الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق10%

الأمالي شيخ الصدوق مؤلف:
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 780

الأمالي شيخ الصدوق
  • البداية
  • السابق
  • 780 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 441650 / تحميل: 8643
الحجم الحجم الحجم
الأمالي شيخ الصدوق

الأمالي شيخ الصدوق

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

إلى عطية بن الأسود الحنفي أتباع عبد الكريم بن عجرد أنّ الأطفال قبل بلوغهم تجب البراءة منهم، فإذا بلغ الصبيّ دُعيَ إلى الإسلام فإنْ أجاب إليه ووصفه كان مسلماً، ومِن هؤلاء من قال بالقدَر بمعنى التفويض وليس لله في أعمال عباده رأي أو تصرّف، فهم الخالقون لأفعالهم والكفر والإيمان باستطاعتهم وحدهم، بينما يرى بعض العجاردة من أتباع عبد الكريم بن عجرد: أنّ الأعمال مخلوقة لله ولا مشيئة للعبد فيها، والقائل بذلك هم الشعيبية نسبة لرجل يدعى شعيب، وقد تخاصم هو وميمون، في مال كان لميمون عليه، فقال له شعيب: أعطيكه إنْ شاء الله، فردّ عليه ميمون على مذهبه في القدر لقد شاء الله أنْ تعطيني إيّاه، فقال له شعيب: لو شاء الله لم أقدر إلاّ أنْ أعطيكه.

وقد نسب كتاب الفرق والمذاهب إلى الميمونية والعجاردة أنّهم يجيزون نكاح بنات البنين وبنات البنات، وبنات بنات الأخوة والأخوات، ويدّعون أنّ الله لم يُحرّم البنات وبنات الأخوة والأخوات، كما يدّعون بأنّ سورة يوسف ليسَت من القرآن.

ومَن فِرَق الخوارج الأباظية ولهؤلاء آراء يُخالفون غيرهم بها، كما يتّفقون مع غيرهم من فِرَق الخوارج في بعض الآراء، ومِن فروعهم الحفصية أتباع حفص بن أبي المقدام أحد قادتهم، وذهبوا إلى أنّه بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمَن عرَف الله وكفَر بما سِواه من الرسل والجنّة والنار وعمل جميع المنكرات يكون كافراً ولا يُعَد مشركاً، وهؤلاء قد ذهبوا إلى أنّ عليّاً (عليه السلام) هو الحيران الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: ( كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ) ، والذين دعوه إلى الهدى هم أهل النهروان، وأنّ الله قد أنزل فيه قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ، وأنزل في قاتله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) .

وقد ادعى أحد الأباظيّين وهو يزيد بن أنيسة أنّ الله سيبعث رسولاً من العجَم وينزل عليه كتاباً من السماء يكتب في السماء، وينزل جملةً واحدة، وأضاف أنّ أهل الكتاب إذا شهدوا لمحمّد بالنبوّة نتولاّهم ويجوز وصفهم بالإيمان وإنْ لم يدخلوا دين الإسلام (1)، ويتّفق الأباظية بجميع

____________________

(1) انظر مقالات الإسلاميّين ص 170 و171.

٤١

فِرَقهم على أنّ مرتكب الكبيرة مخلّد في جهنّم، وفاعلها كافر لأنعم الله وليس مشركاً، وجوّز الضحاكيّة منهم أنْ تتزوّج المرأة المسلمة من كفّار قومهم في دار التقية، كما يجوز للرجل المسلم أنْ يتزوّج الكافرة من قومه في دار التقية، أمّا إذا كان حكمهم جائراً فلا يستحلّون ذلك، بينما قال جماعة منهم: إنّ المرأة المتزوّجة من كفّار قومنا لا نعطيها صفة الإسلام، ولا تجب الصلاة عليها إنْ ماتت، أمّا مخالفيهم فقد حكَم جماعة منهم بكفرهم وتوقّف آخرون فلَم يحكموا عليهم بكفر أو إيمان، وجميع المسلمين الذين لم يؤيّدوا حركتهم مخالفون في دار الكفر، ومن فِرق الخوارج ا لبيهسية أصحاب أبي بيهس هيجم بن جابر ولهم آراء شاذّة في الأُصول والفروع منها أنّ الشراب حلال في أصله ولم يأتِ فيه شيء من التحريم لا في قليله ولا في كثيره، ومنها أنّ الناس مشركون بجهلِ الدين وارتكاب الذنوب، ويجب على الله أنْ يظهر أحكامه في العصاة كما أظهرها في الشرك، ولو جاز إخفاءها لجاز في الشرك أيضاً.

ومنها أنّ الإمام إذا كفَر كفرت الرعية الغائب والشاهد حكمهم حكم الإمام، ومَن فعل شيئاً من المحرّمات التي توعّد الله عباده عليها وهو لا يعلم بحرمته كان كافراً.

ومِن فِرقهم الشبيبية أتباع شبيب بن يزيد (1)، وهؤلاء قد جوّزوا إمامة المرأة واستخلافها ولهم آراء أُخرى أكثر شذوذاً ممّا أوردناه (2).

ولهم فِرق أُخرى وآراء في الأُصول والفروع تدور حول مرتكب الذنب، وأحكام المخالفين لهم، ويبدو بعد التتبّع لآرائهم أنّ التكفير هو أوّل الصفات التي تجري على ألسنتهم، فكأنّ المقياس للدين هو آراؤهم ومتابعتهم على ضلالهم وجهلهم وقد كفّر بعضهم بعضاً لأقلّ مناسبة وأبسطها، وانقسموا على أنفسهم حتى في ساحات القتال مع أخصامهم الأمويّين، وقد عرف فيهم الحكّام والقوّاد الذين تولّوا قتالهم هذه الحالة، فاستغلّوها لتفريق كلمتهم وإضعافهم، فقد جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المجلّد الأوّل: إنّ الأزارقة كان من بينهم حدّاد يصنع لهم نِصالاً

____________________

(1) أحد القواد الذين قادوا حركة الخوارج في عهد عبد الملك بن مروان، وقد اشترك في جملة مِن المعارك هو وزوجته.

(2) انظر ص 179 و180 و181 من مقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري ج 1.

٤٢

مسمومة يرمون بها أصحاب المهلّب بن أبي صفرة، فشكا أصحاب المهلّب إليه أمر الحدّاد، فقال: أنا أكفيكم أمره، فوجّه إليه كتاباً فيه ألف دينار مع رجلٍ من أصحابه وأمره بإلقاء الكتاب والدنانير في معسكر الخوارج، وكتب فيه: أمّا بعد فإنّ نصالك قد وصلَت إلينا وقد وجّهت لك ألف دينار فاقبضها وزدنا من نِصالك، فأصاب الكتاب أحد الخوارج وسلّمه إلى قطري الذي كان يقود الخوارج في حربهم مع المهلّب، ولمّا قرأ الكتاب استدعى الحدّاد فقال له: ما هذا الكتاب والدنانير قال: لا أعلم بها، فأمر بقتله فجاءه أحد القوّاد ويُدعى عبد ربّه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة، فقال له: قتلتَ رجلاً على غير ثقةٍ وبيّنة، قال قطري: ما حال الألف دينار؟ قال: يجوز أنْ يكون أمرها كذباً ويجوز أنْ يكون حقّاً.

فقال له قطري: إنّ قتل رجلٍ فيه صلاح غير منكَر، وللإمام أنْ يحكُم بما يراه صالحاً وليس للرعية أنْ تعترض عليه، وكان من نتيجة ذلك أنْ تنكّر له عبد ربّه الصغير مع جماعة من الخوارج ونقموا عليه تسرّعه في هذا الأمر، ولمّا بلغ المهلّب خلافهم احتال لأنْ يزيده احتداماً فدسّ إليهم رجلاً نصرانيّاً وأمره أنْ يسجُد لقطري عندما يراه وأوصاه أنْ يقول له: إنّما سجدتُ لك لا لله، ولمّا فعل النصراني ما أوصاه به المهلّب أنكر عليه الخوارج ذلك وقالوا له: لقد عبدك النصراني من دون الله، وتلا عليه بعضهم الآية: ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) .

فقال قطري: لقد عبد النصارى عيسى بن مريم من دون الله فما ضرّ عيسى ذلك شيئاً، وأدّى الخلاف بينهم إلى قتْل النصراني، وتابَع المهلّب دسائسه بينهم بعد أنْ رأى أنّ ذلك أجدى عليه من السيف فوجّه إليهم رجُلاً يسألهم عن رجُلين خرجا مهاجرَين إليهم، فمات أحدهما في الطريق ووصل إليهم الثاني ولكنّه لم يكن كما يريدون، فأجاب فريق منهم أنْ الميّت من أهل الجنّة والذي بقيَ حيّاً كافر، وقال فريقٌ آخر: أنّهما معاً كافران واحتدم الخلاف بينهم شهراً كاملاً (1) ، ويجد المتتبّع في تاريخهم أمثال هذه الخلافات التي كانت تنشب بينهم لأبسط الأُمور، واستغلّ أخصامهم هذه الميزة التي برزت في حياتهم، فعملوا على إضعافهم وهزيمتهم من هذا الطريق، وبالفعل قد تمّ لهم ذلك وتوالت هزائمهم؛ بسبب ما كان يحدث بينهم من خلاف ونزاع وهم في ساحات القتال، مع

____________________

(1) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد ج (1) ص 401.

٤٣

أنّهم من أصبر الناس على الشدائد وأقواهم شكيمة في القتال وأصلبهم في دعوتهم التي نادوا بها، في عشرات السنين، وبجانب هذه الميزة التي برزت في تاريخهم يبدو أنّهم كانوا يحرصون على أنْ تكون لحركتهم الثورية الصبغة الدينيّة، فيحكمون على مخالفيهم في الرأي بالكفر ويقتلون ويُفسدون باسم الدين، ويُجادلون عن آرائهم ومعتقداتهم بظواهر بعض الآيات التي لم يصيبوا فيها إلاّ الجانب السطحي، ولم يُفكّروا فيها التفكير الذي يصيب المرمى والمقصد ويرشدهم إلى الحق من جميع جوانبه؛ لذلك فإنّهم لم يتوفّقوا في جميع مناظراتهم بالرغم من عنادهم وثباتهم على عقيدتهم، وطلاقة ألسنتهم واختيارهم لأفصح العبارات وأقواها تأثيراً على خصومهم، وقد أورد في شرح النهج بعض الآيات التي استدلّوا بها على تكفير أهل الذنوب من غير فرق بين ذنبٍ وآخر، حتى الخطأ في الرأي إذا أدى إلى مخالفة الواقع (1) .

ولذا فإنّ عليّاً (عليه السلام) في مناظراته معهم لم يحتجّ عليهم بالكتاب ولا بالحديث؛ لأنّهما يحتملان التأويل ومن الصعب رجوعهم إلى الصواب وهم يجدون من ظواهر بعض الآيات ما يؤيّد آراءهم، فاحتجّ عليهم بعمل الرسول مِن مرتكبي الكبائر، وأورَد لهم من الشواهد المتعدّدة ما يدلّ بصراحة لا تقبَل التأويل والتفسير، أنّه لم يعاملهم معاملة الكفّار والمشركين؛ لأنّه رجَم الزاني المحصَن وورّثه أهله، وقتَل القاتل وأجرى عليه أحكام المسلمين، وقطَع يد السارق وأعطاه حقّه من الفيء، ولم يمنعهم من حقوقهم التي جعلها الله لعامّة المسلمين، وكانت سيرة الرسول على ذلك طيلة حياته، ومضى عليها الخلفاء مِن بعده ولم يستطع الخوارج وغيرهم إنكار ذلك من سيرة الرسول والخلفاء من بعده.

ولقد أوضح لهم بهذا الأُسلوب من البيان أنّ الكفر لا يُحكم به على أحد، إلاّ إذا أنكر الوحدانيّة، أو الرسالة، أو أصلاً من أُصول الإسلام، أو ضرورياً من ضروريّات الدين، حيث يؤدّي إنكار ذلك الضروري إلى تكذيب الكتاب أو الرسول فيما أخبرا به، وفاعل الكبيرة، ما لَم يكن منكِراً لأحدِ هذه الأُمور يبقى على حكم الإسلام، فلقد جاء عنه أنّه قال لهم: (فإنْ أبَيتم أنْ تزعموا إلاّ أنّي أخطأت وضلَلت فلِم تضلّلون عامّة أُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) بضلالي وتأخذونهم بخطئي وتكفّرونهم بذنوبي: سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البُرء والسقْم، وتخلطون

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص 106.

٤٤

من أذنب بمَن لم يذنب، وقد علمتم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجَم الزاني المحصَن ثمّ  صلّى عليه وورّثه أهله، وقتل القاتل وورّث ميراثه أهله، وقطَع يد السارق وجلَد الزاني غير المحصن وأعطاهما نصيبهما مِن الفيء وانكحهما المسلمات، فأخذهم رسول الله بذنوبهم وأقام حق الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام ولم يخرج أسماءهم من بين أهله) (1) ، وهكذا كان غيره ممّن ناظرهم في الإسلام ينحو هذا المنحى العملي الذي لا يقبل التأويل والتشكيك، ولكنّهم تمسّكوا بنصوص القرآن ونظروها نظرة جانبية تعكس تفكيرهم واتجاههم، فلم يستجيبوا لهذا الأُسلوب البياني الذي يعكس الواقع الإسلامي، كما توحيه نصوص القرآن وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، لقد كفروا جميع المسلمين؛ لأنّهم لم ينسجموا معهم، واستدلّوا على تكفير أهل الذنوب بظواهر بعض الآيات.

منها قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) .

فاعتبَروا الكفر الوارد في الآية مترتّباً على ترك الحجّ باعتباره معصيةً لله سبحانه، وبقياس غيره عليه ينتج أنّ كلَّ كبيرة يكون فاعلها كافراً، ويبدو من ذلك أنّهم يُفسّرون القرآن بما يوافق آراءهم في الدين، ويحاولون التوفيق بين مبادئهم وبين الدين بهذا الفهم الخاطئ، فالآية الكريمة قد تناولت أوّلاً تشريع الحجّ على المسلمين من غير نظر فيها إلى الناحية العملية التي بسببها يتصف الإنسان بالطاعة والعصيان، ثمّ تعرّضت لحال مَن أنكر هذا التشريع ووصفته بالكفر والجحود، فالكفر الوارد في الآية معناه عدَم الإيمان بهذا التشريع الإلهي، وممّا لا ريب فيه أنّ عدَم الإيمان بذلك كفر عند جميع المسلمين.

ومنها قوله تعالى: ( إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) .

فقد استفادوا من هذه الآية أنّ اليأس باعتباره معصيةً لله سُبحانه بكون صاحبه كافراً، ولازم ذلك أنْ تكون صفة الكفر ثابتة لكلّ مَن يترك واجباً أو يفعل محرّماً، مع أنّ الآية ليس فيها أكثر من وصف اليائس من رحمة الله بالكفر، وإنّما وصف بذلك؛ لأنّه إمّا مكذّب للآيات التي تنصُّ

____________________

(1) انظر المجلّد الثاني من شرح النهج ص 306.

٤٥

على عفو الله وكرمه ولطفه بعباده، وإمّا مسرفٌ في المعاصي إلى حدٍّ حالت الذنوب بينه وبين الله، وأظلمت نفسه وانقطعت بينه وبين ربّه جميع الوسائل، أمّا المعصية بمجرّدها ما لم تستتبع أحد الأمرين فلا يلزمها اليائس، بل الغالب على العصاة أنّهم يرجون عفوَ الله ورضوانه ويؤمنون بالله وبما جاءت به رسله.

ومنها قوله تعالى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) .

وقد فهموا منها أنّ المرتكب للذنوب قد حكَم على نفسه بغير ما أنزل الله فيكون كافراً بنصّ الآية.

وهذه الآية كغيرها من الآيات التي لا تؤيّد مُدّعاهم؛ لأنّها نزَلَت في اليهود الذين حكموا بغير ما أنزل الله وحرفوا شرائعه وبدّلوا أحكامه، وقد وصفهم الله سبحانه بأنّهم سمّاعون للكذِب أكّالون للسُحت.

ومنها قوله تعالى: ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) .

وقد ادّعوا إنّ فاعل الكبيرة أسود الوجه عند الله فيكون كافراً بنصّ الآية، مع العلم بأنّ الآية واردة فيمَن كفَر بعد إيمانه، كما يبدو من قوله تعالى: ( أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) ، ولا سيّما بعد ملاحظة جملة من الآيات التي تنصّ على أنّ المعصية بمجرّدها لا تُوجِب خروج الإنسان عن الإسلام (1) ، ولكن الخوارج حاولوا أنْ تكون لآرائهم التي امتازوا بها الصبغة الدينيّة فأوّلوا القرآن على حسب أفهامهم ليستخدموا الدين لصالحهم، ولكنّهم أُصيبوا بالفشَل في جميع حالاتهم وابتعدوا عن الإسلام والقرآن وعن المسلمين أيضاً، بالرغم من ثباتهم في جميع مواقفهم وصمودهم في وجه الشدائد، ويمكن تلخيص الأسباب التي أدّت إلى فشلهم بالأُمور التالية:

الأوّل: أنّ مبدأ التكفير لأقلّ مناسبة هو المبدأ الذي تركّزت عليه جميع تحرّكاتهم واجتمعت عليه جميع فرقهم، بالرغم ممّا كان بينهم من خلاف في أكثر الآراء، فقد أجمعوا على تكفير عليّ (عليه السلام) وطلحة والزبير وجميع المسلمين، لأسبابٍ لم يقرّها الإسلام ولا مصدر لها من كتابٍ أو سنّة، فأراقوا الدماء ونهبوا الأموال واستحلّوا الإعراض باسم الدين

____________________

(1) انظر المجلّد الثاني من شرح النهج لابن أبي الحديد ص 307.

٤٦

والإسلام، وقد احتجّ عليهم عليّ (عليه السلام) بسيرة الرسول مع المسلمين، فأصرّوا على عنادهم وضلالهم ومضوا في طريقهم يفسدون في الأرض ويقتلون الآمنين، ووقَف المسلمون منهم موقفاً سلبيّاً في جميع المراحل التي مرّوا بها، بالرغم من النقمة الشديدة والفجوة التي كانت بين الحكّام وبين المسلمين في العصر الأموي، وعلى ما بين الحكّام والمسلمين من بعد، فالمسلمون فضّلوا البقاء تحت سلطان الأمويّين على مساندة الخوارج والثورة معهم.

الثاني: إنّهم على شدّتهم وصبرهم على الشدائد لم يكن لهم قيادة تفرض وجودها عليهم، ولم يخضعوا لأُمرائهم الذين تزعّموا حركاتهم وحروبهم، ففي أكثر مواقفهم كانت تنشب المعارك والخلافات بينهم لأبسط الأسباب، وكان ذلك من جملة العوامل التي تساعد الحكام على هزيمتهم، وقد ذكرنا سابقاً أنّ المهلّب بن أبي صفرة قد شغلهم بالخلافات واستغلّ هذه الظاهرة فيهم في المعارك التي نشبت بينهم وبينه.

الثالث: إنّهم مع إسرافهم في أحكامهم على المسلمين واستحلالهم لإراقة الدماء واستباحة الأعراض، ظهرت لهم بعض الاجتهادات المنافية لأُصول الإسلام، والتي يمكن تفسيرها بأنّها كانت محاولة لهدم الإسلام من أساسه، وعلى أساسها يسوغ وصفهم بالارتداد عن الدين، فقد ادعى أحد قادتهم وهو يزيد بن أنيسه أنّ الله سيبعث نبيّاً من العجَم بكتاب ينسخ شريعة محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، كما جوّز ميمون العجردي أحد أُمرائهم نكاح بنات الأولاد وبنات أولاد الإخوة والأخوات، وادّعى آخرون منهم أنّ سورة يوسف ليست من القرآن، إلى غير ذلك من الآراء التي كانت تختصّ بها كلّ فِرقة من فرقهم، مما جعل المسلمين يقفون منهم موقف الحذر والحيطة، ويرون انتصارهم خطراً على الإسلام ومبادئه.

لذا فإنّ معاركهم مع الحكّام لم تتّخذ طابعاً شعبيّاً تمثّل إرادة الأُمّة ورغباتها في الإصلاح وتطبيق العدالة والقانون، بل كانت ذات لونٍ واحد من بدايتها حينما خرجوا على عليّ (عليه السلام) إلى نهايتها، حينما خمد صوتهم وخلدوا إلى الهدوء والسكينة في الشطر الأول من عهد العباسيّين.

ولو قدر لبقيّة الحركات الثورية التي ظهرت في العصرين الأموي والعبّاسي، البقاء الطويل والامتداد الذي امتازت به ثورة الخوارج، لو قدر لها ذلك لكان من ثمارها استئصال الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، التي فرضها الإسلام على كلّ حاكمٍ يتولّى قيادة الأُمّة، فالحركات الثوريّة التي قام بها العلويّون في

٤٧

العصرين الأموي والعبّاسي كانت تهدف لتحرير الشعوب من ظلم الحاكمين، الذين قامت عروشهم على دماء الأبرياء واضطهاد الصُلحاء، وتسخير جميع الطبقات الكادحة لشهَواتهم وتثبيت عروشهم؛ ولذا فإنّها لم تُحرم في الغالب من تأييد العلماء ورجال الدين ومساندتهم لها حتى بالأموال، كما كان الحال من موقف أبي حنيفة مع ثورة زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، فالقائمون على توجيه تلك الانتفاضات التي كانت تحدث بين حينٍ وآخر من العلويّين وغيرهم في وجه الأمويّين والعبّاسيين، لم يتّخذوا هدفاً وغاية سوى تطبيق العدالة، وتعديل الانحراف الذي ظهر في سياسة الحكّام وجميع تصرّفاتهم، نعم يمكن أنْ يكونوا في حركاتهم لم يراعوا الظروف المناسبة، ولم يعدّوا العدّة الكافية؛ ولذا لم يحالفهم النجاح في أكثر حركاتهم في وجه الحكّام.

أمّا الخوارج فلو كانوا يطلبون العدالة وجدوها عند عليّ (عليه السلام)؛ لأنّه كان مثاليّاً في سيرته وسياسته ومواساته لأضعف أفراد الأُمّة، ولم يستطع حتى أعداؤه الألدّاء أنْ يتّهموه بالانحراف عن جادّة القرآن وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ومع كلّ ذلك فقد افتتحوا ثورتهم بخروجهم عليه وأعلنوا كفره واستحلّوا قتاله، وأخيراً تمّكنوا من اغتياله وهو ساجد لربّه.

ومجمل القول لقد وقف الخوارج في ناحية ووقف المسلمون كلّهم في ناحية، واختطّوا لأنفسهم طريقاً خالفوا فيه جميع المسلمين، فلقد حاولوا تطبيق جميع تصرفاتهم على الدين من الزاوية التي يفهمونها، وهي زاوية استيلائهم على الحكم وانتزاعه من أيدي القرشيّين، واستدلّوا بالآيات على صحّة تصرّفاتهم ونظريّاتهم حسب أفهماهم الخاطئة التي حاولوا فرضها على القرآن وعلى الدين فرضاً، فلَم تنسجم تصرّفاتهم مع آرائهم وأقوالهم.

فبينما نراهم يكفرون مرتكب الذنب الواحد نجدهم يقتلون عبد الله بن خباب الصحابي الجليل، ويبقرون بطن زوجته الحامل فيستخرجون منها حمْلها ويذبحونه على صدرها، ونجدهم أيضاً يجيزون نكاح بنات الإخوة والأخوات وبنات الأولاد، وفي نفس الوقت الذي قتلوا فيه عبد الله بن خباب وزوجته، يأبون أنْ يأكلوا من رُطَب قدّمه لهم بعض الذميّين تجنّباً للحرام وخوفاً من الله سُبحانه.

فالباحث في تاريخهم من جميع نواحيه يجدهم يتخطّون الواقع والمنطق والدين والعلم في جميع تصرّفاتهم وآرائهم؛ ولذلك كانوا منبوذين من جميع فِرَق المسلمين على اختلاف نزَعاتهم ومذاهبهم، ولم يستطيعوا في جميع حالاتهم ومواقفهم المتعدّدة في وجه

٤٨

الحكّام الأمويّين أنْ يربحوا عطف الشعوب، ولا أنْ يحقّقوا شيئاً من آمالهم وأمانيهم ومنيت حركاتهم بالفشَل بعد جهاد استمرّ عشرات الأعوام والسنين، ولو أنّهم بعد أنْ وصل الحكم إلى أيدٍ ملوّثة بالظلم والفساد وغير أمينة على أحقَر الأشياء فضلاً عن مقدّرات أُمّة بكاملها، لو أنّهم في هذه الحالة طالبوا بإصلاح الفاسد وتحقيق العدالة، والسير على المخطّط الذي وضعه الإسلام للحاكمين لعادت ثوراتهم على الإسلام والمسلمين بالخير والسعادة والازدهار، ولا سيّما بعد أنْ واصلوا كفاحهم الطويل، وصبَروا في أكثر معاركهم، وضحّوا بكلّ ما يملكون لتحقيق ما كانوا يهدفون إليه.

٤٩

الفصل الثالث: (في الفِرَق المنسوبة إلى الشيعة)

في هذا الفصل عرضٌ موجز للفِرق المنسوبة إلى الشيعة ومعتقداتها، وتاريخ ظهورها وأسباب انقراضها، ومقدار صِلتها بالشيعة الإمامية.

لقد كان ظهور الخوارج في الإسلام بدايةً لانقسامٍ جديد في صفوف المسلمين وتعدّد الفِرق الإسلامية، على حين أنّهم في تلك الفترة من تاريخهم لم يكن لهم ميزة تخصّهم من حيث المعتقدات في الفروع والأُصول، ولم يُظهروا فكرةً تُميّزهم عن غيرهم من المسلمين، سِوى النقمة على الحكّام الذين تولّوا قيادة المسلمين بعد انتهاء معركة صِفّين.

وعلى مرور الزمن وبعد اتساع حركتهم الثورية وانتشارها في أنحاء مختلفة من بلاد المسلمين ظهرت لهم بعض الآراء في الأُصول الإسلامية، كما ظهَرت لهم بعض التشريعات في الفروع، وبذلك قد أصبحوا فرقةً من الفرق الإسلامية غلَب عليهم اسم الخوارج، مع أنّهم في واقع الأمر فرقة من الجمهور يلتقون مع السنّة في الخلافة الإسلامية وبعض الأُصول الأخرى وأكثر الفروع، ولا يلتقون مع الشيعة الإمامية بشيء؛ لأنّهم بجميع فرقهم يتّفقون على كفر

٥٠

عليّ (عليه السلام) وأتباعه، بينما يقرّون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان ويرون رأي السنّة في الصحابة الأقدمين.

وقد ذكرنا أنّه لم يكن قبل ظهور الخوارج إلاّ فئتان من المسلمين: فئةٌ تدّعي أنّ النبيّ قد انتقل إلى ربّه ولم يستخلف أحداً من بعده، وترك للأُمّة حقّ اختيار الحاكم الذي تراه صالحاً لإدارة شؤونها، وقد اختارت أبا بكر، وهو بدوره قد عيّن من بعده عمر بن الخطّاب، وهكذا إلى أنْ انتهى الأمر إلى عليّ (عليه السلام)، والفئة الثانية وهُم الشيعة المتمسّكون بحرفية النصوص التي صدرت عن الرسول في مختلف المناسبات، على أنّ عليّاً هو الخليفة المختار من الله سبحانه، وقد أثبتها الشيعة والسنّة في كتبهم منذ عصور التدوين والتأليف الأولى، ولكن السنّة قد تأوّلوها تمشّياً مع المبدأ الذي اعتمدوه في اختيار الخليفة بعد الرسول.

وقد أثبتنا في الفصل الأوّل من فصول هذا الكتاب أنّ التشيّع بمعناه المعروف بين الفقهاء والمتكلّمين، في العصور المتأخّرة عن عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ولِد في حياة الرسول، وآمَن به جماعة من الصحابة، وبعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وقفوا إلى جانب عليّ ولم يُبايعوا لأبي بكر إلاّ بعد أنْ بايع عليّ (عليه السلام)، ولكنّ فكرة التشيّع بقيت حيّة في الأذهان تنمو وتنتشر كلّما انطلق المسلمون في تفكيرهم، وكلّما أمعنوا في دراسة القرآن والحديث، ومشت مع الإسلام جنباً إلى جنب، واتّسع مفهوم التشيّع في العصور المتأخّرة عن عصر الخلفاء الأربعة، بمعنى أوسع ممّا كان عليه بعد وفاة الرسول، وأصبح التديّن بإمامة الأئمّة الاثني عشر جزءاً من معناه؛ تمشّياً مع النصوص التي وصلت إليهم عن النبيّ والأئمّة من ولده (عليهم السلام).

وجاء في بعضها ما يؤكّد إمامة الاثني عشَر واحداً بعد واحد بأسمائهم وأوصافهم، وجاء في جملةٍ منها: أنّ الخلفاء من بعده اثنا عشر خليفة، وفي حديث مشهور بين الرواة والمحدّثين: (إنّ الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)، ولم يحدث انقسام في صفوف الشيعة في الإمامة إلاّ بعد مقتل الحسين (عليه السلام)، حيث بدأت الفرَق الشيعيّة تظهر بين صفوف الشيعة على حدّ زعم المؤلّفين القدامى في الفِرق الإسلامية، ومنذ أنْ انتقلت الإمامة لعليّ بن الحسين الملقّب بزين العابدين.

ويتّسع اسم الشيعة عند الذين كتبوا في الفرق الإسلاميّة والمذاهب، وعند الكتّاب العرب والمستشرقين لكلّ مبتدع في الدين، أو مشعوذ حاول إغراء بعض المغفّلين فتظاهر بولاء أهل البيت وصحبتهم؛ ليتوصّل إلى أهدافه عن هذا الطريق، فمن أنكر الكتاب والرسالة وجميع ما جاءت به الأديان، فهو

٥١

شيعي عند الكتّاب وأهل السنّة ما دام يدّعي أنّه محبٌّ لأهل البيت، مع العلم بأنّ آراء أهل البيت وعقيدة أهل البيت وشيعتهم لا انحراف فيها ولا التواء عن جادّة القرآن وتعاليم الرسول، وقد جاهدوا في سبيل مبادئ القرآن وتعاليم الإسلام طيلة حياتهم وقُتلوا وشُرّدوا في هذا السبيل، ولم تلاقِ أُمّةٌ من الأُمم ما لاقاه الشيعة وأئمّتهم من الحكّام، لا لشيء إلاّ لأنّهم لم يتخلّوا عن مبادئهم طرفة عين، ومع ذلك فكل مبتدعٍ في الدين أو مفترٍ عليه مهما كانت بدعته وافتراءاته، لا يخرج عن التشيّع؛ لأنّه كان يدّعي ولاء أهل البيت وينظر إليهم بعين الاحترام والتقديس، ولأجل ذلك فقد عدّوا أكثر الفِرَق الضالّة من الشيعة.

ومِن تلك الفرق السبائيّة المنسوبون لعبد الله بن سَبأ الذي أظهر الغلوّ في عليّ (عليه السلام)، وقد نفاه عليّ إلى المدائن بعد أنْ استتابه ووضَعه تحت الرقابة الشديدة، ولكن المؤلّفين في الفرَق يدّعون بأنّه رجع إلى مقالته الأُولى بعد وفاة عليّ (عليه السلام)، على أنّ جماعة من الباحثين المحدثين قد أثبتوا بما لا يقبَل الريب أنّ عبد الله بن سبأ شخصيّة وهميّة لا وجود لها في التاريخ، والبيانية الذين ادّعوا أخيراً إلوهيّة (بيان بن سمعان) (1).

والمُغيريّة أتباع المُغيرة بن سعيد العجلي، وقد ادعى النبوّة لنفسه بعد أنْ تظاهر في ولائه لأهل البيت ودسّ في أحاديثهم آلاف الروايات، ولمّا بلغ أمره الإمام الصادق (عليه السلام) لعنه وحذّر الشيعة مِن آرائه ومرويّاته.

والمنصوريّة أتباع منصور العجلي، وقد ادعى أنّ الإمام محمّداً الباقر أوصى إليه بالإمامة بعد أنْ رُفِع إلى السماء، وأنّه هو المعني بالآية من سورة الطور: ( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) ، وأتباعه ينكرون الجنّة والنار، ويدّعون أنّ الجنّة نعيم أهل الدنيا، والنار هي المِحَن والمصائب التي يلاقيها الإنسان في حياته، وقد تولّى قتل أبي منصور العجلي يوسف بن عمر الثقفي، كما جاء في التبصير في الدين

____________________

(1) وقد ظهر بيان بن سمعان بالعراق في المِئة الثانية هجريّة، وادّعى حلول جزء من الإله في عليّ (عليه السلام) ثمّ في محمّد بن الحنفية، ومنه انتقل إلى ولده أبي هاشم، وأخيراً ادّعاها لنفسه، وكانت نهايته على يد خالد بن عبد الله القسري عامل هشام بن الحكَم على الكوفة، انظر التعليق على كتاب التبصير في الدين للشيخ محمّد زاهد بن الحسن الكوثري ص 35.

٥٢

للإسفراييني (1).

والجناحيّة أتباع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيّار المعروف بذي الجناحين، والمنسوب إليهم أنّ روح الإله تحلّ في الأنبياء وتنتقل إلى الأئمّة واحداً بعد واحد، وإنكار المعاد والجنّة والنار، واستحلال الزنا والخمر واللواط وجميع المحرّمات وترك الواجبات، ويدّعون أنّ هذه الأُمور ترمز إلى أهل البيت، وأنّ صاحبهم عبد الله بن معاوية لا يزال حيّاً في جبَل من جبال أصفهان (2) وجاء في فِرَق الشيعة للنوبختي: أنّ الذي دسّ بين صفوف أصحاب عبد الله الغلوّ والتناسخ، وزيّن لهم ترك الواجبات وفعل المحرّمات هو عبد الله بن الحارث، من أصحاب عبد الله بن معاوية وأُسند ذلك إلى جابر بن جابر بن عبد الله الأنصاري، وجابر بن يزيد الجعفي وهما من أصحاب الأئمّة ورواة أحاديثهم (3).

الخطابيّة أتباع أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب الملقّب (بالأجدع)، وادّعى هؤلاء أنّ الأئمّة كانوا آلهة، وأنّ أولاد الحسَن والحُسين أنبياء الله وأحبّاءه، وأخيراً ادّعى أبو الخطّاب الإلوهيّة لنفسه، ولمّا بلغت أقواله الإمام الصادق (عليه السلام)، لعنه مع جماعة من المشَعوذين منهم المغيرة بن سعيد، وبشّار الأشعري، وحمزة البربري، والسري وغيرهم، وأمَر أصحابه بلعنهم والبراءة منهم، وأباح دماءهم وأموالهم (4) .

وقد أورد الشهرستاني في الملل والنحل، والنوبختي في الفرق، والأشعري في كتابه مقالات الإسلاميّين، والأسفرائيني في التبصير أقوالاً وآراءً لهؤلاء، كلّها صريحة في كفرهم وضلالهم، وكان الإمام الصادق حريصاً على التشهير بهم وبيان كفرهم وضلالهم؛ لئلاّ ينخدع بهم احد من البسطاء والمغفّلين.

الغرابية وهم القائلون بأنّ الله قد أرسل جبرئيل لعليّ (عليه السلام)، ولكنّه جاء إلى محمّد؛ لأنّه يشبهه كما يشبه الغراب الغراب، ومِن هؤلاء مَن يدّعي أنّ الله قد فوّض أمر تدبير الخلق لمحمّد (صلّى الله عليه وآله)، ومحمّد فوّض ذلك لعليّ (عليه السلام)، ويُنسب إليهم أنّهم يقولون: بأنّ عليّاً بعث محمّداً ليدعو الناس

____________________

(1) انظر ص 100 من التبصير وص 38 من فرق النوبختي.

(2) انظر التبصير في الدين لأبي المظفّر الأسفرائيني ص 110.

(3) انظر ص 35 من فرق الشيعة للنوبختي.

(4) انظر ص 43 من فرق الشيعة وص 111 من التبصير.

٥٣

إلى إلوهيّته فدعا لغيره.

النميريّة أتباع محمّد بن نصير النميري الذي ادّعى أنّ أبا الحسَن عليّاً الهادي (عليه السلام) قد بعثه نبيّاً، وأظهر القول بالتناسخ وإباحة المحرّمات، وادّعى الربوبيّة لأبي الحسَن العسكري (عليه السلام).

السبعية القائلون بأنّ الإمامة قد انتقلت من إسماعيل بن جعفر الصادق إلى ولده محمّد بن إسماعيل وأنّ أولي العزم سبعة منهم محمّد بن إسماعيل، وجنّة آدم هي إباحة المحرّمات، وأنّ شريعة محمّد بن عبد الله قد نُسِخت، واحتجّوا على ذلك بما جاء عن جعفر بن محمّد: (لو قام قائمنا علم القرآن جديداً) ، وهؤلاء هم الأصل للقرامطة (أتباع حمدان قرمط) (1).

لقد أوردنا هذه الأمثلة من الفِرَق التي يدّعي الكتاب أنّها فرق شيعيّة ويُحمّلون الشيعة أوزارهم وتبعاتهم، مع أنّه لو صحّ وجود هذه الفرق في التاريخ فالآراء والأقوال المنسوبة إليهم تدلّ بصدقٍ وصراحة تامّين، على أنّهم بعيدون عن الإسلام فضلاً عن التشيّع، ولو صحّ أنّهم كانوا في عداد الشيعة فذاك؛ لكي يتستّروا بالتشيّع لترويج آرائهم ومفترياتهم على الإسلام.

على أنّ هناك أمراً لابدّ من النظر إليه بعين الاعتبار، وهو أنّ حكّام الأمويّين والعبّاسيّين كانوا يبذلون كلّ ما في وسْعهم للتشويه على الأئمّة من أهل البيت، وإضعاف مركزهم في نفوس المسلمين، فدسّوا بين صفوفهم جماعة للتشويش عليهم ونشر البِدَع والخرافات بين معتقداتهم وآرائهم في الأُصول والفروع، وقد لعِب الحكّام دوراً بارزاً في هذه الناحية بقصد التشنيع عليهم، بعد أنْ فشلت جميع المحاولات التي بذلوها للحدّ من نشاطهم.

ومهما كان مصدر هذه الفرق التي يدّعي الكتّاب وجودها في التاريخ، وسَواء كان لها وجود بين المسلمين أم لم يكن، فقد نظَر إليها الكتاب نظرة أوّلية مجرّدة عن البحث والتحقيق، واعتبروها من الحقائق الثابتة التي لا تقبل الجدَل والنقاش وأضافوها إلى الشيعة الإمامية، واتخذوا من وجودها

____________________

(1) انظر الفرق للنوبختي، ومقالات الإسلاميّين للأشعري، والمِلل والنحِل للشهرستاني، وغيرهم من كُتُب الفرق الإسلامية.

٥٤

الموهوم وسيلة للتشنيع على أهل البيت وشيعتهم بدافع التعصّب الطائفي الموروث، مع العلم بأنّ الذين افترضوا وجودها في التاريخ لا ينكرون بأنّ هذه الفرق لم تتخطّ العصر الذي وجُدت فيه وماتت في مهدها، ومع ذلك فالكتّاب في هذا العصر لا يزالون يجترون تلك المخلّفات التي كانت من أبرز آثار الحكّام الأمويّين والعبّاسيّين، ويتاجرون بها لإشباع شهَواتهم وشهَوات أسيادهم أعداء الإسلام، وموقف الشيعة منهم، في هذا العصر وقبله وفي جميع العصور والمراحل التي مرّوا بها، صريحٌ لا عِوَج فيه ولا التواء ولا محاباة لأحدٍ من الناس، فلقد كفّروهم منذ أنْ سمِعوا بوجودهم في التاريخ. ولا يزالون في كلّ مناسبة يُعلنون في الصحف والكتب، ومِن على المنابر عقائدهم وأُصول دينهم ومذهبهم، وينادون بتكفير كل مَن يُخالف الأُصول الإسلامية، التي اتفق عليها جمهور المسلمين المستوحاة من كتاب الله وسنّة نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله)، ولا سيّما مَن يجعل خصائص الخالق للمخلوقين، وتواترت عن أئمّتهم النصوص بتكفير أصحاب هذه المقالات، والبراءة منهم ولعنهم على المنابر وفي جميع المناسبات.

وعسى أنْ يأتي اليوم الذي يلتقي فيه المسلمون بقلوبهم وعقولهم تاركين الأحقاد، والحزازات والمتاجرة بالتهم المفتعلة التي خلقتها السياسة والعناصر التي اندسّت بين صفوف المسلمين لتشتيت كلمتهم وطمس تعاليمهم، تلك التعاليم التي ملكَت القلوب والعقول، ودفعت بالمسلمين أشواطاً بعيدة إلى الإمام في أقلّ من نصف قرن من الزمن، هذا وفي الفصول الآتية التي وضعناها للمقارنة بين آراء الشيعة الإمامية في الأصول الإسلامية، وآراء غيرهم فيها كالمعتزلة والمرجئة والأشاعرة الذين يمثلون الجمهور الأكبر من المسلمين في جميع العصور، ومن هذه الفصول يتبيّن للقارئ أنّ الإمامية من أحرص المسلمين على تنزيه الله سُبحانه عن صفات المخلوقين، والإقرار له بما يليق بوحدانيته وقدرته، ومن أشدّها تحمّساً وإيماناً بنصوص القرآن الكريم، وأقساهم على المنحرفين عن نهج الإسلام الصحيح، وتعاليمه وأحكامه.

ولابدّ لنا ونحن نتحدّث عن الفرق الشيعيّة كما يُصوّرها كتّاب المذاهب والمعتقدات، أنّ نتحدّث حسب الإمكان عن بعض الفِرق الشيعية باعتبارها مصدراً لغيرها من الفِرق، التي يدّعيها مؤلّفو المذاهب والفِرق الإسلامية.

الكيسانيّة

أوّل هذه الفِرق الكيسانيّة، وهُم القائلون بإمامة محمّد بن الحنفيّة، الولد الأكبر لعليّ (عليه السلام)، بعد أخويه الحسَن والحسين (عليهما السلام) ويظهر من بعض

٥٥

المؤلّفين في الفِرَق أنّهم بين مَن يقول بإمامته بعد أبيه، وأنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) حاربا يزيد ومعاوية بإذنه، وبين مَن يقول بأنّه الإمام الشرعي بعدهما (1).

والمنسوب إلى الكيسانية أنّهم قد أضافوا إلى القول بإمامته أنّه المهدي المنتظر، الذي لم يمُت ولنْ يموت، وسيرجع إلى الناس فيملأ الأرض عدلاً بعد ما مُلئت جوراً، وأسرَف بعضهم إسرافاً يوجب الكفر والخروج عن الإسلام، فادّعى له الإلوهية وأنّه بعث حمزة البربري نبيّاً إلى الناس، كما ادعى جماعة من المنتسبين إليه بأنّه اختفى عن الناس في جبال رضوى، ويتغذّى من ألبان الغزلان التي تغدو وتروح في تلك الجبال، وقد أوكل الله أمر حراسته إلى السباع إلى أوان خروجه، ومن هؤلاء السيّد إسماعيل الحميَري وإليه يُنسب الشعر التالي:

يا شعب رضوى ما لِمَن بك لا يُرى

حـتى  مـتى تـخفى وأنتَ قريبُ

يـا  ابـن الوصيّ ويا سميّ محمّدٍ

وكَـنـيِّه  نـفسي عـليك تـذوبُ

لـو  غـاب عنّا عُمر نوح أيقنَتْ

مـنّا الـنفوسُ بـأنّه سـيؤوبُ

ويُنسب إليه أيضاً:

وما ذاق ابنُ خولة طعمَ موتٍ

ولا  ضمّت له أرضٌ عِظاما

وأنّ  لـه بـه لَمقيلَ صدْق

وأنـديـة تـحدّثه كـراما

وادّعى قومٌ من القائلين بإمامته أنّ الإمامة قد انتقلت بعد موته إلى ولد أبي هاشم عبد الله بن محمّد، وغالى فيه قومٌ كما غالوا في أبيه من قبل، فادعوا بقاءه حيّاً متخفيّاً عن الناس، وأنّه المهديّ الذي عَناه الرسول في أحاديث المهدي المرويّة عنه، بينما ذهب آخرون إلى وفاته وانتقال الإمامة إلى أخيه عليّ بن محمّد بن الحنفية، إلى غير ذلك من الأقوال التي ينسبها كتّاب الفِرَق إلى الكيسانية.

ومع أنّا نشك في أصل وجود هذه الفِرق؛ لأنّ محمّد بن الحنفية كان أتقى وأبَرّ من أنْ يدّعي الإمامة لنفسه، أو يسمح لأحدٍ يدين بإمامته، وقد سمِع من أبيه النصّ على الأئمّة

____________________

(1) انظر فرق الشيعة للنوبختي ص 23.

٥٦

بأسمائهم وأوصافهم، مع أنّا نشكُّ في أصل وجودها، فقد قيل في وجه تسميتهم بالكيسانية: أنّ أوّل من قال بإمامة محمّد بن الحنفيّة المختار بن عبيدة الثقفي، وكان يلقّب بكيسان، وجاء عن الأصبغ بن نُباتة أنّه قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين، وهو طفلٌ صغير يمسَح على رأسه بيده ويقول له: (يا كَيس)؛ فغلب عليه هذا الاسم، وكان من أمره أنّه دخل الكوفة مناصراً لمسلم بن عقيل حينما دخلها مُوفَداً من قِبَل الحسين (عليه السلام)، فقبض عليه ابن زياد وأدخله السجن، وبعد قتل الحسين (عليه السلام) حاول قتله مراراً فتشفّع به عبد الله بن عمر زوج أُخته إلى يزيد بن معاوية، فكتب إلى ابن زياد وأمره بإخلاء سبيله.

فالتحق بالحجاز وفيها عبد الله بن الزبير، قد تطلّعت نفسه إلى الخلافة بعد قتل الحسين، واستغلّ نقمة الشعوب الإسلامية على بني أُميّة بعدما ارتكبوا تلك الجريمة المنكرة مع الحسين وأهل بيته (عليهم السلام)، فبايع المختار لابن الزبير على أنْ تكون له ولاية الكوفة إنْ تمّ له الأمر، وبعد موت يزيد بن معاوية رجَع المختار إلى الكوفة وادّعى أنّه موفَد إليها من قِبَل ابن الحنفيّة الوصيّ الشرعي إلى الحسين (عليه السلام) ووليّ دمه، وأنّه استوزره وأوكل إليه أمر الطلب بثأر الحسين (عليه السلام). فوجد في الكوفة، ولا سيّما في الأوساط الشيعية، تقبّلاً لدعوته وتحمّساً في سبيلها، فبايعوه على الطلب بدم الحسين.

والتفّوا حوله، فمضى يتتبّعهم واحداً بعد واحد حتى قتَل أكثر مَن أخرجهم ابن زياد لحرب الحسين (عليه السلام)، فازداد الشيعة تمسّكاً به والتفافاً حوله وانقياداً لأوامره، ونسَب إليه المؤرّخون أنّه كان يدّعي أنّ الملائكة تأتيه بالأخبار والأوامر من محمّد بن الحنفيّة، وممّا حملهم على أنْ يصدّقوه على حدّ زعم المحدّثين أنّه قد عوّد بعض طيور الحمام في خلَواته على أنْ تلتقط الحبّ من أُذنيه، ولمّا اعتادت على ذلك كانت تأتيه إلى مجلسه العام وتحوم حول أُذنيه كما عوّدها في خلواته، فيدّعي أنّها الملائكة في صورة حمام أبيض تأتيه بالأخبار والأوامر من ابن الحنفيّة كما ذكرنا، وقد نسبوا إليه غير ذلك من أساليب الخداع والشعوذة، وقيل في سبب تسميتهم بذلك: أنّ المختار لُقّب بكيسان؛ لأنّ قائد جيشه أبا عمرة اسمه كيسان، وكان شديداً على قتَلَة الحسين (عليه السلام)، وفي نفس الوقت يدّعي إمامة محمّد بن الحنفيّة وأنّ المختار وصيّه، وأضافوا إلى ذلك أنّه

٥٧

يذهب إلى أنّ جبرائيل يأتي المختار بالأخبار من عند الله عزّ وجل (1).

ويروي أبو المظفر الأسفرائيني في كتابه التبصير في الدين: أنّ السبائيّة خدَعوا المختار وحملوه على دعوى النبوّة، وخلال معاركه مع مصعب بن الزبير أسَر جماعة من جُند مصعب، منهم سراقة بن مرداس البارقي، فلمّا أُدخل على المختار قال له: لم تهزمنا بجندك ولا أسرنا قومك ولكن الملائكة الذين جاؤوا لنصرك ونصر جندك هم الذين أسرونا وهزمونا، ثمّ طلب منه العفو وأقسم عليه بالملائكة الذين كانوا في جُنده فعفا عنه وأطلق سبيله، ولمّا رجع إلى مصعب أرسل إليه بالأبيات التالية:

ألا  أبـلِغ أبـا إسحق أنّي

رأيتُ البلَق دهماً مصمتاتِ

أُري عـينَيَّ مـا لم ترْأَياه

كـلانا  عـالمٌ بـالتُّرّهات

كفرتُ بوحيِكم وجعلتُ نَذراً

عـليّ  قتالكُم حتى المَماتِ

ونسبوا إليه القول بالبَداء وعلّلوا ذلك؛ بأنّه كان يُخبر أصحابه بأُمور يدّعي أنّها من وحي السماء، فإذا لم تقَع يقول لهم: (لقد بدا لربّكم وعدَل عمّا أخبرني به)، ثمّ يتلو عليهم قوله: ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (2) ، ويَنسب لهم الشيخ محمّد أبو زهرة في كتاب المذاهب الإسلامية القول بالتناسخ، وهو خروج الروح من جسَد وحلولها في جسَدٍ آخر، وأنّها تعذّب بانتقالها من حيوان إلى حيوان أدنى، ونعيمها بانتقالها من أسفل إلى أعلى، وفكرة الحلول والتناسخ لم تُعرَف إلاّ عن الحربيّة وهي الفرقة الحادية عشرة كما أحصاها أبو الحسن الأشعري، وهُم أتباع عبد الله بن عمرو بن حرب.

وقد ادعى هؤلاء أنّ أبا هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة قد نصّ على إمامة عبد الله بن حرْب من بعده، وتحوّلت روح أبي هاشم إليه بعد وفاته، ولمّا أظهر هذه المقالة تفرّق عنه أتباعه، وقالوا بإمامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر صاحب فكرة التناسخ

____________________

(1) انظر النوبختي ص 23 والكشّي ص 85.

(2) انظر التبصير في الدين ص 37 والمذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص 70، والعراق في ظلّ العهد الأموي ص 148.

٥٨

والحلول، واستحلال المحرّمات التي نصّ على تحريمها الكتاب والسنّة (1).

ومهما كان الحال فالذين كتبوا في الفرق الإسلامية متّفقون على أنّ هذه الفِرقة مصدرها المختار الثقفي، وهو الذي روّجها ودعا إليها وتستّر من ورائها؛ لإغراء الشيعة ليكونوا في جانبه، ولا سيّما بعد أنْ كانوا يُشكّلون القسم الأكبر من سكّان الكوفة، وقد تتبّع قتَلَة الحسين (عليه السلام) لهذه الغاية، ولكنّ المصادر الشيعيّة لا تقف منه هذا الموقف الذي وقفه المؤرّخون من أهل السنّة، وأيّدهم فيه أكثر كتّاب الفِرق.

ولا يستبعد الباحثون من الشيعة أن تكون تلك الحملات عليه كانت من وحي الأمويين والزبيريين؛ لأنّه وقف في وجه الفريقين، والسياسة وحدها كانت توجّه التاريخ لمصلحتها وأغراضها، وقد سخّر الأمويّون جماعة لوضع الأحاديث في أخصامهم بقصد التشنيع عليهم وتصويرهم بأبشع الصور، على أنّ العصر الذي وجد فيه المختار الثقفي كان خالياً من أمثال هذه المقالات، ولم تكن معروفة عند أحد من المسلمين العرب والأجانب، وقد عاش في الكوفة مهد التشيّع وبين معاصريه وأتباعه جماعة كانوا على صلة دائمة بالأئمّة، وفيهم مَن أدرك عليّاً (عليه السلام) وتخرّج من مدرسته، ولم تغِب عنهم آراؤه في الدين وأُصوله.

وقد بقيَ خمْس سنوات يكرّرها عليهم من على منبر الكوفة ولم تمضِ على وفاته أكثر من ثلاثين عاماً، فكيف والحالة هذه يقف المختار بينهم وأكثرهم من الشيعة ويدّعي النبوّة والوحي، وغير ذلك ممّا نُسِب إليه من الضَلال والكفر المبين، ولا ينكر عليه أحد من تلك الحشود الملتفّة حوله، وأكثرهم يَدين بولاء أهل البيت وفيهم الكثيرون ممّن عاصروا عليّاً، وظلّوا على صلة دائمة بالأئمّة من ولده؟!

وكلّ ذلك ممّا يُوجب التشكيك بتلك المرويّات في كتب التاريخ والفِرق، هذا بالإضافة إلى أنّ المرويّات عن الأئمّة الذين عاصروه تؤكّد براءته من كلّ ما يُنسب إليه، فقد جاء في رواية عبد الله بن شريك قال: (دخلنا على أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر يوم النحر، وهو متّكئ وقد أرسل في طلب الخلاف، فقعدتُ بين يديه إذ دخل عليه شيخٌ من أهل الكوفة، فتناول يده ليُقبّلها

____________________

(1) انظر مقالات الإسلاميّين للأشعري ج 1 ص 94 و95، والتبصير في الدين وغيرهما من كتب الفِرَق في طيّ أحاديثهم عن عبد الله بن معاوية.

٥٩

فمنعه من ذلك، ثمّ قال له: (مَن أنت؟)، قال: أنا أبو الحكَم بن المختار بن أبي عُبيدة الثقفي - وكان متباعداً من أبي جعفر (عليه السلام) - فمدّ يده إليه حتى كاد يقعده في حِجره بعد أنْ منعه يده، ثمّ قال: أصلحك الله، إنّ الناس قد أكثروا في أبي وقالوا والقول والله قولك، قال: (وأيّ شيءٍ يقولون؟)، قال: يقولون: إنّه كذّاب، ولا تأمرني بشيءٍ إلاّ قَبِلتُه، قال: (سُبحان الله، أخبرني أبي والله أنّ مهْر أُمّي كان ممّا بعث به المختار، أوَلم يبنِ دُورنا، وقتل قاتلينا وطلب بدمائنا؟ فرحمه الله، وأخبرني والله أبي، أنّه كان ليمرّ عند فاطمة بنت عليّ يُمهّد لها الفراش ويُثني لها الوسائد)، ومنها أصاب الحديث: (رحِم الله أباك رحِم الله أباك، ما ترَك لنا حقّاً عند أحد إلاّ طلبه، قتل قَتَلَتَنا وطلَب بدمائنا).

وجاء في رواية عمر بن عليّ بن الحسين: إنّ عليّ بن الحسين (عليه السلام) لمّا أُتيَ برأس عُبيد الله بن زياد ورأس عُمَر بن سعد خرّ ساجداً وقال: الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى الله المختار خيراً .

وفي رواية ابن أبي عمر عن هشام المثنّى، عن سديد أنّ أبا جعفر (عليه السلام) قال: (لا تسبّوا المختار فإنّه قتَل قَتَلَتَنا، وطلَب بثأرنا، وزوّج أراملنا، وقسّم فينا المال على العسرة) (1) .

وممّا لا نشكّ فيه أنّ المختار لو كان كما يُنسب إليه لم يخفَ حاله على الإمام زين العابدين وولده الإمام أبي جعفر محمّد الباقر (عليه السلام)؛ لأنّهما كانا على اتّصال دائمٍ بأهل الكوفة مقرّ قيادة المختار، ومنهما كان الشيعة يستمدّون أحكام دينهم، والإمام زين العابدين حينما ظهَر المختار كان يُراقب الحالة بالكوفة ويستقصي أخبارها، ولا سيّما بعد أنْ اشتعلت ثورة المختار؛ لأنّها كانت للانتقام مِن قَتَلَة أبيه وأعدائه وبدافع الثأر لِما لحِقَهم من قتلٍ وتشريد.

ولا يُمكن والحالة هذه أنْ تخفى عليه حالة المختار وشعوذاته المزعومة، ولو كان كما يصوّره كتّاب الفرق وبعض المؤّرخين يكون خارجاً عن الإسلام ومُنكراً لأُصوله وضروريّاته، ومَن كانت هذه حاله لا يُمكن أنْ يترحّم عليه الإمام ويدعو له بالخير ويثني عليه في مجالسه، ولم يُحدّث التاريخ عن الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم كانوا يُحابون أحداً من أعداء الدين لمصلحة تخصّهم، أو لعملٍ يحقّق لهم مغنماً بعيداً عن أهداف الدين وأغراضه، ومِن الجائز القريب أنْ يكون المختار قد تجاهر وأعلن بأنّ

____________________

(1) انظر أخبار الرجال لمحمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي ص 83 و84.

٦٠

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

علي عليه السلام، فهاج القوم، وقالوا: والله لقد ضل هذا الرجل وغوى، وما ينطق في ابن عمه إلا بالهوى، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك:( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (١) إلى آخر السورة(٢) .

٩٢٩/٢ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رحمه الله، قال: حدثني عمي محمّد ابن أبي القاسم، قال: حدثني محمّد بن عليّ الكوفي، عن المفضل بن صالح الاسدي، عن محمّد بن مروان، عن أبي عبدالله الصادق، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يوم القيامة يهوديا.

قيل: يا رسول الله، وإن شهد الشهادتين؟ قال: نعم، فإنما احتجز بهاتين الكلمتين عن سفك دمه، أو يؤدي الجزية عن يد وهو صاغر.

ثم قال: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهوديا. قيل: فكيف، يا رسول الله؟ قال: إن أدرك الدجال آمن به(٣) .

٩٣٠/٣ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن عاصم بن أبي النجود الاسدي، عن ابن عمر، عن الحسن بن عليّ عليهما السلام، قال: سمعت أبي عليّ بن أبي طالب عليهم السلام يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أيما امرئ مسلم جلس في مصلاه الذي يصلي فيه الفجر، يذكر الله عزّوجلّ حتى تطلع الشمس، كان له من الاجر كحاج بيت الله، وغفر له، فإن جلس فيه حتى تكون ساعة تحل فيها الصلاة، فصلى ركعتين أو أربعا غفر له ما سلف من ذنبه، وكان له من الاجر كحاج بيت الله(٤) .

٩٣١/٤ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدثنا

______________

(١) النجم ٥٣: ١ - ٤.

(٢) بحار الانوار ٣٥: ٢٧٣/٢.

(٣) عقاب الاعمال: ٢٠٣، بحار الانوار ٢٧: ٢١٨/٢.

(٤) ثواب الاعمال: ٤٥، بحار الانوار ٨٥: ٣٢٠/٥.

٦٨١

محمّد بن الحسن الصفار، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحكم ابن مسكين الثقفي، عن أبي العلاء الخفاف، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، قال: من صلى المغرب ثم عقب ولم يتكلم حتى يصلي ركعتين، كتبتا له في عليين، فإن صلى أربعا كتبت له حجة مبرورة(١) .

٩٣٢/٥ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر الاسدي، عن سهل بن زياد الآدمي، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن حمزة، عمن سمع أبا عبدالله الصادق عليه السلام يقول: من لقي حاجا فصافحه، كان كمن استلم الحجر(٢) .

٩٣٣/٦ - حدّثنا أحمد بن هارون الفامي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله بن جعفر بن جامع الحميري، عن أبيه، عن بنان بن محمّد بن عيسى، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عن إسماعيل بن مسلم السكوني، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام(٣) ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما من عبد يصبح صائما فيشتم فيقول: إني صائم سلام عليك، إلا قال الرب تبارك وتعالى: استجار عبدي بالصوم من عبدي، أجيروه من ناري، وأدخلوه جنتي(٤) .

٩٣٤/٧ - حدّثنا عبد الواحد بن محمّد العطار رضي الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوري، قال: حدّثنا حمدان بن سليمان، قال: حدّثنا عليّ بن النعمان، عن عبدالله بن طلحة، عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: من صام يوم سبعة وعشرين من رجب(٥) ، كتب الله له أجر صيام سبعين سنة(٦) .

______________

(١) ثواب الاعمال ٤٥، بحار الانوار ٨٧: ٨٨/٤.

(٢) ثواب الاعمال: ٥٠، بحار الانوار ٩٩: ٣٨٤/٥.

(٣) زاد في نسخة: عن آبائه عليهم السلام.

(٤) ثواب الاعمال: ٥١، بحار الانوار ٩٦: ٢٨٨/١.

(٥) وهو يوم المبعث النبوي الشريف.

(٦) فضائل الاشهر الثلاثة: ٣٩/١٧، بحار الانوار ٩٧: ٣٤/١١.

٦٨٢

٩٣٥/٨ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، قال: حدّثنا محمّد بن حسان الرازي، عن سهل ابن زياد الواسطي، عن بكر بن صالح، عن محمّد بن سنان، عن منذر بن يزيد، عن يونس بن ظبيان، قال: قال أبوعبدالله الصادق عليه السلام: من صام يوما في الحر فأصابه ظمأ، وكل الله به ألف ملك يمسحون وجهه ويبشرونه، حتى إذا أفطر قال الله عزّوجلّ: ما أطيب ريحك وروحك! يا ملائكتي اشهدوا أني قد غفرت له(١) .

٩٣٦/٩ - حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه، قال: حدّثنا علي ابن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الحسين بن النوفلي، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما من صائم يحضر قوما يطعمون إلا سبحت أعضاؤه، وكانت صلاة الملائكة عليه، وكانت صلاتهم له استغفارا(٢) .

٩٣٧/١٠ - حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور رضي الله عنه، قال: حدّثنا الحسين ابن محمّد بن عامر، عن عمه عبدالله بن عامر، عن محمّد بن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي: أنه سأل أبا عبدالله الصادق عليه السلام عن الصوم في الحضر. فقال: ثلاثة أيام في كل شهر: الخميس من جمعة، والاربعاء من جمعة، والخميس من جمعة.

فقال له الحلبي: هذا من كل عشرة أيام يوم؟ قال: نعم. وقد قال أميرالمؤمنين عليه السلام: صيام شهر رمضان وثلاثة أيام في كل شهر يذهبن بلابل الصدور(٣) ، إن صيام ثلاثة أيام في كل شهر يعدل صيام الدهر، إن الله عزّوجلّ يقول:( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) (٤)

______________

(١) ثواب الاعمال: ٥٢، بحار الانوار ٩٦: ٢٤٧/٥.

(٢) ثواب الاعمال: ٥٣، بحار الانوار ٩٦: ٢٤٧/٤.

(٣) أي همومها ووساوسها.

(٤) بحار الانوار ٩٧: ٩٤/٣، والآية من سورة الانعام ٦: ١٦٠.

٦٨٣

٩٣٨/١١ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال: حدّثنا أحمد ابن محمّد الهمداني مولى بني هاشم، قال: حدّثنا المنذر بن محمّد، عن جعفر بن سليمان، عن عبدالله بن الفضل الهاشمي، قال: كنت عند أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام، فدخل عليه رجل من أهل طوس، فقال له: يا بن رسول الله، ما لمن زار قبر أبي عبدالله الحسين بن عليّ عليه السلام؟ فقال له: يا طوسي، من زار قبر أبي عبدالله الحسين بن عليّ عليه السلام، وهو يعلم أنه إمام من الله مفترض الطاعة على العباد، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقبل شفاعته في سبعين مذنبا، ولم يسأل الله عزّوجلّ عند قبره حاجة إلا قضاها له.

قال: فدخل موسى بن جعفر عليه السلام، فأجلسه على فخذه، وأقبل يقبل ما بين عينيه، ثم التفت إليه فقال له: يا طوسي، إنه الامام والخليفة والحجة بعدي، وإنه سيخرج من صلبه رجل يكون رضا لله عزّوجلّ في سمائه ولعباده في أرضه، يقتل في أرضكم بالسم ظلما وعدوانا، ويدفن بها غريبا، ألا فمن زاره في غربته، وهو يعلم أنه إمام بعد أبيه مفترض الطاعة من الله عزّوجلّ، كان كمن زار رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(١) .

٩٣٩/١٢ - حدّثنا أحمد بن عليّ بن إبراهيم بن هاشم رضي الله عنه، قال: حدثني أبي، عن جدي، عن الصقر بن دلف، قال: سمعت سيدي عليّ بن محمّد بن عليّ الرضا عليه السلام يقول: من كانت له إلى الله تبارك وتعالى حاجة، فليزر قبر جدي الرضا عليه السلام بطوس وهو على غسل، وليصل عند رأسه ركعتين، وليسأل الله حاجته في قنوته، فإنه يستجيب له، ما لم يسأل في مأثم، أو قطيعة رحم، وإن موضع قبره لبقعة من بقاع الجنة، لا يزورها مؤمن إلا أعتقه الله من النار، وأحله دار القرار(٢) .

٩٤٠/١٣ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا عبدالله بن الحسن المؤدب، عن أحمد بن عليّ الاصبهاني، عن إبراهيم بن محمّد الثقفي، قال: حدّثنا محمّد بن داود

______________

(١) بحار الانوار ١٠٢: ٤٢٠/٤٨.

(٢) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٢٦٢/٣٢، بحار الانوار ١٠٢: ٤٩/٤ و ٥.

٦٨٤

الدينوري، قال: حدّثنا منذر العشراني، قال: حدّثنا سعيد بن زيد، عن أبي قنبل، عن أبي الجارود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال: إن حلقة باب الجنة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فإذا دقت الحلقة على الصفحة طنت وقالت: يا علي(١) .

٩٤١/١٤ - حدّثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدّثنا القاسم بن عباس، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى الكوفي، قال: حدّثنا أبوقتادة الحراني، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن زاذان، عن ابن عباس، قال: لما فتح الله عزّوجلّ مكة خرجنا ونحن ثمانية آلاف رجل، فلما أمسينا صرنا عشرة الآف من المسلمين، فرفع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الهجرة، فقال: لا هجرة بعد فتح مكة.

قال: ثم انتهينا إلى هوازن، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ بن أبي طالب عليه السلام: يا علي، قم فانظر كرامتك على الله عزّوجلّ، كلم الشمس إذا طلعت.

قال ابن عباس: والله ما حسدت أحدا إلا عليّ بن أبي طالب عليه السلام في ذلك اليوم. وقلت للفضل: قم ننظر كيف يكلم عليّ بن أبي طالب الشمس، فلما طلعت الشمس قام عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال: السلام عليك أيها العبد الصالح المطيع الدائب في طاعة الله ربه، فأجابته الشمس وهي تقول: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيه وحجة الله على خلقه.

قال: فانكب علي عليه السلام ساجدا شكرا لله عزّوجلّ، قال: فو الله لقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قام فأخذ برأس علي عليه السلام يقيمه ويمسح وجهه، ويقول: قم حبيبي، فقد أبكيت أهل السماء من بكائك، وباهى الله عزّوجلّ بك حملة عرشه(٢) .

٩٤٢/١٥ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، قال: حدثنا

______________

(١) بحار الانوار ٣٩: ٢٣٥/١٨.

(٢) قصص الانبياء للراوندي: ٢٩٢/٣٦٢ « نحوه »، بحار الانوار ٤١: ١٧٧/١٢.

٦٨٥

إبراهيم بن هاشم، قال: حدّثنا إسماعيل بن مرار، قال: حدثني يونس بن عبد الرحمن، عن يونس بن يعقوب، قال: كان عند أبي عبدالله الصادق عليه السلام جماعة من أصحابه فيهم حمران بن أعين، ومؤمن الطاق، وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة من أصحابه فيهم هشام بن الحكم وهو شاب، فقال أبوعبدالله عليه السلام: يا هشام. قال: لبيك، يا بن رسول الله. قال: ألا تحدثني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته. قال هشام: جعلت فداك يا بن رسول الله، إني أجلك وأستحييك، ولا يعمل لساني بين يديك. فقال أبوعبدالله عليه السلام: إذا أمرتكم بشئ فافعلوه.

قال: هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة، وعظم ذلك علي، فخرجت إليه ودخلت البصرة في يوم الجمعة، فأتيت مسجد البصرة، فإذا أنا بحلقة كبيرة وإذا أنا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء متزر بها من صوف، وشملة مرتد بها، والناس يسألونه، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي، ثم قلت: أيها العالم، أنا رجل غريب، تأذن لي فاسألك عن مسألة. قال: فقال: نعم. قال: قلت له: ألك عين؟ قال: يا بني، أي شئ هذا من السؤال؟ فقلت: هكذا مسألتي. فقال: يا بني سل، وإن كانت مسألتك حمقاء، فقلت: أجبني فيها. قال: لي: سل. فقلت: ألك عين؟ قال: نعم. قال: قلت: فما ترى بها؟ قال: الالوان والاشخاص. قال: قلت: ألك أنف؟ قال: نعم، قال: قلت: فما تصنع به؟ قال: أتشمم به الرائحة. قال: قلت: ألك فم؟ قال: نعم. قلت: وما تصنع به؟ قال: أعرف به طعم الاشياء. قال: قلت: ألك لسان؟ قال: نعم. قلت: وما تصنع به؟ قال: أتكلم به. قال: قلت: ألك أذن؟ قال: نعم. قلت: وما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الاصوات. قال: قلت: ألك يد؟ قال: نعم. قلت وما تصنع بها؟ قال: أبطش بها. قال: قلت: ألك قلب؟ قال: نعم. قلت: وما تصنع به. قال: أميز به كل ما ورد على هذه الجوارح.

قال: قلت: أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ قال: لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟ قال: يا بني، إن الجوارح إذا شكت في شئ شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته أو لمسته ردته إلى القلب فييقن اليقين ويبطل الشك.

٦٨٦

قال: فقلت: إنما أقام الله القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم. قال: قلت: فلا بد من القلب، وإلا لم تستقم الجوارح؟ قال: نعم. قال: فقلت: يا أبا مروان، إن الله تعالى ذكره لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما، يصحح لها الصحيح وييقن ما تشك فيه، ويترك هذا الخلق كلهم(١) في حيرتهم وشكهم واختلافهم لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم، ويقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك؟! قال: فسكت ولم يقل شيئا.

قال: ثم التفت إلي فقال: أنت هشام؟ فقلت: لا. فقال لي: أجالسته؟ فقلت: لا. قال: فمن أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: فأنت إذن هو. قال: ثم ضمني إليه وأقعدني في مجلسه، وما نطق حتى قمت.

فضحك أبوعبدالله عليه السلام ثم قال: يا هشام، من علمك هذا؟ قال: فقلت: يا ابن رسول الله، جرى على لساني. قال: يا هشام، هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى(٢) .

٩٤٣/١٦ - حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رحمه الله، عن عمه محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن هلال، عن أحمد بن محمّد، عن أبي نصر، عن أبان، عن زرارة وإسماعيل بن عباد القصري، عن سليمان الجعفي، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: لما أسري بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وانتهى إلى حيث أراد الله تبارك وتعالى، ناجاه ربه جل جلاله، فلما أن هبط إلى السماء الرابعة ناداه: يا محمّد، قال: لبيك ربي. قال له: من اخترت من أمتك يكون من بعدك لك خليفة؟ قال: اختر لي ذلك فتكون أنت المختار لي. فقال له: اخترت لك خيرتك عليّ بن أبي طالب عليه السلام(٣) .

______________

(١) في نسخة: كله.

(٢) بحار الانوار ٦١: ٢٤٨/١.

(٣) بحار الانوار ١٨: ٣٤١/٤٧.

٦٨٧

٩٤٤/١٧ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا عبدالله بن جعفر الحميري، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن محمّد، قال: حدّثنا الحسن بن مجبوب، عن جميل بن صالح، عن عبدالله بن غالب، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقور عند الهزاهز، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الاعداء، ولا يتحامل للاصدقاء، بدنه منه في تعب والناس منه في راحة، إن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والصبر أمير جنوده، والرفق أخوه، واللين والده(١) .

٩٤٥/١٨ - حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدثني عليّ بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، قال: حدثني عبد العظيم بن عبدالله الحسني، قال: حدثني الحسن بن عبدالله عن يونس بن ظبيان، قال: قال أبوعبدالله الصادق عليه السلام: لفاطمة عليها السلام تسعة أسماء عند الله عزّوجلّ: فاطمة، والصديقة، والمباركة، والطاهرة، والزكية، والرضية، والمرضية، والمحدثة، والزهراء.

ثم قال: تدري لاي شئ سميت فاطمة؟ قلت: أخبرني يا سيدي، قال: فطمت من الشر، قال: ثم قال: لولا أن أميرالمؤمنين عليه السلام تزوجها لما كان لها كفو على وجه الارض إلى يوم القيامة، آدم فمن من دونه(٢) .

٩٤٦/١٩ - حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور رحمه الله، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن معليّ بن محمّد البصري، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن عليّ بن جعفر، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام يقول: بينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم جالس إذا دخل عليه ملك له أربعة وعشرون وجها، فقال

______________

(١) التمحيص: ٦٦/١٥٤، الكافي ٢: ٣٩/١، و ١٨١/٢، الخصال: ٤٠٦/١، و ٢ « نحوه »، من لا يحضره الفقيه ٤: ٢٥٥/٨٢١ « نحوه »، بحار الانوار ٦٧: ٢٦٨/١.

(٢) علل الشرائع: ١٧٨/٣، الخصال: ٤١٤/٣، دلائل الامامة: ٧٩/١٩، بحار الانوار ٤٣: ١٠/١.

٦٨٨

له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: حبيبي جبرئيل، لم أرك في مثل هذه الصورة؟ فقال المك: لست بجبرئيل، أنا محمود، بعثني الله عزّوجلّ أن أزوج النور من النور. فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: من ممن؟ قال: فاطمة من علي. قال: فلما ولى الملك إذا بين كتفيه: محمّد رسول الله، علي وصيه. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: منذ كم كتب هذا بين كتفيك. فقال: من قبل أن يخلق الله عزّوجلّ آدم باثنين وعشرين ألف عام(١) .

وصلّى الله على محمّد وآله

______________

(١) الخصال: ٦٤٠/١٧، معاني الاخبار ١٠٣/١، بحار الانوار ٤٣: ١١١/٢٣.

٦٨٩

[ ٨٧ ]

المجلس السابع والثمانون

مجلس يوم الجمعة

الثامن والعشرين من رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٩٤٧/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا الحسين بن عليّ بن أحمد الصائغ، قال: حدّثنا أبوعبدالله أحمد بن محمّد الخليلي، عن محمّد بن عليّ بن أبي بكر الفقيه، عن أحمد ابن محمّد النوفلي، عن إسحاق بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن زرعة بن محمّد، عن المفضل بن عمر، قال: قلت لابي عبدالله الصادق عليه السلام: كيف كان ولادة فاطمة عليها السلام؟ فقال: نعم، إن خديجة عليها السلام لما تزوج بها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هجرتها نسوة مكة، فكن لا يدخلن عليها، ولا يسلمن عليها، ولا يتركن امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة عليها السلام لذلك، وكان جزعا وغمها حذرا عليه صلّى الله عليه وآله وسلّم.

فلما حملت بفاطمة كانت عليها السلام تحدثها من بطنها وتصبرها، وكانت تكتم ذلك من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فدخل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوما فسمع خديجة تحدث فاطمة عليها السلام، فقال لها: يا خديجة، من تحدثين؟ قالت: الجنين

٦٩٠

الذي في بطني يحدثني ويؤنسني. قال: يا خديجة، هذا جبرئيل يخبرني(١) أنها أنثى، وأنها النسلة الطاهرة الميمونة، وإن الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها أئمة، ويجعلهم خلفاءه في أرضه بعد انقضاء وحيه.

فلم تزل خديجة عليها السلام على ذلك إلى أن حضرت ولادتها، فوجهت إلى نساء قريش وبني هاشم: أن تعالين لتلين مني ما تلي النساء من النساء، فأرسلن إليها: أنت عصيتنا، ولم تقبلي قولنا، وتزوجت محمّدا يتيم أبي طالب فقيرا لا مال له، فلسنا نجئ ولا نلي من أمرك شيئا.

فاغتمت خديجة عليها السلام لذلك، فبينا هي كذلك، إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال، كأنهن من نساء بني هاشم، ففزعت منهن لما رأتهن، فقالت إحداهن: لا تحزني يا خديجة فإنا رسل ربك إليك، ونحن أخواتك، أنا سارة، وهذه آسية بنت مزاحم، وهي رفيقتك في الجنة، وهذه مريم بنت عمران، وهذه كلثوم(٢) اخت موسى بن عمران، بعثنا الله إليك لنلي منك ما تلي النساء من النساء، فجلست واحدة عن يمينها، واخرى عن يسارها، والثالثة بين يديها، والرابعة من خلفها، فوضعت فاطمة عليها السلام طاهرة مطهرة، فلما سقطت إلى الارض أشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة، ولم يبق في شرق الارض ولا غربها موضع إلا أشرق فيه ذلك النور.

ودخل عشر من الحور العين كل واحدة منهن معها طست من الجنة، وإبريق من الجنة، وفي الابريق ماء من الكوثر، فتناولتها المرأة ألتي كانت بين يديها، فغسلتها بماء الكوثر، وأخرجت خرقتين بيضاوين أشد بياضا من اللبن وأطيب ريحا من المسك والعنبر، فلفتها بواحدة، وقنعتها بالثانية، ثم استنطقتها فنطقت فاطمة عليها السلام بالشهادتين، وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن أبي رسول الله سيد الانبياء، وأن بعلي سيد الاوصياء، وولدي سادة الاسباط، ثم سلمت عليهن، وسمت

______________

(١) في نسخة: يبشرني.

(٢) في نسخة: كلثم.

٦٩١

كل واحدة منهن باسمها، وأقبلن يضحكن إليها، وتباشرت الحور العين، وبشر أهل السماء بعضهم بعضا بولادة فاطمة عليها السلام، وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك، وقالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة مطهرة زكية ميمونة، بورك فيها وفي نسلها، فتناولتها فرحة مستبشرة، وألقمتها ثديها، فدر عليها، فكانت فاطمة عليها السلام تنمي في اليوم كما ينمي الصبي في الشهر، وتنمي في الشهر كما ينمي الصبي في السنة(١) .

٩٤٨/٢ - حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن علوية الاصبهاني، عن إبراهيم بن محمّد الثقفي، قال: حدّثنا أبونعيم الفضل ابن دكين، قال: حدّثنا زكريا بن أبي زائدة، قال: حدّثنا فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: أقبلت فاطمة عليها السلام تمشي، كأن مشيتها مشية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال النبي: مرحبا بابنتي، فأجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثا فبكت، ثم أسر إليها حديثا فضحكت، فقلت لها: حدثك رسول الله بحديث فبكيت، ثم حدثك بحديث فضحكت، فما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن من فرحك؟ وسألتها عما قال فقالت: ما كنت لافشي سر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، حتى إذا قبض سألتها فقالت: إنه أسر إلي، فقال: إن جبرئيل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة واحدة، وإنه عارضني به العام مرتين، ولا أراني إلا وقد حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحوقا بي، ونعم السلف أنا لك، فبكيت لذلك، ثم قال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الامة؟ أو نساء المؤمنين، فضحكت لذلك(٢) .

٩٤٩/٣ - حدّثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن محمّد الحسني، قال: حدّثنا فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، قال: حدثني الحسن بن

______________

(١) بحار الانوار ٤٣: ٢/١.

(٢) مناقب ابن شهر آشوب ٣: ٣٦٢، كشف الغمة ١: ٤٥٣، بحار الانوار ٤٣: ٥١/٤٨، و: ١٨١/١٦.

٦٩٢

الحسين بن محمّد، قال: أخبرني عليّ بن أحمد بن الحسين بن سليمان القطان، قال: حدّثنا الحسن بن جبرئيل الهمداني، قال: أخبرنا إبراهيم بن جبرئيل، قال: حدّثنا أبوعبدالله الجرجاني، عن نعيم النخعي، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كنت جالسا بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذات يوم، وبين يديه عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، إذ هبط عليه جبرئيل عليه السلام، وبيده تفاحة، فتحيا بها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وحيا بها النبي عليا عليه السلام، فتحيا بها علي عليه السلام، وردها إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فتحيا بها النبي، وحيا بها الحسن عليه السلام، فقبلها وردها إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فتحيا بها النبي، وحيا بها الحسين، فتحيا بها الحسين وقبلها، وردها إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فتحيا بها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وحيا بها فاطمة، فقبلتها وردتها إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وتحيا بها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ثانية، وحيا بها عليا عليه السلام، فتحيا بها علي ثانية، فلما هم أن يردها إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم سقطت التفاحة من أطراف أنامله، فانفلقت بنصفين، فسطع منها نور حتى بلغ سماء الدنيا، وإذا عليه سطران مكتوبان: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه تحية من الله عزّوجلّ إلى محمّد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن والحسين سبطي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأمان لمحبيهم يوم القيامة من النار(١) .

٩٥٠/٤ - حدّثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدّثنا الحسين بن عليّ السكري، قال: حدّثنا محمّد بن زكريا، قال: حدّثنا عمير بن عمران، قال: حدّثنا سليمان بن عمرو النخعي، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة بن اليمان، قال: رأيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم آخذا بيد الحسين بن عليّ عليهما السلام، وهو يقول: يا أيها الناس، هذا الحسين بن عليّ فاعرفوه، فو الذي نفسي بيده إنه لفي الجنة، ومحبيه في الجنة، ومحبي محبيه في الجنة(٢) .

______________

(١) بحار الانوار ٣٧: ٩٩/١.

(٢) بحار الانوار ٤٣: ٢٦٢/٦.

٦٩٣

٩٥١/٥ - حدّثنا محمّد بن أحمد السناني رضي الله عنه، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، قال: حدّثنا بكر بن عبدالله بن حبيب، قال: حدّثنا تميم بن بهلول، قال: حدّثنا عليّ بن عاصم، عن الحسين بن عبد الرحمن، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كنت مع أميرالمؤمنين عليه السلام في خروجه إلى صفين، فلما نزل بنينوى وهو شط الفرات، قال بأعلى صوته: يا بن عباس، أتعرف هذا الموضع؟ فقلت له: ما أعرفه، يا أميرالمؤمنين. فقال علي عليه السلام: لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي.

قال: فبكى طويلا حتى اخضلت لحيته وسالت الدموع على صدره، وبكينا معا(١) ، وهو يقول: أوه أوه، مالي ولآل أبي سفيان، مالي ولآل حرب، حزب الشيطان، وأولياء الكفر، صبرا - يا أبا عبدالله - فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم.

ثم دعا بماء فتوضأ وضوءه للصلاة وصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم ذكر نحو كلامه الاول، إلا أنه نعس عند انقضاء صلاته وكلامه ساعة، ثم انتبه فقال: يا ابن عباس. فقلت: ها أنا ذا. فقال: ألا أحدثك بما رأيت في منامي آنفا عند رقدتي؟ فقلت: نامت عيناك ورأيت خيرا، يا أميرالمؤمنين. قال: رأيت كأني برجال قد نزلوا من السماء معهم أعلام بيض، قد تقلدوا سيوفهم، وهي بيض تلمع، وقد خطوا حول هذه الارض خطة، ثم رأيت كأن هذه النخيل قد ضربت بأغصانها الارض تضطرب بدم عبيط، وكأني بالحسين سخلي(٢) وفرخي ومضغتي ومخي قد غرق فيه، يستغيث فلا يغاث، وكأن الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون: صبرا آل الرسول، فإنكم تقتلون على أيدي شرار الناس، وهذه الجنة - يا أبا عبدالله - إليك مشتاقة. ثم يعزونني ويقولون: يا أبا الحسن، أبشر، فقد أقر الله به عينك يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، ثم انتبهت هكذا. والذي نفس علي بيده، لقد حدثني

______________

(١) في نسخة: معه.

(٢) كذا وفي نسخة: سخيلي، وفي كمال الدين: نجلي.

٦٩٤

الصادق المصدق أبوالقاسم صلّى الله عليه وآله وسلّم أني سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، وهذه أرض كرب وبلاء، يدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلا من ولدي وولد فاطمة، وأنها لفي السماوات معروفة، تذكر أرض كرب وبلاء كما تذكر بقعة الحرمين وبقعة بيت المقدس.

ثم قال: يا ابن عباس، اطلب لي حولها بعر الظباء، فوالله ما كذبت ولا كذبت، وهي مصفرة، لونها لون الزعفران. قال ابن عباس: فطلبتها فوجدتها مجتمعة، فناديته: يا أميرالمؤمنين، قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لي. فقال علي عليه السلام: صدق الله ورسوله.

ثم قام عليه السلام يهرول إليها، فحملها وشمها، وقال: هي هي بعينها، أتعلم - يا بن عباس - ما هذه الابعار؟ هذه قد شمها عيسى بن مريم عليه السلام، وذلك أنه مر بها ومعه الحواريون فرأى ها هنا الضباء مجتمعة وهي تبكي، فجلس عيسى عليه السلام وجلس الحواريون معه، فبكى وبكى الحواريون وهم لا يدرون لم جلس ولم بكى.

فقالوا: يا روح الله وكلمته، ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أي أرض هذه؟ قالوا: لا. قال: هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد وفرخ الحرة الطاهرة البتول شبيهة أمي، ويلحد فيها، طينة أطيب من المسك لانها طينة الفرخ المستشهد، وهكذا تكون طينة الانبياء وأولاد الانبياء، فهذه الظباء تكلمني وتقول: إنها ترعى في هذه الارض شوقا إلى تربة الفرخ المبارك، وزعمت أنها آمنة في هذه الارض.

ثم ضرب بيده إلى هذه الصيران(١) فشمها، وقال: هذه بعر الظباء على هذا الطيب لمكان حشيشها، اللهم فأبقها أبدا حتى يشمها أبوه فتكون له عزاء وسلوة، قال: فبقيت إلى يوم الناس هذا، وقد اصفرت لطول زمنها، وهذه أرض كرب وبلاء. ثم قال بأعلى صوته: يا رب عيسى بن مريم، لا تبارك في قتلته، والمعين عليه،

______________

(١) الصيران: جمع صوار - كغراب وكتاب - ومن معانيها وعاء المسك، كأنه أراد تشبيه البعر بنافجة المسك لطيبها، ويحتمل أن تكون جمع صور - بالفتح - وأراد به الحشيش الملتف النابت في تلك الارض.

٦٩٥

والخاذل له، ثم بكى بكاء طويلا وبكينا معه حتى سقط لوجهه وغشي عليه طويلا، ثم أفاق، فأخذ البعر فصره في ردائه، وأمرني أن أصرها كذلك، ثم قال: يا بن عباس، إذا رأيتها تنفجر دما عبيطا ويسيل منها دم عبيط، فاعلم أن أبا عبدالله قد قتل بها ودفن.

قال ابن عباس: فوالله لقد كنت أحفظها أشد من حفظى لبعض ما افترض الله عزّوجلّ علي، وأنا لا أحلها من طرف كمي، فبينما أنا نائم في البيت إذ انتبهت فإذا هي تسيل دما عبيطا، وكان كمي قد امتلا دما عبيطا، فجلست وأنا باك، وقلت: قد قتل والله الحسين، والله ما كذبني علي قط في حديث حدثني، ولا أخبرني بشئ قط أنه يكون إلا كان كذلك، لان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره. ففزعت وخرجت، وذلك عند الفجر، فرأيت والله المدينة كأنها ضباب لا يستبين منها أثر عين، ثم طلعت الشمس فرأيت كأنها منكسفة، ورأيت كأن حيطان المدينة عليها دم عبيط، فجلست وأنا باك، فقلت: قد قتل والله الحسين، وسمعت صوتا من ناحية البيت، وهو يقول:

اصبروا آل الرسول

قتل الفرخ النحول

نزل الروح الامين

ببكاء وعويل

ثم بكى بأعلى صوته وبكيت، فأثبت عندي، تلك الساعة، وكان شهر المحرم يوم عاشوراء لعشر مضين منه، فوجدته قتل يوم ورد علينا خبره وتاريخه كذلك، فحدثت هذا الحديث أولئك الذين كانوا معه، فقالوا: والله لقد سمعنا ما سمعت ونحن في المعركة، ولا ندري ما هو، فكنا نرى أنه الخضر عليه السلام(١) .

٩٥٢/٦ - حدّثنا أبي رحمه الله، قال: حدّثنا سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضال، عن عبدالله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حيث أسري به إلى السماء، لم يمر بخلق من خلق الله إلا رأى منه ما يحب من البشر واللطف والسرور به حتى مر

______________

(١) كمال الدين وتمام النعمة: ٥٢٣/١، بحار الانوار ٤٤: ٢٥٢/٢ و ٣.

٦٩٦

بخلق من خلق الله، فلم يلتفت إليه، ولم يقل له شيئا، فوجده قاطبا عابسا، فقال: يا جبرئيل، ما مررت بخلق من خلق الله إلا رأيت البشر واللطف والسرور منه إلا هذا، فمن هذا؟ قال: هذا مالك خازن النار، وهكذا خلقه ربه.

قال: فإني أحب أن تطلب إليه أن يريني النار. فقال له جبرئيل: إن هذا محمّدا رسول الله، وقد سألني أن أطلب إليك أن تريه النار. قال: فأخرج له عنقا(١) منها فرآها، فما افتر ضاحكا(٢) حتى قبضه الله عزّوجلّ(٣) .

وصلّى الله على محمّد وآله وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل

______________

(١) أي طائفة.

(٢) أي ابتسم وبدت ثناياه، وفي نسخة: فرآها فلما أبصرها لم يكن ضاحكا.

(٣) بحار الانوار ٨: ٢٨٤/٩.

٦٩٧

[ ٨٨ ]

المجلس الثامن والثمانون

يوم السبت

سلخ رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة

٩٥٣/١ - حدّثنا الشيخ الجليل أبوجعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن سنان، عن زياد بن المنذر، عن ليث بن سعد، قال: قلت لكعب وهو عند معاوية: كيف تجدون صفة مولد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهل تجدون لعترته فضلا؟ فالتفت كعب إلى معاوية لينظر كيف هواه، فأجرى الله عزّوجلّ على لسانه، فقال: هات - يا أبا إسحاق رحمك الله - ما عندك؟

فقال كعب: إني قد قرأت اثنين وسبعين كتاب كلها أنزلت من السماء، وقرأت صحف دانيال كلها، ووجدت في كلها ذكر مولده ومولد عترته، وأن اسمه لمعروف، وأنه لم يولد نبي قط فنزلت عليه الملائكة ما خلا عيسى وأحمد (صلوات الله عليهما)، وما ضرب على آدمية حجب الجنة غير مريم وآمنة أم أحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وما وكلت الملائكة بأنثى حملت غير مريم أم المسيح وآمنة أم أحمد، وكان من علامة حمله أنه لما كان الليلة التي حملت آمنة به صلّى الله عليه وآله وسلّم نادى مناد في السماوات السبع: أبشروا فقد حمل الليلة بأحمد، وفي الارضين كذلك حتى في البحور، وما بقي يومئذ

٦٩٨

في الارض دابة تدب ولا طائر يطير إلا علم بمولده، ولقد بني في الجنة ليلة مولده سبعون ألف قصر من ياقوت أحمر، وسبعون ألف قصر من لؤلؤ رطب، فقيل: هذه قصور الولادة، ونجدت(١) الجنان، وقيل لها: اهتزي وتزيني، فإن نبي أوليائك قد ولد. فضحكت الجنة يومئذ فهي ضاحكة إلى يوم القيامة.

وبلغني أن حوتا من حيتان البحر يقال له طمسوسا(٢) - وهو سيد الحيتان - له سبع مائة ألف ذنب، يمشي على ظهره سبعمائة ألف ثور، الواحد منها أكبر من الدنيا، لكل ثور سبعمائة ألف قرن من زمرد أخضر، لا يشعر بهن، اضطرب فرحا بمولده، ولولا أن الله تبارك وتعالى ثبته لجعل عاليها سافلها.

ولقد بلغني أن يومئذ ما بقي جبل إلا نادى صاحبه بالبشارة ويقول: لا إله إلا الله، ولقد خضعت الجبال كلها لابي قبيس كرامة لمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولقد قدست الاشجار أربعين يوما بأنواع أفنانها(٣) وثمارها فرحا بمولده، ولقد ضرب بين السماء والارض سبعون عمودا من أنواع الانوار لا يشبه كل واحد صاحبه، وقد بشر آدم بمولده فزيد في حسنه سبعين ضعفا، وكان قد وجد مرارة الموت، وكان قد مسه ذلك فسري عنه ذلك.

ولقد بلغني أن الكوثر اضطرب في الجنة واهتز، فرمى بسبعمائة ألف قصر من قصور الدر والياقوت نثارا لمولد محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولقد زم إبليس وكبل(٤) وألقي في الحصن أربعين يوما، وغرق عرشه أربعين يوما، ولقد تنكست الاصنام كلها وصاحت وولولت، ولقد سمعوا صوتا من الكعبة: يا آل قريش، لقد جاءكم(٥) البشير، جاءكم النذير معه عز الابد والربح الاكبر، وهو خاتم الانبياء. ونجد في الكتب أن

______________

(١) أي زينت.

(٢) في نسخة: طموسا.

(٣) أي أغصانها.

(٤) الزم: الشد، والتكبيل: التقييد والسجن.

(٥) في نسخة: يالقريش جاءكم.

٦٩٩

عترته خير الناس بعده، وأنه لا يزال الناس في أمان من العذاب ما دام من عترته في دار الدنيا خلق يمشي.

فقال معاوية: يا أبا إسحاق، ومن عترته؟ قال كعب: ولد فاطمة. فعبس وجهه، وعض على شفتيه، وأخذ يعبث بلحيته. فقال كعب: وإنا نجد صفة الفرخين المستشهدين، وهما فرخا فاطمة، يقتلهما شر البرية، قال: ومن يقتلهما؟ قال: رجل من قريش. فقام معاوية وقال: قوموا إن شئتم، فقمنا(١) .

٩٥٤/٢ - حدّثنا عليّ بن عيسى المجاور رحمه الله، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد ابن بندار، عن أبيه، عن محمّد بن عليّ المقري، عن محمّد بن سنان، عن مالك بن عطية، عن ثوير بن سعيد، عن أبيه سعيد بن علاقة، عن الحسن البصري، قال: صعد أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام منبر البصرة فقال: أيها الناس، انسبوني، فمن عرفني فلينسبني، وإلا فأنا أنسب نفسي، أنا زيد بن عبد مناف بن عامر بن عمرو ابن المغيرة بن زيد بن كلاب، فقام إليه ابن الكواء فقال: يا هذا، ما نعرف لك نسبا غير أنك عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.

فقال له: يا لكع، إن أبي سماني زيدا باسم جده قصي، وإن اسم أبي عبد مناف فغلبت الكنية على الاسم، وإن اسم عبد المطلب عامر فغلب اللقب على الاسم، واسم هاشم عمرو فغلب القلب على الاسم، واسم عبد مناف المغيرة فغلب اللقب على الاسم، وإن اسم قصي زيد فسمته العرب مجمعا - لجمعه إياها من البلد الاقصى إلى مكة - فغلب اللقب على الاسم(٢) .

٩٥٥/٣ - حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدثني سعد بن عبدالله، قال: حدثني الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن الحسن بن محبوب، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: أوحى الله عزّوجلّ إلى

______________

(١) بحار الانوار ١٥: ٢٦١/١٢.

(٢) معاني الاخبار: ١٢١/٢ « نحوه »، بحار الانوار ٣٥: ٥١/٥.

٧٠٠

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780