الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق7%

الأمالي شيخ الصدوق مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 780

الأمالي شيخ الصدوق
  • البداية
  • السابق
  • 780 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 441651 / تحميل: 8643
الحجم الحجم الحجم
الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

إلى عطية بن الأسود الحنفي أتباع عبد الكريم بن عجرد أنّ الأطفال قبل بلوغهم تجب البراءة منهم، فإذا بلغ الصبيّ دُعيَ إلى الإسلام فإنْ أجاب إليه ووصفه كان مسلماً، ومِن هؤلاء من قال بالقدَر بمعنى التفويض وليس لله في أعمال عباده رأي أو تصرّف، فهم الخالقون لأفعالهم والكفر والإيمان باستطاعتهم وحدهم، بينما يرى بعض العجاردة من أتباع عبد الكريم بن عجرد: أنّ الأعمال مخلوقة لله ولا مشيئة للعبد فيها، والقائل بذلك هم الشعيبية نسبة لرجل يدعى شعيب، وقد تخاصم هو وميمون، في مال كان لميمون عليه، فقال له شعيب: أعطيكه إنْ شاء الله، فردّ عليه ميمون على مذهبه في القدر لقد شاء الله أنْ تعطيني إيّاه، فقال له شعيب: لو شاء الله لم أقدر إلاّ أنْ أعطيكه.

وقد نسب كتاب الفرق والمذاهب إلى الميمونية والعجاردة أنّهم يجيزون نكاح بنات البنين وبنات البنات، وبنات بنات الأخوة والأخوات، ويدّعون أنّ الله لم يُحرّم البنات وبنات الأخوة والأخوات، كما يدّعون بأنّ سورة يوسف ليسَت من القرآن.

ومَن فِرَق الخوارج الأباظية ولهؤلاء آراء يُخالفون غيرهم بها، كما يتّفقون مع غيرهم من فِرَق الخوارج في بعض الآراء، ومِن فروعهم الحفصية أتباع حفص بن أبي المقدام أحد قادتهم، وذهبوا إلى أنّه بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمَن عرَف الله وكفَر بما سِواه من الرسل والجنّة والنار وعمل جميع المنكرات يكون كافراً ولا يُعَد مشركاً، وهؤلاء قد ذهبوا إلى أنّ عليّاً (عليه السلام) هو الحيران الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: ( كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ) ، والذين دعوه إلى الهدى هم أهل النهروان، وأنّ الله قد أنزل فيه قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ، وأنزل في قاتله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) .

وقد ادعى أحد الأباظيّين وهو يزيد بن أنيسة أنّ الله سيبعث رسولاً من العجَم وينزل عليه كتاباً من السماء يكتب في السماء، وينزل جملةً واحدة، وأضاف أنّ أهل الكتاب إذا شهدوا لمحمّد بالنبوّة نتولاّهم ويجوز وصفهم بالإيمان وإنْ لم يدخلوا دين الإسلام (1)، ويتّفق الأباظية بجميع

____________________

(1) انظر مقالات الإسلاميّين ص 170 و171.

٤١

فِرَقهم على أنّ مرتكب الكبيرة مخلّد في جهنّم، وفاعلها كافر لأنعم الله وليس مشركاً، وجوّز الضحاكيّة منهم أنْ تتزوّج المرأة المسلمة من كفّار قومهم في دار التقية، كما يجوز للرجل المسلم أنْ يتزوّج الكافرة من قومه في دار التقية، أمّا إذا كان حكمهم جائراً فلا يستحلّون ذلك، بينما قال جماعة منهم: إنّ المرأة المتزوّجة من كفّار قومنا لا نعطيها صفة الإسلام، ولا تجب الصلاة عليها إنْ ماتت، أمّا مخالفيهم فقد حكَم جماعة منهم بكفرهم وتوقّف آخرون فلَم يحكموا عليهم بكفر أو إيمان، وجميع المسلمين الذين لم يؤيّدوا حركتهم مخالفون في دار الكفر، ومن فِرق الخوارج ا لبيهسية أصحاب أبي بيهس هيجم بن جابر ولهم آراء شاذّة في الأُصول والفروع منها أنّ الشراب حلال في أصله ولم يأتِ فيه شيء من التحريم لا في قليله ولا في كثيره، ومنها أنّ الناس مشركون بجهلِ الدين وارتكاب الذنوب، ويجب على الله أنْ يظهر أحكامه في العصاة كما أظهرها في الشرك، ولو جاز إخفاءها لجاز في الشرك أيضاً.

ومنها أنّ الإمام إذا كفَر كفرت الرعية الغائب والشاهد حكمهم حكم الإمام، ومَن فعل شيئاً من المحرّمات التي توعّد الله عباده عليها وهو لا يعلم بحرمته كان كافراً.

ومِن فِرقهم الشبيبية أتباع شبيب بن يزيد (1)، وهؤلاء قد جوّزوا إمامة المرأة واستخلافها ولهم آراء أُخرى أكثر شذوذاً ممّا أوردناه (2).

ولهم فِرق أُخرى وآراء في الأُصول والفروع تدور حول مرتكب الذنب، وأحكام المخالفين لهم، ويبدو بعد التتبّع لآرائهم أنّ التكفير هو أوّل الصفات التي تجري على ألسنتهم، فكأنّ المقياس للدين هو آراؤهم ومتابعتهم على ضلالهم وجهلهم وقد كفّر بعضهم بعضاً لأقلّ مناسبة وأبسطها، وانقسموا على أنفسهم حتى في ساحات القتال مع أخصامهم الأمويّين، وقد عرف فيهم الحكّام والقوّاد الذين تولّوا قتالهم هذه الحالة، فاستغلّوها لتفريق كلمتهم وإضعافهم، فقد جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المجلّد الأوّل: إنّ الأزارقة كان من بينهم حدّاد يصنع لهم نِصالاً

____________________

(1) أحد القواد الذين قادوا حركة الخوارج في عهد عبد الملك بن مروان، وقد اشترك في جملة مِن المعارك هو وزوجته.

(2) انظر ص 179 و180 و181 من مقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري ج 1.

٤٢

مسمومة يرمون بها أصحاب المهلّب بن أبي صفرة، فشكا أصحاب المهلّب إليه أمر الحدّاد، فقال: أنا أكفيكم أمره، فوجّه إليه كتاباً فيه ألف دينار مع رجلٍ من أصحابه وأمره بإلقاء الكتاب والدنانير في معسكر الخوارج، وكتب فيه: أمّا بعد فإنّ نصالك قد وصلَت إلينا وقد وجّهت لك ألف دينار فاقبضها وزدنا من نِصالك، فأصاب الكتاب أحد الخوارج وسلّمه إلى قطري الذي كان يقود الخوارج في حربهم مع المهلّب، ولمّا قرأ الكتاب استدعى الحدّاد فقال له: ما هذا الكتاب والدنانير قال: لا أعلم بها، فأمر بقتله فجاءه أحد القوّاد ويُدعى عبد ربّه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة، فقال له: قتلتَ رجلاً على غير ثقةٍ وبيّنة، قال قطري: ما حال الألف دينار؟ قال: يجوز أنْ يكون أمرها كذباً ويجوز أنْ يكون حقّاً.

فقال له قطري: إنّ قتل رجلٍ فيه صلاح غير منكَر، وللإمام أنْ يحكُم بما يراه صالحاً وليس للرعية أنْ تعترض عليه، وكان من نتيجة ذلك أنْ تنكّر له عبد ربّه الصغير مع جماعة من الخوارج ونقموا عليه تسرّعه في هذا الأمر، ولمّا بلغ المهلّب خلافهم احتال لأنْ يزيده احتداماً فدسّ إليهم رجلاً نصرانيّاً وأمره أنْ يسجُد لقطري عندما يراه وأوصاه أنْ يقول له: إنّما سجدتُ لك لا لله، ولمّا فعل النصراني ما أوصاه به المهلّب أنكر عليه الخوارج ذلك وقالوا له: لقد عبدك النصراني من دون الله، وتلا عليه بعضهم الآية: ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) .

فقال قطري: لقد عبد النصارى عيسى بن مريم من دون الله فما ضرّ عيسى ذلك شيئاً، وأدّى الخلاف بينهم إلى قتْل النصراني، وتابَع المهلّب دسائسه بينهم بعد أنْ رأى أنّ ذلك أجدى عليه من السيف فوجّه إليهم رجُلاً يسألهم عن رجُلين خرجا مهاجرَين إليهم، فمات أحدهما في الطريق ووصل إليهم الثاني ولكنّه لم يكن كما يريدون، فأجاب فريق منهم أنْ الميّت من أهل الجنّة والذي بقيَ حيّاً كافر، وقال فريقٌ آخر: أنّهما معاً كافران واحتدم الخلاف بينهم شهراً كاملاً (1) ، ويجد المتتبّع في تاريخهم أمثال هذه الخلافات التي كانت تنشب بينهم لأبسط الأُمور، واستغلّ أخصامهم هذه الميزة التي برزت في حياتهم، فعملوا على إضعافهم وهزيمتهم من هذا الطريق، وبالفعل قد تمّ لهم ذلك وتوالت هزائمهم؛ بسبب ما كان يحدث بينهم من خلاف ونزاع وهم في ساحات القتال، مع

____________________

(1) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد ج (1) ص 401.

٤٣

أنّهم من أصبر الناس على الشدائد وأقواهم شكيمة في القتال وأصلبهم في دعوتهم التي نادوا بها، في عشرات السنين، وبجانب هذه الميزة التي برزت في تاريخهم يبدو أنّهم كانوا يحرصون على أنْ تكون لحركتهم الثورية الصبغة الدينيّة، فيحكمون على مخالفيهم في الرأي بالكفر ويقتلون ويُفسدون باسم الدين، ويُجادلون عن آرائهم ومعتقداتهم بظواهر بعض الآيات التي لم يصيبوا فيها إلاّ الجانب السطحي، ولم يُفكّروا فيها التفكير الذي يصيب المرمى والمقصد ويرشدهم إلى الحق من جميع جوانبه؛ لذلك فإنّهم لم يتوفّقوا في جميع مناظراتهم بالرغم من عنادهم وثباتهم على عقيدتهم، وطلاقة ألسنتهم واختيارهم لأفصح العبارات وأقواها تأثيراً على خصومهم، وقد أورد في شرح النهج بعض الآيات التي استدلّوا بها على تكفير أهل الذنوب من غير فرق بين ذنبٍ وآخر، حتى الخطأ في الرأي إذا أدى إلى مخالفة الواقع (1) .

ولذا فإنّ عليّاً (عليه السلام) في مناظراته معهم لم يحتجّ عليهم بالكتاب ولا بالحديث؛ لأنّهما يحتملان التأويل ومن الصعب رجوعهم إلى الصواب وهم يجدون من ظواهر بعض الآيات ما يؤيّد آراءهم، فاحتجّ عليهم بعمل الرسول مِن مرتكبي الكبائر، وأورَد لهم من الشواهد المتعدّدة ما يدلّ بصراحة لا تقبَل التأويل والتفسير، أنّه لم يعاملهم معاملة الكفّار والمشركين؛ لأنّه رجَم الزاني المحصَن وورّثه أهله، وقتَل القاتل وأجرى عليه أحكام المسلمين، وقطَع يد السارق وأعطاه حقّه من الفيء، ولم يمنعهم من حقوقهم التي جعلها الله لعامّة المسلمين، وكانت سيرة الرسول على ذلك طيلة حياته، ومضى عليها الخلفاء مِن بعده ولم يستطع الخوارج وغيرهم إنكار ذلك من سيرة الرسول والخلفاء من بعده.

ولقد أوضح لهم بهذا الأُسلوب من البيان أنّ الكفر لا يُحكم به على أحد، إلاّ إذا أنكر الوحدانيّة، أو الرسالة، أو أصلاً من أُصول الإسلام، أو ضرورياً من ضروريّات الدين، حيث يؤدّي إنكار ذلك الضروري إلى تكذيب الكتاب أو الرسول فيما أخبرا به، وفاعل الكبيرة، ما لَم يكن منكِراً لأحدِ هذه الأُمور يبقى على حكم الإسلام، فلقد جاء عنه أنّه قال لهم: (فإنْ أبَيتم أنْ تزعموا إلاّ أنّي أخطأت وضلَلت فلِم تضلّلون عامّة أُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) بضلالي وتأخذونهم بخطئي وتكفّرونهم بذنوبي: سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البُرء والسقْم، وتخلطون

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص 106.

٤٤

من أذنب بمَن لم يذنب، وقد علمتم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجَم الزاني المحصَن ثمّ  صلّى عليه وورّثه أهله، وقتل القاتل وورّث ميراثه أهله، وقطَع يد السارق وجلَد الزاني غير المحصن وأعطاهما نصيبهما مِن الفيء وانكحهما المسلمات، فأخذهم رسول الله بذنوبهم وأقام حق الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام ولم يخرج أسماءهم من بين أهله) (1) ، وهكذا كان غيره ممّن ناظرهم في الإسلام ينحو هذا المنحى العملي الذي لا يقبل التأويل والتشكيك، ولكنّهم تمسّكوا بنصوص القرآن ونظروها نظرة جانبية تعكس تفكيرهم واتجاههم، فلم يستجيبوا لهذا الأُسلوب البياني الذي يعكس الواقع الإسلامي، كما توحيه نصوص القرآن وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، لقد كفروا جميع المسلمين؛ لأنّهم لم ينسجموا معهم، واستدلّوا على تكفير أهل الذنوب بظواهر بعض الآيات.

منها قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) .

فاعتبَروا الكفر الوارد في الآية مترتّباً على ترك الحجّ باعتباره معصيةً لله سبحانه، وبقياس غيره عليه ينتج أنّ كلَّ كبيرة يكون فاعلها كافراً، ويبدو من ذلك أنّهم يُفسّرون القرآن بما يوافق آراءهم في الدين، ويحاولون التوفيق بين مبادئهم وبين الدين بهذا الفهم الخاطئ، فالآية الكريمة قد تناولت أوّلاً تشريع الحجّ على المسلمين من غير نظر فيها إلى الناحية العملية التي بسببها يتصف الإنسان بالطاعة والعصيان، ثمّ تعرّضت لحال مَن أنكر هذا التشريع ووصفته بالكفر والجحود، فالكفر الوارد في الآية معناه عدَم الإيمان بهذا التشريع الإلهي، وممّا لا ريب فيه أنّ عدَم الإيمان بذلك كفر عند جميع المسلمين.

ومنها قوله تعالى: ( إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) .

فقد استفادوا من هذه الآية أنّ اليأس باعتباره معصيةً لله سُبحانه بكون صاحبه كافراً، ولازم ذلك أنْ تكون صفة الكفر ثابتة لكلّ مَن يترك واجباً أو يفعل محرّماً، مع أنّ الآية ليس فيها أكثر من وصف اليائس من رحمة الله بالكفر، وإنّما وصف بذلك؛ لأنّه إمّا مكذّب للآيات التي تنصُّ

____________________

(1) انظر المجلّد الثاني من شرح النهج ص 306.

٤٥

على عفو الله وكرمه ولطفه بعباده، وإمّا مسرفٌ في المعاصي إلى حدٍّ حالت الذنوب بينه وبين الله، وأظلمت نفسه وانقطعت بينه وبين ربّه جميع الوسائل، أمّا المعصية بمجرّدها ما لم تستتبع أحد الأمرين فلا يلزمها اليائس، بل الغالب على العصاة أنّهم يرجون عفوَ الله ورضوانه ويؤمنون بالله وبما جاءت به رسله.

ومنها قوله تعالى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) .

وقد فهموا منها أنّ المرتكب للذنوب قد حكَم على نفسه بغير ما أنزل الله فيكون كافراً بنصّ الآية.

وهذه الآية كغيرها من الآيات التي لا تؤيّد مُدّعاهم؛ لأنّها نزَلَت في اليهود الذين حكموا بغير ما أنزل الله وحرفوا شرائعه وبدّلوا أحكامه، وقد وصفهم الله سبحانه بأنّهم سمّاعون للكذِب أكّالون للسُحت.

ومنها قوله تعالى: ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) .

وقد ادّعوا إنّ فاعل الكبيرة أسود الوجه عند الله فيكون كافراً بنصّ الآية، مع العلم بأنّ الآية واردة فيمَن كفَر بعد إيمانه، كما يبدو من قوله تعالى: ( أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) ، ولا سيّما بعد ملاحظة جملة من الآيات التي تنصّ على أنّ المعصية بمجرّدها لا تُوجِب خروج الإنسان عن الإسلام (1) ، ولكن الخوارج حاولوا أنْ تكون لآرائهم التي امتازوا بها الصبغة الدينيّة فأوّلوا القرآن على حسب أفهامهم ليستخدموا الدين لصالحهم، ولكنّهم أُصيبوا بالفشَل في جميع حالاتهم وابتعدوا عن الإسلام والقرآن وعن المسلمين أيضاً، بالرغم من ثباتهم في جميع مواقفهم وصمودهم في وجه الشدائد، ويمكن تلخيص الأسباب التي أدّت إلى فشلهم بالأُمور التالية:

الأوّل: أنّ مبدأ التكفير لأقلّ مناسبة هو المبدأ الذي تركّزت عليه جميع تحرّكاتهم واجتمعت عليه جميع فرقهم، بالرغم ممّا كان بينهم من خلاف في أكثر الآراء، فقد أجمعوا على تكفير عليّ (عليه السلام) وطلحة والزبير وجميع المسلمين، لأسبابٍ لم يقرّها الإسلام ولا مصدر لها من كتابٍ أو سنّة، فأراقوا الدماء ونهبوا الأموال واستحلّوا الإعراض باسم الدين

____________________

(1) انظر المجلّد الثاني من شرح النهج لابن أبي الحديد ص 307.

٤٦

والإسلام، وقد احتجّ عليهم عليّ (عليه السلام) بسيرة الرسول مع المسلمين، فأصرّوا على عنادهم وضلالهم ومضوا في طريقهم يفسدون في الأرض ويقتلون الآمنين، ووقَف المسلمون منهم موقفاً سلبيّاً في جميع المراحل التي مرّوا بها، بالرغم من النقمة الشديدة والفجوة التي كانت بين الحكّام وبين المسلمين في العصر الأموي، وعلى ما بين الحكّام والمسلمين من بعد، فالمسلمون فضّلوا البقاء تحت سلطان الأمويّين على مساندة الخوارج والثورة معهم.

الثاني: إنّهم على شدّتهم وصبرهم على الشدائد لم يكن لهم قيادة تفرض وجودها عليهم، ولم يخضعوا لأُمرائهم الذين تزعّموا حركاتهم وحروبهم، ففي أكثر مواقفهم كانت تنشب المعارك والخلافات بينهم لأبسط الأسباب، وكان ذلك من جملة العوامل التي تساعد الحكام على هزيمتهم، وقد ذكرنا سابقاً أنّ المهلّب بن أبي صفرة قد شغلهم بالخلافات واستغلّ هذه الظاهرة فيهم في المعارك التي نشبت بينهم وبينه.

الثالث: إنّهم مع إسرافهم في أحكامهم على المسلمين واستحلالهم لإراقة الدماء واستباحة الأعراض، ظهرت لهم بعض الاجتهادات المنافية لأُصول الإسلام، والتي يمكن تفسيرها بأنّها كانت محاولة لهدم الإسلام من أساسه، وعلى أساسها يسوغ وصفهم بالارتداد عن الدين، فقد ادعى أحد قادتهم وهو يزيد بن أنيسه أنّ الله سيبعث نبيّاً من العجَم بكتاب ينسخ شريعة محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، كما جوّز ميمون العجردي أحد أُمرائهم نكاح بنات الأولاد وبنات أولاد الإخوة والأخوات، وادّعى آخرون منهم أنّ سورة يوسف ليست من القرآن، إلى غير ذلك من الآراء التي كانت تختصّ بها كلّ فِرقة من فرقهم، مما جعل المسلمين يقفون منهم موقف الحذر والحيطة، ويرون انتصارهم خطراً على الإسلام ومبادئه.

لذا فإنّ معاركهم مع الحكّام لم تتّخذ طابعاً شعبيّاً تمثّل إرادة الأُمّة ورغباتها في الإصلاح وتطبيق العدالة والقانون، بل كانت ذات لونٍ واحد من بدايتها حينما خرجوا على عليّ (عليه السلام) إلى نهايتها، حينما خمد صوتهم وخلدوا إلى الهدوء والسكينة في الشطر الأول من عهد العباسيّين.

ولو قدر لبقيّة الحركات الثورية التي ظهرت في العصرين الأموي والعبّاسي، البقاء الطويل والامتداد الذي امتازت به ثورة الخوارج، لو قدر لها ذلك لكان من ثمارها استئصال الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، التي فرضها الإسلام على كلّ حاكمٍ يتولّى قيادة الأُمّة، فالحركات الثوريّة التي قام بها العلويّون في

٤٧

العصرين الأموي والعبّاسي كانت تهدف لتحرير الشعوب من ظلم الحاكمين، الذين قامت عروشهم على دماء الأبرياء واضطهاد الصُلحاء، وتسخير جميع الطبقات الكادحة لشهَواتهم وتثبيت عروشهم؛ ولذا فإنّها لم تُحرم في الغالب من تأييد العلماء ورجال الدين ومساندتهم لها حتى بالأموال، كما كان الحال من موقف أبي حنيفة مع ثورة زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، فالقائمون على توجيه تلك الانتفاضات التي كانت تحدث بين حينٍ وآخر من العلويّين وغيرهم في وجه الأمويّين والعبّاسيين، لم يتّخذوا هدفاً وغاية سوى تطبيق العدالة، وتعديل الانحراف الذي ظهر في سياسة الحكّام وجميع تصرّفاتهم، نعم يمكن أنْ يكونوا في حركاتهم لم يراعوا الظروف المناسبة، ولم يعدّوا العدّة الكافية؛ ولذا لم يحالفهم النجاح في أكثر حركاتهم في وجه الحكّام.

أمّا الخوارج فلو كانوا يطلبون العدالة وجدوها عند عليّ (عليه السلام)؛ لأنّه كان مثاليّاً في سيرته وسياسته ومواساته لأضعف أفراد الأُمّة، ولم يستطع حتى أعداؤه الألدّاء أنْ يتّهموه بالانحراف عن جادّة القرآن وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ومع كلّ ذلك فقد افتتحوا ثورتهم بخروجهم عليه وأعلنوا كفره واستحلّوا قتاله، وأخيراً تمّكنوا من اغتياله وهو ساجد لربّه.

ومجمل القول لقد وقف الخوارج في ناحية ووقف المسلمون كلّهم في ناحية، واختطّوا لأنفسهم طريقاً خالفوا فيه جميع المسلمين، فلقد حاولوا تطبيق جميع تصرفاتهم على الدين من الزاوية التي يفهمونها، وهي زاوية استيلائهم على الحكم وانتزاعه من أيدي القرشيّين، واستدلّوا بالآيات على صحّة تصرّفاتهم ونظريّاتهم حسب أفهماهم الخاطئة التي حاولوا فرضها على القرآن وعلى الدين فرضاً، فلَم تنسجم تصرّفاتهم مع آرائهم وأقوالهم.

فبينما نراهم يكفرون مرتكب الذنب الواحد نجدهم يقتلون عبد الله بن خباب الصحابي الجليل، ويبقرون بطن زوجته الحامل فيستخرجون منها حمْلها ويذبحونه على صدرها، ونجدهم أيضاً يجيزون نكاح بنات الإخوة والأخوات وبنات الأولاد، وفي نفس الوقت الذي قتلوا فيه عبد الله بن خباب وزوجته، يأبون أنْ يأكلوا من رُطَب قدّمه لهم بعض الذميّين تجنّباً للحرام وخوفاً من الله سُبحانه.

فالباحث في تاريخهم من جميع نواحيه يجدهم يتخطّون الواقع والمنطق والدين والعلم في جميع تصرّفاتهم وآرائهم؛ ولذلك كانوا منبوذين من جميع فِرَق المسلمين على اختلاف نزَعاتهم ومذاهبهم، ولم يستطيعوا في جميع حالاتهم ومواقفهم المتعدّدة في وجه

٤٨

الحكّام الأمويّين أنْ يربحوا عطف الشعوب، ولا أنْ يحقّقوا شيئاً من آمالهم وأمانيهم ومنيت حركاتهم بالفشَل بعد جهاد استمرّ عشرات الأعوام والسنين، ولو أنّهم بعد أنْ وصل الحكم إلى أيدٍ ملوّثة بالظلم والفساد وغير أمينة على أحقَر الأشياء فضلاً عن مقدّرات أُمّة بكاملها، لو أنّهم في هذه الحالة طالبوا بإصلاح الفاسد وتحقيق العدالة، والسير على المخطّط الذي وضعه الإسلام للحاكمين لعادت ثوراتهم على الإسلام والمسلمين بالخير والسعادة والازدهار، ولا سيّما بعد أنْ واصلوا كفاحهم الطويل، وصبَروا في أكثر معاركهم، وضحّوا بكلّ ما يملكون لتحقيق ما كانوا يهدفون إليه.

٤٩

الفصل الثالث: (في الفِرَق المنسوبة إلى الشيعة)

في هذا الفصل عرضٌ موجز للفِرق المنسوبة إلى الشيعة ومعتقداتها، وتاريخ ظهورها وأسباب انقراضها، ومقدار صِلتها بالشيعة الإمامية.

لقد كان ظهور الخوارج في الإسلام بدايةً لانقسامٍ جديد في صفوف المسلمين وتعدّد الفِرق الإسلامية، على حين أنّهم في تلك الفترة من تاريخهم لم يكن لهم ميزة تخصّهم من حيث المعتقدات في الفروع والأُصول، ولم يُظهروا فكرةً تُميّزهم عن غيرهم من المسلمين، سِوى النقمة على الحكّام الذين تولّوا قيادة المسلمين بعد انتهاء معركة صِفّين.

وعلى مرور الزمن وبعد اتساع حركتهم الثورية وانتشارها في أنحاء مختلفة من بلاد المسلمين ظهرت لهم بعض الآراء في الأُصول الإسلامية، كما ظهَرت لهم بعض التشريعات في الفروع، وبذلك قد أصبحوا فرقةً من الفرق الإسلامية غلَب عليهم اسم الخوارج، مع أنّهم في واقع الأمر فرقة من الجمهور يلتقون مع السنّة في الخلافة الإسلامية وبعض الأُصول الأخرى وأكثر الفروع، ولا يلتقون مع الشيعة الإمامية بشيء؛ لأنّهم بجميع فرقهم يتّفقون على كفر

٥٠

عليّ (عليه السلام) وأتباعه، بينما يقرّون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان ويرون رأي السنّة في الصحابة الأقدمين.

وقد ذكرنا أنّه لم يكن قبل ظهور الخوارج إلاّ فئتان من المسلمين: فئةٌ تدّعي أنّ النبيّ قد انتقل إلى ربّه ولم يستخلف أحداً من بعده، وترك للأُمّة حقّ اختيار الحاكم الذي تراه صالحاً لإدارة شؤونها، وقد اختارت أبا بكر، وهو بدوره قد عيّن من بعده عمر بن الخطّاب، وهكذا إلى أنْ انتهى الأمر إلى عليّ (عليه السلام)، والفئة الثانية وهُم الشيعة المتمسّكون بحرفية النصوص التي صدرت عن الرسول في مختلف المناسبات، على أنّ عليّاً هو الخليفة المختار من الله سبحانه، وقد أثبتها الشيعة والسنّة في كتبهم منذ عصور التدوين والتأليف الأولى، ولكن السنّة قد تأوّلوها تمشّياً مع المبدأ الذي اعتمدوه في اختيار الخليفة بعد الرسول.

وقد أثبتنا في الفصل الأوّل من فصول هذا الكتاب أنّ التشيّع بمعناه المعروف بين الفقهاء والمتكلّمين، في العصور المتأخّرة عن عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ولِد في حياة الرسول، وآمَن به جماعة من الصحابة، وبعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وقفوا إلى جانب عليّ ولم يُبايعوا لأبي بكر إلاّ بعد أنْ بايع عليّ (عليه السلام)، ولكنّ فكرة التشيّع بقيت حيّة في الأذهان تنمو وتنتشر كلّما انطلق المسلمون في تفكيرهم، وكلّما أمعنوا في دراسة القرآن والحديث، ومشت مع الإسلام جنباً إلى جنب، واتّسع مفهوم التشيّع في العصور المتأخّرة عن عصر الخلفاء الأربعة، بمعنى أوسع ممّا كان عليه بعد وفاة الرسول، وأصبح التديّن بإمامة الأئمّة الاثني عشر جزءاً من معناه؛ تمشّياً مع النصوص التي وصلت إليهم عن النبيّ والأئمّة من ولده (عليهم السلام).

وجاء في بعضها ما يؤكّد إمامة الاثني عشَر واحداً بعد واحد بأسمائهم وأوصافهم، وجاء في جملةٍ منها: أنّ الخلفاء من بعده اثنا عشر خليفة، وفي حديث مشهور بين الرواة والمحدّثين: (إنّ الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)، ولم يحدث انقسام في صفوف الشيعة في الإمامة إلاّ بعد مقتل الحسين (عليه السلام)، حيث بدأت الفرَق الشيعيّة تظهر بين صفوف الشيعة على حدّ زعم المؤلّفين القدامى في الفِرق الإسلامية، ومنذ أنْ انتقلت الإمامة لعليّ بن الحسين الملقّب بزين العابدين.

ويتّسع اسم الشيعة عند الذين كتبوا في الفرق الإسلاميّة والمذاهب، وعند الكتّاب العرب والمستشرقين لكلّ مبتدع في الدين، أو مشعوذ حاول إغراء بعض المغفّلين فتظاهر بولاء أهل البيت وصحبتهم؛ ليتوصّل إلى أهدافه عن هذا الطريق، فمن أنكر الكتاب والرسالة وجميع ما جاءت به الأديان، فهو

٥١

شيعي عند الكتّاب وأهل السنّة ما دام يدّعي أنّه محبٌّ لأهل البيت، مع العلم بأنّ آراء أهل البيت وعقيدة أهل البيت وشيعتهم لا انحراف فيها ولا التواء عن جادّة القرآن وتعاليم الرسول، وقد جاهدوا في سبيل مبادئ القرآن وتعاليم الإسلام طيلة حياتهم وقُتلوا وشُرّدوا في هذا السبيل، ولم تلاقِ أُمّةٌ من الأُمم ما لاقاه الشيعة وأئمّتهم من الحكّام، لا لشيء إلاّ لأنّهم لم يتخلّوا عن مبادئهم طرفة عين، ومع ذلك فكل مبتدعٍ في الدين أو مفترٍ عليه مهما كانت بدعته وافتراءاته، لا يخرج عن التشيّع؛ لأنّه كان يدّعي ولاء أهل البيت وينظر إليهم بعين الاحترام والتقديس، ولأجل ذلك فقد عدّوا أكثر الفِرَق الضالّة من الشيعة.

ومِن تلك الفرق السبائيّة المنسوبون لعبد الله بن سَبأ الذي أظهر الغلوّ في عليّ (عليه السلام)، وقد نفاه عليّ إلى المدائن بعد أنْ استتابه ووضَعه تحت الرقابة الشديدة، ولكن المؤلّفين في الفرَق يدّعون بأنّه رجع إلى مقالته الأُولى بعد وفاة عليّ (عليه السلام)، على أنّ جماعة من الباحثين المحدثين قد أثبتوا بما لا يقبَل الريب أنّ عبد الله بن سبأ شخصيّة وهميّة لا وجود لها في التاريخ، والبيانية الذين ادّعوا أخيراً إلوهيّة (بيان بن سمعان) (1).

والمُغيريّة أتباع المُغيرة بن سعيد العجلي، وقد ادعى النبوّة لنفسه بعد أنْ تظاهر في ولائه لأهل البيت ودسّ في أحاديثهم آلاف الروايات، ولمّا بلغ أمره الإمام الصادق (عليه السلام) لعنه وحذّر الشيعة مِن آرائه ومرويّاته.

والمنصوريّة أتباع منصور العجلي، وقد ادعى أنّ الإمام محمّداً الباقر أوصى إليه بالإمامة بعد أنْ رُفِع إلى السماء، وأنّه هو المعني بالآية من سورة الطور: ( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) ، وأتباعه ينكرون الجنّة والنار، ويدّعون أنّ الجنّة نعيم أهل الدنيا، والنار هي المِحَن والمصائب التي يلاقيها الإنسان في حياته، وقد تولّى قتل أبي منصور العجلي يوسف بن عمر الثقفي، كما جاء في التبصير في الدين

____________________

(1) وقد ظهر بيان بن سمعان بالعراق في المِئة الثانية هجريّة، وادّعى حلول جزء من الإله في عليّ (عليه السلام) ثمّ في محمّد بن الحنفية، ومنه انتقل إلى ولده أبي هاشم، وأخيراً ادّعاها لنفسه، وكانت نهايته على يد خالد بن عبد الله القسري عامل هشام بن الحكَم على الكوفة، انظر التعليق على كتاب التبصير في الدين للشيخ محمّد زاهد بن الحسن الكوثري ص 35.

٥٢

للإسفراييني (1).

والجناحيّة أتباع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيّار المعروف بذي الجناحين، والمنسوب إليهم أنّ روح الإله تحلّ في الأنبياء وتنتقل إلى الأئمّة واحداً بعد واحد، وإنكار المعاد والجنّة والنار، واستحلال الزنا والخمر واللواط وجميع المحرّمات وترك الواجبات، ويدّعون أنّ هذه الأُمور ترمز إلى أهل البيت، وأنّ صاحبهم عبد الله بن معاوية لا يزال حيّاً في جبَل من جبال أصفهان (2) وجاء في فِرَق الشيعة للنوبختي: أنّ الذي دسّ بين صفوف أصحاب عبد الله الغلوّ والتناسخ، وزيّن لهم ترك الواجبات وفعل المحرّمات هو عبد الله بن الحارث، من أصحاب عبد الله بن معاوية وأُسند ذلك إلى جابر بن جابر بن عبد الله الأنصاري، وجابر بن يزيد الجعفي وهما من أصحاب الأئمّة ورواة أحاديثهم (3).

الخطابيّة أتباع أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب الملقّب (بالأجدع)، وادّعى هؤلاء أنّ الأئمّة كانوا آلهة، وأنّ أولاد الحسَن والحُسين أنبياء الله وأحبّاءه، وأخيراً ادّعى أبو الخطّاب الإلوهيّة لنفسه، ولمّا بلغت أقواله الإمام الصادق (عليه السلام)، لعنه مع جماعة من المشَعوذين منهم المغيرة بن سعيد، وبشّار الأشعري، وحمزة البربري، والسري وغيرهم، وأمَر أصحابه بلعنهم والبراءة منهم، وأباح دماءهم وأموالهم (4) .

وقد أورد الشهرستاني في الملل والنحل، والنوبختي في الفرق، والأشعري في كتابه مقالات الإسلاميّين، والأسفرائيني في التبصير أقوالاً وآراءً لهؤلاء، كلّها صريحة في كفرهم وضلالهم، وكان الإمام الصادق حريصاً على التشهير بهم وبيان كفرهم وضلالهم؛ لئلاّ ينخدع بهم احد من البسطاء والمغفّلين.

الغرابية وهم القائلون بأنّ الله قد أرسل جبرئيل لعليّ (عليه السلام)، ولكنّه جاء إلى محمّد؛ لأنّه يشبهه كما يشبه الغراب الغراب، ومِن هؤلاء مَن يدّعي أنّ الله قد فوّض أمر تدبير الخلق لمحمّد (صلّى الله عليه وآله)، ومحمّد فوّض ذلك لعليّ (عليه السلام)، ويُنسب إليهم أنّهم يقولون: بأنّ عليّاً بعث محمّداً ليدعو الناس

____________________

(1) انظر ص 100 من التبصير وص 38 من فرق النوبختي.

(2) انظر التبصير في الدين لأبي المظفّر الأسفرائيني ص 110.

(3) انظر ص 35 من فرق الشيعة للنوبختي.

(4) انظر ص 43 من فرق الشيعة وص 111 من التبصير.

٥٣

إلى إلوهيّته فدعا لغيره.

النميريّة أتباع محمّد بن نصير النميري الذي ادّعى أنّ أبا الحسَن عليّاً الهادي (عليه السلام) قد بعثه نبيّاً، وأظهر القول بالتناسخ وإباحة المحرّمات، وادّعى الربوبيّة لأبي الحسَن العسكري (عليه السلام).

السبعية القائلون بأنّ الإمامة قد انتقلت من إسماعيل بن جعفر الصادق إلى ولده محمّد بن إسماعيل وأنّ أولي العزم سبعة منهم محمّد بن إسماعيل، وجنّة آدم هي إباحة المحرّمات، وأنّ شريعة محمّد بن عبد الله قد نُسِخت، واحتجّوا على ذلك بما جاء عن جعفر بن محمّد: (لو قام قائمنا علم القرآن جديداً) ، وهؤلاء هم الأصل للقرامطة (أتباع حمدان قرمط) (1).

لقد أوردنا هذه الأمثلة من الفِرَق التي يدّعي الكتاب أنّها فرق شيعيّة ويُحمّلون الشيعة أوزارهم وتبعاتهم، مع أنّه لو صحّ وجود هذه الفرق في التاريخ فالآراء والأقوال المنسوبة إليهم تدلّ بصدقٍ وصراحة تامّين، على أنّهم بعيدون عن الإسلام فضلاً عن التشيّع، ولو صحّ أنّهم كانوا في عداد الشيعة فذاك؛ لكي يتستّروا بالتشيّع لترويج آرائهم ومفترياتهم على الإسلام.

على أنّ هناك أمراً لابدّ من النظر إليه بعين الاعتبار، وهو أنّ حكّام الأمويّين والعبّاسيّين كانوا يبذلون كلّ ما في وسْعهم للتشويه على الأئمّة من أهل البيت، وإضعاف مركزهم في نفوس المسلمين، فدسّوا بين صفوفهم جماعة للتشويش عليهم ونشر البِدَع والخرافات بين معتقداتهم وآرائهم في الأُصول والفروع، وقد لعِب الحكّام دوراً بارزاً في هذه الناحية بقصد التشنيع عليهم، بعد أنْ فشلت جميع المحاولات التي بذلوها للحدّ من نشاطهم.

ومهما كان مصدر هذه الفرق التي يدّعي الكتّاب وجودها في التاريخ، وسَواء كان لها وجود بين المسلمين أم لم يكن، فقد نظَر إليها الكتاب نظرة أوّلية مجرّدة عن البحث والتحقيق، واعتبروها من الحقائق الثابتة التي لا تقبل الجدَل والنقاش وأضافوها إلى الشيعة الإمامية، واتخذوا من وجودها

____________________

(1) انظر الفرق للنوبختي، ومقالات الإسلاميّين للأشعري، والمِلل والنحِل للشهرستاني، وغيرهم من كُتُب الفرق الإسلامية.

٥٤

الموهوم وسيلة للتشنيع على أهل البيت وشيعتهم بدافع التعصّب الطائفي الموروث، مع العلم بأنّ الذين افترضوا وجودها في التاريخ لا ينكرون بأنّ هذه الفرق لم تتخطّ العصر الذي وجُدت فيه وماتت في مهدها، ومع ذلك فالكتّاب في هذا العصر لا يزالون يجترون تلك المخلّفات التي كانت من أبرز آثار الحكّام الأمويّين والعبّاسيّين، ويتاجرون بها لإشباع شهَواتهم وشهَوات أسيادهم أعداء الإسلام، وموقف الشيعة منهم، في هذا العصر وقبله وفي جميع العصور والمراحل التي مرّوا بها، صريحٌ لا عِوَج فيه ولا التواء ولا محاباة لأحدٍ من الناس، فلقد كفّروهم منذ أنْ سمِعوا بوجودهم في التاريخ. ولا يزالون في كلّ مناسبة يُعلنون في الصحف والكتب، ومِن على المنابر عقائدهم وأُصول دينهم ومذهبهم، وينادون بتكفير كل مَن يُخالف الأُصول الإسلامية، التي اتفق عليها جمهور المسلمين المستوحاة من كتاب الله وسنّة نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله)، ولا سيّما مَن يجعل خصائص الخالق للمخلوقين، وتواترت عن أئمّتهم النصوص بتكفير أصحاب هذه المقالات، والبراءة منهم ولعنهم على المنابر وفي جميع المناسبات.

وعسى أنْ يأتي اليوم الذي يلتقي فيه المسلمون بقلوبهم وعقولهم تاركين الأحقاد، والحزازات والمتاجرة بالتهم المفتعلة التي خلقتها السياسة والعناصر التي اندسّت بين صفوف المسلمين لتشتيت كلمتهم وطمس تعاليمهم، تلك التعاليم التي ملكَت القلوب والعقول، ودفعت بالمسلمين أشواطاً بعيدة إلى الإمام في أقلّ من نصف قرن من الزمن، هذا وفي الفصول الآتية التي وضعناها للمقارنة بين آراء الشيعة الإمامية في الأصول الإسلامية، وآراء غيرهم فيها كالمعتزلة والمرجئة والأشاعرة الذين يمثلون الجمهور الأكبر من المسلمين في جميع العصور، ومن هذه الفصول يتبيّن للقارئ أنّ الإمامية من أحرص المسلمين على تنزيه الله سُبحانه عن صفات المخلوقين، والإقرار له بما يليق بوحدانيته وقدرته، ومن أشدّها تحمّساً وإيماناً بنصوص القرآن الكريم، وأقساهم على المنحرفين عن نهج الإسلام الصحيح، وتعاليمه وأحكامه.

ولابدّ لنا ونحن نتحدّث عن الفرق الشيعيّة كما يُصوّرها كتّاب المذاهب والمعتقدات، أنّ نتحدّث حسب الإمكان عن بعض الفِرق الشيعية باعتبارها مصدراً لغيرها من الفِرق، التي يدّعيها مؤلّفو المذاهب والفِرق الإسلامية.

الكيسانيّة

أوّل هذه الفِرق الكيسانيّة، وهُم القائلون بإمامة محمّد بن الحنفيّة، الولد الأكبر لعليّ (عليه السلام)، بعد أخويه الحسَن والحسين (عليهما السلام) ويظهر من بعض

٥٥

المؤلّفين في الفِرَق أنّهم بين مَن يقول بإمامته بعد أبيه، وأنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) حاربا يزيد ومعاوية بإذنه، وبين مَن يقول بأنّه الإمام الشرعي بعدهما (1).

والمنسوب إلى الكيسانية أنّهم قد أضافوا إلى القول بإمامته أنّه المهدي المنتظر، الذي لم يمُت ولنْ يموت، وسيرجع إلى الناس فيملأ الأرض عدلاً بعد ما مُلئت جوراً، وأسرَف بعضهم إسرافاً يوجب الكفر والخروج عن الإسلام، فادّعى له الإلوهية وأنّه بعث حمزة البربري نبيّاً إلى الناس، كما ادعى جماعة من المنتسبين إليه بأنّه اختفى عن الناس في جبال رضوى، ويتغذّى من ألبان الغزلان التي تغدو وتروح في تلك الجبال، وقد أوكل الله أمر حراسته إلى السباع إلى أوان خروجه، ومن هؤلاء السيّد إسماعيل الحميَري وإليه يُنسب الشعر التالي:

يا شعب رضوى ما لِمَن بك لا يُرى

حـتى  مـتى تـخفى وأنتَ قريبُ

يـا  ابـن الوصيّ ويا سميّ محمّدٍ

وكَـنـيِّه  نـفسي عـليك تـذوبُ

لـو  غـاب عنّا عُمر نوح أيقنَتْ

مـنّا الـنفوسُ بـأنّه سـيؤوبُ

ويُنسب إليه أيضاً:

وما ذاق ابنُ خولة طعمَ موتٍ

ولا  ضمّت له أرضٌ عِظاما

وأنّ  لـه بـه لَمقيلَ صدْق

وأنـديـة تـحدّثه كـراما

وادّعى قومٌ من القائلين بإمامته أنّ الإمامة قد انتقلت بعد موته إلى ولد أبي هاشم عبد الله بن محمّد، وغالى فيه قومٌ كما غالوا في أبيه من قبل، فادعوا بقاءه حيّاً متخفيّاً عن الناس، وأنّه المهديّ الذي عَناه الرسول في أحاديث المهدي المرويّة عنه، بينما ذهب آخرون إلى وفاته وانتقال الإمامة إلى أخيه عليّ بن محمّد بن الحنفية، إلى غير ذلك من الأقوال التي ينسبها كتّاب الفِرَق إلى الكيسانية.

ومع أنّا نشك في أصل وجود هذه الفِرق؛ لأنّ محمّد بن الحنفية كان أتقى وأبَرّ من أنْ يدّعي الإمامة لنفسه، أو يسمح لأحدٍ يدين بإمامته، وقد سمِع من أبيه النصّ على الأئمّة

____________________

(1) انظر فرق الشيعة للنوبختي ص 23.

٥٦

بأسمائهم وأوصافهم، مع أنّا نشكُّ في أصل وجودها، فقد قيل في وجه تسميتهم بالكيسانية: أنّ أوّل من قال بإمامة محمّد بن الحنفيّة المختار بن عبيدة الثقفي، وكان يلقّب بكيسان، وجاء عن الأصبغ بن نُباتة أنّه قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين، وهو طفلٌ صغير يمسَح على رأسه بيده ويقول له: (يا كَيس)؛ فغلب عليه هذا الاسم، وكان من أمره أنّه دخل الكوفة مناصراً لمسلم بن عقيل حينما دخلها مُوفَداً من قِبَل الحسين (عليه السلام)، فقبض عليه ابن زياد وأدخله السجن، وبعد قتل الحسين (عليه السلام) حاول قتله مراراً فتشفّع به عبد الله بن عمر زوج أُخته إلى يزيد بن معاوية، فكتب إلى ابن زياد وأمره بإخلاء سبيله.

فالتحق بالحجاز وفيها عبد الله بن الزبير، قد تطلّعت نفسه إلى الخلافة بعد قتل الحسين، واستغلّ نقمة الشعوب الإسلامية على بني أُميّة بعدما ارتكبوا تلك الجريمة المنكرة مع الحسين وأهل بيته (عليهم السلام)، فبايع المختار لابن الزبير على أنْ تكون له ولاية الكوفة إنْ تمّ له الأمر، وبعد موت يزيد بن معاوية رجَع المختار إلى الكوفة وادّعى أنّه موفَد إليها من قِبَل ابن الحنفيّة الوصيّ الشرعي إلى الحسين (عليه السلام) ووليّ دمه، وأنّه استوزره وأوكل إليه أمر الطلب بثأر الحسين (عليه السلام). فوجد في الكوفة، ولا سيّما في الأوساط الشيعية، تقبّلاً لدعوته وتحمّساً في سبيلها، فبايعوه على الطلب بدم الحسين.

والتفّوا حوله، فمضى يتتبّعهم واحداً بعد واحد حتى قتَل أكثر مَن أخرجهم ابن زياد لحرب الحسين (عليه السلام)، فازداد الشيعة تمسّكاً به والتفافاً حوله وانقياداً لأوامره، ونسَب إليه المؤرّخون أنّه كان يدّعي أنّ الملائكة تأتيه بالأخبار والأوامر من محمّد بن الحنفيّة، وممّا حملهم على أنْ يصدّقوه على حدّ زعم المحدّثين أنّه قد عوّد بعض طيور الحمام في خلَواته على أنْ تلتقط الحبّ من أُذنيه، ولمّا اعتادت على ذلك كانت تأتيه إلى مجلسه العام وتحوم حول أُذنيه كما عوّدها في خلواته، فيدّعي أنّها الملائكة في صورة حمام أبيض تأتيه بالأخبار والأوامر من ابن الحنفيّة كما ذكرنا، وقد نسبوا إليه غير ذلك من أساليب الخداع والشعوذة، وقيل في سبب تسميتهم بذلك: أنّ المختار لُقّب بكيسان؛ لأنّ قائد جيشه أبا عمرة اسمه كيسان، وكان شديداً على قتَلَة الحسين (عليه السلام)، وفي نفس الوقت يدّعي إمامة محمّد بن الحنفيّة وأنّ المختار وصيّه، وأضافوا إلى ذلك أنّه

٥٧

يذهب إلى أنّ جبرائيل يأتي المختار بالأخبار من عند الله عزّ وجل (1).

ويروي أبو المظفر الأسفرائيني في كتابه التبصير في الدين: أنّ السبائيّة خدَعوا المختار وحملوه على دعوى النبوّة، وخلال معاركه مع مصعب بن الزبير أسَر جماعة من جُند مصعب، منهم سراقة بن مرداس البارقي، فلمّا أُدخل على المختار قال له: لم تهزمنا بجندك ولا أسرنا قومك ولكن الملائكة الذين جاؤوا لنصرك ونصر جندك هم الذين أسرونا وهزمونا، ثمّ طلب منه العفو وأقسم عليه بالملائكة الذين كانوا في جُنده فعفا عنه وأطلق سبيله، ولمّا رجع إلى مصعب أرسل إليه بالأبيات التالية:

ألا  أبـلِغ أبـا إسحق أنّي

رأيتُ البلَق دهماً مصمتاتِ

أُري عـينَيَّ مـا لم ترْأَياه

كـلانا  عـالمٌ بـالتُّرّهات

كفرتُ بوحيِكم وجعلتُ نَذراً

عـليّ  قتالكُم حتى المَماتِ

ونسبوا إليه القول بالبَداء وعلّلوا ذلك؛ بأنّه كان يُخبر أصحابه بأُمور يدّعي أنّها من وحي السماء، فإذا لم تقَع يقول لهم: (لقد بدا لربّكم وعدَل عمّا أخبرني به)، ثمّ يتلو عليهم قوله: ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (2) ، ويَنسب لهم الشيخ محمّد أبو زهرة في كتاب المذاهب الإسلامية القول بالتناسخ، وهو خروج الروح من جسَد وحلولها في جسَدٍ آخر، وأنّها تعذّب بانتقالها من حيوان إلى حيوان أدنى، ونعيمها بانتقالها من أسفل إلى أعلى، وفكرة الحلول والتناسخ لم تُعرَف إلاّ عن الحربيّة وهي الفرقة الحادية عشرة كما أحصاها أبو الحسن الأشعري، وهُم أتباع عبد الله بن عمرو بن حرب.

وقد ادعى هؤلاء أنّ أبا هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة قد نصّ على إمامة عبد الله بن حرْب من بعده، وتحوّلت روح أبي هاشم إليه بعد وفاته، ولمّا أظهر هذه المقالة تفرّق عنه أتباعه، وقالوا بإمامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر صاحب فكرة التناسخ

____________________

(1) انظر النوبختي ص 23 والكشّي ص 85.

(2) انظر التبصير في الدين ص 37 والمذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص 70، والعراق في ظلّ العهد الأموي ص 148.

٥٨

والحلول، واستحلال المحرّمات التي نصّ على تحريمها الكتاب والسنّة (1).

ومهما كان الحال فالذين كتبوا في الفرق الإسلامية متّفقون على أنّ هذه الفِرقة مصدرها المختار الثقفي، وهو الذي روّجها ودعا إليها وتستّر من ورائها؛ لإغراء الشيعة ليكونوا في جانبه، ولا سيّما بعد أنْ كانوا يُشكّلون القسم الأكبر من سكّان الكوفة، وقد تتبّع قتَلَة الحسين (عليه السلام) لهذه الغاية، ولكنّ المصادر الشيعيّة لا تقف منه هذا الموقف الذي وقفه المؤرّخون من أهل السنّة، وأيّدهم فيه أكثر كتّاب الفِرق.

ولا يستبعد الباحثون من الشيعة أن تكون تلك الحملات عليه كانت من وحي الأمويين والزبيريين؛ لأنّه وقف في وجه الفريقين، والسياسة وحدها كانت توجّه التاريخ لمصلحتها وأغراضها، وقد سخّر الأمويّون جماعة لوضع الأحاديث في أخصامهم بقصد التشنيع عليهم وتصويرهم بأبشع الصور، على أنّ العصر الذي وجد فيه المختار الثقفي كان خالياً من أمثال هذه المقالات، ولم تكن معروفة عند أحد من المسلمين العرب والأجانب، وقد عاش في الكوفة مهد التشيّع وبين معاصريه وأتباعه جماعة كانوا على صلة دائمة بالأئمّة، وفيهم مَن أدرك عليّاً (عليه السلام) وتخرّج من مدرسته، ولم تغِب عنهم آراؤه في الدين وأُصوله.

وقد بقيَ خمْس سنوات يكرّرها عليهم من على منبر الكوفة ولم تمضِ على وفاته أكثر من ثلاثين عاماً، فكيف والحالة هذه يقف المختار بينهم وأكثرهم من الشيعة ويدّعي النبوّة والوحي، وغير ذلك ممّا نُسِب إليه من الضَلال والكفر المبين، ولا ينكر عليه أحد من تلك الحشود الملتفّة حوله، وأكثرهم يَدين بولاء أهل البيت وفيهم الكثيرون ممّن عاصروا عليّاً، وظلّوا على صلة دائمة بالأئمّة من ولده؟!

وكلّ ذلك ممّا يُوجب التشكيك بتلك المرويّات في كتب التاريخ والفِرق، هذا بالإضافة إلى أنّ المرويّات عن الأئمّة الذين عاصروه تؤكّد براءته من كلّ ما يُنسب إليه، فقد جاء في رواية عبد الله بن شريك قال: (دخلنا على أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر يوم النحر، وهو متّكئ وقد أرسل في طلب الخلاف، فقعدتُ بين يديه إذ دخل عليه شيخٌ من أهل الكوفة، فتناول يده ليُقبّلها

____________________

(1) انظر مقالات الإسلاميّين للأشعري ج 1 ص 94 و95، والتبصير في الدين وغيرهما من كتب الفِرَق في طيّ أحاديثهم عن عبد الله بن معاوية.

٥٩

فمنعه من ذلك، ثمّ قال له: (مَن أنت؟)، قال: أنا أبو الحكَم بن المختار بن أبي عُبيدة الثقفي - وكان متباعداً من أبي جعفر (عليه السلام) - فمدّ يده إليه حتى كاد يقعده في حِجره بعد أنْ منعه يده، ثمّ قال: أصلحك الله، إنّ الناس قد أكثروا في أبي وقالوا والقول والله قولك، قال: (وأيّ شيءٍ يقولون؟)، قال: يقولون: إنّه كذّاب، ولا تأمرني بشيءٍ إلاّ قَبِلتُه، قال: (سُبحان الله، أخبرني أبي والله أنّ مهْر أُمّي كان ممّا بعث به المختار، أوَلم يبنِ دُورنا، وقتل قاتلينا وطلب بدمائنا؟ فرحمه الله، وأخبرني والله أبي، أنّه كان ليمرّ عند فاطمة بنت عليّ يُمهّد لها الفراش ويُثني لها الوسائد)، ومنها أصاب الحديث: (رحِم الله أباك رحِم الله أباك، ما ترَك لنا حقّاً عند أحد إلاّ طلبه، قتل قَتَلَتَنا وطلَب بدمائنا).

وجاء في رواية عمر بن عليّ بن الحسين: إنّ عليّ بن الحسين (عليه السلام) لمّا أُتيَ برأس عُبيد الله بن زياد ورأس عُمَر بن سعد خرّ ساجداً وقال: الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى الله المختار خيراً .

وفي رواية ابن أبي عمر عن هشام المثنّى، عن سديد أنّ أبا جعفر (عليه السلام) قال: (لا تسبّوا المختار فإنّه قتَل قَتَلَتَنا، وطلَب بثأرنا، وزوّج أراملنا، وقسّم فينا المال على العسرة) (1) .

وممّا لا نشكّ فيه أنّ المختار لو كان كما يُنسب إليه لم يخفَ حاله على الإمام زين العابدين وولده الإمام أبي جعفر محمّد الباقر (عليه السلام)؛ لأنّهما كانا على اتّصال دائمٍ بأهل الكوفة مقرّ قيادة المختار، ومنهما كان الشيعة يستمدّون أحكام دينهم، والإمام زين العابدين حينما ظهَر المختار كان يُراقب الحالة بالكوفة ويستقصي أخبارها، ولا سيّما بعد أنْ اشتعلت ثورة المختار؛ لأنّها كانت للانتقام مِن قَتَلَة أبيه وأعدائه وبدافع الثأر لِما لحِقَهم من قتلٍ وتشريد.

ولا يُمكن والحالة هذه أنْ تخفى عليه حالة المختار وشعوذاته المزعومة، ولو كان كما يصوّره كتّاب الفرق وبعض المؤّرخين يكون خارجاً عن الإسلام ومُنكراً لأُصوله وضروريّاته، ومَن كانت هذه حاله لا يُمكن أنْ يترحّم عليه الإمام ويدعو له بالخير ويثني عليه في مجالسه، ولم يُحدّث التاريخ عن الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم كانوا يُحابون أحداً من أعداء الدين لمصلحة تخصّهم، أو لعملٍ يحقّق لهم مغنماً بعيداً عن أهداف الدين وأغراضه، ومِن الجائز القريب أنْ يكون المختار قد تجاهر وأعلن بأنّ

____________________

(1) انظر أخبار الرجال لمحمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي ص 83 و84.

٦٠

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

عباس عن قول الله عزّوجلّ:( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ) (١) قال: هو النجم الذي هوى مع طلوع الفجر فسقط في حجرة عليّ بن أبي طالب، وكان أبي العباس يحب أن يسقط ذلك النجم في داره، فيحوز الوصية والخلافة والامامة، ولكن أبى الله أن يكون ذاك(٢) غير عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء(٣) .

وصلّى الله على محمّد وآله

______________

(١) النجم ٥٣: ١.

(٢) في نسخة: ذلك.

(٣) بحار الانوار ٣٥: ٢٧٣/١.

٦٦١

[ ٨٤ ]

المجلس الرابع والثمانون

مجلس يوم الثلاثاء

الثامن عشر من رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٨٩٦/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبوسعيد الحسن بن عليّ العدوي، قال: حدّثنا يوسف بن يحيى الاصبهاني أبويعقوب، قال: حدثني أبوعلي إسماعيل بن حاتم، قال: حدّثنا أبوجعفر أحمد بن صالح بن سعيد المكي، قال: حدّثنا عمرو بن حفص، عن إسحاق بن نجيح، عن خصيف، عن مجاهد، عن أبي سعيد الخدري، قال: أوصى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا علي، إذا دخلت العروس بيتك فاخلع خفها حين تجلس، واغسل رجليها، وصب الماء من باب دارك إلى أقصى دارك، فإنك إذا فعلت ذلك أخرج الله من دارك سبعين ألف لون(١) من الفقر، وأدخل فيها سبعين ألف لون(٢) من البركة، وأنزل عليك سبعين رحمة ترفرف على رأس العروس حتى تنال بركتها كل زاوية من بيتك، وتأمن العروس من الجنون والجذام والبرص أن يصيبها ما دامت في

______________

(١) في نسخة: سبعين لونا.

(٢) في نسخة: سبعين لونا.

٦٦٢

تلك الدار، وامنع العروس في أسبوعها من الالبان والخل والكزبرة والتفاح الحامض، من هذه الاربعة أشياء.

فقال علي عليه السلام: يا رسول الله، ولاي شئ أمنعها من هذه الاشياء الاربعة؟ قال: لان الرحم تعقم وتبرد من هذه الاربعة أشياء عن الولد، ولحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد.

فقال علي عليه السلام: يا رسول الله، فما بال الخل تمنع منه؟ قال: إذا حاضت على الخل لم تطهر أبدا طهرا بتمام، والكزبرة تثير الحيض في بطنها، وتشدد(١) عليها الولادة، والتفاح الحامض يقطع حيضها فيصير داء عليها.

ثم قال: يا علي، لا تجامع امرأتك في أول الشهر ووسطه وآخره، فإن الجنون والجذام والخبل يسرع إليها وإلى ولدها.

يا علي، لا تجامع امرأتك بعد الظهر، فإنه إن قضي بينكما ولد في ذلك الوقت يكون أحول العين، والشيطان يفرح بالحول في الانسان.

يا علي، لا تتكلم عند الجماع فإنه إن قضي بينكما ولد لا يؤمن أن يكون أخرس، ولا ينظرن أحدكم إلى فرج امرأته، وليغض بصره عند الجماع، فإن النظر إلى الفرج يورث العمى في الولد.

يا علي، لا تجامع امرأتك بشهوة امرأة غيرك، فإني أخشى إن قضى بينكما ولد أن يكون مخنثا مؤنثا مخبلا.

يا علي، من كان جنبا في الفراش مع امرأته فلا يقرأ القرآن، فإني أخشى أن تنزل عليهما نار من السماء فتحرقهما.

يا علي، لا تجامع امرأتك إلا ومعك خرقة ومع أهلك خرقة، ولا تمسحا بخرقة واحدة فتقع الشهوة على الشهوة، فإن ذلك يعقب العداوة بينكما، ثم يردكما إلى الفرقة والطلاق.

______________

(١) في نسخة: تشتد، وفي اخرى: تسد.

٦٦٣

يا علي، لا تجامع امرأتك من قيام، فإن ذلك من فعل الحمير، وإن قضي بينكما ولد كان بوالا في الفراش كالحمير البوالة في كل مكان.

يا علي، لا تجامع امرأتك في ليلة الفطر، فإنه إن قضي بينكما ولد لم يكن ذلك الولد إلا كثير الشر.

يا علي، لا تجامع امرأتك في ليلة الاضحى، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون له ست أصابع أو أربع أصابع.

يا علي، لا تجامع امرأتك تحت شجرة مثمرة، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون جلادا قتالا عريفا.

يا علي، لا تجامع أهلك في وجه الشمس وتلالؤها إلا أن يرخى ستر فيستركما، فإنه إن قضي بينكما ولد لا يزال في بوس وفقر حتى يموت.

يا علي، لا تجامع بين الاذان والاقامة، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون حريصا على إهراق الدماء.

يا علي، إذا حملت امرأتك فلا تجامعها إلا وأنت على وضوء، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون أعمى القلب بخيل اليد.

يا علي، لا تجامع أهلك في النصف من شعبان، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون مشوؤما ذا شامة في وجهه.

يا علي، لا تجامع أهلك في آخر درجة منه - إذا بقي منه يومان - فإنه إن قضي بينكما ولد يكون عشارا أو عونا للظالم، ويكون هلاك فئام(١) من الناس على يديه.

يا علي، لا تجامع أهلك على سقوف البنيان، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون منافقا مرائيا مبتدعا.

يا علي، وإذا خرجت في سفر، فلا تجامع أهلك تلك الليلة، فإنه إن قضي بينكما ولد ينفق ماله في غير حق، وقرأ رسول صلّى الله عليه وآله وسلّم:( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا

______________

(١) أي جماعة.

٦٦٤

إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ) (١) .

يا علي، لا تجامع أهلك إذا خرجت إلى سفر مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون عونا لكل ظالم عليك.

يا علي، عليك بالجماع ليلة الاثنين، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون حافظا لكتاب الله، راضيا بما قسم الله عزّوجلّ له.

يا علي، إن جامعت أهلك في ليلة الثلاثاء، فقضي بينكما ولد، فإنه يرزق الشهادة بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمّدا رسول الله، ولا يعذبه الله مع المشركين، ويكون طيب النكهة من الفم، رحيم القلب، سخي اليد، طاهر اللسان من الغيبة والكذب والبهتان.

يا علي، وإن جامعت أهلك ليلة الخميس فقضي بينكما ولد، فإنه يكون حاكما من الحكام أو عالما من العلماء، وإن جامعتها يوم الخميس عند زوال الشمس عن كبد السماء فقضي بينكما ولد، فإن الشيطان لا يقربه حتى يشيب، ويكون فهما، ويرزقه الله السلامة في الدين والدنيا.

يا علي، فإن جامعتها ليلة الجمعة، وكان بينكما ولد، فإنه يكون خطيبا قوالا مفوها، وإن جامعتها يوم الجمعة بعد العصر، فقضي بينكما ولد، فإنه يكون معروفا مشهورا عالما، وإن جامعتها في ليلة الجمعة بعد صلاة العشاء الآخرة، فإنه يرجى أن يكون لكما ولد من الابدال إن شاء الله.

يا علي، لا تجامع أهلك في أول ساعة من الليل، فإنه إن قضي بينكما ولد لا يؤمن أن يكون ساحرا مؤثرا للدنيا على الآخرة.

يا علي، احفظ وصيتي هذه كما حفظتها عن جبرئيل (صلّى الله عليهم أجمعين)(٢) .

٨٩٧/٢ - حدثني محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال: حدثني محمّد

______________

(١) الاسراء ١٧: ٢٧.

(٢) علل الشرائع: ٥١٤/٥، الاختصاص: ١٣٢، بحار الانوار ١٠٣: ٢٨٠/١.

٦٦٥

ابن الحسن الصفار، قال: حدّثنا عليّ بن حسان الواسطي، عن عمه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عليه السلام، قال: قام رجل من أصحاب أميرالمؤمنين عليه السلام يقال له همام وكان عابدا، فقال له: يا أميرالمؤمنين، صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم، فتثاقل أميرالمؤمنين عليه السلام عن جوابه، ثم قال له: ويحك يا همام، اتق الله، وأحسن، فإن الله مع الذي اتقوا والذين هم محسنون.

فقال همام: يا أميرالمؤمنين، أسألك بالذي أكرمك بما خصك به وحباك وفضلك بما آتاك وأعطاك لما وصفتهم لي.

فقام أميرالمؤمنين عليه السلام قائما على قدميه(١) فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وآله، ثم قال: أما بعد، فإن الله عزّوجلّ خلق الخلق حيث خلقهم غنيا عن طاعتهم، آمنا لمعصيتهم، لانه لا تضره معصية من عصاه منهم، ولا تنفعه طاعة من أطاعه منهم، وقسم بينهم معايشهم، ووضعهم من(٢) الدنيا مواضعهم، وإنما أهبط الله آدم وحواء عليهما السلام من الجنة عقوبة لما صنعا، حيث نهاهما فخالفاه، وأمرهما فعصياه.

فالمتقون فيها من أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع. خشعوا(٣) لله عزّوجلّ بالطاعة فتهبوا(٤) ، فهم غاضون أبصارهم عما حرم الله عليهم، واقفين أسماعهم على العلم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي

______________

(١) في نسخة: رجليه.

(٢) في نسخة: في.

(٣) في نسخة: خضعوا.

(٤) في نسخة: فتهيبوا، وفي أخرى: فبهتوا، قال: المجلسي رحمه الله: فتهبوا: أي نفضوا أيديهم عن الدنيا وتفرغوا للآخرة، في النهاية: يقال: جاء يتهبى، إذا جاء فارغا ينفض يديه، ويحتمل أن يكون من هب فقلت الثاني، أي انتهبوا من نوم الغفلة، وأسرعوا في الطاعة، أو بليت أبدأنهم لكثرة العبادة، وفي القاموس: الهب الانتباه من النوم، ونشاط كل سائر وسرعته، وتهبب الثوب: بلي، وفي بعض النسخ: فبهتوا، أي تحيروا في ملاحظة عظمة الله سبحانه، أو يحسبهم الناس كذلك « بحار الانوار ٦٧: ٣٤٦ ».

٦٦٦

نزلت منهم الرخاء، رضا منهم عن الله بالقضاء، ولولا الآجال التي كتب الله(١) عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى الثواب، وخوفا من العقاب.

عظم الخالق في أنفسهم، ووضع(٢) ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها، فهم فيها متكئون، وهم والنار كمن رآها، فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، ومؤنتهم من الدنيا عظيمة، صبروا أياما قصارا أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسرها لهم رب كريم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها.

أما الليل فصافون أقدامهم، تالين لاجزاء القرآن، يرتلونه ترتيلا، يحزنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم ويهيج أحزانهم، بكاء على ذنوبهم ووجع كلوم جراحهم، فإذا مروا بآية فيها تخويف، أصغوا إليها مسامع قلوبهم وأبصارهم، فاقشعرت منها جلودهم، ووجلت منها قلوبهم، فظنوا أن صهيل جهنم وزفيرها وشهيقها في أصول آذانهم، وإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت انفسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم، جاثين على أوساطهم، يمجدون جبارا عظيما، مفترشين جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم.

أما النهار فحلماء علماء بررة أتقيا، قد براهم الخوف، فهم أمثال القداح، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، أو يقول: قد خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم، إذا فكروا في عظمة الله وشدة سلطانه مع ما يخالطهم من ذكر الموت وأهوال القيامة، فزع ذلك قلوبهم، فطاشت حلومهم، وذهلت عقولهم، فإذا استفاقوا بادروا إلى الله عزّوجلّ بالاعمال الزكية.

______________

(١) في نسخة: التي كتبت.

(٢) في نسخة: وصغر.

٦٦٧

لا يرضون لله بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل، فهم لانفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إن زكي أحدهم خاف مما يقولون، ويستغفر الله مما لا يعلمون، وقال: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم مني بنفسي(١) ، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، و اجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي مالا يعلمون، فإنك علام الغيوب، وساتر العيوب.

ومن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا على العلم، وفهما في فقه، وعلما في حلم، وكسبا في رفق، وشفقة في نفقة، وقصدا في غنى، وخشوعا في عبادة، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، و رحمة للمجهود، وإعطاه في حق، ورفقا في كسب، وطلبا للحلال، ونشاطا في الهدى، وتحرجا عن الطمع، وبرأ في استقامة، وإغماضا عند شهوة.

لا يغره ثناء من جهله، ولا يدع إحصاء عمله(٢) ، مستبطئا لنفسه في العمل، ويعمل الاعمال الصالحة وهو على وجل، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وشغله الذكر، يبيت حذرا لما حذر من الغفلة، فرحا لما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعب عليه نفسه لم يعطها سؤلها فيما فيه مضرته، ففرحه فيما يخلد ويدوم، وقرة عينه فيما لا يزول، ورغبة فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، يمرج العلم بالحم، ويمزج الحلم بالعقل.

تراه بعيد كسله، دائما نشاطه، قريبا أمله، قليلا زلوله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، خائفا ذنبه، قانعة نفسه، متغيبا جهله، سهلا أمره، حريزا لدينه، ميتة شهوته، كاظما غيظه، صافيا خلقه، آمنا منه جاره، ضعيفا كبره، متينا صبره، كثيرا ذكره، محكما أمره.

لا يحدث بما يؤتمن عليه الاصدقاء ولا يكتم شهادته الاعداء، ولا يعمل شيئا

______________

(١) في نسخة: أعلم بي من نفسي.

(٢) في نسخة: إحصاء ما عمله.

٦٦٨

من الحق، رياء، ولا يتركه حياء الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان من الغافلين كتب من الذاكرين، وإن كان من الذاكرين لم يكتب من الغافلين.

يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، ولا يعزب حلمه، ولا يعجل فيما يريبه، ويصفح عما قد تبين له، بعيدا جهله، لينا قوله، غائبا مكره، قريبا معروفه، صادقا قوله، حسنا فعله، مقبلا خيره، مدبرا شره، فهو في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، ولا يدعي ما ليس له، ولا يجحد حقا هو عليه، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ، ولا يتنابز بالالقاب، لا يبغي على أحد، ولا يهم بالحسد، ولا يضر بالجار، ولا يشمت بالمصائب، سريع إلى الصواب، مؤد للامانات، بطئ عن المنكرات.

يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، لا يدخل في الامور بجهل، ولا يخرج عن الحق بعجز، إن صمت لم يغمه الصمت، وإن نطق لم يقل خطأ، وإن ضحك لم يعد صوته سمعه، قانعا بالذي قدر له، لا يجمع به الغيظ، ولا يغلبه الهوى، ولا يقهره الشح، ولا يطمع فيما ليس له، يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم، ويسأل ليفهم، ويبحث ليعلم، لا ينصت للخير ليفخر به، ولا يتكلم به ليتجبر على من سواه، إن بغي عليه صبر حتى يكون الله [هو](١) الذي ينتقم له.

نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرة، وأراح الناس من نفسه، بعده ممن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودونه ممن دنا منه لين ورحمة، فليس تباعده بكبر ولا عظمة، ولا دنوه لخديعة ولا خلابة(٢) ، بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير، فهو إمام لمن خلفه من أهل البر.

قال: فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: أما والله لقد كنت أخافها عليه. وأمر به فجهز وصلى عليه، وقال: هكذا تصنع المواعظ

______________

(١) أثبتناه من النهج والبحار.

(٢) الخلابة: الخديعة باللسان.

٦٦٩

البالغة بأهلها.

فقال قائل: فما بالك أنت يا أميرالمؤمنين؟ فقال: ويلك! إن لكل أجلا لن يعدوه، وسببا لا يجاوزه، فمهلا لا تعد، فإنه إنما نفث هذا القول على لسانك الشيطان(١) .

٨٩٨/٣ - حدّثنا محمّد بن عمر الحافظ البغدادي، قال: حدثني محمّد بن الحسين بن حفص، قال: حدثني محمّد بن هارون أبوإسحاق الهاشمي المنصوري، قال: حدّثنا القاسم بن الحسين الزبيدي، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدّثنا قيس بن الربيع، عن أبي هارون، عن أبي سعيد، قال: لما كان يوم غدير خم أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مناديا فنادى الصلاة جامعة، فأخذ بيد علي عليه السلام، وقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

فقال حسان بن ثابت: يا رسول الله، أقول في علي شعرا؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: افعل. فقال:

يناديهم يوم الغدير نبيهم

بخم وأكرم بالنبي مناديا

يقول فمن مولاكم ووليكم

فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا وأنت ولينا

ولن تجدن منا لك اليوم(٢) عاصيا

فقال له قم يا علي فإنني

رضيتك من بعدي إماما وهاديا

فقام علي أرمد العين يبتغي

لعينيه مما يشتكيه مداويا

فداواه خير الناس منه بريقه(٣)

فبورك مرقيا وبورك راقيا(٤)

وصلّى الله على رسوله محمّد وآله، وحسبنا الله ونعم الوكيل

______________

(١) الكافي ٢: ١٧٩/١، نهج البلاغة: ٣٠٣ الخطبة ١٩٣، بحار الانوار ٦٧: ٣١٥/٥٠، و: ٣٤١/٥١.

(٢) في نسخة: لك الدهر.

(٣) في نسخة: برقية.

(٤) بحار الانوار ٣٧: ١١٢/٤.

٦٧٠

[ ٨٥ ]

المجلس الخامس والثمانون

مجلس يوم الجمعة

الثاني والعشرين من رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٨٩٩/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن عمر بن أذنية، عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء وأبواب الجنان، واستجيب الدعاء، فطوبى لمن رفع له عند ذلك عمل صالح(١) .

٩٠٠/٢ - وبهذا الاسناد، عن الحسين بن سعيد، عن أيمن بن محرز، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ما من عبد من شيعتنا يقوم إلى الصلاة إلا اكتفنته بعدد من خالفه ملائكة يصلون خلفه يدعون الله له حتى يفرغ من صلاته(٢) .

٩٠١/٣ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدثنا

______________

(١) بحار الانوار ٨٣: ٢٦/١.

(٢) ثواب الاعمال: ٣٧، مشكاة الانوار: ٨١، بحار الانوار ٨٢: ٢٠٥/٧.

٦٧١

محمّد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن الحسن بن محبوب، عن سعد بن طريف، قال: حدثني عمير بن مأمون العطاردي، قال: رأيت الحسن بن عليّ عليه السلام يقعد في مجلسه حين يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، وسمعته يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: من صلى الفجر ثم جلس في مجلسه يذكر الله عزّوجلّ حتى تطلع الشمس، ستره الله عزّوجلّ من النار، ستره الله عزّوجلّ من النار، ستره الله عزّوجلّ من النار(١) .

٩٠٢/٤ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عمن سمع أبا سيار يقول: سمعت أبا عبدالله الصادق عليه السلام يقول: حاء جبرئيل عليه السلام إلى يوسف عليه السلام وهو في السجن، فقال: قل في دبر كل صلاة مفروضة: اللهم اجعل لي فرجا ومخرجا، وارزقني من حيث احتسب ومن حيث لا احتسب، ثلاث مرات(٢) .

٩٠٣/٥ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا الحسن بن أحمد المالكي، قال: حدّثنا منصور بن العباس، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن زيد الشحام، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: من قرأ في الركعتين الاوليين من صلاة الليل ستين مرة( قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ ) في كل ركعة ثلاثين مرة، انفتل وليس بينه وبين الله عزّوجلّ ذنب(٣) .

٩٠٤/٦ - حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد ابن عبدالله، عن سلمة بن الخطاب، عن أيوب بن سليم العطار، عن إسحاق بن بشر الكاهلي، عن سالم الافطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلى عياله، كان كحامل

______________

(١) بحار الانوار ٨٥: ٣٢٠/٤، وزاد في نسخة: ثلاثا، في آخر الحديث.

(٢) بحار الانوار ١٢: ٢٥٦/٢٠.

(٣) بحار الانوار ٨٧: ١٩٧/٣.

٦٧٢

صدقة إلى قوم محاويج، وليبدأ بالاناث قبل الذكور، فإن من فرح ابنة فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل، ومن أقر بعين ابن فكأنما بكى من خشية الله عزّوجلّ، ومن بكى من خشية الله عزّوجلّ أدخله الله جنات النعيم(١) .

٩٠٥/٧ - حدّثنا عليّ بن عيسى رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد ماجيوليه، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن وهب بن وهب القرشي، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن جبرئيل عليه السلام أخبرني بأمر قرت به عيني وفرح له قلبي، قال: يا محمّد من غزا غزاة في سبيل الله من أمتك، فما أصابته قطرة من السماء أو صداع إلا كانت له شهادة(٢) يوم القيامة(٣) .

٩٠٦/٨ - وبهذا الاسناد، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: للجنة باب يقال له باب المجاهدين، يمضون إليه، فإذا هو مفتوح، وهم متقلدون سيوفهم - والجمع في الموقف - والملائكة ترحب بهم، فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلا في نفسه، وفقرا في معيشته، ومحقا في دينه، إن الله تبارك وتعالى أعز امتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها(٤) .

٩٠٧/٩ - وبهذا الاسناد، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من بلغ رسالة غاز كان كمن أعتق رقبة، وهو شريكه في باب غزوته(٥) .

٩٠٨/١٠ - حدّثنا جعفر بن عليّ بن الحسن الكوفي رضي الله عنه، قال: حدثني جدي الحسن بن علي، عن جده عبدالله بن المغيرة، عن إسماعيل بن مسلم السكوني، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: خيول الغزاة خيولهم في الجنة(٦) .

______________

(١) بحار الانوار ١٠٤: ٦٩/٢.

(٢) في نسخة: شاهدة.

(٣) بحار الانوار ١٠٠: ٨/٥.

(٤) بحار الانوار ١٠٠: ٨/٦.

(٥) بحار الانوار ١٠٠: ٩/٧.

(٦) ثواب الاعمال: ١٩٠، بحار الانوار ١٠٠: ٩/٨ و ٩.

٦٧٣

٩٠٩/١١ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، عن محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن الحكم، عن عمر بن أبان، عن أبي عبدالله الصادق، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: الخير كله في السيف، وتحت ظل السيف، ولا يقيم الناس إلا السيف، والسيوف مقاليد الجنة والنار(١) .

٩١٠/١٢ - حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رضي الله عنه، قال: حدّثنا الحسين ابن إسحاق التاجر، عن عليّ بن مهزيار، عن فضالة بن أيوب، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من تمنى شيئا وهو لله عزّوجلّ رضا لم يخرج من الدنيا حتى يعطاه(٢) .

٩١١/١ ٣ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن سعيد الاعرج، عن أبي عبدالله جعفر بن محمّد عليهما السلام، قال: من أوثق عرى الايمان أن تحب في الله، وتبغض في الله، وتعطي في الله، وتمنع في الله عزّوجلّ(٣) .

٩١٢/١٤ - حدّثنا الحسين بن إبراهيم بن ناتانه رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن عبد الرحمن بن سيابة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي عليه السلام، قال: من قال حين يمسي ثلاث مرات( فَسُبْحَانَ اللَّـهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) (٤) ، لم يفته خير يكون في تلك الليلة، وصرف عنه جميع شرها. ومن قال مثل ذلك حين يصبح لم يفته خير يكون في ذلك

______________

(١) ثواب الاعمال: ١٩٠، بحار الانوار ١٠٠: ٩/١٠.

(٢) الخصال: ٤/٧، بحار الانوار ٧١: ٢٦١/١.

(٣) ثواب الاعمال: ١٦٨، بحار الانوار ٦٩: ٢٣٦/٢.

(٤) الروم ٣٠: ١٧ و ١٨.

٦٧٤

اليوم، وصرف عنه جميع شره(١) .

٩١٣/١٥ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن عليّ بن مهزيار، عن عمرو بن عثمان، عن المفضل بن عمر، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن الملك ينزل بصحيفة أول النهار وأول الليل، فيكتب فيها عمل ابن ادم، فأملوا في أولها خيرا وفي آخرها خيرا، فإن الله عزّوجلّ يغفر لكم فيما بين ذلك إن شاء الله، وإن الله عزّوجلّ يقول:( اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) (٢) ويقول جل جلاله:( وَلَذِكْرُ اللَّـهِ أَكْبَرُ ) (٣) .

٩١٤/١٦ - حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور رضي الله عنه، قال: حدّثنا الحسين ابن محمّد بن عامر، عن عمه عبدالله بن عامر، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي هارون المكفوف، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام: قال: يا أبا هارون، إنا نأمر صبياننا بتسبيح فاطمة عليها السلام كما نأمرهم بالصلاة، فالزمه فإنه لم يلزمه عبد فشقي(٤) .

٩١٥/١٧ - وبهذا الاسناد، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن سعيد، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال: من قال إذا خرج من بيته: بسم الله، قال الملكان: هديت، فإن قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قالا: وقيت، فإن قال: توكلت على الله، قالا: كفيت. فيقول الشيطان: كيف لي بعبد هدي ووقي وكفي!(٥) .

٩١٦/١٨ - وبهذا الاسناد، عن محمّد بن أبي عمير، عن عبدالله بن سنان، عن

______________

(١) ثواب الاعمال: ١٦٦، بحار الانوار ٨٦: ٢٥٣/١ ٩.

(٢) البقرة ٢: ١٥٢.

(٣) تفسير العياشي ١: ٦٧/١١٩، ثواب الاعمال: ١٦٧، بحار الانوار ٨٦: ٢٤٧/٧، والآية من سورة العنكبوت ٢٩: ٤٥.

(٤) ثواب الاعمال: ١٦٣، بحار الانوار ٨٥: ٣٢٨/٣.

(٥) ثواب الاعمال: ١٦٢، بحار الانوار ٧٦: ١٦٩/١٢.

٦٧٥

أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ذات يوم لعلي عليه السلام: ألا أبشرك؟ فقال: بلى بأبي أنت وامي، فإنك لم تزل مبشرا بكل خير. فقال: أخبرني جبرئيل آنفا بالعجب. فقال له علي عليه السلام: وما الذي أخبرك يا رسول الله؟ قال: أخبرني أن الرجل من أمتي إذا صلى علي وأتبع بالصلاة على أهل بيتي، فتحت له أبواب السماء وصلت عليه الملائكة سبعين صلاة، وإن كان مذنبا خطاء، ثم تتحات عنه الذنوب كما يتحات الورق من الشجر، ويقول الله تبارك وتعالى: لبيك يا عبدي وسعديك، ويقول الله لملائكته: يا ملائكتي، أنتم تصلون عليه سبعين صلاة، وأنا أصلي عليه سبعمائة صلاة.

وإذا صلى علي ولم يتبع بالصلاة على أهل بيتي، كان بينها وبين السماء سبعون حجابا، ويقول الله جل جلاله: لا لبيك ولا سعديك، يا ملائكتي لا تصعدوا دعاءه إلا أن يلحق بنبي عترته، فلا يزال محجوبا حتى يلحق بي أهل بيتي(١) .

٩١٧/١٩ - وبهذا الاسناد، عن محمّد بن أبي عمير، عن المفضل بن صالح الاسدي، عن محمّد بن هارون، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: إذا صلى أحدكم ولم يذكر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يسلك بصلاته غير سبيل الجنة(٢) .

٩١٨/٢٠ - قال: وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار، فأبعده الله عزّوجلّ من رحمته(٣) .

٩١٩/٢١ - حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر أبوالحسين الكوفي الاسدي، قال: حدثني موسى بن عمران النخعي، قال: حدّثنا الحسين بن يزيد، قال: حدثني حفص بن غياث، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أربعة يؤذون أهل النار

______________

(١) ثواب الاعمال: ١٥٧، بحار الانوار ٩٤: ٥٦/٣٠.

(٢) عقاب الاعمال: ٢٠٦، بحار الانوار ٩٤: ٤٩/٧.

(٣) بحار الانوار ٩٤: ٤٩/٧.

٦٧٦

على ما بهم من الاذى، يسقون من الحميم والجحيم، ينادون بالويل والثبور، يقول أهل النار بعضهم لبعض، ما بال هؤلاء الاربعة قد آذونا على ما بنا من الاذى؟ فرجل معلق في تابوت من جمر، ورجل يجر أمعاءه، ورجل يسيل فوه قيحا ودما، ورجل يأكل لحمه.

فيقال لصاحب التابوت: ما بال الابعد قد آذنا على ما بنا من الاذى؟ فيقول: إن الابعد مات وفي عنقه أموال الناس، ولم يجد لها في نفسه أداء ولا وفاء. ثم يقال للذي يجر أمعاءه: ما بال الابعد قد آذانا على ما بنا من الاذى؟ فيقول: إن الابعد كان لا يبالي أين أصاب البول من جسده. ثم يقال للذي يسيل فوه قيحا ودما: ما بال الابعد قد آذانا على ما بنا من الاذى؟ فيقول: إن الابعد كان يحاكي، فينظر إلى كل كلمة خبيثة فيسندها ويحاكي بها. ثم يقال للذي يأكل لحمه، ما بال الابعد قد آذانا على ما بنا من لاذى؟ فيقول: إن الابعد كان يأكل لحوم الناس بالغيبة ويمشي بالنميمة(١) .

٩٢٠/٢٢ - وبهذا الاسناد، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من مدح أخاه المؤمن في وجهه واغتابه من ورائه، فقد انقطع ما بينهما من العصمة(٢) .

٩٢١/٢٣ - حدّثنا أحمد بن هارون الفامي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام: أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سئل: فيما النجاة غدا فقال: إنما النجاة في أن لا تخادعوا الله فيخدعكم، فإنه من يخادع الله يخدعه، ويخلع منه الايمان، ونفسه يخدع لو يشعر.

فقيل له: وكيف يخادع الله؟ قال: يعمل بما أمره الله، ثم يريد به غيره، فاتقوا الله واجتنبوا الرياء، فإنه شرك بالله، إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك وبطل أجرك، ولا خلاق لك اليوم، فالتمس

______________

(١) عقاب الاعمال: ٢٤٧، بحار الانوار ٧٥: ٢٤٩/٢٠.

(٢) بحار الانوار ٧٥: ٢٤٩/١٩.

٦٧٧

أجرك ممن كنت تعمل له(١) .

٩٢٢/٢٤ - حدّثنا عليّ بن الحسين بن شاذويه رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد ابن عبدالله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن العباس ابن معروف، عن عليّ بن الحكم، عن مندل بن عليّ العنزي، عن محمّد بن مطرف، عن مسمع، عن الاصبغ بن نباتة، عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذا غضب الله تبارك وتعالى على اُمة ولم ينزل بها العذاب، غلت أسعارها، وقصرت أعمارها، ولم يربح تجارها، ولم تزك ثمارها، ولم تغزر أنهارها، وحبس عنها أمطارها، وسلط عليها شرارها(٢) .

٩٢٣/٢٥ - وبهذا الاسناد، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن محمّد بن عبدالله بن زرارة، عن عيسى بن عبدالله الهاشمي، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن أبي سلمة، عن امه أم سلمة (رضي الله عنها)، قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: عليّ بن أبي طالب والائمة من ولده بعدي سادة أهل الارض، وقادة الغر المحجلين يوم القيامة(٣) .

٩٢٤/٢٦ - حدّثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، قال: حدّثنا بكر بن عبدالله بن حبيب، قال: حدّثنا تميم بن بهلول، قال: حدّثنا عبدالله بن صالح بن أبي سلمة النصيبي، قال: حدّثنا أبوعوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: أنا سيد الاولين والآخرين، وعليّ بن أبي طالب سيد الوصيين، وهو أخي ووارثي وخليفتي على امتي، ولايته فريضة، واتباعه فضيلة، ومحبته إلى الله وسيلة، فحزبه حزب الله، وشيعته أنصار الله، وأولياؤه أولياء الله، وأعداؤه أعداء الله، وهو إمام المسلمين،

______________

(١) تفسير العياشي ١: ٢٨٣/٢٩٥، معاني الاخبار: ٣٤٠/١، عقاب الاعمال: ٢٥٥، بحار الانوار ٧٢: ٢٩٥/١٩.

(٢) الخصال: ٣٦٠/٤٨، بحار الانوار ٩١: ٣٢٨/١٢.

(٣) بحار الانوار ٢٣: ١٢٧/٥٦.

٦٧٨

ومولى المؤمنين، وأميرهم بعدي(١) .

٩٢٥/٢٧ - حدّثنا أحمد بن عليّ بن إبراهيم بن هاشم رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن محمّد بن عليّ التميمي، قال: حدثني سيدي عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، أنه قال: من سره أن ينظر إلى القضيب الاحمر الذي غرسه الله بيده، ويكون متمسكا به، فليتول عليا والائمة من ولده، فإنهم خيرة الله عزّوجلّ وصفوته، وهم المعصومون من كل ذنب وخطيئة(٢) .

٩٢٦/٢٨ - حدّثنا عليّ بن محمّد بن الحسن القزويني أبوالحسن المعروف بابن مقبرة، قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله بن عامر، قال: حدّثنا عصام بن يوسف، قال: حدّثنا محمّد بن أيوب الكلابي، قال: حدّثنا عمرو بن سليمان، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من أحب عليا في حياته وبعد موته كتب الله عزّوجلّ له من الامن والايمان ما طلعت عليه شمس وغربت، ومن أبغضه في حياته وبعد موته مات ميتة جاهلية وحوسب بما عمل(٣) .

٩٢٧/٢٩ - حدّثنا الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدب رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، قال: حدّثنا بكر بن عبدالله بن حبيب، قال: حدثني محمّد بن عبيد الله، قال: حدّثنا عليّ بن الحكم، عن هشام، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعلي عليه السلام: يا علي، ما ثبت حبك في قلب امرئ مؤمن فزلت به قدمه على الصراط إلى ثبتت له قدم حتى يدخله الله عزّوجلّ بحبك الجنة(٤) .

وصلّى الله على رسوله محمّد وأهل بيته الطاهرين المعصومين

______________

(١) بحار الانوار ٣٨: ١٠٧/٣٦.

(٢) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٥٧/٢١١، بحار الانوار ٢٥: ١٩٣/٢.

(٣) علل الشرائع: ١٤٤/١١، بحار الانوار ٢٧: ٧٦/٧.

(٤) بحار الانوار ٢٧: ٧٧/٨.

٦٧٩

[ ٨٦ ]

المجلس السادس والثمانون

مجلس يوم الثلاثاء

لخمس بقين من رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٩٢٨/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن القطان رحمه الله، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا بكر بن عبدالله، قال: حدّثنا الحسن بن زياد الكوفي، قال: حدّثنا عليّ بن الحكم، قال: حدّثنا منصور بن أبي الاسود، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: لما مرض النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مرضه الذي قبضه الله فيه، اجتمع إليه أهل بيته وأصحابه، فقالوا: يا رسول الله، إن حدث بك حدث فمن لنا بعدك، ومن القائم فينا بأمرك؟ فلم يجبهم جوابا، وسكت عنهم. فلما كان اليوم الثاني أعادوا عليه القول، فلم يجبهم عن شئ مما سألوه. فلما كان اليوم الثالث قالوا له: يا رسول الله، إن حدث بك حدث فمن لنا من بعدك، ومن القائم فينا بأمرك؟ فقال لهم: إذا كان غدا هبط نجم من السماء في دار رجل من أصحابي، فانظروا من هو، فهو خليفتي عليكم من بعدي، والقائم فيكم بأمري، ولم يكن فيهم أحد إلا وهو يطمع أن يقول له أنت القائم من بعدي.

فلما كان اليوم الرابع، جلس كل رجل منهم في حجرته، ينتظر هبوط النجم، إذ انقض نجم من السماء قد غلب ضوؤه على ضوء الدنيا حتى وقع في حجرة

٦٨٠

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780