الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق7%

الأمالي شيخ الصدوق مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 780

الأمالي شيخ الصدوق
  • البداية
  • السابق
  • 780 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 441850 / تحميل: 8644
الحجم الحجم الحجم
الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

سبحانه، فقد أوجد للعبد قدرة على اختيار الفعل المخلوق له، وبهذه القدرة يستطيع أنْ يكسب الفعل المخلوق فيه ويستطيع أنْ لا يكسبه، فيكون مختاراً في هذا الكسب، ويستحقّ بسببها الثواب والعقاب، أمّا القدرة عند الأشعري فلا أثر لها في وجود الفعل، وإنّما تكون مقارنة لوجوده، ولذا قيل في مقام الردّ عليه، أنّ هذا لا يخرج الإنسان عن كونه مجبوراً في أفعاله، ووجود قدرة من هذا النوع عاطلة عن العمل لا يُصحّح الثواب ولا العقاب على الأفعال (1).

ومهما كان الحال فقد استدلّ القائلون بأنّ الأفعال مخلوقة لله بأمور، منها أنّ فعل العبد مقدور لله؛ لأنّ قدرته تشمل الكائنات كلّها، وما كان مقدوراً لله لابدّ وأنْ يقع بقدرة الله وحده، وإنْ وقع بقدرة العبد لزِم تعطيل قدرته تعالى، وإنْ وقَع بهما معاً، لزِم اجتماع قدرتين مؤثّرتين على مقدورٍ واحد.

والجواب أنّ مجرّد كون الفعل مقدوراً له سبحانه لا يستلزم كونه من أفعاله، إذ ليس كلّ مقدور له يجب أنْ يكون من فعله.

الثاني: لو كان العبد موجداً لأفعاله باختياره واستقلاله، لوجَب أنْ يعلم تفاصيلها، بيان ذلك أنّ الأفعال المتفاوتة كيفية وكمّية إذا صدرت من الفاعل لابدّ وأنْ تكون مقصودة له؛ لأنّ وقوع ذلك الفعل دون غيره لابدّ وأنْ يكون بالقصد إليه بخصوصه، واختياره دون غيره يتوقّف على العلم به، فصدور الأفعال يتوقّف على العلم بها مع أنّ النائم قد تصدر منه بعض الأفعال بدون أنْ يشعر بها ويدرك كمّية ذلك الفعل وكيفيّته، وكذلك قد تصدر بعض الحركات الجزئية من الإنسان من دون تصوّرٍ لها، ومن ذلك يتبيّن أنّ الفاعل هو الله لتخلّف العلم بالفعل عن الفعل بالنسبة إلى الإنسان.

والجواب أنّ إيجاد الفعل لا يستلزم العلم به، فإنّ الفاعل قد يصدر عنه الفعل بمقتضى طبيعته، كالإحراق الصادر عن النار بمقتضى طبيعتها، من غير أنْ توصف بالعلم وعدمه، والذي لابدّ من العلم معه هو إيجاد الفعل مع القصد إليه، ويكفي فيه العلم الإجمالي الحاصل بين

____________________

(1) انظر المواقف المجلّد الرابع ص 146، والمذاهب الإسلامية ص 302، وشرح التجريد ص 189.

١٨١

الابتداء بالفعل والانتهاء منه، بالنسبة إلى حركاته الجزئية التي يتكوّن منها الفعل (1).

الثالث: إنّ الإنسان لو كان موجِداً لأفعاله بقدرته واختياره لابدّ وأنْ يكون متمكّناً من فعلها وتركها، وترجيح فعلها على تركها، لابدّ وأنْ يكون لمرجّح وذلك المرجّح يجب أنْ لا يكون من العبد؛ لأنّه لو كان منه احتاج إلى مرجّح أيضاً، وهكذا فيلزم التسلسل، فلابدّ وأنْ يكون المرجّح من الله وإذا كان منه كان واجب الصدور؛ لأنّه إذا لم يجب منه الفعل مع انتهاء المرجّح إلى الله سبحانه، جاز إيجاد الفعل وعدمه فإذا أوجده الإنسان في وقتٍ دون آخر، لزِم أنْ يكون له مرجّح، اقتضى وجوده في ذلك الوقت دون غيره، فيلزم أنْ لا يكون المرجّح الأوّل تاماً ومقتضياً لوجود الفعل، وذلك يقتضي عدم كونه مرجّحاً.

والجواب أنّ الأفعال بلحاظ قدرة العبد لا تتّصف بغير الإمكان، فإذا وجِدت جميع الدواعي للفعل يكون واجباً، وهذا لا يُوجب خروج الفعل عن كونه مقدوراً؛ لأنّ كلّ قادر لابدّ من صدور الفعل عنه عند صدور دواعيه، ويجري ذلك بالنسبة إليه تعالى، ولو قلنا أنّ وجود الداعي يجعل الفعل واجباً، يلزم أنْ تكون أفعاله غير اختيارية، وقد تخلّص الأشاعرة عن هذا النقض بأنّ ترجيح الفعل على الترك لا يحتاج إلى مرجّح آخر، بل يكون بمجرّد اختيار أحد طرفَي المقدور، الذي يلازم عدَم وجود الداعي إلى الطرف الآخر، وهذا الجواب بعينه يجري في أفعال الإنسان أيضاً (2).

الرابع: لو كان الإنسان قادراً على أفعاله وموجداً لها، لزِم اجتماع قادرين على مقدورٍ واحد؛ لأنّ الله قادر على كلّ شيء، فلو كان العبد قادراً أيضاً، اجتمعت القدرتان فلو أراد العبد إيجاد فعل وأراد الله عدمه، فلو وقع مرادهما اجتمع النقيضان، وإنْ وقَع أحدهما لزِم الترجيح بدون مرجّح.

والجواب: إنّا نلتزم في مثل ذلك بوقوع مراد الله؛ لأنّ قدرته أقوى

____________________

(1) انظر المواقف ص 148 وشرح التجريد ص 190.

(2) المصدر السابق ص 190 وص 151 وما بعدها من المواقف.

١٨٢

من قدرة العبد، ولا نحتاج إلى فرضِ مرجّحٍ آخر في مثل ذلك.

ومن جملة أدلّتهم أنّه لو كان الإنسان موجِداً للإيمان، لكانت بعض أفعال العباد خيراً من فعل الله تعالى؛ لأنّه أوجد القِرَدَة والخنازير، والإيمان خيرٌ منهما.

والجواب: إنّ الإيمان إنّما كان خيراً باعتبار ما يترتّب عليه من الثواب والمدح لا باعتبار ذاته، والمدْح والثواب من فعل الله سبحانه (1).

واستدلّ المعتزلة على أنّ الأعمال من فعل العباد بأنّه إذا لم يكن الإنسان موجِداً لأفعاله، لا يصحّ التكليف بالأمر والنهي، ولا التأديب الذي وعَدَت به الشرائع والأديان ولا المدح والذم، ويلزم أنْ لا يبقى فرقٌ بين مَن أحسن ومَن أساء؛ لعدم صدور الأفعال الحسَنَة والسيّئة من العباد، ويلزم أنْ يكون الله ظالماً لعباده لأنّه خلق فيهم المعاصي وعذّبهم عليها، كما احتجّوا ببعض الآيات الكريمة الدالّة على أنّ الإنسان خالقٌ لأفعاله، ويدلّ بعضها دلالة صريحة على صدور الفعل منه مباشرة.

قال سبحانه: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ) ، ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ، ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ ) ، ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) ، كما يدلّ بعضها الآخر على أنّ المطيع سيُلاقي نتيجةَ أعماله الطيّبة والعاصي يُعاقَب بمعصيته.

قال سبحانه: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، ( الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ، ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا ) .

وفي قسم منها ما يؤكّد أنّ الإنسان يفعل باختياره من غير أنْ يكون مسيّراً لإرادة قاهرة له على العمل، قال تعالى: ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) ، ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .

وتنصّ جملة أُخرى من الآيات على اعتراف الإنسان بمعاصيه وصدورها منه بمحض اختياره، ولو كانت من فعل الله، لكان للعصاة الحجّة البالغة على الله، إذا أراد أنْ يحاسبهم على سيّئات أعمالهم، قال سبحانه: ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ) ، وفي آية

____________________

(1) انظر المصدرين السابقين.

١٨٣

أُخرى: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) ، إلى غير ذلك من النصوص القرآنية التي تُفيد بمنطوقها ولوازمها أنّ الإنسان وحده يصنع أعماله، ويقدر على خلقها وإبداعها.

وكما ذكرنا سابقاً أنّ أصحاب هذه المقالات قد وجدوا في النصوص الإسلامية ما يؤيّد آراءهم ومذاهبهم في أُصول العقائد، ولذلك فإنّهم أوّل ما يعتمدون عليها في إثبات مذاهبهم وآرائهم لإعطاء نظريّاتهم وفلسفتهم الصبغة الدينية.

وقد أضاف الأشاعرة والجهمية إلى أدلّتهم السابقة أدلّة أُخرى من الكتّاب تؤيّد مذهبهم في أفعال العباد، منها قوله تعالى: ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) وقوله: ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجاً ) ، وقوله: ( يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) ، وأمثال هذه الآيات التي لو نظرنا إليها مجرّدةً عن القرائن والملابسات المحيطة بها، لم تكن بعيدة عن هذه الفكرة، ولكن بعد التثبّت في معانيها وملاحظة سياقها ومواردها يتكشّف المراد منها ويبتعد عمّا ذهبوا إليه، هذا بالإضافة إلى أنّ الآيات التي تعارض هذا الرأي أكثر وأصرح في الدلالة على اختيار الإنسان في جميع أعماله وتصرّفاته، ولو تغاضينا عن كلّ ذلك، وافترضنا تُساوي الآيات القرآنية من حيث الدلالة على المذهبين عدداً ودلالة، فلابدّ من تأويل الطائفة التي تؤيّد بظاهرها رأي الأشاعرة؛ لأنّ تلك الطائفة تتّفق مع العقل والوجدان الحاكمَين بأنّ الإنسان هو الفاعل لإعماله.

والبرهان مهما بلَغ في قوّته ونتائجه لا يُمكن أنْ يقوى على الوجدان أو يتغلّب عليه، والإنسان يرى ويعلم من نفسه أنّه إذا أراد أمراً وانتفت الموانع عن وجوده يتحقّق منه باختياره وإرادته، ولا يرى نفسه مسيراً على عمل من أعماله.

ومُجمَل القول أنّ أصحاب هذا الرأي لم يخالفوا الوجدان وحُكم العقل فحسب، بل جوّزوا على الله الظلم والجور على عباده، مع أنّه لعن الظالمين وتوعّد الجائرين والعابثين بالعذاب والعقاب، وأيّ ظلم أفحش وأفظع من أنْ يعذّب عباده على عمل يصدر منه مباشرة أو تسبيباً، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فلو افترضنا صراحة الآيات فيما ذهبوا إليه، لابدّ مِن تأويلها بما يتناسب مع عدالة الله سبحانه ولطفه بعباده، ومع حُكم العقل الذي لا يقرّ الظلم من العباد فضلاً عن الله تعالى، كما وأنّ

١٨٤

الآيات التي استدلّ بها المعتزلة ليست صريحة في القول الذي ذهبوا إليه؛ لأنّهم يرون رأي معبد الجهمي وغيلان الدمشقي، وهما من القائلين بأنّ للإنسان الاختيار المطلق في أفعاله وأعماله (1)، لأنّها لا تدلّ على أكثر من أنّ الإنسان هو الفاعل وعنه تصدّر جميع أعماله، أمّا التفويض الكلّي المقابل للجبر فليس فيها ما يشير إلى ذلك، وقد ذكرنا أنّ القول بالجبر ليس بأسوأ حالاً من هذا القول؛ لأنّه يؤدّي إلى تعدّد الشركاء وعزل الله عن سلطانه.

أمّا الإمامية، وهم أسبَق الفرق الإسلامية السياسية والعقائدية، فقد وقفوا موقفاً وسَطاً بين المعتزلة والأشاعرة، فلَم يذهبوا إلى رأي الأشاعرة ولا إلى رأي المعتزلة وأتباعهم القدرية، فقالوا: إنّ الإنسان موجد لأفعاله، ولكن بالقدرة التي أودعها الله فيه، وبتلك القدرة بعد وجود الدواعي للفعل وانتفاء الموانع عنه يصدر الفعل من الفاعل، ويُنسب إليه مباشرةً كما يُنسب الإحراق إلى النار، في حين أنّها لا تؤثّر الإحراق إلاّ بعد اتصالها بالجسم وانتفاء الموانع عن تأثيرها فيه.

ولا يكون مجبوراً في هذه الحالة؛ لأنّ قدرته لم تتعلّق بطرفِ الوجود فقط أو بالطرف الآخر، بل هي بالنسبة إلى الطرفين متساوية، كما لا يصحّ نسبة الفعل إلى الله تعالى لمجرّد أنّه أوجد في الإنسان القدرة على فعل الشيء وتركه؛ لأنّ القدرة على فعل الشيء وتركه ليست سبباً تامّاً لإيجاد الفعل أو لتركه، وإنّما هي من قبيل المُعِد أو قابلية المحل الذي يتوقّف عليه تأثير العلّة كما ذكرنا بالنسبة إلى مُحرِقيّة النار.

فمَن دفع إلى شخصٍ مالاً ومكّنه من التصرّف فيه لا يكون هو الفاعل للحرام، فيما إذا استعمله ذلك الشخص في المحرّمات، ليكون ملجأ على فعله، ولا يصحّ نسبة الفعل إلى مَن دفع المال؛ لأنّ تمكينه إيّاه من التصرّف ليس سبباً تامّاً في إيجاد الفعل ليكون منسوباً إليه، بل هو أشبه بالشرائط التي تقتضيها طبيعة العلّة المؤثّرة والتي لا تمنع من نسبة الفعل إلى تلك العلّة.

ولو كلّف الله عباده بدون أنْ يخلق فيهم القدرة على الفعل وعدمه،

____________________

(1) كما يدّعي بعض كتّاب الفِرَق ومنهم الأسفراييني في التبصير، وعليّ الغرابي في كتابه الفِرَق.

١٨٥

لزِم التكليف بغير المقدور وهو قبيح عقلاً وشرعاً وبذلك لا يكون الإنسان مجبوراً في أفعاله، كما يدّعي الجهمية وأتباعهم الأشاعرة القائلون بأنّ نسبة الأفعال إلى الإنسان أشبه ما تكون بنسبة الجريان إلى النهر، في قولنا جرى النهر. وغير ذلك من القضايا التي ينسب فيها الفعل إلى غير فاعله تجوّزاً.

وقد ذكرنا سابقاً أنّ الكسب الذي ادعاه الأشاعرة لتصحيح التكليف والثواب والعقاب لا ينفع في المقام، ما دامت القدرة التي يدّعيها الأشعري غير مؤثّرة في إيجاد الفعل كما ذكرنا (1) كما لا يكون مختاراً بالمعنى الذي ذهب إليه القدرية الخالصة، كمعبد الجهمي وأتباعه المعتزلة، كما يدّعي مؤلّف التبصير في الدين صفحة 61 من كتابه التبصير في الدين، حيث ادعى إجماع المعتزلة على أنّ الله لا يقدر على شيء من أفعالهم.

ومجمل القول أنّ مذهب الإمامية في هذه المسألة مستقلٌّ بنفسه عن جميع المذاهب فيها، فالجهمية والأشاعرة ينسبون الأفعال إلى الله من غير أنْ يكون للإنسان أيُّ أثرٍ في إيجادها، والقدرية لم يجعلوا لله أثَراً في أفعال الإنسان، ونفوا عنه العلم الأزَلي والإرادة الأزَلية المتعلّقين بالأفعال.

والذي نقله جماعة من المؤلّفين عن المعتزلة إنّهم يذهبون إلى أنّ الأفعال تصدر عن العباد بالقدرة المتعلّقة بالأفعال، بعد تعلّق إرادته بالفعل، فإنْ كان طاعة كان الله مريداً له بمعنى أنّه طلب من عباده اتباعه على وجه الاختيار، وليست إرادته تعالى موجبة لوقوع أحد طرَفَي المقدور؛ لأنّه بناءً على ذلك يكون العبد ملجأ على فعله، وإنْ كان فعل العبد معصية لم يكن مريداً له بكلا معنيَيّ الإرادة المتقدّمتين،؛ لأنّه على الأوّل يكون الفعل واجباً،

____________________

(1) لقد جوّز الأشاعرة التكليف بغير المقدور، حيث ذهبوا إلى أنّ القدرة على الفعل لا تتقدّم عليه، بل توجد معه بنحو المقارنة، ويلزمهم على ذلك تعلّق التكليف بغير المقدور، كما يلزمهم الاستغناء عن القدرة في هذا الحال؛ لأنّ الحاجة إلى القدرة هي لإخراج الفعل من حيّز العَدَم إلى حيّز الوجود، ولابدّ منها قبل وجوده، أمّا حال وجوده فإنّه يصبح واجباً فلا يبقى للقدرة تأثير في إيجاده، وهذا القول قد أورده عنهم العلاّمة في كشف الحقّ ونهج الصدْق ص 68 و69 كما أورده الكراجكي في كتابه كنز الفوائد ص 43.

١٨٦

وعلى الثاني يلزم تعلّق طلبه بالمعصية (1).

ولهم آراء أُخرى حول هذا الموضوع قد تعرّض في المواقف لها كما تعرّض لها غيره من المؤلّفين في كُتب الكلام (2). ونحن لا يعنينا استقصاء جميع الآراء ولا تحقيق الصحيح منها، وإنّما الذي يهمّنا المقارنة بين آراء هذه الفِرَق من حيث مجموعها وبين رأي الإمامية، وإذا كانت نسبة الأفعال إلى العباد عند المعتزلة بهذا النحو، فيلتقون مع الإمامية في هذه المسألة إلى حدٍّ ما، ومهما كان الحال فسَواء قالوا بمقالة القدرية أم بغيرها، فالأمامية يقولون بأنّ الأفعال من صنع الإنسان بعد أنْ أقدره الله على فعلها وتركها، والخير والشر واقعان باختيار الإنسان، لأنّه يقدر على وجودهما وتركهما، والقدرة التي وهبها الله للإنسان لم تتعلّق بأحد الطرفين، كما وأنّ إرادة الله ليس معناها ترجيح أحدهما على الآخر، وإنّما هي بالنسبة إلى الخير لا تتعدّى تعلّق الطلب به، وبالنسبة إلى الشر طلب تركه.

وسلام الله على أمير المؤمنين (عليه السلام) القائل في جواب من سأله عن التوحيد والعدل: (التوحيد أنْ لا تتوهّمه والعدل أنْ لا تتّهمه)، فالقائل بأنّه خالقٌ للأفعال، فقد اتهمه بالظلم، والقائل بأنّه يكلّف العباد ما لا يطيقون فقد نسَب إليه القبيح، والقائل بأنّه لا يقدر على أعمال عباده، وأنّ كلّ أعمالهم بإرادتهم ولا شأن له فيها قد اتهمه بالعجز.

وروى سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنّه قال في جواب مَن سأله عن الجبْر والتفويض: (ألا أعطيكم في ذلك أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحداً إلاّ كسرتموه؟ إنّ الله عزّ وجل لم يُطَع بالإكراه، ولم يُعصَ بغَلَبَة، ولم يَهمِل العباد في ملكه، فهو المالك لِما ملّكهم والقادر على ما أقدرهم عليه، فإنْ ائتمر العباد بطاعته، لم

____________________

(1) انظر كشف الفوائد للعلامة الحلّي في شرح قواعد العقائد لنصير الدين الطوسي ص 44.

(2) ومن جملتها ما ذهب إليه أبو بكر الباقلاني الأشعري، وهو أنّ ذات الأفعال تقَع بقدرة الله وتكون من فعله، أمّا صفات الأفعال فهي بقدرة العبد، فضرب اليتيم يقع بقدرة الله وهو الموجَِد له، وكونه تأديباً ليكون طاعة يستحقّ الثواب عليه، أو إيذاء يستحقّ عليه العقاب من فعل العبد، وبذلك يصح الثواب والعقاب.

١٨٧

يكن عنها صاداً، ولا منها مانعاً، وإنْ ائتمروا بمعصيته فشاء أنْ يحول بينهم وبين ذلك فعل، وأنْ لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه).

وهذه الرواية تنصّ على أنّه سبحانه هو الذي أقدر عباده على أفعالهم، كما تنصّ على أنّهم في أفعالهم مختارون، ولم يحلّ الله بينهم وبين معاصيهم مع قدرته على ذلك كي لا يكونوا ملجئين في أفعالهم.

وجاء عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): (لا جبرَ ولا تفويض ولكن أمرٌ بين الأمرين) وقال الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في شرح هذه الكلمة (القائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك، والمراد من (الأمر بين الأمرين) ، هو وجود السبيل إلى إتيان ما أُمِروا وترك ما نُهوا عنه، والإرادة والمشيئة من الله في ذلك: بالنسبة إلى الطاعات الأمر بها والرضا لها، وبالنسبة إلى المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها، وما مِن فعلٍ يفعله العباد من خيرٍ أو شرٍّ إلاّ ولله فيه قضاء، والقضاء هو الحُكم عليهم بما يستحقّونه من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة (1).

والمراد من وجود السبيل الذي ورد في كلام الإمام (عليه السلام)، هو إيجاد القدرة في الإنسان على وجود الفعل وعدمه، وبذلك يصحّ الثواب والعقاب وتندَفع جميع الشُبَه الواردة حول هذه المسألة.

____________________

(1) انظر الاحتجاج للطبرسي ص 225.

١٨٨

الحُسن والقُبح العقليّان

اتفق الأشاعرة والمحدّثون والفقهاء من السنّة على أنّ القبيح هو المنهي عنه شرعاً، والحُسن الذي لم يرد عنه نهي من الشارع، سَواء ورَد به أمرٌ إلزامي أم لم يرد، فتدخل فيه حتى المباحات، أمّا الإمامية ومَن وافقهم من المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أنّ الأشياء منها ما هو حسِن لذاته،

١٨٩

وإنْ لم يرد به أمرٌ شرعي ومنها ما هو قبيحٌ لذاته، ويستحقّ فاعله اللوم والذم وإنْ لم يرِد به نهيٌ من الشارع، وقبل بيان أدلّة الطرفين لابدّ من بيان المراد من الحُسن والقُبح اللذين ادعاهما الإمامية وأتباعهم، وأنكرهما الأشاعرة وعموم أهل السنّة، وقد ذكروا للحُسن والقُبح معاني ثلاثة:

الأوّل: صفتا الكمال والنقص، فحسن الشيء كماله وقبحه نقصانه.

الثاني: الموافقة لغرض الآمر وعدمها، فإذا وافق مطلوب الآمر كان حسناً وإلا كان قبيحاً.

الثالث : ما يترتّب على الشيء من مَدْحٍ وذم.

أمّا الحُسن والقبح بالمعنى الأوّل والثاني فليسا محلاًّ للخلاف بين جميع الفِرَق، وكلّهم متّفقون على أنّ العقل يحكم بالحُسن والقبح بهذين الاعتبارين، وأمّا المعنى الثالث للحسن والقبح فهو الذي ادعاه الإمامية وأتباعهم وأنكره الأشاعرة وغيرهم من فقهاء أهل السنّة ومحدّثيهم، فالإمامية والمعتزلة يدّعون أنّ في بعض الأفعال حُسناً ذاتياً أمَر بها الشارع أو لَم يأمر، وفي بعضها قبحاً ذاتياً يستحقّ فاعلها اللوم والذم نهى عنها الشارع أو لم يَنه، ومثّلوا للحسن الذاتي بالصدق والإحسان، وللقبح الذاتي بالكذِب والظلم وغيرهما ممّا يراه العُقلاء قبيحاً حتى ولو لم ترِد به الشرائع والأديان، ولو كان الحسن والقبح موقوفين على أوامر الشارع ونواهيه، لَما حكم بحسن الصدق والإحسان وقبح الكذب والظلم مَن ينكر الشرائع والأديان.

هذا بالإضافة إلى أنّه يلزم أنْ لا يقبح من الله شيء حتى إظهار المعجزة على أيدي الكذابين، وذلك يؤدّي إلى عدَم معرفة الأنبياء، ولجاز على الله أنْ يأمر بالكفر وتكذيب الأنبياء وغير ذلك، لدوران القبح والحسن مدار الأمر والنهي الشرعيّين، فإذا أمَر بهذه الأشياء كان أمره مقتضياً لحسنها، وإذا نهى عن الصدق وردّ الوديعة والإحسان إلى اليتيم كانت هذه الأُمور قبيحة، إلى غير ذلك من اللوازم الفاسدة التي لا يمكن للأشاعرة الالتزام بها.

ثمّ إنّ المعتزلة القائلين بالحسن والقبح في الأفعال: بين من يقول بأنّهما ذاتيان وهم المتقدّمون منهم، وبين مَن يقول بثبوتهما في الأشياء لوجود صفة في الأفعال تقتضي حسنها أو قبحها، وهم المتأخّرون من المعتزلة، ويدّعي الجبائي - أحد أعلامهم المتأخّرين - أنّ حُسن الأشياء وقُبحِها بالوجوه والاعتبارات، فضرْب اليتيم بذاته لا يتّصف بأيّ صفة منهما ولكنّه يكون

١٩٠

حُسناً إذا وقَع بقصد تأديب اليتيم، وقبيحاً إذا وقع بقصد الإساءة إليه، واحتجّ الأشاعرة وأتباعهم على إنكارهما بأنّ الإنسان ليس مختاراً في أفعاله، والفعل إذا لم يكن اختيارياً لا يوصف بالحسن والقبح، وبأنّهما لو كانا ذاتيّين للأفعال يلزم أنْ لا يتغيّر الفعل بالوجوه والاعتبارات؛ لأنْ ما بالذات لا يتغّير مع أنّ القبيح قد يصبح حسناً والحسن قد يصبح قبيحاً، فالكذب يحسن إذا منع عن قتل نبي أو ولي مثلاً، بل قد يجِب أحياناً لبعض الأغراض والمصالح العامّة التي اهتمّ بها الشارع وأولاها المزيد من عنايته، ومن ذلك يتبيّن أنّهما ليسا ذاتيّين في الأفعال.

والجواب أنّ القائلين بالحسن والقبح الذاتيّين، إنّما يقولان بهما بلحاظ ذوات الأفعال مع قطع النظر عن العناوين الأُخرى الطارئة التي تبدّل وجه الشيء وتشتمل على مصلحة أقوى من المفسدة القائمة بذاته، وتختلف الأشياء في ذلك اختلافاً بيناً، فبعضها يكون علّة للقبح بحيث لا يختلف مهما اختلفت عناوينه واعتباراته كالظلم، فإنّه أينما وجِد وكيفما اتفق حصوله لا يمكن أنْ يكون حسناً، وبعض الأشياء ليست بذاته علّة للقبح والحسن، وإنّما تكون بذواتها مقتضية له كالكذب مثلاً، فإنّ ذات الكذِب مع قطع النظر عن جميع العناوين مقتضية للقبح، كما وأنّ الصدق مقتضٍ للحسن، ولا ينافي ذلك أنْ يطرأ عليهما عنوانٌ آخر يمنَع عن تأثير ذلك المقتضى في الجهة التي يقتضيها، وليس ذلك إلاّ لأنّ اقتضاءهما للحسن والقبح، ليس كاقتضاء العلّة لمعلولها (1) .

وللأشاعرة أدلّة أُخرى موجودة في كتب الكلام، وكلّها مغالطة لا ترتكز على المنطق الصحيح، ولا يؤيّدها الدليل والبرهان، فإنكار الحسن والقبح في الأفعال إنكارٌ للضروريات ومغالطة سافرة للوجدان، فإنّ الصدق والكذِب والظلم والإحسان إلى الضعفاء والأيتام وأشباه ذلك لا يرتاب العقل بحسن بعضها وقبح البعض الآخر، وبمدح المحسن وذمّ المسيء، سَواء ورد الشرع بذلك أو لم يرد، كما وأنّ العقل لا مجال له في كثير من الأُمور التي شرّعها الإسلام، كوجوب الوفاء بالعقود وأكل الميتة، والصلاة والصيام، وغير ذلك من الواجبات والمحرّمات الشرعية، فإنّ العقل في هذه وأمثالها لا

____________________

(1) انظر كفاية الشيخ كاظم الخراساني في أُصول الفقه الجعفري، ووسائل الشيخ الأنصاري.

١٩١

يحكم بحسن ولا بقبح، بل يكون مقلّداً للشرع فيها.

ويدّعي الأشاعرة وأتباعهم أنّ استقباح الظلم والكذب، واستحسان مكارم الأخلاق وأطايب الصفات، وإنْ كان بحكم العقل، إلاّ أنّ المنشأ في ذلك هو التديّن بالشرائع التي كانت تحرِص على التديّن بهذه المبادئ وانتشارها بين الناس، أو لما يترتّب عليها من الأغراض عند العقلاء، ولا دليل على استقباحها واستحسانها لذاتها مجرّدة عن هذه الاعتبارات (1).

وقد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ الإمامية لم يتّفقوا مع المعتزلة في هذه المسألة اتفاقاً كلّياً؛ لأنّ المعتزلة بين موافق للإمامية، وبين من يقول بهما ولكن بالوجوه والاعتبارات كالجبائي وأتباعه، كما وأنّ بعضهم يلتزم بالحسن والقبح قبل ورود الشرع لصفة في الأفعال تقتضيهما، ومردّ ذلك إلى عدَم كونهما ذاتيّين في الأفعال.

____________________

(1) انظر المستصفى للغزالي ص 36.

١٩٢

وجوب اللطف والأصلح على الله سبحانه

اللطف: هو ما يكون المكلّف معه أقرب إلى فعل الطاعات وأبعَد عن فعل المعاصي، على نحوٍ لا يبلِغ حدّ الإلجاء من الله سُبحانه، وهو بهذا المعنى لابدّ منه عند الإمامية؛ لأنّه لا يفعل بعباده إلاّ الأصلح والأنفع لهم، ولا يدّخر عنهم شيئاً ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، وقد أنكره الأشاعرة وقالوا: إنّ كلّ ما يفعله بعباده أو يأمرهم به يكون حسناً منه، أمّا المعتزلة فقد أوجبه أكثرهم؛ لأنّه من مقتضيات العدل الواجب في حقّه تعالى، فترك اللطف المقرّب من طاعته، والأصلح لهم يتنافى مع كونه عادلاً، ويلتقي معهم الإمامية في أصلِ وجوبه، ولكنّه عند المعتزلة من موجبات عدله ولو فعل بعباده خلافه كان ظالماً لهم، أمّا عند الإمامية فلأنّه متّصف بالجود والكرم، ومِن لوازم هذَين الوصفين أنْ لا يمنع عن عباده صلاحاً ولا نفعاً، وأضاف

١٩٣

الكراجكي المتوفّى في أوائل القرن الخامس الهجري فرْقاً آخر بين الإمامية ومتأخّري المعتزلة، فقال: إنّه عند المعتزلة إنّما يجب من جهة العدل، والعدل لا يقتضي أكثر من وجوب الصلاح والنافع عليه تعالى لعباده، أمّا الأصلح والأنفع فلا يجبان عليه، وعند الإمامية لا يتمّ اللطف إلاّ بالأصلح والأنفع، وإذا لم يفعل بهم لم يكن جواداً ولا كريماً (1).

وقد أنكر أصل وجوبه بشر بن المعتمر - أحد أقطاب المعتزلة - واستدلّ القائلون بوجوبه بأنّ اللطف يسهّل لهم إطاعة الأوامر والنواهي؛ لأنّ الغاية من التكليف إيجاد المأمور به وترك المنهي عنه، وإذا لم يسهّل الآمر لعباده أسباب الامتثال كان ناقضاً لغرضه، وكان كمَن دعا إنساناً إلى أمرٍ وهو يعلم بأنّه لا يطيعه فيه.

واللطف المقرّب من الطاعة مرّة يكون من فعل الآمر وأُخرى يكون من فعل المكلّف، وثالثة يكون خارجاً عنهما: أمّا ما كان من فعل الله سبحانه، فيجب على الله بمقتضى جوده وكرمه أنْ يبذله لهم؛ تسهيلاً لإطاعة أوامره واجتناب نواهيه، ليكون المكلّف أقرب إلى الطاعة مع تساوي قدرته لها ولعدمها، وأمّا ما يكون من فعل المكلّف فالله سبحانه من حيث إنّه عالمٌ بما تتوقّف عليه الإطاعة، وامتثاله أوامره وتحصيل أغراضه، لابدّ وأنْ يُكلّفهم تحصيل ذلك الشيء ويُعلمهم به؛ لأنّ امتثال أوامره وتحصيل أغراضه لا يكون بدونه، فيكون إعلامهم به أو إيجابه عليهم من المقدّمات التي تسهّل لهم الإطاعة، وتحصيل أغراضه ومقاصده.

وأمّا الذي لا يكون من فعل الآمر ولا من فعل المكلّف المأمور، فلا يجب عليه؛ لأنّه ليس من فعله ولا من فعل المكلّف ليلزمه به، ولا هو داخل تحت قدرته ليتعلّق به التكليف، وفي مثل ذلك يكون التكليف بالمأمور به مشروطاً بحصول ذلك الشيء، فيما إذا كان الغرض من التكليف لا يحصل بدونه (2) ، ويكون أشبه بالمقدّمات الوجوبيّة التي لا يجب تحصيلها كما هو مقرّر في محلّه.

واستدلّ الأشاعرة على عدَم وجوب اللطف على الله بأنّه لو قلنا بوجوبه،

____________________

(1) انظر كنز الفوائد للكراجكي ص 52.

(2) انظر أوائل المقالات للمفيد ص 26 وشرح التجريد للعلامة الحلي ص 202 وما بعدها والمواقف المجلد الرابع الجزء الثامن ص 196.

١٩٤

للزم أنْ يكون في كلّ عصر نبيّ، وفي كلّ بلدٍ معصوم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ لأنّ اللطف عند القائلين به هو المقرّب من الطاعة، ومن أظهر مصاديقه الأنبياء والأولياء، مع أنّ القائلين بوجوبه لا يلتزمون بذلك.

وقد أجاب القائلون باللطف عن ذلك بأنّ الأنبياء الذين أرسلهم الله لهداية البشر وإنقاذهم من الضلالة، قد أرشدوا إلى الطاعات ونهوا عن المنكرات، ووعدوا المطيعين بالنعيم الدائم، والعاصين بالعذاب الأليم، وتركوا من النصائح والتعاليم ما هو كفيل لأنْ يقرّبهم من طاعته، وامتثال أحكامه والقائلون باللطف لا يدّعون بأنّ عليه أنْ يوفّر لهم جميع أنواع المقرّبات من الطاعة والمرغّبات فيها.

على أنّ هذا النقض لا يتوجّه على الإمامية؛ لأنّهم يدّعون أنّ الإمام موجود في كلّ عصر وزمان، ووجوده بين الناس وأنّ لم يكن معروفاً بشخصه من جملة أقسام اللطف المقرّب منه سبحانه، هذا بالإضافة إلى أنّهم يرون أنّ الحكّام في كلّ عصر لابدّ وأنّ تتوفّر فيهم صفات الحاكم العادل العالم بالإحكام، ولا شكّ بأنّ هذه الصفات لو توفّرت بالحكّام لسهّلت على الناس فعل الطاعات، وأبعدتهم عن المعاصي والمنكرات.

وقال الأشاعرة: إنّ الكفّار حينما كُلّفوا بالإيمان، إمّا أنْ يُكلّفوا به مع وجود اللطف أو مع عدمه، ولا مجال لدعوى أنّهم قد كُلّفوا بالإيمان مع وجود اللطف؛ لأنّهم لو كلّفوا به مع وجود اللطف لحصل منهم الإيمان حتماً، فلابدّ وأنْ يكون تكليفهم في حال عدمه، وعدم اللطف منه سبحانه في ظرف تكليفهم، إمّا لأنّه غير قادر عليه ولازم ذلك نسبة العجز إليه سبحانه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فلابدّ وأنْ يكون مع فرض قدرته عليه، ولازم ذلك إخلاله بالواجب عليه بناءً على وجوب اللطف عليه سبحانه كما يزعم القائلون بذلك؛ لأنّا قد فرضنا كونه قادراً عليه، ومع ذلك كلّف الكفّار بالإيمان بدون أنْ يوجد اللطف المقرّب لهم من طاعته.

والجواب: إنّ الله سبحانه حينما كلّف الكفّار بالإيمان لم يكلّفهم به إلاّ بعد أنْ سهّل لهم طريق الطاعة، ووعَدَهم بالثواب الجزيل والعطاء الكريم وأوجَد لهم المقرِّبات من طاعته، وما يبعدهم عن معصيته، وهذا المقدار من التسهيل للطاعة هو اللطف الواجب عليه سبحانه، وقد بينّا أنّ معنى اللطف هو المقرّب من الطاعة، والمرجِّح لوجود المكلّف به على عدَمِِِه على نحوٍ يُصبح المكلّف أقرب إلى الطاعة منه إلى المعصية، وهذا المعنى متحقّق منه سبحانه.

١٩٥

أمّا حصول المكلّف به فليس داخلاً في مفهوم اللطف، ولا شرطاً فيه؛ لأنّه بهذا الشرط يكون العبدُ ملجأ على فعله، وقد ذكرنا أنّ اللطف لا يسلب اختيار الإنسان (1)، وقد جرَت محاورة حول وجوب اللطف والأصلح على الله بين الجبائي وتلميذه أبي الحسن الأشعري، ويدّعي كتّاب الفِرَق والمذاهب أنّ لهذه المحاورة أثراً في انفصال التلميذ عن أُستاذه، وإعلانه الحرب عليه وعلى أسلافه من شيوخ المعتزلة.

ومُجملها أنّ الأشعري سأل أُستاذه، عن إخوة ثلاثة عاش أحدهم مطيعاً والآخر عاصياً، والثالث مات صغيراً.

فقال الجبائي: المطيع في الجنّة، والعاصي في النار، والصغير لا له ولا عليه.

فقال الأشعري: لو قال الثالث لربّه: لو أبقيتني لأكبر فأطيعك وأدخل الجنّة.

قال الجبائي: يُقال له لو كبرت اخترت المعصية ودخلت النار بسببها.

قال الأشعري: لو قال له الثاني: لِمَ لَم تمتني صغيراً كي لا أعصيك، فأستحقّ النار.

فوقف الجبائي عن جوابه، وقد أبدينا رأينا سابقاً حول الأسباب التي دعت الأشعري إلى التراجع عن مذهب الاعتزال بعد تلك الدراسة الطويلة التي استمرت نحواً من أربعين عاماً في أثناء حديثنا عن الأشاعرة ومناهجهم، وذكرنا أنّ الاختلاف في الرأي أحياناً لا يؤدّي إلى هذا البُعد الشاسع بين التلميذ وأُستاذه، ولا يوجب تأسيس جبهتين متقابلتين بهذا النحو من التقابل الذي كان بينهما.

____________________

(1) انظر شرح التجريد ص 202، والمواقف ص 196 من المجلّد الرابع الجزء الثامن.

١٩٦

النبوّة

اتفق المسلمون والفلاسفة وغيرهم من أهل الأديان على وجوب بعثة الرسُل على الله سبحانه عقلاً ونقلاً، ولم يُخالف في وجوبها عقلاً سِوى الأشاعرة وأتباعهم؛ لأنّ العقل وحده لا يكفي لإدراك كلّ ما هو حسن وقبيح واقعاً، وقد بينّا أنّ القائلين بالحسن والقبح العقليّين لم يثبتوا للعقل الإحاطة بكلّ شيء، وانّ كثيراً من الأشياء لم يدرك من أمرها شيئاً إلاّ بعد أنْ كشف الشارع بواسطة التكليف، عن حسنها أو قبحها، وقد دلّت النصوص القرآنية على أنّه سبحانه لا يُعذّب أحداً إلاّ بعد إتمام الحجّة عليه، بإرسال الرسل وتسهيل أسباب الطاعة، قال سبحانه:

( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) ، والرسول لُطفٌ من الله سبحانه، أمّا لأنّه من مقتضيات عدله أو لأنّه من آثار كرَمِه وجوده كما يدّعي الإمامية، وممّا لا شكّ فيه أنّ الرسول الذي يبلّغ عن الله، ويبيّن للناس ما يترتّب على الطاعات من الجزاء، وعلى المعاصي من العقاب من أظهر مصاديق اللطف الواجب على الله سبحانه، هذا بالإضافة إلى أنّ التكاليف السمعية ألطاف في الواجبات العقلية؛ لأنّها تقرّب الإنسان من امتثال أحكام العقل، ولا سيّما إذا واظب الإنسان على امتثال الواجبات السمعية، ولا تتمّ الواجبات السمعية إلاّ بالرسُل، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به يكون واجباً.

أمّا الأشاعرة وأتباعهم القائلون بأنّ العقل لا يُدرك حُسناً ولا قبحاً، ولا يستقل في أحكامه، فينحصر وجوبها عندهم بطريق النقل، ومهما كان الحال فلَم يخالف في وجوبها سوى البراهمة وقالوا: إنّ الرسول إنْ جاء بما يوافق العقل، لم يكن له فائدة، وإنْ خالفه فيجب طرحه والأخذ بحكم العقل، وقد وافقهم على ذلك الصابئة، والقائلون بالتناسخ (1)، وجواب هؤلاء، أنّ العقل وإنْ كان يُدرك حسن بعض الأفعال وقبح بعضها، ولكنّه يجهل كثيراً من أحكام العبادات والمعاملات، والميراث والأحوال الشخصية، وغير ذلك ممّا شرّعه الإسلام، ولا يُمكن معرفة تلك الأحكام إلاّ بواسطة الرسُل، وادّعى بعض المعتزلة بأنّ البعثة إنّما تجب على الله سبحانه إذا عُلِم من حال البشر أنّهم يؤمنون بالرسول المرسَل، و‘نْ علم أنّهم لا يؤمنون به لا تجب عليه، وتكون مستحسنة منه لإتمام الحجّة؛ كي لا يقول أحدٌ: ( لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ) .

____________________

(1) وذهب بعض البراهمة إلى نبوّة آدم لا غير، وأضاف بعضهم إليه إبراهيم، كما يدّعي الصابئة نبوّة إدريس وشيث لا غير.

١٩٧

وقال أبو هاشم الجبائي: لا تجِب إلاّ إذا أراد تشريع أُمور لا يستقلّ بها العقل، أمّا والده الجبائي فقد أوجبها حتى ولو لم يأت الرسول إلاّ بما حكم به العقل، وقال: إنّه يكفي من فوائدها أنْ تؤكّد أحكام العقل (1) وبعض المنكرين للنبوّات قالوا: إنّها لا تكون إلاّ بالمعجزة، وهي مستحيلة عادةً، وادعى آخرون بأنّ المعجزة وإنْ لم تكن مستحيلة، لكنّها لا تدلّ على صدق مدعيها، وبالغ آخرون فقالوا بأنّها حجّة على مَن شاهدها لأنّها تفيده العلم، أمّا الغائبون فلا تفيدهم العلم، ولو تواترت فالتواتر لا يفيد إلاّ الظن، والظن لا يكفي في العقليات، إلى غير ذلك من المذاهب والآراء الفاسدة، ولا يعنينا أنْ نستقصي كل ما قيل حول هذا الموضوع (2).

____________________

(1) وقال جماعة من المعتزلة: إنّها لا تجب على الله دائماً، وإنّما تجب عندما تقتضيها المصلحة.

(2) انظر المواقف ص 230 وما بعدها، وشرح التجريد ص 117، ومعالم الفلسفة ص 160 وما بعدها.

١٩٨

الإمامة

من المعلوم أنّ النزاع في الإمامة بين المسلمين كان ولا يزال من أبرَز ما حدَث في تاريخ الإسلام، ونتَج عنه انحراف فئات من المسلمين عن الطريق القويم منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فانقسموا بسبب نزاعهم في الإمامة إلى طوائف وأحزاب، وقامت بينهم المعارك والحروب أُريقت فيها الدماء، واستُبيحت الأعراض وتبدلّت المفاهيم، واختلفت القِيَم، وما زال المسلمون يُعانون من آثار هذا الانحراف، المتاعب والانقسامات التي تجاوزت أبعد الحدود، وتخطّت مسألة الإمامة إلى غيرها من المسائل المتعلّقة بأُصول الدين وفروعه، وأصبح من المتعسّر تقريباً على أيٍّ كان إصلاح ما حدث، وسدّ تلك الفجوة العميقة التي حدَثت نتيجة لذلك الصراع الذي دام طوال هذه

١٩٩

القرون، ما دام كلّ فريق يحرص بكلّ ما أُوتي من قوّة وتفكير لتأييد مذهبه وانتشاره.

ولابدّ لنا من الإشارة إلى آراء الفِرَق الإسلامية الكبرى في الإمامة، وصِلة كلّ واحدٍ منها بالآخر، فالإمام والخليفة لفظتان تعبّران عن معنىً واحد، وهو الرياسة العامّة في أُمور الدين والدنيا نيابة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وسمّي القائم بهذه المهمّات إماماً؛ لأنّ الناس يسيرون وراءه فيما يُشرّع لهم ويرشدهم إليه، وسُمّيَ بالخليفة، كما كان الشائع في عصر الراشدين وما بعده؛ لأنّه يخلف الرسول في إدارة شؤون الأُمّة وقيادتها.

وكما كان تعيين الخليفة بعد الرسول موضعَ جدَلٍ وخلاف أدّى إلى انقسامهم وتمزيق وحدتهم، كذلك حصلت بينهم أنواع أُخرى من الجدَل والنزاع، وتطوّر بعد ذلك إلى النزاع في وجوب نصب الإمام على الله سبحانه وعدمه، فأنكره جماعة وأثبته آخرون، والقائلون بوجوبه بين مَن يقول بوجوبه على الله سبحانه عقلاً، وبين من يقول بوجوبه على الأُمّة بحكم العقل.

أمّا الأشاعرة ومعهم المحدّثون والجبائيّان من المعتزلة (1) فقد قالوا بعدم وجوبه بالنصّ الشرعي على الأُمّة، والباقون من المعتزلة أوجبوه عقلاً، على الأُمّة أيضاً، وذهب الإمامية إلى وجوبه على الله بحكم العقل، ولم يُعارض في أصل وجوب نصب الإمام سِوى العجاردة من الخوارج، ومعهم حاتم الأصم أحد شيوخ المعتزلة (2)، وادعى هؤلاء بأنّ الواجب على الأُمّة التعاون والتعاضد لإحياء الحق وإماتة الباطل، ومع قيام الأُمّة بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلّطه على العباد.

أمّا إذا اختلفت الأُمّة ولم تتعاون على نشرِ العدل وإحقاق الحق، فيجب عليها تعيين مَن يقوم بهذه المهمّات، وبالتالي فإنّ الإمامة لا تجب بالشرع ولا بالعقل، وإنّما تجب للمصلحة أحياناً، أمّا بقيّة الخوارج فهم كغيرهم من المسلمين، يرونَها من الضرورات التي لابدّ منها لحفظ النظام وإحقاق الحق، ولكنّها لا تجب على غير الأُمّة، ويتعيّن بإجماع أهل الحلّ والعقد على شخصٍ منهم، كما فعل المسلمون الأوّلون في تعيين أبي بكر وعمر على حدّ تعبيرهم.

____________________

(1) وهما الجبائي وولده أبو هاشم.

(2) المتوفّى سنة 237.

٢٠٠

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير.

قال يعقوب: قد علمتم أن ابن يامين أحبكم إلي بعد أخيكم يوسف، وبه أنسي، وإليه سكوني من بين جماعتكم، فلن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم. فضمنه يهودا، فخرجوا حتى وردوا مصر، فدخلوا على يوسف عليه السلام، فقال لهم: هل بلغتم رسالتي؟ قالوا: نعم، وقد جئناك بجوابها مع هذا الغلام فسله عما بدا لك. قال له يوسف: بما أرسلك أبوك إلي يا غلام؟ قال: أرسلني إليك يقرئك السلام، ويقول: إنك أرسلت إلي تسألني عن حزني، وعن سرعة الشيب إلي قبل أوان المشيب، وعن بكائي وذهاب بصري، فإن أشد الناس حزنا وخوفا أذكرهم للمعاد، وإنما أسرع الشيب إلي قبل أوان المشيب لذكر يوم القيامة، وأبكاني وبيض عيني الحزن على حبيبي يوسف، وقد بلغني حزنك بحزني واهتمامك بأمري، فكان الله لك جازيا ومثيبا، وإنك لن تصلني بشئ أنا أشد فرحا به من أن تعجل علي ولدي ابن يامين، فإنه أحب أولادي إلي بعد يوسف، فأونس به وحشتي، وأصل به وحدتي، وتعجل علي بما أستعين به على عيالي.

فلما قال هذا خنقت يوسف عليه السلام العبرة حتى قام فدخل البيت وبكى ساعة، ثم خرج إليهم وأمر لهم بطعام، وقال: ليجلس كل بني ام على مائدة. فجلسوا وبقي ابن يامين قائما، فقال له يوسف: ما لك لم تجلس؟ فقال له: ليس لي فيهم ابن ام. فقال له يوسف عليه السلام: أفما كان لك ابن ام؟ فقال له ابن يامين: بلى. فقال له يوسف عليه السلام فما فعل؟ قال: زعم هؤلاء أن الذئب أكله. قال: فما بلغ من حزنك عليه؟ قال: ولد لي اثني عشر ابنا كلهم اشتق لهم اسما من اسمه. فقال له يوسف عليه السلام: أراك قد عانقت النساء، وشممت الولد من بعده! فقال له ابن يامين: إن لي أبا صالحا، وإنه قال لي: تزوج، ولعل الله عزّوجلّ يخرج منك ذرية تثقل الارض بالتسبيح. فقال له يوسف عليه السلام: تعال فاجلس على مائدتي. فقال إخوة يوسف: لقد فضل الله يوسف وأخاه حتى إن الملك قد أجلسه معه على مائدته.

٣٢١

فأمر يوسف عليه السلام أن يجعل صواع(١) الملك في رحل ابن يامين، فلما تجهزوا( أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ، قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ ، قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ، قَالُوا تَاللَّـهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ) . وكان الرسم فيهم والحكم أن السارق يسترق ولا يقطع( قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ ، قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ، فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ) فحبسه، فقال إخوته لما أصابوا الصواع في وعاء ابن يامين( إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ، قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ،قَالَ مَعَاذَ اللَّـهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ ، فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّـهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّـهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ، ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ، وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) .

فلما رجعوا إلى أبيهم، قالوا ذلك له، قال: إن ابني لا يسرق( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّـهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (٢) . ثم أمر بنيه بالتجهيز إلى مصر، فساروا حتى أتوا مصر، فدخلوا على يوسف عليه السلام ودفعوا إليه كتاب من يعقوب يستعطفه فيه ويسأله رد ولده عليه، فلما نظر فيه خنقته العبرة، ولم يصبر حتى قام فدخل البيت فبكى ساعة، ثم خرج إليهم فقالوا له:( يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّـهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ) فقال لهم يوسف:( هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم

______________

(١) الصواع: مكيال يكال به.

(٢) يوسف ١٢: ٧٠ - ٨٣.

٣٢٢

بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ، قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّـهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ، قَالُوا تَاللَّـهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّـهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ ، قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّـهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) .

ثم أمرهم بالانصراف إلى يعقوب عليه السلام وقال لهم( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) (١) . فهبط جبرئيل عليه السلام على يعقوب عليه السلام فقال: يا يعقوب، ألا أعلمك دعاء يرد الله عليك به بصرك، ويرد عليك ابنيك؟ قال: بلى. قال: قل ما قاله أبوك آدم فتاب الله عليه، وما قاله نوح فاستوت به سفينته على الجودي ونجا من الغرق، وما قاله أبوك إبراهيم خليل الرحمن حين ألقي في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما. فقال يعقوب عليه السلام: وما ذاك يا جبرئيل؟ فقال: قل: يا رب، أسألك بحق محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، أن تأتيني بيوسف وابن يامين جميعا، وترد علي عيني. فما استتم يعقوب عليه السلام هذا الدعاء حتى جاء البشير، فألقى قميص يوسف عليه فارتد بصيرا. فقال لهم: ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ، قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (٢) .

فروي في خبر عن الصادق عليه السلام، أنه قال: أخرهم إلى السحر، فأقبل يعقوب إلى مصر، وخرج يوسف ليستقبله، فهم بأن يترجل ليعقوب، ثم ذكر ما هو فيه من الملك فلم يفعل، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام، فقال له: يا يوسف، إن الله عزّوجلّ يقول لك: ما منعك أن تنزل إلى عبدي الصالح؟ ما كنت فيه؟ أبسط يدك، فبسطها فخرج من بين أصابعه نور، فقال له: ما هذا، يا جبرئيل؟ فقال: هذا إنه لا يخرج من صلبك نبي أبدا عقوبة بما صنعت بيعقوب إذ لم تنزل إليه.

______________

(١) يوسف ١٢: ٨٨ - ٩٢.

(٢) يوسف ١٢: ٩٧ و ٩٨.

٣٢٣

فقال يوسف:( ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّـهُ آمِنِينَ ، وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ) ، فقال يوسف ليعقوب:( يَا أَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا - إلى قوله -تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) (١) .

٣٧٦/٨ - وروي في خبر عن الصادق عليه السلام، أنه قال: دخل يوسف السجن وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ومكث فيه ثمان عشرة سنة، وبقي بعد خروجه ثمانين سنة، فذلك مائة سنة وعشر سنين(٢) .

وصلّى الله على محمّد وآله أجمعين وسلم كثيراً

٣٧٧/٩ - وفي هذا اليوم أيضا بعد المجلس حدّثنا الشيخ الفقيه أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا عبدالله بن الحسن المؤدب، عن أحمد بن عليّ بن الاصبهاني، عن إبراهيم بن محمّد الثقفي، قال: حدّثنا أبوغسان النهدي، قال: حدّثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي إدريس، عن المسيب بن نجبة، عن علي عليه السلام أنه قيل له: حدّثنا عن أصحاب محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، حدّثنا عن أبي ذر الغفاري. قال: علم العلم ثم أوكاه، وربط عليه رباطا شديدا.

قالوا: فعن حذيفة، قال: تعلم أسماء المنافقين.

قالوا: فعن عمار بن ياسر. قال: مؤمن ملئ مشاشه إيمانا، نسي، إذا ذكر ذكر.

قيل: فعن عبدالله بن مسعود. قال: قرأ القرآن فنزل عنده.

قالوا: فحدثنا عن سلمان الفارسي. قال: أدرك العلم الاول والآخر، وهو بحر لا ينزح، وهو منا أهل البيت.

قالوا: فحدثنا عنك، يا أميرالمؤمنين. قال: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتديت(٣) .

______________

(١) بحار الانوار ١٢: ٢٥٦/٢٣، والآية من سورة يوسف ١٢: ٩٩ - ١٠١.

(٢) بحار الانوار ١٢: ٢٥٦/٢٣.

(٣) بحار الانوار ٢٢: ٣١٨/٤.

٣٢٤

[ ٤٤ ]

المجلس الرابع والاربعون

مجلس يوم الثلاثاء

الخامس والعشرين من صفر سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٣٧٨/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، قال: حدّثنا عبدالله بن جعفر الحميري، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: سمعته يقول: ما أحسن الحسنات بعد السيئات! وما أقبح السيئات بعد الحسنات(١) .

٣٧٩/٢ - حدّثنا أبي، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن المفضل بن صالح، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله، وظلم لا يغفره الله، وظلم لا يدعه الله، فأما الظلم الذي لا يغفر الله عزّوجلّ فالشرك بالله، وأما الظلم الذي يغفره الله عزّوجلّ فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله عزّوجلّ، وأما الظلم

______________

(١) بحار الانوار ٧١: ٢٤٢/١.

٣٢٥

الذي لا يدعه الله عزّوجلّ فالمداينة بين العباد(١) .

٣٨٠/٣ - وقال عليه السلام: ما يأخذ المظلوم من دين الظالم، أكثر مما يأخذ الظالم من دنيا المظلوم(٢) .

٣٨١/٤ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله، قال: حدّثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن يحيى الحلبي، عن أبيه، عن عبدالله بن سليمان، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، أنه قال لرجل: يا فلان، لا تجالس الاغنياء، فإن العبد يجالسهم وهو يرى أن لله عليه نعمة، فما يقوم حتى يرى أن ليس لله عليه نعمة(٣) .

٣٨٢/٥ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه، قال: حدّثنا عمي محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عليّ بن الحكم، عن المفضل، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، في قول الله عزّوجلّ:( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) (٤) ، قال: قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فإن الله عزّوجلّ يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين الفاحش المتفحش، السائل الملحف، ويحب الحيي الحليم، العفيف المتعفف(٥) .

٣٨٣/٦ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن الحسين بن سعيد، قال: حدّثنا إبراهيم بن أبي البلاد، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي، قال: قال أبوجعفر الباقر عليه السلام: صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة، وأول أهل الجنة

______________

(١) الخصال: ١١٨/١٠٥، بحار الانوار ٧٥: ٣١١/١٥.

(٢) بحار الانوار ٧٥: ٣١١/١٥.

(٣) بحار الانوار ٧٤: ١٩٤/٢١.

(٤) البقرة ٢: ٨٣.

(٥) تفسير العياشي ١: ٤٨/٦٣، بحار الانوار ٧٤: ١٦١/١٩.

٣٢٦

دخولا إلى الجنة أهل المعروف، وإن أول أهل النار دخولا إلى النار أهل المنكر(١) .

٣٨٤/٧ - حدّثنا حمزة بن محمّد بن أحمد العلوي رحمه الله، في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، قال: أخبرني عليّ بن إبراهيم بن هاشم فيما كتب إلي سنة سبع وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبي، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: في التوراة مكتوب فيما ناجى الله عزّوجلّ به موسى بن عمران عليه السلام: يا موسى، خفني في سر أمرك أحفظك من وراء عورتك، واذكرني في خلواتك وعند سرور لذاتك اذكرك عند غفلاتك، واملك غضبك عمن ملكتك عليه أكف عنك غضبي، وأكتم مكنون سري في سريرتك، وأظهر في علانيتك المداراة عني لعدوي وعدوك من خلقي، ولا تستسب لي عندهم بإظهارك مكنون سري، فتشرك عدوك وعدوي في سبي(٢) .

٣٨٥/٨ - حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور رضي الله عنه، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن عمه عبدالله بن عامر، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، قال: كان أميرالمؤمنين عليه السلام يقول في سجوده: أناجيك يا سيدي كما يناجي العبد الذليل مولاه، وأطلب إليك طلب من يعلم أنك تعطي ولا ينقص مما عندك شئ، واستغفرك استغفار من يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وأتوكل عليك توكل من يعلم أنك على كل شئ قدير(٣) .

٣٨٦/٩ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد ابن عبدالله، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: حدثني أبوحفص عمرو بن خالد، عن أخيه سفيان بن خالد، عن أبي عبدالله الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: من استغفر الله عزّوجلّ بعد العصر سبعين مرة غفر الله له ذلك

______________

(١) أمالي الطوسي: ٦٠٣/١٢٤٩، بحار الانوار ٧٤: ٤٠٧/١.

(٢) أمالي المفيد: ٢١٠/٤٦، بحار الانوار ١٣: ٣٢٨/٦.

(٣) بحار الانوار ٨٦: ٢٢٧/٤٧.

٣٢٧

اليوم سبعمائة ذنب، فإن لم يكن له فلابيه، فإن لم يكن لابيه فلامه، فإن لم يكن لامه فلاخيه، فإن لم يكن لاخيه فلاخته، فإن لم يكن لاخته فللاقرب فالاقرب(١) .

٣٨٧/١٠ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رحمه الله، قال: حدّثنا أبي، عن محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، عن محمّد بن أبي الصهبان، عن أبي عمران الارمني، عن عبدالله بن الحكم، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: قلت له: إن قوما إذا ذكروا بشئ من القرآن أو حدثوا به صعق أحدهم حتى يرى أنه لو قطعت يداه ورجلاه لم يشعر بذلك. فقال: سبحان الله! ذاك من الشيطان، ما بهذا أمروا، إنما هو اللين والرقة والدمعة والوجل(٢) .

٣٨٨/١١ - حدّثنا الحسين بن إبراهيم بن ناتانه رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار بن موسى الساباطي، عن أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام، قال: من صلى الصلوات المفروضات في أول وقتها فأقام حدودها، رفعها الملك إلى السماء بيضاء نقية، وهي تهتف به: حفظك الله كما حفظتني، واستودعك الله كما استودعتني ملكا كريما، ومن صلاها بعد وقتها من غير علة فلم يقم حدودها رفعها الملك سوداء مظلمة، وهي تهتف به: ضيعتني ضيعك الله كما ضيعتني، ولا رعاك الله كما لم ترعني.

ثم قال الصادق عليه السلام: إن أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله الصلوات المفروضات، وعن الزكاة المفروضة، وعن الصيام المفروض، وعن الحج المفروض، وعن ولايتنا أهل البيت، فإن أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله عزّوجلّ منه شيئا من أعماله(٣) .

______________

(١) بحار الانوار ٨٦: ٧٨/٢.

(٢) بحار الانوار ٧٠: ١١٢/١.

(٣) بحار الانوار ٢٧: ١٦٧/٢، و ٨٣: ١٠/٧.

٣٢٨

٣٨٩/١٢ - وبهذا الاسناد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد العزيز، عن ابن أبي يعفور، قال: قال أبوعبدالله الصادق عليه السلام: إذا صليت صلاة فريضة فصلها لوقتها صلاة مودع يخاف أن لا يعود إليها أبدا، ثم اصرف ببصرك إلى موضع سجودك، فلو تعلم من عن يمينك وشمالك لاحسنت صلاتك، واعلم أنك بين يدي من يراك ولا تراه(١) .

٣٩٠/١٣ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبوأحمد عبد العزيز بن يحيي الجلودي البصري، قال: حدّثنا محمّد بن زكريا، قال: حدّثنا شعيب بن واقد، قال: حدّثنا القاسم بن بهرام عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس.

وحدثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق، قال: حدّثنا أبوأحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: حدّثنا الحسن بن مهران، قال: حدّثنا سلمة بن خالد(٢) ، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه عليه السلام، في قوله عزّوجلّ:( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) (٣) ، قال: مرض الحسن والحسين عليهما السلام وهما صبيان صغيران، فعادهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ومعه رجلان، فقال أحدهما: يا أبا الحسن، لو نذرت في ابنيك نذرا إن الله عافاهما. فقال: أصوم ثلاثة أيام شكرا لله عزّوجلّ، وكذلك قالت فاطمة عليها السلام، وقال الصبيان: ونحن أيضا نصوم ثلاثة أيام، وكذلك قالت جاريتهم فضة، فألبسهما الله عافية، فأصبحوا صياما وليس عندهم طعام.

فانطلق علي عليه السلام إلى جار له من اليهود يقال له شمعون يعالج الصوف،

______________

(١) ثواب الاعمال: ٣٥، بحار الانوار ٨٣: ١٠/٨، ٩.

(٢) في نسخة: مسلمة بن خالد، وهو مذكور في الجرح والتعديل ٨: ٢٦٧/١٢٢٠، ولم تذكر روايته عن الصادق عليه السلام، والذي في رجال الشيخ: ٢١٢/١٥٧: سلمة بن خالد الكوفي، من أصحاب الصادق عليه السلام، ولعله مسلم بن خالد المكي، فقد روى عنه عليه السلام في الحديث (١٤) من المجلس (٤٦).

(٣) الانسان ٧٦: ٧.

٣٢٩

فقال: هل لك أن تعطيني جزة(١) من صوف تغزلها لك ابنة محمّد بثلاثة أصوع من شعير؟ قال: نعم. فأعطاه فجاء بالصوف والشعير، وأخبر فاطمة عليها السلام فقبلت وأطاعت، ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف، ثم أخذت صاعا من الشعير، فطحنته وعجنته، وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد قرص، وصلى علي عليه السلام مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم المغرب، ثم أتى منزله، فوضع الخوان وجلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي عليه السلام إذا مسكين قد وقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، أنا مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة. فوضع اللقمة من يده، ثم قال:

فاطم ذات المجد واليقين

يا بنت خير الناس أجمعين

أما ترين البائس المسكين

جاء إلى الباب له حنين

يشكو إلى الله ويستكين

يشكو إلينا جائعا حزين

كل امرئ بكسبه رهين

من يفعل الخير يقف سمين

موعده في جنة رحيم

حرمها الله على الضنين

وصاحب البخل يقف حزين

تهوي به النار إلى سجين

شرابه الحميم والغسلين

فأقبلت فاطمة عليها السلام تقول:

أمرك سمع يا بن عم وطاعة

ما بي من لؤم ولا وضاعة(٢)

غذيت باللب وبالبراعة(٣)

أرجو إذا أشبعت من مجاعة

أن ألحق الاخيار والجماعة

وأدخل الجنة في شفاعة

وعمدت إلى ما كان على الخوان فدفعته إلى المسكين، وباتوا جياعا،

______________

(١) الجزة: صوف شاة في سنة.

(٢) في نسخة: ولا ضراعة.

(٣) في نسخة: وبالبراءة.

٣٣٠

وأصبحوا صياما لم يذوقوا إلا الماء القراح(١) .

ثم عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته، ثم أخذت صاعا من الشعير فطحنته وعجنته، وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد قرص، وصلى علي عليه السلام المغرب مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثم أتى منزله، فلما وضع الخوان بين يديه وجلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي عليه السلام إذا يتيم من يتامى المسلمين، قد وقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة. فوضع علي عليه السلام اللقمة من يده، ثم قال:

فاطم بنت السيد الكريم

بنت نبي ليس بالزنيم

قد جاءنا الله بذا اليتيم

من يرحم اليوم فهو رحيم

موعده في جنة النعيم

حرمها الله على اللئيم

وصاحب البخل يقف ذميم

تهوي به النار إلى الجحيم

شرابها الصديد والحميم

فأقبلت فاطمة عليها السلام وهي تقول:

فسوف أعطيه ولا أبالي

وأؤثر الله على عيالي

أمسوا جياعا وهم أشبالي

أصغرهما يقتل في القتال

بكربلاء يقتل باغتيال

لقاتليه الويل مع وبال

يهوي في النار إلى سفال

كبوله زادت على الاكبال

ثم عمدت فأعطته جميع ما على الخوان، وباتوا جياعا لم يذوقوا إلا الماء القراح، وأصبحوا صياما، وعمدت فاطمة عليها السلام فغزلت الثلث الباقي من الصوف، وطحنت الصاع الباقي وعجنته، وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد قرص، وصلى علي عليه السلام المغرب مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثم أتى منزله، فقرب إليه الخوان، وجلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي عليه السلام إذا أسير من أسراء

______________

(١) أي الخالص.

٣٣١

المشركين قد وقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا! فوضع علي عليه السلام اللقمة من يده، ثم قال:

فاطم يا بنت النبي أحمد

بنت النبي سيد مسود

قد جاءك الاسير ليس يهتد

مكبلا في غله مقيد

يشكو إلينا الجوع قد تقدد

من يطعم اليوم يجده في غد

عند العلي الواحد الموحد

ما يزرع الزارع سوف يحصد

فأعطني لا تجعليه ينكد

فأقبلت فاطمة عليها السلام وهي تقول:

لم يبق مما كان غير صاع

قد دبرت كفي معه الذراع

شبلاي والله هما جياع

يا رب لا تتركهما ضياع

أبوهما للخير ذو اصطناع

عبل(١) الذراعين طويل الباع

وما على رأسي من قناع

إلا عبا نسجتها بصاع

وعمدوا إلى ما كان على الخوان فأعطوه، وباتو جياعا، وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شئ.

قال شعيب في حديثه: وأقبل علي بالحسن والحسين عليهما السلام نحو رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر بهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: يا أبا الحسن، شد ما يسوءني ما أرى بكم، انطلق إلى ابنتي فاطمة. فانطلقوا إليها وهي في محرابها، قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رآها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ضمها إليه وقال: واغوثاه بالله، أنتم منذ ثلاث فيما أرى! فهبط جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمّد، خذ ما هيأ الله لك في أهل بيتك. قال: وما آخذ يا جبرئيل؟ قال:( هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ ) حتى إذا بلغ( إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ) (٢) .

______________

(١) أي ضخم.

(٢) الانسان ٧٦: ١ - ٢٢.

٣٣٢

وقال الحسن بن مهران في حديثه: فوثب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى دخل منزل فاطمة عليها السلام فرأى ما بهم فجمعهم، ثم انكب عليهم يبكي ويقول: أنتم منذ ثلاث فيما أرى، وأنا غافل عنكم! فهبط جبرئيل عليه السلام بهذه الآيات( إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ، عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّـهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ) ، قال: هي عين في دار النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تفجر إلى دور الانبياء والمؤمنين( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) يعني عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وجاريتهم( وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ) ، يقول: عابسا كلوحا( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ ) يقول: على شهوتهم للطعام وإيثارهم له( مِسْكِينًا ) من مساكين المسلمين( وَيَتِيمًا ) من يتامى المسلمين( وَأَسِيرًا ) من أسارى المشركين ويقولون إذا أطعموهم:( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّـهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ) ، قال: والله ما قالوا هذا لهم، ولكنهم أضمروه في أنفسهم فأخبر الله بإضمارهم، يقولون: لا نريد منكم جزاء تكافؤننا به ولا شكورا تثنون علينا به، ولكنا إنما أطعمناكم لوجه الله وطلب ثوابه.

قال الله تعالى ذكره:( فَوَقَاهُمُ اللَّـهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً ) في الوجوه( وَسُرُورًا ) في القلوب( وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً ) يسكنونها( وَحَرِيرًا ) يفترشونه ويلبسونه( مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ) والاريكة السرير عليه الحجلة(١) ( لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ) .

قال ابن عباس: فبينا أهل الجنة في الجنة إذ رأوا مثل الشمس قد أشرقت لها الجنان، فيقول أهل الجنة: يا رب، إنك قلت في كتابك:( لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا ) ؟ فيرسل الله جل اسمه إليهم جبرئيل. فيقول: ليس هذه بشمس، ولكن عليا وفاطمة ضحكا فأشرقت الجنان من نور ضحكهما، ونزلت( هَلْ أَتَىٰ ) فيهم إلى قوله تعالى:( وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ) (٢) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله

______________

(١) الحجلة: ساتر كالقبة يزين بالثياب والستور للعروس.

(٢) بحار الانوار ٣٥: ٢٣٧/١.

٣٣٣

[ ٤٥ ]

المجلس الخامس والاربعون

مجلس يوم الجمعة

لليلتين بقيتا من صفر سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٣٩١/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن أحمد الدقاق رحمه الله، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدّثنا عبدالله بن محمّد، قال: حدّثنا أبي، عن خالد بن إلياس، عن أبي بكر بن عبدالله ابن أبي جهم، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب، قال: بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني، فأتيت كاهنة قريش، وعلي مطرف(١) خز، وجمتي(٢) تضرب منكبي، فلما نظرت إلي عرفت في وجهي التغير، فاستوت، وأنا يومئذ سيد قومي، فقال: ما شأن سيد العرب متغير اللون! هل رابه من حدثان الدهر(٣) ريب؟

فقلت لها: بلى، إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر، كأن شجرة قد نبتت على

______________

(١) المطرف: رداء أو ثوب من خز مربع ذو أعلام.

(٢) الجمة: ما ترامى من شعر الرأس على المنكبين.

(٣) أي نوائبه وحوادثه.

٣٣٤

ظهري، قد نال رأسها السماء، وضربت بأغصانها الشرق والغرب، ورأيت نورا يزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا، ورأيت العرب والعجم ساجدة لها، وهي كل يوم تزداد عظما ونورا، ورأيت رهطا من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها أخذهم شاب من أحسن الناس وجها، وأنظفهم ثيابا، فيأخذهم ويكسر ظهورهم ويقلع أعينهم، فرفعت يدي لا تناول غصنا من أغصانها، فصاح بي الشاب: مهلا، ليس لك منها نصيب. فقلت: لمن النصيب والشجرة مني؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين قد تعلقوا بها، وستعود إليها: فانتبهت مذعورا فزعا متغير اللون.

فرأيت لون الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت(١) ليخرجن من صلبك ولد يملك الشرق والغرب، وينبأ في الناس - فتسرى عني غمي - فانظر أبا طالب لعلك تكون أنت. وكان أبوطالب يحدث بهذا الحديث، والنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قد خرج ويقول: كانت الشجرة والله أبا القاسم الامين(٢) .

٣٩٢/٢ - حدّثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدّثنا أبوالعباس أحمد بن يحيى بن زكريا، قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل، قال: حدّثنا عبدالله بن محمّد، قال: حدّثنا أبي، عن سعيد بن مسلم مولى لبني مخزوم، عن سعيد بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: سمعت أبي العباس يحدث، قال: ولد لابي عبد المطلب عبدالله، فرأينا في وجهه نورا يزهر(٣) كنور الشمس، فقال أبي: إن لهذا الغلام شأنا عظيما. قال: فرأيت في منامي أنه خرج من منخره طائر أبيض، فطار فبلغ المشرق والمغرب، ثم رجع راجعا حتى سقط على بيت الكعبة، فسجدت له قريش كلها، فبينما الناس يتأملونه إذ صار نورا بين السماء والارض، وامتد حتى بلغ المشرق والمغرب. فلما انتبهت سألت كاهنة بني مخزوم فقالت: يا عباس، لئن صدقت رؤياك ليخرجن من

______________

(١) أي الرؤيا.

(٢) كمال الدين وتمام النعمة: ١٧٣/٣٠، بحار الانوار ١٥: ٢٥٤/٧.

(٣) أي يشرق ويتلالا.

٣٣٥

صلبه ولد يصير أهل المشرق والمغرب تبعا له.

قال أبي: فهمني أمر عبدالله إلى أن تزوج بآمنة، وكانت من أجمل نساء قريش، وأتمها خلقا، فلما مات عبدالله وولدت آمنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أتيته، فرأيت النور بين عينيه يزهر، فحملته وتفرست في وجهه، فوجدت منه ريح المسك، وصرت كأني قطعة مسك من شدة ريحي، فحدثتني آمنة وقالت لي: إنه لما أخذني الطلق واشتد بي الامر، سمعت جلبة(١) وكلاما لا يشبه كلام الآدميين، ورأيت علما من سندس على قضيب من ياقوت قد ضرب بين السماء والارض، ورأيت نورا يسطع من رأسه حتى بلغ السماء، ورأيت قصور الشامات كأنها شعلة نار نورا، ورأيت حولي من القطاة أمرا عظيما، قد نشرت أجنحتها حولي، ورأيت شعيرة الاسدية قد مرت وهي تقول: آمنة، ما لقيت الكهان والاصنام من ولدك!

ورأيت رجلا شابا من أتم الناس طولا، وأشدهم بياضا، وأحسنهم ثيابا، ما ظننته إلا عبد المطلب، قد دنا مني فأخذ المولود، فتفل في فيه، ومعه طست من ذهب مضروب بالزمرد، ومشط من ذهب، فشق بطنه شقا، ثم أخرج قلبه فشقه، فأخرج منه نكتة سوداء فرمى بها، ثم أخرج صرة من حريرة خضراء ففتحها، فإذا فيها كالذريرة(٢) البيضاء فحشاه، ثم رده إلى ما كان، ومسح على بطنه، واستنطقه فنطق، فلم أفهم ما قال، إلا أنه قال: في أمان الله وحفظه وكلاءته، قد حشوت قلبك إيمانا وعلما وحلما ويقينا وعقلا وشجاعة، أنت خير البشر، طوبى لمن اتبعك، وويل لمن تخلف عنك. ثم أخرج صرة أخرى من حريرة بيضاء ففتحها فإذا فيها خاتم، فضرب على كتفيه، ثم قال: أمرني ربي أن أنفخ فيك من روح القدس. فنفخ فيه، وألبسه قميصا، وقال: هذا أمانك من آفات الدنيا. فهذا ما رأيت - يا عباس - بعيني.

قال العباس: وأنا يومئذ أقرأ، فكشفت عن ثوبه، فإذا خاتم النبوة بين كتفيه، فلم

______________

(١) الجلبة: الصياح والصخب.

(٢) الذريرة: ما يذر في العين وعلى الجرح من دواء يابس وعلى الطعام من ملح مسحوق.

٣٣٦

أزل أكتم شأنه، وأنسيت الحديث فلم أذكره إلى يوم إسلامي حتى ذكرني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(١) .

٣٩٣/٣ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن عبدالله بن محمّد بن عيسى، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن السكوني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عليه السلام، قال: اغتنموا الدعاء عند خمس: عند قراءة القرآن، وعند الاذان، وعند نزول الغيث، وعند التقاء الصفين للشهادة، وعند دعوة المظلوم ليس لها حجاب دون العرش(٢) .

٣٩٤/٤ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عليّ بن النعمان، عن عبدالله بن طلحة النهدي، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أربعة لا ترد لهم دعوة، وتفتح لها أبواب السماء وتصير إلى العرش: دعاء الوالد لولده، والمظلوم على من ظلمه، والمعتمر حتى يرجع، والصائم حتى يفطر(٣) .

٣٩٥/٥ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام: أن عليا عليه السلام: كان يقول: ما من أحد ابتلي، وإن عظمت بلواه، بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء(٤) .

٣٩٦/٦ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن وهب بن وهب، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، عن علي عليه السلام، قال:

______________

(١) كمال الدين وتمام النعمة: ١٧٥/٣٣ بحار الانوار ١٥: ٢٥٦/٨.

(٢) بحار الانوار ٩٣: ٣٤٣/١.

(٣) فضائل الاشهر الثلاثة: ١١١/١٠٤، بحار الانوار ٩٣: ٣٥٤/١، و ٩٦: ٢٥٦/٣٩.

(٤) بحار الانوار ٩٣: ٣٨٠/٢.

٣٣٧

كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا رأى الفاكهة الجديدة قبلها ووضعها على عينيه وفمه، ثم قال: اللهم كما أريتنا أولها في عافية فأرنا آخرها في عافية(١) .

٣٩٧/٧ - حدّثنا حمزة بن محمّد العلوي رحمه الله، قال: أخبرني عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن مالك الجهني، قال: ناولت أبا عبدالله الصادق عليه السلام شيئا من الرياحين، فأخذه فشمه ووضعه على عينيه، ثم قال: من تناول ريحانة فشمها ووضعها على عينيه ثم قال: اللهم صل على محمّد وآل محمّد، لم تقع على الارض حتى يغفر له(٢) .

٣٩٨/٨ - حدّثنا الحسين بن إبراهيم بن ناتانه رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن إسماعيل بن مسلم السكوني، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: علمني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا لبست ثوبا جديدا أن أقول: الحمد لله الذي كساني من الرياش ما أتجمل به في الناس، اللهم اجعلها ثياب بركة أسعى فيها بمرضاتك، وأعمر فيها مساجدك، فإنه من فعل ذلك لم يتقمصه(٣) حتى يغفر له(٤) .

٣٩٩/٩ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن محمّد بن عيسى، عن عباس مولى الرضا، عن أبي الحسن الرضا، عن أبيه عليهما السلام، قال: كان أبوعبدالله الصادق عليه السلام يقول: من قال حين يسمع أذان الصبع: اللهم إني أسألك بإقبال نهارك، وإدبار ليلك، وحضور صلاتك(٥) ، وأصوات دعاتك(٦) ، أن تتوب علي، إنك أنت التواب الرحيم، ومن قال مثل ذلك إذا سمع أذان المغرب ثم مات من يومه،

______________

(١) بحار الانوار ٩٥: ٣٤٧/١.

(٢) بحار الانوار ٩٥: ٣٤٧/٢.

(٣) يقال: تقمص القميص، إذا لبسه.

(٤) وسائل الشيعة ٣: ٣٧٣/٢.

(٥) في نسخة: صلواتك.

(٦) زاد في نسخة: وتسبيح ملائكتك أن تصلي على محمّد وآل محمّد و.

٣٣٨

أو من ليلته تلك، كان تائبا(١) .

٤٠٠/١٠ - حدثني محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدثني علي ابن ابراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن السراج، يرفعه إلى أبي عبدالله عليه السلام، قال: من قطع ثوبا جديدا وقرأ (إنا أنزلناه في ليلة القدر) ستا وثلاثين مرة، فإذا بلغ (تنزل الملائكة)(٢) أخرج شيئا من الماء ورش بعضه على الثوب رشا خفيفا، ثم صلى فيه ركعتين، ودعا ربه، وقال في دعائه: الحمد لله الذي رزقني مما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي، وأصلي فيه لربي، وحمد الله(٣) ، لم يزل يأكل في سعة حتى يبلى ذلك الثوب(٤) .

٤٠١/١١ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدثني عبدالله بن جعفر، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه عليهم السلام: أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: من رأى يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو أحدا على غير ملة الاسلام، فقال: الحمد لله الذي فضلني عليك بالاسلام دينا، وبالقرآن كتابا، وبمحمّد نبيا، وبعلي إماما، وبالمؤمنين إخوانا، وبالكعبة قبلة، لم يجمع الله بينه وبينه في النار أبدا(٥) .

٤٠٢/١٢ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن العيص بن القاسم، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: من نظر إلى ذي عاهة، أو من قد مثل به، أو صاحب بلاء، فليقل سرا في نفسه من غير أن يسمعه. الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، ولو شاء لفعل بي ذلك، ثلاث مرات،

______________

(١) عيون أخبار الرضا عليه السلام: ١: ٢٥٣/١، ثواب الاعمال: ١٥٢، بحار الانوار ٨٤: ١٧٣/١.

(٢) القدر ٩٧: ٤.

(٣) في نسخة: والحمد لله.

(٤) ثواب الاعمال: ٢٥، وسائل الشيعة ٣: ٣٧١/٣.

(٥) قرب الاسناد: ٧٠/٢٢٧، ثواب الاعمال: ٢٦، بحار الانوار ٩٣: ٢١٧/١.

٣٣٩

فإنه لا يصيبه ذلك البلاء ابدا(١) .

٤٠٣/١٣ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رحمه الله، قال: حدّثنا أبي، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن محمّد بن عيسى، عن عبيد الله بن عبدالله الدهقان، عن درست بن أبي منصور الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام، قال: دخل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المسجد، فإذا جماعة قد أطافوا برجل، فقال: ما هذا؟ فقالوا: علامة. قال: وما العلامة؟ قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها، وأيام الجاهلية، وبالاشعار والعربية. فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه(٢) .

٤٠٤/١٤ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدثني عليّ بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: بني الاسلام على خمس دعائم: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وولاية أميرالمؤمنين والائمة من ولده (صلوات الله عليهم)(٣) .

٤٠٥/١٥ - حدّثنا حمزة بن محمّد بن أحمد بن جعفر بن محمّد بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، قال: أخبرني أبوالحسن عليّ بن محمّد البزاز، قال: حدّثنا أبوأحمد داود بن سليمان الفراء، قال: حدثني عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمّد الصادق، قال: حدثني أبي محمّد بن عليّ الباقر، قال: حدثني أبي عليّ بن الحسين زين العابدين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال: حدثني أبي أميرالمؤمنين عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: الايمان إقرار باللسان، ومعرفة

______________

(١) بحار الانوار ٩٣: ٢١٧/٢.

(٢) الكافي ١: ٢٤/١ بزيادة: عوالي اللآلئ ٤: ٧٩/٧٥ بزيادة، بحار الانوار ١: ٢١١/٥، وزاد في نسخة: ثم قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل.

(٣) بحار الانوار ٦٨: ٣٧٦: ٢٢.

٣٤٠

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780