الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق2%

الأمالي شيخ الصدوق مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 780

الأمالي شيخ الصدوق
  • البداية
  • السابق
  • 780 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 441442 / تحميل: 8643
الحجم الحجم الحجم
الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

ويوضيهم ويتعاهدهم، فشغلوا عن طلب المعاش، فأتوه فقالوا: سل ربك أن يردنا إلى آجالنا التي كنا عليها، فسأل ربه عزّوجلّ فردهم إلى آجالهم(١) .

٨٣٢/٣ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه محمّد بن خالد، عن أحمد بن النضر، عن محمّد بن مروان، عن محمّد بن السائب، عن أبي صالح، عن عبدالله بن عباس، في قوله عزّوجلّ:( فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢) قال: يقول: سبحانك تبت إليك من أن أسألك رؤية وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى(٣) .

٨٣٣/٤ - حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن عمه عبدالله بن عامر، عن الحسن بن محبوب، عن مقاتل بن سليمان، قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: لما صعد موسى عليه السلام إلى الطور فناجى ربه عزّوجلّ قال: يا رب أرني خزائنك. قال: يا موسى، إنما خزائني إذا أردت شيئا أن أقول له كن فيكون(٤) .

٨٣٤/٥ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، عن الحسن بن الحسين بن أبان، عن محمّد بن أورمة، عن عمرو بن عثمان الخزاز، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر محمّد ابن علي الباقر عليه السلام، قال: قال موسى بن عمران: يا رب أوصني. قال: أوصيك بي. فقال: يا رب أوصني، قال: أوصيك بي، ثلاثا. قال يا رب أوصني. قال: اوصيك بأمك. قال: يا رب أوصني. قال: أوصيك بأمك. قال: يا رب أوصني. قال: أوصيك بأبيك.

______________

(١) الكافي ٣: ٢٦٠/٣٦، بحار الانوار ٦: ١١٦/١.

(٢) الاعراف ٧: ١٤٣.

(٣) التوحيد: ١١٨/٢٢، بحار الانوار ٤: ٤٥/٢٥.

(٤) التوحيد: ١ ٣٣/١٧، بحار الانوار ٤: ١٣٥/١.

٦٠١

قال: فكان يقال لاجل ذلك، إن للام ثلثي البر، وللاب الثلث(١) .

٨٣٥/٦ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبي عبدالله البرقي رضي الله عنه، قال حدّثنا أبي، عن جده أحمد بن أبي عبدالله، عن محمّد بن عليّ الكوفي، عن أبي عبدالله الخياط، عن عبدالله بن القاسم، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: كان فيما أوحى الله عزّوجلّ إلى موسى بن عمران عليه السلام: يا موسى، كن خلق الثوب(٢) ، نقي القلب، حلس(٣) البيت، مصباح الليل، تعرف في أهل السماء، وتخفى على أهل الارض.

يا موسى، إياك واللجاجة، ولا تكن من المشائين في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، وابك على خطيئتك يا بن عمران(٤) .

٨٣٦/٧ - حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن عليّ بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: عاش نوح عليه السلام ألفي سنة وخسمائة سنة، منها ثمانمائة وخمسون سنة قبل أن يبعث، وألف سنة إلا خمسين عاما وهو في قومه يدعوهم، ومائتا سنة في عمل السفينة، وخمسمائة عام بعد ما نزل من السفينة ونضب الماء، فمصر الامصار، وأسكن ولده البلدان، ثم إن ملك الموت جاءه وهو في الشمس، فقال: السلام عليك. فرد عليه نوح، وقال له: ما جاء بك يا ملك الموت، فقال: جئت لاقبض روحك، فقال له: تدعني أدخل من الشمس إلى الظل؟ فقال له: نعم. فتحول نوح عليه السلام من الشمس إلى الظل، ثم قال: يا ملك الموت، فكأن ما مر بي في الدنيا مثل تحولي من الشمس، إلى الظل، فامض لما أمرت به. قال: فقبض

______________

(١) بحار الانوار ١٣: ٣٣٠/٩.

(٢) الخلق من الثياب: البالي.

(٣) يقال: هو حلس بيته، أي لا يبرحه ولا يفارقه، وفي نسخة: جليس.

(٤) بحار الانوار ١٣: ٣٣١/١٠.

٦٠٢

روحه عليه السلام(١) .

٨٣٧/٨ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن محمّد بن عليّ الكوفي، عن شريف بن سابق التفليسي، عن إبراهيم بن محمّد، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: مر عيسى بن مريم عليه السلام بقبر يعذب صاحبه، ثم مر به من قابل فإذا هو ليس يعذب فقال: يا رب، مررت بهذا القبر عام أول، فكان صاحبه يعذب، ثم مررت به العام فإذا هو ليس يعذب! فأوحى الله عزّوجلّ إليه: يا روح الله، إنه أدرك له ولد صالح، فأصلح طريقا، وآوى يتيما، فغفرت له بما عمل ابنه.

قال: وقال عيسى بن مريم عليه السلام ليحيى بن زكريا عليه السلام: إذا قيل فيك ما فيك، فاعلم أنه ذنب ذكرته فاستغفر الله منه، وإن قيل فيك ما ليس فيك، فاعلم أنه حسنة كتبت لك لم تتعب فيها(٢) .

٨٣٨/٩ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن حبشي، عن الحسن ابن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، قال: ما قدمت راية قوتل تحتها أميرالمؤمنين عليه السلام إلا نكسها الله تبارك وتعالى وغلب أصحابها وانقلبوا صاغرين، وما ضرب أميرالمؤمنين عليه السلام بسيفه ذي الفقار أحدا فنجا، وكان إذا قاتل قاتل جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وملك الموت بين يديه(٣) .

٨٣٩/١٠ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن صقر الصائغ، قال: حدّثنا محمّد بن

______________

(١) كمال الدين وتمام النعمة: ٥٢٣/١، قصص الانبياء للراوندي: ٨٧/٨٠، بحار الانوار ١١: ٢٨٥/٢.

(٢) بحار الانوار ١٤: ٢٨٧/١١.

(٣) بحار الانوار ٤١: ٧٦/٦.

٦٠٣

العباس بن بسام، قال: حدّثنا محمّد بن خالد بن إبراهيم، قال: حدّثنا سويد بن عبد العزيز الدمشقي، عن عبدالله بن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبدالله بن عمر وبن العاص، قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دفع الراية يوم خيبر إلى رجل من أصحابه فرجع منهزما، فدفعها إلى آخر فرجع يجبن أصحابه ويجبنونه، قد رد الراية منهزما، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه فلما أصبح قال: ادعوا لي عليا. فقيل له: يا رسول الله، هو رمد. فقال: ادعوه. فلما جاء تفل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في عينيه، وقال: اللهم ادفع عنه الحر والبرد. ثم دفع الراية إليه ومضى، فما رجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلا بفتح خيبر.

ثم قال: إنه لما دنا من القموص(١) أقبل أعداء الله من اليهود يرمونه بالنبل والحجارة، فحمل عليهم علي عليه السلام حتى دنا من الباب، فثنى رجله(٢) ، ثم نزل مغضبا إلى أصل عتبة الباب فاقتلعه، ثم رمى به خلف ظهره أربعين ذراعا.

قال ابن عمر: وما عجبنا من فتح الله خيبر على يدي علي عليه السلام، ولكنا عجبنا من قلعه الباب ورميه خلفه أربعين ذراعا، ولقد تكلف حمله أربعون رجلا فما أطاقوه، فأخبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بذلك فقال: والذي نفسي بيده لقد أعانه عليه أربعون ملكا(٣) .

٨٤٠/١١ - فروي أن أميرالمؤمنين عليه السلام قال في رسالته إلى سهل بن حنيف رحمه الله: والله ما قلعت باب خيبر ورميت بها خلف ظهري أربعين ذراعا بقوة جسدية، ولا حركة غذائية، لكني أيدت بقوة ملكوتية، ونفس بنور ربها مضية، وأنا من أحمد كالضوء من الضوء، والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت، ولو أمكنتني

______________

(١) القموص: جبل بخيبر عليه حسن ابن أبي الحقيق اليهودي.

(٢) في نسخة: رجليه.

(٣) بحار الانوار ٢١: ٢٦/٢٤.

٦٠٤

الفرصة من رقابها لما بقيت، ومن لم يبال متى حتفه عليه ساقط فجنانه في الملمات رابط.

حدثني بذلك، وبجميع الرسالة التي فيها هذا الفصل، علي بأحمد بن موسى الدقاق رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن هارون الصوفي، عن أبي بكر عبيد الله ابن موسى الحبال الطبري، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين الخشاب، قال: حدّثنا محمّد بن محصن، عن يونس بن ظبيان، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام(١) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله، وحسبنا الله ونعم الوكيل

______________

(١) بحار الانوار ٢١: ٢٦/٢٥.

٦٠٥

[ ٧٨ ]

المجلس الثامن والسبعون

مجلس يوم الثلاثاء

لاربع بقين من جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٨٤١/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا عبدالله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي ابن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: كان فيما وعظ الله تبارك وتعالى به عيسى بن مريم عليه السلام أن قال له: يا عيسى، أنا ربك ورب آبائك، اسمي واحد، وأنا الاحد المتفرد بخلق كل شئ، وكل شئ من صنعي، وكل خلقي إلي راجعون.

يا عيسى، أنت المسيح بأمري، وأنت تخلق من الطين كهيئة الطير باذني، وأنت تحيي الموتي بكلامي، فكن إلي راغبا، ومني راهبا، فإنك لن تجد مني ملجأ إلا إلي.

يا عيسى، اُوصيك وصية المتحنن عليك بالرحمة حين حقت لك مني الولاية بتحريك مني المسرة فبوركت كبيرا، وبوركت صغيرا حيثما كنت، أشهد أنك عبدي ابن أمتي.

يا عيسى، أنزلني من نفسك كهمك، واجعل ذكري لمعادك، وتقرب إلي بالنوافل، وتوكل علي أكفك، ولا تول غيري فأخذ لك.

٦٠٦

يا عيسى، اصبر على البلاء، وارض بالقضاء، وكن كمسرتي فيك، فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى.

يا عيسى، أحي ذكري بلسانك، وليكن ودي في قلبك.

يا عيسى، تيقظ في ساعات الغفلة، واحكم لي بلطيف الحكمة.

يا عيسى، كن راغبا راهبا، وأمت قلبك بالخشية.

يا عيسى، راع الليل لتحري مسرتي، واظمأ نهارك ليوم حاجتك عندي.

يا عيسى، نافس في الخير جهدك، لتعرف بالخير حيثما توجهت.

يا عيسى، احكم في عبادي بنصحي، وقم فيهم بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاء لما في الصدور من مرض الشيطان.

يا عيسى، لا تكن جليسا لكل مفتون.

يا عيسى، حقا أقول: ما آمنت بي خليقة إلا خشعت لي، وما خشعت لي إلا رجت ثوابي، فأشهدك أنها آمنة من عقابي ما لم تغير أو تبدل سنتي.

يا عيسى، ابن البكر البتول، إبك على نفسك بكاء من قد ودع الاهل، وقلى الدنيا وتركها لاهلها، وصارت رغبته فيما عند الله.

يا عيسى، كن مع ذلك تلين الكلام، وتفشي السلام، يقظان إذا نامت عيون الابرار، حذارا للمعاد، والزلازل الشداد، وأهوال يوم القيامة، حيث لا ينفع أهل ولا ولد ولا مال.

يا عيسى، اكحل عينيك بميل الحزن إذا ضحك البطالون.

يا عيسى، كن خاشعا صابرا، فطوبى لك إن نالك ما وعد الصابرون.

يا عيسى، رح من الدنيا يوما فيوما، وذق ما قد ذهب طعمه، فحقا أقول: ما أنت إلا بساعتك ويومك، فرح من الدنيا بالبلغة(١) ، وليكفك الخشن الجشب(٢) ، فقد

______________

(١) أي اترك الدنيا واكتف منها بالبلاغ والكفاف.

(٢) أي الخشن من الثياب والجشب من الطعام، والجشب: الغليظ.

٦٠٧

رأيت إلى ما تصير، ومكتوب ما أخذت وكيف أتلفت.

يا عيسى، إنك مسؤول، فارحم الضعيف كرحمتي إياك، ولا تقهر اليتيم.

يا عيسى، إبك على نفسك في الصلاة، وانقل قدميك إلى مواضع الصلوات، وأسمعني لذاذة نطقك بذكري، فإن صنيعي إليك حسن.

يا عيسى، كم من أمة قد أهلكتها بسالف ذنب قد عصمتك منه.

يا عيسى، ارفق بالضعيف، وارفع طرفك الكليل(١) إلى السماء، وادعني فإني منك قريب، ولا تدعني إلا متضرعا إلي وهمك هم واحد فإنك متى تدعني كذلك أجبك.

يا عيسى، إن لم أرض بالدنيا ثوابا لمن كان قبلك، ولا عقابا لمن(٢) انتقمت منه.

يا عيسى، إنك تفنى وأنا أبقى، ومني رزقك، وعندي ميقات أجلك، وإلي إيابك، وعلي حسابك، فسلني، ولا تسأل غيري، فيحسن منك الدعاء ومني الاجابة.

يا عيسى، ما أكثر البشر وأقل عدد من صبر! الاشجار كثيرة، وطيبها قليل، فلا يغرنك حسن شجرة حتى تذوق ثمرتها.

يا عيسى، لا يغرنك المتمرد علي بالعصيان، يأكل رزقي، ويعبد غيري، ثم يدعوني عند الكرب فأجيبه، ثم يرجع إلى ما كان عليه، أفعلي يتمرد، أم لسخطي يتعرض؟ فبي حلفت لآخذنه أخذة ليس له منها منجى، ولا دوني ملتجأ، أين يهرب من سمائي وأرضي؟

يا عيسى، قل لظلمة بني إسرائيل: لا تدعوني والسحت تحت أحضانكم، والاصنام في بيوتكم، فإني وأيت(٣) أن أجيب من دعاني، وأن أجعل إجابتي إياهم

______________

(١) في نسخة: الذليل.

(٢) زاد في نسخة: كان قبلك، ولا عقابا لمن.

(٣) أي وعدت.

٦٠٨

لعنا عليهم حتى يتفرقوا.

يا عيسى، كم أجمل النظر، وأحسن الطلب، والقوم في غفلة لا يرجعون، تخرج الكلمة من أفواههم لا تعيها قلوبهم، يتعرضون لمقتي، ويتحببون بي إلى المؤمنين.

يا عيسى، ليكن لسانك في السر والعلانية واحدا، وكذلك فليكن قلبك وبصرك واطو قلبك ولسانك عن المحارم، وغض طرفك عما لا خير فيه، فكم ناظر نظرة زرعت في قلبه شهوة، ووردت به موارد الهلكة.

يا عيسى، كن رحيما مترحما، وكن للعباد كما تشاء أن يكون العباد لك، وأكثر ذكر الموت ومفارقة الاهلين، ولا تله فإن اللهو يفسد صاحبه، ولا تغفل فإن الغافل مني بعيد، واذكرني بالصالحات حتى اذكرك.

يا عيسى، تب إلي بعد الذنب، وذكر بي الاوابين، وآمن بي، وتقرب إلى المؤمنين، ومرهم يدعوني معك، وإياك ودعوة المظلوم، فإني وأيت على نفسي أن أفتح لها باب من السماء، وأن أجيبه ولو بعد حين.

يا عيسى، اعلم أن صاحب السوء يغوي، وأن قرين السوء يردي، فاعلم من تقارن واختر لنفسك إخوانا من المؤمنين.

يا عيسى، تب إلي فإنه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره وأنا أرحم الراحمين.

يا عيسى، اعمل لنفسك في مهلة من أجلك قبل أن لا يعمل لها غيرك، واعبدني ليوم كألف سنة مما تعدون، فإني أجزي بالحسنة أضعافها، وإن السيئة توبق صاحبها، فامهد لنفسك(١) في مهلة، وتنافس(٢) في العمل الصالح، فكم من مجلس قد نهض أهله وهم مجارون من النار.

يا عيسى، ازهد في الفاني المنقطع، وطأ رسوم منازل من كان قبلك، فادعهم

______________

(١) مهد لنفسه: هيأ وكسب وعمل.

(٢) في نسخة: ونافس.

٦٠٩

وناجهم، هل تحس منهم من أحد، فخذ موعظتك منهم، واعلم أنك ستلحقهم في اللاحقين.

يا عيسى، قل لمن تمرد بالعصيان، وعمل بالادهان، ليتوقع عقوبتي، وينتظر إهلاكي إياه، سيصطلم(١) مع الهالكين.

طوبى لك يا بن مريم ثم طوبى لك أن(٢) أخذت بأدب إلهك الذي يتحنن عليك ترحما، وبدأك بالنعم منه تكرما، وكان لك في الشدائد، لا تعصه - يا عيسى - فإنه لا يحل لك عصيانه، قد عهدت إليك كما عهدت إلى من كان قبلك، وأنا على ذلك من الشاهدين.

يا عيسى، ما أكرمت خليقة بمثل ديني، ولا أنعمت عليها بمثل رحمتي.

يا عيسى، اغسل بالماء منك ما ظهر، وداو بالحسنات ما بطن، فإنك إلي راجع.

يا عيسى، شمر، فكل ما هو آت قريب، واقرأ كتابي وأنت طاهر، وأسمعني منك صوتا حزينا(٣) .

٨٤٢/٢ - قال: وكان فيما وعظ الله عزّوجلّ به عيسى بن مريم عليه السلام أيضا أن قال له: يا عيسى، لا تأمن إذا مكرت مكري، ولا تنس عند خلوتك بالذنب ذكري.

يا عيسى، تيقظ ولا تيأس من روحي(٤) وسبحني مع من يسبحني، وبطيب الكلام فقدسني.

يا عيسى، إن الدنيا سجن ضيق منتن الريح وحش، وفيها(٥) ما قد ترى مما قد ألح عليه الجبارون، فإياك والدنيا فكل نعيمها يزول، وما نعيمها إلا قليل.

يا عيسى، إن الملك لي وبيدي وأنا الملك، فإن تطعني أدخلتك جنتي في

______________

(١) الاصطلام: الابادة والاستئصال.

(٢) في نسخة: إذا.

(٣) الكافي ٨: ١٣١/١٠٣ « نحوه »، بحار الانوار ١٤: ٢٨٩/١٤.

(٤) أي رحمتي.

(٥) في نسخة: وخشن فيها، وفي أخرى: وحسن فيها.

٦١٠

جوار الصالحين.

يا عيسى، ادعني دعاء الغريق الذي ليس له مغيث.

يا عيسى، لا تحلف باسمي كاذبا فيهتز عرشي غضبا.

يا عيسى، الدنيا قصيرة العمر، طويلة الامل، وعندي دار خير مما يجمعون.

يا عيسى، قل لظلمة بني إسرائيل، كيف أنتم صانعون إذا أخرجت لكم كتابا ينطق بالحق، فتنكشف سرائر قد كتمتموها.

يا عيسى، قل لظلمة بني إسرائيل غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم، أبي تغترون. أم علي تجترئون، تتطيبون بالطيب لاهل الدنيا وأجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة، كأنكم أقوام ميتون.

يا عيسى، قل لهم: قلموا أظفاركم من كسب الحرام، وأصموا أسماعكم عن ذكر الخنا(١) ، واقبلوا علي بقلوكم فإني لست أريد صوركم.

يا عيسى، افرح بالحسنة فإنها لي رضى، وابك على السيئة فإنها لي سخط، وما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك، وإن لطم خدك الايمن فاعط الايسر، وتقرب إلي بالمودة جهدك، وأعرض عن الجاهلين.

يا عيسى، قل لظلمة بي إسرائيل الحكمة تبكي فرقا(٢) مني، وأنتم بالضحك تهجرون(٣) ، أتتكم براءتي، أم لديكم أمان من عذابي، أم تتعرضون لعقوبتي؟ فبي حلفت لاتركنكم مثلا للغابرين.

ثم إني اوصيك - يا بن مريم البكر البتول - بسيد المرسلين وحبيبي منهم أحمد، صاحب الجمل الاحمر، والوجه الاقمر المشرق بالنور، الطاهر القلب، الشديد البأس، الحيي المتكرم، فإنه رحمة للعالمين، وسيد ولد آدم عندي، يوم

______________

(١) الخنا: الفحش في الكلام.

(٢) الفرق: الخوف.

(٣) أي تهذون.

٦١١

يلقاني أكرم السابقين علي، وأقرب المرسلين مني، العربي الامي، الديان بديني، الصابر في ذاتي، المجاهد للمشركين ببدنه عن ديني.

يا عيسى، آمرك أن تخبر به بني إسرائيل، وتأمرهم أن يصدقوا ويؤمنوا به ويتبعوه وينصروه. قال عيسى: إلهي، من هو؟ قال: يا عيسى أرضه فلك الرضا. قال: اللهم رضيت، فمن هو؟ قال: محمّد رسول الله إلى الناس كافة، أقربهم مني منزلة، وأوجبهم عندي شفاعة، طوباه من نبي، وطوبى لامته إن هم لقوني على سبيله، يحمده أهل الارض، ويستغفر له أهل السماء، أمين ميمون مطيب، خير الماضين والباقين عندي، يكون في آخر الزمان، إذا خرج أرخت السماء عزاليها(١) ، وأخرجت الارض زهرتها، وأبارك فيما وضع يده عليه، كثير الازواج، قليل الاولاد، يسكن بكة موضع أساس إبراهيم.

يا عيسى، دينه الحنيفية، وقبلته مكية، وهو من حزبي وأنا معه، فطوباه طوباه، له الكوثر والمقام الاكبر من جنات عدن، يعيش أكرم معاش، ويقبض شهيدا، له حوض أبعد من مكة إلى مطلع الشمس من رحيق مختوم، فيه آنية مثل نجوم السماء، ماؤه عذب، فيه من كل شراب، وطعم كل ثمار في الجنة، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، أبعثه على فترة بينك وبينه، يوافق سره علانيتة، وقوله فعله، لا يأمر الناس إلا بما يبدأهم به، دينه الجهاد في عسر ويسر، تنقاد له البلاء، ويخضع له صاحب الروم على دينه ودين أبيه إبراهيم، يسمي عند الطعام، ويفشي السلام، ويصلي والناس نيام، له كل يوم خمس صلوات متواليات، يفتتح بالتكبير، ويختتم بالتسليم، ويصف قدميه في الصلاة كما تصف الملائكة أقدامها، ويخشع لي قلبه، النور في صدره، والحق في لسانه، وهو مع الحق حيثما كان، تنام عيناه ولا ينام قلبه، له الشفاعة، وعلى أمته تقوم الساعة، ويدي فوق أيديهم إذا بايعوه، فمن نكث فإنما

______________

(١) أي انهمرت بالمطر.

٦١٢

ينكث على نفسه، ومن أوفى وفيت له بالجنة، فمر ظلمة بني إسرائيل لا(١) يدرسوا كتبه، ولا يحرفوا سنته، وأن يقرئوه السلام، فإن له في المقام شأنا من الشأن.

يا عيسى، كل ما يقربك مني، فقد دللتك عليه، وكل ما يباعدك مني قد نهيتك عنه، فارتد(٢) لنفسك.

يا عيسى، إن الدنيا حلوة، وإنما استعملك فيها لتطيعني، فجانب منها ما حذرتك، وخذ منها ما أعطيتك عفوا، انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطئ، ولا تنظر في عمل غيرك نظر الرب، وكن فيها زاهدا، ولا ترغب فيها فتعطب.

يا عيسى، اعقل وتفكر، وانظر في نواحي الارض كيف كان عاقبة الظالمين.

يا عيسى، كل وصيتي نصيحة لك، وكل قولي حق، وأنا الحق المبين، وحقا أقول لئن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك(٣) مالك من دوني ولي ولا نصير.

يا عيسى، ذلل قلبك بالخشية، وانظر إلى من هو أسفل منك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، واعلم أن رأس كل خطيئة وذنب حب الدنيا، فلا تحبها فإني لا أحبها.

يا عيسى، أطب بي قلبك(٤) ، وأكثر ذكري في الخلوات، واعلم أن سروري أن تبصبص(٥) إلي، وكن في ذلك حيا ولا تكن ميتا.

يا عيسى، لا تشرك بي شيئا، وكن مني على حذر، ولا تغتر بالصحة، ولا تغبط نفسك، فإن الدنيا كفئ زائل، وما أقبل منها كما أدبر، فنافس في الصالحات جهدك، وكن مع الحق حيثما كان، وإن قطعت وأحرقت بالنار فلا تكفر بي بعد المعرفة، ولا تكن مع(٦) الجاهلين.

______________

(١) في نسخة: ألا.

(٢) أي فاطلب.

(٣) في نسخة: نبأتك.

(٤) يقال: طابت بالشئ نفسي: أي انبسطت وانشرحت.

(٥) بصبص في دعائه رفع سبابتيه إلى السماء وحركهما.

(٦) في نسخة: ولا من.

٦١٣

يا عيسى، صب لي الدموع من عينيك، واخشع لي بقلبك.

يا عيسى، استغفرني في حالات الشدة، فإني أغيث المكروبين، وأجيب المضطرين، وأنا أرحم الراحمين(١) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله

______________

(١) الكافي ٨: ١٣٧/١٠٣ « نحوه » بحار الانوار ١٤: ٢٩٤/١٤.

٦١٤

[ ٧٩ ]

المجلس التاسع والسبعون

مجلس يوم الجمعة

سلخ جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٨٤٣/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين بن شاذويه المؤدب وجعفر بن محمّد بن مسرور (رضي الله عنهما)، قالا: حدّثنا محمّد بن عبدالله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن الريان بن الصلت، قال: حضر الرضا عليه السلام مجلس المأمون بمرو، وقد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق والخراسان، فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (١) . فقالت العلماء: أراد الله عزّوجلّ بذلك الامة كلها.

فقال المأمون: ما تقول، يا أبا الحسن؟ فقال الرضا عليه السلام: لا أقول كما قالوا، ولكني أقول: أراد الله العترة الطاهرة.

فقال المأمون: وكيف عنى العترة من دون الامة؟ فقال له الرضا عليه السلام: إنه لو أراد الامة لكانت بأجمعها في الجنة، لقول الله تبارك وتعالى:( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ

______________

(١) فاطر ٣٥: ٣٢.

٦١٥

وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّـهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (١)

ثم جمعهم كلهم في الجنة فقال:( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ ) (٢) فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم.

فقال المأمون: من العترة الطاهرة؟ فقال الرضا عليه السلام: الذين وصفهم الله في كتابه، فقال عزّوجلّ:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (٣) ، وهم الذين قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إني مخلف فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، أيها الناس لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم.

قالت العلماء: أخبرنا - يا أبا الحسن - عن العترة، أهم الآل، أو غير الآل؟ فقال الرضا عليه السلام: هم الآل.

فقال العلماء: فهذا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يؤثر عنه أنه قال: امتي آلي. وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفاض الذي لا يمكن دفعه: آل محمّد امته.

فقال أبوالحسن عليه السلام: أخبروني هل تحرم الصدقة على الآل؟ قالوا: نعم. قال: فتحرم على الامة؟ قالوا: لا. قال: هذا فرق ما بين الآل والامة، ويحكم أين يذهب بكم، أضربتم عن الذكر صفحا، أم أنتم قوم مسرفون! أما علمتم أنه وقعت الوارثة والطهارة على المصطفين المهتدين دون سائرهم؟

قالوا: ومن أين يا أبا الحسن؟ قال: من قول الله عزّوجلّ:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (٤) فصارت وارثة النبوة والكتاب للمهتدين دون الفاسقين، أما علمتم أن نوحا عليه السلام حين سأل ربه:( فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ

______________

(١) فاطر ٣٥: ٣٢.

(٢) فاطر ٣٥: ٣٣.

(٣) الاحزاب ٣٣: ٣٣.

(٤) الحديد ٥٧: ٢٦.

٦١٦

الْحَاكِمِينَ ) (١) وذلك أن الله عزّوجلّ وعده أن ينجيه وأهله، فقال له ربه:( يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) (٢) .

فقال المأمون: هل فضل الله العترة على سائر الناس؟ فقال أبوالحسن عليه السلام: إن الله عزّوجلّ أبان فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابه. فقال له المأمون: أين ذلك من كتاب الله؟ فقال له الرضا عليه السلام: في قوله عزّوجلّ:( إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ) (٣) ، وقال عزّوجلّ: في موضع آخر:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) (٤) ، ثم رد المخاطبة في إثر هذا إلى سائر المؤمنين فقال:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (٥) يعني الذي قرنهم بالكتاب والحكمة وحسدوا عليهما، فقوله:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين، فالملك ها هنا هو الطاعة لهم. قالت العلماء: فأخبرنا هل فسر الله عزّوجلّ الاصطفاء في الكتاب؟ فقال الرضا عليه السلام: فسر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعا وموطنا، فأول ذلك قوله عزّوجلّ: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ورهطك المخلصين)(٦) هكذا في قراءة أبي بن كعب، وهي ثابتة في مصحف عبدالله بن مسعود، وهذه منزلة رفيعة

______________

(١) هود ١١: ٤٥.

(٢) هود ١١: ٤٦.

(٣) آل عمران ٣: ٣٣ و ٣٤.

(٤) النساء ٤: ٥٤.

(٥) النساء ٤: ٥٩.

(٦) الشعراء ٢٦: ٢١٤.

٦١٧

وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عزّوجلّ بذلك الآل، فذكره لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فهذه واحدة.

والآية الثانية في الاصطفاء، قوله عزّوجلّ:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) وهذا الفضل الذي لا يجهله أحد معاند أصلا، لانه فضل بعد طهارة تنتظر، فهذه الثانية.

وأما الثالثة: فحين ميز الله الطاهرين من خلقه، فأمر نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم بالمباهلة في آية الابتهال، فقال عزّوجلّ: قل يا محمّد( تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (١) فأبرز النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عليا والحسن والحسين وفاطمة (صلوات الله وسلامه عليهم) وقرن أنفسهم بنفسه، فهل تدرون ما معنى قوله عزّوجلّ:( وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) ؟ قالت العلماء: عنى به نفسهم. فقال أبوالحسن عليه السلام: غلطتم، إنما عنى بها عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ومما يدل على ذلك، قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حين قال: لينتهين بنو وليعة أو لابعثن إليهم رجلا كنفسي، يعني عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فهذه خصوصية لا يتقدمه فيها أحد، وفضل لا يلحقه فيه بشر، وشرف لا يسبقه إليه خلق أن جعل نفس علي كنفسه، فهذه الثالثة.

وأما الرابعة: فإخراجه صلّى الله عليه وآله وسلّم الناس من مسجده ما خلا العترة حتى تكلم الناس في ذلك وتكلم العباس، فقال: يا رسول الله، تركت عليا وأخرجتنا! فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما أنا تركته وأخرجتكم، ولكن الله تركه وأخرجكم. وفي هذا تبيان قوله لعلي عليه السلام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.

قالت العلماء: فأين هذا من القرآن؟ قال أبوالحسن عليه السلام أو جدكم في ذلك قرآنا أقرؤه عليكم؟ قالوا: هات. قال قول الله عزّوجلّ:( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ

______________

(١) آل عمران ٣: ٦١.

٦١٨

أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) (١) ففي هذه الآية منزلة هارون من موسى، وفيها أيضا منزلة علي عليه السلام من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومع هذا دليل ظاهر في قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، حين قال: ألا إن هذا المسجد لا يحل لجنب إلا لمحمّد وآله.

فقالت العلماء: يا أبا الحسن، هذا الشرح وهذا البيان، لا يوجد إلا عندكم معشر أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. فقال: ومن ينكر لنا ذلك؟ ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: أنا مدينة الحكمة وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها، ففيما أوضحنا وشرحنا من الفضل والشرف والتقدمة والاصطفاء والطهارة ما لا ينكره معاند، ولله عزّوجلّ الحمد على ذلك، فهذه الرابعة.

والآية الخامسة قول الله عزّوجلّ:( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) (٢) خصوصية خصهم الله العزيز الجبار بها، واصطفاهم على الامة، فلما نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ادعوا لي فاطمة. فدعيت له، فقال: يا فاطمة قالت: لبيك يا رسول الله. فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: هذه فدك، هي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وهي لي خاصة دون المسلمين، وقد جعلتها لك لما أمرني الله به، فخذيها لك ولولدك، فهذه الخامسة.

والآية السادسة: قول الله جل جلاله:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (٣) وهذه خصوصية للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى يوم القيامة، وخصوصية للآل دون غيرهم، وذلك أن الله حكى في ذكر نوح عليه السلام في كتابه:( يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ) (٤) وحكى عزّوجلّ عن هود عليه السلام أنه قال:( لَا أَسْأَلُكُمْ

______________

(١) يونس ١٠: ٨٧.

(٢) الاسراء ١٧: ٢٦.

(٣) الشورى ٤٢: ٢٣.

(٤) هود ١١: ٢٩.

٦١٩

عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) (١) ، وقال عزّوجلّ لنبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم:( قُل ) يا محمّد( لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) ولم يفرض الله مودتهم إلا وقد علم أنهم لا يرتدون عن الدين أبدا، ولا يرجعون إلى ضلال أبدا.

وأخرى أن يكون الرجل وادا للرجل، فيكون بعض أهل بيته عدوا له، فلا يسلم قلب الرجل له، فأحب الله عزّوجلّ أن لا يكون في قلب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على المؤمنين شئ، ففرض عليهم مودة ذوي القربى، فمن أخذ بها وأحب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأحب أهل بيته، لم يستطع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يبغضه، ومن تركها ولم يأخذ بها وأبغض أهل بيته، فعلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يبغضه لانه قد ترك فريضة من فرائض الله، فأي فضيلة وأي شرف يتقدم هذا أو يدانيه؟

فأنزل الله هذه الآية على نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) فقام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس، إن الله قد فرض لي عليكم فرضا، فهل أنتم مؤدوه؟ فلم يجبه أحد. فقال: أيها الناس، إنه ليس بذهب ولا فضة، ولا مأكول ولا مشروب. فقالوا: هات إذن. فتلا عليهم هذه الآية، فقالوا أما هذا فنعم، فما وفى بها أكثرهم.

وما بعث الله عزّوجلّ نبيا إلا أوحى إليه أن لا يسأل قومه أجرا، لان الله عزّوجلّ يوفي أجر الانبياء، ومحمّد(٢) صلّى الله عليه وآله وسلّم فرض الله عزّوجلّ مودة قرابته على امته، وأمره أن يجعل أجره فيهم ليودوه في قرابته بمعرفة فضلهم الذي أوجب الله عزّوجلّ لهم، فإن المودة إنما تكون على قدر معرفة الفضل.

فلما أوجب الله ذلك ثقل لثقل(٣) وجوب الطاعة، فتمسك بها قوم أخذ الله

______________

(١) هود ١١: ٥١.

(٢) وفي نسخة: يوفيه أجر الانبياء ومحمّد، وفي أخرى: يوفيه أجره إلا نبينا محمّد.

(٣) في نسخة: كثقل.

٦٢٠

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780