الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق7%

الأمالي شيخ الصدوق مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 780

الأمالي شيخ الصدوق
  • البداية
  • السابق
  • 780 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 441810 / تحميل: 8644
الحجم الحجم الحجم
الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

كأنّ مكاكيّ الجواء غديّة *** نشاوى سلاف من رحيق مفلفل

كأنّ السباع فيه غرقى عشيّة *** بأرجائه القصوى، أنا بيش عنصل

فأنت ترى الى امرى‏ء القيس كيف يلحظ أن المطر قد أسقط نخل تيماء كلّه، و جرف أبنيتها فلم يبق منها إلا المشيد بالجنادل و الصخور. أما جبل «ثبير» المعتز بشموخه على ما حوله من الأرض الواطئة، فقد غطاه المطر إلاّ رأسه، فبدا كشيخ قوم ملتفّ بكساء مخطط. و تتابع الأمطار طوفانها حول الجبال ثم تلقي أثقالها جميعا في الصحارى التي ظلّت زمنا قاحلة لا نبت فيها و لا رواء، فإذا بها تنبت عشبا و زهرا ملوّنا يشبه الثياب الملونة الحسناء التي ينشرها التاجر اليماني امام أعين الناس. و قد أحسن المطر إلى هذه الصحارى المجدبة فإذا هي رياض زاهية تغنّي بها الطير طربة سكرى أمّا الوحوش الضارية التي كانت تستبيح لنفسها افتراس الضعيف من الحيوان و الطير، فقد ذلّها المطر و أغرقها فطفت على الماء كأنها جذور البصل البرّي.

و هكذا يبدو المطر في خاطر الشاعر الجاهلي الكبير، الذي يتابع رحلته حتى النهاية، و كأنه يمثّل قوة الوجود المدبّرة. فهو قويّ عادل كريم ينصر الصعفاء الممثّلين بالأرض الواطئة و صغار الطير، فيملأ الوادي بالنبت و الزهر و اللون و يدخل الفرحة على قلوب العصافير فتطرب و تغنّي. و يداعب الأقوياء الممثّلين بالجبال التي يضايقها من كل جانب و يضعف من شأنها. و يفتك بذوي البطش الممثلين بالسباع الضارية فيقهرها و يغرقها و يجعلها تافهة و هذا عليّ يحسّ أمام الغيث ما أحسّه امرؤ القيس من تمثيله القوة العادلة الكريمة، فيقول في خاتمة حديث طويل: «فلما ألقت السحائب بعاع ما استقلّت به(١) من العب‏ء المحمول عليها، أخرج به من هوامد الأرض النبات(٢) و من زعر الجبال الأعشاب(٣) فهي تبهج بزينة رياضها

____________________

(١) البعاع: ثقل السحاب من الماء. و ألقى السحاب بعاعه: أمطر كل ما فيه.

(٢) الهوامد من الأرض: ما لم يكن بها نبات.

(٣) زعر، مجمع أزعر، و هو: الموضع القليل النبات.

٢١

و تزدهي بما ألبسته من ريط أزاهيرها(١) و حلية ما سمطت به(٢) من ناضر أنوارها، و جعل ذلك بلاغا للأنام و رزقا للأنعام» ثم إن عليّا يوجز الفكرة البعيدة في ما شاهده امرؤ القيس من عمل المطر في الجبال و السباع، بهذه الكلمة: «من تعظّم على الزمان أهانه» و إن هذه الروائع التي عبرت بنا في هذا الفصل، لتنبع كلّها من معين واحد بالرغم من اختلاف موضوعاتها و تباين أغراضها و تباعد ظروفها. ففيها جميعا هذه الاصالة في الفكر و الحس و الخيال و الذوق، التي تربط بين صاحبها و جملة الكائنات في وحدة وجودية مطلقة و أراك حيث رحت في أدب عليّ بن أبي طالب، شاعرا بهذه الاصالة التي تحدوه أبدا إلى اكتناه الروابط الخفية الكامنة وراء مظاهر الحياة و الموت، و وراء الأشكال التي تختلف على الحقيقة الواحدة الثابتة التي لا تختلف. و ما نزعته التوحيدية الجامحة إلا نزعة الأديب الحق يريد أن يركّز الوجود، في عقله و قلبه على السواء، على أصول لا يجوز فيها قديم و لا جديد و يتبيّن من نهج البلاغة ان نظريات ابن أبي طالب الاجتماعية و الأخلاقية، تنبع بصورة مباشرة أو غير مباشرة من هذه النظرة الواحدة الشاملة الى الوجود. فما أقرب الموت من الحياة في سنّة الوجود. و ما أقرب طرفي الخير و الشر. و ما أكثر ما يجتمع الحزن و السرور في قلب واحد في وقت معا، و الكسل و النشاط في جسد واحد. «فربّ بعيد هو أقرب من قريب في أدب ابن أبي طالب و ربّ رجاء يؤدي الى الحرمان، و تجارة تؤول الى الخسران». و ليس عجيبا أن يجوز في الناس قول ابن أبي طالب: «من حفر لأخيه بئرا وقع فيها، و من هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته، و من تكبّر على الناس ذلّ» فالدائرة الوجودية الواحدة تقضي على الناس و الأشياء و الكائنات جميعا بالخضوع لقاعدتها

____________________

(١) ريط، جمع ريطة بالفتح و هي كل ثوب رقيق ليّن.

(٢) سمط الشي‏ء: علقت عليه السموط و هي: الخيوط تنظم في القلادة.

٢٢

التعادلية التي أدركها الإمام بحدسه و عقله و حسّه على السواء، إدراكا عجيبا لشدة ما فيه من الوضوح ثم لكثرة ما يمدّ صاحبه بالقوة على الكشف، فإذا به يعبّر عن هذا الإدراك بكلمات تؤلف قواعد رياضية تتناول المظاهر و تنفذ منها الى ما وراءها من أصول وجودية عميقة ثابتة.

و هكذا يستوي ابن أبي طالب و قمم الوجود على صعيد واحد من النظرة الى الحياة الواحدة، و الاحساس العميق بالوجود الواحد، فإذا بأدبه صرخات متلاحقة تنطلق من قلب عبقريّ يريد أن ينفذ إلى الأشياء حتى يرى أغوارها فيطمئن الى هذا الإدراك، و حتى يعقل ما تباين منها ثابتا على قاعدة، و ما اختلف منها نابعا من أصل، و ما تباعد منها مضموما في وحدة طرفاها الأزل و الأبد

٢٣

الاسلوب و العبقريّة الخطابيّة

بيان لو نطق بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضا و لو هدّد الفساد و المفسدين لتفجّر براكين لها أضواء و أصوات و لو دعا إلى تأمّل لرافق فيك منشأ الحسّ و أصل التفكير فساقك الى ما يريده سوقا و وصلك بالكون وصلا و يندمج الشكل بالمعنى اندماج الحرارة بالنار و الضوء بالشمس و الهواء بالهواء، فما أنت إزاءه إلا ما يكون المرء قبالة السيل إذ ينحدر و البحر إذ يتموّج و الريح إذ تطوف أما إذا تحدّث اليك عن بهاء الوجود و جمال الخلق، فإنما يكتب على قلبك بمداد من نجوم السماء و من اللفظ ما له وميض البرق، و ابتسامة السماء في ليالي الشتاء، هذا من حيث المادة. أما من حيث الأسلوب، فعليّ بن أبي طالب ساحر الأداء. و الأدب لا يكون إلاّ بأسلوب، فالمبنى ملازم فيه للمعنى، و الصورة لا تقلّ في شي‏ء عن المادة.

و أيّ فنّ كانت شروط الإخراج فيه أقل شأنا من شروط المادة

٢٤

و إن قسط علي بن أبي طالب من الذوق الفني، أو الحسّ الجمالي، لممّا يندر وجوده.

و ذوقه هذا كان المقياس الطبيعي الضابط للطبع الأدبي عنده. أما طبعه هذا فهو طبع ذوي الموهبة و الاصالة الذين يرون فيشعرون و يدركون فتنطلق ألسنتهم بما تجيش به قلوبهم و تنكشف عنه مداركهم انطلاقا عفويا. لذلك تميّز أدب عليّ بالصدق كما تميّزت به حياته.

و ما الصدق إلا ميزة الفن الأولى و مقياس الأسلوب الذي لا يخادع.

و إن شروط البلاغة، التي هي موافقة الكلام لمقتضى الحال، لم تجتمع لأديب عربي كما اجتمعت لعليّ بن أبي طالب. فإنشاؤه مثل أعلى لهذه البلاغة، بعد القرآن. فهو موجز على وضوح، قويّ جيّاش، تامّ الانسجام لما بين ألفاظه و معانيه و أغراضه من ائتلاف، حلو الرنّة في الأذن موسيقيّ الوقع. و هو يرفق و يلين في المواقف التي لا تستدعي الشدة.

و يشتدّ و يعنف في غيرها من المواقف، و لا سيما ساعة يكون القول في المنافقين و المراوغين و طلاّب الدنيا على حساب الفقراء و المستضعفين و أصحاب الحقوق المهدورة. فأسلوب عليّ صريح كقلبه و ذهنه، صادق كطويته، فلا عجب أن يكون نهجا للبلاغة.

و قد بلغ أسلوب عليّ من الصدق حدّا ترفّع به حتى السجع عن الصنعة و التكلّف.

فإذا هو على كثرة ما فيه من الجمل المتقاطعة الموزونة المسجّعة، أبعد ما يكون عن الصنعة، و أقرب ما يكون من الطبع الزاخر.

فانظر الى هذا الكلام المسجّع و الى مقدار ما فيه من سلامة الطبع: «يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، و معاصي العباد في الخلوات، و اختلاف النينان في البحار الغامرات، و تلاطم الماء بالرياح العاصفات» أو إلى هذا القول من إحدى خطبه: «و كذلك السماء و الهواء، و الرياح و الماء، فانظر الى الشمس و القمر، و النبات و الشجر، و الماء و الحجر، و اختلاف هذا الليل و النهار، و تفجّر هذه البحار، و كثرة الجبال، و طول هذه القلال، و تفرّق هذه اللغات، و الألسن المختلفات الخ...» و أوصيك خيرا بهذا السجع الجاري مع الطبع: «ثم زيّنها بزينة الكواكب، و ضياء الثواقب(١) و أجرى فيها سراجا مستطيرا(٢) و قمرا

____________________

(١) الثواقب: المنيرة المشرقة.

(٢) سراجا مستطيرا: منتشر الضياء. و يريد به الشمس.

٢٥

منيرا، في فلك دائر، و سقف سائر الخ». فإنك لو حاولت إبدال لفظ مسجوع في هذه البدائع جميعا، بآخر غير مسجوع، لعرفت كيف يخبو إشراقها، و يبهت جمالها، و يفقد الذوق فيها أصالته و دقّته و هما الدليل و المقياس. فالسجع في هذه الأقوال العلوية ضرورة فنية يقتضيها الطبع الذي يمتزج بالصناعة امتزاجا حتى لكأنهما من معدن واحد يبعث النثر شعرا له أوزان و أنغام ترفق المعنى بصور لفظية من جوّها و من طبيعتها.

و من سجع الإمام آيات تردّ النغم على النغم ردّا جميلا، و تذيب الوقع في الوقع على قرارات لا أوزن منها على السمع و لا أحبّ ترجيعا. و مثال ذلك ما ذكرناه من سجعاته منذ حين، ثم هذه الكلمات الشهيات على الأذن و الذوق جميعا: «أنا يوم جديد، و أنا عليك شهيد، فاعمل فيّ خيرا، و قل خيرا» و إذا قلنا إن أسلوب عليّ تتوفّر فيه صراحة المعنى و بلاغة الأداء و سلامة الذوق، فإنما نشير إلى القارى‏ء بالرجوع الى «روائع نهج البلاغة» هذا ليرى كيف تتفجّر كلمات عليّ من ينابيع بعيدة القرار في مادّتها، و بأيّة حلّة فنيّة رائعة الجمال تمور و تجري.

و إليك هذه التعابير الحسان في قوله: «المرء مخبوء تحت لسانه» و في قوله: «الحلم عشيرة» أو في قوله: «من لان عوده كثفت أغصانه» أو في قوله: «كلّ وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنّه يتّسع» أو في قوله أيضا: «لو أحبّني جبل لتهافت». أو في هذه الأقوال الرائعة: «العلم يحرسك و أنت تحرس المال. ربّ مفتون بحسن القول فيه. إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، و إذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. ليكن أمر الناس عندك في الحق سواء. افعلوا الخير و لا تحقروا منه شيئا فإنّ صغيره كبير و قليله كثير.

هلك خزّان المال و هم أحياء. ما متّع غنيّ إلاّ بما جاع به فقير».

ثمّ استمع إلى هذا التعبير البالغ قمّة الجمال الفنّي و قد أراد به أن يصف تمكّنه من التصرف بمدينة الكوفة كيف شاء، قال: «ما هي إلاّ الكوفة أقبضها و أبسطها...» فأنت ترى ما في أقواله هذه من الأصالة في التفكير و التعبير، هذه الأصالة التي تلازم الأديب الحقّ بصورة مطلقة و لا تفوته إلاّ إذا فاتته الشخصية الأدبية ذاتها.

٢٦

و يبلغ أسلوب عليّ قمّة الجمال في المواقف الخطابية، أي في المواقف التي تثور بها عاطفته الجيّاشة، و يتّقد خياله فتعتلج فيه صور حارّة من أحداث الحياة التي تمرّس بها. فإذا بالبلاغة تزخر في قلبه و تتدفّق على لسانه تدفّق البحار. و يتميّز أسلوبه، في مثل هذه المواقف، بالتكرار بغية التقرير و التأثير، و باستعمال المترادفات و باختيار الكلمات الجزلة ذات الرنين. و قد تتعاقب فيه ضروب التعبير من إخبار الى استفهام الى تعجّب الى استنكار. و تكون مواطن الوقف فيه قويّة شافية للنفس. و في ذلك ما فيه من معنى البلاغة و روح الفن. و اليك مثلا على هذا خطبة الجهاد المشهورة، و قد خطب عليّ بها الناس لما أغار سفيان بن عوف الأسدي على مدينة الأنبار بالعراق و قتل عامله عليها: «هذا أخو غامد(١) قد بلغت خيله الأنبار و قتل حسّان بن حسّان البكري و أزال خيلكم عن مسالحها و قتل منكم رجالا صالحين.

«و قد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، و الأخرى المعاهدة، فينزع حجلها، و قلبها، و رعاثها، ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم، و لا أريق لهم دم، فلو أن امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا، ما كان به ملوما، بل كان به عندي جديرا.

«فيا عجبا و اللّه يميت القلب و يجلب الهمّ اجتماع هؤلاء على باطلهم و تفرّقكم عن حقكم. فقبحا لكم حين صرتم غرضا يرمى: يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون» فانظر الى مقدرة الإمام في هذه الكلمات الموجزة. فإنه تدرّج في إثارة شعور سامعيه حتى وصل بهم الى ما يصبو اليه. و سلك الى ذلك طريقا تتوفّر فيه بلاغة الاداء و قوة التأثير.

فإنه أخبر قومه بغزو سفيان بن عوف الأنبار، و في ذلك ما فيه من عار يلحق بهم. ثم أخبرهم بأن هذا المعتدي إنما قتل عامل أمير المؤمنين في جملة ما قتل، و بأن هذا المعتدي لم يكتف بذلك بل أغمد سيفه في نحور كثيرة من رجالهم و أهليهم.

____________________

(١) اذا شئت شرحا للمفردات و التعابير الغريبة الواردة في هذه الخطبة، فارجع اليها في مكانها من هذا الكتاب.

٢٧

و في الفقرة الثانية من الخطبة توجّه الإمام إلى مكان الحميّة من السامعين، الى مثار العزيمة و النخوة من نفس كل عربي، و هو شرف المرأة. و عليّ يعلم أن من العرب من لا يبذل نفسه إلاّ للحفاظ على سمعة امرأة و على شرف فتاة، فإذا هو يعنّف هؤلاء القوم على القعود دون نصرة المرأة التي استباح الغزاة حماها ثم انصرفوا آمنين، ما نالت رجلا منهم طعنة و لا أريق لهم دم.

ثم إنه أبدى ما في نفسه من دهش و حيرة من امر غريب: «فإنّ أعداءه يتمسكون بالباطل فيناصرونه، و يدينون بالشر فيغزون الأنبار في سبيله، فيما يقعد أنصاره حتى عن مناصرة الحق فيخذلونه و يفشلون عنه.

و من الطبيعي ان يغضب الإمام في مثل هذا الموقف، فإذا بعبارته تحمل كل ما في نفسه من هذا الغضب، فتأتي حارّة شديدة مسجّعة مقطّعة ناقمة: فقبحا لكم حين صرتم غرضا يرمى: يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون. و يعصى اللّه و ترضون» و قد تثور عاطفته و تتقطّع فإذا بعضها يزحم بعضا على مثل هذه الكلمات المتقطّعة المتلاحقة: «ما ضعفت، و لا جبنت، و لا خنت، و لا وهنت» و قد تصطلي هذه العاطفة بألم ثائر يأتيه من قوم أراد لهم الخير و ما اردوه لأنفسهم لغفلة في مداركهم و وهن في عزائمهم، فيخطبهم بهذا القول الثائر الغاضب، قائلا: «ما لي أراكم أيقاظا نوّما، و شهودا غيّبا، و سامعة صمّاء، و ناطقة بكماء الخ» و الخطباء العرب كثيرون، و الخطابة من الأشكال الأدبية التي عرفوها في الجاهلية و الاسلام و لا سيّما في عصر النبي و الخلفاء الراشدين لما كان لهم بها من حاجة. أمّا خطيب العهد النبويّ الأكبر فالنبيّ لا خلاف في ذلك. أمّا في العهد الراشدي، و في ما تلاه من العصور العربية قاطبة، فإنّ أحدا لم يبلغ ما بلغ إليه عليّ بن أبي طالب في هذا النحو. فالنطق السهل لدى عليّ كان من عناصر شخصيته و كذلك البيان القويّ بما فيه من عناصر الطبع و الصناعة جميعا. ثم إنّ اللّه يسّر له العدّة الكاملة لما تقتضيه الخطابة من مقوّمات أخرى على ما مرّ بنا. فقد ميّزه اللّه بالفطرة السليمة، و الذوق الرفيع، و البلاغة الآسرة، ثم بذخيرة

٢٨

من العلم انفرد بها عن أقرانه، و بحجّة قائمة، و قوّة إقناع دامغة، و عبقريّة في الارتجال نادرة. أضف إلى ذلك صدقه الذي لا حدود له و هو ضرورة في كلّ خطبة ناجحة، و تجاربه الكثيرة المرّة التي كشفت لعقله الجبّار عن طبائع الناس و أخلاقهم و صفات المجتمع و محرّكاته. ثم تلك العقيدة الصلبة التي تصعب مداراتها و ذلك الألم العميق الممزوج بالحنان العميق، و بطهارة القلب و سلامة الوجدان و شرف الغاية.

و إنّه من الصعب أن تجد في شخصيات التاريخ من اجتمعت لديه كلّ هذه الشروط التي تجعل من صاحبها خطيبا فذّا، غير عليّ بن أبي طالب و نفر من الخلق قليل، و ما عليك إلاّ استعراض هذه الشروط، ثم استعراض مشاهير الخطباء في العالمين الشرقي و الغربي، لكي تدرك أنّ قولنا هذا صحيح لا غلوّ فيه.

و ابن أبي طالب على المنبر رابط الجأش شديد الثقة بنفسه و بعدل القول. ثم إنه قويّ الفراسة سريع الإدراك يقف على دخائل الناس و أهواء النفوس و أعماق القلوب، زاخر جنانه بعواطف الحريّة و الانسانية و الفضيلة، حتّى إذا انطلق لسانه الساحر بما يجيش به قلبه أدرك القوم بما يحرّك فيهم الفضائل الراقدة و العواطف الخامدة.

أمّا إنشاؤه الخطابي فلا يجوز وصفه إلاّ بأنه أساس في البلاغة العربية. يقول أبو الهلال العسكري صاحب «الصناعتين»: ليس الشأن في إيراد المعاني وحدها و إنّما هو في جودة اللفظ، أيضا، و صفائه و حسنه و بهائه و نزاهته و نقائه و كثرة طلاوته و مائه مع صحة السبك و التركيب و الخلوّ من أود النظم و التأليف.

من الألفاظ ما هو فخم كأنه يجرّ ذيول الأرجوان أنفة و تيها. و منها ما هو ذو قعقعة كالجنود الزاحفة في الصفيح. و منها ما هو كالسيف ذي الحدّين. و منها ما هو كالنقاب الصفيق يلقى على بعض العواطف ليستر من حدّتها و يخفّف من شدّتها. و منها ما له ابتسامة السماء في ليالي الشتاء من الكلام ما يفعل كالمقرعة، و منه ما يجري كالنبع الصافي.

كل ذلك ينطبق على خطب عليّ في مفرداتها و تعابيرها. هذا بالإضافة إلى أنّ الخطبة تحسن إذا انطبعت بهذه الصفات اللفظية على رأي صاحب الصناعتين، فكيف بها إذا كانت،

٢٩

كخطب ابن أبي طالب، تجمع روعة هذه الصفات في اللفظ إلى روعة المعنى و قوّته و جلاله و إليك شيئا مما قلناه في الجزء الثالث من كتابنا «الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية» بصدد بيان الإمام، لا سيما ما كان منه في خطبه: نهج للبلاغة آخذ من الفكر و الخيال و العاطفة آيات تتّصل بالذوق الفنّي الرفيع ما بقي الانسان و ما بقي له خيال و عاطفة و فكر، مترابط بآياته متساوق، متفجّر بالحسّ المشبوب و الإدراك البعيد، متدفّق بلوعة الواقع و حرارة الحقيقة و الشوق إلى معرفة ما وراء هذا الواقع، متآلف يجمع بين جمال الموضوع و جمال الإخراج حتى ليندمج التعبير بالمدلول، أو الشكل بالمعنى، اندماج الحرارة بالنار و الضوء بالشمس و الهواء بالهواء، فما أنت إزاءه إلاّ ما يكون المرء قبالة السيل إذ ينحدر و البحر إذ يتموّج و الريح إذ تطوف. أو قبالة الحدث الطبيعي الذي لا بدّ له أن يكون بالضرورة على ما هو كائن عليه من الوحدة لا تفرّق بين عناصرها إلاّ لتمحو وجودها و تجعلها إلى غير كون بيان لو نطق بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضا و لو هدّد الفساد و المفسدين لتفجّر براكين لها أضواء و أصوات و لو انبسط في منطق لخاطب العقول و المشاعر فأقفل كلّ باب على كلّ حجّة غير ما ينبسط فيه و لو دعا إلى تأمّل لرافق فيك منشأ الحسّ و أصل التفكير، فساقك إلى ما يريده سوقا، و وصلك بالكون وصلا، و وحّد فيك القوى للاكتشاف توحيدا. و هو لو راعاك لأدركت حنان الأب و منطق الأبوّة و صدق الوفاء الانساني و حرارة المحبّة التي تبدأ و لا تنتهي أمّا إذا تحدّث إليك عن بهاء الوجود و جمالات الخلق و كمالات الكون، فإنّما يكتب على قلبك بمداد من نجوم السماء بيان هو بلاغة من البلاغة، و تنزيل من التنزيل. بيان اتّصل بأسباب البيان العربي ما كان منه و ما يكون، حتى قال أحدهم في صاحبه ان كلامه دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوق

٣٠

و خطب علي جميعا تنضح بدلائل الشخصية حتى لكأنّ معانيها و تعابيرها هي خوالج نفسه بالذات، و أحداث زمانه التي تشتعل في قلبه كما تشتعل النار في موقدها تحت نفخ الشمال. فإذا هو يرتجل الخطبة حسّا دافقا و شعورا زاخرا و إخراجا بالغا غاية الجمال.

و كذلك كانت كلمات عليّ بن أبي طالب المرتجلة، فهي أقوى ما يمكن للكلمة المرتجلة أن تكون من حيث الصدق، و عمق الفكرة، و فنّية التعبير، حتى انها ما نطقت بها شفتاه ذهبت مثلا سائرا.

فمن روائعه المرتجلة قوله لرجل أفرط في مدحه بلسانه و أفرط في اتّهامه بنفسه: «أنا دون ما تقول و فوق ما في نفسك».

و من ذلك أنه لمّا اعتزم أن يقوم وحده لمهمّة جليلة تردّد فيها أنصاره و تخاذلوا، جاءه هؤلاء و قالوا له و هم يشيرون إلى أعدائه: يا أمير المؤمنين نحن نكفيكهم. فقال من فوره: «ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفوني غيركم؟ إن كانت الرعايا قبلي لتشكو حيف رعاتها، فإنني اليوم لأشكو حيف رعيّتي، كأنّي المقود و هم القادة».

و لمّا قتل أصحاب معاوية محمد بن أبي بكر فبلغه خبر مقتله قال: «إن حزننا عليه قدر سرورهم به، ألا إنّهم نقصوا بغيضا و نقصنا حبيبا».

و سئل: أيهما أفضل: العدل أم الجود؟ فقال: «العدل يضع الأمور مواضعها، و الجود يخرجها من جهتها، و العدل سائس عامّ، و الجود عارض خاصّ، فالعدل أشرفهما و أفضلهما».

و قال في صفة المؤمن، مرتجلا: «المؤمن بشره في وجهه، و حزنه في قلبه، أوسع شي‏ء صدرا، و أذلّ شي‏ء نفسا.

يكره الرفعة، و يشنأ السمعة، طويل غمّه، بعيد همّه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، سهل الخليقة، ليّن العريكة» و سأله جاهل متعنّت عن معضلة، فأجابه على الفور: «اسأل تفقّها و لا تسأل تعنّتا فإنّ الجاهل المتعلم شبيه بالعالم، و إنّ العالم المتعسّف شبيه بالجاهل المتعنّت»

٣١

و الخلاصة أنّ عليّ بن أبي طالب أديب عظيم نشأ على التمرّس بالحياة و على المرانة بأساليب البلاغة فإذا هو مالك ما يقتضيه الفنّ من أصالة في شخصية الأديب، و من ثقافة خاصّة تنمو بها الشخصية و تتركز الأصالة.

أمّا اللغة، لغتنا العربية الحبيبة التي قال فيها مرشلوس في المجلد الأول من كتابه «رحلة الى الشرق» هذا القول الذكيّ: «اللغة العربية هي الأغنى و الأفصح و الأكثر و الألطف وقعا بنى سائر لغات الأرض. بتراكيب أفعالها تتبع طيران الفكر و تصوّره بدقّة، و بأنغام مقاطعها الصوتية تقلّد صراخ الحيوانات و رقرقة المياه الهاربة و عجيج الرياح و قصف الرعد»، أمّا هذه اللغة، بما ذكر مرشلوس من صفاتها و بما لم يذكر، فإنّك واجد أصولها و فروعها، و جمال ألوانها و سحر بيانها، في أدب الامام عليّ و كان أدبا في خدمة الإنسان و الحضارة

٣٢

٣٣

٣٤

العدالة الكونيّة و ما يمثّله علىّ منها

٣٥

تكافؤ الوجود

و أحسّ عليّ أنّ هذا الكون العظيم متعاون متكافل فكان من ذلك أن الريح إذا اشتدّت حرّكت الأغصان تحريكا شديدا، و إذا أجفلت قلعت الأشجار و هاجت لها العناصر، و أنها إذا لانت و جرت فويق الأرض جريا خفيفا سكرت بها صفحات الماء و سكنت تحتها الأشياء و أدرك كذلك أن قوة الوجود الشاملة ترعى هشيم النبت بقانون ترعى به الورق الأخضر و الزرع الذي استوى على سوقه و اهتزّ للريح و أسقط ابن أبي طالب نظرية التجّار بقول تناوله من روح الوجود و كأنه يشارك به الكون في التعبير عمّا في ضميره نظرة واحدة يلقيها المرء على الكون الخارجي و أحواله: على النجوم الثابتة في سعة الوجود و الكواكب السابحة في آفاق الأبد، و على الشمس المشرقة و السحاب العارض و الريح ذات الزفيف، و على الجبال تشمخ و البحار تقصفها القواصف أو يسجو على صفحاتها الليل،

٣٦

تكفيه لأن يثق بأنّ للكون قانونا و أنّ لأحواله ناموسا واقعا كلّ منهما تحت الحواسّ و قائما بكل مقياس.

و نظرة واحدة يلقيها المرء على ما يحيط به من الطبيعة القريبة و أحوالها: على الصيف إذ يشتدّ حرّه و تسكن ريحه، و الخريف إذ يكتئب غابه و تتناوح أهواؤه و تعبس فيه أقطار السماء، و الشتاء إذ ترعد أجواؤه و تضطرب بالبروق و تندفع أمطاره عبابا يزحم عبابا و تختلط غيومه حتى لتخفي عليك معالم الأرض و السماء، و الربيع يبسط لك الدنيا آفاقا نديّة و أنهارا غنيّة و خصبا و رواء و جنانا ذات ألوان، كافية لأن تجعله يثق بأنّ لهذه الطبيعة قانونا و أنّ لأحوالها ناموسا واقعا كلّ منهما تحت الحواسّ و قائما بكل مقياس.

و نظرة فاحصة واحدة يلقيها المرء على هذي و ذاك، كافية لتدلّه على أنّ هذه النواميس و القوانين صادقة ثابتة عادلة، يقوم منطقها الصارم بهذه الصفات، و فيها وحدها ما يبرّر وجود هذا الكون العظيم ألقى ابن أبي طالب تلك النظرة على الكون فوعى وعيا مباشرا ما في نواميسه من صدق و ثبات و عدل، فهزّه ما رأى و ما وعى، و جرى في دمه و مشى في كيانه و اصطخب فيه إحساسا و فكرا، فتحرّكت شفتاه تقولان: «ألا و إنه بالحق قامت السماوات و الأرض».

و لو حاولت أن تجمع الصدق و الثبات و العدل في كلمة واحدة، لما وجدت لفظة تحويها جميعا غير لفظة «الحق». ذلك لما يتّحد في مدلولها من جوهر الكلمات الثلاث و أدرك ابن أبي طالب في أعماقه أنّ المقايسة تصحّ أصلا و فرعا بين السماء و الأرض اللتين قامتا بالحقّ و استوتا بوجوده المتلازمة الثلاثة: الصدق و الثبوت و العدل، و بين الدولة التي لا بدّ لها أن تكون صورة مصغّرة عن هذا الكون القائم على أركان سليمة ثابتة، فإذا به يحيا في عقله و ضميره هذه المقايسة على صورة عفوية لا مجال فيها لواغل من الشعور أو لغريب من التفكير، ثم لا يلبث أن يقول: «و أعظم ما افترض من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعية، و حقّ الرعيّة على الوالي فريضة فرضها اللّه لكلّ على كلّ، فجعلها نظاما لألفتهم، فليست تصلح الرعيّة إلاّ بصلاح الولاة، و لا يصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعيّة. فإذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه،

٣٧

و أدّى الوالي إليها حقّها، عزّ الحقّ بينهم، و اعتدلت معالم العدل و جرت على أذلالها السّنن(١) فصلح بذلك الزمان و طمع في بقاء الدولة. و إذا غلبت الرعيّة واليها، أو أجحف الوالي برعيّته، اختلفت هنالك الكلمة و ظهرت معالم الجور و تركت محاجّ السّنن فعمل بالهوى و عطّلت الأحكام و كثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل(٢) و لا لعظيم باطل فعل فهنالك تذلّ الأبرار و تعزّ الأشرار و تعظم تبعات اللّه عند العباد» و أوصيك خيرا بهذا الإحكام للروابط العامة الكبرى بين عناصر الدولة على لسان علي، ثم بين الأعمال الخيّرة المنتجة و بين ثبوت هذه العناصر على أسس من الحق، أو قل من الصدق و الثبوت و العدل: وجوه الحق الثلاثة التي تقوم بها السماوات و الأرض.

و أحسّ عليّ أن هذا الكون العظيم متعاون متكافل فكان من ذلك أنّ الريح إذا اشتدّت حرّكت الأغصان تحريكا شديدا، و إذا أجفلت قلعت الأشجار و هاجت لها العناصر، و أنّها إذا لانت و جرت فويق الأرض جريا خفيفا سكرت بها صفحات الماء و سكنت تحتها الأشياء.

و أحسّ أن الشمس إذا ألقت على الأرض نورها بدت معالم الأرض للعيون و الأذهان، و إذا خلّتها خلّت عليها من الظلمة ستارا. و أنّ النبتة تنمو و تزهو و تورق و قد تثمر، و هي شي‏ء يختلف في شكله و غايته عن أشعّة النهار و جسم الهواء و قطرة الماء و تراب الأرض، و لكنها لا تنمو و لا تورق إلاّ بهذه الأشعّة و هذا الجسم و هذه القطرة و هذا التراب.

و أحسّ أنّ الماء الذي «تلاطم تيّاره و تراكم زخّاره» كما يقول، إنّما «حمل على متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة». و أنّ الريح التي «أعصف اللّه مجراها و أبعد منشأها» مأمورة على بعد هذا المنشأ «بتصفيق الماء الزخّار و إثارة موج البحار، تعصف به

____________________

(١) أذلال، جمع ذل بكسر الذال و ذل الطريق: محجّته، و هي جادته، أي وسطه. و جرت السنن أذلالها، أو على أذلالها: جرت على وجوهها.

(٢) أي، اذا عطل الحق لا تأخذ النفوس وحشة أو استغراب لتعوّدها تعطيل الحقوق و أفعال الباطل، و لاستهانتها بما تفعل.

٣٨

عصفها بالفضاء و تردّ أوّله إلى آخره، و ساجيه إلى مائره(١) حتى يعبّ عبابه». و من زينة الأرض و بهجة القلوب هذه النجوم و هذي الكواكب، و ضياء الثواقب(٢) و السراج المستطير(٣) و القمر المنير أحسّ ابن أبي طالب من وراء ذلك جميعا أنّ هذا الكون القائم بالحقّ، إنّما ترتبط عناصره بعضها ببعض ارتباط تعاون و تساند، و أنّ لقواه حقوقا افترضت لبعضها على بعض، و أنّها متكافئة في كلّ وجوهها متلازمة بحكم وجودها و استمرارها.

فأدرك في أعماقه أنّ المقايسة تصحّ أصلا و فرعا بين هذه العناصر المتعاونة المتكافئة، و بين البشر الذين لا بدّ لهم أن يكوّنوا متعاونين متكافئين بحكم وجودهم و استمرارهم، فهم من أشياء هذا الكون يجري عليهم ما يجري على عناصره جميعا من عبقريّة التكافل الذي يراه عليّ فرضا عليهم لا يحيون إلاّ به و لا يبقون. فإذا به يلفّ عالم الطبيعة الجامدة و عالم الإنسان بومضة عقل واحدة، و انتفاضة إحساس واحدة، ليستشفّ عدالة الكون القائم على وحدة من الصدق و الثبات و العدل، مطلقا هذا الدستور الذي يشارك به الكون في التعبير عن ضميره، قائلا: «ثم جعل من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، و يوجب بعضها بعضا، و لا يستوجب بعضها إلاّ ببعض» و من هذا المعين أيضا قول له عظيم يقرّر به أنّ دوام نعمة من النعم مرهون بما فرض على صاحبها من واجب طبيعيّ نحو إخوانه البشر، و أن عدم القيام بهذا الواجب كاف وحده لأن يزيلها و يفنيها: «من كثرت النّعم عليه كثرت الحوائج إليه. فمن قام فيها بما يجب عرّضها للدوام و البقاء، و من لم يقم فيها بما يجب عرّضها للزوال و الفناء».

____________________

(١) الساجي: الساكن. و المائر: الذي يذهب و يجي‏ء، أو المتحرك مطلقا. و عبّ عبابه: ارتفع علاه.

(٢) الثواقب: المنيرة المشرقة.

(٣) المستطير: المنتشر الضياء. و الشراج المستطير: الشمس.

٣٩

ففي هذين القولين من التعبير عن عدالة الكون، و الناس من موجوداته، ما لا يحتاج إلى كثير من الايضاح. فحقوق العباد على لسان عليّ يكافى‏ء بعضها بعضا. فهي أشبه ما تكون بحقّ الماء على الريح، و النبتة على الماء، و الماء على الشمس، و الشمس على قانون الوجود. و هذه السنّة التي تفرض على الإنسان ألاّ يستحقّ شيئا من الحقوق إلاّ بأدائه حقوقا عليه، ليست إلاّ سنّة الكون العادلة القائمة بهذا العدل.

و لينظر القارى‏ء في هذا الأمر نظرا سديدا ثم ليقل رأيّه في ما رأى. فإنّه إن فعل أدرك لا شكّ أنّ هذه القاعدة التي بلغ ابن أبي طالب بها الى جذور العدالة الكونية، ثابتة لا تغيّر نفسها و لا شذوذ ينقضها.

فعناصر هذا الكون لا تأخذ إلا قدر ما تعطي، و لا يكسب بعضها إلاّ ما يخسره بعضها الآخر. فإذا أخذت الأرض من الشمس نورا و دف‏ءا، أعطت الوجود من عمرها قدر ما أخذت. و كذلك إذا أخذت من الليل ظلاّ يغمرها. و إذا تناولت الزهرة من عناصر الكون الكثيرة ما يحييها و ينميها و يعطيها عبيرا شهيّا، فلسوف يأخذ النور و الهواء من لونها و عطرها بمقدار ما أعطياها، حتى إذا تكامل انعقادها و بلغت قمة حياتها، تعاظم مقدار ما تدفعه من عمرها، فإذا بالحياة و الموت يتنازعانها حتى تسلم إليه أوراقها و جذعها.

أما الأرض فتبتلع منها كل ما كانت قد منحتها إياه.

و البحر لا يستعيد الى جوفه إلاّ ما أعطى السماء من غيوم و البرّ من أمطار.

و كذلك الانسان في حياته الخاصة. فهو لا يحظى بلذة إلاّ بفراق أخرى يدفعها، قاصدا أو غير قاصد، عوضا عمّا أخذ. و هو لا يولد إلا و قد تقرّر أنه سيموت. يقول عليّ: «و مالك الموت هو مالك الحياة» و عن هذا التوازن الحكيم في قانون الكون برحابه و أفلاكه، و أرضه و سمائه، و جامداته و أحيائه، يعبّر ابن أبي طالب بهذه الكلمة التي تجمع سداد الفكر الى عنف الملاحظة إلى عبقرية البساطة: «و لا تنال نعمة إلاّ بفراق أخرى» و لينظر الناظرون في هذا القول فإنّهم إن فعلوا وثقوا بأنّه الواقع الذي يرتسم كلمات هي أشبه بالقاعدة الرياضية التي لا يمكن الخروج عليها.

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

٥١٧/١١ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن عبدالله البرقي رحمه الله، قال: حدّثنا أبي، عن جده أحمد بن أبي عبدالله، عن الحسن بن عليّ ابن فضال، عن إبراهيم بن محمّد الاشعري، عن أبان بن عبد الملك، عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: إن موسى بن عمران عليه السلام حين أراد أن يفارق الخضر عليه السلام قال له: أوصني، فكان مما أوصاه أن قال له: إياك واللجاجة، أو أن تمشي في غير حاجة، أو أن تضحك من غير عجب، واذكر خطيئتك، وإياك وخطايا الناس(١) .

٥١٨/١٢ - وبهذا الاسناد، عن الحسن بن عليّ بن فضال، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، قال: دعا حذيفة بن اليمان ابنه عند موته، فأوصى إليه، وقال: يا بني، أظهر اليأس مما في أيدي الناس، فإن فيه الغنى، وإياك وطلب الحاجات إلى الناس فإنه فقر حاضر، وكن اليوم خيرا منك أمس، وإذا صليت فصل صلاة مودع للدنيا، كأنك لا ترجع إليها، وإياك وما يعتذر منه(٢) .

٥١٩/١٣ - حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رحمه الله، قال: حدّثنا علي ابن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن صفوان بن يحيى، عن العيص بن القاسم، عن عبدالله بن مسكان، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام أنه قال: احبب أخاك المسلم، واحبب له ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لنفسك، إذا احتجت فسله، وإذا سألك فأعطه، ولا تدخر عنه خيرا فإنه لا يدخر عنك.

كن له ظهرا فإنه لك ظهر، إن غاب فاحفظه في غيبته، وإن شهد فزره، وأجله وأكرمه فإنه منك وأنت منه، وإن كان عليك عاتبا فلا تفارقه حتى تسل سخيمته(٣) وما

______________

(١) بحار الانوار ١٣: ٢٩٤/٧.

(٢) بحار الانوار ٧٨: ٤٤٧/٨.

(٣) السخيمة: الحقد والضغينة.

٤٠١

في نفسه، وإذا أصابه خير فاحمد الله عليه، وإن ابتلي فاعضده وتمحل له(١) .

٥٢٠/١٤ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبوسعيد الحسن بن عليّ العدوي سنة سبع عشرة وثلاث مائة وهو ابن مائة وسبع سنين، قال: حدّثنا الحسين بن أحمد الطفاوي، قال: حدّثنا قيس بن الربيع، قال: حدّثنا سعد الخفاف، عن عطية العوفي، عن مخدوج بن زيد الذهلي، أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم آخى بين المسلمين، ثم قال: يا علي، أنت أخي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي. أما علمت - يا علي - أنه أول من يدعى به يوم القيامة يدعى بي، فأقوم عن يمين العرش، فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بأبينا إبراهيم عليه السلام فيقوم عن يمين العرش في ظله، فيكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على أثر بعض، فيقومون سماطين عن يمين العرش في ظله، ويكسون حللا خضراء من حلل الجنة.

ألا وإني أخبرك - يا علي - أن أمتي أول الامم يحاسبون يوم القيامة، ثم أبشرك - يا علي - أن أول من يدعى يوم القيامة يدعى بك، هذا لقرابتك مني ومنزلتك عندي، فيدفع إليك لوائي، وهو لواء الحمد، فتسير به بين السماطين، وإن آدم وجميع من خلق الله يستظلون بظل لوائي يوم القيامة، وطوله مسيرة ألف سنة، سنانه ياقوتة حمراء، قصبة(٢) فضة بيضاء، زجه(٣) درة خضراء، له ثلاث ذوائب من نور، ذوابة في المشرق، وذؤابة في المغرب، وذؤابة في وسط الدنيا مكتوب عليها ثلاثة أسطر، الاول: بسم الله الرحمن الرحيم، والآخر: الحمد لله رب العالمين، والثالث: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله. طول كل سطر مسيرة ألف سنة، وعرضه مسيرة ألف سنة.

______________

(١) بحار الانوار ٧٤: ٢٢٢/٥، تمحل له: تكلفه وسعى له.

(٢) في نسخة: قضيبه، والقصب: ما كان مستطيلا أجوف من الذهب والفضة ونحوهما.

(٣) الزج: الحديدة في أسفل الرمح.

٤٠٢

فتسير باللواء والحسن عن يمينك، والحسين عن يسارك، حتى تقف بيني وبين إبراهيم في ظل العرش، فتكسي حلة خضراء من حلل الجنة، ثم ينادي مناد من عند العرش: نعم الاب أبوك إبراهيم، ونعم الاخ أخوك علي، ألا وإني ابشرك - يا علي - أنك تدعى إذا دعيت، وتكسى إذا كسيت، وتحيا إذا حييت(١) .

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

______________

(١) بحار الانوار ٨: ١/١.

٤٠٣

[ ٥٣ ]

المجلس الثالث والخمسون

وهو يوم الجمعة

السادس والعشرين من شهر ربيع الاول سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٥٢١/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن بكران النقاش بالكوفة، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الهمداني، قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، قال: إن أول ما خلق الله عزّوجلّ ليعرف به خلقه الكتابة حروف المعجم، وإن الرجل إذا ضرب على رأسه بعصا، فزعم أنه لا يفصح ببعض الكلام، فالحكم فيه أن تعرض عليه حروف المعجم، ثم يعطى الدية بقدر ما لم يفصح منها.

ولقد حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن أميرالمؤمنين عليه السلام، في ألف ب ت ث، أنه قال: الالف آلاء الله، والباء بهجة الله، والتاء تمام الامر بقائم آل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، والثاء ثواب المؤمنين على أعمالهم الصالحة، ج ح خ فالجيم جمال الله وجلال الله، والحاء حلم الله عن المذنبين، والخاء خمول ذكر أهل المعاصي عند الله عزّوجلّ، د ذ فالدال دين الله، والذال من ذي الجلال والاكرام، ر ز فالراء من الرؤوف الرحيم، والزاي زلازل القيامة، س ش فالسين سناء الله، والشين شاء الله ما شاء وأراد ما أراد، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.

٤٠٤

ص ض فالصاد من صادق الوعد في حمل الناس على الصراط وحبس الظالمين عند المرصاد والضاد ضل من خالف محمّدا وآل محمّد، ط ظ فالطاء طوبى للمؤمنين وحسن مآب، والظاء ظن المؤمنين بالله خيرا وظن الكافرين به سوءا، ع غ فالعين من العالم، والغين من الغني، ف ق فالفاء فوج من أفواج النار، والقاف قرآن على الله جمعه وقرآنه، ك ل فالكاف من الكافي، واللام لغو الكافرين في افترائهم على الله الكذب، م ن فالميم ملك الله يوم لا ملك غيره، ويقول الله عزّوجلّ:( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) ثم ينطق أرواح أنبيائه ورسله وحججه فيقولون:( لِلَّـهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) فيقول الله، جل جلاله:( الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّـهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (١) ، والنون نوال الله للمؤمنين ونكاله بالكافرين، وه فالواو ويل لمن عصى الله، والهاء هان على الله من عصاه، لا ي لام ألف لا إله إلا الله، وهي كلمة الاخلاص، ما من عبد قالها مخلصا إلا وجبت له الجنة، ي يد الله فوق خلقه باسطة بالرزق سبحانه وتعالى عما يشركون.

ثم قال عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى أنزل هذا القرآن بهذه الحروف التي يتداولها جميع العرب، ثم قال:( لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (٢) .

٥٢٢/٢ - حدّثنا الحسن بن عبدالله بن سعيد العسكري، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن حمدان القشيري، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى الكلابي، قال حدّثنا موسى ابن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام سنة خمس ومائتين، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، قال: قال رسول

______________

(١) المؤمن ٤٠: ١٦، ١٧.

(٢) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ١٢٩/٢٦، التوحيد: ٢٣٢/١، معاني الاخبار: ٤٣/١، بحار الانوار ٢: ٣١٨/٣، والآية من سورة الاسراء ١٧: ٨٨.

٤٠٥

الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من قرأ في دبر صلاة الجمعة بفاتحة الكتاب مرة و( قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ ) سبع مرات، وفاتحة الكتاب مرة و( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) سبع مرات وفاتحة الكتاب مرة و( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) سبع مرات لم تنزل به بلية، ولم تصبه فتنة إلى يوم الجمعة الاخرى، فإن قال: اللهم اجعلني من أهل الجنة التي حشوها بركة وعمارها ملائكة مع نبينا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبينا إبراهيم عليه السلام، جمع الله عزّوجلّ بينه وبين محمّد وإبراهيم في دار السلام (صلّى الله على محمّد وإبراهيم وعلى آلهما الطاهرين)(١) .

٥٢٣/٣ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله وعبدالله بن جعفر الحميري جميعا، عن يعقوب بن يزيد، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عمير، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي حمزة الثمالي، عن زين العابدين عليّ بن الحسين عليهما السلام، قال: كان في بني إسرائيل رجل ينبش القبور، فاعتل جار له فخاف الموت، فبعث إلى النباش، فقال له: كيف كان جواري لك؟ قال: أحسن جوار. قال: فإن لي إليك حاجة. قال: قضيت حاجتك. قال: فأخرج إليه كفنين، فقال: أحب أن تأخذ أحبهما إليك، وإذا دفنت فلا تنبشني. فامتنع النباش من ذلك، وأبى أن يأخذه، فقال له الرجل: أحب أن تأخذه، فلم يزل به حتى أخذ أحبهما إليه.

ومات الرجل، فلما دفن قال النباش: هذا قد دفن، فما علمه بأني تركت كفنه أو أخذته، لآخذنه، فأتى قبره فنبشه، فسمع صائحا يقول ويصيح به: لا تفعل، ففزع النباش من ذلك، فتركه وترك ما كان عليه، وقال لولده: إي أب كنت لكم؟ قالوا: نعم الاب كنت لنا. قال: فإن لي إليكم حاجة. قالوا: قل ما شئت، فإنا سنصير إليه إن شاء الله. قال: فأحب إذا أنا مت أن تأخذوني فتحرقوني بالنار، فإذا صرت رمادا فدقوني(٢) ، ثم تعمدوا بي ريحا عاصفا، فذروا نصفي في البر، ونصفي في البحر، قالوا: نفعل.

______________

(١) ثواب الاعمال: ٣٨، بحار الانوار ٩٠: ٦٥/٩.

(٢) في نسخة: فدفوني، دف الشئ: نسفه.

٤٠٦

فلما مات فعل به ولده ما أوصاهم به، فلما ذروه قال الله جل جلاله للبر: اجمع ما فيك، وقال للبحر: اجمع ما فيك. فإذا الرجل قائم بين يدي الله جل جلاله. فقال الله عزّوجلّ: ما حملك على ما أوصيت به ولدك أن يفعلوه بك؟ قال: حملني على ذلك - وعزتك - خوفك. فقال الله جل جلاله: فإني سأرضي خصومك وقد آمنت خوفك، وغفرت لك(١) .

٥٢٤/٤ - حدّثنا جعفر بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن عبدالله بن المغيرة الكوفي رضي الله عنه، قال: حدثني جدي الحسن بن علي، عن جده عبدالله بن المغيرة، عن إسماعيل بن مسلم، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذ أعد الرجل كفنه، كان مأجورا كلما نظر إليه(٢) .

٥٢٥/٥ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن علي ابن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، يسكنها من أمتي من أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام.

فقال علي عليه السلام: يا رسول الله، ومن يطيق هذا من أمتك؟ فقال: يا علي، أو ما تدري ما إطابة الكلام؟ من قال إذا أصبح وأمسى: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، عشر مرات. وإطعام الطعام: نفقة الرجل على عياله، وأما الصلاة بالليل والناس نيام: فمن صلى المغرب والعشاء الآخرة وصلاة الغداة في المسجد في جماعة، فكأنما أحيا الليل كله، وإفشاء السلام: أن لا يبخل بالسلام على أحد من المسلمين(٣) .

______________

(١) بحار الانوار ٧٠: ٣٧٧/٢٢.

(٢) بحار الانوار ٨١: ٣١٤/١١.

(٣) معاني الاخبار: ٢٥٠/١، بحار الانوار ٦٩: ٣٦٩/٩.

٤٠٧

٥٢٦/٦ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رحمه الله، قال: حدّثنا أبي، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضال، عن الحسن بن الجهم، عن الفضيل بن يسار، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: ما ضعف بدن عما قويت عليه النية(١) .

٥٢٧/٧ - حدّثنا الحسين بن إبراهيم بن ناتانة رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ بن فضال، عن غالب بن عثمان، عن شعيب العقرقوفي، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، قال: من ملك نفسه إذا رغب، وإذا رهب، وإذا اشتهى، وإذا غضب، وإذا رضي، حرم الله جسده على النار(٢) .

٥٢٨/٨ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبدالله الكوفي، عن سهل بن زياد الآدمي، عن مبارك مولى الرضا، عن الرضا عليّ بن موسى عليهما السلام، قال: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون فيه ثلاث خصال: سنة من ربه، وسنة من نبيه، وسنة من وليه، فأما السنة من ربه فكتمان سره، قال الله جل جلاله:( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ، إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ) (٣) ، وأما السنة من نبيه فمداراة الناس، فإن الله عزّوجلّ أمر نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم بمداراة الناس، فقال:( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) (٤) ، وأما السنة من وليه فالصبر في البأساء والضراء، يقول الله عزّوجلّ:( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (٥) .

٥٢٩/٩ - حدّثنا أحمد بن هارون الفامي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسين

______________

(١) بحار الانوار ٧٠: ٢٠٥/١٤.

(٢) بحار الانوار ٧١: ٣٥٨/١.

(٣) الجن ٧٢: ٢٦، ٢٧.

(٤) الاعراف ٧: ١٩٩.

(٥) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٥٦/٩، بحار الانوار ٦٧: ٢٨٠/٥، والآية من سورة البقرة ٢: ١٧٧.

٤٠٨

ابن علوان، عن عمرو بن ثابت، عن داود بن عبد الجبار، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم للحسين عليه السلام: يا حسين، يخرج من صلبك رجل يقال له زيد، يتخطى وهو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس، غرا محجلين يدخلون الجنة بلا حساب(١) .

٥٣٠/١٠ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن رزمة القزويني، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى العلوي الحسيني، قال: حدّثنا عباد بن يعقوب الاسدي، قال: حدّثنا حبيب بن أرطاة، عن محمّد بن ذكوان(٢) ، عن عمرو بن خالد، قال: حدثني زيد بن عليّ عليه السلام وهو آخذ بشعره، قال: حدثني أبي عليّ بن الحسين عليهما السلام وهو آخذ بشعره، قال: حدثني الحسين بن عليّ عليهما السلام وهو آخذ بشعره، قال: حدثني عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو آخذ بشعره، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو آخذ بشعره، قال: من آذى شعرة مني فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله لعنه الله ملء السماء وملء الارض(٣) .

٥٣١/١١ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رضي الله عنه، قال: حدثني عمي محمّد بن أبي القاسم، قال: حدثني أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه محمّد بن خالد، عن خلف بن حماد الاسدي، عن أبي الحسن العبدي، عن الاعمش، عن عباية ابن ربعي، قال: إن شابا من الانصار كان يأتي عبدالله بن عباس، وكان عبدالله يكرمه ويدنيه، فقيل له: إنك تكرم هذا الشاب وتدنيه، وهو شاب سوء يأتي القبور فينبشها بالليالي! فقال عبدالله بن عباس: إذا كان ذلك فأعلموني.

قال: فخرج الشاب في بعض الليالي يتخلل القبور، فاعلم عبدالله بن عباس

______________

(١) عيون أخبار الرضا عليه السلام) ١: ٢٤٩/٢، بحار الانوار ٤٦: ١٧٠/١٩.

(٢) في أمالي الطوسي: أرطاة بن حبيب الاسدي، عن عبيد بن ذكوان.

(٣) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٥٠/٣، بحار الانوار ٢٧: ٢٠٦/١٣، أمالي الطوسي: ٤٥١/١٠٠٦.

٤٠٩

بذلك، فخرج لينظر ما يكون من أمره، ووقف ناحية ينظر إليه من حيث لا يراه الشاب، قال: فدخل قبرا قد حفر، ثم اضطجع في اللحد، ونادى بأعلى صوته: يا ويحي إذا دخلت لحدي وحدي، ونطقت الارض من تحتي، فقالت: لا مرحبا بك ولا أهلا، قد كنت أبغضك وأنت على ظهري، فكيف وقد صرت في بطني! بل ويحي إذا نظرت إلى الانبياء وقوفا، والملائكة صفوفا، فمن عدلك غدا من يخلصني؟ ومن المظلومين من يستنقذني؟ ومن عذاب النار من يجيرني؟ عصيت من ليس بأهل أن يعصى، عاهدت ربي مرة بعد اخرى فلم يجد عندي صدقا ولا وفاء. وجعل يردد هذا الكلام ويبكي.

فلما خرج من القبر التزمه ابن عباس وعانقه، ثم قال له: نعم النباش، نعم النباش، ما أنبشك للذنوب والخطايا، ثم تفرقا(١) .

٥٣٢/١٢ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد ابن محمّد الهمداني مولى بني هاشم، قال: أخبرنا المنذر بن محمّد، قال: حدّثنا جعفر ابن إسماعيل، عن عبدالله بن الفضل الهاشمي، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده، عن أبيه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين زين العابدين؟ فكأني أنظر إلى ولدي عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب يخطر(٢) بين الصفوف(٣)

٥٣٣/١٣ - حدّثنا محمّد بن أحمد السناني رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر الكوفي الاسدي، قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدّثنا عبدالله ابن أحمد، قال: حدّثنا القاسم بن سليمان، عن ثابت بن أبي صفية، عن سعيد بن علاقة، عن أبي سعيد عقيصا، عن سيد الشهداء الحسين بن عليّ بن

______________

(١) بحار الانوار ٦: ١٣٠/٢٤.

(٢) خطر في مشيه: اهتز وتمايل.

(٣) علل الشرائع: ٢٢٩/١، بحار الانوار ٤٦: ٢/١، ٢.

٤١٠

أبي طالب عليهم السلام، عن سيد الاوصياء أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا علي، أنت أخي، وأنا أخوك، أنا المصطفى للنبوة، وأنت المجتبى للامامة، وأنا صاحب التنزيل، وأنت صاحب التأويل، وأنا وأنت أبوا هذه الاُمّة.

يا علي، أنت وصيي وخليفتي، ووزيري ووارثي، وأبو ولدي، شيعتك شيعتي، وأنصارك أنصاري، وأولياؤك أوليائي، وأعداؤك أعدائي.

يا علي، أنت صاحبي على الحوض غدا، وأنت صاحبي في المقام المحمود، وأنت صاحب لوائي في الآخرة، كما أنت صاحب لوائي في الدنيا، لقد سعد من تولاك، وشقي من عاداك، وإن الملائكة لتتقرب إلى الله - تقدس ذكره - بمحبتك وولايتك، والله إن أهل مودتك في السماء لاكثر منهم في الارض.

يا علي، أنت أمين(١) أمتي، وحجة الله عليها بعدي، قولك قولي، وأمرك أمري، وطاعتك طاعتي، وزجرك زجري، ونهيك نهيي، ومعصيتك معصيتي، وحزبك حزبي، وحزبي حزب الله( وَمَن يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (٢) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله، وحسبنا الله ونعم الوكيل

______________

(١) في نسخة: أمير.

(٢) بحار الانوار ٣٩: ٩٣/٣، والآية من سورة المائدة ٥: ٥٦.

٤١١

[ ٥٤ ]

المجلس الرابع والخمسون

مجلس يوم الثلاثاء

غرة ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٥٣٤/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن نصر بن عليّ الجهضمي، عن علي ابن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من أسبغ وضوءه، وأحسن صلاته، وأدى زكاة ماله، وخزن لسانه، وكف غضبه، واستغفر لذنبه، وأدى النصيحة لاهل بيت رسوله، فقد استكمل حقائق الايمان، وأبواب الجنة مفتحة له(١) .

٥٣٥/٢ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا عبد الصمد بن محمّد، قال: حدّثنا حنان بن سدير، قال: حدّثنا سديف المكي، قال: حدثني محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام وما رأيت محمّديا قط يعدله، قال: حدّثنا جابر بن عبدالله الانصاري، قال: خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال: أيها الناس، من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يوم القيامة يهوديا. قال: قلت: يا

______________

(١) المحاسن: ١١/٣٢، و: ٢٩٠/٤٣٨، ثواب الاعمال: ٢٦، بحار الانوار ٦٩: ١٦٨/٨، و ٨٠: ٣٠٤/١٠.

٤١٢

رسول الله، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم؟ فقال: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم(١) .

٥٣٦/٣ - وبهذا الاسناد، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من فارق جماعة المسلمين فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه، قيل: يا رسول الله، وما جماعة المسلمين؟ قال: جماعة أهل الحق وإن قلوا(٢) .

٥٣٧/٤ - حدّثنا محمّد بن عمر الحافظ البغدادي رحمه الله، قال: حدّثنا أحمد ابن موسى، قال: حدّثنا خلف بن سالم، قال: حدّثنا غندر، قال: حدّثنا عوف، عن ميمون أبي عبدالله، عن زيد بن أرقم، قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أبواب شارعة في المسجد، فقال يوما: سدوا هذه الابواب إلا باب علي. فتكلم في ذلك الناس، قال: فقام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أمرت بسد هذه الابواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم، وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكني أمرت بشئ فاتبعته(٣) .

٥٣٨/٥ - حدّثنا محمّد بن عمر البغدادي، قال: حدثني الحسن بن عبدالله بن محمّد بن عليّ التميمي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سيدي عليّ بن موسى بن جعفر، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لا يحل لاحد أن يجنب في هذا المسجد إلا أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ومن كان من أهلي فإنهم مني(٤) .

٥٣٩/٦ - وبهذا الاسناد، عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

______________

(١) بحار الانوار ٢٧: ٢١٨/١.

(٢) بحار الانوار ٢٧: ٦٧/١.

(٣) بحار الانوار ٣٩: ١٩/١.

(٤) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٦٠/٢٣٦، بحار الانوار ٣٩: ٢٠/٢، و ٨١: ٤٨/١٨.

٤١٣

سدوا الابواب الشارعة في المسجد إلا باب علي(١) .

٥٤٠/٧ - حدّثنا أجمد بن محمّد بن إسحاق الدينوري، قال: حدّثنا أبوعبد الرحمن أحمد بن شعيب بن عليّ النسائي بمصر، قال: أخبرني محمّد بن وهب، قال: حدّثنا مسكين بن بكير، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بأبواب المسجد فسدت إلا باب علي عليه السلام(٢) .

٥٤١/٨ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق الدينوري، قال: أخبرني محمّد ابن محمّد بن سليمان الباغندي، قال: حدّثنا محمّد بن عمر، قال: حدّثنا عبدالله بن جعفر، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن العلاء، عن ابن عمر: أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: سدوا الابواب إلى المسجد إلا باب علي(٣) .

٥٤٢/٩ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبوسعيد الحسن بن عليّ العدوي، قال: حدّثنا محمّد بن تميم، عن الحسن بن عبد الرحمن، عن محمّد بن عبد الرحمن، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وأهلي أحب إليه من أهله، وعترتي أحب إليه من عترته، وذاتي أحب إليه من ذاته. قال: فقال رجل من القوم: يا أبا عبد الرحمن، ما تزال تجئ بالحديث يحيي الله به القلوب(٤) .

٥٤٣/١٠ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن رزمة القزويني، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى العلوي الحسيني، قال: حدّثنا عبدالله بن يحيى، قال: حدّثنا أبوسعيد عباد بن

______________

(١) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٦٧/٣٠٢، بحار الانوار ٣٩: ٢٠/٣.

(٢) بحار الانوار ٣٩: ٢٠/٤.

(٣) بحار الانوار ٣٩: ٢٠/٥.

(٤) بحار الانوار ٢٧: ٧٥/٤.

٤١٤

يعقوب، قال: حدّثنا عليّ بن هاشم بن البريد، عن محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عون بن عبيد الله(١) ، قال: كنت مع محمّد بن عليّ بن الحنفية في فناء داره، فمر به زيد ابن الحسن، فرفع طرفه إليه، ثم قال: ليقتلن من ولد الحسين رجل يقال له زيد بن علي، وليصلبن بالعراق، ومن نظر إلى عورته(٢) فلم ينصره أكبه الله على وجهه في النار(٣) .

٥٤٤/١١ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، قال: إني لجالس عند أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام إذ أقبل زيد بن عليّ عليه السلام، فلما نظر إليه أبوجعفر عليه السلام وهو مقبل، قال: هذا سيد من أهل بيته، والطالب بأوتارهم، لقد أنجبت أم ولدتك يا زيد(٤) .

٥٤٥/١٢ - حدّثنا محمّد بن بكران النقاش رضي الله عنه بالكوفة، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الهمداني مولى بني هاشم، قال: أخبرنا المنذر بن محمّد، قال: حدثني أحمد بن رشيد، عن عمه سعيد بن خثيم، عن أبي حمزة الثمالي، قال: حججت فأتيت عليّ بن الحسين عليهما السلام، فقال لي: يا أبا حمزة، ألا أحدثك عن رؤيا رأيتها؟ رأيت كأني ادخلت الجنة، فاوتيت بحوراء لم أر أحسن منها، فبينا أنا متكئ على أريكتي إذ سمعت قائلا يقول: يا عليّ بن الحسين، ليهنئك زيد، يا عليّ بن الحسين ليهنئك زيد، فيهنئك زيد.

قال أبوحمزة: ثم حججت بعده، فأتيت عليّ بن الحسين عليهما السلام فقرعت الباب، ففتح لي فدخلت، فإذا هو حامل زيدا على يده - أو قال حامل غلاما على

______________

(١) في النسخ: محمّد بن عبدالله بن أبي رافع، عن عون بن عبيد الله، تصحيف صحيحه ما أثبتناه، انظر: تهذيب الكمال ٢١: ١٦٤ و ٢٦: ٣٧.

(٢) في نسخة: صورته.

(٣) بحار الانوار ٤٦: ١٧٠/١٦.

(٤) بحار الانوار ٤٦: ١٧٠/١٧.

٤١٥

يده. فقال لي: يا أبا حمزة (هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا)(١) .

٥٤٦/١٣ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا عبدالله بن جعفر الحميري، عن إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن سيابة، قال: دفع إلي أبوعبدالله الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام ألف دينار، وأمرني أن أقسمها في عيال من أصيب مع زيد بن عليّ عليه السلام فقسمتها، فأصاب عبدالله بن الزبير أخا فضيل الرسان أربعة دنانير(٢) .

٥٤٧/١٤ - حدّثنا حمزة بن محمّد العلوي رضي الله عنه، قال: حدثني أبوالقاسم عبد الرحمن بن محمّد بن القاسم الحسني، قال: حدثني أبوحصين محمّد بن الحسين الوادعي القاضي، قال: حدّثنا أحمد بن صبيح، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن ثابت، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام، قال: قال لي علي ابن الحسين زين العابدين عليه السلام في قول الله عزّوجلّ( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) (٣) ، قال: العفو من غير عتاب(٤) .

٥٤٨/١٥ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمزة بن حمران، عن حمران بن أعين، عن أبي حمزة الثمالي، عن عليّ بن الحسين عليهما السلام، قال: قال سلمان الفارسي رحمه الله: كنت ذات يوم جالسا عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، إذ أقبل عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال له: يا علي، ألا أبشرك؟ قال: بلى يا رسول الله قال: هذا حبيبي جبرئيل يخبرني عن الله جل جلاله أنه قد أعطى محبيك وشيعتك سبع خصال: الرفق عند الموت، والانس عند الوحشة، والنور عند الظلمة، والامن عند الفزع، والقسط عند الميزان والجواز على الصراط، ودخول الجنة قبل سائر الناس من الامم

______________

(١) بحار الانوار ٦١: ٢٤٠/٦، والآية من سورة يوسف ١٢: ١٠٠.

(٢) بحار الانوار ٤٦: ١٧٠/١٨.

(٣) الحجر ١٥: ٨٥.

(٤) معاني الاخبار: ٣٧٣/١، عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٩٤/٥٠، بحار الانوار ٧١: ٤٢١/٥٦.

٤١٦

بثمانين عاما(١) .

٥٤٩/١٦ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، قال: حدّثنا أيوب بن نوح، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عمير، قال: حدثني محمّد بن حمران، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، قال: من قال في أخيه المؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه، فهو ممن قال الله عزّوجلّ:( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ) (٢) .

٥٥٠/١٧ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، قال: حدّثنا عبدالله ابن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الرحمن بن سيابة، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، قال: إن من الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه، وإن من البهتان أن تقول في أخيك ما ليس فيه(٣) .

٥٥١/١٨ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن عليّ بن فضال، عن عليّ بن النعمان، عن عبدالله بن مسكان، عن داود بن فرقد، عن أبي شيبة الزهري، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، قال: بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه شاهدا، ويأكله غائبا، إن أعطى حسده، وإن ابتلي خذله(٤) .

٥٥٢/١٩ - حدّثنا محمّد بن الحسن رضي الله عنه قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، قال: حدّثنا موسى بن عمر(٥) البغدادي، عن ابن سنان، عن عون بن معين بياع القلانس، عن عبدالله بن أبي يعفور،

______________

(١) بحار الانوار: ٦٨: ٩/٤.

(٢) تفسير القمي ٢: ١٠٠، بحار الانوار ٧٥: ٢٤٨/١٤، والآية من سورة النور ٢٤: ١٩.

(٣) بحار الانوار ٧٥: ٢٤٨/١٥.

(٤) عقاب الاعمال: ٢٦٩، الخصال: ٣٨/٢٠، معاني الاخبار: ١٨٥/١، بحار الانوار ٧٥: ٢٠٢/١.

(٥) في المعاني: موسى بن عمران.

٤١٧

قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام يقول: من لقي الناس بوجه وعابهم بوجه، جاء يوم القيامة وله لسانان من نار(١) .

٥٥٣/٢٠ - حدّثنا محمّد بن عليّ بن بشار رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم القطان، قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله الحضرمي، قال: حدّثنا أحمد بن بكر، قال: حدّثنا محمّد بن مصعب، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: طاعة السلطان واجبة، ومن ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله عزّوجلّ ودخل في نهيه، إن الله عزّوجلّ يقول:( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (٢) .

٥٥٤/٢١ - حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، قال: حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام، عن أبيه إسماعيل، عن أبيه موسى بن جعفر عليهما السلام أنه قال لشيعته: يا معشر الشيعة، لا تذلوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم، فإن كان عادلا فاسألوا الله إبقاءه، وإن كان جائرا فاسألوا الله إصلاحه، فإن صلاحكم في صلاح سلطانكم، وإن السلطان العادل بمنزلة الوالد الرحيم، فأحبوا له ما تحبون لانفسكم واكرهوا له ما تكرهون لانفسكم(٣) .

٥٥٥/٢٢ - حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور رضي الله عنه، قال: حدّثنا الحسين ابن محمّد بن عامر، عن عمه عبدالله بن عامر، عن محمّد بن زياد الازدي، عن إبراهيم ابن زياد الكرخي، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، قال: علامات ولد الزنا ثلاث: سوء المحضر، والحنين إلى الزنا، وبغضنا أهل البيت(٤) .

٥٥٦/٢٣ - وبهذا الاسناد، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: من

______________

(١) الخصال: ٣٨/١٩، معاني الاخبار: ١٨٥/٢، بحار الانوار ٧٥: ٢٠٣/٣، ٤.

(٢) بحار الانوار ٧٥: ٣٦٨/١، والآية في سورة البقرة ٢: ١٩٥.

(٣) بحار الانوار ٧٥: ٣٦٩/٢.

(٤) بحار الانوار ٢٧: ١٤٥/٢.

٤١٨

صلى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة، فظنوا به خيرا، وأجيزوا شهادته(١) .

٥٥٧/٢٤ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى الدقاق رضي الله عنه وعليّ بن عبدالله الوراق جميعا، قالا: حدّثنا محمّد بن هارون الصوفي، قال: حدّثنا أبوتراب عبيد الله ابن موسى الروياني، عن عبد العظيم بن عبدالله الحسني، قال: دخلت على سيدي عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، فلما بصر بي قال لي: مرحبا بك يا أبا القاسم، أنت ولينا حقا. قال: فقلت له: يا بن رسول الله، إني أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيا ثبت عليه حتى ألقى الله عزّوجلّ. فقال: هات يا أبا القاسم. فقلت: إني أقول أن الله تعالى واحد ليس كمثله شئ، خارج من الحدين: حد الابطال، وحد التشبيه، وإنه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسم الاجسام، ومصور الصور، وخالق الاعراض والجواهر، ورب كل شئ ومالكه وخالقه، وجاعله ومحدثه، وإن محمّدا عبده ورسوله خاتم النبيين، فلا نبي بعده إلى يوم القيامة، وأن شريعته خاتمة الشرائع، فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة، وأقول إن الامام والخليفة وولي الامر بعده أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم عليّ بن الحسين، ثم محمّد بن علي، ثم جعفر بن محمّد، ثم موسى بن جعفر، ثم عليّ بن موسى، ثم محمّد بن علي، ثم أنت يا مولاي.

فقال علي عليه السلام: ومن بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده؟

قال: فقلت: وكيف ذاك، يا مولاي؟ قال: لانه لا يرى شخصه، ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.

قال: فقلت: أقررت. وأقول إن وليهم ولي الله، وعدوهم عدو الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله، وأقول إن المعراج حق، والمسألة في القبر حق،

______________

(١) بحار الانوار ٧٠: ٢/٣، و ٨٨: ٣٥ و ١٠٤: ٣١٥/٤.

٤١٩

وإن الجنة حق، والنار حق، والصراط حق، والميزان حق، وإن الساعة آتية لا ريب فيها، وإن الله يبعث من في القبور، وأقول إن الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فقال عليّ بن محمّد عليهما السلام، يا أبا القاسم، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه، ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة(١) .

٥٥٨/٢٥ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام، أنه ذكر عنده الغضب، فقال: إن الرجل ليغضب حتى ما يرضى أبدا ويدخل بذلك النار، فأيما رجل غضب وهو قائم فليجلس، فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان، وإن كان جالسا فليقم، وأيما رجل غضب على ذي رحمه فليقم إليه وليدن منه وليمسه، فإن الرحم إذا مست الرحم سكنت(٢) .

٥٥٩/٢٦ - حدّثنا أبي، رضي الله عنه، قال: حدّثنا عبدالله بن جعفر الحميري، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن عليّ بن فضال، عن مثنى، عن ليث بن أبي سليم، قال: سمعت رجلا من الانصار يقول: بينما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحر، إذ جاء رجل فنزع ثيابه، ثم جعل يتمرغ في الرمضاء، يكوي ظهره مرة، وبطنه مرة، وجبهته مرة، ويقول: يا نفس ذوقي، فما عند الله عزّوجلّ أعظم مما صنعت بك، ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ينظر إلى ما يصنع.

ثم إن الرجل لبس ثيابه ثم أقبل، فأومأ إليه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بيده ودعاه، فقال له: يا عبدالله، لقد رأيتك صنعت شيئا ما رأيت أحدا من الناس صنعه، فما حملك

______________

(١) كفاية الاثر: ٢٨٢، كمال الدين وتمام النعمة: ٣٧٩/١، بحار الانوار ٣٦: ٤١٢/٢ و ٦٩: ١/١.

(٢) بحار الانوار ٧٣: ٢٦٤/٩، و: ٢٧٢.

٤٢٠

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780