الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق7%

الأمالي شيخ الصدوق مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 780

الأمالي شيخ الصدوق
  • البداية
  • السابق
  • 780 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 441808 / تحميل: 8644
الحجم الحجم الحجم
الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

كأنّ مكاكيّ الجواء غديّة *** نشاوى سلاف من رحيق مفلفل

كأنّ السباع فيه غرقى عشيّة *** بأرجائه القصوى، أنا بيش عنصل

فأنت ترى الى امرى‏ء القيس كيف يلحظ أن المطر قد أسقط نخل تيماء كلّه، و جرف أبنيتها فلم يبق منها إلا المشيد بالجنادل و الصخور. أما جبل «ثبير» المعتز بشموخه على ما حوله من الأرض الواطئة، فقد غطاه المطر إلاّ رأسه، فبدا كشيخ قوم ملتفّ بكساء مخطط. و تتابع الأمطار طوفانها حول الجبال ثم تلقي أثقالها جميعا في الصحارى التي ظلّت زمنا قاحلة لا نبت فيها و لا رواء، فإذا بها تنبت عشبا و زهرا ملوّنا يشبه الثياب الملونة الحسناء التي ينشرها التاجر اليماني امام أعين الناس. و قد أحسن المطر إلى هذه الصحارى المجدبة فإذا هي رياض زاهية تغنّي بها الطير طربة سكرى أمّا الوحوش الضارية التي كانت تستبيح لنفسها افتراس الضعيف من الحيوان و الطير، فقد ذلّها المطر و أغرقها فطفت على الماء كأنها جذور البصل البرّي.

و هكذا يبدو المطر في خاطر الشاعر الجاهلي الكبير، الذي يتابع رحلته حتى النهاية، و كأنه يمثّل قوة الوجود المدبّرة. فهو قويّ عادل كريم ينصر الصعفاء الممثّلين بالأرض الواطئة و صغار الطير، فيملأ الوادي بالنبت و الزهر و اللون و يدخل الفرحة على قلوب العصافير فتطرب و تغنّي. و يداعب الأقوياء الممثّلين بالجبال التي يضايقها من كل جانب و يضعف من شأنها. و يفتك بذوي البطش الممثلين بالسباع الضارية فيقهرها و يغرقها و يجعلها تافهة و هذا عليّ يحسّ أمام الغيث ما أحسّه امرؤ القيس من تمثيله القوة العادلة الكريمة، فيقول في خاتمة حديث طويل: «فلما ألقت السحائب بعاع ما استقلّت به(١) من العب‏ء المحمول عليها، أخرج به من هوامد الأرض النبات(٢) و من زعر الجبال الأعشاب(٣) فهي تبهج بزينة رياضها

____________________

(١) البعاع: ثقل السحاب من الماء. و ألقى السحاب بعاعه: أمطر كل ما فيه.

(٢) الهوامد من الأرض: ما لم يكن بها نبات.

(٣) زعر، مجمع أزعر، و هو: الموضع القليل النبات.

٢١

و تزدهي بما ألبسته من ريط أزاهيرها(١) و حلية ما سمطت به(٢) من ناضر أنوارها، و جعل ذلك بلاغا للأنام و رزقا للأنعام» ثم إن عليّا يوجز الفكرة البعيدة في ما شاهده امرؤ القيس من عمل المطر في الجبال و السباع، بهذه الكلمة: «من تعظّم على الزمان أهانه» و إن هذه الروائع التي عبرت بنا في هذا الفصل، لتنبع كلّها من معين واحد بالرغم من اختلاف موضوعاتها و تباين أغراضها و تباعد ظروفها. ففيها جميعا هذه الاصالة في الفكر و الحس و الخيال و الذوق، التي تربط بين صاحبها و جملة الكائنات في وحدة وجودية مطلقة و أراك حيث رحت في أدب عليّ بن أبي طالب، شاعرا بهذه الاصالة التي تحدوه أبدا إلى اكتناه الروابط الخفية الكامنة وراء مظاهر الحياة و الموت، و وراء الأشكال التي تختلف على الحقيقة الواحدة الثابتة التي لا تختلف. و ما نزعته التوحيدية الجامحة إلا نزعة الأديب الحق يريد أن يركّز الوجود، في عقله و قلبه على السواء، على أصول لا يجوز فيها قديم و لا جديد و يتبيّن من نهج البلاغة ان نظريات ابن أبي طالب الاجتماعية و الأخلاقية، تنبع بصورة مباشرة أو غير مباشرة من هذه النظرة الواحدة الشاملة الى الوجود. فما أقرب الموت من الحياة في سنّة الوجود. و ما أقرب طرفي الخير و الشر. و ما أكثر ما يجتمع الحزن و السرور في قلب واحد في وقت معا، و الكسل و النشاط في جسد واحد. «فربّ بعيد هو أقرب من قريب في أدب ابن أبي طالب و ربّ رجاء يؤدي الى الحرمان، و تجارة تؤول الى الخسران». و ليس عجيبا أن يجوز في الناس قول ابن أبي طالب: «من حفر لأخيه بئرا وقع فيها، و من هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته، و من تكبّر على الناس ذلّ» فالدائرة الوجودية الواحدة تقضي على الناس و الأشياء و الكائنات جميعا بالخضوع لقاعدتها

____________________

(١) ريط، جمع ريطة بالفتح و هي كل ثوب رقيق ليّن.

(٢) سمط الشي‏ء: علقت عليه السموط و هي: الخيوط تنظم في القلادة.

٢٢

التعادلية التي أدركها الإمام بحدسه و عقله و حسّه على السواء، إدراكا عجيبا لشدة ما فيه من الوضوح ثم لكثرة ما يمدّ صاحبه بالقوة على الكشف، فإذا به يعبّر عن هذا الإدراك بكلمات تؤلف قواعد رياضية تتناول المظاهر و تنفذ منها الى ما وراءها من أصول وجودية عميقة ثابتة.

و هكذا يستوي ابن أبي طالب و قمم الوجود على صعيد واحد من النظرة الى الحياة الواحدة، و الاحساس العميق بالوجود الواحد، فإذا بأدبه صرخات متلاحقة تنطلق من قلب عبقريّ يريد أن ينفذ إلى الأشياء حتى يرى أغوارها فيطمئن الى هذا الإدراك، و حتى يعقل ما تباين منها ثابتا على قاعدة، و ما اختلف منها نابعا من أصل، و ما تباعد منها مضموما في وحدة طرفاها الأزل و الأبد

٢٣

الاسلوب و العبقريّة الخطابيّة

بيان لو نطق بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضا و لو هدّد الفساد و المفسدين لتفجّر براكين لها أضواء و أصوات و لو دعا إلى تأمّل لرافق فيك منشأ الحسّ و أصل التفكير فساقك الى ما يريده سوقا و وصلك بالكون وصلا و يندمج الشكل بالمعنى اندماج الحرارة بالنار و الضوء بالشمس و الهواء بالهواء، فما أنت إزاءه إلا ما يكون المرء قبالة السيل إذ ينحدر و البحر إذ يتموّج و الريح إذ تطوف أما إذا تحدّث اليك عن بهاء الوجود و جمال الخلق، فإنما يكتب على قلبك بمداد من نجوم السماء و من اللفظ ما له وميض البرق، و ابتسامة السماء في ليالي الشتاء، هذا من حيث المادة. أما من حيث الأسلوب، فعليّ بن أبي طالب ساحر الأداء. و الأدب لا يكون إلاّ بأسلوب، فالمبنى ملازم فيه للمعنى، و الصورة لا تقلّ في شي‏ء عن المادة.

و أيّ فنّ كانت شروط الإخراج فيه أقل شأنا من شروط المادة

٢٤

و إن قسط علي بن أبي طالب من الذوق الفني، أو الحسّ الجمالي، لممّا يندر وجوده.

و ذوقه هذا كان المقياس الطبيعي الضابط للطبع الأدبي عنده. أما طبعه هذا فهو طبع ذوي الموهبة و الاصالة الذين يرون فيشعرون و يدركون فتنطلق ألسنتهم بما تجيش به قلوبهم و تنكشف عنه مداركهم انطلاقا عفويا. لذلك تميّز أدب عليّ بالصدق كما تميّزت به حياته.

و ما الصدق إلا ميزة الفن الأولى و مقياس الأسلوب الذي لا يخادع.

و إن شروط البلاغة، التي هي موافقة الكلام لمقتضى الحال، لم تجتمع لأديب عربي كما اجتمعت لعليّ بن أبي طالب. فإنشاؤه مثل أعلى لهذه البلاغة، بعد القرآن. فهو موجز على وضوح، قويّ جيّاش، تامّ الانسجام لما بين ألفاظه و معانيه و أغراضه من ائتلاف، حلو الرنّة في الأذن موسيقيّ الوقع. و هو يرفق و يلين في المواقف التي لا تستدعي الشدة.

و يشتدّ و يعنف في غيرها من المواقف، و لا سيما ساعة يكون القول في المنافقين و المراوغين و طلاّب الدنيا على حساب الفقراء و المستضعفين و أصحاب الحقوق المهدورة. فأسلوب عليّ صريح كقلبه و ذهنه، صادق كطويته، فلا عجب أن يكون نهجا للبلاغة.

و قد بلغ أسلوب عليّ من الصدق حدّا ترفّع به حتى السجع عن الصنعة و التكلّف.

فإذا هو على كثرة ما فيه من الجمل المتقاطعة الموزونة المسجّعة، أبعد ما يكون عن الصنعة، و أقرب ما يكون من الطبع الزاخر.

فانظر الى هذا الكلام المسجّع و الى مقدار ما فيه من سلامة الطبع: «يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، و معاصي العباد في الخلوات، و اختلاف النينان في البحار الغامرات، و تلاطم الماء بالرياح العاصفات» أو إلى هذا القول من إحدى خطبه: «و كذلك السماء و الهواء، و الرياح و الماء، فانظر الى الشمس و القمر، و النبات و الشجر، و الماء و الحجر، و اختلاف هذا الليل و النهار، و تفجّر هذه البحار، و كثرة الجبال، و طول هذه القلال، و تفرّق هذه اللغات، و الألسن المختلفات الخ...» و أوصيك خيرا بهذا السجع الجاري مع الطبع: «ثم زيّنها بزينة الكواكب، و ضياء الثواقب(١) و أجرى فيها سراجا مستطيرا(٢) و قمرا

____________________

(١) الثواقب: المنيرة المشرقة.

(٢) سراجا مستطيرا: منتشر الضياء. و يريد به الشمس.

٢٥

منيرا، في فلك دائر، و سقف سائر الخ». فإنك لو حاولت إبدال لفظ مسجوع في هذه البدائع جميعا، بآخر غير مسجوع، لعرفت كيف يخبو إشراقها، و يبهت جمالها، و يفقد الذوق فيها أصالته و دقّته و هما الدليل و المقياس. فالسجع في هذه الأقوال العلوية ضرورة فنية يقتضيها الطبع الذي يمتزج بالصناعة امتزاجا حتى لكأنهما من معدن واحد يبعث النثر شعرا له أوزان و أنغام ترفق المعنى بصور لفظية من جوّها و من طبيعتها.

و من سجع الإمام آيات تردّ النغم على النغم ردّا جميلا، و تذيب الوقع في الوقع على قرارات لا أوزن منها على السمع و لا أحبّ ترجيعا. و مثال ذلك ما ذكرناه من سجعاته منذ حين، ثم هذه الكلمات الشهيات على الأذن و الذوق جميعا: «أنا يوم جديد، و أنا عليك شهيد، فاعمل فيّ خيرا، و قل خيرا» و إذا قلنا إن أسلوب عليّ تتوفّر فيه صراحة المعنى و بلاغة الأداء و سلامة الذوق، فإنما نشير إلى القارى‏ء بالرجوع الى «روائع نهج البلاغة» هذا ليرى كيف تتفجّر كلمات عليّ من ينابيع بعيدة القرار في مادّتها، و بأيّة حلّة فنيّة رائعة الجمال تمور و تجري.

و إليك هذه التعابير الحسان في قوله: «المرء مخبوء تحت لسانه» و في قوله: «الحلم عشيرة» أو في قوله: «من لان عوده كثفت أغصانه» أو في قوله: «كلّ وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنّه يتّسع» أو في قوله أيضا: «لو أحبّني جبل لتهافت». أو في هذه الأقوال الرائعة: «العلم يحرسك و أنت تحرس المال. ربّ مفتون بحسن القول فيه. إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، و إذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. ليكن أمر الناس عندك في الحق سواء. افعلوا الخير و لا تحقروا منه شيئا فإنّ صغيره كبير و قليله كثير.

هلك خزّان المال و هم أحياء. ما متّع غنيّ إلاّ بما جاع به فقير».

ثمّ استمع إلى هذا التعبير البالغ قمّة الجمال الفنّي و قد أراد به أن يصف تمكّنه من التصرف بمدينة الكوفة كيف شاء، قال: «ما هي إلاّ الكوفة أقبضها و أبسطها...» فأنت ترى ما في أقواله هذه من الأصالة في التفكير و التعبير، هذه الأصالة التي تلازم الأديب الحقّ بصورة مطلقة و لا تفوته إلاّ إذا فاتته الشخصية الأدبية ذاتها.

٢٦

و يبلغ أسلوب عليّ قمّة الجمال في المواقف الخطابية، أي في المواقف التي تثور بها عاطفته الجيّاشة، و يتّقد خياله فتعتلج فيه صور حارّة من أحداث الحياة التي تمرّس بها. فإذا بالبلاغة تزخر في قلبه و تتدفّق على لسانه تدفّق البحار. و يتميّز أسلوبه، في مثل هذه المواقف، بالتكرار بغية التقرير و التأثير، و باستعمال المترادفات و باختيار الكلمات الجزلة ذات الرنين. و قد تتعاقب فيه ضروب التعبير من إخبار الى استفهام الى تعجّب الى استنكار. و تكون مواطن الوقف فيه قويّة شافية للنفس. و في ذلك ما فيه من معنى البلاغة و روح الفن. و اليك مثلا على هذا خطبة الجهاد المشهورة، و قد خطب عليّ بها الناس لما أغار سفيان بن عوف الأسدي على مدينة الأنبار بالعراق و قتل عامله عليها: «هذا أخو غامد(١) قد بلغت خيله الأنبار و قتل حسّان بن حسّان البكري و أزال خيلكم عن مسالحها و قتل منكم رجالا صالحين.

«و قد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، و الأخرى المعاهدة، فينزع حجلها، و قلبها، و رعاثها، ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم، و لا أريق لهم دم، فلو أن امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا، ما كان به ملوما، بل كان به عندي جديرا.

«فيا عجبا و اللّه يميت القلب و يجلب الهمّ اجتماع هؤلاء على باطلهم و تفرّقكم عن حقكم. فقبحا لكم حين صرتم غرضا يرمى: يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون» فانظر الى مقدرة الإمام في هذه الكلمات الموجزة. فإنه تدرّج في إثارة شعور سامعيه حتى وصل بهم الى ما يصبو اليه. و سلك الى ذلك طريقا تتوفّر فيه بلاغة الاداء و قوة التأثير.

فإنه أخبر قومه بغزو سفيان بن عوف الأنبار، و في ذلك ما فيه من عار يلحق بهم. ثم أخبرهم بأن هذا المعتدي إنما قتل عامل أمير المؤمنين في جملة ما قتل، و بأن هذا المعتدي لم يكتف بذلك بل أغمد سيفه في نحور كثيرة من رجالهم و أهليهم.

____________________

(١) اذا شئت شرحا للمفردات و التعابير الغريبة الواردة في هذه الخطبة، فارجع اليها في مكانها من هذا الكتاب.

٢٧

و في الفقرة الثانية من الخطبة توجّه الإمام إلى مكان الحميّة من السامعين، الى مثار العزيمة و النخوة من نفس كل عربي، و هو شرف المرأة. و عليّ يعلم أن من العرب من لا يبذل نفسه إلاّ للحفاظ على سمعة امرأة و على شرف فتاة، فإذا هو يعنّف هؤلاء القوم على القعود دون نصرة المرأة التي استباح الغزاة حماها ثم انصرفوا آمنين، ما نالت رجلا منهم طعنة و لا أريق لهم دم.

ثم إنه أبدى ما في نفسه من دهش و حيرة من امر غريب: «فإنّ أعداءه يتمسكون بالباطل فيناصرونه، و يدينون بالشر فيغزون الأنبار في سبيله، فيما يقعد أنصاره حتى عن مناصرة الحق فيخذلونه و يفشلون عنه.

و من الطبيعي ان يغضب الإمام في مثل هذا الموقف، فإذا بعبارته تحمل كل ما في نفسه من هذا الغضب، فتأتي حارّة شديدة مسجّعة مقطّعة ناقمة: فقبحا لكم حين صرتم غرضا يرمى: يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون. و يعصى اللّه و ترضون» و قد تثور عاطفته و تتقطّع فإذا بعضها يزحم بعضا على مثل هذه الكلمات المتقطّعة المتلاحقة: «ما ضعفت، و لا جبنت، و لا خنت، و لا وهنت» و قد تصطلي هذه العاطفة بألم ثائر يأتيه من قوم أراد لهم الخير و ما اردوه لأنفسهم لغفلة في مداركهم و وهن في عزائمهم، فيخطبهم بهذا القول الثائر الغاضب، قائلا: «ما لي أراكم أيقاظا نوّما، و شهودا غيّبا، و سامعة صمّاء، و ناطقة بكماء الخ» و الخطباء العرب كثيرون، و الخطابة من الأشكال الأدبية التي عرفوها في الجاهلية و الاسلام و لا سيّما في عصر النبي و الخلفاء الراشدين لما كان لهم بها من حاجة. أمّا خطيب العهد النبويّ الأكبر فالنبيّ لا خلاف في ذلك. أمّا في العهد الراشدي، و في ما تلاه من العصور العربية قاطبة، فإنّ أحدا لم يبلغ ما بلغ إليه عليّ بن أبي طالب في هذا النحو. فالنطق السهل لدى عليّ كان من عناصر شخصيته و كذلك البيان القويّ بما فيه من عناصر الطبع و الصناعة جميعا. ثم إنّ اللّه يسّر له العدّة الكاملة لما تقتضيه الخطابة من مقوّمات أخرى على ما مرّ بنا. فقد ميّزه اللّه بالفطرة السليمة، و الذوق الرفيع، و البلاغة الآسرة، ثم بذخيرة

٢٨

من العلم انفرد بها عن أقرانه، و بحجّة قائمة، و قوّة إقناع دامغة، و عبقريّة في الارتجال نادرة. أضف إلى ذلك صدقه الذي لا حدود له و هو ضرورة في كلّ خطبة ناجحة، و تجاربه الكثيرة المرّة التي كشفت لعقله الجبّار عن طبائع الناس و أخلاقهم و صفات المجتمع و محرّكاته. ثم تلك العقيدة الصلبة التي تصعب مداراتها و ذلك الألم العميق الممزوج بالحنان العميق، و بطهارة القلب و سلامة الوجدان و شرف الغاية.

و إنّه من الصعب أن تجد في شخصيات التاريخ من اجتمعت لديه كلّ هذه الشروط التي تجعل من صاحبها خطيبا فذّا، غير عليّ بن أبي طالب و نفر من الخلق قليل، و ما عليك إلاّ استعراض هذه الشروط، ثم استعراض مشاهير الخطباء في العالمين الشرقي و الغربي، لكي تدرك أنّ قولنا هذا صحيح لا غلوّ فيه.

و ابن أبي طالب على المنبر رابط الجأش شديد الثقة بنفسه و بعدل القول. ثم إنه قويّ الفراسة سريع الإدراك يقف على دخائل الناس و أهواء النفوس و أعماق القلوب، زاخر جنانه بعواطف الحريّة و الانسانية و الفضيلة، حتّى إذا انطلق لسانه الساحر بما يجيش به قلبه أدرك القوم بما يحرّك فيهم الفضائل الراقدة و العواطف الخامدة.

أمّا إنشاؤه الخطابي فلا يجوز وصفه إلاّ بأنه أساس في البلاغة العربية. يقول أبو الهلال العسكري صاحب «الصناعتين»: ليس الشأن في إيراد المعاني وحدها و إنّما هو في جودة اللفظ، أيضا، و صفائه و حسنه و بهائه و نزاهته و نقائه و كثرة طلاوته و مائه مع صحة السبك و التركيب و الخلوّ من أود النظم و التأليف.

من الألفاظ ما هو فخم كأنه يجرّ ذيول الأرجوان أنفة و تيها. و منها ما هو ذو قعقعة كالجنود الزاحفة في الصفيح. و منها ما هو كالسيف ذي الحدّين. و منها ما هو كالنقاب الصفيق يلقى على بعض العواطف ليستر من حدّتها و يخفّف من شدّتها. و منها ما له ابتسامة السماء في ليالي الشتاء من الكلام ما يفعل كالمقرعة، و منه ما يجري كالنبع الصافي.

كل ذلك ينطبق على خطب عليّ في مفرداتها و تعابيرها. هذا بالإضافة إلى أنّ الخطبة تحسن إذا انطبعت بهذه الصفات اللفظية على رأي صاحب الصناعتين، فكيف بها إذا كانت،

٢٩

كخطب ابن أبي طالب، تجمع روعة هذه الصفات في اللفظ إلى روعة المعنى و قوّته و جلاله و إليك شيئا مما قلناه في الجزء الثالث من كتابنا «الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية» بصدد بيان الإمام، لا سيما ما كان منه في خطبه: نهج للبلاغة آخذ من الفكر و الخيال و العاطفة آيات تتّصل بالذوق الفنّي الرفيع ما بقي الانسان و ما بقي له خيال و عاطفة و فكر، مترابط بآياته متساوق، متفجّر بالحسّ المشبوب و الإدراك البعيد، متدفّق بلوعة الواقع و حرارة الحقيقة و الشوق إلى معرفة ما وراء هذا الواقع، متآلف يجمع بين جمال الموضوع و جمال الإخراج حتى ليندمج التعبير بالمدلول، أو الشكل بالمعنى، اندماج الحرارة بالنار و الضوء بالشمس و الهواء بالهواء، فما أنت إزاءه إلاّ ما يكون المرء قبالة السيل إذ ينحدر و البحر إذ يتموّج و الريح إذ تطوف. أو قبالة الحدث الطبيعي الذي لا بدّ له أن يكون بالضرورة على ما هو كائن عليه من الوحدة لا تفرّق بين عناصرها إلاّ لتمحو وجودها و تجعلها إلى غير كون بيان لو نطق بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضا و لو هدّد الفساد و المفسدين لتفجّر براكين لها أضواء و أصوات و لو انبسط في منطق لخاطب العقول و المشاعر فأقفل كلّ باب على كلّ حجّة غير ما ينبسط فيه و لو دعا إلى تأمّل لرافق فيك منشأ الحسّ و أصل التفكير، فساقك إلى ما يريده سوقا، و وصلك بالكون وصلا، و وحّد فيك القوى للاكتشاف توحيدا. و هو لو راعاك لأدركت حنان الأب و منطق الأبوّة و صدق الوفاء الانساني و حرارة المحبّة التي تبدأ و لا تنتهي أمّا إذا تحدّث إليك عن بهاء الوجود و جمالات الخلق و كمالات الكون، فإنّما يكتب على قلبك بمداد من نجوم السماء بيان هو بلاغة من البلاغة، و تنزيل من التنزيل. بيان اتّصل بأسباب البيان العربي ما كان منه و ما يكون، حتى قال أحدهم في صاحبه ان كلامه دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوق

٣٠

و خطب علي جميعا تنضح بدلائل الشخصية حتى لكأنّ معانيها و تعابيرها هي خوالج نفسه بالذات، و أحداث زمانه التي تشتعل في قلبه كما تشتعل النار في موقدها تحت نفخ الشمال. فإذا هو يرتجل الخطبة حسّا دافقا و شعورا زاخرا و إخراجا بالغا غاية الجمال.

و كذلك كانت كلمات عليّ بن أبي طالب المرتجلة، فهي أقوى ما يمكن للكلمة المرتجلة أن تكون من حيث الصدق، و عمق الفكرة، و فنّية التعبير، حتى انها ما نطقت بها شفتاه ذهبت مثلا سائرا.

فمن روائعه المرتجلة قوله لرجل أفرط في مدحه بلسانه و أفرط في اتّهامه بنفسه: «أنا دون ما تقول و فوق ما في نفسك».

و من ذلك أنه لمّا اعتزم أن يقوم وحده لمهمّة جليلة تردّد فيها أنصاره و تخاذلوا، جاءه هؤلاء و قالوا له و هم يشيرون إلى أعدائه: يا أمير المؤمنين نحن نكفيكهم. فقال من فوره: «ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفوني غيركم؟ إن كانت الرعايا قبلي لتشكو حيف رعاتها، فإنني اليوم لأشكو حيف رعيّتي، كأنّي المقود و هم القادة».

و لمّا قتل أصحاب معاوية محمد بن أبي بكر فبلغه خبر مقتله قال: «إن حزننا عليه قدر سرورهم به، ألا إنّهم نقصوا بغيضا و نقصنا حبيبا».

و سئل: أيهما أفضل: العدل أم الجود؟ فقال: «العدل يضع الأمور مواضعها، و الجود يخرجها من جهتها، و العدل سائس عامّ، و الجود عارض خاصّ، فالعدل أشرفهما و أفضلهما».

و قال في صفة المؤمن، مرتجلا: «المؤمن بشره في وجهه، و حزنه في قلبه، أوسع شي‏ء صدرا، و أذلّ شي‏ء نفسا.

يكره الرفعة، و يشنأ السمعة، طويل غمّه، بعيد همّه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، سهل الخليقة، ليّن العريكة» و سأله جاهل متعنّت عن معضلة، فأجابه على الفور: «اسأل تفقّها و لا تسأل تعنّتا فإنّ الجاهل المتعلم شبيه بالعالم، و إنّ العالم المتعسّف شبيه بالجاهل المتعنّت»

٣١

و الخلاصة أنّ عليّ بن أبي طالب أديب عظيم نشأ على التمرّس بالحياة و على المرانة بأساليب البلاغة فإذا هو مالك ما يقتضيه الفنّ من أصالة في شخصية الأديب، و من ثقافة خاصّة تنمو بها الشخصية و تتركز الأصالة.

أمّا اللغة، لغتنا العربية الحبيبة التي قال فيها مرشلوس في المجلد الأول من كتابه «رحلة الى الشرق» هذا القول الذكيّ: «اللغة العربية هي الأغنى و الأفصح و الأكثر و الألطف وقعا بنى سائر لغات الأرض. بتراكيب أفعالها تتبع طيران الفكر و تصوّره بدقّة، و بأنغام مقاطعها الصوتية تقلّد صراخ الحيوانات و رقرقة المياه الهاربة و عجيج الرياح و قصف الرعد»، أمّا هذه اللغة، بما ذكر مرشلوس من صفاتها و بما لم يذكر، فإنّك واجد أصولها و فروعها، و جمال ألوانها و سحر بيانها، في أدب الامام عليّ و كان أدبا في خدمة الإنسان و الحضارة

٣٢

٣٣

٣٤

العدالة الكونيّة و ما يمثّله علىّ منها

٣٥

تكافؤ الوجود

و أحسّ عليّ أنّ هذا الكون العظيم متعاون متكافل فكان من ذلك أن الريح إذا اشتدّت حرّكت الأغصان تحريكا شديدا، و إذا أجفلت قلعت الأشجار و هاجت لها العناصر، و أنها إذا لانت و جرت فويق الأرض جريا خفيفا سكرت بها صفحات الماء و سكنت تحتها الأشياء و أدرك كذلك أن قوة الوجود الشاملة ترعى هشيم النبت بقانون ترعى به الورق الأخضر و الزرع الذي استوى على سوقه و اهتزّ للريح و أسقط ابن أبي طالب نظرية التجّار بقول تناوله من روح الوجود و كأنه يشارك به الكون في التعبير عمّا في ضميره نظرة واحدة يلقيها المرء على الكون الخارجي و أحواله: على النجوم الثابتة في سعة الوجود و الكواكب السابحة في آفاق الأبد، و على الشمس المشرقة و السحاب العارض و الريح ذات الزفيف، و على الجبال تشمخ و البحار تقصفها القواصف أو يسجو على صفحاتها الليل،

٣٦

تكفيه لأن يثق بأنّ للكون قانونا و أنّ لأحواله ناموسا واقعا كلّ منهما تحت الحواسّ و قائما بكل مقياس.

و نظرة واحدة يلقيها المرء على ما يحيط به من الطبيعة القريبة و أحوالها: على الصيف إذ يشتدّ حرّه و تسكن ريحه، و الخريف إذ يكتئب غابه و تتناوح أهواؤه و تعبس فيه أقطار السماء، و الشتاء إذ ترعد أجواؤه و تضطرب بالبروق و تندفع أمطاره عبابا يزحم عبابا و تختلط غيومه حتى لتخفي عليك معالم الأرض و السماء، و الربيع يبسط لك الدنيا آفاقا نديّة و أنهارا غنيّة و خصبا و رواء و جنانا ذات ألوان، كافية لأن تجعله يثق بأنّ لهذه الطبيعة قانونا و أنّ لأحوالها ناموسا واقعا كلّ منهما تحت الحواسّ و قائما بكل مقياس.

و نظرة فاحصة واحدة يلقيها المرء على هذي و ذاك، كافية لتدلّه على أنّ هذه النواميس و القوانين صادقة ثابتة عادلة، يقوم منطقها الصارم بهذه الصفات، و فيها وحدها ما يبرّر وجود هذا الكون العظيم ألقى ابن أبي طالب تلك النظرة على الكون فوعى وعيا مباشرا ما في نواميسه من صدق و ثبات و عدل، فهزّه ما رأى و ما وعى، و جرى في دمه و مشى في كيانه و اصطخب فيه إحساسا و فكرا، فتحرّكت شفتاه تقولان: «ألا و إنه بالحق قامت السماوات و الأرض».

و لو حاولت أن تجمع الصدق و الثبات و العدل في كلمة واحدة، لما وجدت لفظة تحويها جميعا غير لفظة «الحق». ذلك لما يتّحد في مدلولها من جوهر الكلمات الثلاث و أدرك ابن أبي طالب في أعماقه أنّ المقايسة تصحّ أصلا و فرعا بين السماء و الأرض اللتين قامتا بالحقّ و استوتا بوجوده المتلازمة الثلاثة: الصدق و الثبوت و العدل، و بين الدولة التي لا بدّ لها أن تكون صورة مصغّرة عن هذا الكون القائم على أركان سليمة ثابتة، فإذا به يحيا في عقله و ضميره هذه المقايسة على صورة عفوية لا مجال فيها لواغل من الشعور أو لغريب من التفكير، ثم لا يلبث أن يقول: «و أعظم ما افترض من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعية، و حقّ الرعيّة على الوالي فريضة فرضها اللّه لكلّ على كلّ، فجعلها نظاما لألفتهم، فليست تصلح الرعيّة إلاّ بصلاح الولاة، و لا يصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعيّة. فإذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه،

٣٧

و أدّى الوالي إليها حقّها، عزّ الحقّ بينهم، و اعتدلت معالم العدل و جرت على أذلالها السّنن(١) فصلح بذلك الزمان و طمع في بقاء الدولة. و إذا غلبت الرعيّة واليها، أو أجحف الوالي برعيّته، اختلفت هنالك الكلمة و ظهرت معالم الجور و تركت محاجّ السّنن فعمل بالهوى و عطّلت الأحكام و كثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل(٢) و لا لعظيم باطل فعل فهنالك تذلّ الأبرار و تعزّ الأشرار و تعظم تبعات اللّه عند العباد» و أوصيك خيرا بهذا الإحكام للروابط العامة الكبرى بين عناصر الدولة على لسان علي، ثم بين الأعمال الخيّرة المنتجة و بين ثبوت هذه العناصر على أسس من الحق، أو قل من الصدق و الثبوت و العدل: وجوه الحق الثلاثة التي تقوم بها السماوات و الأرض.

و أحسّ عليّ أن هذا الكون العظيم متعاون متكافل فكان من ذلك أنّ الريح إذا اشتدّت حرّكت الأغصان تحريكا شديدا، و إذا أجفلت قلعت الأشجار و هاجت لها العناصر، و أنّها إذا لانت و جرت فويق الأرض جريا خفيفا سكرت بها صفحات الماء و سكنت تحتها الأشياء.

و أحسّ أن الشمس إذا ألقت على الأرض نورها بدت معالم الأرض للعيون و الأذهان، و إذا خلّتها خلّت عليها من الظلمة ستارا. و أنّ النبتة تنمو و تزهو و تورق و قد تثمر، و هي شي‏ء يختلف في شكله و غايته عن أشعّة النهار و جسم الهواء و قطرة الماء و تراب الأرض، و لكنها لا تنمو و لا تورق إلاّ بهذه الأشعّة و هذا الجسم و هذه القطرة و هذا التراب.

و أحسّ أنّ الماء الذي «تلاطم تيّاره و تراكم زخّاره» كما يقول، إنّما «حمل على متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة». و أنّ الريح التي «أعصف اللّه مجراها و أبعد منشأها» مأمورة على بعد هذا المنشأ «بتصفيق الماء الزخّار و إثارة موج البحار، تعصف به

____________________

(١) أذلال، جمع ذل بكسر الذال و ذل الطريق: محجّته، و هي جادته، أي وسطه. و جرت السنن أذلالها، أو على أذلالها: جرت على وجوهها.

(٢) أي، اذا عطل الحق لا تأخذ النفوس وحشة أو استغراب لتعوّدها تعطيل الحقوق و أفعال الباطل، و لاستهانتها بما تفعل.

٣٨

عصفها بالفضاء و تردّ أوّله إلى آخره، و ساجيه إلى مائره(١) حتى يعبّ عبابه». و من زينة الأرض و بهجة القلوب هذه النجوم و هذي الكواكب، و ضياء الثواقب(٢) و السراج المستطير(٣) و القمر المنير أحسّ ابن أبي طالب من وراء ذلك جميعا أنّ هذا الكون القائم بالحقّ، إنّما ترتبط عناصره بعضها ببعض ارتباط تعاون و تساند، و أنّ لقواه حقوقا افترضت لبعضها على بعض، و أنّها متكافئة في كلّ وجوهها متلازمة بحكم وجودها و استمرارها.

فأدرك في أعماقه أنّ المقايسة تصحّ أصلا و فرعا بين هذه العناصر المتعاونة المتكافئة، و بين البشر الذين لا بدّ لهم أن يكوّنوا متعاونين متكافئين بحكم وجودهم و استمرارهم، فهم من أشياء هذا الكون يجري عليهم ما يجري على عناصره جميعا من عبقريّة التكافل الذي يراه عليّ فرضا عليهم لا يحيون إلاّ به و لا يبقون. فإذا به يلفّ عالم الطبيعة الجامدة و عالم الإنسان بومضة عقل واحدة، و انتفاضة إحساس واحدة، ليستشفّ عدالة الكون القائم على وحدة من الصدق و الثبات و العدل، مطلقا هذا الدستور الذي يشارك به الكون في التعبير عن ضميره، قائلا: «ثم جعل من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، و يوجب بعضها بعضا، و لا يستوجب بعضها إلاّ ببعض» و من هذا المعين أيضا قول له عظيم يقرّر به أنّ دوام نعمة من النعم مرهون بما فرض على صاحبها من واجب طبيعيّ نحو إخوانه البشر، و أن عدم القيام بهذا الواجب كاف وحده لأن يزيلها و يفنيها: «من كثرت النّعم عليه كثرت الحوائج إليه. فمن قام فيها بما يجب عرّضها للدوام و البقاء، و من لم يقم فيها بما يجب عرّضها للزوال و الفناء».

____________________

(١) الساجي: الساكن. و المائر: الذي يذهب و يجي‏ء، أو المتحرك مطلقا. و عبّ عبابه: ارتفع علاه.

(٢) الثواقب: المنيرة المشرقة.

(٣) المستطير: المنتشر الضياء. و الشراج المستطير: الشمس.

٣٩

ففي هذين القولين من التعبير عن عدالة الكون، و الناس من موجوداته، ما لا يحتاج إلى كثير من الايضاح. فحقوق العباد على لسان عليّ يكافى‏ء بعضها بعضا. فهي أشبه ما تكون بحقّ الماء على الريح، و النبتة على الماء، و الماء على الشمس، و الشمس على قانون الوجود. و هذه السنّة التي تفرض على الإنسان ألاّ يستحقّ شيئا من الحقوق إلاّ بأدائه حقوقا عليه، ليست إلاّ سنّة الكون العادلة القائمة بهذا العدل.

و لينظر القارى‏ء في هذا الأمر نظرا سديدا ثم ليقل رأيّه في ما رأى. فإنّه إن فعل أدرك لا شكّ أنّ هذه القاعدة التي بلغ ابن أبي طالب بها الى جذور العدالة الكونية، ثابتة لا تغيّر نفسها و لا شذوذ ينقضها.

فعناصر هذا الكون لا تأخذ إلا قدر ما تعطي، و لا يكسب بعضها إلاّ ما يخسره بعضها الآخر. فإذا أخذت الأرض من الشمس نورا و دف‏ءا، أعطت الوجود من عمرها قدر ما أخذت. و كذلك إذا أخذت من الليل ظلاّ يغمرها. و إذا تناولت الزهرة من عناصر الكون الكثيرة ما يحييها و ينميها و يعطيها عبيرا شهيّا، فلسوف يأخذ النور و الهواء من لونها و عطرها بمقدار ما أعطياها، حتى إذا تكامل انعقادها و بلغت قمة حياتها، تعاظم مقدار ما تدفعه من عمرها، فإذا بالحياة و الموت يتنازعانها حتى تسلم إليه أوراقها و جذعها.

أما الأرض فتبتلع منها كل ما كانت قد منحتها إياه.

و البحر لا يستعيد الى جوفه إلاّ ما أعطى السماء من غيوم و البرّ من أمطار.

و كذلك الانسان في حياته الخاصة. فهو لا يحظى بلذة إلاّ بفراق أخرى يدفعها، قاصدا أو غير قاصد، عوضا عمّا أخذ. و هو لا يولد إلا و قد تقرّر أنه سيموت. يقول عليّ: «و مالك الموت هو مالك الحياة» و عن هذا التوازن الحكيم في قانون الكون برحابه و أفلاكه، و أرضه و سمائه، و جامداته و أحيائه، يعبّر ابن أبي طالب بهذه الكلمة التي تجمع سداد الفكر الى عنف الملاحظة إلى عبقرية البساطة: «و لا تنال نعمة إلاّ بفراق أخرى» و لينظر الناظرون في هذا القول فإنّهم إن فعلوا وثقوا بأنّه الواقع الذي يرتسم كلمات هي أشبه بالقاعدة الرياضية التي لا يمكن الخروج عليها.

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

بالقلب، وعمل بالاركان.

قال حمزة بن محمّد: وسمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: سمعت أبي يقول: وقد روى هذا الحديث، عن أبي الصلت الهروي عبد السلام بن صالح، عن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام باسناد مثله، قال أبوحاتم: لو قرئ هذا الاسناد على مجنون لبرئ(١) .

٤٠٦/١٦ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رحمه الله، قال: حدّثنا سعد ابن عبدالله، عن يعقوب بن يزيد، عن زياد بن مروان القندي، عن عليّ بن معبد، عن عبدالله بن القاسم، عن مبارك بن عبد الرحمن، عن أبي عبدالله الصادق، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: الاسلام عريان، فلباسه الحياء، وزينته الوفاء، ومروءته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكل شئ أساس وأساس الاسلام حبنا أهل البيت(٢) .

٤٠٧/١٧ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رحمه الله، قال: حدثني محمّد بن يحيى العطار، عن محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن النضر بن شعيب، عن خالد بن ماد القلانسي، عن القندي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: يا رسول الله، أكل من قال لا إله إلا الله، مؤمن؟ قال: إن عداوتنا تلحق باليهود والنصارى، إنكم لا تدخلون الجنة حتى تحبوني، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغض هذا، يعني عليا عليه السلام(٣) .

٤٠٨/١٨ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن جده أحمد بن أبي عبدالله، عن أبيه محمّد بن خالد، عن غياث بن

______________

(١) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٢٧/٥، الخصال: ١٧٩/٢٤٢، بحار الانوار ٦٩: ٦٣/٩.

(٢) الكافي ٢: ٣٨/٢، المحاسن: ٢٨٦/٤٢٧، بحار الانوار ٦٨: ٣٤٣/١٥.

(٣) بحار الانوار ٢٧: ٧٥/٢.

٣٤١

إبراهيم، عن ثابت بن دينار، عن سعد بن طريف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ بن أبي طالب عليه السلام: يا علي، أنا مدينة الحكمة، وأنت بابها، ولن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغضك، لانك مني وأنا منك لحمك من لحمي، ودمك من دمي، وروحك من روحي، وسريرتك سريرتي، وعلانيتك علانيتي، وأنت إمام امتي وخليفتي عليها بعدي، سعد من أطاعك، وشقي من عصاك، وربح من تولاك، وخسر من عاداك، وفاز من لزمك، وهلك من فارقك، مثلك ومثل الائمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم، كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة(١) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله الطاهرين

______________

(١) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٤١/٦٥، بحار الانوار ٢٣: ١٢٥/٥٣.

٣٤٢

[ ٤٦ ]

المجلس السادس والاربعون

مجلس يوم الثلاثاء

الثاني من شهر ربيع الاول سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٤٠٩/١ - حدّثنا الشيخ الفقيه أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله، قال: حدّثنا الحسن بن متيل الدقاق، قال: حدّثنا أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول: من رأى أخاه على أمر يكرهه، فلم يرده عنه، وهو يقدر عليه، فقد خانه، ومن لم يجتنجب مصادقة الاحمق أوشك أن يتخلق بأخلاقه(١) .

٤١٠/٢ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، عن محمّد ابن عبد الجبار، عن أبي أحمد الازدي، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن الله عزّوجلّ آخى بيني وبين عليّ بن أبي طالب، وزوجه ابنتي فوق سبع سماواته، وأشهد على ذلك مقربي ملائكته، وجعله لي وصيا وخليفة، فعلي مني وأنا منه، محبه محبي، ومبغضه مبغضي، وإن الملائكة لتتقرب إلى الله بمحبته(٢) .

______________

(١) بحار الانوار ٧٤: ١٩٠/٢، و ٧٥: ٦٥/٢.

(٢) بحار الانوار ٤٣: ٩٨/٩.

٣٤٣

٤١١/٣ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن الحسن بن زياد، عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، أنه قال: إن الله تبارك وتعالى رضي لكم الاسلام دينا، فأحسنوا صحبته بالسخاء وحسن الخلق(١) .

٤١٢/٤ - حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور رحمه الله، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن عمه عبدالله بن عامر، عن محمّد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: كثرة المزاح تذهب بماء الوجه، وكثرة الضحك تمحو الايمان، وكثرة الكذب تذهب بالبهاء(٢) .

٤١٣/٥ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن عليّ بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من كان مسلما فلا يمكر ولا يخدع، فإني سمعت جبرئيل عليه السلام يقول: إن المكر والخديعة في النار(٣) .

٤١٤/٦ - ثم قال: صلّى الله عليه وآله وسلّم: ليس منا من غش مسلما، وليس منا من خان مسلما(٤) .

٤١٥/٧ - ثم قال: صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن جبرئيل الروح الامين نزل علي من عند رب العالمين، فقال: يا محمّد، عليك بحسن الخلق، فإن سوء الخلق يذهب بخير الدنيا والآخرة، ألا وإن أشبهكم بي أحسنكم خلقا(٥) .

______________

(١) بحار الانوار ٧١: ٣٥٠/٢، و: ٣٩١/٥٠.

(٢) بحار الانوار ٧٦: ٥٨/١.

(٣) بحار الانوار ٧١: ٣٨٧/٣٥، وسائل الشيعة ٨: ٥٧٠/١.

(٤) بحار الانوار ٧٥: ٢٨٤/٢ وسائل الشيعة ٨: ٥٧٠/١.

(٥) بحار الانوار ٧٣: ٢٩٦/٣، وسائل الشيعة ٨: ٥٧٠/١.

٣٤٤

٤١٦/٨ - حدّثنا الحسين بن إبراهيم بن ناتانه رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: من صلى صلاة مكتوبة ثم سبح في دبرها ثلاثين مرة، لم يبق على بدنه شئ من الذنوب إلا تناثر(١) .

٤١٧/٩ - حدّثنا جعفر بن الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: أتي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بأسارى فأمر بقتلهم خلا رجل من بينهم، فقال الرجل: بأبي أنت وأمي - يا محمّد - كيف أطلقت عني من بينهم؟ فقال: أخبرني جبرئيل عن الله عزّوجلّ أن فيك خمس خصال يحبها الله عزّوجلّ ورسوله: الغيره الشديدة على حرمك، والسخاء، وحسن الخلق، وصدق اللسان، والشجاعة، فلما سمعها الرجل أسلم وحسن إسلامه، وقاتل مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قتالا شديدا حتى استشهد(٢) .

٤١٨/١٠ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رحمه الله، قال: حدّثنا عبد العزيز ابن يحيى الجلودي، قال: (حدّثنا محمّد بن عطية، قال: حدّثنا عبدالله بن عمرو بن سعيد البصري، قال: حدّثنا)(٣) هشام بن جعفر، عن حماد، عن عبدالله بن سليمان(٤) ، وكان قارئا للكتب، قال: قرأت في الانجيل: يا عيسى، جد في أمري ولا

______________

(١) وسائل الشيعة ٤: ١٠٣٢/٥.

(٢) الخصال: ٢٨٢/٢٨، بحار الانوار ٦٩: ٣٨٣/٤٥، و ٧١: ٣٨٤/٢٥.

(٣) أثبتناه من كمال الدين: ١٥٩/١٨، وللسند نظائر في الخصال: ٥٩/٨٠ وكمال الدين: ٣٨٥/١، و: ٣٩٢/٥.

(٤) في نسخة: عن حماد بن عبدالله بن سليمان، وكذا في كمال الدين: ١٥٩/١٨، وفي الخصال ٥٩/٨٠ وكمال الدين: ٣٨٥/١، عن حماد، عن عبدالله بن سليمان، وفي: ٣٩٤/٥ هشام بن جعفر بن حماد، عن عبدالله بن سليمان، والظاهر أنه مصحف هشام بن سنبر، عن حماد بن أبي سليمان، انظر تهذيب الكمال، ٧: ٢٧١ و ٣٠: ٢١٦.

٣٤٥

تهزل، واسمع وأطع، يا بن الطاهرة الطهر البكر البتول، أتيت(١) من غير فحل، أنا خلقتك آية للعالمين، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، خذ الكتاب بقوة، فسر لاهل سوريا السريانية، وبلغ من بين يديك أني أنا الله الدائم الذي لا أزول، صدقوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الامي صاحب الجمل والمدرعة(٢) والتاج - وهي العمامة - والنعلين والهراوة - وهي القضيب - الانجل العينين(٣) ، الصلت الجبين(٤) ، الواضح(٥) الخدين، الاقنى الانف، المفجل(٦) الثنايا، كأن عنقه إبريق فضة، كأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من صدره إلى سرته، ليس على بطنه ولا على صدره شعر، أسمر اللون، دقيق المسربة(٧) ، شثن(٨) الكف والقدم، إذا التفت التفت جميعا، وإذا مشى كأنما يتقلع(٩) من الصخرة وينحدر من صبب(١٠) ، وإذا جاء مع القوم بذهم(١١) ، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، وريح المسك ينفح منه، لم ير قبله مثله ولا بعده، طيب الريح، نكاح النساء ذو النسل القليل، إنما نسله من مباركة لها بيت في الجنة، لا صخب فيه ولا نصب، يكفلها في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك، لها فرخان مستشهدان، كلامه القرآن، ودينه الاسلام، وأنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه، وشهد أيامه، وسمع كلامه.

______________

(١) في نسخة: أنت.

(٢) المدرعة: ثوب صوف، وجبة مشقوقة المقدم.

(٣) العين النجلاء: الواسعة الحسنة.

(٤) جين صلت: واضح في سعة وبريق.

(٥) الواضح: الابيض.

(٦) قنى الانف: ارتفاع وسط قصبته وضيق منخريه، وفلج الاسنان: تباعدها.

(٧) المسربة: الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة.

(٨) الشسن: الغليظ الخشن.

(٩) في نسخة: ينقلع، والمراد قوة مشيه، أي كأنه يرفع رجليه من الارض رفعا قويا، لا كمن يمشي اختيالا ويقارب خطاه، فإن ذلك من مشي النساء.

(١٠) الصيب: الموضع المنحدر.

(١١) أي غلبهم وسبقهم.

٣٤٦

قال عيسى عليه السلام: يا رب، وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة، أنا غرستها، تظل الجنان، أصلها من رضوان، ماؤها من تسنيم، برده برد الكافور، وطعمه طعم الزنجبيل، من يشرب من تلك العين شربة لا يظلما بعدها أبدا.

فقال عيسى عليه السلام: اللهم اسقني منها. قال: حرام - يا عيسى - على البشر أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي، وحرام على الامم أن يشربوا منها حتى تشرب أمة ذلك النبي، أرفعك إلي ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على العين الدجال، أهبطك في وقت الصلاة لتصلي معهم إنهم أمة مرحومة(١) .

٤١٩/١١ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبوبكر أحمد بن دبيس بن عبدالله المفسر، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن أبي البهلول المروزي، قال: حدّثنا الفضل بن هرمز ديار الطبري، قال: حدّثنا أبوعلي الحسن بن شجاع البلخي، قال: حدّثنا سليمان بن الربيع، قال: سمعت كادح بن أحمد يقول: سمعت مقاتل بن سليمان يقول: سمعت الضحاك، قال: سأل رجل ابن عباس: ما الذي أخفى الله تبارك وتعالى من الجنة، وقد أخبر عن أزواجها، وعن خدمها، وطيبها وشرابها وثمرها، وما ذكر الله تبارك وتعالى من أمرها وأنزله في كتابه؟ فقال ابن عباس: هي جنة عدن، خلقها الله يوم الجمعة، ثم أطبق عليها، فلم يرها مخلوق من أهل السماوات والارض حتى يدخلها أهلها، قال لها عزّوجلّ ثلاث مرات: تكلمي. فقالت: طوبى للمؤمنين. قال جل جلاله: طوبى للمؤمنين، وطوبى لك.

قال مقاتل: قال الضحاك: قال ابن عباس: فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلا من كان فيه ست خصال فإنه منهم: من صدق حديثه، وأنجز وعده، وأدى أمانته، وبر والديه، ووصل رحمه، واستغفر من ذنبه، فهو مؤمن(٢) .

٤٢٠/١٢ - حدّثنا أبوالعباس محمّد بن إبراهيم الطالقاني رحمه الله، قال: حدثنا

______________

(١) بحار الانوار ١٤: ٢٨٤/٦.

(٢) بحار الانوار ٦٧: ٢٩٠/١٣.

٣٤٧

أبو بكر محمّد بن القاسم الانباري، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا أبوبكر محمّد بن أبي يعقوب الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن أبي المقدام العجلي، قال: يروى أن رجلا جاء إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا أميرالمؤمنين، إن لي إليك حاجة. فقال: اكتبها في الارض، فإني أرى الضر فيك بينا. فكتب في الارض: أنا فقير محتاج. فقال علي عليه السلام: يا قنبر اكسه حلتين. فأنشأ الرجل يقول:

كسوتني حلة تبلى محاسنها

فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا

إن نلت حسن ثنائي نلت مكرمة

ولست تبقي بما قد نلته بدلا

إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه

كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا

لا تزهد الدهر في عرف(١) بدأت به

فكل عبد سيجزى بالذي فعلا

فقال علي عليه السلام: أعطوه مائة دينار، فقيل له: يا أميرالمؤمنين، لقد أغنيته. فقال: إني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: أنزلوا الناس منازلهم.

ثم قال علي عليه السلام: إني لاعجب من أقوام يشترون المماليك بأموالهم، ولا يشترون الاحرار بمعروفهم!(٢) .

٤٢١/١٣ - حدّثنا أبوالعباس محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رحمه الله، قال: حدّثنا أبوأحمد عبدالله بن أحمد بن محمّد بن عيسى، قال: حدّثنا عليّ بن سعيد بن بشير، قال: حدّثنا ابن كاسب، قال: حدّثنا عبدالله بن ميمون المكي، قال: حدّثنا جعفر ابن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين عليهم السلام، أنه دخل عليه رجلان من قريش، فقال: ألا أحدثكما عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ فقالا: بلى، حدّثنا عن أبي القاسم. قال: سمعت أبي عليه السلام يقول: لما كان قبل وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بثلاثة أيام هبط عليه جبرئيل، فقال: يا أحمد، إن الله أرسلني إليك إكراما وتفضيلا لك وخاصة، يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك يا محمّد؟ قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: أجدني - يا جبرئيل - مغموما وأجدني - يا جبرئيل - مكروبا.

______________

(١) العرف: المعروف.

(٢) بحار الانوار ٧٤: ٤٠٧/٢.

٣٤٨

فلما كان اليوم الثلاث هبط جبرئيل وملك الموت، ومعهما ملك يقال له: إسماعيل في الهواء علي سبعين ألف ملك، فسبقهم جبرئيل عليه السلام، فقال: يا أحمد، إن الله عزّوجلّ أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا لك وخاصة، يسألك عما هو أعلم به منك. فقال: كيف تجدك يا محمّد؟ قال: أجدني - يا جبرئيل - مغموما، وأجدني - يا جبرئيل - مكروبا.

فاستأذن ملك الموت، فقال جبرئيل: يا أحمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، لم يستأذن على أحد قبلك، ولا يستأذن على أحد بعدك. قال: ائذن له. فأذن له جبرئيل عليه السلام، فأقبل حتى وقف بين يديه، فقال: يا أحمد، إن الله أرسلني إليك، وأمرني أن أطيعك فيما تأمرني، إن أمرتني بقبض نفسك قبضتها، وإن كرهت تركتها. فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: أتفعل ذلك يا ملك الموت؟ قال: نعم، بذلك أمرت أن أطيعك فيما تأمرني.

فقال له جبرئيل عليه السلام: يا أحمد، أن الله تبارك وتعالى قد اشتاق إلى لقائك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا ملك الموت، امض لما أمرت به. فقال جبرئيل عليه السلام: هذا آخر وطئي الارض، إنما كنت حاجتي من الدنيا.

فلما توفي رسول الله (صلّى الله على روحه الطيب)، جاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه، ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (١) إن في الله عزّوجلّ عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: هل تدرون من هذا؟ هذا الخضر عليه السلام(٢) .

٤٢٢/١٤ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق، قال: حدّثنا أبوالعباس أحمد

______________

(١) آل عمران ٣: ١٨٥.

(٢) بحار الانوار ٢٢: ٥٠٤/٤.

٣٤٩

ابن إسحاق المادري(١) بالبصرة في رجب سنة ثمان عشرة وثالث مائة، قال: حدّثنا أبوقلابة عبد الملك بن محمّد، قال: حدّثنا غانم بن الحسن السعدي، قال: حدّثنا مسلم ابن خالد المكي، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام، عن جابر بن عبدالله الانصاري، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، قال: قالت فاطمة عليها السلام لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا أبتاه، أين ألقاك يوم الموقف الاعظم، ويوم الاهوال، ويوم الفزع الاكبر؟ قال: يا فاطمة، عند باب الجنة، ومعي لواء الحمد، وأنا الشفيع لامتي إلى ربي.

قالت: يا أبتاه، فإن لم ألقك هناك؟ قال: القيني على الحوض وأنا أسقي أمتي. قالت: يا أبتاه، فإن لم ألقك هناك؟ قال: القيني على الصراط وأنا قائم أقول: رب سلم أمتي، قالت: فإن لم ألقك هناك؟ قال: القيني وأنا عند الميزان أقول: رب سلم أمتي. قالت: فإن لم ألقك هناك؟ قال: القيني عند شفير جهنم أمنع شررها ولهبها عن أمتي. فاستبشرت فاطمة بذلك (صلّى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها)(٢) .

٤٢٣/١٥ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رحمه الله، قال: حدّثنا أبوأحمد عبد العزيز بن يحيى البصري، قال: حدّثنا المغيرة بن محمّد، قال: حدثني إبراهيم بن محمّد بن عبد الرحمن الازدي سنة ست عشرة ومائتين، قال: حدّثنا قيس بن الربيع ومنصور بن أبي الاسود، عن الاعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبدالله، قال: قال علي عليه السلام: ما نزلت من القرآن آية إلا وقد علمت أين نزلت، وفيمن نزلت، وفي أي شئ نزلت، وفي سهل نزلت، أو في جبل نزلت.

قيل: فما نزل فيك؟ فقال: لولا أنكم سألتموني ما أخبرتكم، نزلت في هذه الآية:( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (٣) ، فرسول الله المنذر، وأنا الهادي إلى ما جاء به(٤) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله

______________

(١) في نسخة: الماردي، وفي اخرى: المادرائي.

(٢) بحار الانوار ٤٣: ٢١/١١.

(٣) الرعد ١٣: ٧.

(٤) بحار الانوار ٩٢: ٧٩/٢.

٣٥٠

[ ٤٧ ]

المجلس السابع والاربعون

مجلس يوم الجمعة

الخامس من شهر ربيع الاول سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٤٢٤/١ - حدّثنا الشيخ الجليل الفقيه أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن محمّد بن عصام الكليني، قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب الكليني، عن عليّ بن محمّد المعروف بعلان، عن محمّد بن الفرج الرخجي، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام أسأله عما قال هشام بن الحكم في الجسم، وهشام بن سالم في الصورة، فكتب عليه السلام: دع عنك حيرة الحيران، واستعذ بالله من الشيطان، ليس القول ما قال الهشامان(١) .

٤٢٥/٢ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الصقر بن دلف(٢) ، قال سألت أبا الحسن عليّ بن محمّد بن عليّ ابن موسى الرضا عليهم السلام عن التوحيد، وقلت له إني أقول بقول هشام بن الحكم، فغضب عليه السلام، ثم قال: مالكم ولقول هشام، إنه ليس منا من زعم أن الله جسم،

______________

(١) التوحيد: ٩٧/٢، بحار الانوار ٣: ٢٨٨/٣.

(٢) كذا في النسخ، وفي معجم رجال الحديث ٩: ١٣٩، والخصال: ٣٩٥/١٠٢: الصقر بن أبي دلف.

٣٥١

ونحن منه براء في الدنيا والآخرة. يا بن دلف، إن الجسم محدث، والله محدثه ومجسمه(١) .

٤٢٦/٣ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن عليّ بن مهزيار، قال: كتبت إلى أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسى الرضا عليهم السلام: جعلت فداك أصلي خلف من يقول بالجس، ومن يقول بقول يونس بن عبد الرحمن؟ فكتب عليه السلام: لا تصلوا خلفهم، ولا تعطوهم من الزكاة، وابرءوا منهم، برئ الله منهم(٢) .

٤٢٧/٤ - حدّثنا أحمد بن عليّ بن إبراهيم رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن عليّ بن معبد، عن واصل، عن عبدالله بن سنان، عن أبيه، قال: حضرت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام، ودخل عليه رجل من الخوارج، فقال: يا أبا جعفر، أي شئ تعبد؟ قال: الله. قال: رأيته؟ قال: لم تره العيون بمشاهدة العيان، ورأته القلوب بحقائق الايمان، لا يعرف بالقياس، ولا يشبه بالناس، موصوف بالآيات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلا هو.

قال: فخرج الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته(٣) .

٤٢٨/٥ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى(٤) ، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبدالله الكوفي، عن محمّد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدّثنا الفضل بن سليمان الكوفي، عن الحسين بن خالد، قال: سمعت الرضا عليّ بن موسى عليهما السلام يقول: لم يزل الله تبارك وتعالى عالما قادرا، حيا قديما، سميعا بصيرا.

فقلت له: يا بن رسول الله: إن قوما يقولون: إنه عزّوجلّ لم يزل عالما بعلم، وقادرا بقدرة، وحيا بحياة، وقديما بقدم، وسميعا بسمع، وبصيرا ببصر.

______________

(١) التوحيد: ١٠٤/٢٠، بحار الانوار ٣: ٢٩١/١٠.

(٢) بحار الانوار ٣: ٢٩٢/١٣، و ٨٨: ٧٩/٣٤.

(٣) التوحيد: ١٠٨/٥، الاحتجاج: ٣٢١، بحار الانوار ٤: ٢٦/١.

(٤) في العيون، والتوحيد: عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقاق، وكلاهما واحد، انظر نوابغ الرواة: ١٧٣.

٣٥٢

فقال عليه السلام: من قال بذلك ودان به، فقد اتخذ مع الله آلهة اخرى، وليس من ولايتنا على شئ. ثم قال عليه السلام لم يزل الله عزّوجلّ عالما قادرا، حيا قديما، سميعا بصيرا لذاته، تعالى عما يقول المشركون المشبهون علوا كبيرا(١) .

٤٢٩/٦ - حدّثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ السكري، قال: حدّثنا محمّد بن زكريا الجوهري، عن جعفر بن محمّد بن عمارة(٢) ، عن أبيه، قال: سألت الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، فقلت له: يا بن رسول الله، أخبرني عن الله، هل له رضا وسخط؟ فقال: نعم، وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، ولكن غضب الله عقابه، ورضاه ثوابه(٣) .

٤٣٠/٧ - حدّثنا محمّد بن أحمد السناني رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبدالله الاسدي الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن عليّ بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان، ولا مكان، ولا حركة، ولا انتقال، ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون والانتقال، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا(٤) .

٤٣١/٨ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن صباح بن عبد الحميد وهشام وحفص وغير واحد، قالوا: قال أبوعبدالله الصادق عليه السلام: إنا لا نقول جبرا ولا تفويضا(٥) .

٤٣٢/٩ - حدّثنا محمّد بن عليّ ما جيلويه، قال: حدّثنا عمي محمّد بن أبي

______________

(١) التوحيد: ١٣٩/٣، عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ١١٩/١٠، الاحتجاج: ٤١٠، بحار الانوار ٤: ٦٢/١.

(٢) في النسخ: محمّد بن عمارة، والصواب ما أثبتناه من التوحيد، انظر الجامع في الرجال: ٤٠٢، نوابغ الرواة: ٢٧١، في ترجمة محمّد بن زكريا الغلابي،

(٣) التوحيد: ١٧٠/٤، بحار الانوار ٤: ٦٣/٣.

(٤) بحار الانوار ٣: ٣٠٩/١.

(٥) بحار الانوار ٥: ٤/١.

٣٥٣

القاسم، قال: حدّثنا محمّد بن عليّ القرشي، عن محمّد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن الله جل جلاله أوحى إلى الدنيا: أن أتعبي من خدمك، واخدمي من رفضك، وإن العبد إذا تخلى بسيده في جوف الليل المظلم وناجاه، أثبت الله النور في قلبه، فإذا قال: يا رب يا رب، ناداه الجليل جل جلاله: لبيك عبدي، سلني أعطك، وتوكل علي أكفك، ثم يقول جل جلاله لملائكته: يا ملائكتي، أنظروا إلى عبدي، فقد تخلى بي في جوف الليل المظلم، والبطالون لا هون، والغافلون نيام، اشهدوا أني قد غفرت له.

ثم قال عليه السلام: عليكم بالورع والاجتهاد والعبادة، وزوهدوا في هذه الدنيا الزاهدة فيكم، فإنها غرارة، دار فناء وزوال، كم من مغتر بها قد أهلكته، وكم من واثق بها قد خانته، وكم من معتمد عليها قد خدعته وأسلمته، واعلموا أن أمامكم طريقا مهولا، وسفرا بعيدا، وممركم على الصراط، ولا بد للمسافر من زاد، فمن لم يتزود وسافر عطب وهلك، وخير الزاد التقوى، ثم اذكروا وقوفكم بين يدي الله جل جلاله، فإنه الحكم العدل، واستعدوا لجوابه إذا سألكم، فإنه لابد سائلكم عما عملتم بالثقلين من بعدي، كتاب الله، وعترتي، فانظروا أن لا تقولوا: أما الكتاب فغيرنا وحرفنا، وأما العترة ففارقنا وقتلنا، فعند ذلك لا يكون جزاؤكم إلا النار، فمن أراد منكم أن يتخلص من هول ذلك اليوم، فليتول وليي، وليتبع وصيي وخليفتي من بعدي علي ابن أبي طالب، فإنه صاحب حوضي، يذود عنه أعداءه، ويسقي أولياءه، فمن لم يسق منه لم يزل عطشان ولم يرو أبدا، ومن سقي منه شربة لم يشق ولم يظمأ أبدا، وإن عليّ بن أبي طالب عليه السلام لصاحب لوائي في الآخرة، كما كان صاحب لوائي في الدنيا، وإنه أول من يدخل الجنة، لانه يقدمني وبيده لوائي، تحته آدم ومن دونه من الانبياء(١) .

______________

(١) بحار الانوار ٣٨: ٩٩/١٨.

٣٥٤

٤٣٣/١٠ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله بن أبي خلف، قال: حدثني أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، قال: جاء رجل إلى الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام فقال له: يا بن رسول الله، أخبرني بمكارم الاخلاق. فقال: العفو عمن ظلمك، وصلة من قطعك، وإعطاء من حرمك، وقول الحق ولو على نفسك(١) .

٤٣٤/١١ - حدّثنا محمّد بن الحسن رحمه الله، قال: حدثني سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي نجران والحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبدالله السجستاني، عن أبان بن تغلب، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: أنه قال: من مات ما بين زوال الشمس من يوم الخميس إلى زوال الشمس من يوم الجمعة من المؤمنين، أعاذه الله من ضغطة القبر(٢) .

٤٣٥/١٢ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رحمه الله، قال حدّثنا سعد ابن عبدالله، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عنبسة بن بجاد العابد: أن رجلا قال للصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: أوصني. فقال: أعد جهازك، وقدم زادك لطول سفرك، وكن وصي نفسك، ولا تأمن غيرك أن يبعث إليك بما يصلحك(٣) .

٤٣٦/١٣ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله بن أبي خلف، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: حدثني جعفر بن بشير البجلي، قال: حدثني حماد بن واقد، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام أنه قال: من قال سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم: ثلاثين مرة، استقبل الغنى، واستدبر الفقر، وقرع باب الجنة(٤) .

______________

(١) معاني الاخبار: ١٩١/١، بحار الانوار ٦٩: ٣٦٨/٦.

(٢) ثواب الاعمال: ١٩٤، بحار الانوار ٦: ٢٢١/١٧، و ٨٩: ٢٦٥/١.

(٣) مستطرفات السرائر: ١٤٦/١٩، بحار الانوار ٧٨: ٢٧٠/١١١.

(٤) بحار الانوار ٩٣: ١٧٧/٥.

٣٥٥

٤٣٧/١٤ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، أنه قال: والله إن كان علي عليه السلام ليأكل أكل العبد، ويجلس جلسة العبد، وإن كان ليشتري القميصين السنبلانيين(١) ، فيخير غلامه خيرهما ثم يلبس الآخر، فإذا جاز أصابعه قطعه، وإذا جاز كعبه حذفه، ولقد ولي خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا أقطع قطيعا، ولا أورث بيضاء ولا حمراء، وإن كان ليطعم الناس خبز البر واللحم، وينصرف إلى منزله ويأكل خبز الشعير والزيت والخل، وما ورد عليه أمران كلاهما لله رضا إلا أخذ بأشدهما على بدنه، ولقد أعتق ألف مملوك من كد يده، تربت فيه يداه، وعرق فيه وجهه، وما أطاق عمله أحد من الناس، وإن كان ليصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وإن كان أقرب الناس شبها به عليّ بن الحسين عليهما السلام، وما أطاق عمله أحد من الناس بعده(٢) .

٤٣٨/١٥ - وسمع رجل من التابعين أنس بن مالك يقول، نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب عليه السلام:( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) (٣) قال الرجل: فأتيت عليا عليه السلام لانظر إلى عبادته، فأشهد بالله لقد أتيته وقت المغرب فوجدته يصلي بأصحابه المغرب، فلما فرغ منها جلس في التعقيب إلى أن قام إلى عشاء الآخرة، ثم دخل منزله فدخلت معه، فوجدته طول الليل يصلي ويقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر، ثم جدد وضوءه وخرج إلى المسجد وصلى بالناس صلاة الفجر، ثم جلس في التعقيب إلى أن طلعت الشمس، ثم قصده الناس فجعل يختصم إليه رجلان، فإذا فرغا قام آخران، إلى أن قام إلى صلاة الظهر، قال: فجدد لصلاة الظهر وضوءه، ثم صلى بأصحابه الظهر، ثم قعد في التعقيب إلى أن

______________

(١) القميص السنبلاني: السابغ الطول، وقيل: هو منسوب إلى بلد بالروم.

(٢) بحار الانوار ٤١: ١٠٢/١.

(٣) الزمر ٣٩: ٩.

٣٥٦

صلى بهم العصر، ثم أتاه الناس، فجعل يقوم رجلان ويقعد آخران، يقضي بينهم ويفتيهم إلى أن غابت الشمس، فخرجت وأنا أقول: أشهد بالله أن هذه الآية نزلت فيه(١) .

٤٣٩/١٦ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن عبدالله البرقي، عن أبيه محمّد بن خالد، عن وهب بن وهب، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من أطعم مؤمنا من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن كساه من عري كساه الله من استبرق وحرير، ومن سقاه شربة على عطش سقاه الله من الرحيق المختوم، ومن أعانه أو كشف كربته أظله الله في ظل عرشة يوم لا ظل إلا ظله(٢) .

٤٤٠/١٧ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبدالله بن سنان، عن أبي حمزة الثمالي، عن الاصبغ بن نباتة، أنه قال: كان أميرالمؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام إذا اتي بالمال أدخله بيت مال المسلمين، ثم جمع المستحقين، ثم ضرب يده في المال فنثره يمنة ويسرة، وهو يقول: يا صفراء، يا بيضاء، لا تغريني، غري غيري:

هذا جناي وخياره فيه

إذ كل جان يده إلى فيه(٣)

ثم لا يخرج حتى يفرق ما في بيت مال المسلمين ويؤتي كل ذي حق حقه، ثم يأمر أن يكنس ويرش، ثم يصلي فيه ركعتين، ثم يطلق الدنيا ثلاثا، يقول بعد التسليم:

______________

(١) بحار الانوار ٤١: ١٣/٣.

(٢) بحار الانوار ٧٤: ٣٨٢/٨٨.

(٣) هذا البيت لعمرو بن عدي اللخمي ابن اخت جذيمة الابرش، وكان جذيمة قد نزل منزلا، وأمر الناس أن يجتنوا له الكمأة، فكان بعضهم إذا وجد منها شيئا يعجبه فربما آثر نفسه به على جذيمة، وكان عمرو بن عدي يأتيه بخير ما يجد، ويقول هذا البيت، فذهب مثلا، قال ابن سلام: والذي أراد علي رضي الله عنه أني اعطي المال غيري، وامنعه نفسي. كتاب الامثال: ١٧٤/٤٩٥.

٣٥٧

يا دنيا لا تتعرضي لي ولا تتشوقي ولا تغريني، فقد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي عليك(١) .

٤٤١/١٨ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن عليّ بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، أنه سئل ما العقل؟ فقال: التجرع للغصة، ومداهنة الاعداء، ومداراة الاصدقاء(٢) .

٤٤٢/١٩ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، عن محمّد بن أحمد الاشعري، عن سلمة بن الخطاب، عن الحسين بن سعيد الازدي، عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدالله بن صباح، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الاولين والآخرين في صعيد واحد، فتغشاهم ظلمة شديدة، فيضجون إلى ربهم ويقولون: يا رب، اكشف عنا هذه الظلمة. قال: فيقبل قوم، يمشي النور بين أيديهم، قد أضاء أرض القيامة، فيقول أهل الجمع: هؤلاء أنبياء الله؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بإنبياء. فيقول أهل الجمع: فهؤلاء ملائكة؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بملائكة. فيقول أهل الجمع: هؤلاء شهداء؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بشهداء. فيقولون: من هم؟ فيجيئهم النداء: يا أهل الجمع، سلوهم من أنتم. فيقول أهل الجمع: من أنتم؟ فيقولون: نحن العلويون، نحن ذرية محمّد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، نحن أولاد علي ولي الله، نحن المخصوصون بكرامة الله، نحن الآمنون المطمئنون. فيجيئهم النداء من عند الله عزّوجلّ: اشفعوا في محبيكم وأهل مودتكم وشيعتكم، فيشفعون ويشفعون(٣) .

٤٤٣/٢٠ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا سلمة

______________

(١) بحار الانوار ٤١: ١٠٣/٢.

(٢) بحار الانوار ٧٥: ٣٩٣/٣.

(٣) بحار الانوار ٧: ١٠٠/٤، و ٩٦: ٢١٧/١.

٣٥٨

ابن الخطاب، قال: حدّثنا أبوطاهر محمّد بن تسنيم الوراق، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذات يوم لاصحابه: معاشر أصحابي، إن الله جل جلاله يأمركم بولاية عليّ بن أبي طالب، والاقتداء به، فهو وليكم وإمامكم من بعدي، لا تخالفوه فتكفروا، ولا تفارقوا فتضلوا، إن الله جل جلاله جعل عليا علما بين الايمان والنفاق، فمن أحبه كان مؤمنا، ومن أبغضه كان منافقا، إن الله جل جلاله جعل عليا وصيي ومنار الهدى بعدي، وموضع سري، وعيبة علمي، وخليفتي في أهلي، إلى الله أشكو ظالميه من أمتي من بعدي(١) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله

______________

(١) بحار الانوار ٣٨: ٩٧/١٥.

٣٥٩

[ ٤٨ ]

المجلس الثامن والاربعون

مجلس يوم الثلاثاء

التاسع من شهر ربيع الاول سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٤٤٤/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، قال: حدثني أبي، عن جده أحمد بن أبي عبدالله، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: كان إبليس (لعنه الله) يخترق السماوات السبع، فلما ولد عيسى عليه السلام حجب عن ثلاث سماوات، وكان يخترق أربع سماوات، فلما ولد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حجب عن السبع كلها، ورميت الشياطين بالنجوم، وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتب يذكرونه، وقال عمرو بن أمية، وكان من أزجر أهل الجاهلية: انظروا هذه النجوم التي يهتدى بها، ويعرف بها أزمان الشتاء والصيف، فإن كان رمي بها فهو هلاك كل شئ، وإن كانت ثبتت ورمي بغيرها فهو أمر حدث.

وأصبحت الاصنام كلها صبيحة مولد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ليس منها صنم إلا وهو منكب على وجهه، وارتجس(١) في تلك الليلة أيوان كسرى، وسقطت منه أربعة

______________

(١) الارتجاس: الاضطراب والتزلزل.

٣٦٠

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780