي طالب أوقع على الموت، أم وقع الموت عليه(٣) .

١٧٤/١٠ - وقال أميرالمؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: أيها الناس، إن الدنيا دار فناء، والآخرة دار بقاء، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفي عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففي الدنيا حييتم(٤) ، وللآخرة خلقتم، إنما الدنيا كالسم يأكله من لا يعرفه، إن العبد إذا مات قالت الملائكة: ما قدم؟ وقال الناس: ما أخر؟ فقدموا فضلا يكن لكم، ولا تؤخروا كلا يكن عليكم، فإن المحروم من حرم خير ماله، والمغبوط من ثقل بالصدقات والخيرات موازينه، وأحسن في الجنة بها مهاده، وطيب على الصراط بها مسلكه(٥) .

١٧٥/١١ - حدّثنا أحمد بن محمّد رحمه الله، قال: حدّثنا أبي، عن محمّد بن عبد الجبار، عن أبي أحمد محمّد بن زياد الازدي، عن أبان بن عثمان، عن ثابت بن دينار، عن سيد العابدين عليّ بن الحسين، عن سيد الشهداء الحسين بن علي، عن سيد الاوصياء أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، قال: قال رسول

______________

(١) في نسخة: بناء.

(٢) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٩٧/٥٤ تنبيه الخواطر ٢: ١٥٨، بحار الانوار ٦: ١٣٢/٢٧، و ٧٣: ٨٨/٥٦.

(٣) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٩٧/٥٥، تنبيه الخواطر ٢: ١٥٨، بحار الانوار ٧١: ٢٦٣/١.

(٤) في نسخة: حبستم.

(٥) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٩٨/٥٦، بحار الانوار ٧٣: ٨٨/٥٦.

١٧٢

الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: الائمة من بعدي اثنا عشر، أولهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الارض ومغاربها(١) .

١٧٦/١٢ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن محمّد القبطي، قال: قال الصادق جعفر ابن محمّد عليه السلام: أغفل الناس قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في عليّ بن أبي طالب عليه السلام يوم مشربة(٢) أم إبراهيم، كما أغفلوا قوله فيه يوم غدير خم، إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان في مشربة أم إبراهيم وعنده أصحابه، إذ جاء علي عليه السلام فلم يفرجوا له، فلما رآهم لا يفرجون له قال: يا معشر الناس، هؤلاء(٣) أهل بيتي تستخفون بهم وأنا حي بين ظهرانيكم، أما والله لئن غبت عنكم فإن الله لا يغيب عنكم، إن الروح والراحة والبشر والبشارة لمن ائتم بعلي وتولاه، وسلم له وللاوصياء من ولده، حقا علي أن أدخلهم في شفاعتي لانهم أتباعي، فمن تبعني فإنه مني، سنة جرت في من إبراهيم عليه السلام، لاني من إبراهيم وإبراهيم مني، وفضلي له فضل، وفضله فضلي، وأنا أفضل منه، تصديق ذلك قول ربي:( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٤) . وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وثئت(٥) رجله في مشربة أم إبراهيم حتى عاده الناس(٦) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله وسلم تسليما

______________

(١) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٦٥/٣٤، كمال الدين وتمام النعمة: ٢٨٢/٣٥، بحار الانوار ٣٦: ٢٢٦/١.

(٢) المشربة: الغرفة.

(٣) في النسخ: هذا، وما أثبتناه من البصائر، وفي بشارة المصطفى: هذا علي من أهل بيتي وتستخفون بهم... والرواية في البشارة عن الشيخ الصدوق، فلعل في نسخ الامالي سقطا.

(٤) آل عمران ٣: ٣٤.

(٥) يقال: وثئت رجله، أو وثئت: أي أصابها وهن، دون الخلع والكسر.

(٦) بصائر الدرجات: ٧٣/١، فضائل الشيعة: ٦٩/٢٨، بشارة المصطفى: ٢٠، بحار الانوار ٣٦: ٢٤٨/٦٥، و ٣٨: ٩٥/١٢.

١٧٣

[ ٢٤ ]

المجلس الرابع والعشرون

يوم الاربعاء

الرابع من شوال سنة سبع وستين وثلاثمائة

١٧٧/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، عن يوسف بن الحارث، عن محمّد بن مهران، عن عليّ بن الحسن، قال: حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن معاوية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذا كان يوم القيامة زين عرش رب العالمين بكل زينة، ثم يؤتى بمنبرين من نور طولهما مائة ميل، فيوضع أحدهما عن يمين العرش، والآخر عن يسار العرش، ثم يؤتى بالحسن والحسين عليهما السلام، فيقوم الحسن على أحدهما، والحسين على الآخر، يزين الرب تبارك وتعالى بهما عرشه كما يزين المرأة قرطاها(١) .

١٧٨/٢ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى الدقاق رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد ابن أبي عبدالله الكوفي، قال: حدّثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن

______________

(١) إرشاد القلوب: ٢٩٤، بحار الانوار ٤٣: ٢٦١/٣، والقرط: ما يعلق في شحمة الاذن من در أو ذهب أو فضة أو نحوها.

١٧٤

يزيد النوفلي، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان جالسا ذات يوم إذ أقبل الحسن عليه السلام، فلما رآه بكى، ثم قال: إلي يا بني، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى، ثم أقبل الحسين عليه السلام، فلما رآه بكى، ثم قال: إلي يا بني، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليسرى، ثم أقبلت فاطمة عليها السلام، فلما رآها بكى، ثم قال: إلى يا بنية، فأجلسها بين يديه، ثم أقبل أميرالمؤمنين عليه السلام، فلما رآه بكى، ثم قال: إلي يا أخي، فما زال يدنيه حتى أجلسه إلى جنبه الايمن، فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما ترى واحدا من هؤلاء إلا بكيت، أو ما فيهم من تسر برؤيته!

فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: والذي بعثني بالنبوة، واصطفاني على جميع البرية، إني وإياهم لاكرم الخلق على الله عزّوجلّ، وما على وجه الارض نسمة أحب إلي منهم. أما عليّ بن أبي طالب فإنه أخي وشفيقي، وصاحب الامر بعدي، وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة، وصاحب حوضي وشفاعتي، وهو مولى كل مسلم، وإمام كل مؤمن، وقائد كل تقي، وهو وصيي وخليفتي على أهلي وأمتي في حياتي وبعد مماتي، محبه محبي، ومبغضه مبغضي، وبولايته صارت أمتي مرحومة، وبعداوته صارت المخالفة له منها ملعونة، وإني بكيت حين أقبل لاني ذكرت غدر الامة به بعدي حتى إنه ليزال عن مقعدي، وقد جعله الله له بعدي، ثم لا يزال الامر به حتى يضرب على قرنه ضربة تخضب منها لحيته في أفضل الشهور شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

وأما ابنتي فاطمة، فإنها سيدة نساء العالمين من الاولين والآخرين، وهي بضعة مني، وهو نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي، وهي الحوراء الانسية، متى قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهر(١) نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لاهل الارض، ويقول الله عزّوجلّ لملائكته: يا

______________

(١) أي تلالا وأشرق.

١٧٥

ملائكتي، انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي، قائمة بين يدي ترتعد فرائصها(١) من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أشهدكم أني قد أمنت شيعتها من النار. وإني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذل بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها(٢) ، وأسقطت جنينها، وهي تنادي: يا محمّداه، فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث، فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية، تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة، وتتذكر فراقي أخرى، وتستوحش إذا جنها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن، ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة، فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة( إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) ، يا فاطمة( اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) (٣) .

ثم يبتدئ بها الوجع فتمرض، فيبعث الله عزّوجلّ إليها مريم بنت عمران، تمرضها وتؤنسها في علتها، فتقول عند ذلك: يا رب، إني قد سئمت الحياة، وتبرمت بأهل الدنيا، فألحقني بأبي. فيلحقها الله عزّوجلّ بي، فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم علي محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة، فأقول عند ذلك: اللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وأذل من أذلها، وخلد في نارك من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك: آمين.

وأما الحسن فإنه ابني وولدي، ومني، وقرة عيني، وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيد شباب أهل الجنة، وحجة الله على الامة، أمره أمري، وقوله قولي، من تبعه فإنه مني، ومن عصاه فليس مني، وإني لما نظرت إليه تذكرت ما يجرى عليه من الذل بعدي، فلا يزال الامر به حتى يقتل بالسم ظلما وعدوانا، فعند ذلك تبكي الملائكة

______________

(١) الفرائص: جمعه فريصة، وهي لحمة بين الكتف والصدر ترتعد عند الفزع.

(٢) في نسخة: جبينها، وفي اخرى: جنبتها.

(٣) آل عمران ٣: ٤٢، ٤٣.

١٧٦

والسبع الشداد لموته، ويبكيه كل شئ حتى الطير في جو السماء، والحيتان في جوف الماء، فمن بكاه لم تعم عينه يوم تعمي العيون، ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب، ومن زاره، في بقيعه ثبتت قدمه على الصراط يوم تزل فيه الاقدام.

وأما الحسين فإنه مني، وهو ابني وولدي، وخير الخلق بعد أخيه، وهو إمام المسلمين، ومولى المؤمنين، وخليفة رب العالمين، وغياث المستغيثين، وكهف المستجيرين، وحجة الله على خلقه أجمعين، وهو سيد شباب أهل الجنة، وباب نجاة الامة، أمره أمري، وطاعته طاعتي، من تبعه فإنه مني، ومن عصاه فليس مني، وإني لما رأيته تذكرت ما يصنع به بعدي، كأني به وقد استجار بحرمي وقبري(١) فلا يجار، فأضمه في منامه إلى صدري، وآمره بالرحلة على دار هجرتي، وأبشره بالشهادة، فيرتحل عنها إلى أرض مقتله وموضع مصرعه أرض كرب وبلاء وقتل وفناء، تنصره عصابة من المسلمين، أولئك من سادة شهداء امتي يوم القيامة، كأني أنظر إليه وقد رمي بسهم فخر عن فرسه صريعا، ثم يذبح كما يذبح الكبش مظلوما. ثم بكى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وبكى من حوله، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، ثم قام صلّى الله عليه وآله وسلّم: وهو يقول: اللهم إني أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي، ثم دخل منزله(٢) .

١٧٩/٣ - حدّثنا أحمد بن هارون الفامي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله بن جعفر بن جامع الحميري، قال: حدّثنا أبي، عن أحمد بن محمّد بن يحيى(٣) ، عن محمّد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام: أن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام دخل يوما إلى الحسن عليه السلام، فلما نظر إليه بكى، فقال له: ما يبكيك يا أبا عبدالله؟ قال: أبكى لما يصنع بك. فقال له الحسن عليه السلام: إن الذي يؤتى إلي سم يدس إلي فاقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبدالله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدعون أنهم من

______________

(١) في نسخة: وقربي.

(٢) بحار الانوار ٢٨: ٣٧/١.

(٣) كذا والظاهر أنه أحمد بن محمّد بن عيسى، انظر معجم رجال الحديث ١٠: ١٤٣.

١٧٧

أمة جدنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وينتحلون دين الاسلام، فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحل ببني أمية اللعنة، وتمطر السماء رمادا ودما، ويبكي عليك كل شئ حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار(١) .

١٨٠/٤ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا أحمد ابن محمّد بن عيسى(٢) ، قال: حدّثنا العباس بن معروف، (عن عبدالله بن المغيرة)(٣) ، قال: حدّثنا أبوحفص العبدي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذا سألتم الله عزّوجلّ فاسألوه لي الوسيلة. فسألت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الوسيلة، فقال: هي درجتي في الجنة، وهي ألف مرقاة، ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد شهرا، وهي ما بين مرقاة جوهر إلى مرقاة زبرجد، ومرقاة ياقوت إلى مرقاة ذهب إلى مرقاة فضة، فيؤتى بها يوم القيامة حتى تنصب مع درجة النبيين، فهي في درج النبيين كالقمر بين الكواكب، فلا يبقى يومئذ نبي ولا صديق ولا شهيد إلا قال: طوبى لمن كانت هذه الدرجة درجته، فيأتي النداء من عند الله عزّوجلّ، يسمع النبيين وجميع الخلق: هذه درجة محمّد.

فاقبل وأنا يومئذ متزر بريطة(٤) من نور، علي تاج الملك وإكليل الكرامة، وعلي ابن أبي طالب أمامي، وبيده لوائي، وهو لواء الحمد، مكتوب عليه: لا إله إلا الله، المفلحون هم الفائزون بالله. وإذا مررنا بالنبيين قالوا: هذان ملكان مقربان لم نعرفهما ولم نرهما، وإذا مررنا بالملائكة قالوا: هذان نبيان مرسلان، حتى أعلو الدرجة وعلي يتبعني، حتى إذا صرت في أعلى درجة منها، وعلي أسفل مني بدرجة، فلا يبقى

______________

(١) اللهوف في قتلى الطفوف: ١١، بحار الانوار ٤٥: ٢١٨/٤٤.

(٢) في النسخ: أحمد بن محمّد بن يحيى، وما أثبتناه من العلل، والمعاني، وانظر معجم رجال الحديث ٨: ٨٠ و ٩: ٢٤١.

(٣) أثبتناه من المعاني والعلل، وانظر معجم رجال الحديث ٩: ٢٤١، و ١٠: ٣٤٢.

(٤) الريطة: كل ثوب لين رقيق.

١٧٨

يومئذ نبي ولا صديق ولا شهيد إلا قال: طوبى لهذين العبدين، ما أكرمهما على الله! فيأتي النداء من قبل الله جل جلاله، يسمع النبيين والصديقين والشهداء والمؤمنين: هذا حبيبي محمّد، وهذا وليي علي، طوبى لمن أحبه، وويل لمن أبغضه وكذب عليه.

ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: فلا يبقى يومئذ أحد أحبك - يا علي - إلا استروح إلى هذا الكلام، وابيض وجهه، وفرح قلبه، ولا يبقى أحد ممن عاداك أو نصب لك حربا أو جحد لك حقا إلا اسود وجهه واضطربت قدماه.

فبينا أنا كذلك إذا ملكان قد أقبلا إلي، أما أحدهما فرضوان خازن الجنة، وأما الآخر فمالك خازن النار، فيدنو رضوان فيقول: السلام عليك يا أحمد. فأقول: السلام عليك أيها الملك، من أنت؟ فما أحسن وجهك وأطيب ريحك! فيقول: أنا رضوان خازن الجنة، وهذه مفاتيح الجنة، بعث بها إليك رب العزة، فخذها يا أحمد. فأقول: قد قبلت ذلك من ربي، فله الحمد على ما فضلني به، ادفعها إلى أخي عليّ بن أبي طالب. ثم يرجع رضوان، فيدنو مالك فيقول: السلام عليك يا أحمد. فأقول: السلام عليك أيها الملك من أنت، فما أقبح وجهك، وأنكر رؤيتك! فيقول: أنا مالك خازن النار، وهذه مقاليد النار، بعث بها إليك رب العزة، فخذها يا أحمد. فأقول: قد قبلت ذلك من ربي، فله الحمد على ما فضلني به، ادفعها إلى أخي عليّ بن أبي طالب.

ثم يرجع مالك، فيقبل علي ومعه مفاتيح الجنة ومقاليد النار حتى يقف على عجزة جهنم وقد تطاير شررها، وعلا زفيرها، واشتد حرها، وعلي آخذ بزمامها، فتقول له جهنم: جزني يا علي، فقد أطفأ نورك لهبي. فيقول لها علي: قري يا جهنم، وخذي هذا، واتركي هذا، خذي هذا عدوي، واتركي هذا وليي، فلجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي من غلام أحدكم لصاحبه، فإن شاء يذهبها يمنة، وإن شاء يذهبها يسرة، ولجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي فيما يأمرها به من جميع الخلائق(١) .

وصلّى الله على سيدنا محمّد وآله

______________

(١) بصائر الدرجات: ٤٣٦/١١، تفسير القمي ٢: ٣٢٤، معاني الاخبار: ١١٦/١، علل الشرائع: ١٦٤/٦، بحار الانوار ٧: ٣٢٦/٢.

١٧٩

[ ٢٥ ]

المجلس الخامس والعشرون

مما أملاه علينا بطوس بمشهد الرضا عليّ بن موسى (صلوات الله عليه وعلى آبائه)

يوم الجمعة السابع عشر من ذي الحجة سنة سبع وستين وثلاثمائة

١٨١/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه، قال: حدّثنا علي ابن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن حماد، عن عبدالله بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن يزيد(١) ، قال: سمعت أبا عبدالله الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام يقول: يخرج رجل من ولد ابني موسى، اسمه اسم أميرالمؤمنين عليه السلام، فيدفن في أرض طوس وهي بخراسان، يقتل فيها بالسم، فيدفن فيها غريبا، من زاره عارفا بحقه أعطاه الله عزّوجلّ أجر من أنفق من قبل الفتح وقاتل(٢) .

١٨٢/٢ - حدّثنا أحمد بن زياد الهمداني رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم ابن هاشم، قال: حدّثنا محمّد بن عيسى بن عبيد، قال: حدّثنا محمّد بن سليمان البصري، عن أبيه، عن إبراهيم بن أبي حجر الاسلمي، قال: حدّثنا قبيصة، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت وصي الاوصياء ووارث علم الانبياء أبا جعفر محمّد بن علي

______________

(١) كذا، وفي البحار: الحسين بن زيد.

(٢) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٢٥٥/٣، من لا يحضره الفقيه ٢: ٣٤٩/١٦٠٠، بحار الانوار ١٠٢: ٣٣/٩.

١٨٠

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780