الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق7%

الأمالي شيخ الصدوق مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 780

الأمالي شيخ الصدوق
  • البداية
  • السابق
  • 780 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 441806 / تحميل: 8644
الحجم الحجم الحجم
الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

بين المسلمين وغيرهم وبين المسلمين أنفسهم، وفي عصر المأمون أنشأ داراً للتأليف والترجمة والمناظرة سمّاها (دار الحكمة) (1) .

وعلى كلّ حال فلقد استفاد المسلمون وغيرهم من النظام الإسلامي الذي يسمَح لغير المسلمين بالإقامة معهم في بلدٍ واحد إذا خضعوا لنظام الحُكم الإسلامي، وكان السرْيان من أهمّ العوامل التي ساعدت المسلمين على التعرّف على الفلسفة اليونانية، بعد أنْ نقلها السرْيان إلى لُغتهم، وانتشرت بواسطتهم في سوريا والعراق، وأنشأوا فيهما مدارس لنشرها وتدريسها، ولمّا فتح المسلمون هذه البلاد كانت تلك المدارس قائمةً بها والفلسفة اليونانية منتشرة فيها، فوجد المسلمون ضرورةً ملحّة لتعلّمها، ولم يكن لديهم مِن سبيل إلاّ استخدام السريان لهذه الغاية، فعلّموها أبناء المسلمين بعد أنْ أفتاهم يعقوب الرهاوي بجواز ذلك.

ثمّ نقلوها من السريانية واليونانية إلى العربية، والذي أخذه المسلمون العرَب من السريان هو الفلسفة اليونانية التي امتزجت بشروح الكتّاب المتأخّرين من رجال الأفلاطونية الحديثة، وهذا النوع من الفلسفة كان مزيجاً من الفلسفة والدين، وأوّل مَن مزج الفلسفة اليونانية بالدين هو (فيلوت) اليهودي، الذي وجِد في أواخر القرن الأوّل قبل الميلاد، وقد رأى هو وجماعة من الفلاسفة اليونانيّين بعد أنْ اختلطوا بعلماء الدين اليهود، أنْ يوفّقوا بين معتقداتهم الفلسفية والقضايا الدينية، وكان من نتيجة ذلك أنْ خرَج بشرحٍ كبير عن الإله والعالَم وعلاقة الله سُبحانه بهذا العالم، وعن الملائكة والجنّ وغير ذلك، وقد شرَح هذه المواضيع شروحاً فلسفية وفّق فيها بين الدين والعلم (2) .

وخلاصة البحث أنّ اختلاط المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات الذين لم يدخلوا في الدين الإسلامي، هذا الاختلاط قد نتج منه إثارة الشكوك حول العقائد الإسلامية وانتشار الإلحاد في البلاد الإسلامية، ممّا اضطرّ المسلمين إلى دراسة الفلسفة اليونانية بواسطة السريان من المسيحيّين المنتشرين في العراق وسوريا، تلك الفلسفة التي كانت مزيجاً من المعتقدات الفلسفية والقضايا الدينية التي تبحث عن الإله والعالم، وعلاقته بمخلوقاته وغير ذلك من المواضيع الدينية الأُخرى، فكان ذلك عاملاً قويّاً لانتشار

____________________

(1) انظر الفِرق الإسلامية لعلي الفارابي ص 136.

(2) المصدر نفسه ص 138 و139.

٢١

الإلحاد والتشكيك في بعض المواضيع الإسلامية التي لم يَعرِف المسلمون خلافاً بها قبل هذا التاريخ، وفي وسط هذا الجوّ المزدحم بالآراء والأفكار الغريبة عن الإسلام والمسلمين، انتشر عِلم الكلام انتشاراً واسعاً بين العلماء لحماية العقيدة الإسلامية من غزو أعداء الإسلام، الذين حاولوا تشكيك المسلمين بأُصوله ومبادئه، ولكنّ المتكلّمين من المسلمين الذين أرادوا حماية العقيدة الإسلامية - على حدّ زعمهم وزعم الكتّاب المتأخّرين (1) - قد تأثّروا بغيرهم وشذّوا في تفكيرهم وآرائهم عن منهج القرآن والرسول؛ ونتَج عن ذلك تعدّد الفِرَق واختلاف الآراء اختلافاً باعَد بينهم إلى أبعد الحدود، وفرّقَهم شِيَعاً وأحزاباً لا يتعارفون.

وفي ذلك الجوّ العلمي المزدحم بالآراء والأفكار المتضاربة، وقف أئمّة الشيعة وتلامذتهم موقفهم الذي اعتادوا أنْ يقِفوه في وجه أعداء الدين، يُناظرون المُشكّكين ويَدحضون آراء الملاحدة والزنادقة، كما ناظروا الفِرَق الإسلاميّة الذين تخطّوا في آرائهم وتفكيرهم النهج الإسلامي الصحيح، والأُصول التي وضعها القرآن والرسول (صلّى الله عليه وآله)، وسنعرض في الفصول الآتية آراء الفِرَق الإسلامية في العقائد ومدى تأثّرها بالفكر الأجنبي والفلسفة اليونانية التي انتشرت بينهم في تلك الفترة من تاريخهم، ومع أنّ الإمامية قد نبغ منهم الكثيرون في عِلم الكلام، وكانوا في طليعة من أخذ من السريان الفلسفة الأفلاطونية الحديثة كما ذكرنا، وعاشوا في وسط ذلك المعترك العلمي، مع ذلك كلّه فلم يتخطّوا في آرائهم في الأُصول وبقيّة المعتقدات الإسلامية، منهج القرآن وتعاليم الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وسيجد القارئ في الفصول الآتية ما يؤكّد هذه الحقيقة..

____________________

(1) المصدر السابق ص 138 و139.

٢٢

الفَصل الأول: الفِرَق الإسلامية الأُولى

وأسباب حدوثها وتاريخ التشيّع ومعناه

ولا بدّ لنا بعد هذا التمهيد - وقبل الدخول في موضوع الكتاب - من عرضٍ لتاريخ بعض الفِرق الإسلامية، التي حدَثت في عهدٍ مبكّر من تاريخ الإسلام، ذلك العهد الذي انقسم المسلمون فيه إلى شيعة وغيرهم، ومِن هاتين الفرقتين تشعّبت الفِرَق الإسلامية التي أنهاها بعضهم إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، وقد روى المحدّثون عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) حديثاً يؤيّد هذا الإحصاء جاء فيه: (ستفترق أُمتي من بعدي إلى ثلاث وسبعين فرقة كما افترقت أُمّة موسى وعيسى (عليهما السلام) (1) وكما ذكرنا أنّ الانقسام الأُوّل

____________________

(1) إنّ الذين وضعوا هذا الحديث، وضعوه ليثبتوا أنّ تلك الفِرَق لم تخرج عن الإسلام على ما بينها مِن تباعد وتضارب في الآراء والمعتقدات، في حين أنّ أكثر تلك الفِرَق قد خرجت عن الإسلام في كثير من آرائها ومعتقداتها، كالقرامطة والإسماعيلية السبعية والغُلاة وغيرهم، كما يبدو ذلك ممّا سنعرضه من آراء تلك الفِرَق في الفصول الآتية من هذا الكتاب.

٢٣

بين المسلمين كان مصدراً للانقسامات التي تلَت في العصور المتأخّرة، وإلى هذين الفريقين ترجع سائر الفِرق والمذاهب الإسلامية السياسية وغيرها، وسنتحدّث عن بعض هذه الفرق تمهيداً لموضوع الكتاب، ولعلاقة بعضها بالتشيّع.

ويدّعي أكثر الكتاب من السنّة والمستشرقين: أنّ تاريخ التشيّع يرجع إلى عهد متأخّر عن وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وهم بين قائلٍ برجوعه إلى العصر الأموي الأوّل، وأنّه كان نتيجةً للاضطهاد والتنكيل الذي لحِق أنصار عليّ وبَنيه (عليهم السلام) من الأمويّين، وبين قائلٍ برجوعه إلى العصر الذي بدأ المسلمون فيه يُحاسبون عثمان وأنصاره على تصرّفاتهم وسوء إدارتهم، وقد أسرف جماعة إسرافاً حاقداً على الشيعة فأرجعوه إلى عناصر أجنبية كانت تعمل في الخفاء لتحطيم الإسلام عن هذا الطريق.

وجاء في كتاب النظُم الإسلامية للمستشرق الفرنسي (غودفروا) : أنّ الحزبين الكبيرين الخوارج والشيعة تكوّنا بعد الانشقاق الذي حصَل بعد معركة صِفّين لأسبابٍ سياسية.

وقال جماعة منهم: أنّ عبد الله بن سبَأ لعِب دوراً بارزاً في تكوين فكرة التشيّع، وسنتعرّض لإبطال هذه المزاعم في المحلّ المناسب، ولقد ذكرنا أنّ انقسام المسلمين إلى فرقتين كان في الأيّام الأُولى بعد وفاة الرسول فرقة تمسّكت بحقِّ عليّ في الخلافة، وأُخرى أسرعت إلى اختيار خلف للرسول يتولّى إدارة شؤون المسلمين، وتمّ الاختيار لأبي بكر خليفة للرسول (صلى الله عليه وآله) من بعده، والواقع أنْ التشيع بما هو فِرقة في مقابل جماعة المسلمين لم يكن قبل وفاة الرسول، ولكن المبدأ الذي يرتكز عليه التشيع، وهو نصّ النبيّ على استخلاف عليّ (عليه السلام) من بعده، كان بعد ولادة الإسلام وقبل أنْ يهاجر الرسول من مكّة إلى المدينة بأكثر من ثمانية أعوام تقريباً، وذلك حينما أُوحي إليه: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) .

وجاء في جملة مِن الروايات أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) جمَع عشيرته والأقربين مِن آله بعد أنْ هيّأ لهم طعاماً، ثمّ دعاهم لمؤازرته والإيمان بدعوته المباركة، وكانوا نحواً من ثلاثين رجلاً، وكان في جملة ما قاله لهم: (أيّكم يؤازرني على هذا الأمر وهو وارثي ووصيّي، يقضي دَيني ويُنجز عِداتي، وخليفتي فيكم من بعدي)، فكرّرها فيهم ثلاثاً أو أربعاً فلم يتقدّم منهم احد غير عليّ (عليه السلام)، كما أورَد ذلك أحمد بن حنبل في مسنده، والثعالبي في تفسيره، وأضاف الثعالبي أنّ النبيّ كرّرها ثلاث مرّات وفي كلّ مرّة يسكت القوم إلاّ عليّاً (عليه السلام)، ولمّا يئس النبيّ من جوابهم قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لعليّ: (أنت أخي ووصيّي ووارثي وخليفتي من

٢٤

بعدي) (1) فكان هذا الموقف البذرة الأُولى للتشيّع، وما زال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طوال حياته يتعاهد تلك البذرة، ويُغذّيها بأقواله وأفعاله حتى نمَت وتركّزت في نفوس جماعة من المسلمين عُرفوا بالتشيّع لعليّ وموالاته حتى في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وفي السنة الأخيرة من حياته بعد رجوعه من مكّة المكرّمة، وقبل أنْ يتفرّق عنه المسلمون في محلٍّ يُدعى بالغدير لم يجد الرسول بُدّاً من التنصيص عليه بوصفه واسمه، بعد أنْ نزلت عليه الآية الكريمة: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .

فاستوقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تلك الحشود، التي تمثّل مختلف البلاد والطبَقات وتقدر بمِئة ألف أو تزيد وصنع له أصحابه منبراً، ثمّ استدعى عليّاً (عليه السلام) إليه وقبض على ذراعه ونصّ عليه بتلك الصيغة المروية في كتب الحديث بمختلف الأسانيد، وفي جملةٍ منها أنّه بعد أنْ اعترفوا له بأنّه أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، قال: (مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه)، فجعل له الولاية التي جعلها له الله والتي اعترف له بها المسلمون، هذا بالإضافة إلى الروايات الكثيرة التي رواها الثقات من السنّة والشيعة، وكلّها تؤكّد المعنى الذي فهمه الشيعة من حديث الغدير المتواتر، على أنّ الحديث المذكور لو تنزّلنا وقلنا: بأنّه لم يشتمل على ذكر الاستخلاف، إلاّ أنّ الملابسات التي أحاطت به والاستدراج الذي اشتمل عليه، واهتمام الرسول بعليّ وحده دون أهل بيته، كلّ ذلك ممّا يؤكّد المعنى الذي فهمه الشيعة من نصوص الحديث.

وفي بعض النصوص التاريخية أنّ المسلمين، بعد أنْ استمعوا لهذا البيان، لم يرتابوا في أنّه قد نصَّ على استخلافه بتلك الصيغة التي تؤدّي معنى أوسع ممّا تؤدّيه الكلمات المتعارفة في مثل المقام؛ ونتيجة لتلك النصوص التي تكرّرت منه (صلّى الله عليه وآله) في جملة من المناسبات، وذلك البيان العام الذي ألقاه في الغدير وتلك الحظوة التي كانت له عند الرسول، نتيجة لذلك كلّه، كان الرأي العام الإسلامي بعد وفاة الرسول متّجهاً نحو عليّ (عليه السلام) ولم يكن التسابق الذي حصل بين المهاجرين والأنصار

____________________

(1) انظر كشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص 101، وتاريخ الطبري وتاريخ أبي الفداء وكتابنا سيرة المصطفى وتاريخ اليعقوبي وأنساب الأشراف وغيرها من مجاميع الحديث والتاريخ.

٢٥

عليها بمجّرد أنْ أعلن نبأ وفاته، إلاّ لسدّ الباب في وجه الأكثرية التي لا تعدِل بعليّ (عليه السلام) أحداً من الناس؛ ولذا أُصيب الجمهور بما يشبه الدهشة لهذا التسابق والتزاحم بين الأنصار من جهة، وبين بعض المهاجرين من جهة أُخرى، والنبيّ لا يزال بين أهله مسجّى على فراش الموت، وعليّ وبنو هاشم وجماعة من إجلاّء الصحابة منصرفون عن دنيا الناس إلى تجهيزه لمقرّه الأخير، وقد تمّت البيعة لأبي بكر بتلك السرعة الخاطفة بدون تمهيد علَني مُسبَق كما يدّعي جماعة من المؤرّخين، ولكنّ الذي انتهت إليه بعد الدراسة أنّها كانت نتيجةً لمؤامرةٍ سابقة على وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) (1)، وبدون مشورةٍ لأحدٍ من كبار الصحابة الذين لا يجوز تجاهلهم في أبسط الأُمور، فضلاً عن مثل هذا الأمر الذي يجب أنْ تتوفّر في الشخص المختار له أفضل الصفات وأكمل المواهب؛ لأنّه يمثّل الرسول ويحمي القرآن وينفّذ الأحكام كما أنزلها الله في كتابه وعلى نبيّه، ويرعى مصالح الأُمّة بكلّ إخلاصٍ وتجرّد.

بهذا الأُسلوب المرتجل الذي لم يكن نتيجةً لتمحيص الآراء، ولا لاستفتاء شعبي اشتركت فيه جميع الفئات والطبقات تمّت بيعة أبي بكر بعد وفاة الرسول، ولو فرض أنّ الرسول ترك اختيار الخليفة من بعده إلى المسلمين كما يدعون، لقد كان من اللازم التريّث بينما ينتهون من مواراة الرسول في قبره واختيار رأي الأكثرية من المسلمين، ولكنّهم أرادوا استغلال موقف عليّ وبني هاشم المفجوعين؛ مخافة أنْ تفوت من أيديهم عندما ينتهي عليّ (عليه السلام) ومَن معه من بني هاشم وثقات الصحابة، الذين ألْهَتهم تلك الفاجعة عن كلّ شيء.

ونظراً لأنّها لم تقم على أُسس ديمقراطية صحيحة، ولم تكن مستوحاة من المصلحة العُليا التي لابدّ من مراعاتها في الحاكم الجديد؛ نظراً لذلك قال عمر بن الخطّاب عنها بعد أنْ انتهت إليه الخلافة: (كانت بيعة أبي بكر فلْتة وقى الله المسلمين شرّها)، ومع أنّها كانت بهذا الشكل المفاجئ فقد رافقتها موجة من الإرهاب والتضليل، كان لهما أثرهما البالغ على الجماهير، فبينا عمر بن الخطّاب يقف في جموع المحتشدين ينادي إنّ محمّداً لم يمُت، وسيرجع كما رجَع موسى إلى قومه بعد أنْ غاب عنهم أربعين يوماً، وسيقطع أيدي قوم وأرجلهم نراه بعد ساعة هو وجماعة يسوقون الناس بالقوّة إلى سقيفة بني ساعدة لإتمام البيعة لأبي بكر،

____________________

(1) انظر كتابنا سيرة المصطفى ج 2.

٢٦

وفي ذلك يقول الأُستاذ عليّ عبد الرزّاق، في كتابه الخلافة وأُصول الحكم: (وإذا رأيت كيف تمّت البيعة لأبي بكر تبيّن لك أنّها كانت بيعة سياسية ملكيّة، عليها كلّ طوابع الدولة الجديدة المُحدثة، وأنّها قامت كما تقوم الحكومات الجديدة على أساس القوّة والسيف) (1) ، ومهما كان الحال فقد تسارع إلى بيعة أبي بكر جماعة، وتخلّف عنها عدد كبير من المسلمين بينهم بنو هاشم وجماعة من أعيان الصحابة، منهم سلمان الفارسي وعمّار بن ياسر، والزبير بن العوّام، وخزيمة بن ثابت وحذيفة بن اليمان وغيرهم، فقد آثروا التريّث بينما ينجلي موقف عليّ (عليه السلام) صاحب الحقّ الشرعي من هذه المفاجأة التي لم تكن بالحُسبان، وحينما انتهى من تجهيز النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى مقرّة الأخير لم يستسلم لسطوة الحاكم الجديد، ولم ترهبه الجماهير المحتشدة به، فوقَف يناضل ويدافع عن حقّه السليب، بالرغم ممّا تركته الأحزان في نفسه من الآثار العميقة التي تحمّل مرارتها هو وزوجته السيّدة فاطمة (عليها السلام).

ووقف إلى جانبه جماعة من أعيان الصحابة، ولكنّه بعد أنْ رأى أنّ المضي في موقفه السلبي قد يؤدّي إلى نتائج يجني ثمارها أعداء الإسلام، ولا سيّما والردّة بعد وفاة الرسول وبعد المفاجأة التي أدّت إلى تعيين أبي بكر خليفة للرسول (صلّى الله عليه وآله) قد اتسعت بين عرب البادية، واجتاحت تباشيرها المدن والقرى، وأوشكت أنْ تستعصي بضراوتها على المسلمين، ووجَد جماعة من الأعراب ومِن سكان المدن الذين خضعوا لسلطان الإسلام خوفاً من سطواته، منفَساً لهم باتّساع حركة الردّة بين بعض القبائل العربية من سكان البادية.

بعد أنْ وجد جميع ذلك ورأى أنّ موقفه السلبي من بيعة أبي بكر ربّما يؤدّي إلى نزاع مسلّح يستغلّه المرتدّون والمنافقون، الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والنفاق، بعد أنْ وضع في حسابه جميع هذه التطوّرات التي قد تحدث، آثر عند ذلك أنْ يكون مع جماعة المسلمين يداً واحدة حرصاً على المصلحة العليا، مصلحة الإسلام، ومضى هو وأتباعه إلى مقرّ الحكومة الجديد، مسجد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأعلن للمسلمين بأنّه منذ نشأته وهو جندي مخلص في خدمة الإسلام، ولا يزال مخلصاً وفيّاً مضحّياً في سبيل الإسلام ومبادئه؛ وبذلك يكون قد ضرَب المثل الأعلى في التضحية والوفاء للمبدأ، الذي ناضل من أجله أكثر من عشرين عاماً، ومع أنّ المصلحة العُليا قد فرضت عليه مسايرة الأوضاع الحاضرة والتغاضي عن حقّه

____________________

(1) انظر معالم الفلسفة للشيخ محمّد جواد مغنية ص 200.

٢٧

السليب، فقد بقيَ طوال حياته هو والصحابة المؤمنون بحقّه يثيرون في الأذهان نصوص الرسول على الخلافة من بعده، وتناقلها المحدّثون جيلاً بعد جيل، وأثبتها السنّة والشيعة في كتبهم منذ عصر التدوين الأوّل، ولا يزال علماء الشيعة والمحدّثون منهم يجادلون عن عقيدتهم في الإمامة بتلك المرويّات المتواترة، وجاء في غاية المرام للسيّد هاشم البحراني: (إنّ حديث الغدير قد رواه أهل السنّة بمِئة وثمانين طريقاً)، وهكذا غيره من النصوص التي تمسّك بها الشيعة على إمامة عليّ واستخلافه، وألّف الشيعة مئات الكتب في الإمامة استعرضوا فيها النصوص من الكتاب والسنّة وأوضحوها على واقعها، وأبطلوا جميع الافتراءات التي وضعها الوضّاعون حول الإمامة ونصوصها، وألّف أحد أعلام الشيعة المعاصرين كتاباً أسماه الغدير خرَج منه إلى هذا التاريخ اثنا عشَر مجلّداً ضخماً حول الإمامة ونصوصها، ولا يزال المؤلّف يُتابع الكتابة في هذا الموضوع (1) .

ومهما كان الحال فالتشيّع بمعناه المعروف عند الفقهاء والمتكلّمين والمحدّثين، والذي تتميز به هذه الفِرقة عن فِرق المسلمين، وُلد في حياة الرسول نتيجة لتلك النصوص التي أوردها المحدّثون في كتبهم، وثبت عليه جماعة في الفترة الأولى من تاريخ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله).

ولولا مراعاة عليّ (عليه السلام) للأوضاع والظروف التي أحاطت الإسلام في تلك الفترة من تاريخه؛ لحدثت تطوّرات في تاريخ الإسلام لا نستطيع أنْ نقدّر مدى أثرها السيّئ على جهود الرسول والوصيّ والمخلصين من الصحابة الكرام، ولكنّه أدرك جميع ذلك، وأحصى ما سيجرّه تصلّبه في موقفه من الغنائم على المرتدّين والمنافقين الذين اضمروا للإسلام الخراب والدمار، ومع أنّ الأحداث الطارئة فرضت عليه أنْ يتساهل ويتسامح، ولكن فكرة استخلافه لم تنته عند هذا الحد، وما كان هذا التسامح ليحدّ من نشاطها، بل أخذت طريقها في النفوس والقلوب، وتضاعف عدد المتشيّعين له على مرور الأيّام، ورجع الكثير من المسلمين إلى الماضي القريب واحتشدت في أذهانهم صور عن مواقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، تلك المواقف التي كان يصرّح فيها باستخلاف عليّ من بعده تارة، ويلمح فيها أخرى فالتفّوا حول عليّ (عليه السلام) وأصبحوا من الدعاة الأوفياء له في جميع المراحل التي مرّ بها، وما زال التشيع ينمو وينتشر

____________________

(1) هو الشيخ عبد الحسين الأميني.

٢٨

بين المسلمين في الأقطار المختلفة يدخلها مع الإسلام جنباً إلى جنب، واستحكم أمره في السنين التي استولى فيها على الحكم، فشاعت بين المسلمين أحاديث استخلافه، ووجد الناس من سيرته وزهده وحكمته ما أكد لهم صحّة تلك المرويّات، وأنّه هو المختار لقيادة الأُمّة وحماية القرآن ونشر تعاليمه ومبادئه.

والذي أردناه من هذا العرض الموجز لتاريخ التشيّع، أنّ التشيّع في الإسلام كان جزءاً من الدعوة التي دعا إليها القرآن وبلّغه الرسول إلى الأُمّة في جملة ما بلّغه من تشريعات وأنظمة، وهو بمفهومه الشائع بين المسلمين في هذا العصر وقبله كانت بذرته الأُولى في عصر الرسول وبعد وفاته، والذين تابعوه منذ اللحظة الأُولى عند صدور البلاغ الأول من الرسول (صلّى الله عليه وآله) كانوا يؤمنون بأنّه منصوص عليه من الله وحده، ولم يكن الرسول إلاّ مبلّغاً عن ربّه هذا الأمر كغيره من التكاليف والتشريعات.

أمّا ما ذهب إليه أكثر الكتّاب العرب والمستشرقين من أنّ التشيّع حدَث بعد مقتل عثمان، كما يذهب إلى ذلك الشيخ محمّد أبو زهرة (1) أو بعد واقعة صِفّين كما يدّعي آخرون (2)، كما ذهبت فئة منهم إلى أنّه حدَث بعد انتشار الموالي الذين دخلوا الإسلام من الفُرس وغيرهم، وفئة أُخرى تدّعي أنّ القول بالوصاية أوّل مَن أحدثه عبد الله بن سبأ اليهودي (3) إلى غير ذلك من الآراء الشاذّة التي تردّدت على السنّة الكتاب العرب والأجانب، كلّها لا تمتّ إلى الواقع بأيّ صلة وتنفيها النصوص الإسلامية، وكتب التاريخ، ولابدّ لنا من وقفة مع الأُستاذ (البير نصر) أُستاذ الفلسفة الإسلامية في الجامعة اللبنانية، قال في كتابه أهمّ الفِرَق الإسلامية حول عقيدة الشيعة في الخلافة: (إنّ هذه الفكرة التي تجعل من الإمامة حقّاً إلهيّاً ليست من خصائص التفكير البدوي، حتى ولا من خصائص عرب

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية ص 48 وقد جاء فيها: لقد انتهى عصر الخليفة الثالث بوجود الشيعة والخوارج، وفي الصفحة نفسها بعد أنْ استعرض الإحداث التي أطاحت بعرش عثمان، قال: (وفي ظِل هذه الفتن نبت المذهب الشيعي).

(2) ومن هؤلاء غودفروا المستشرق الفرنسي.

(3) ومن هؤلاء أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام ص 269، ومنهم الدكتور البير نصر نادر أُستاذ الفلسفة الإسلامية في الجامعة اللبنانية.

٢٩

الجزيرة، حيث تسود بينهم روح المساواة. إنّ هذه الفكرة دخلت عليهم من جهة الفُرس الذين كانوا ينظرون إلى ملوكهم بعين الاحترام الزائد، ويعتبرونهم أسمى من باقي البشر؛ وهذا ما يعلّل لنا لماذا تستعمل اللغة الفارسية في الأوساط الشيعية في العراق، لا سيّما الأوساط العلمية مثل النجف وكربلاء والكاظمية).

لقد تابع الدكتور غيره من المستشرقين في هذه النظرية، ولم يعتمد على النصوص الإسلامية ولا على الوقائع التي رافقت تاريخ المسلمين قبل الفتح العربي لبلاد الفُرس، ولو رجع إلى ذلك لوجد أنّ فكرة الوصاية قد رافقت تاريخ الإسلام، وقد آمن بها جماعة من المسلمين من نصوص الرسول التي كان يتلوها على المسلمين بين حين وآخر، ولأجل تلك النصوص وقَف جماعة من المسلمين إلى جانبه بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وذلك قبل اتّصال الفُرس بالعرب بعشرين عاماً تقريباً، وقبل إسلام ابن سبأ الذي يَنسب الكتاب إليه أنّه لعب دوراً هامّاً في هذه الناحية، وكان من أعظم العناصر الأجنبية عناء في ذلك.

ومِن المؤسف أنْ يكتب الدكتور أُستاذ الفلسفة عن الشيعة ما يُبرّئهم منه الواقع والتاريخ وتُدرّس آراؤه وكتبه في الجامعات اللبنانية، مع أنّه يعيش معهم في بلدٍ واحد، ذلك البلد الذي يعيش فيه الشيعة مع غيرهم من الطوائف الأخرى، ويشكلّون أكثر من ثلُث سكّانه، ومن السهل عليه أنْ يتّصل بعلماء الشيعة وكتبهم المنتشرة في أكثر المكاتب وعلى الأخص فيما يرجع لهذه المواضيع، ولو فعل ذلك لسلِم من هذه الأخطاء، ولكنّه شاء أنْ يكون مقلّداً لغيره فأرسل أحكامه بدون تمحيص وتحقيق، وجعل من آثار هذه الحقيقة على حدّ زعمه انتشار اللغة الفارسية في بلاد الشيعة من العراق، ولا سيّما الأوساط العلمية كالنجف وكربلاء والكاظمية، وظنّ أنّه قد اهتدى إلى حقيقة ضاعَت على غيره من الباحثين، مع أنّه لا يزال بعيداً عن الواقع في تعليل هذه الظاهرة التي يدّعيها في الأوساط الشيعية؛ لأنّ بلاد العراق أكثر سكّانها من العرَب، والعربية هي اللغة الشائعة في أكثر المدن والقرى وفي جميع الأوساط العلمية وغيرها، وأكثر المواطنين لا يحسنون غيرها، أمّا المدن الثلاث النجف وكربلاء والكاظمية، هذه المدن يهاجر إليها الشيعة من مختلف البلاد للدراسة والزيارة على اختلاف أصنافهم، وهؤلاء في شؤونهم الخاصّة يتكلّمون بلغاتهم المختلفة، أمّا لغة الدرس وكتب الدراسة وغير ذلك من الشؤون العامّة فهي اللغة

٣٠

العربية، ولا أثَر لغيرها في جميع الشؤون، ولكنّ الدكتور بعد أنْ عزا فكرة التشيّع إلى الفُرس وتخطّى التاريخ الإسلامي الصحيح الذي ينصّ على أنّ التشيّع نشأ في بلاد العرب، ومِن العرب أنفسهم، قبل أنْ يعرف العرب الفُرس بأكثر من عشرين عاماً، بعد هذه النسبة جعل من آثارها انتشار اللغة الفارسية بين شيعة العراق وعلى الأخص الأوساط العلمية، فأضاف إلى خطئه الأوّل خطيئة أُخرى لا مبرّر لها، وقد اشتمل كتابه (نصوص ودروس في أهم الفِرق الإسلامية) على بعض الآراء السطحية والأخطاء التاريخية، وربّما نتعرّض لبيانها حسب المناسبات في الفصول الآتية.

ومهما كان الحال لقد كانت مشكلة الخلافة الإسلامية أُولى المشاكل التي اصطدم بها الركْب الإسلامي، وعلى حسابها انقسم المسلمون إلى فئتين: فئةٌ وقفت إلى جانب عليّ (عليه السلام) معتمدة على النصوص التي وردت في القرآن والسنّة، والفئة الثانية رأت أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فارق الدنيا وترَك للمسلمين حقّ اختيار الحاكم الذي يرونه صالحاً لهم، وقد وقَفت هذه الفئة من النصوص موقفاً سلبيّاً في واقع الأمر، فأنكروا بعضها وتأوّلوا البعض الآخر حيث لم يتمكّنوا من إنكاره.

واختار المسلمون أبا بكر، وهو بدوره قد اختار لها عمر بن الخطّاب من بعده، وانتهت بعده لعثمان بن عفّان بعد أنْ رفَض عليّ العروض التي عرَضها عليه أحد الستّة (عبد الرحمان بن عوف)، وآثر العمل باجتهاده فيما لا نصّ عليه من كتابٍ أو سنّة، على انتهاج سيرة الشيخين أبي بكر وعمر والتقيّد بآرائهما.

لقد انتهت لعثمان بعد أنْ تقبّل العروض بلهْفة ورحابة صدر، مؤثراً سيرة الشيخين وكلّ ما يفرض عليه على رأيه واجتهاده في سبيل الوصول إلى الخلافة مهما كلّفه ذلك من ثمن، هاتان الفئتان هما مصدر الفِرق الإسلامية والنزاع القائم بين المسلمين طيلة هذه القرون المتوالية، وقد اتخذ بعد الفترة الأُولى من تاريخه طابعاً سياسياً أدّى إلى النزاع المسلّح أُريقت فيه دماء المسلمين، وتطوّر البحث بينهم في الخلافة وظهرت فيه أطوار من الجدَل مبنية على التسلسل المنطقي وعلم الكلام، الذي يمتّ بأوثَق الأسباب إلى الفلسفة وقواعدها، ومع أنّ الخلافات التي ظهرت في الإمامة لم تبقَ على بساطتها الأُولى، وتطوّرت بشكلٍ علمي لم تخرج بجوهرها عن النزاع الذي نشأ فيها منذ اليوم الأوّل لوفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وتعود في النهاية إلى أنّ الخلافة، هل يجب أنْ تكون بنصٍّ من الله يقوم الرسول

٣١

بتنفيذه؟ أم تكون باختيار الأُمّة؟ وهل يستمد الخليفة سلطته من الله سبحانه، أم يستمدّها من المؤمنين؟ إلى غير ذلك من النواحي التي برزت في أبحاثهم ومناظراتهم.

الفصلُ الثّاني: الخوارج

يعرض هذا الفصل الأسباب التي أدّت إلى حركة الخوارج والفِرَق التي تشعبت عنهم والأُمم، ومعتقداتهم والآثار التي أحدثتها ثورتهم على الحكّام الأمويّين والعبّاسيّين.

لقد ذكرنا في الفصل السابق أنّ انقسام المسلمين قد ظهر منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الخلافة الإسلامية، وأنّ الحزب المعارض لعليّ ومن معه من بني هاشم والمسلمين قد بايعوا أبا بكر خليفة لرسول الله، وبعد جدالٍ دام بضعة أشهر رأى عليّ (عليه السلام)، أنّ مصلحة الإسلام تقضي عليه بأنْ يكون مع المسلمين يداً واحدة؛ لدفع الأخطار التي أحدقت بالإسلام، فبايع هو ومَن معه مع الاحتفاظ بحقّه الشرعي، واستمرّ أمر المسلمين على هاتين الفرقتين لم يحدث بينهما نزاع مسلّح إلاّ في عهد عثمان (الخليفة الثالث) أدّى إلى

٣٢

الإطاحة بعرشه؛ لأنّه حابى أقاربه وبني أبيه وولّى على المسلمين سُفهاء قومه، مّما أوجب نقمة المسلمين عليه في المدينة وخارجها، واشتركت السيّدة عائشة وطلحة والزبير مع الوفود التي زحَفت إلى المدينة من مختلف البلاد الإسلامية لتشكو إليه ما تقاسيه الأُمّة من جور ولاته واستخفافهم بالمقدّسات الإسلامية وشعائر الدين، وخروجهم عن المخطّط الإسلامي الذي ألفوه واعتادوا عليه، من سيرة الرسول والخليفتين من بعده، ولم يكن لعليّ (عليه السلام) صلة بهذا النزاع ولا حاول أنْ يجني من ورائه أيّ مكسب، وتؤكّد النصوص التاريخية أنّه قد حاول التوفيق بين الثائرين وبين الخليفة أكثر من مرّة، ولكنّ حاشية الخليفة كانت تحول بينه وبين ذلك، بالإضافة إلى تحريض السيّدة عائشة وطلحة والزبير الثوّارَ على المضيِّ في الثورة إلى النهاية.

ولمّا انتهت الثورة بقتل عثمان واختيار عليّ (عليه السلام) من بعده أُصيبت السيّدة عائشة بصدمةٍ عاتية؛ لأنّها كانت تقدّر أنّ قريبها طلحة سيتولّى أُمور المسلمين بعد الخليفة الراحل، بالإضافة إلى ما كانت تكنّه لعليّ (عليه السلام) في نفسها مِن عداءٍ قديم، يرجع إلى عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله) فعملت مع رفيقَيها طلحة والزبير والأمويّين الذين كانوا السبَب المباشر لكلّ ما حدَث على الثورة في وجه الحكومة الجديدة، وباشرت قيادة أنصارها إلى المعركة بنفسها، واستطاع معاوية أنْ يغري أهل الشام ويقودهم إلى النزاع المسلّح مع عليّ (عليه السلام)، بعد أنْ علِم أنّ عليّاً لا يقرّه بحال من الأحوال على عمله، ولا يمكن أنْ يستعين به في حكومته فأعلن عصيانه للخليفة الشرعي وخرَج عليه بمَن معه من أهل الشام، فكانت معركة صِفّين التي كادت أنْ تنتهي بالقضاء على معاوية وأتباعه لولا مكيدة ابن العاص التي سهّلت له الخروج من تلك الأزمة ويسّرت له أنْ يصبح ملكاً على المسلمين يتحكّم فيهم بما توحيه له شهَواته.

وانتهت المعركة باختيار حكَمَين أحدهما يُمثّل أهل الشام والآخر يمثّل الجهة الثانية التي يقودها عليّ (عليه السلام)، ونتَجَ من هذا التحكيم الذي فرضه أهل العراق على عليّ فشَل المؤتمرين، وخروج جماعة من جيشه عن طاعته ناقمين على التحكيم الذي فرضوه عليه بالأمس القريب، ووصفوه بالكفر؛ لأنّه حكّم الرجال في دين الله على حدِّ زعمهم، وقد ظهرت بوادر هذه الفرقة في صفّين بعد الاتّفاق على التحكيم، فقد خرَج من صفوف أصحاب عليّ (عليه السلام) رجلٌ يدعى يزيد بن عاصم المحاربي، فحمل على أصحاب عليّ وقتل رجلاً، كما حمَل على أصحاب معاوية وقتل منهم أيضاً وتبرّأ من الفريقين واستقرّت فكرة

٣٣

الخروج في أذهان جماعة من أهل الكوفة، ولم يتمكّنوا من تنفيذها إلاّ بعد رجوعهم من صفّين، وبعد الفشل الذي انتهى إليه المؤتمرون، وبلغ عدد الذين انفصلوا عن جيش عليّ (عليه السلام) اثني عشر ألف جندي ممّن كانوا معه في صفّين، والتجأوا إلى قرية في قرب الكوفة تسمّى حروراء فغلَب عليهم اسم (الحرورية) ، وتولّى قيادتهم عبد الله بن الكوّاء وشبث بن ربعي، وبعد أنْ جرت بينهم وبين عليّ مناظرات كثيرة حول التحكيم، وموقف الحكَمين رجَع ابن الكوّاء عن فكرته والتحق بالكوفة مع ألف رجل منهم، واستمرّ الباقون على فكرتهم الأُولى، وقد تداولوا الرأي حول المكان الذي يتّخذونه مقرّاً لهم فاقترح بعضهم المدائن، وآخرون اختاروا البصرة مقرّاً لثورتهم، وأخيراً اتفقوا على النهروان.

ويرى الدينوري أنّهم كانوا أربعة آلاف فارس بقيادة عبد الله بن وهَب الراسبي (1) بينما يرى الاسفرائيني أنّهم كانوا ضعفَي هذا العدد (2)، وفي طريقهم إلى النهروان التقوا بالصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت ومعه زوجته، فقالوا له: حدّثنا حديثاً سمعته من رسول الله، فقال: حدّثني أبي أنّ رسول الله قال: (ستكون بعدي فتنة، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والواقف فيها خيرٌ من السائر، والماشي خيرٌ مِن العادي، ومَن أمكنه أنْ يكون مقتولاً فيها خيرٌ له من أنْ يكون قاتلاً) .

ثمّ قالوا له: ما تقول في أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما خيراً كما أثنى على عثمان في السنين الستّة من خلافته، ولمّا سألوه عن التحكيم أجاب: أنّ عليّاً أعلم بكتاب الله منكم وأشدّ توقّياً على دينه وأنفذ بصيرة، فقالوا له: إنّك تتبع الرجال على أسمائهم وجرّوه على شاطئ النهر، فاستجار بكتاب الله وكان معلّقاً برقبته، فقالوا: إنّ الذي تستجير به يأمرنا بقتلك فذبحوه، ثمّ جاؤوا إلى زوجته فبقروا بطنها واستخرجوا منها حملها، وبعد قتله ساوموا نصرانياً على نخلةٍ ليأكلوا ثمرَها فبذلها لهم بدون ثمَن، فرفضوا أنْ يأخذوها إلاّ بثمنها، فقال لهم: ما أعجب ما أرى منكم! تقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون منّا نخلة إلاّ بثمنها (3)؟ !

ولمّا بلغ عليّاً عدوانهم على الآمنين وفسادهم في الأرض توجّه إليهم في

____________________

(1) انظر الأخبار الطوال للدينوري ص 223.

(2) انظر التبصير في الدين ص 28.

(3) الكامل للمبرد ج 2 ص 143.

٣٤

أربعة آلاف محارب من جيشه، وقبل أنْ يقاتلهم سألَهم عن أسباب خروجهم فأجابوه: لقد قاتلنا معك في البصرة طلحة والزبير وعائشة، فأبحت لنا أموالهم ولم تبِح نساءهم وذراريهم، فقال: (لقد أبحتُ لكم من أموالهم ما كان في المعركة من سلاحٍ ودواب، عِوَضاً عمّا أخذوه من بيت مال المسلمين في البصرة، أمّا نساؤهم وذراريهم فلا ذنبَ لهم لأعاقبهم عليه، ولم يخرجوا مِن حكم المسلمين في ثورتهم لكي نعاملهم معاملة الكفّار والمشركين، ولو أبحت لكم النساء فمَن منكم يأخذ عائشة في سهمه؟)، وأخيراً وبعد أنّ سدّ عليهم جميع الأبواب التي كانوا يرونها مبرّرة لثورتهم قالوا: لم محوت الإمارة عن نفسك في كتاب الصلح بينك وبين معاوية؟ فقال (عليه السلام): (لقد اقتديت برسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث محا الرسالة عن نفسه حين كتَب كتاب الصلح بينه وبين سهيل بن عمرو، وقد أنكر عليه سهيل يومذاك أنْ يضيف لنفسه صفة الرسالة، وقال له: لو كنّا نعلم أنّك رسول الله لما خالفناك، فقال لي رسول الله: امحها فمحوتها وكتبت: هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، وقد قال لي يوم: إنّك ستبتلى بمثلها).

فرجع منهم إلى طاعته جماعة، وبقيَ منهم أربعة آلاف رجل، وقبل أنْ يقاتلهم استنطقهم عن جريمتهم مع العبد الصالح عبد الله بن خباب وزوجته فأجابوه بلسان واحد: كلّنا قتلناه ولو ظفرنا بك لقتلناك أيضاً، فتوجّه إلى أصحابه وأخبرهم عن مصير هذه الفئة الباغية وعن عدد القتلى منهم، ثمّ حمل عليهم هو ومَن معه فلَم يَسلَم منهم سوى تسعة لاذوا بالفرار من المعركة، وتفرّقوا في البلدان، فذهب منهم اثنان إلى سجستان، واثنان إلى اليمَن، والباقون تفرّقوا بين عمان الأنبار والجزيرة، وواصلوا الدعوة إلى مبدئهم في هذه الأقطار فالتفّ حولهم جماعة كثيرون، ولا تزال بقاياهم إلى اليوم في هذه الأقطار كما جاء في رواية الإسفرايني (1) واستعادوا نشاطهم في عهد الأمويّين فكانت لهم جولات واسعة ومواقف ضارية، أقلقت الحكّام الأمويّين وشغلت جانباً كبيراً من عنايتهم وتفكيرهم.

ويؤكّد بعض الكتّاب أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يستأصل جماعة الخوارج في معركة النهروان وغيرها، وأنّ جماعة منهم ممّن لم يشتركوا في معركة

____________________

(1) انظر التبصير في الدين الفصل الذي تحدّث به عن الخوارج.

٣٥

النهروان قد انتشروا في الكوفة وخارجها؛ لترويج فكرتهم وتحريض الناس ضدّ حكومة عليّ (عليه السلام)، وعلى الأخص بعد الفشل الذريع الذي حلّ بهم في تلك المعركة، وقد حاولوا تجديد الثورة فزاروا قتلاهم في النهروان، وتعاهدوا على الأخذ بثأرهم، وتوالت حركاتهم وتحرّكاتهم في مختلف الجهات: في الأنبار والمدائن وسواد الكوفة، وخرَج الخريت بن راشد أحد زعمائهم في الكوفة ومعه ثلاثمِئة فقتَلوا عامل عليّ (عليه السلام) في عمان.

وفي الكامل لابن الأثير أنّه قد اجتمع على الخريت علوج من الأهواز انضمّ إليهم اللصوص والموالي وبعض النصارى وجماعة من العرَب فكسروا الخراج وأخرجوا عامل عليّ (عليه السلام) في تلك البلاد، ويعلّل بعض المستشرقين تحمّس الموالي لفكرة الخوارج، بأنّهم نادوا بمساواة العرَب والموالي في جميع الحقوق حتى في تولّي الخلافة (1)، ومع أنّهم تجمّعوا من مختلف المناطق والجهات، وحاولوا أكثر من مرّة الانتقام لقتلاهم وتوسيع حركتهم الثورية ضدّ الحكم القائم يوم ذاك، وحاولوا إغراء الموالي وبعض المسيحيّين المقيمين في البلاد التي خضعت للإسلام بسقوط الجزية عن المسيحيّين، وجواز استخلاف غير العربي على المسلمين، بالرغم من كلّ ذلك استطاع عليّ (عليه السلام) القضاء على فلولهم الثائرة هنا وهناك بعد الهزيمة الكبرى التي ألمّت بهم في النهروان.

وبعد أنْ فشلت جميع محاولاتهم التي قاموا بها للسيطرة على الحكم ولتعديل النظام الذي كان متّبعاً في اختيار الحاكم، بعد فشلهم في جميع مواقفهم الثورية وغيرها اتجهوا إلى اغتيال عليّ ومعاوية وابن العاص، وانتدبوا لكلّ واحد من الثلاثة رجلاً منهم فنجحوا في اغتيال عليّ (عليه السلام)، وفشَل الآخران في اغتيال معاوية وعمرو بن العاص.

ومهما كان الحال فلقد كانت الفكرة المسيطرة على تصرّفات الخوارج في أوّل أمرهم سياسية خالصة، فأوّل أمر نادوا به هو تخطئة عليّ في قبول التحكيم، ثمّ تخطّوا هذه الفكرة إلى تكفيره وتكفير عثمان في السنين الأخيرة من خلافته، وطلحة والزبير وعائشة، بينما لم يذهَب أحد منهم - على اختلاف فِرَقهم وتباين آرائهم في بعض المسائل - إلى تكفير أبي بكر وعمر، والتهجّم عليهما، ولقد علّلوا تكفير عليّ (عليه السلام) بأمرين أوّلهما: أنّه حكّم في دين الله.

____________________

(1) انظر العراق في ظلّ العهد الأموي للدكتور عليّ الخرطبولي ص 60 و61، وانظر النظم الإسلامية للمستشرق غودفروا، كما نقل عنه الخرطبولي.

٣٦

الثاني: أنّه قد خلَع نفسه من إمارة المؤمنين في وثيقة الهدنة التي كتبها بينه وبين معاوية لإيقاف القتال، أمّا عثمان فيعلّلون كفره بأنّه قد حابى أقاربه وولاّهم على رقاب المؤمنين، مع علمه بسوء تصرّفاتهم واستخفافهم بالإسلام ومبادئه، وعلى ما بينهم من اختلاف في الآراء فقد اتّفقوا على تكفير عليّ والحكَمَين وعثمان وطلحة والزبير وعائشة، كما اتفقوا على أنّ خلافة أبي بكر وعمر خلافة شرعيّة تعبّر عن رأي الأُمّة ورغبة المجموع، ومِن هنا يمكن أنْ نقول: أنْ المصدر الصحيح الذي تستمدّ منه السلطة الحاكمة نفوذها وقوّتها وشرعيّة تصرّفاتها هو الشعب وحده عندهم؛ لأنّهم اعتمدوا في شرعية خلافة أبي بكر وعمر على رضا الشعب ورغبته الأكيدة بها، ولكنّهم قد أضافوا إلى رضا الشعب ورغبته شرطاً آخر وهو الحكم بالحق والعدل، فلو اختار الشعب حاكماً وأجمع على اختياره، ولكنّه انحرف عن الحق والعدالة وجَب عزله ومحاربته.

ومِن هنا ذهبوا إلى تكفير عليّ وعثمان، ومع أنّ خلافتهما كانت برأي الشعب وإرادته، وقد أضافوا إلى المبدأ الذي لابدّ منه في الحكم أمراً آخر، فادّعوا أنّ الخلافة لا تنحصر في القرشيّين ويصلح لها كلّ مسلم حرّاً كان أو عبداً، فالعبد الحبشي وغيره سَواءٌ في ذلك، ولم يعترفوا بالأحاديث المرويّة عن الرسول التي تنص على انحصار الخلافة في القرشيّين، واعتبروها من وضع القرشيين أنفسهم لفرض احتكار السلطة فيما بينهم.

ويُمكن للباحث أنْ يجد لهم مبرّراً في هذا المبدأ الذي اعتمدوه في اختيار الحاكم من جهة أنّ الإسلام لم يفرّق بين لون ولون ولا بين العرب وغيرهم، وجعل مقياس التفاضل الأعمال الصالحات، فالعبد الحبشي بنظر الإسلام أفضل من العربي القرشي إذا كان مخلصاً في إيمانه، عاملاً بما افترضه الإسلام ولو كان العربي منحدراً من أفضل القبائل العربية، وأشرفها حسباً ونسباً، وقد اعتبر جماعة من الكتّاب هذه الفكرة خروجاً على المبدأ الذي اعتمد عليه القرشيّون في اختيار الحاكم، وأيّدوه بما جاء عن الرسول من انحصار الخلافة في القرشيّين، مع أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي وضَع نواة هذه الفكرة التي نادى بها الخوارج؛ ذلك أنّه في الأيّام الأخيرة من حياته وهو يستعرض من يصلح للخلافة من بعده قال: لو كان سالم مولى حذيفة حيّاً ما عدَوته، قال ذلك: وفي المسلمين عليّ بن أبي

٣٧

طالب (عليه السلام) وغيره من أعيان المسلمين (1) ، فقد سبَق إلى هذه الفكرة الخوارج بأكثر من عشرين عاماً ولكن الخوارج قد جعلوها موضع التنفيذ، فاختاروا عبد الله بن وهَب الراسبي أحد زعمائهم وجعلوه أميراً عليهم وجاهدوا معه؛ لتحقيق أهدافهم التي كانوا ينادون بها، وأضافوا إلى المبدأين السابقين مبادئ أُخرى، منها أنّ المختار للخلافة لا حقَّ له بالتنازل عنها مهما كانت الظروف فالحقّ للأُمّة وحدها في عزله أو قتله إذا انحرف أو غيّر وبدّل، وعلى أساس هذا المبدأ كفّروا عليّاً (عليه السلام)؛ لأنّه تنازل عن إمارة المؤمنين على حدِّ زعمهم في الوثيقة التي كتبت بينه وبين معاوية، لإيقاف القتال حينما اتفق الطرفان على مبدأ التحكيم.

ومنها أنّ الخلافة ليست من الضروريّات التي لابدّ منها، فإذا لم تتوفّر الشروط اللازمة في الأشخاص يمكن الاستغناء عنها؛ لأنّ حاجة الناس بعضهم إلى بعض متساوية وعلاقتهم متشابكة، وذلك ممّا يمنعهم عن الظلم ويصدّهم عن الجور وعدم الإنصاف (2) ، لقد تبلورت فكرة الخوارج واتّضحت أهدافهم بعد أنْ مضى على بدء ثورتهم شطر من الزمن، أمّا في بداية أمرهم فلم تكن لهم أهداف منظمة.

ولم تنبثق حركتهم الثورية الأُولى عن الأهداف التي برزت في العصر الأموي، ولم تذكر المراجع التاريخية شيئاً قبل خروجهم على عليّ (عليه السلام) بعد فشَل الحكمَين في التوصّل إلى حلٍّ مُرضٍ لدى الطرفين، وليس ببعيد أنْ تكون فكرة انحصار الخلافة في القرشيّين التي كان يؤمن بها القسم الأكبر من المسلمين، والتي من شأنها ملكيّتهم لها يتوارثونها جيلاً بعد جيل، هذه الفكرة كانت تحزّ في نفوس الكثيرين من العرب، ولا سيّما وقد وصلت إلى غلمان الأمويّين وفسّاقهم، وهؤلاء لم تكن لهم في النفوس تلك القداسة، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ قادة الثورة ينتمون إلى قبائل عربية لها مِن ماضيها وحاضرها ما يدعوهم إلى الطموح إليها وانتزاعها من أيدي الأمويّين، ولا أقلّ من التخلّص من سيطرة القرشيّين واستعلائهم على الناس.

والذي يؤيّد ذلك ما أورده العبادي في كتابه (صور من التاريخ الإسلامي) قال: أنّ الخوارج كانوا عرباً من قبائل تميم وحنيفة وربيعة

____________________

(1) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد مجلّد 1 ص 64.

(2) انظر العراق في ظلّ الحكم الأموي ص 63 وما بعدها.

٣٨

الذين كان لهم في الجاهلية شأنٌ كبير بين العرَب، وقد اعتنقوا الإسلام لإعجابهم بمبادئه الديمقراطية، وأبلوا في الفتوح بلاءً عظيماً، وطمعوا في مجدٍ جديد يضيفونه إلى مجدهم التليد، ولكنّهم غلبوا على أمرهم، واستأثرت ارستقراطية مكّة والمدينة فأعادوا حركة الردّة ولكن في صورة إسلامية، وبدأ هذا في موقفهم من التحكيم؛ ويؤيّد ذلك أنّهم على اختلاف فِرقهم مجمعون على أنّ الخلافة ليست حقّاً للقرشيّين وحدهم، وإنّما هي حقٌّ للأفضل من جميع المسلمين على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، وقد هيّأ لهم هذا المبدأ الأنصار والأتباع من الموالي وغيرهم ممّن انضموا إليهم في حركاتهم في وجه الأمويّين والعبّاسيّين، هذا بالإضافة إلى أنّ أكثرهم كانوا من عرب البادية الذين دخلوا في الإسلام على فقرهم وسذاجة تفكيرهم.

ومع أنّ الإسلام قد احتل جانباً من نفوسهم وقلوبهم، إلاّ أنّهم لم يتجرّدوا من النزعات القبلية وظلّت معهم تسيطر عليهم وتسيرهم أحياناً من حيث لا يشعرون، وهم بحكم طبيعتهم لم يتعوّدوا الخضوع للسلطان ولم يألفوا الحكم المفروض عليهم أنْ يعيشوا في ظلّه خاضعين لأنظمته وقوانينه؛ ولذا فإنّهم لا يرون وجود الحاكم من الضرورات الملحّة كما ذكرنا سابقاً؛ لأنّ تشابك الناس بالمصالح والأغراض يحتّم عليهم التناصف والتحابب، فالحاكم عندهم ليس من الضرورات التي لابدّ منها.

وهذه النظرية مستمدّة من طبيعتهم؛ لأنّهم لم يعتادوا الخضوع للحاكم، وعلى الأخص تلك الحكومات التي تعاقبت في العصر الأموي والتي كانت تنظر إلى سائر الفئات والأجناس نظرة احتقار وازدراء، ويتمثّل ذلك فيما جاء عن بعض ملوكهم (ألا وأنّ السواد بستانٌ لقريش)، فهذه الكلمة تعبّر عن مدى استغلال الأمويّين إلى جميع العناصر والألوان واستئثارهم بخيرات الأرض، وتسخيرهم للطبَقات الكادحة لمصالحهم وأهوائهم.

ومهما كان الحال فقد اختلفت آراء الكتّاب القدامى والمحدّثين في تعليل ظهور الخوارج وصمودهم في وجه الشدائد والضربات القاسية وعلى الأخص في العصر الأموي، فبعضهم يؤكّد ما ذكرناه، بينما يرى آخرون أنّ مردّ ذلك هو تشدّدهم في الدين الناتج عن جهلهم في المبادئ الإسلامية، فقد فسّروا الدين حسب أفهامهم واجتهاداتهم معتمدين على تفكيرهم الساذج، واعتبروا أنفسهم أنّهم المسلمون دون سِواهم، وأوجبوا جهاد مَن خالفهم حتى يعودوا إلى حظيرة الدين ويعملوا بفروعه، بالإضافة إلى

٣٩

إيمانهم بأُصوله وبجانب آرائهم السياسية التي بدأت تظهر وتتبلور كلّما اتسعت حركتهم وامتد نفوذهم، بجانب ذلك، ظهَرت لهم آراء في الدين تناولوا فيها الأصول والفروع، ولكنّها سطحية ساذجة لم يعتمدوا فيها على البحث والدراسة لنصوص الكتاب والسنّة، ولا على آراء الصحابة والعلماء الذين عاصروهم؛ لذا فإنّ المتتبّع في آرائهم وفتاويهم يراهم يتخطّون الأُصول التي اتبعها القرآن والرسول، والأساليب التي اتّبعها المسلمون في مقام التشريع واستنباط الأحكام، ويبدو ذلك واضحاً من آرائهم في بعض الأصول والفروع كما أوردها كتاب الفرق والمذاهب الإسلامية وإلى القرّاء أمثلة من آرائهم وتشريعاتهم:

لقد اتّفقوا بجميع فِرَقهم على تكفير مرتكب الكبيرة من الذنوب، وأنّ فاعلها يخلد في النار، ولم يُنسب الخلاف لأحدٍ منهم إلاّ للنجدات، أتباع نجدة بن عامر الحنفي (1)، وكان يرى أنّ الدين أمران: معرفة الله ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله جملة، وتحريم دماء المسلمين وأموالهم، وما سِوى ذلك فالناس معذورون فيه بجهالتهم حتى تقوم عليهم الحجّة، وأضافوا إلى ذلك: أنّ مَن خاف العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام فهو كافر، ومَن تثاقل عن الهجرة إليهم فهو منافق، واستحلّوا دماء وأموال المقيمين في دار التقيّة وهم الذين لم يهاجروا إليهم تقية، وحرّموا أموال وأعراض موافقيهم ولو كانوا ممّن وجَب إقامة الحدِّ عليهم لجناية أو سرقة، كما ادعوا بأنّ الإصرار على الذنب كبيراً كان أو صغيراً يُوجب الشرك، ومَن زنى وفعل جميع المنكرات والكبائر غير مصرٍّ عليها لا يخرج عن الإسلام، بينما يرى الأزارقة أنّ كلّ كبيرة توجب الكفر، وأنّ جميع مخالفيهم كفّار، ولا حدّ على مَن قذَف المحصنين من الرجال، وأنّ أطفال المشركين يدخلون النار مع آبائهم (2)، ويذهب العطوية المنتسبون

____________________

(1) خرج نجدة مع جماعته من اليمامة قاصداً الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، فاستقبلهم جماعة من أتباع نافع وأخبروا نجدة بما أحدثه من أعمال لا ترضيهم وأنّهم برِئوا منه، فبايعوا نجدة عليهم وقد أرسل ابنه مع جماعة منهم إلى القطيف فقتَل جماعة من رجالهم واستباح أموالهم ونساءهم، انظر مقالات الإسلاميّين لابن الحسَن الأشعري ج 1 ص 162.

(2) انظر المصدر السابق ص 165.

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

يقول: لا يدعوني في جوف هذه الليلة إلا لشر يريد بي. فقام باكيا حزينا مغموما آيسا من حياته، فجاء إلى عند هارون، وهو ترتعد فرائصه، فقال: سلام على هارون. فرد عليه السلام، ثم قال له هارون: ناشدتك بالله، هل دعوت في جوف هذه الليلة بدعوات؟ فقال: نعم. قال: وما هن؟ قال: جددت طهورا، وصليت لله عزّوجلّ أربع ركعات، ورفعت طرفي إلى السماء، وقلت: يا سيدي خلصني من يدي هارون و شره، وذكر له ما كان من دعائه، فقال هارون: قد استجاب الله دعوتك. يا حاجب، أطلق عن هذا. ثم دعا بخلع فخلع عليه ثلاثا، وحمله على فرسه، وأكرمه، وصيره نديما لنفسه. ثم قال: هات الكلمات حتى أثبتها. ثم دعا بداوة وقرطاس، وكتب هذه الكلمات.

قال: فأطلق عنه، وسلمه إلى حاجبه ليسلمه إلى الدار، فصار موسى بن جعفر عليهما السلام كريما شريفا عند هارون، وكان يدخل عليه في كل خميس(١) .

٦١٤/٤ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير ومحمّد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن منصور بن حازم، وعليّ بن إسماعيل الميثمي، عن منصور بن حازم، عن أبي عبدالله الصادق، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لا رضاع بعد فطام، ولا وصال في صيام، ولا يتم بعد احتلام، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا تعرب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد الفتح، ولا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك، ولا يمين لولد مع والده، ولا لمملوك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها، ولا نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة(٢) .

٦١٥/٥ - حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور رضي الله عنه، قال: حدّثنا الحسين بن

______________

(١) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٩٣/١٣، أمالي الطوسي: ٤٢٢/٩٤٥، بحار الانوار ٤٨:٢١٩/٢٠ - ٢٢، و ٩٥: ٢١٠/٢.

(٢) نوادر أحمد بن عيسى: ٢٦/١٧، الكافي ٥: ٤٤٣/٥، من لا يحضره الفقيه ٣: ٢٢٧/١٠٧٠، أمالي الطوسي: ٤٢٣/٩٤٦، تحف العقول: ٣٨١، بحار الانوار ٧٨:: ٢٦٧/١٨٠، و ٩٦: ٢٦٢/٤، و ١٠٤/٢١٧/٨ و ٩، و ٢٣٢/٧٨.

٤٦١

محمّد بن عامر، عن عمه عبدالله بن عامر، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من أراد التوسل إلي، وأن يكون له عندي يد أشفع له بها يوم القيامة، فليصل أهل بيتي ويدخل السرور عليهم(١) .

٦١٦/٦ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رضي الله عنه، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن عبدالله ابن الحسن بن الحسن بن علي، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من قال: صلّى الله على محمّد وآله، قال الله جل جلاله: صلّى الله عليك، فليكثر من ذلك. ومن قال: صلّى الله على محمّد، ولم يصل على آله، لم يجد ريح الجنة، وريحها توجد من مسيرة خمسمائة عام(٢) .

٦١٧/٧ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، قال: حدثني أبي، عن جده أحمد بن أبي عبدالله، قال: حدّثنا أبي، عن عليّ بن النعمان، عن فضل بن يونس، عن عبدالله بن سنان، قال: قال أبوعبدالله الصادق عليه السلام: من قال كل يوم خمسا وعشرين مرة: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، كتب الله له بعدد كل مؤمن مضى، وبعدد كل مؤمن بقي إلى يوم القيامة حسنة، ومحا عنه سيئة، ورفع له درجة(٣) .

٦١٨/٨ - وبهذا الاسناد، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن عمر بن يزيد، قال: سمعت أبا عبدالله الصادق عليه السلام يقول: من قدم أربعين رجلا من إخوانه قبل أن يدعو لنفسه، استجيب له فيهم وفي نفسه(٤) .

٦١٩/٩ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن

______________

(١) أمالي الطوسي: ٤٢٣/٩٤٧، بحار الانوار ٢٦: ٢٢٧/١.

(٢) أمالي الطوسي: ٤٢٤/٩٤٨، بحار الانوار ٩٤: ٤٨/٤.

(٣) أمالي الطوسي: ٤٢٤/٩٤٩، بحار الانوار ٩٣: ٣٨٤/٥.

(٤) أمالي الطوسي: ٤٢٤/٩٥٠، بحار الانوار ٩٣: ٣٨٣/٣.

٤٦٢

يحيى العطار، عن محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن سليمان بن رشيد، عن أبيه، عن معاوية بن عمار، قال: ذكرت عند أبي عبدالله الصادق عليه السلام بعض الانبياء، فصليت عليه، فقال: إذا ذكر أحد من الانبياء فابدأ بالصلاة على محمّد ثم عليه (صلّى الله على محمّد وآله، وعلى جميع الانبياء)(١) .

٦٢٠/١٠ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي القاسم، عن محمّد بن عليّ الصيرفي، عن محمّد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبدالله الصادق، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: بلغ أم سلمة زوجة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن مولى لها يتنقص عليا عليه السلام ويتناوله، فأرسلت إليه، فلما أن صار إليها قالت له: يا بني، بلغني أنك تتنقص عليا وتتناوله. قال لها: نعم، يا أماه. قالت: اقعد ثكلتك أمك حتى أحدثك بحديث سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثم اختر لنفسك، إنا كنا عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسع نسوة، وكانت ليلتي ويومي من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فدخل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو متهلل(٢) ، أصابعه في أصابع علي، واضعا يده عليه، فقال: يا أم سلمة، اخرجي من البيت، وأخليه لنا، فخرجت واقبلا يتناجيان، اسمع الكلام، وما أدري ما يقولان، حتى إذا انتصف النهار، أتيت الباب، فقلت: أدخل يا رسول الله؟ قال: لا. فكبوت كبوة شديدة مخافة أن يكون ردني من سخطة، أو نزل في شئ من السماء، ثم لم ألبث أن أتيت الباب الثانية، فقلت: أدخل يا رسول الله؟ فقال: لا. فكبوت كبوة أشد من الاولى.

ثم لم ألبث حتى أتيت الباب الثالثة، فقلت: أدخل يا رسول الله؟ فقال: ادخلي يا أم سلمة. فدخلت وعلي عليه السلام جاث بين يديه، وهو يقول: فداك أبي وأمي يا رسول الله، إذا كان كذا وكذا فما تأمرني؟ قال: آمرك بالصبر. ثم أعاد عليه القول الثانية، فأمره بالصبر، فأعاد عليه القول الثالثة، فقال له: يا علي يا أخي، إذا كان ذاك منهم فسل

______________

(١) أمالي الطوسي: ٤٢٤/٩٥١، بحار الانوار ٩٤: ٤٨/٥.

(٢) في مناقب الخوارزمي والبحار ٣٨: مخلل.

٤٦٣

سيفك، وضعه على عاتقك، واضرب به قدما قدما(١) ، حتى تلقاني وسيفك شاهر يقطر من دمائهم، ثم التفت عليه السلام إلي، فقال لي: ما هذا الكآبة يا أم سلمة؟ قلت: للذي كان من ردك لي يا رسول الله. فقال لي: والله ما رددتك من موجدة(٢) ، وإنك لعلى خير من الله ورسوله، لكن أتيتني وجبرئيل عن يميني، وعلي عن يساري، وجبرئيل يخبرني بالاحداث التي تكون من بعدي، وأمرني أن أوصي بذلك عليا.

يا أم سلمة، اسمعي واشهدي، هذا عليّ بن أبي طالب، أخي في الدنيا وأخي في الآخرة. يا أم سلمة، اسمعي واشهدي، هذا عليّ بن أبي طالب، وزيري في الدنيا ووزيري في الآخرة. يا أم سلمة، اسمعي واشهدي، هذا عليّ بن أبي طالب، حامل لوائي في الدنيا وحامل لوائي غدا في القيامة.

يا أم سلمة، اسمعي واشهدي، هذا عليّ بن أبي طالب، وصيي وخليفتي من بعدي، وقاضي عداتي، والذائد عن حوضي، يا أم سلمة، اسمعي واشهدي، هذا عليّ بن أبي طالب، سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.

قلت: يا رسول الله، من الناكثون؟ قال: الذين يبايعونه بالمدينة، وينكثون بالبصرة. قلت: من القاسطون؟ قال: معاوية وأصحابه من أهل الشام. قلت: من المارقون؟ قال: أصحاب النهروان.

فقال مولى أم سلمة: فرجت عني فرج الله عنك، والله لا سببت عليا أبدا(٣) .

٦٢١/١١ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن القاسم بن الوليد، عن شيخ من ثمالة، قال:

______________

(١) القدم: المضي إلى أمام.

(٢) الموجدة: الغضب.

(٣) أمالي الطوسي: ٤٢٤/٩٥٢، المناقب للخوارزمي: ٨٩ (نحوه)، بحار الانوار ٢٢: ٢٢١/١، و ٣٨: ٣٠٥/٥، و ٣٠٩/٩ (نحوه).

٤٦٤

دخلت على امرأة من تميم عجوز كبيرة وهي تحدث الناس، فقلت لها: يرحمك الله، حدثيني في بعض فضائل أميرالمؤمنين علي عليه السلام. قالت: أحدثك وهذا شيخ كما ترى بين يدي نائم.

فقلت لها: ومن هذا؟ فقالت: أبوالحمراء، خادم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. فجلست إليه، فلما سمع حسي استوى جالسا، فقال: مه. فقلت: رحمك الله، حدثني بما رأيت من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يصنعه بعلي عليه السلام، فإن الله يسألك عنه.

فقال: على الخبير وقعت، أما ما رأيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يصنعه بعلي عليه السلام، فإنه قال: لي ذات يوم: يا أبا الحمراء، انطلق فادع لي مائة من العرب، وخمسين رجلا من العجم، وثلاثين رجلا من القبط، وعشرين رجلا من الحبشة. فأتيت بهم، فقام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فصف العرب، ثم صف العجم خلف العرب، وصف القبط خلف العجم، وصف الحبشة خلف القبط، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه، ومجد الله بتمجيد لم يسمع الخلائق بمثله، ثم قال: يا معشر العرب والعجم والقبط والحبشة، أقررتم بشهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمّدا عبده ورسوله؟ فقالوا: نعم. فقال: اللهم أشهد. حتى قالها ثلاثا، فقال في الثلاثة: أقررتم بشهادة أن لا إله إلا الله، وأني محمّدا عبده ورسوله، وأن عليّ بن أبي طالب أميرالمؤمنين وولي أمرهم من بعدي، فقالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم أشهد. حتى قالها ثلاثا.

ثم قال لعلي عليه السلام: يا أبا الحسن، انطلق فأتني بصحيفة ودواة، فدفعها إلى عليّ بن أبي طالب، وقال: اكتب. فقال: وما أكتب؟ قال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أقرت به العرب والعجم والقبط والحبشة، أقروا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمّدا عبده ورسوله، وأن عليّ بن أبي طالب أميرالمؤمنين وولي أمرهم من بعدي، ثم ختم الصحيفة، ودفعها إلى علي عليه السلام فما رأيتها إلى الساعة.

فقلت: رحمك الله. زدني. فقال: نعم، خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم عرفة، وهو آخذ بيد علي عليه السلام، فقال: يا معشر الخلائق، إن الله تبارك وتعالى باهى بكم في هذا اليوم ليغفر لكم عامة، ثم التفت إلى علي عليه السلام، فقال له: وغفر لك - يا

٤٦٥

علي - خاصة.

ثم قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا علي ادن مني. فدنا منه، فقال: إن السعيد حق السعيد من أحبك وأطاعك، وإن الشقي كل الشقي من عاداك ونصب لك وأبغضك. يا علي، كذب من زعم أنه يحبني ويبغضك. يا علي، من حاربك فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله عزّوجلّ. يا علي، من أبغضك فقد أبغضني، ومن أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله، وأتعس الله جده، وأدخله نار جهنم(١) .

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

______________

(١) أمالي الطوسي: ٤٢٦/٩٥٣ (نحوه) بحار الانوار ٣٨: ١٠٨/٣٨.

٤٦٦

[ ٦١ ]

المجلس الحادي والستون

مجلس يوم الجمعة

الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٦٢٢/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبوذر يحيى بن زيد بن العباس بن الوليد البزاز رضي الله عنه بالكوفة، قال: حدّثنا عمي عليّ بن العباس، قال: حدّثنا عليّ بن المنذر، قال: حدّثنا عبدالله بن سالم، عن حسين بن زيد، عن عليّ بن عمر بن علي، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، أنه قال: يا فاطمة، إن الله تبارك وتعالى ليغضب لغبضك، ويرضى لرضاك، قال: فجاء صندل، فقال لجعفر ابن محمّد عليهما السلام: يا أبا عبدالله، إن هؤلاء الشباب يجيئونا عنك بأحاديث منكرة! فقال له جعفر عليه السلام: وما ذاك يا صندل؟ قال: جاءنا عنك أنك حدثتهم أن الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها؟

قال: فقال جعفر عليه السلام: يا صندل، ألستم رويتم فيما تروون أن الله تبارك وتعالى ليغضب لغضب عبده المؤمن، ويرضى لرضاه؟ قال: بلى. قال: فما تنكرون أن تكون فاطمة عليها السلام مؤمنة، يغضب الله لغضبها، ويرضى لرضاها! قال: فقال: الله

٤٦٧

أعلم حيث يجعل رسالته(١) .

٦٢٣/٢ - حدّثنا أبوالحسن عليّ بن الحسين بن شقير(٢) بن يعقوب بن الحارث بن إبراهيم الهمداني في منزله بالكوفة، قال: حدّثنا أبوعبدالله جعفر بن أحمد بن يوسف الازدي، قال: حدّثنا عليّ بن بزرج الحناط، قال: حدّثنا عمرو بن اليسع، عن عبدالله بن اليسع، عن عبدالله(٣) بن سنان، عن أبي عبدالله الصادق جعفر ابن محمّد عليهما السلام، قال: أتي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقيل له: إن سعد بن معاذ قد مات. فقام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقام أصحابه معه فأمر بغسل سعد وهو قائم على عضادة الباب(٤) ، فلما أن حنط وكفن وحمل على سريره، تبعه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بلا حذاء ولا رداء، ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة حتى انتهى به إلى القبر، فنزل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى لحده وسوى اللبن عليه وجعل يقول: ناولوني حجرا، ناولوني ترابا رطبا، يسد به ما بين اللبن، فلما أن فرغ وحثا التراب عليه وسوى قبره، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إني لاعلم أنه سيبلى ويصل البلى إليه، ولكن الله يحب عبدا إذا عمل عملا أحكمه.

فلما أن سوى التربة عليه قالت أم سعد: يا سعد، هنيئا لك الجنة. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا أم سعد مه، لا تجزمي على ربك، فإن سعدا قد أصابته ضمة.

قال: فرجع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ورجع الناس، فقالوا له: يا رسول الله، لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على أحد، إنك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء؟ فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن الملائكة كانت بلا رداء ولا حذاء، فتأسيت بها، قالوا: وكنت تأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة؟ قال: كانت يدي في يد

______________

(١) أمالي الطوسي: ٤٢٧/٩٥٤، بحار الانوار ٤٣: ٢١/١٢.

(٢) تقدم في المجلس (١) حديث (٦) بهذا العنوان، وفي الخصال: ٢٠٧/٢٧، ومعاني الاخبار: ١٨٩/١، وعلل الشرائع: ٣٠٩/٤، باب ٢٦٢: بن سفيان.

(٣) (بن اليسع، عن عبدالله) لم يرد في نسخة، وفي العلل وأمالي الطوسي: عمرو بن اليسع.

(٤) عضادتا الباب: الخشبتان المثبتتان على جانبي الباب.

٤٦٨

جبرئيل عليه السلام آخذ حيث يأخذ. قالوا: أمرت بغسله، وصليت على جنازته ولحدته في قبره، ثم قلت: إن سعدا قد أصابته ضمة؟ قال: فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: نعم، إنه كان في خلقه مع أهله سوء(١) .

٦٢٤/٣ - حدّثنا محمّد بن أحمد بن عليّ بن أسد الاسدي بالري في رجب سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، قال: حدّثنا عبدالله بن سليمان، وعبدالله بن محمّد الوهبي، وأحمد بن عمير ومحمّد بن أبي أيوب، قالوا: حدّثنا عبدالله بن هانئ بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا أبي، عن عمه إبراهيم، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من أصبح معافى في جسده، آمنا في سربه(٢) ، عنده قوت يومه، فكأنما خيرت له الدنيا.

يا بن جعشم، يكفيك منها ما سد جوعتك، ووارى عورتك، فإن يكن بيت يكنك فذاك، وإن تكن دابة تركبها فبخ بخ، وإلا فالخبز وماء الجر(٣) ، وما بعد ذلك حساب عليك أو عذاب(٤) .

٦٢٥/٤ - حدّثنا محمّد بن عليّ بن الفضل الكوفي رضي الله عنه في مسجد أميرالمؤمنين عليه السلام بالكوفة، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر المعروف بابن التبان، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم النهمي، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الوهاب، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمّد الثقفي، قال: حدّثنا توبة بن الخليل، قال: سمعت محمّد بن الحسن يقول: حدّثنا هارون بن خارجة، قال: قال لي الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: كم بين منزلك وبين مسجد الكوفة؟ فأخبرته، فقال: ما بقي ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد صالح دخل الكوفة إلا وقد صلى فيه، وإن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مر به ليلة

______________

(١) علل الشرائع: ٣٠٩/٤، أمالي الطوسي: ٤٢٧/٩٥٥، بحار الانوار ٦: ٢٢٠/١٤، و ٢٢: ١٠٧/٦٧.

(٢) السرب: النفس والقلب يقال: هو آمن السرب، وآمن في سربه، أي آمن النفس والقلب، أو آمن على ماله من أهل ومال.

(٣) الجر: جمع جرة، وهي إناء من خزف.

(٤) الخصال: ١٦ ١/٢١١، أمالي الطوسي: ٤٢٨/٩٥٦، بحار الانوار ٧٠: ٣١٣/١٥، و ٧٧: ١١٤/٧.

٤٦٩

أسري به، فاستأذن له الملك فصلى فيه ركعتين، والصلاة الفريضة فيه ألف صلاة، والنافلة فيه خمسمائة صلاة، والجلوس فيه من غير تلاوة قرآن عبادة، فاته ولو زحفا(١) .

٦٢٦/٥ - حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم الليثي، قال: حدّثنا عبدالله بن محمّد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدّثنا عليّ بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، قال: حدّثنا الحكم، قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: لقيت كعب بن عجرة، فقال، ألا أهدي لك هدية؟ إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمتنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمّد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حممد مجيد(٢) .

٦٢٧/٦ - حدّثنا الحسن بن عبدالله بن سعيد بن الحسن بن إسماعيل بن حكيم العسكري، قال: حدّثنا عبدالله بن محمّد بن عبد الكريم، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الرحمن البرقي: قال: حدّثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: قرأت على أبي عمر الصنعاني، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: رب أشعث أغبر ذي طمرين مدقع(٣) بالابواب، لو أقسم على الله لابره(٤) .

٦٢٨/٧ - حدّثنا الحسن بن عبدالله بن سعيد، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن حمدان بن المغيرة القشيري، قال: حدّثنا أبوالحريش أحمد بن عيسى الكلابي، قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب عليه السلام سنة خمسين ومائتين، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، في قول

______________

(١) أمالي الطوسي: ٤٢٨/٩٥٧، بحار الانوار ١٠٠: ٣٩١/١٦، ١٧.

(٢) أمالي الطوسي ٤٢٩/٩٥٨، بحار الانوار ٩٤: ٤٨/٦.

(٣) في نسخة: مدفع، والمدقع: الفقير الذي قد لصق بالتراب من الفقر.

(٤) أمالي الطوسي: ٤٢٩/٩٥٩، بحار الانوار ٧٢: ٣٦/٢٩.

٤٧٠

الله عزّوجلّ:( هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ) (١) ، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: إن الله عزّوجلّ قال: ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة(٢) .

٦٢٩/٨ - حدّثنا جعفر بن الحسين رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر بن بطة، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن عبدالله ابن مسكان، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: إن أحق الناس بأن يتمنى للناس الغنى البخلاء، لان الناس إذا استغنوا كفوا عن أموالهم، وإن أحق الناس بأن يتمنى للناس الصلاح أهل العيوب، لان الناس إذا صلحوا كفوا عن تتبع عيوبهم، وإن أحق الناس بأن يتمنى للناس الحلم أهل السفه الذين يحتاجون أن يعفى عن سفههم، فأصبح أهل البخيل يتمنون فقر الناس، وأصبح أهل العيوب يتمنون معايب الناس، وأصبح أهل السفه يتمنون سفه الناس، وفي الفقر الحاجة إلى البخيل، وفي الفساد طلب عورة أهل العيوب، وفي السفه المكافأة بالذنوب(٣) .

٦٣٠/٩ - حدّثنا أحمد بن هارون الفامي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر بن بطة، قال: حدّثنا أحمد بن إسحاق بن سعد، عن بكر بن محمّد، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: الناس في الجمعة على ثلاث منازل: رجل شهدها بإنصات وسكون قبل الامام وذلك كفارة لذنوبه من الجمعة إلى الجمعة الثانية وزيادة ثلاثة أيام، لقول الله عزّوجلّ:( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) (٤) ، ورجل شهدها بلغط(٥) وملق وقلق فذلك حظه، ورجل شهدها والامام يخطب فقام يصلي فقد أخطأ السنة، وذاك ممن إذا سأل الله عز

______________

(١) الرحمن ٥٥: ٦٠.

(٢) التوحيد: ٢٨/٢٩، أمالي الطوسي: ٤٢٩/٩٦٠، و: ٥٦٩/١١٧٧، بحار الانوار ٣: ٢/٢.

(٣) الخصال: ١٥٢/١٨٨، أمالي الطوسي: ٤٣٠/٩٦١، بحار الانوار ٧٣: ٣٠٠/٥.

(٤) الانعام ٦: ١٦٠.

(٥) اللغط: الصوت والجلبة.

٤٧١

وجل، إن شاء أعطاه، وإن شاء حرمه(١) .

٦٣١/١٠ - حدّثنا محمّد بن بكران النقاش رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الهمداني مولى بني هاشم، قال: حدثني عبيد بن حمدون الرؤاسي، قال: حدّثنا حسين بن نصر، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر، عن عليّ بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، قال: شكوت إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دينا كان علي، فقال: يا علي، قل اللهم أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، فلو كان عليك مثل صبير دينا قضاه الله عنك. وصبير: جبل باليمن، ليس باليمين جبل أجل ولا أعظم منه(٢) .

٦٣٢/١١ - حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم الليثي، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الهمداني، قال: حدّثنا يعقوب بن يوسف بن زياد، قال: حدّثنا أحمد بن حماد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر، عن عليّ بن الحسين، عن الحسين ابن علي، عن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أنا مدينة الحكمة - وهي الجنة - وأنت يا علي بابها، فكيف يهتدي المهتدي إلى الجنة، ولا يهتدى إليها إلا من بابها؟(٣) .

٦٣٣/١٢ - حدّثنا الحسين بن يحيى بن ضريس البجلي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا أبوعوانة، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عبدالله بن مسلمة القعنبي، قال: حدّثنا عبدالله بن لهيعة، عن محمّد بن عبد الرحمن بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن جده، قال: وقع رجل في عليّ بن أبي طالب بمحضر من عمر بن الخطاب، فقال له عمر: تعرف صاحب هذا القبر؟ محمّد بن عبدالله بن عبد المطلب، وعليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب، لا تذكرن عليا إلا بخير، فإنك إن تنقصته آذيت هذا في

______________

(١) قرب الاسناد: ٣٤/١١١، أمالي الطوسي: ٤٣٠/٩٦٢، بحار الانوار ٨٩: ١٨٩/٢٨.

(٢) أمالي الطوسي: ٤٣٠/٩٦٣، بحار الانوار ٩٥: ٣٠١/١.

(٣) أمالي الطوسي: ٤٣١/٩٦٤، بحار الانوار ٤٠: ٢٠٠/٢.

٤٧٢

قبره(١) .

٦٣٤/١٣ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، قال: حدثني محمّد بن عليّ بن محبوب، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن أبي داود المسترق، واسمه سليمان بن سفيان، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: يقوم الناس عن فرشهم على ثلاثة أصناف: فصنف له ولا عليه، وصنف عليه ولا له، وصنف لا عليه ولا له، فأما الصنف الذي له ولا عليه، فهو الذي يقوم من منامه ويتوضأ ويصلي ويذكر الله عزّوجلّ، والصنف الذي عليه ولا له، فهو الذي لم يزل في معصية الله حتى نام فذاك الذي عليه ولا له، والصنف الذي لا له ولا عليه، فهو الذي لا يزال نائما حتى يصبح، فذاك لا له ولا عليه(٢) .

٦٣٥/١٤ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، قال: حدثني محمّد بن عبد الجبار، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، قال: أخبرني داود بن كثير الرقي، قال: سمعت أبا عبدالله الصادق عليه السلام يقول: من أحب أن يخفف الله عزّوجلّ عنه سكرات الموت، فليكن لقرابته وصولا، وبوالديه بارا، فإذا كان كذلك هون الله عليه سكرات الموت، ولم يصبه في حياته فقر أبدا(٣) .

٦٣٦/١٥ - وبهذا الاسناد، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن عليّ بن ميمون الصائغ، قال: سمعت أبا عبدالله الصادق عليه السلام يقول: من أراد أن يدخله الله عزّوجلّ في رحمته ويسكنه جنته، فليحسن خلقه، وليعط النصفة(٤) من نفسه، وليرحم اليتيم، وليعن الضعيف، وليتواضع لله الذي خلقه(٥) .

٦٣٧/١٦ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدثنا

______________

(١) أمالي الطوسي: ٤٣١/٩٦٥، بحار الانوار ٤٠: ١١٧/١.

(٢) أمالي الطوسي: ٤٣١/٩٦٦، بحار الانوار ٨٧: ١٦٩/١.

(٣) أمالي الطوسي: ٤٣٢/٩٦٧، بحار الانوار ٧٤: ٦٦/٣٣.

(٤) النصفة: الانصاف.

(٥) أمالي الطوسي: ٤٣٢/٩٦٨، بحار الانوار ٧٥: ٢/١، و ١٨/٦، ٧.

٤٧٣

محمّد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن إبراهيم ابن عبد الحميد، عن سعد الاسكاف، (عن زياد بن عيسى، عن أبي الجارود)(١) ، عن الاصبغ بن نباتة، عن علي عليه السلام، أنه كان يقول: من اختلف إلى المسجد أصاب إحدى الثمان: أخا مستفادا في الله، أو علما مستطرفا، أو آية محكمة، أو رحمة منتظرة، أو كلمة ترده عن ردى، أو يسمع كلمة تدله على هدى، أو يترك ذنبا خشية أو حياء(٢) .

٦٣٨/١٧ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم ابن هاشم، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبدالله، عن زرارة بن أعين، قال: قال أبوجعفر عليه السلام: إنما فرض الله عزّوجلّ على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة، فيها صلاة واحدة فرضها الله في جماعة وهي الجمعة، ووضعها عن تسعة: عن الصغير، والكبير، والمجنون، والمسافر، والعبد، والمرأة والمريض، والاعمى، ومن كان على رأس فرسخين(٣) .

٦٣٩/١٨ - وبهذا الاسناد، قال: قال أبوجعفر الباقر عليه السلام: القنوت في الوتر كقنوتك يوم الجمعة، تقول في دعاء القنوت: اللهم تم نورك فهديت، فلك الحمد ربنا، وبسطت يدك فأعطيت، فلك الحمد ربنا، وعظم حلمك فعفوت، وفلك الحمد ربنا، وجهك أكرم الوجوه، وجهتك خير الجهات، وعطيتك أفضل العطيات وأهنأها، تطاع ربنا فتشكر، وتعصى ربنا فتغفر لمن شئت، تجيب المضطر، وتكشف الضر، وتشفي السقيم، وتنجي من الكرب العظيم، لا يجزي بآلائك أحد، ولا يحصي نعماءك قول قائل.

اللهم إليك رفعت الابصار، ونقلت الاقدام، ومدت الاعناق، ورفعت الايدي، ودعيت بالالسن، وتحوكم إليك في الاعمال، ربنا اغفر لنا وارحمنا، وافتح بيننا وبين

______________

(١) أثبتناه من ثواب الاعمال، والخصال، والتهذيب.

(٢) قرب الاسناد: ٦٨/٢١٩ « نحوه »، المحاسن: ٤٨/٦٦ « نحوه » ثواب الاعمال: ٢٧، الخصال: ٤٠٩/١٠. التهذيب ٣: ٢٤٨/٦٨١، أمالي الطوسي: ٤٣٢/٩٦٩، بحار الانوار ٨٣: ٣٥١/٤.

(٣) أمالي الطوسي: ٤٣٢/٩٧٠، بحار الانوار ٨٩: ١٥٣/١.

٤٧٤

خلقك بالحق، وأنت خير الفاتحين.

اللهم إليك نشكو غيبة نبينا، وشدة الزمان علينا، ووقوع الفتن، وتظاهر الاعداء، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، فافرج ذلك يا رب بفتح منك تعجله، ونصر منك تعزه، وإمام عدل تظهره، إله الحق رب العالمين.

ثم تقول في قنوت الوتر بعد هذا: استغفر الله وأتوب إليه سبعين مرة، وتعوذ بالله من النار كثيرا، وتقول في دبر الوتر بعد التسليم: سبحان ربي الملك القدوس العزيز الحكيم، ثلاث مرات. الحمد لرب الصباح، الحمد لفالق الاصباح، ثلاث مرات(١) .

٦٤٠/١٩ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، عن محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن عليّ بن معبد، عن بندار بن حماد، عن عبدالله بن فضالة، عن أبي عبدالله - أو أبي جعفر - عليهما السلام، قال: سمعته يقول: إذا بلغ الغلام ثلاث سنين يقال له سبع مرات: قل لا إله إلا الله، ثم يترك حتى يتم له ثلاث سنين وسبعة أشهر وعشرون يوما، فيقال له: قل محمّد رسول الله، سبع مرات، ويترك حتى يتم له أربع سنين، ثم يقال له سبع مرات: قل صلّى الله على محمّد وآله، ثم يترك حتى يتم له خمس سنين، ثم يقال له: أيهما يمينك، وأيهما شمالك؟ فإذا عرف ذلك حول وجهه إلى القلبة ويقال له: اسجد، ثم يترك حتى يتم له ست سنين، فإذا تم له ست سنين صلى وعلم الركوع والسجود، ثم يترك حتى يتم له سبع سنين، فإذا تم له سبع سنين، قيل: له اغسل وجهك وكفيك، فإذا غسلهما قيل له: صلى، ثم يترك حتى يتم له تسع سنين، فإذا تمت له علم الوضوء وضرب عليه، وأمر بالصلاة وضرب عليها، فإذا تعلم الوضوء والصلاة غفر الله لوالديه إن شاء الله تعالى(٢) .

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

______________

(١) أمالي الطوسي: ٤٣٢/٩٧١، بحار الانوار ٨٧: ١٩٨/٦، و ٨٩: ١٩٠/٢٩، إلى قوله: إله الحق رب العالمين.

(٢) أمالي الطوسي: ٤٣٣/٩٧٢، بحار الانوار ١٠٤: ١٠٠/٨٢.

٤٧٥

[ ٦٢ ]

المجلس الثاني وستون

مجلس يوم الثلاثاء

سلخ شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٦٤١/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، قال: حدّثنا سهل بن زياد الآدمي، عن هارون بن مسلم، عن محمّد بن أبي عمير، عن عليّ بن إسماعيل، قال: أخبرني أبوأسامة زيد الشحام، قال: سمعت أبا عبدالله الصادق عليه السلام يقول: من أخر المغرب حتى تشتبك النجوم من غير علة، فأنا إلى الله منه برئ(١) .

٦٤٢/٢ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن عبيد الله بن عبدالله الدهقان، عن درست بن أبي منصور، عن عبدالله بن سنان، قال: قال الصادق جعفر ابن محمّد عليهما السلام: لا تتخللوا بعود الريحان، ولا بقضيب الرمان، فإنهما يهيجان عرق الجذام(٢) .

______________

(١) بحار الانوار ٨٣: ٥٩/١٩.

(٢) المحاسن: ٥٦٤/٩٦٦، الخصال: ٦٣/٩٤، علل الشرائع: ٥٣٣/١، بحار الانوار ٦٦: ٤٣٧/٣.

٤٧٦

٦٤٣/٣ - حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمزة بن حمران، قال: دخلت إلى الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، فقال لي: يا حمزة، من أين أقبلت؟ قلت له: من الكوفة. قال: فبكى عليه السلام حتى بلت دموعه لحيته، فقلت له: يا بن رسول الله، ما لك أكثرت البكاء؟ فقال: ذكرت عمي زيدا وما صنع به فبكيت.

فقلت له: وما الذي ذكرت منه؟ فقال: ذكرت مقتله، وقد أصاب جبينه سهم، فجاءه ابنه يحيى فانكب عليه، وقال له: أبشر يا أبتاه، فإنك ترد على رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين (صلوات الله عليهم). قال: أجل يا بني، ثم دعا بحداد فنزع السهم من جبينه، فكانت نفسه معه، فجئ به إلى ساقية تجري عند بستان زائدة، فحفر له فيها ودفن، وأجرى عليه الماء وكان معهم غلام سندي لبعضهم، فذهب إلى يوسف ابن عمر من الغد فأخبره بدفنهم إياه، فأخرجه يوسف بن عمر فصلبه في الكناسة أربع سنين، ثم أمر به فأحرق بالنار، وذري في الرياح، فلعن الله قاتله وخاذله، وإلى الله جل اسمه أشكو ما نزل بنا أهل بيت نبيه بعد موته، وبه نستعين على عدونا، وهو خير مستعان(١) .

٦٤٤/٤ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الهمداني، قال: حدّثنا الحسن بن القاسم قراءة، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن المعلي، قال: حدّثنا أبوعبدالله محمّد بن خالد، قال: حدّثنا عبدالله بن بكر المرادي، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن عليّ بن الحسين عليهم السلام، قال: بينا أميرالمؤمنين عليه السلام ذات يوم جالس مع أصحابه يعبئهم للحرب، إذ أتاه شيخ عليه شحبة السفر، فقال: أين أميرالمؤمنين؟ فقيل: هو ذا. فسلم عليه، ثم قال: يا أميرالمؤمنين، إني أتيتك من ناحية الشام، وأنا شيخ كبير، قد سمعت فيك من الفضل ما لا أحصي، وإني أظنك ستغتال، فعلمني مما علمك الله.

قال عليه السلام: نعم يا شيخ، من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كانت الدنيا همته

______________

(١) بحار الانوار ٤٦: ١٧٢/٢٢.

٤٧٧

اشتدت حسرته عند فراقها، ومن كان غده شر يوميه فمحروم، ومن لم يبال بما زرى(١) من آخرته إذا سلمت له دنياه فهو هالك، ومن لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى، ومن كان في نقص فالموت خير له.

يا شيخ، إن الدنيا خضرة حلوة ولها أهل، وإن الآخرة لها أهل ظلفت(٢) أنفسهم عن مفاخرة أهل الدنيا، لا يتنافسون في الدنيا، ولا يفرحون بغضارتها، ولا يحزنون لبؤسها.

يا شيخ، من خاف البيات قل نومه، ما أسرع الليالي والايام في عمر العبد! فاخزن لسانك وعد كلامك، يقل كلامك إلا بخير.

يا شيخ، أرض للناس ما ترضى لنفسك، وأت إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك.

ثم أقبل على أصحابه، فقال: أيها الناس، أما ترون إلى أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى، فبين صريع يتلوى، وبين عائد ومعود، وآخر بنفسه يجود، وآخر لا يرجى، وآخر مسجى، وطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وعلى أثر الماضي يصير الباقي.

فقال له زيد ين صوحان العبدي: يا أميرالمؤمنين، أي سلطان أغلب وأقوى؟ قال: الهوى. قال: فأي ذل أذل؟ قال: الحرص على الدنيا. قال: فأي فقر أشد؟ قال: الكفر بعد الايمان. قال: فأي دعوة أضل؟ قال: الداعي بما لا يكون قال: فأي عمل أفضل؟ قال: التقوى. قال: فأي عمل أنجح؟ قال: طلب ما عند الله. قال: فأي صاحب شر؟ قال: المزين لك معصية الله، قال: فأي الخلق أشقى؟ قال: من باع دينه بدنيا غيره. قال: فأي الخلق أقوى؟ قال: الحليم، قال: فأي الخلق أشح؟ قال: من أخذ المال من غير حله، فجعله في غير حقه. قال: فأي الناس أكيس؟ قال: من أبصر رشده من غيه، فمال إلى رشده. قال: فمن أحلم الناس؟ قال: الذي لا يغضب. قال: فأي الناس أثبت

______________

(١) أي تهاون وقصر، وفي نسخة: رزأ، وفي أخرى: رزئ.

(٢) ظلفت نفسه عن الشئ: كفت، فهو ظلف، أي مترفع عن الدنايا.

٤٧٨

رأيا؟ قال: من لم يغره الناس من نفسه ولم تغره الدنيا بتشوفها(١) . قال: فأي الناس أحمق؟ قال: المغتر بالدنيا وهو يرى ما فيه من تقلب أحوالها. قال: فأي الناس أشد حسرة؟ قال: الذي حرم الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.

قال: فأي الخلق أعمى؟ قال: الذي عمل لغير الله يطلب بعلمه الثواب من عند الله عزّوجلّ. قال: فأي القنوع أفضل؟ قال: القانع بما أعطاه الله. قال: فأي المصائب أشد؟ قال: المصيبة بالدين. قال فأي الاعمال أحب ألى الله عزّوجلّ؟ قال: انتظار الفرج. قال: فأي الناس خير عند الله عزّوجلّ؟ قال: أخوفهم لله، وأعملهم بالتقوى، وأزدهم في الدنيا. قال: فأي الكلام أفضل عند الله عزّوجلّ؟ قال: كثرة ذكره والتضرع إليه ودعاؤه. قال: فأي القول أصدق؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله. قال: فأي الاعمال أعظم عند الله عزّوجلّ؟ قال: التسليم والورع. قال: فأي الناس أكرم؟ قال: من صدق في المواطن.

ثم أقبل عليه السلام على الشيخ، فقال: يا شيخ، إن الله عزّوجلّ خلق خلقا ضيق الدنيا عليهم نظرا لهم، فزهدهم فيها وفي حطامها، فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم إليه، وصبروا على ضيق المعيشة، وصبروا على المكروه، واشتاقوا إلى ما عند الله من الكرامة، وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة فلقوا الله وهو عنهم راض، وعلموا أن الموت سبيل من مضى ومن بقي، فتزودوا لآخرتهم غير الذهب والفضة، ولبسوا الخشن، وصبروا على القوت، وقدموا الفضل، وأحبوا في الله عزّوجلّ، وأبغضوا في الله عزّوجلّ، أولئك المصابيح وأهل النعيم في الآخرة، والسلام.

فقال الشيخ: فأين أذهب وأدع الجنة، وأنا أراها وأرى أهلها معك يا أميرالمؤمنين؟ جهزني بقوة أتقوى بها على عدوك. فأعطاه أميرالمؤمنين عليه السلام سلاحا وحمله، فكان في الحرب بين يدي أميرالمؤمنين عليه السلام يضرب قدما، وأميرالمؤمنين عليه السلام يعجب مما يصنع، فلما اشتدت الحرب أقدم فرسه حتى

______________

(١) التشوف: التزين.

٤٧٩

قتل رحمه الله وتبعه رجل من أصحاب أميرالمؤمنين عليه السلام، فوجده صريعا، ووجد دابته، ووجد سيفه في ذراعه، فلما انقضت الحرب أتى أميرالمؤمنين عليه السلام بدابته وسلاحه، وصلى أميرالمؤمنين عليه السلام عليه، وقال: هذا والله السعيد حقا، فترحموا على أخيكم(١) .

٦٤٥/٥ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدثني سعد بن عبدالله، عن إبراهيم بن هاشم، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني، عن جعفر ابن محمّد، عن أبيه عليهما السلام: أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم صلى على سعد بن معاذ، فقال: لقد وافى من الملائكة للصلاة عليه تسعون ألف ملك، وفيهم جبرئيل يصلون عليه. فقلت: يا جبرئيل، بما استحق صلاتكم عليه؟ قال: بقراءته(٢) ( قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ ) قائما وقائدا وراكبا وماشيا وذاهبا وجائيا(٣) .

٦٤٦/٦ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن داود بن سرحان قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: لا ينبغي للمرأة أن تعطل نفسها، ولو أن تعلق في عنقها قلادة، ولا ينبغي أن تدع يدها من الخضاب، ولو أن تمسها بالحناء مسا، وإن كانت مسنة(٤) .

٦٤٧/٧ - وبهذا الاسناد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن مفضل ابن عمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: إذا كان حين(٥) يبعث الله تبارك وتعالى شأنه العباد أتي بالايام، تعرفها الخلائق باسمها وحليتها، ويقدمها يوم الجمعة له نور ساطع، تتبعه سائر الايام كأنها عروس كريمة ذات وقار تهدى إلى

______________

(١) الغايات: ٦٦، معاني الاخبار: ١٩٧/٤، أمالي الطوسي: ٤٣٤/٩٧٤، بحار الانوار ٧٧: ٣٧٦/١.

(٢) في نسخة: بقراءة.

(٣) التوحيد: ٩٥/١٣، ثواب الاعمال: ١٢٨، أمالي الطوسي: ٤٣٧/٩٧٥، بحار الانوار ٩٢: ٣٤٦/٦.

(٤) أمالي الطوسي: ٤٣٧/٩٧٦، بحار الانوار ١٠٣: ٢٨٨/٢١.

(٥) في نسخة: حيث.

٤٨٠

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780