الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق7%

الأمالي شيخ الصدوق مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 780

الأمالي شيخ الصدوق
  • البداية
  • السابق
  • 780 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 441805 / تحميل: 8644
الحجم الحجم الحجم
الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

بين المسلمين وغيرهم وبين المسلمين أنفسهم، وفي عصر المأمون أنشأ داراً للتأليف والترجمة والمناظرة سمّاها (دار الحكمة) (1) .

وعلى كلّ حال فلقد استفاد المسلمون وغيرهم من النظام الإسلامي الذي يسمَح لغير المسلمين بالإقامة معهم في بلدٍ واحد إذا خضعوا لنظام الحُكم الإسلامي، وكان السرْيان من أهمّ العوامل التي ساعدت المسلمين على التعرّف على الفلسفة اليونانية، بعد أنْ نقلها السرْيان إلى لُغتهم، وانتشرت بواسطتهم في سوريا والعراق، وأنشأوا فيهما مدارس لنشرها وتدريسها، ولمّا فتح المسلمون هذه البلاد كانت تلك المدارس قائمةً بها والفلسفة اليونانية منتشرة فيها، فوجد المسلمون ضرورةً ملحّة لتعلّمها، ولم يكن لديهم مِن سبيل إلاّ استخدام السريان لهذه الغاية، فعلّموها أبناء المسلمين بعد أنْ أفتاهم يعقوب الرهاوي بجواز ذلك.

ثمّ نقلوها من السريانية واليونانية إلى العربية، والذي أخذه المسلمون العرَب من السريان هو الفلسفة اليونانية التي امتزجت بشروح الكتّاب المتأخّرين من رجال الأفلاطونية الحديثة، وهذا النوع من الفلسفة كان مزيجاً من الفلسفة والدين، وأوّل مَن مزج الفلسفة اليونانية بالدين هو (فيلوت) اليهودي، الذي وجِد في أواخر القرن الأوّل قبل الميلاد، وقد رأى هو وجماعة من الفلاسفة اليونانيّين بعد أنْ اختلطوا بعلماء الدين اليهود، أنْ يوفّقوا بين معتقداتهم الفلسفية والقضايا الدينية، وكان من نتيجة ذلك أنْ خرَج بشرحٍ كبير عن الإله والعالَم وعلاقة الله سُبحانه بهذا العالم، وعن الملائكة والجنّ وغير ذلك، وقد شرَح هذه المواضيع شروحاً فلسفية وفّق فيها بين الدين والعلم (2) .

وخلاصة البحث أنّ اختلاط المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات الذين لم يدخلوا في الدين الإسلامي، هذا الاختلاط قد نتج منه إثارة الشكوك حول العقائد الإسلامية وانتشار الإلحاد في البلاد الإسلامية، ممّا اضطرّ المسلمين إلى دراسة الفلسفة اليونانية بواسطة السريان من المسيحيّين المنتشرين في العراق وسوريا، تلك الفلسفة التي كانت مزيجاً من المعتقدات الفلسفية والقضايا الدينية التي تبحث عن الإله والعالم، وعلاقته بمخلوقاته وغير ذلك من المواضيع الدينية الأُخرى، فكان ذلك عاملاً قويّاً لانتشار

____________________

(1) انظر الفِرق الإسلامية لعلي الفارابي ص 136.

(2) المصدر نفسه ص 138 و139.

٢١

الإلحاد والتشكيك في بعض المواضيع الإسلامية التي لم يَعرِف المسلمون خلافاً بها قبل هذا التاريخ، وفي وسط هذا الجوّ المزدحم بالآراء والأفكار الغريبة عن الإسلام والمسلمين، انتشر عِلم الكلام انتشاراً واسعاً بين العلماء لحماية العقيدة الإسلامية من غزو أعداء الإسلام، الذين حاولوا تشكيك المسلمين بأُصوله ومبادئه، ولكنّ المتكلّمين من المسلمين الذين أرادوا حماية العقيدة الإسلامية - على حدّ زعمهم وزعم الكتّاب المتأخّرين (1) - قد تأثّروا بغيرهم وشذّوا في تفكيرهم وآرائهم عن منهج القرآن والرسول؛ ونتَج عن ذلك تعدّد الفِرَق واختلاف الآراء اختلافاً باعَد بينهم إلى أبعد الحدود، وفرّقَهم شِيَعاً وأحزاباً لا يتعارفون.

وفي ذلك الجوّ العلمي المزدحم بالآراء والأفكار المتضاربة، وقف أئمّة الشيعة وتلامذتهم موقفهم الذي اعتادوا أنْ يقِفوه في وجه أعداء الدين، يُناظرون المُشكّكين ويَدحضون آراء الملاحدة والزنادقة، كما ناظروا الفِرَق الإسلاميّة الذين تخطّوا في آرائهم وتفكيرهم النهج الإسلامي الصحيح، والأُصول التي وضعها القرآن والرسول (صلّى الله عليه وآله)، وسنعرض في الفصول الآتية آراء الفِرَق الإسلامية في العقائد ومدى تأثّرها بالفكر الأجنبي والفلسفة اليونانية التي انتشرت بينهم في تلك الفترة من تاريخهم، ومع أنّ الإمامية قد نبغ منهم الكثيرون في عِلم الكلام، وكانوا في طليعة من أخذ من السريان الفلسفة الأفلاطونية الحديثة كما ذكرنا، وعاشوا في وسط ذلك المعترك العلمي، مع ذلك كلّه فلم يتخطّوا في آرائهم في الأُصول وبقيّة المعتقدات الإسلامية، منهج القرآن وتعاليم الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وسيجد القارئ في الفصول الآتية ما يؤكّد هذه الحقيقة..

____________________

(1) المصدر السابق ص 138 و139.

٢٢

الفَصل الأول: الفِرَق الإسلامية الأُولى

وأسباب حدوثها وتاريخ التشيّع ومعناه

ولا بدّ لنا بعد هذا التمهيد - وقبل الدخول في موضوع الكتاب - من عرضٍ لتاريخ بعض الفِرق الإسلامية، التي حدَثت في عهدٍ مبكّر من تاريخ الإسلام، ذلك العهد الذي انقسم المسلمون فيه إلى شيعة وغيرهم، ومِن هاتين الفرقتين تشعّبت الفِرَق الإسلامية التي أنهاها بعضهم إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، وقد روى المحدّثون عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) حديثاً يؤيّد هذا الإحصاء جاء فيه: (ستفترق أُمتي من بعدي إلى ثلاث وسبعين فرقة كما افترقت أُمّة موسى وعيسى (عليهما السلام) (1) وكما ذكرنا أنّ الانقسام الأُوّل

____________________

(1) إنّ الذين وضعوا هذا الحديث، وضعوه ليثبتوا أنّ تلك الفِرَق لم تخرج عن الإسلام على ما بينها مِن تباعد وتضارب في الآراء والمعتقدات، في حين أنّ أكثر تلك الفِرَق قد خرجت عن الإسلام في كثير من آرائها ومعتقداتها، كالقرامطة والإسماعيلية السبعية والغُلاة وغيرهم، كما يبدو ذلك ممّا سنعرضه من آراء تلك الفِرَق في الفصول الآتية من هذا الكتاب.

٢٣

بين المسلمين كان مصدراً للانقسامات التي تلَت في العصور المتأخّرة، وإلى هذين الفريقين ترجع سائر الفِرق والمذاهب الإسلامية السياسية وغيرها، وسنتحدّث عن بعض هذه الفرق تمهيداً لموضوع الكتاب، ولعلاقة بعضها بالتشيّع.

ويدّعي أكثر الكتاب من السنّة والمستشرقين: أنّ تاريخ التشيّع يرجع إلى عهد متأخّر عن وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وهم بين قائلٍ برجوعه إلى العصر الأموي الأوّل، وأنّه كان نتيجةً للاضطهاد والتنكيل الذي لحِق أنصار عليّ وبَنيه (عليهم السلام) من الأمويّين، وبين قائلٍ برجوعه إلى العصر الذي بدأ المسلمون فيه يُحاسبون عثمان وأنصاره على تصرّفاتهم وسوء إدارتهم، وقد أسرف جماعة إسرافاً حاقداً على الشيعة فأرجعوه إلى عناصر أجنبية كانت تعمل في الخفاء لتحطيم الإسلام عن هذا الطريق.

وجاء في كتاب النظُم الإسلامية للمستشرق الفرنسي (غودفروا) : أنّ الحزبين الكبيرين الخوارج والشيعة تكوّنا بعد الانشقاق الذي حصَل بعد معركة صِفّين لأسبابٍ سياسية.

وقال جماعة منهم: أنّ عبد الله بن سبَأ لعِب دوراً بارزاً في تكوين فكرة التشيّع، وسنتعرّض لإبطال هذه المزاعم في المحلّ المناسب، ولقد ذكرنا أنّ انقسام المسلمين إلى فرقتين كان في الأيّام الأُولى بعد وفاة الرسول فرقة تمسّكت بحقِّ عليّ في الخلافة، وأُخرى أسرعت إلى اختيار خلف للرسول يتولّى إدارة شؤون المسلمين، وتمّ الاختيار لأبي بكر خليفة للرسول (صلى الله عليه وآله) من بعده، والواقع أنْ التشيع بما هو فِرقة في مقابل جماعة المسلمين لم يكن قبل وفاة الرسول، ولكن المبدأ الذي يرتكز عليه التشيع، وهو نصّ النبيّ على استخلاف عليّ (عليه السلام) من بعده، كان بعد ولادة الإسلام وقبل أنْ يهاجر الرسول من مكّة إلى المدينة بأكثر من ثمانية أعوام تقريباً، وذلك حينما أُوحي إليه: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) .

وجاء في جملة مِن الروايات أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) جمَع عشيرته والأقربين مِن آله بعد أنْ هيّأ لهم طعاماً، ثمّ دعاهم لمؤازرته والإيمان بدعوته المباركة، وكانوا نحواً من ثلاثين رجلاً، وكان في جملة ما قاله لهم: (أيّكم يؤازرني على هذا الأمر وهو وارثي ووصيّي، يقضي دَيني ويُنجز عِداتي، وخليفتي فيكم من بعدي)، فكرّرها فيهم ثلاثاً أو أربعاً فلم يتقدّم منهم احد غير عليّ (عليه السلام)، كما أورَد ذلك أحمد بن حنبل في مسنده، والثعالبي في تفسيره، وأضاف الثعالبي أنّ النبيّ كرّرها ثلاث مرّات وفي كلّ مرّة يسكت القوم إلاّ عليّاً (عليه السلام)، ولمّا يئس النبيّ من جوابهم قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لعليّ: (أنت أخي ووصيّي ووارثي وخليفتي من

٢٤

بعدي) (1) فكان هذا الموقف البذرة الأُولى للتشيّع، وما زال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طوال حياته يتعاهد تلك البذرة، ويُغذّيها بأقواله وأفعاله حتى نمَت وتركّزت في نفوس جماعة من المسلمين عُرفوا بالتشيّع لعليّ وموالاته حتى في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وفي السنة الأخيرة من حياته بعد رجوعه من مكّة المكرّمة، وقبل أنْ يتفرّق عنه المسلمون في محلٍّ يُدعى بالغدير لم يجد الرسول بُدّاً من التنصيص عليه بوصفه واسمه، بعد أنْ نزلت عليه الآية الكريمة: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .

فاستوقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تلك الحشود، التي تمثّل مختلف البلاد والطبَقات وتقدر بمِئة ألف أو تزيد وصنع له أصحابه منبراً، ثمّ استدعى عليّاً (عليه السلام) إليه وقبض على ذراعه ونصّ عليه بتلك الصيغة المروية في كتب الحديث بمختلف الأسانيد، وفي جملةٍ منها أنّه بعد أنْ اعترفوا له بأنّه أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، قال: (مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه)، فجعل له الولاية التي جعلها له الله والتي اعترف له بها المسلمون، هذا بالإضافة إلى الروايات الكثيرة التي رواها الثقات من السنّة والشيعة، وكلّها تؤكّد المعنى الذي فهمه الشيعة من حديث الغدير المتواتر، على أنّ الحديث المذكور لو تنزّلنا وقلنا: بأنّه لم يشتمل على ذكر الاستخلاف، إلاّ أنّ الملابسات التي أحاطت به والاستدراج الذي اشتمل عليه، واهتمام الرسول بعليّ وحده دون أهل بيته، كلّ ذلك ممّا يؤكّد المعنى الذي فهمه الشيعة من نصوص الحديث.

وفي بعض النصوص التاريخية أنّ المسلمين، بعد أنْ استمعوا لهذا البيان، لم يرتابوا في أنّه قد نصَّ على استخلافه بتلك الصيغة التي تؤدّي معنى أوسع ممّا تؤدّيه الكلمات المتعارفة في مثل المقام؛ ونتيجة لتلك النصوص التي تكرّرت منه (صلّى الله عليه وآله) في جملة من المناسبات، وذلك البيان العام الذي ألقاه في الغدير وتلك الحظوة التي كانت له عند الرسول، نتيجة لذلك كلّه، كان الرأي العام الإسلامي بعد وفاة الرسول متّجهاً نحو عليّ (عليه السلام) ولم يكن التسابق الذي حصل بين المهاجرين والأنصار

____________________

(1) انظر كشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص 101، وتاريخ الطبري وتاريخ أبي الفداء وكتابنا سيرة المصطفى وتاريخ اليعقوبي وأنساب الأشراف وغيرها من مجاميع الحديث والتاريخ.

٢٥

عليها بمجّرد أنْ أعلن نبأ وفاته، إلاّ لسدّ الباب في وجه الأكثرية التي لا تعدِل بعليّ (عليه السلام) أحداً من الناس؛ ولذا أُصيب الجمهور بما يشبه الدهشة لهذا التسابق والتزاحم بين الأنصار من جهة، وبين بعض المهاجرين من جهة أُخرى، والنبيّ لا يزال بين أهله مسجّى على فراش الموت، وعليّ وبنو هاشم وجماعة من إجلاّء الصحابة منصرفون عن دنيا الناس إلى تجهيزه لمقرّه الأخير، وقد تمّت البيعة لأبي بكر بتلك السرعة الخاطفة بدون تمهيد علَني مُسبَق كما يدّعي جماعة من المؤرّخين، ولكنّ الذي انتهت إليه بعد الدراسة أنّها كانت نتيجةً لمؤامرةٍ سابقة على وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) (1)، وبدون مشورةٍ لأحدٍ من كبار الصحابة الذين لا يجوز تجاهلهم في أبسط الأُمور، فضلاً عن مثل هذا الأمر الذي يجب أنْ تتوفّر في الشخص المختار له أفضل الصفات وأكمل المواهب؛ لأنّه يمثّل الرسول ويحمي القرآن وينفّذ الأحكام كما أنزلها الله في كتابه وعلى نبيّه، ويرعى مصالح الأُمّة بكلّ إخلاصٍ وتجرّد.

بهذا الأُسلوب المرتجل الذي لم يكن نتيجةً لتمحيص الآراء، ولا لاستفتاء شعبي اشتركت فيه جميع الفئات والطبقات تمّت بيعة أبي بكر بعد وفاة الرسول، ولو فرض أنّ الرسول ترك اختيار الخليفة من بعده إلى المسلمين كما يدعون، لقد كان من اللازم التريّث بينما ينتهون من مواراة الرسول في قبره واختيار رأي الأكثرية من المسلمين، ولكنّهم أرادوا استغلال موقف عليّ وبني هاشم المفجوعين؛ مخافة أنْ تفوت من أيديهم عندما ينتهي عليّ (عليه السلام) ومَن معه من بني هاشم وثقات الصحابة، الذين ألْهَتهم تلك الفاجعة عن كلّ شيء.

ونظراً لأنّها لم تقم على أُسس ديمقراطية صحيحة، ولم تكن مستوحاة من المصلحة العُليا التي لابدّ من مراعاتها في الحاكم الجديد؛ نظراً لذلك قال عمر بن الخطّاب عنها بعد أنْ انتهت إليه الخلافة: (كانت بيعة أبي بكر فلْتة وقى الله المسلمين شرّها)، ومع أنّها كانت بهذا الشكل المفاجئ فقد رافقتها موجة من الإرهاب والتضليل، كان لهما أثرهما البالغ على الجماهير، فبينا عمر بن الخطّاب يقف في جموع المحتشدين ينادي إنّ محمّداً لم يمُت، وسيرجع كما رجَع موسى إلى قومه بعد أنْ غاب عنهم أربعين يوماً، وسيقطع أيدي قوم وأرجلهم نراه بعد ساعة هو وجماعة يسوقون الناس بالقوّة إلى سقيفة بني ساعدة لإتمام البيعة لأبي بكر،

____________________

(1) انظر كتابنا سيرة المصطفى ج 2.

٢٦

وفي ذلك يقول الأُستاذ عليّ عبد الرزّاق، في كتابه الخلافة وأُصول الحكم: (وإذا رأيت كيف تمّت البيعة لأبي بكر تبيّن لك أنّها كانت بيعة سياسية ملكيّة، عليها كلّ طوابع الدولة الجديدة المُحدثة، وأنّها قامت كما تقوم الحكومات الجديدة على أساس القوّة والسيف) (1) ، ومهما كان الحال فقد تسارع إلى بيعة أبي بكر جماعة، وتخلّف عنها عدد كبير من المسلمين بينهم بنو هاشم وجماعة من أعيان الصحابة، منهم سلمان الفارسي وعمّار بن ياسر، والزبير بن العوّام، وخزيمة بن ثابت وحذيفة بن اليمان وغيرهم، فقد آثروا التريّث بينما ينجلي موقف عليّ (عليه السلام) صاحب الحقّ الشرعي من هذه المفاجأة التي لم تكن بالحُسبان، وحينما انتهى من تجهيز النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى مقرّة الأخير لم يستسلم لسطوة الحاكم الجديد، ولم ترهبه الجماهير المحتشدة به، فوقَف يناضل ويدافع عن حقّه السليب، بالرغم ممّا تركته الأحزان في نفسه من الآثار العميقة التي تحمّل مرارتها هو وزوجته السيّدة فاطمة (عليها السلام).

ووقف إلى جانبه جماعة من أعيان الصحابة، ولكنّه بعد أنْ رأى أنّ المضي في موقفه السلبي قد يؤدّي إلى نتائج يجني ثمارها أعداء الإسلام، ولا سيّما والردّة بعد وفاة الرسول وبعد المفاجأة التي أدّت إلى تعيين أبي بكر خليفة للرسول (صلّى الله عليه وآله) قد اتسعت بين عرب البادية، واجتاحت تباشيرها المدن والقرى، وأوشكت أنْ تستعصي بضراوتها على المسلمين، ووجَد جماعة من الأعراب ومِن سكان المدن الذين خضعوا لسلطان الإسلام خوفاً من سطواته، منفَساً لهم باتّساع حركة الردّة بين بعض القبائل العربية من سكان البادية.

بعد أنْ وجد جميع ذلك ورأى أنّ موقفه السلبي من بيعة أبي بكر ربّما يؤدّي إلى نزاع مسلّح يستغلّه المرتدّون والمنافقون، الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والنفاق، بعد أنْ وضع في حسابه جميع هذه التطوّرات التي قد تحدث، آثر عند ذلك أنْ يكون مع جماعة المسلمين يداً واحدة حرصاً على المصلحة العليا، مصلحة الإسلام، ومضى هو وأتباعه إلى مقرّ الحكومة الجديد، مسجد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأعلن للمسلمين بأنّه منذ نشأته وهو جندي مخلص في خدمة الإسلام، ولا يزال مخلصاً وفيّاً مضحّياً في سبيل الإسلام ومبادئه؛ وبذلك يكون قد ضرَب المثل الأعلى في التضحية والوفاء للمبدأ، الذي ناضل من أجله أكثر من عشرين عاماً، ومع أنّ المصلحة العُليا قد فرضت عليه مسايرة الأوضاع الحاضرة والتغاضي عن حقّه

____________________

(1) انظر معالم الفلسفة للشيخ محمّد جواد مغنية ص 200.

٢٧

السليب، فقد بقيَ طوال حياته هو والصحابة المؤمنون بحقّه يثيرون في الأذهان نصوص الرسول على الخلافة من بعده، وتناقلها المحدّثون جيلاً بعد جيل، وأثبتها السنّة والشيعة في كتبهم منذ عصر التدوين الأوّل، ولا يزال علماء الشيعة والمحدّثون منهم يجادلون عن عقيدتهم في الإمامة بتلك المرويّات المتواترة، وجاء في غاية المرام للسيّد هاشم البحراني: (إنّ حديث الغدير قد رواه أهل السنّة بمِئة وثمانين طريقاً)، وهكذا غيره من النصوص التي تمسّك بها الشيعة على إمامة عليّ واستخلافه، وألّف الشيعة مئات الكتب في الإمامة استعرضوا فيها النصوص من الكتاب والسنّة وأوضحوها على واقعها، وأبطلوا جميع الافتراءات التي وضعها الوضّاعون حول الإمامة ونصوصها، وألّف أحد أعلام الشيعة المعاصرين كتاباً أسماه الغدير خرَج منه إلى هذا التاريخ اثنا عشَر مجلّداً ضخماً حول الإمامة ونصوصها، ولا يزال المؤلّف يُتابع الكتابة في هذا الموضوع (1) .

ومهما كان الحال فالتشيّع بمعناه المعروف عند الفقهاء والمتكلّمين والمحدّثين، والذي تتميز به هذه الفِرقة عن فِرق المسلمين، وُلد في حياة الرسول نتيجة لتلك النصوص التي أوردها المحدّثون في كتبهم، وثبت عليه جماعة في الفترة الأولى من تاريخ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله).

ولولا مراعاة عليّ (عليه السلام) للأوضاع والظروف التي أحاطت الإسلام في تلك الفترة من تاريخه؛ لحدثت تطوّرات في تاريخ الإسلام لا نستطيع أنْ نقدّر مدى أثرها السيّئ على جهود الرسول والوصيّ والمخلصين من الصحابة الكرام، ولكنّه أدرك جميع ذلك، وأحصى ما سيجرّه تصلّبه في موقفه من الغنائم على المرتدّين والمنافقين الذين اضمروا للإسلام الخراب والدمار، ومع أنّ الأحداث الطارئة فرضت عليه أنْ يتساهل ويتسامح، ولكن فكرة استخلافه لم تنته عند هذا الحد، وما كان هذا التسامح ليحدّ من نشاطها، بل أخذت طريقها في النفوس والقلوب، وتضاعف عدد المتشيّعين له على مرور الأيّام، ورجع الكثير من المسلمين إلى الماضي القريب واحتشدت في أذهانهم صور عن مواقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، تلك المواقف التي كان يصرّح فيها باستخلاف عليّ من بعده تارة، ويلمح فيها أخرى فالتفّوا حول عليّ (عليه السلام) وأصبحوا من الدعاة الأوفياء له في جميع المراحل التي مرّ بها، وما زال التشيع ينمو وينتشر

____________________

(1) هو الشيخ عبد الحسين الأميني.

٢٨

بين المسلمين في الأقطار المختلفة يدخلها مع الإسلام جنباً إلى جنب، واستحكم أمره في السنين التي استولى فيها على الحكم، فشاعت بين المسلمين أحاديث استخلافه، ووجد الناس من سيرته وزهده وحكمته ما أكد لهم صحّة تلك المرويّات، وأنّه هو المختار لقيادة الأُمّة وحماية القرآن ونشر تعاليمه ومبادئه.

والذي أردناه من هذا العرض الموجز لتاريخ التشيّع، أنّ التشيّع في الإسلام كان جزءاً من الدعوة التي دعا إليها القرآن وبلّغه الرسول إلى الأُمّة في جملة ما بلّغه من تشريعات وأنظمة، وهو بمفهومه الشائع بين المسلمين في هذا العصر وقبله كانت بذرته الأُولى في عصر الرسول وبعد وفاته، والذين تابعوه منذ اللحظة الأُولى عند صدور البلاغ الأول من الرسول (صلّى الله عليه وآله) كانوا يؤمنون بأنّه منصوص عليه من الله وحده، ولم يكن الرسول إلاّ مبلّغاً عن ربّه هذا الأمر كغيره من التكاليف والتشريعات.

أمّا ما ذهب إليه أكثر الكتّاب العرب والمستشرقين من أنّ التشيّع حدَث بعد مقتل عثمان، كما يذهب إلى ذلك الشيخ محمّد أبو زهرة (1) أو بعد واقعة صِفّين كما يدّعي آخرون (2)، كما ذهبت فئة منهم إلى أنّه حدَث بعد انتشار الموالي الذين دخلوا الإسلام من الفُرس وغيرهم، وفئة أُخرى تدّعي أنّ القول بالوصاية أوّل مَن أحدثه عبد الله بن سبأ اليهودي (3) إلى غير ذلك من الآراء الشاذّة التي تردّدت على السنّة الكتاب العرب والأجانب، كلّها لا تمتّ إلى الواقع بأيّ صلة وتنفيها النصوص الإسلامية، وكتب التاريخ، ولابدّ لنا من وقفة مع الأُستاذ (البير نصر) أُستاذ الفلسفة الإسلامية في الجامعة اللبنانية، قال في كتابه أهمّ الفِرَق الإسلامية حول عقيدة الشيعة في الخلافة: (إنّ هذه الفكرة التي تجعل من الإمامة حقّاً إلهيّاً ليست من خصائص التفكير البدوي، حتى ولا من خصائص عرب

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية ص 48 وقد جاء فيها: لقد انتهى عصر الخليفة الثالث بوجود الشيعة والخوارج، وفي الصفحة نفسها بعد أنْ استعرض الإحداث التي أطاحت بعرش عثمان، قال: (وفي ظِل هذه الفتن نبت المذهب الشيعي).

(2) ومن هؤلاء غودفروا المستشرق الفرنسي.

(3) ومن هؤلاء أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام ص 269، ومنهم الدكتور البير نصر نادر أُستاذ الفلسفة الإسلامية في الجامعة اللبنانية.

٢٩

الجزيرة، حيث تسود بينهم روح المساواة. إنّ هذه الفكرة دخلت عليهم من جهة الفُرس الذين كانوا ينظرون إلى ملوكهم بعين الاحترام الزائد، ويعتبرونهم أسمى من باقي البشر؛ وهذا ما يعلّل لنا لماذا تستعمل اللغة الفارسية في الأوساط الشيعية في العراق، لا سيّما الأوساط العلمية مثل النجف وكربلاء والكاظمية).

لقد تابع الدكتور غيره من المستشرقين في هذه النظرية، ولم يعتمد على النصوص الإسلامية ولا على الوقائع التي رافقت تاريخ المسلمين قبل الفتح العربي لبلاد الفُرس، ولو رجع إلى ذلك لوجد أنّ فكرة الوصاية قد رافقت تاريخ الإسلام، وقد آمن بها جماعة من المسلمين من نصوص الرسول التي كان يتلوها على المسلمين بين حين وآخر، ولأجل تلك النصوص وقَف جماعة من المسلمين إلى جانبه بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وذلك قبل اتّصال الفُرس بالعرب بعشرين عاماً تقريباً، وقبل إسلام ابن سبأ الذي يَنسب الكتاب إليه أنّه لعب دوراً هامّاً في هذه الناحية، وكان من أعظم العناصر الأجنبية عناء في ذلك.

ومِن المؤسف أنْ يكتب الدكتور أُستاذ الفلسفة عن الشيعة ما يُبرّئهم منه الواقع والتاريخ وتُدرّس آراؤه وكتبه في الجامعات اللبنانية، مع أنّه يعيش معهم في بلدٍ واحد، ذلك البلد الذي يعيش فيه الشيعة مع غيرهم من الطوائف الأخرى، ويشكلّون أكثر من ثلُث سكّانه، ومن السهل عليه أنْ يتّصل بعلماء الشيعة وكتبهم المنتشرة في أكثر المكاتب وعلى الأخص فيما يرجع لهذه المواضيع، ولو فعل ذلك لسلِم من هذه الأخطاء، ولكنّه شاء أنْ يكون مقلّداً لغيره فأرسل أحكامه بدون تمحيص وتحقيق، وجعل من آثار هذه الحقيقة على حدّ زعمه انتشار اللغة الفارسية في بلاد الشيعة من العراق، ولا سيّما الأوساط العلمية كالنجف وكربلاء والكاظمية، وظنّ أنّه قد اهتدى إلى حقيقة ضاعَت على غيره من الباحثين، مع أنّه لا يزال بعيداً عن الواقع في تعليل هذه الظاهرة التي يدّعيها في الأوساط الشيعية؛ لأنّ بلاد العراق أكثر سكّانها من العرَب، والعربية هي اللغة الشائعة في أكثر المدن والقرى وفي جميع الأوساط العلمية وغيرها، وأكثر المواطنين لا يحسنون غيرها، أمّا المدن الثلاث النجف وكربلاء والكاظمية، هذه المدن يهاجر إليها الشيعة من مختلف البلاد للدراسة والزيارة على اختلاف أصنافهم، وهؤلاء في شؤونهم الخاصّة يتكلّمون بلغاتهم المختلفة، أمّا لغة الدرس وكتب الدراسة وغير ذلك من الشؤون العامّة فهي اللغة

٣٠

العربية، ولا أثَر لغيرها في جميع الشؤون، ولكنّ الدكتور بعد أنْ عزا فكرة التشيّع إلى الفُرس وتخطّى التاريخ الإسلامي الصحيح الذي ينصّ على أنّ التشيّع نشأ في بلاد العرب، ومِن العرب أنفسهم، قبل أنْ يعرف العرب الفُرس بأكثر من عشرين عاماً، بعد هذه النسبة جعل من آثارها انتشار اللغة الفارسية بين شيعة العراق وعلى الأخص الأوساط العلمية، فأضاف إلى خطئه الأوّل خطيئة أُخرى لا مبرّر لها، وقد اشتمل كتابه (نصوص ودروس في أهم الفِرق الإسلامية) على بعض الآراء السطحية والأخطاء التاريخية، وربّما نتعرّض لبيانها حسب المناسبات في الفصول الآتية.

ومهما كان الحال لقد كانت مشكلة الخلافة الإسلامية أُولى المشاكل التي اصطدم بها الركْب الإسلامي، وعلى حسابها انقسم المسلمون إلى فئتين: فئةٌ وقفت إلى جانب عليّ (عليه السلام) معتمدة على النصوص التي وردت في القرآن والسنّة، والفئة الثانية رأت أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فارق الدنيا وترَك للمسلمين حقّ اختيار الحاكم الذي يرونه صالحاً لهم، وقد وقَفت هذه الفئة من النصوص موقفاً سلبيّاً في واقع الأمر، فأنكروا بعضها وتأوّلوا البعض الآخر حيث لم يتمكّنوا من إنكاره.

واختار المسلمون أبا بكر، وهو بدوره قد اختار لها عمر بن الخطّاب من بعده، وانتهت بعده لعثمان بن عفّان بعد أنْ رفَض عليّ العروض التي عرَضها عليه أحد الستّة (عبد الرحمان بن عوف)، وآثر العمل باجتهاده فيما لا نصّ عليه من كتابٍ أو سنّة، على انتهاج سيرة الشيخين أبي بكر وعمر والتقيّد بآرائهما.

لقد انتهت لعثمان بعد أنْ تقبّل العروض بلهْفة ورحابة صدر، مؤثراً سيرة الشيخين وكلّ ما يفرض عليه على رأيه واجتهاده في سبيل الوصول إلى الخلافة مهما كلّفه ذلك من ثمن، هاتان الفئتان هما مصدر الفِرق الإسلامية والنزاع القائم بين المسلمين طيلة هذه القرون المتوالية، وقد اتخذ بعد الفترة الأُولى من تاريخه طابعاً سياسياً أدّى إلى النزاع المسلّح أُريقت فيه دماء المسلمين، وتطوّر البحث بينهم في الخلافة وظهرت فيه أطوار من الجدَل مبنية على التسلسل المنطقي وعلم الكلام، الذي يمتّ بأوثَق الأسباب إلى الفلسفة وقواعدها، ومع أنّ الخلافات التي ظهرت في الإمامة لم تبقَ على بساطتها الأُولى، وتطوّرت بشكلٍ علمي لم تخرج بجوهرها عن النزاع الذي نشأ فيها منذ اليوم الأوّل لوفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وتعود في النهاية إلى أنّ الخلافة، هل يجب أنْ تكون بنصٍّ من الله يقوم الرسول

٣١

بتنفيذه؟ أم تكون باختيار الأُمّة؟ وهل يستمد الخليفة سلطته من الله سبحانه، أم يستمدّها من المؤمنين؟ إلى غير ذلك من النواحي التي برزت في أبحاثهم ومناظراتهم.

الفصلُ الثّاني: الخوارج

يعرض هذا الفصل الأسباب التي أدّت إلى حركة الخوارج والفِرَق التي تشعبت عنهم والأُمم، ومعتقداتهم والآثار التي أحدثتها ثورتهم على الحكّام الأمويّين والعبّاسيّين.

لقد ذكرنا في الفصل السابق أنّ انقسام المسلمين قد ظهر منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الخلافة الإسلامية، وأنّ الحزب المعارض لعليّ ومن معه من بني هاشم والمسلمين قد بايعوا أبا بكر خليفة لرسول الله، وبعد جدالٍ دام بضعة أشهر رأى عليّ (عليه السلام)، أنّ مصلحة الإسلام تقضي عليه بأنْ يكون مع المسلمين يداً واحدة؛ لدفع الأخطار التي أحدقت بالإسلام، فبايع هو ومَن معه مع الاحتفاظ بحقّه الشرعي، واستمرّ أمر المسلمين على هاتين الفرقتين لم يحدث بينهما نزاع مسلّح إلاّ في عهد عثمان (الخليفة الثالث) أدّى إلى

٣٢

الإطاحة بعرشه؛ لأنّه حابى أقاربه وبني أبيه وولّى على المسلمين سُفهاء قومه، مّما أوجب نقمة المسلمين عليه في المدينة وخارجها، واشتركت السيّدة عائشة وطلحة والزبير مع الوفود التي زحَفت إلى المدينة من مختلف البلاد الإسلامية لتشكو إليه ما تقاسيه الأُمّة من جور ولاته واستخفافهم بالمقدّسات الإسلامية وشعائر الدين، وخروجهم عن المخطّط الإسلامي الذي ألفوه واعتادوا عليه، من سيرة الرسول والخليفتين من بعده، ولم يكن لعليّ (عليه السلام) صلة بهذا النزاع ولا حاول أنْ يجني من ورائه أيّ مكسب، وتؤكّد النصوص التاريخية أنّه قد حاول التوفيق بين الثائرين وبين الخليفة أكثر من مرّة، ولكنّ حاشية الخليفة كانت تحول بينه وبين ذلك، بالإضافة إلى تحريض السيّدة عائشة وطلحة والزبير الثوّارَ على المضيِّ في الثورة إلى النهاية.

ولمّا انتهت الثورة بقتل عثمان واختيار عليّ (عليه السلام) من بعده أُصيبت السيّدة عائشة بصدمةٍ عاتية؛ لأنّها كانت تقدّر أنّ قريبها طلحة سيتولّى أُمور المسلمين بعد الخليفة الراحل، بالإضافة إلى ما كانت تكنّه لعليّ (عليه السلام) في نفسها مِن عداءٍ قديم، يرجع إلى عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله) فعملت مع رفيقَيها طلحة والزبير والأمويّين الذين كانوا السبَب المباشر لكلّ ما حدَث على الثورة في وجه الحكومة الجديدة، وباشرت قيادة أنصارها إلى المعركة بنفسها، واستطاع معاوية أنْ يغري أهل الشام ويقودهم إلى النزاع المسلّح مع عليّ (عليه السلام)، بعد أنْ علِم أنّ عليّاً لا يقرّه بحال من الأحوال على عمله، ولا يمكن أنْ يستعين به في حكومته فأعلن عصيانه للخليفة الشرعي وخرَج عليه بمَن معه من أهل الشام، فكانت معركة صِفّين التي كادت أنْ تنتهي بالقضاء على معاوية وأتباعه لولا مكيدة ابن العاص التي سهّلت له الخروج من تلك الأزمة ويسّرت له أنْ يصبح ملكاً على المسلمين يتحكّم فيهم بما توحيه له شهَواته.

وانتهت المعركة باختيار حكَمَين أحدهما يُمثّل أهل الشام والآخر يمثّل الجهة الثانية التي يقودها عليّ (عليه السلام)، ونتَجَ من هذا التحكيم الذي فرضه أهل العراق على عليّ فشَل المؤتمرين، وخروج جماعة من جيشه عن طاعته ناقمين على التحكيم الذي فرضوه عليه بالأمس القريب، ووصفوه بالكفر؛ لأنّه حكّم الرجال في دين الله على حدِّ زعمهم، وقد ظهرت بوادر هذه الفرقة في صفّين بعد الاتّفاق على التحكيم، فقد خرَج من صفوف أصحاب عليّ (عليه السلام) رجلٌ يدعى يزيد بن عاصم المحاربي، فحمل على أصحاب عليّ وقتل رجلاً، كما حمَل على أصحاب معاوية وقتل منهم أيضاً وتبرّأ من الفريقين واستقرّت فكرة

٣٣

الخروج في أذهان جماعة من أهل الكوفة، ولم يتمكّنوا من تنفيذها إلاّ بعد رجوعهم من صفّين، وبعد الفشل الذي انتهى إليه المؤتمرون، وبلغ عدد الذين انفصلوا عن جيش عليّ (عليه السلام) اثني عشر ألف جندي ممّن كانوا معه في صفّين، والتجأوا إلى قرية في قرب الكوفة تسمّى حروراء فغلَب عليهم اسم (الحرورية) ، وتولّى قيادتهم عبد الله بن الكوّاء وشبث بن ربعي، وبعد أنْ جرت بينهم وبين عليّ مناظرات كثيرة حول التحكيم، وموقف الحكَمين رجَع ابن الكوّاء عن فكرته والتحق بالكوفة مع ألف رجل منهم، واستمرّ الباقون على فكرتهم الأُولى، وقد تداولوا الرأي حول المكان الذي يتّخذونه مقرّاً لهم فاقترح بعضهم المدائن، وآخرون اختاروا البصرة مقرّاً لثورتهم، وأخيراً اتفقوا على النهروان.

ويرى الدينوري أنّهم كانوا أربعة آلاف فارس بقيادة عبد الله بن وهَب الراسبي (1) بينما يرى الاسفرائيني أنّهم كانوا ضعفَي هذا العدد (2)، وفي طريقهم إلى النهروان التقوا بالصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت ومعه زوجته، فقالوا له: حدّثنا حديثاً سمعته من رسول الله، فقال: حدّثني أبي أنّ رسول الله قال: (ستكون بعدي فتنة، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والواقف فيها خيرٌ من السائر، والماشي خيرٌ مِن العادي، ومَن أمكنه أنْ يكون مقتولاً فيها خيرٌ له من أنْ يكون قاتلاً) .

ثمّ قالوا له: ما تقول في أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما خيراً كما أثنى على عثمان في السنين الستّة من خلافته، ولمّا سألوه عن التحكيم أجاب: أنّ عليّاً أعلم بكتاب الله منكم وأشدّ توقّياً على دينه وأنفذ بصيرة، فقالوا له: إنّك تتبع الرجال على أسمائهم وجرّوه على شاطئ النهر، فاستجار بكتاب الله وكان معلّقاً برقبته، فقالوا: إنّ الذي تستجير به يأمرنا بقتلك فذبحوه، ثمّ جاؤوا إلى زوجته فبقروا بطنها واستخرجوا منها حملها، وبعد قتله ساوموا نصرانياً على نخلةٍ ليأكلوا ثمرَها فبذلها لهم بدون ثمَن، فرفضوا أنْ يأخذوها إلاّ بثمنها، فقال لهم: ما أعجب ما أرى منكم! تقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون منّا نخلة إلاّ بثمنها (3)؟ !

ولمّا بلغ عليّاً عدوانهم على الآمنين وفسادهم في الأرض توجّه إليهم في

____________________

(1) انظر الأخبار الطوال للدينوري ص 223.

(2) انظر التبصير في الدين ص 28.

(3) الكامل للمبرد ج 2 ص 143.

٣٤

أربعة آلاف محارب من جيشه، وقبل أنْ يقاتلهم سألَهم عن أسباب خروجهم فأجابوه: لقد قاتلنا معك في البصرة طلحة والزبير وعائشة، فأبحت لنا أموالهم ولم تبِح نساءهم وذراريهم، فقال: (لقد أبحتُ لكم من أموالهم ما كان في المعركة من سلاحٍ ودواب، عِوَضاً عمّا أخذوه من بيت مال المسلمين في البصرة، أمّا نساؤهم وذراريهم فلا ذنبَ لهم لأعاقبهم عليه، ولم يخرجوا مِن حكم المسلمين في ثورتهم لكي نعاملهم معاملة الكفّار والمشركين، ولو أبحت لكم النساء فمَن منكم يأخذ عائشة في سهمه؟)، وأخيراً وبعد أنّ سدّ عليهم جميع الأبواب التي كانوا يرونها مبرّرة لثورتهم قالوا: لم محوت الإمارة عن نفسك في كتاب الصلح بينك وبين معاوية؟ فقال (عليه السلام): (لقد اقتديت برسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث محا الرسالة عن نفسه حين كتَب كتاب الصلح بينه وبين سهيل بن عمرو، وقد أنكر عليه سهيل يومذاك أنْ يضيف لنفسه صفة الرسالة، وقال له: لو كنّا نعلم أنّك رسول الله لما خالفناك، فقال لي رسول الله: امحها فمحوتها وكتبت: هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، وقد قال لي يوم: إنّك ستبتلى بمثلها).

فرجع منهم إلى طاعته جماعة، وبقيَ منهم أربعة آلاف رجل، وقبل أنْ يقاتلهم استنطقهم عن جريمتهم مع العبد الصالح عبد الله بن خباب وزوجته فأجابوه بلسان واحد: كلّنا قتلناه ولو ظفرنا بك لقتلناك أيضاً، فتوجّه إلى أصحابه وأخبرهم عن مصير هذه الفئة الباغية وعن عدد القتلى منهم، ثمّ حمل عليهم هو ومَن معه فلَم يَسلَم منهم سوى تسعة لاذوا بالفرار من المعركة، وتفرّقوا في البلدان، فذهب منهم اثنان إلى سجستان، واثنان إلى اليمَن، والباقون تفرّقوا بين عمان الأنبار والجزيرة، وواصلوا الدعوة إلى مبدئهم في هذه الأقطار فالتفّ حولهم جماعة كثيرون، ولا تزال بقاياهم إلى اليوم في هذه الأقطار كما جاء في رواية الإسفرايني (1) واستعادوا نشاطهم في عهد الأمويّين فكانت لهم جولات واسعة ومواقف ضارية، أقلقت الحكّام الأمويّين وشغلت جانباً كبيراً من عنايتهم وتفكيرهم.

ويؤكّد بعض الكتّاب أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يستأصل جماعة الخوارج في معركة النهروان وغيرها، وأنّ جماعة منهم ممّن لم يشتركوا في معركة

____________________

(1) انظر التبصير في الدين الفصل الذي تحدّث به عن الخوارج.

٣٥

النهروان قد انتشروا في الكوفة وخارجها؛ لترويج فكرتهم وتحريض الناس ضدّ حكومة عليّ (عليه السلام)، وعلى الأخص بعد الفشل الذريع الذي حلّ بهم في تلك المعركة، وقد حاولوا تجديد الثورة فزاروا قتلاهم في النهروان، وتعاهدوا على الأخذ بثأرهم، وتوالت حركاتهم وتحرّكاتهم في مختلف الجهات: في الأنبار والمدائن وسواد الكوفة، وخرَج الخريت بن راشد أحد زعمائهم في الكوفة ومعه ثلاثمِئة فقتَلوا عامل عليّ (عليه السلام) في عمان.

وفي الكامل لابن الأثير أنّه قد اجتمع على الخريت علوج من الأهواز انضمّ إليهم اللصوص والموالي وبعض النصارى وجماعة من العرَب فكسروا الخراج وأخرجوا عامل عليّ (عليه السلام) في تلك البلاد، ويعلّل بعض المستشرقين تحمّس الموالي لفكرة الخوارج، بأنّهم نادوا بمساواة العرَب والموالي في جميع الحقوق حتى في تولّي الخلافة (1)، ومع أنّهم تجمّعوا من مختلف المناطق والجهات، وحاولوا أكثر من مرّة الانتقام لقتلاهم وتوسيع حركتهم الثورية ضدّ الحكم القائم يوم ذاك، وحاولوا إغراء الموالي وبعض المسيحيّين المقيمين في البلاد التي خضعت للإسلام بسقوط الجزية عن المسيحيّين، وجواز استخلاف غير العربي على المسلمين، بالرغم من كلّ ذلك استطاع عليّ (عليه السلام) القضاء على فلولهم الثائرة هنا وهناك بعد الهزيمة الكبرى التي ألمّت بهم في النهروان.

وبعد أنْ فشلت جميع محاولاتهم التي قاموا بها للسيطرة على الحكم ولتعديل النظام الذي كان متّبعاً في اختيار الحاكم، بعد فشلهم في جميع مواقفهم الثورية وغيرها اتجهوا إلى اغتيال عليّ ومعاوية وابن العاص، وانتدبوا لكلّ واحد من الثلاثة رجلاً منهم فنجحوا في اغتيال عليّ (عليه السلام)، وفشَل الآخران في اغتيال معاوية وعمرو بن العاص.

ومهما كان الحال فلقد كانت الفكرة المسيطرة على تصرّفات الخوارج في أوّل أمرهم سياسية خالصة، فأوّل أمر نادوا به هو تخطئة عليّ في قبول التحكيم، ثمّ تخطّوا هذه الفكرة إلى تكفيره وتكفير عثمان في السنين الأخيرة من خلافته، وطلحة والزبير وعائشة، بينما لم يذهَب أحد منهم - على اختلاف فِرَقهم وتباين آرائهم في بعض المسائل - إلى تكفير أبي بكر وعمر، والتهجّم عليهما، ولقد علّلوا تكفير عليّ (عليه السلام) بأمرين أوّلهما: أنّه حكّم في دين الله.

____________________

(1) انظر العراق في ظلّ العهد الأموي للدكتور عليّ الخرطبولي ص 60 و61، وانظر النظم الإسلامية للمستشرق غودفروا، كما نقل عنه الخرطبولي.

٣٦

الثاني: أنّه قد خلَع نفسه من إمارة المؤمنين في وثيقة الهدنة التي كتبها بينه وبين معاوية لإيقاف القتال، أمّا عثمان فيعلّلون كفره بأنّه قد حابى أقاربه وولاّهم على رقاب المؤمنين، مع علمه بسوء تصرّفاتهم واستخفافهم بالإسلام ومبادئه، وعلى ما بينهم من اختلاف في الآراء فقد اتّفقوا على تكفير عليّ والحكَمَين وعثمان وطلحة والزبير وعائشة، كما اتفقوا على أنّ خلافة أبي بكر وعمر خلافة شرعيّة تعبّر عن رأي الأُمّة ورغبة المجموع، ومِن هنا يمكن أنْ نقول: أنْ المصدر الصحيح الذي تستمدّ منه السلطة الحاكمة نفوذها وقوّتها وشرعيّة تصرّفاتها هو الشعب وحده عندهم؛ لأنّهم اعتمدوا في شرعية خلافة أبي بكر وعمر على رضا الشعب ورغبته الأكيدة بها، ولكنّهم قد أضافوا إلى رضا الشعب ورغبته شرطاً آخر وهو الحكم بالحق والعدل، فلو اختار الشعب حاكماً وأجمع على اختياره، ولكنّه انحرف عن الحق والعدالة وجَب عزله ومحاربته.

ومِن هنا ذهبوا إلى تكفير عليّ وعثمان، ومع أنّ خلافتهما كانت برأي الشعب وإرادته، وقد أضافوا إلى المبدأ الذي لابدّ منه في الحكم أمراً آخر، فادّعوا أنّ الخلافة لا تنحصر في القرشيّين ويصلح لها كلّ مسلم حرّاً كان أو عبداً، فالعبد الحبشي وغيره سَواءٌ في ذلك، ولم يعترفوا بالأحاديث المرويّة عن الرسول التي تنص على انحصار الخلافة في القرشيّين، واعتبروها من وضع القرشيين أنفسهم لفرض احتكار السلطة فيما بينهم.

ويُمكن للباحث أنْ يجد لهم مبرّراً في هذا المبدأ الذي اعتمدوه في اختيار الحاكم من جهة أنّ الإسلام لم يفرّق بين لون ولون ولا بين العرب وغيرهم، وجعل مقياس التفاضل الأعمال الصالحات، فالعبد الحبشي بنظر الإسلام أفضل من العربي القرشي إذا كان مخلصاً في إيمانه، عاملاً بما افترضه الإسلام ولو كان العربي منحدراً من أفضل القبائل العربية، وأشرفها حسباً ونسباً، وقد اعتبر جماعة من الكتّاب هذه الفكرة خروجاً على المبدأ الذي اعتمد عليه القرشيّون في اختيار الحاكم، وأيّدوه بما جاء عن الرسول من انحصار الخلافة في القرشيّين، مع أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي وضَع نواة هذه الفكرة التي نادى بها الخوارج؛ ذلك أنّه في الأيّام الأخيرة من حياته وهو يستعرض من يصلح للخلافة من بعده قال: لو كان سالم مولى حذيفة حيّاً ما عدَوته، قال ذلك: وفي المسلمين عليّ بن أبي

٣٧

طالب (عليه السلام) وغيره من أعيان المسلمين (1) ، فقد سبَق إلى هذه الفكرة الخوارج بأكثر من عشرين عاماً ولكن الخوارج قد جعلوها موضع التنفيذ، فاختاروا عبد الله بن وهَب الراسبي أحد زعمائهم وجعلوه أميراً عليهم وجاهدوا معه؛ لتحقيق أهدافهم التي كانوا ينادون بها، وأضافوا إلى المبدأين السابقين مبادئ أُخرى، منها أنّ المختار للخلافة لا حقَّ له بالتنازل عنها مهما كانت الظروف فالحقّ للأُمّة وحدها في عزله أو قتله إذا انحرف أو غيّر وبدّل، وعلى أساس هذا المبدأ كفّروا عليّاً (عليه السلام)؛ لأنّه تنازل عن إمارة المؤمنين على حدِّ زعمهم في الوثيقة التي كتبت بينه وبين معاوية، لإيقاف القتال حينما اتفق الطرفان على مبدأ التحكيم.

ومنها أنّ الخلافة ليست من الضروريّات التي لابدّ منها، فإذا لم تتوفّر الشروط اللازمة في الأشخاص يمكن الاستغناء عنها؛ لأنّ حاجة الناس بعضهم إلى بعض متساوية وعلاقتهم متشابكة، وذلك ممّا يمنعهم عن الظلم ويصدّهم عن الجور وعدم الإنصاف (2) ، لقد تبلورت فكرة الخوارج واتّضحت أهدافهم بعد أنْ مضى على بدء ثورتهم شطر من الزمن، أمّا في بداية أمرهم فلم تكن لهم أهداف منظمة.

ولم تنبثق حركتهم الثورية الأُولى عن الأهداف التي برزت في العصر الأموي، ولم تذكر المراجع التاريخية شيئاً قبل خروجهم على عليّ (عليه السلام) بعد فشَل الحكمَين في التوصّل إلى حلٍّ مُرضٍ لدى الطرفين، وليس ببعيد أنْ تكون فكرة انحصار الخلافة في القرشيّين التي كان يؤمن بها القسم الأكبر من المسلمين، والتي من شأنها ملكيّتهم لها يتوارثونها جيلاً بعد جيل، هذه الفكرة كانت تحزّ في نفوس الكثيرين من العرب، ولا سيّما وقد وصلت إلى غلمان الأمويّين وفسّاقهم، وهؤلاء لم تكن لهم في النفوس تلك القداسة، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ قادة الثورة ينتمون إلى قبائل عربية لها مِن ماضيها وحاضرها ما يدعوهم إلى الطموح إليها وانتزاعها من أيدي الأمويّين، ولا أقلّ من التخلّص من سيطرة القرشيّين واستعلائهم على الناس.

والذي يؤيّد ذلك ما أورده العبادي في كتابه (صور من التاريخ الإسلامي) قال: أنّ الخوارج كانوا عرباً من قبائل تميم وحنيفة وربيعة

____________________

(1) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد مجلّد 1 ص 64.

(2) انظر العراق في ظلّ الحكم الأموي ص 63 وما بعدها.

٣٨

الذين كان لهم في الجاهلية شأنٌ كبير بين العرَب، وقد اعتنقوا الإسلام لإعجابهم بمبادئه الديمقراطية، وأبلوا في الفتوح بلاءً عظيماً، وطمعوا في مجدٍ جديد يضيفونه إلى مجدهم التليد، ولكنّهم غلبوا على أمرهم، واستأثرت ارستقراطية مكّة والمدينة فأعادوا حركة الردّة ولكن في صورة إسلامية، وبدأ هذا في موقفهم من التحكيم؛ ويؤيّد ذلك أنّهم على اختلاف فِرقهم مجمعون على أنّ الخلافة ليست حقّاً للقرشيّين وحدهم، وإنّما هي حقٌّ للأفضل من جميع المسلمين على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، وقد هيّأ لهم هذا المبدأ الأنصار والأتباع من الموالي وغيرهم ممّن انضموا إليهم في حركاتهم في وجه الأمويّين والعبّاسيّين، هذا بالإضافة إلى أنّ أكثرهم كانوا من عرب البادية الذين دخلوا في الإسلام على فقرهم وسذاجة تفكيرهم.

ومع أنّ الإسلام قد احتل جانباً من نفوسهم وقلوبهم، إلاّ أنّهم لم يتجرّدوا من النزعات القبلية وظلّت معهم تسيطر عليهم وتسيرهم أحياناً من حيث لا يشعرون، وهم بحكم طبيعتهم لم يتعوّدوا الخضوع للسلطان ولم يألفوا الحكم المفروض عليهم أنْ يعيشوا في ظلّه خاضعين لأنظمته وقوانينه؛ ولذا فإنّهم لا يرون وجود الحاكم من الضرورات الملحّة كما ذكرنا سابقاً؛ لأنّ تشابك الناس بالمصالح والأغراض يحتّم عليهم التناصف والتحابب، فالحاكم عندهم ليس من الضرورات التي لابدّ منها.

وهذه النظرية مستمدّة من طبيعتهم؛ لأنّهم لم يعتادوا الخضوع للحاكم، وعلى الأخص تلك الحكومات التي تعاقبت في العصر الأموي والتي كانت تنظر إلى سائر الفئات والأجناس نظرة احتقار وازدراء، ويتمثّل ذلك فيما جاء عن بعض ملوكهم (ألا وأنّ السواد بستانٌ لقريش)، فهذه الكلمة تعبّر عن مدى استغلال الأمويّين إلى جميع العناصر والألوان واستئثارهم بخيرات الأرض، وتسخيرهم للطبَقات الكادحة لمصالحهم وأهوائهم.

ومهما كان الحال فقد اختلفت آراء الكتّاب القدامى والمحدّثين في تعليل ظهور الخوارج وصمودهم في وجه الشدائد والضربات القاسية وعلى الأخص في العصر الأموي، فبعضهم يؤكّد ما ذكرناه، بينما يرى آخرون أنّ مردّ ذلك هو تشدّدهم في الدين الناتج عن جهلهم في المبادئ الإسلامية، فقد فسّروا الدين حسب أفهامهم واجتهاداتهم معتمدين على تفكيرهم الساذج، واعتبروا أنفسهم أنّهم المسلمون دون سِواهم، وأوجبوا جهاد مَن خالفهم حتى يعودوا إلى حظيرة الدين ويعملوا بفروعه، بالإضافة إلى

٣٩

إيمانهم بأُصوله وبجانب آرائهم السياسية التي بدأت تظهر وتتبلور كلّما اتسعت حركتهم وامتد نفوذهم، بجانب ذلك، ظهَرت لهم آراء في الدين تناولوا فيها الأصول والفروع، ولكنّها سطحية ساذجة لم يعتمدوا فيها على البحث والدراسة لنصوص الكتاب والسنّة، ولا على آراء الصحابة والعلماء الذين عاصروهم؛ لذا فإنّ المتتبّع في آرائهم وفتاويهم يراهم يتخطّون الأُصول التي اتبعها القرآن والرسول، والأساليب التي اتّبعها المسلمون في مقام التشريع واستنباط الأحكام، ويبدو ذلك واضحاً من آرائهم في بعض الأصول والفروع كما أوردها كتاب الفرق والمذاهب الإسلامية وإلى القرّاء أمثلة من آرائهم وتشريعاتهم:

لقد اتّفقوا بجميع فِرَقهم على تكفير مرتكب الكبيرة من الذنوب، وأنّ فاعلها يخلد في النار، ولم يُنسب الخلاف لأحدٍ منهم إلاّ للنجدات، أتباع نجدة بن عامر الحنفي (1)، وكان يرى أنّ الدين أمران: معرفة الله ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله جملة، وتحريم دماء المسلمين وأموالهم، وما سِوى ذلك فالناس معذورون فيه بجهالتهم حتى تقوم عليهم الحجّة، وأضافوا إلى ذلك: أنّ مَن خاف العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام فهو كافر، ومَن تثاقل عن الهجرة إليهم فهو منافق، واستحلّوا دماء وأموال المقيمين في دار التقيّة وهم الذين لم يهاجروا إليهم تقية، وحرّموا أموال وأعراض موافقيهم ولو كانوا ممّن وجَب إقامة الحدِّ عليهم لجناية أو سرقة، كما ادعوا بأنّ الإصرار على الذنب كبيراً كان أو صغيراً يُوجب الشرك، ومَن زنى وفعل جميع المنكرات والكبائر غير مصرٍّ عليها لا يخرج عن الإسلام، بينما يرى الأزارقة أنّ كلّ كبيرة توجب الكفر، وأنّ جميع مخالفيهم كفّار، ولا حدّ على مَن قذَف المحصنين من الرجال، وأنّ أطفال المشركين يدخلون النار مع آبائهم (2)، ويذهب العطوية المنتسبون

____________________

(1) خرج نجدة مع جماعته من اليمامة قاصداً الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، فاستقبلهم جماعة من أتباع نافع وأخبروا نجدة بما أحدثه من أعمال لا ترضيهم وأنّهم برِئوا منه، فبايعوا نجدة عليهم وقد أرسل ابنه مع جماعة منهم إلى القطيف فقتَل جماعة من رجالهم واستباح أموالهم ونساءهم، انظر مقالات الإسلاميّين لابن الحسَن الأشعري ج 1 ص 162.

(2) انظر المصدر السابق ص 165.

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

ثم قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا، إن لله بابا في السماء الدنيا يقال له: باب الرحمة، وباب التوبة، وباب الحاجات، وباب التفضل، وباب الاحسان، وباب الجود، وباب الكرم، وباب العفو، ولا يجتمع بعرفات أحد إلا استأهل من الله في ذلك الوقت هذه الخصال، وإن لله عزّوجلّ مائة ألف ملك، مع كل ملك مائة وعشرون ألف ملك، ولله رحمة على أهل عرفات ينزلها على أهل عرفات، فإذا انصرفوا أشهد الله ملائكته بعتق أهل عرفات من النار، وأوجب الله عزّوجلّ لهم الجنة، ونادى مناد: انصرفوا مغفورين، فقد أرضيتموني ورضيت عنكم.

قال اليهودي: صدقت يا محمّد، فأخبرني عن العاشرة، عن سبع خصال أعطاك الله من بين النبيين، وأعطى امتك من بين الامم.

فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: أعطاني الله عزّوجلّ فاتحة الكتاب، والاذان، والجماعة في المسجد، ويوم الجمعة، والاجهار في ثلاث صلوات، والرخصة لامتي عند الامراض والسفر، والصلاة على الجنائز، والشفاعة لاصحاب الكبائر من أمتي. قال اليهودي: صدقت يا محمّد، فما جزاء من قرأ فاتحة الكتاب؟

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من قرأ فاتحة الكتاب أعطاه الله بعدد كل آية أنزلت من السماء، فيجزى بها ثوابها، وأما الاذان فإنه يحشر المؤذنون من أمتي مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأما الجماعة فإن صفوف امتي كصفوف الملائكة في السماء، والركعة في الجماعة أربع وعشرون ركعة، كل ركعة أحب إلى الله عزّوجلّ من عبادة أربعين سنة، وأما يوم الجمعة فيجمع الله فيه الاولين والآخرين للحساب، فما من مؤمن مشى إلى الجماعة إلا خفف الله عزّوجلّ عليه أهوال يوم القيامة ثم يأمر به إلى الجنة، وأما الاجهار فإنه يتباعد لهب النار منه بقدر ما يبلغ صوته، ويجوز على الصراط، ويعطى السرور حتى يدخل الجنة، وأما السادس فإن الله عزّوجلّ يخفف أهوال يوم القيامة لامتي، كما ذكر الله عزّوجلّ في القرآن، وما من مؤمن يصلي على الجنائز إلا أوجب الله له الجنة، إلا أن يكون منافقا أو عاقا، وأما شفاعتي فهي لاصحاب الكبائر، ما خلا أهل الشرك والظلم!

٢٦١

قال: صدقت يا محمّد وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، خاتم النبيين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين.

فلما أسلم وحسن إسلامه أخرج رقا أبيض، فيه جميع ما قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق نبيا، ما استنسختها إلا من الالواح التي كتبها الله عزّوجلّ لموسى بن عمران عليه السلام، ولقد قرأت في التوراة فضلك حتى شككت فيها يا محمّد، ولقد كنت أمحو اسمك منذ أربعين سنة من التوراة، كلما محوته وجدته مثبتا فيها، ولقد قرأت في التوراة أن هذه المسائل لا يخرجها غيرك، وأن في الساعة التي ترد عليك فيها هذه المسائل يكون جبرئيل عن يمينك، وميكائيل عن يسارك، ووصيك بين يديك.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: صدقت، هذا جبرئيل عن يميني، وميكائيل عن يساري، ووصيي عليّ بن أبي طالب عليه السلام بين يدي، فآمن اليهودي وحسن إسلامه(١) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله الطاهرين

______________

(١) الخصال: ٣٥٥/٣٦ « قطعة منه »، الاختصاص: ٣٣ « نحوه »، بحار الانوار ٩: ٢٩٤/٥.

٢٦٢

[ ٣٦ ]

المجلس السادس والثلاثون

مجلس يوم الثلاثاء

السادس والعشرين من المحرم سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٢٨٠/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن أحمد الدقاق رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن هارون الصوفي، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى الحبال الطبري، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين الخشاب، قال: حدّثنا محمّد بن محصن، عن يونس بن ظبيان، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، قال: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى داود عليه السلام ما لي أراك وحدانا؟ قال: هجرت الناس وهجروني فيك. قال: فما لي أراك ساكتا؟ قال: خشيتك أسكتتني. قال: فما لي أراك نصبا(١) ؟ قال: حبك أنصبني. قال: فما لي أراك فقيرا وقد أفدتك؟ قال: القيام بحقك أفقرني. قال: فما لي أراك متذللا؟ قال: عظيم جلالك الذي لا يوصف ذللني، وحق ذلك لك يا سيدي.

قال الله جل جلاله: فأبشر بالفضل مني، فلك ما تحب يوم تلقاني، خالط الناس، وخالقهم بأخلاقهم، وزايلهم في أعمالهم، تنل ما تريد مني يوم القيامة.

وقال الصادق عليه السلام: أوحى الله عزّوجلّ إلى داود عليه السلام: يا داود، بي

______________

(١) النصب: التعب.

٢٦٣

فافرح، وبذكر فتلذذ، وبمناجاتي، فتنعم، فعن قريب أخلي الدار من الفاسقين، وأجعل لعنتي على الظالمين(١) .

٢٨١/٢ - قال يونس بن ظبيان: وحدثني الصادق: عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن أميرالمؤمنين عليه السلام، قال: لما أراد الله تبارك وتعالى قبض روح إبراهيم عليه السلام، أهبط إليه ملك الموت، فقال: السلام عليك يا أبراهيم. قال: وعليك السلام يا ملك الموت: أداع أم ناع؟ قال: بل داع يا إبراهيم. فأجب. قال إبراهيم عليه السلام: فهل رأيت خليلا يميت خليله؟ قال: فرجع ملك الموت حتى وقف بين يدي الله جل جلاله، فقال: إلهي قد سمعت ما قال خليلك إبراهيم. فقال الله جل جلاله: يا ملك الموت، اذهب إليه وقل له: هل رأيت حبيبا يكره لقاء حبيبه؟ إن الحبيب يحب لقاء حبيبه(٢) .

٢٨٢/٣ - حدّثنا أحمد بن محمّد الصائغ العدل، قال: حدّثنا عيسى بن محمّد العلوي، قال: حدّثنا أبوعوانة، قال: حدّثنا محمّد بن سليمان بن بزيع الخزاز، قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن سلام بن أبي عمرة الخراساني، عن معروف بن خربوذ المكي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا حذيفة، إن حجة الله عليكم بعدي عليّ بن أبي طالب، الكفر به كفر بالله، والشرك به شرك بالله، والشك فيه شك في الله، والالحاد فيه إلحاد في الله، والانكار له إنكار لله، والايمان به إيمان بالله، لانه أخو رسول الله، ووصيه، وإمام امته ومولاهم، وهو حبل الله المتين، وعروته الوثقى التي لا انفصام لها، وسيهلك فيه اثنان ولا ذنب له: محب غال، ومقصر.

يا حذيفة: لا تفارقن عليا فتفارقني، ولا تخالفن عليا فتخالفني، إن عليا مني

______________

(١) قصص الانبياء للراوندي: ١٩٩/٢٥٤، بحار الانوار ١٤: ٣٤/٣.

(٢) علل الشرائع: ٣٦/٩، بحار الانوار ١٢: ٧٨/٧.

٢٦٤

وأنا منه، من أسخطه فقد أسخطني، ومن أرضاه فقد أرضاني(١) .

٢٨٣/٤ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رحمه الله، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن المفضل بن صالح، عن جابر ابن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، قال: إن موسى بن عمران عليه السلام قال: يا رب، رضيت بما قضيت، تميت الكبير وتبقي الطفل الصغير، فقال الله جلاله: يا موسى، أما ترضاني لهم رازقا وكفيلا؟ قال: بلى يا رب، فنعم الوكيل أنت، ونعم الكفيل(٢) .

٢٨٤/٥ - حدّثنا عليّ بن أحمد الدقاق رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن هارون الصوفي، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى الحبال الطبري، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين الخشاب، قال: حدّثنا محمّد بن محصن بن عيسى، عن يونس بن ظبيان، قال: قال الصادق عليه السلام: إن الله عزّوجلّ أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: إن أحببت أن تلقاني غدا في حظيرة القدس، فكن في الدنيا وحيدا غريبا مهموما محزونا مستوحشا من الناس، بمنزلة الطير الواحد الذي يطير في أرض القفار، ويأكل من رؤوس الاشجار، ويشرب من ماء العيون، فإذا كان الليل أوى وحده، ولم يأو مع الطيور، استأنس بربه واستوحش من الطيور(٣) .

٢٨٥/٦ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سيف، عن سلام بن غانم، عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: من قال حين يأوي إلى فراشه: لا إله إلا الله، مائة مرة بنى الله له بيتا في الجنة، ومن استغفر حين يأوي إلى فراشه مائة مرة تحاتت ذنوبه كما يسقط

______________

(١) بحار الانوار ٣٨: ٩٧/١٤.

(٢) بحار الانوار ٧١: ١٣٤/١٠.

(٣) بحار الانوار ٧٠: ١٠٨/١.

٢٦٥

ورق الشجر(١) .

٢٨٦/٧ - قال الحسين بن سيف: حدثني أخي عليّ بن سيف، عن أبيه سيف ابن عميرة، عن الحسن بن الصباح، قال: حدثني أنس بن مالك، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: قال: كل جبار عنيد من أبى أن يقول لا إله إلا الله(٢) .

٢٨٧/٨ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن سلمة بن الخطاب، عن إبراهيم بن محمّد، عن عمران الزعفراني، عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: ما من رجل دعا فختم دعاءه يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، إلا اجيب صاحبه(٣) .

٢٨٨/٩ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدثني سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: إن ملكا من الملائكة مر برجل قائم على باب دار، فقال له الملك: يا عبدالله، ما يقيمك على باب هذه الدار؟ قال: أخ لي فيها، أردت أن اسلم عليه. فقال الملك: هل بينك وبينه رحم ماسة، أو نزعتك إليه حاجة؟ قال: فقال: لا، ما بيني وبينه قرابة، ولا نزعتني إليه حاجة إلا أخوة الاسلام وحرمته، وأنا أتعاهده واسلم عليه في الله رب العالمين. فقال الملك: إني رسول الله إليك، وهو يقرئك السلام ويقول: إنما إياي أردت، ولي تعاهدت، وقد أوجبت لك الجنة، واعفيتك من غضبي، وأجرتك من النار(٤) .

٢٨٩/١٠ - حدّثنا أحمد بن هارون الفامي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن

______________

(١) ثواب الاعمال: ٤، الخصال: ٥٩٤/٦، بحار الانوار ٨٧: ١٧٥.

(٢) ثواب الاعمال: ٦، التوحيد: ٢٠/٩، بحار الانوار ٣: ٥/١١، و ٩٣: ١٩٢/١.

(٣) ثواب الاعمال: ٩، بحار الانوار ٩٣: ٣٠٨/٦، وفي ثواب الاعمال: اجيبت حاجته.

(٤) ثواب الاعمال: ١٧١، الاختصاص: ٢٢٤ « نحوه » أمالي الطوسي: ٥٩٦/١٢٣٦ « نحوه »، بحار الانوار ٧٤: ٣٥١/١٩، و: ٣٥٤/٣٠.

٢٦٦

عبدالله بن جعفر الحميري، قال: حدثني أبي، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام: أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: إن الله تبارك وتعالى إذا رأى أهل قرية قد أسرفوا في المعاصي وفيها ثلاثة نفر من المؤمنين ناداهم جل جلاله وتقدست أسماؤه: يا أهل معصيتي، لولا من فيكم من المؤمنين المتحابين بجلالي، العامرين بصلاتهم أرضي ومساجدي، والمستغفرين بالاسحار خوفا مني، لانزلت بكم عذابي ثم لا أبالي(١) .

٢٩٠/١١ - وبهذا الاسناد، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن(٢) .

٢٩١/١٢ - حدّثنا عليّ بن الحسين بن شاذويه المؤدب رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله بن جعفر بن جامع، عن أبيه، قال: حدثني يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه عليّ بن الحسين سيد العابدين، عن أبيه الحسين بن عليّ سيد الشهداء، عن أبيه عليّ بن أبي طالب سيد الاوصياء عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من صلى علي ولم يصل على آلي، لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام(٣) .

٢٩٢/١٣ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رحمه الله، قال: حدّثنا أبي، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ويعقوب بن يزيد ومحمّد بن أبي الصهبان، جميعا، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: إن أعرابيا أتى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فخرج إليه

______________

(١) علل الشرائع: ٥٢٢/٣، بحار الانوار ٧٤: ٣٩٠/١.

(٢) الخصال: ٤٧/٤٩، بحار الانوار ٧١: ٢٥٩/١.

(٣) بحار الانوار ٩٤: ٥٦/٢٩.

٢٦٧

في رداء ممشق(١) ، فقال: يا محمّد، لقد خرجت إلي كأنك فتى! فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: نعم يا أعرابي، أنا الفتى بن الفتى أخو الفتى.

فقال: يا محمّد، أما الفتى فنعم، فكيف ابن الفتى، وأخو الفتى؟ فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: أما سمعت الله عزّوجلّ يقول:( قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) (٢) فأنا ابن إبراهيم، وأما أخو الفتى فإن مناديا نادى من السماء يوم أحد: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي، فعلي أخي وأنا أخوه(٣) .

٢٩٣/١٤ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبدالله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن يحيى بن أبي القاسم، عن الصادق جعفر ابن محمّد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: كتب رجل إلى الحسين بن عليّ عليه السلام: يا سيدي، أخبرني بخير الدنيا والآخرة. فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإنه من طلب رضا الله بسخط الناس كفاه الله أمور الناس، ومن طلب رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، والسلام(٤) .

٢٩٤/١٥ - حدّثنا الحسن بن محمّد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله ابن الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال: حدثني يحيى بن الحسين(٥) بن جعفر، قال: حدثني شيخ من أهل اليمن يقال له عبدالله بن محمّد، قال: سمعت عبد الرزاق يقول: جعلت جارية لعليّ بن الحسين عليهما السلام تسكب الماء عليه وهو يتوضأ للصلاة، فسقط الابريق من يد الجارية على وجهه فشجه، فرفع علي

______________

(١) الممشق: المصبوغ بالمشق، أي المغرة، وهي لون يميل إلى الحمرة.

(٢) الانبياء ٢١: ٦٠.

(٣) معاني الاخبار: ١١٩/١، بحار الانوار ٤٢: ٦٤/٦.

(٤) بحار الانوار ٧١: ٣٧١/٣.

(٥) كذا في النسخ، والظاهر الحسن، إذ أكثر روايات الحسن بن محمّد بن يحيى هي عند جده يحيى بن الحسن ابن جعفر.

٢٦٨

ابن الحسين عليهما السلام رأسه إليها، فقالت الجارية: إن الله عزّوجلّ يقول:( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ) . فقال لها: قد كظمت غيظي، قالت:( وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ) . قال: قد عفا الله عنك. قالت:( وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (١) . قال: اذهبي فأنت حرة(٢) .

٢٩٥/١٦ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عن إسماعيل بن مسلم، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه عن جده، عن الحسين بن عليّ عليهما السلام، قال: سمعت جدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول لي: اعمل بفرائض الله تكن أتقى الناس، وأرض بقسم الله تكن أغنى الناس، وكف عن محارم الله تكن أورع الناس، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا، وأحسن مصاحبة من صاحبك تكن مسلما(٣) .

٢٩٦/١٧ - حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور رحمه الله، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن عمه عبدالله بن عامر، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن أول درهم ودينار ضربا في الارض نظر إليهما إبليس، فلما عاينهما أخذهما فوضعهما على عينيه، ثم ضمهما إلى صدره، ثم صرخ صرخة، ثم ضمهما إلى صدره، ثم قال: أنتما قرة عيني وثمرة فؤادي، ما أبالي من بني آدم إذا أحبوكما أن لا يعبدوا وثنا، وحسبي من بني آدم أن يحبوكما(٤) .

٢٩٧/١٨ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبي عبدالله البرقي رحمه الله، قال: حدّثنا أبي، عن جده أحمد بن أبي عبدالله، عن إسماعيل بن

______________

(١) آل عمران ٣: ٣٤.

(٢) بحار الانوار ٤٦: ٦٧/٣٦، و ٧١: ٤١٣/٣٠، و ٨٠: ٣٢٩/١.

(٣) أمالي المفيد: ٣٥٠/١، أمالي الطوسي: ١٢٠/١٨٧، بحار الانوار ٦٩: ٣٦٨/٤، و ٧١: ٢٠٦/١٢، و ٧٧: ١١٤/٦.

(٤) بحار الانوار ٧٣: ١٣٧/٣.

٢٦٩

مهران، عن عبيس بن هشام، عن غير واحد، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، قال: قراء القرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة واستجر به الملوك وأستطال به على الناس، ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيع حدوده، ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه، وأسهر به ليله، وأظمأ به نهاره، وقام به في مساجده، وتجافى به عن فراشه، فبأولئك يدفع الله عزّوجلّ البلاء، وبأولئك يديل الله من الاعداء، وبأولئك ينزل الله الغيث من السماء، والله لهؤلاء في قراءة القرآن أعز من الكبريت الاحمر(١) .

٢٩٨/١٩ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن الحسن بن محبوب، عن مالك ابن عطية، عن ضريس الكناسي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن آبائه عليهم السلام: أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مر برجل يغرس غرسا في حائط له، فوقف عليه، فقال: ألا أدلك على غرس أثبت أصلا وأسرع إيناعا وأطيب ثمرا وأبقى إنفاقا؟ قال: بلى، فداك أبي وامي يا رسول الله. فقال: إذا أصبحت وأمسيت فقل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. فإن لك بذلك إن قلته بكل تسبيحة عشر شجرات في الجنة من أنواع الفاكهة، وهن من الباقيات الصالحات(٢) .

قال: فقال الرجل: أشهدك يا رسول الله، أن حائطي هذه صدقة مقبوضة على فقراء المسلمين من أهل الصفة(٣) ، فأنزل الله تبارك وتعالى:( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ) (٤) .

______________

(١) بحار الانوار ٩٢: ١٧٨/٤.

(٢) المحاسن: ٣٧/٣٨.

(٣) الصفة: مكان مظلل في مسجد المدينة، كان يأوي إليه فقراء المهاجرين ويرعاهم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وهم أهل الصفة.

(٤) الكافي ٢: ٣٦٧/٤، بحار الانوار ٢٢: ١٢٢/٩٠، و ٨٦: ٢٥٧/٢٧، ٩٣: ١٦٧/٢، والآية في سورة الليل ٩٢: ٥ - ٧.

٢٧٠

٢٩٩/٢٠ - حدّثنا محمّد بن عليّ ما جيلويه رحمه الله قال: حدثني عمي محمّد ابن أبي القاسم، عن محمّد بن عليّ الكوفي، عن عليّ بن عثمان، عن محمّد بن الفرات، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن عليّ بن أبي طالب عليه السلام خليفة الله وخليفتي، وحجة الله وحجتي، وباب الله وبابي، وصفي الله وصفيي، وحبيب الله وحبيبي، وخليل الله وخليلي، وسيف الله وسيفي، وهو أخي وصاحبي ووزيري ووصيي، محبه محبي، ومبغضه مبغضي، ووليه وليي، وعدوه عدوي، وحربه حربي وسلمه سلمي، وقوله قولي، وأمره أمري، وزوجته ابنتي، وولده ولدي، وهو سيد الوصيين، وخير أمتي أجمعين(١) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله

______________

(١) بشارة المصطفى: ٣١، بحار الانوار ٣٨: ١٣٧/٩٦.

٢٧١

[ ٣٧ ]

المجلس السابع والثلاثون

مجلس يوم الجمعة

سلخ المحرم من سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٣٠٠/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين بن شاذويه المؤدب رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله بن جعفر بن جامع الحميري، عن أبيه، قال: حدثني يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمر، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما مضى لعيسى عليه السلام ثلاثون سنة، بعثه الله عزّوجلّ إلى بني إسرائيل، فلقيه إبليس (لعنه الله) على عقبة بيت المقدس، وهي عقبة أفيق(١) ، فقال الله يا عيسى أنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أن تكونت من غير أب؟ قال عيسى عليه السلام: بل العظمة للذي كونني، وكذلك كون آدم وحواء.

قال إبليس: يا عيسى، فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تكلمت في المهد صبيا؟ قال عيسى عليه السلام: يا إبليس. بل العظمة للذي أنطقني في صغري ولو شاء لابكمني.

______________

(١) أفيق: قرية من حوران في طريق الغور في أول العقبة المعروفة بعقبة أفيق، والعامة تقول: فيق « معجم البلدان ١: ٢٣٣ ».

٢٧٢

قال إبليس: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تخلق من الطين كهيئة الطير، فتنفخ فيه فيصير طيرا؟ قال عيسى عليه السلام: بل العظمة للذي خلقني وخلق ما سخر لي.

قال إبليس: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تشقي المرضى؟ قال عيسى عليه السلام: بل العظمة للذي بإذنه أشفيهم، وإذا شاء أمرضني.

قال إبليس: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحيي الموتى؟ قال عيسى عليه السلام: بل العظمة للذي بإذنه أحييهم، ولا بد من أن يميت ما أحييت، ويميتني.

قال إبليس: يا عيسى، فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تعبر البحر فلا تبتل قدماك ولا ترسخ فيه؟ قال عيسى عليه السلام: بل العظمة للذي ذلله لي ولو شاء أغرقني. قال إبليس: يا عيسى، فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنه سيأتي عليك يوم تكون السماوات والارض ومن فيهن دونك، وأنت فوق ذلك كله تدبر الامر وتقسم الارزاق؟ فأعظم عيسى عليه السلام ذلك من قول إبليس الكافر اللعين، فقال عيسى عليه السلام: سبحان الله ملء سماواته وأرضيه، ومداد كلماته، وزنة عرشه، ورضا نفسه. قال: فلما سمع إبليس (لعنه الله) ذلك ذهب على وجهه لا يملك من نفسه شيئا حتى وقع في اللجة الخضراء.

قال ابن عباس، فخرجت امرأة من الجن تمشي على شاطئ البحر، فإذا هي بإبليس ساجدا على صخرة صماء تسيل دموعه على خدية، فقامت تنظر إليه تعجبا، ثم قالت له: ويحك يا إبليس، ما ترجو بطول السجود؟ فقال لها: أيتها المرأة الصالحة، ابنة الرجل الصالح، أرجو إذا أبر ربي عزّوجلّ قسمه، وأدخلني نار جهنم، أن يخرجني من النار برحمته(١) .

٣٠١/٢ - حدّثنا أحمد بن هارون الفامي، قال حدّثنا محمّد بن عبدالله بن جعفر بن جامع، عن أبيه، عن إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن أبي عمير، عن إبراهيم

______________

(١) بحار الانوار ١٤: ٢٧٠/١، و ٦٣: ٢٣٩/٨٣.

٢٧٣

ابن زياد الكرخي، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: إذا كان يوم القيامة نشر الله تبارك وتعالى رحمته حتى يطمع إبليس في رحمته(١) .

٣٠٢/٣ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن عبدالله بن عثمان، عن الحسين بن مهران، عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: من أساء خلقه عذب نفسه(٢) .

٣٠٣/٤ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السعد آبادي، قال: حدّثنا أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن محمّد ابن أبي عمير، عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، قال: من قسم له الخرق(٣) حجب عنه الايمان(٤) .

٣٠٤/٥ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا عباد بن سليمان، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه سليمان الديلمي، عن عمير بن الحارث، عن عمران بن ميثم، عن أبي سخيلة، قال: أتيت أباذر رحمه الله فقلت: يا أباذر، إني قد رأيت اختلافا، فبماذا تأمرني؟ قال: عليك بهاتين الخصلتين: كتاب الله، والشيخ علي ابن أبي طالب عليه السلام، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: هذا أول من آمن بي، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو الصديق الاكبر، وهو الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل(٥) .

٣٠٥/٦ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبي عبدالله البرقي رحمه الله، قال: حدثني أبي، عن جده أحمد بن أبي عبدالله، عن أبيه، عن محمّد

______________

(١) بحار الانوار ٧: ٢٨٧/١، و ٦٣: ٢٣٦/٧٧.

(٢) بحار الانوار ٧٣: ٢٩٦/٢.

(٣) الخرق: الجهل والحمق.

(٤) الكافي ٢: ٢٤٢/١، بحار الانوار ٧٣: ٣٩٨/٤.

(٥) بحار الانوار ٤٠: ٥/٩.

٢٧٤

ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: شكا رجل من أصحاب أميرالمؤمنين عليه السلام نساءه، فقام عليه السلام خطيبا، فقال: معاشر الناس، لا تطيعو النساء على حال، ولا تأمنوهن على مال، ولا تذروهن يدبرن أمر العيال، فإنهن إن تركن وما أردن أوردن المهالك، وعدون أمر المالك، فإنا وجدناهن لا ورع لهن عند حاجتهن، ولا صبر لهن عند شهوتهن، البذخ لهن لازم وإن كبرن، والعجب بهن لا حق وإن عجزن، لا يشكرن الكثير إذا منعن القليل، ينسين الخير ويحفظن الشر، يتهافتن بالبهتان، ويتمادين بالطغيان، ويتصدين للشيطان، فداروهن على كل حال، وأحسنوا لهن المقال، لعلهن يحسن الفعال(١) .

٣٠٦/٧ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عبدالله بن عبد الرحمن الاصم، عن عبدالله البطل، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذات يوم وهو آخذ بيد عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وهو يقول: يا معشر الانصار، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبد المطلب، أنا محمّد رسول الله، ألا إني خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي: أنا وعلي، وحمزة وجعفر.

فقال قائل: يا رسول الله: هؤلاء معك ركبان يوم القيامة؟ فقال: ثكلتك أمك، إنه لن يركب يومئذ إلا أربعة: أنا، وعلي، وفاطمة، وصالح نبي الله، فأما أنا فعلى البراق، وأما فاطمة ابنتي فعلى ناقتي العضباء، وأما صالح فعلى ناقة الله التي عقرت، وأما علي فعلى ناقة من نوق الجنة، زمامها من ياقوت، عليه حلتان خضراوان، فيقف بين الجنة والنار، وقد ألجم الناس العرق يومئذ، فتهب ريح من قبل العرش، فتنشف عنهم عرقهم، فيقول الملائكة المقربون والانبياء والصديقون: ما هذا إلا ملك مقرب أو نبي مرسل. فينادي مناد من قبل العرش: معشر الخلائق، إن هذا ليس بملك مقرب ولا نبي

______________

(١) علل الشرائع: ٥١٢/١، بحار الانوار ١٠٣: ٢٢٣/١.

٢٧٥

مرسل، ولكنه عليّ بن أبي طالب، أخو رسول الله في الدنيا والآخرة(١) .

٣٠٧/٨ - حدّثنا عليّ بن أحمد رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبدالله الكوفي، عن سهل بن زياد الآدمي، عن عبد العظيم بن عبدالله الحسني، عن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، قال: لما كلم الله عزّوجلّ موسى بن عمران عليه السلام، قال موسى: إلهي، ما جزاء من شهد أني رسولك ونبيك، وأنك كلمتني؟ قال: يا موسى، تأتيه ملائكتي فتبشره بجنتي.

قال موسى عليه السلام: إلهي، فما جزاء من قام بين يديك يصلي؟ قال: يا موسى، أباهي به ملائكتي راكعا وساجدا، وقائما وقاعدا، ومن باهيت به ملائكتي لم أعذبه.

قال موسى عليه السلام: إلهي، فما جزاء من أطعم مسكينا ابتغاء وجهك؟ قال: يا موسى، آمر مناديا ينادي يوم القيامة على رؤوس الخلائق: إن فلان بن فلان من عتقاء الله من النار.

قال موسى عليه السلام: إلهي، فما جزاء من وصل رحمه؟ قال: يا موسى، أنسأ(٢) له أجله، وأهون عليه سكرات الموت، ويناديه خزنة الجنة: هلم إلينا فادخل من أي أبوابها شئت.

قال موسى عليه السلام: إلهي، فما جزاء من كف أذاه عن الناس وبذل معروفه لهم؟ قال: يا موسى، تناديه النار يوم القيامة: لا سبيل لي عليك.

قال: إلهي، فما جزاء من ذكرك بلسانه وقلبه؟ قال: يا موسى، أظله يوم القيامة بظل عرشي، وأجعله في كنفى.

قال: إلهي، فما جزاء من تلا حكمتك سرا وجهرا؟ قال: يا موسى، يمر على الصراط كالبرق.

______________

(١) بحار الانوار ١١: ٣٨٠/٦.

(٢) نسا الشئ: أخره.

٢٧٦

قال: إلهي، فما جزاء من صبر على أذى الناس وشتمهم فيك؟ قال: أعينه على أهوال يوم القيامة.

قال: إلهي، فما جزاء من دمعت عيناه من خشيتك؟ قال: يا موسى، أقي وجهه من حر النار، وأومنه يوم الفزع الاكبر.

قال: إلهي، فما جزاء من ترك الخيانة حياء منك؟ قال: يا موسى، له الامان يوم القيامة.

قال: إلهي، فما جزاء من أحب أهل طاعتك؟ قال: يا موسى، أحرمه على ناري.

قال: إلهي، فما جزاء من قتل مؤمنا متعمدا؟ قال: لا أنظر إليه يوم القيامة، ولا أقيل عثرته.

قال: إلهي، فما جزاء من دعا نفسا كافرة إلى الاسلام؟ قال: يا موسى، آذن له في الشفاعة يوم القيامة لمن يريد.

قال: إلهي، فما جزاء من صلى الصلوات لوقتها، قال: أعطيه سؤله، وأبيحه جنتي.

قال: إلهي، فما جزاء من أتم الوضوء من خشيتك، قال: أبعثه يوم القيامة وله نور بين عينيه يتلالا.

قال: إلهي، فما جزاء من صام شهر رمضان لك محتسبا؟ قال: يا موسى، أقيمه يوم القيامة مقاما لا يخاف فيه.

قال: إلهي، فما جزاء من صام شهر رمضان يريد به الناس؟ قال: يا موسى، ثوابه كثواب من لم يصمه(١) .

٣٠٨/٩ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: حدّثنا المغيرة بن محمّد، قال: حدّثنا بكر بن خنيس، عن أبي عبدالله الشامي، عن نوف البكالي، قال: أتيت أميرالمؤمنين (صلوات الله عليه) وهو في رحبة مسجد الكوفة، فقلت: السلام عليك يا أمير

______________

(١) بحار الانوار: ٦٩: ٣٨٣/٤٦.

٢٧٧

المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام يا نوف ورحمة الله وبركاته. فقلت له: يا أميرالمؤمنين، عظني. فقال: يا نوف، أحسن يحسن إليك. فقلت: زدني يا أميرالمؤمنين. فقال: يا نوف، ارحم ترحم. فقلت: زدني يا أميرالمؤمنين. قال: يا نوف، قل خيرا تذكر بخير. فقلت: زدني يا أميرالمؤمنين. قال: اجتنب الغيبة، فانها إدام كلاب النار.

ثم قال: يا نوف، كذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة، وكذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يبغضني ويبغض الائمة من ولدي، وكذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يحب الزنا، وكذب من زعب أنه يعرف الله عزّوجلّ وهو مجترئ على معاصي الله كل يوم وليلة.

يا نوف، اقبل وصيتي، لا تكونن نقيبا ولا عريفا ولا عشارا ولا بريدا.

يا نوف، صل رحمك يزيد الله في عمرك، وحسن خلقك يخفف الله حسابك.

يا نوف، إن سرك أن تكون معي يوم القيامة فلا تكن للظالمين معينا.

يا نوف، من أحبنا كان معنا يوم القيامة، ولو أن رجلا أحب حجرا لحشرة الله معه.

يا نوف، إياك أن تتزين للناس وتبارز الله بالمعاصي، فيفضحك الله يوم تلقاه.

يا نوف: احفظ عني ما أقول لك، تنل به خير الدنيا والآخرة(١) .

٣٠٩/١٠ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، قال: حدّثنا الحسين بن إسحاق التاجر، قال: حدّثنا عليّ بن مهران، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن علوان، عن زياد بن المنذر، عن بدر بن عبدالله، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: يدخل عليكم من هذا الباب خير الاوصياء، وسيد الشهداء، وأدنى الناس منزلة من الانبياء، فدخل عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: وما لي لا أقول هذا يا أبا الحسن، وأنت صاحب حوضي، والموفي بذمتي، والمؤدي عني ديني(٢) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله

______________

(١) بحار الانوار ٧٧: ٣٨٢/٩.

(٢) بحار الانوار ٣٨: ١٦/٢٥.

٢٧٨

[ ٣٨ ]

المجلس الثامن والثلاثون

مجلس يوم الثلاثاء

الرابع من صفر سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٣١٠/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن أحمد بن العباس والعباس ابن عمرو الفقيمي، قالا: حدّثنا هشام بن الحكم، عن ثابت بن هرمز، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أحمد بن عبد الحميد، عن عبدالله بن علي، قال: حملت متاعا من البصرة إلى مصر، فقدمتها، فبينما أنا في بعض الطريق إذا أنا بشيخ طوال(١) شديد الادمة أصلع أبيض الرأس واللحية، عليه طمران(٢) : أحدهما أسود، والآخر أبيض، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا بلال مؤذن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. فأخدت ألواحي وأتيته، فسلمت عليه، ثم قلت له: السلام عليك أيها الشيخ. فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قلت: رحمك الله، حدثني بما سمعت من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. قال: وما يدريك من أنا؟ فقلت: أنت بلال مؤذن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. قال: فبكى

______________

(١) أي طويل.

(٢) الطمر: الثوب الخلق البالي.

٢٧٩

وبكيت حتى اجتمع الناس علينا ونحن نبكي.

قال: ثم قال لي: يا غلام، من أي البلاد أنت؟ قلت: من أهل العراق، فقال لي: بخ بخ. فمكث ساعة، ثم قال: اكتب يا أخا أهل العراق: بسم الله الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: المؤذنون أمناء المؤمنين على صلواتهم وصومهم، ولحومهم ودمائهم، لا يسألون الله عزّوجلّ شيئا إلا أعطاهم، ولا يشفعون في شئ إلا شفعوا.

قلت: زدني رحمك الله. قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: من أذن أربعين عاما محتسبا بعثه الله يوم القيامة وله عمل أربعين صديقا، عملا مبرورا متقبلا.

قلت: زدني رحمك الله. قال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: من أذن عشرين عاما بعثه الله عزّوجلّ يوم القيامة وله من النور مثل النور السماء الدنيا.

قلت: زدني رحمك الله. قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: من أذن عشر سنين أسكنه الله عزّوجلّ مع إبراهيم في قبته، أو في درجته.

قلت: زدني رحمك الله. قال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: من أذن سنة واحدة بعثه الله عزّوجلّ يوم القيامة، وقد غفرت ذنوبه كلها بالغة ما بلغت، ولو كانت مثل زنة جبل أحد.

قلت: زدني رحمك الله. قال: نعم، فاحفظ واعمل واحتسب، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله) يقول: من أذن في سبيل الله صلاة واحدة إيمانا واحتسابا وتقربا إلى الله عزّوجلّ، غفر له ما سلف من ذنوبه، ومن عليه بالعصمة فيما بقي من عمره، وجمع بينه وبين الشهداء في الجنة.

قلت: رحمك الله حدثني بأحسن ما سمعت. قال: ويحك يا غلام، قطعت أنياط قلبي، وبكى وبكيت حتى إني والله لرحمته. ثم قال: اكتب بسم الله الرحمن

٢٨٠

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780